بَاب وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَقَدْ خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً ، مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ ، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُه فَأَعْرِفُه كمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الرجل إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ هُوَ أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : لَقَدْ خَطَبَنَا فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامًا .
قَوْلُهُ : إِلَّا ذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : إِلَّا حَدَّثَ بِهِ . قَوْلُهُ : عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ، فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ وَزَادَ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ أَيْ عَلِمُوا وُقُوعَ ذَلِكَ الْمَقَامِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَقَدْ سَمَّيْتُ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ مَنْ رَوَى نَحْوَ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ هَذَا مِنَ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ ، وَأَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ ، قَالَ وَغَيْرُهُمْ فَلَعَلَّ حُذَيْفَةَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى بَعْضِهِمْ ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ كُلَّ فِتْنَةٍ كَائِنَةٍ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَةِ ، وَمَا بِي أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إِلَىَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ بِهِ غَيْرِي وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهْطُ غَيْرِي وَهَذَا لَا يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ ، بَلْ يُجْمَعُ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَجْلِسَيْنِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ أَعَمُّ مِنَ الْمُرَادِ بِالثَّانِي . قَوْلُهُ : إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الشَّيْءَ قَدْ نَسِيتُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِإِثْبَاتِهِ ، وَلَفْظُهُ نَسِيتُهُ قَوْلُهُ : فَأَعْرِفُهُ كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إِذَا غَابَ عَنْهُ فَرَآهُ فَعَرَفَهُ ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ غَابَ عَنْهُ ثُمَّ رَآهُ فَعَرَفَهُ قَالَ عِيَاضٌ : فِي هَذَا الْكَلَامِ تَلْفِيقٌ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ : وَأَنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ ، فَأَرَاهُ ، فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ قَالَ : وَالصَّوَابُ كَمَا يَنْسَى الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ - أَوْ كَمَا لَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ - إِذَا غَابَ عَنْهُ ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ ، قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الرِّوَايَةَ فِي الْأَصْلَيْنِ مُسْتَقِيمَةٌ ، وَتَقْدِيرُ مَا فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ أَنَّهُ يَرَى الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ نَسِيَهُ ، فَإِذَا رَآهُ عَرَفَهُ ، وَقَوْلُهُ : كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ غَابَ عَنْهُ ، أَيِ الَّذِي كَانَ غَابَ عَنْهُ ، فَنَسِيَ صُورَتَهُ ، ثُمَّ إِذَا رَآهَ عَرَفَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ : إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ نَسِيتُهُ فَأَعْرِفُهُ كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ إِلَخْ .
( تَنْبِيهٌ ) : أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ ، ثُمَّ قَالَ حُذَيْفَةُ : مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْهُ ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا ، قُلْتُ : وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي كِتَابِ أَبِي دَاوُدَ ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ آخَرَ مُسْتَقِلٍّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُذَيْفَةَ .