بَاب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بَاب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَقَالَ سَعْدٌ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا . يُقَالُ : وَاللَّهِ وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ 6628 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيِ الَّتِي كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الْقَسَمِ بِهَا أَوْ يُكْثِرُ ، وَجُمْلَةُ مَا ذُكِرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ : أَحَدُهَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَكَذَا نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، فَبَعْضُهَا مُصَدَّرٌ بِلَفْظِ لَا وَبَعْضُهَا بِلَفْظِ أَمَا وَبَعْضُهَا بِلَفْظِ أَيْمُ ، ثَانِيهَا لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، ثَالِثُهَا وَاللَّهِ ، رَابِعُهَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّتُهُ مِنْ تَقْرِيرِهِ لَا مِنْ لَفْظِهِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُهَا وُرُودًا ، وَفِي سِيَاقِ الثَّانِي إِشْعَارٌ بِكَثْرَتِهِ أَيْضًا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ عَرَابَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيِّ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا حَلَفَ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ : لَا وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ .
وَدَلَّ مَا سِوَى الثَّالِثِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ لَا يُرَادُ بِهِ اخْتِصَاصُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ بِذَلِكَ ، بَلْ يَتَنَاوَلُ كُلَّ اسْمٍ وَصِفَةٍ تَخْتَصُّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَكَذَا الصِّفَاتِ صَرِيحٌ فِي الْيَمِينِ تَنْعَقِدُ بِهِ وَتَجِبُ لِمُخَالِفَتِهِ الْكَفَّارَةَ ، وَهُوَ وَجْهٌ غَرِيبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَعِنْدَهُمْ وَجْهٌ أَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ صَرِيحٌ إِلَّا لَفْظَ الْجَلَالَةِ وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَرُدُّهُ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : أَحَدُهَا مَا يَخْتَصُّ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ الْخَلْقِ فَهُوَ صَرِيحٌ تَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ سَوَاءً قَصَدَ اللَّهَ أَوْ أَطْلَقَ . ثَانِيهَا مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ لِغَيْرِهِ لَكِنْ بِقَيْدٍ كَالرَّبِّ وَالْحَقِّ ، فَتَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ إِلَّا إِنْ قَصَدَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ .
ثَالِثُهَا مَا يُطْلَقُ عَلَى السَّوَاءِ كَالْحَيِّ وَالْمَوْجُودِ وَالْمُؤْمِنِ ، فَإِنْ نَوَى غَيْرَ اللَّهِ أَوْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَإِنْ نَوَى بِهِ اللَّهَ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمِثْلُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلَّهِ جَزْمًا ، فَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَهُ كَمَلَكِ الْمَوْتِ مَثَلًا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الصَّرَاحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَيُلْتَحَقُ بِهِ وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . وَأَمَّا مِثْلُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ ، أَوْ أَسْجُدُ لَهُ ، أَوْ أُصَلِّي لَهُ فَصَرِيحٌ جَزْمًا ، وَجُمْلَةُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ عِشْرُونَ حَدِيثًا .
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعْدٌ ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ مَضَى الْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ فِي حَدِيثٍ أَوَّلُهُ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ الْحَدِيثَ وَفِيهِ إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ . وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَاهَا اللَّهِ إِذًا ) وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَقَدْ بَسَطْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ هُنَاكَ .
قَوْلُهُ : ( يُقَالُ : وَاللَّهِ وَبِاللَّهِ وَتَاللَّهِ ) يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ حُرُوفُ الْقَسَمِ ، فَفِي الْقُرْآنِ الْقَسَمُ بِالْوَاوِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ فِي عِدَّةِ أَشْيَاءَ ، وَبِالْمُثَنَّاةِ فِي قَوْلِهِ : تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَ وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَنُقِلَ قَوْلٌ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَسَمَ بِالْمُثَنَّاةِ لَيْسَ صَرِيحًا ; لِأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهَا ، وَالْأَيْمَانُ مُخْتَصَّةٌ بِالْعُرْفِ ، وَتَأَوَّلَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ . نَعَمْ تَفْتَرِقُ الثَّلَاثَةُ بِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ يَدْخُلَانِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ ، وَلَا تَدْخُلُ الْمُثَنَّاةُ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ بِإِيرَادِ هَذَا الْكَلَامِ هُنَا عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ إِلَى أَنَّ أَصْلَ لَاهَا اللَّهِ لَا وَاللَّهِ فَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَقِيلَ : الْهَاءُ نَفْسُهَا أَيْضًا حَرْفُ قَسَمٍ بِالْأَصَالَةِ .
وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ أَصْلَ أَحْرُفِ الْقَسَمِ الْوَاوُ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةُ ثُمَّ الْمُثَنَّاةُ . وَنَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُوَحَّدَةَ هِيَ الْأَصْلُ ، وَأَنَّ الْوَاوَ بَدَلٌ مِنْهَا ، وَأَنَّ الْمُثَنَّاةَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ، وَقَوَّاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْبَاءَ تَعْمَلُ فِي الضَّمِيرِ بِخِلَافِ الْوَاوِ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ، وَهُوَ الْبِيكَنْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا .
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ الَّتِي يَحْلِفُ عَلَيْهَا وَفِي أُخْرَى لَهُ يَحْلِفُ بِهَا . قَوْلُهُ : ( لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِلَفْظِ كَثِيرًا مَا كَانَ وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ أَكْثَرَ مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْلِفُ فَذَكَرَهُ .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ كَانَ أَكْثَرُ أَيْمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ وَقَوْلُهُ : لَا نَفْيٌ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ هُوَ الْمُقْسَمُ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِتَقْلِيبِ الْقُلُوبِ تَقْلِيبُ أَعْرَاضِهَا وَأَحْوَالِهَا لَا تَقْلِيبَ ذَاتِ الْقَلْبِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْقَلْبِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالدَّوَاعِي وَسَائِرِ الْأَعْرَاضِ بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - ، وَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِمَا ثَبَتَ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَحَنِثَ ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَصْلِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَيِّ صِفَةٍ تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِأَفْعَالِ اللَّهِ إِذَا وُصِفَ بِهَا وَلَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ ، قَالَ : وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ فَقَالُوا : إِنْ حَلَفَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ، وَإِنْ حَلَفَ بِعِلْمِ اللَّهِ لَمْ تَنْعَقِدْ ; لِأَنَّ الْعِلْمَ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْمَعْلُومِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ هُنَا مَجَازٌ إِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَعْلُومُ ، وَالْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ .
قَالَ الرَّاغِبُ : تَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ صَرْفُهَا عَنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ ، وَالتَّقَلُّبُ التَّصَرُّفُ قَالَ - تَعَالَى - : أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ قَالَ : وَسُمِّيَ قَلْبُ الْإِنْسَانِ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ . وَيُعَبَّرُ بِالْقَلْبِ عَنِ الْمَعَانِي الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الرُّوحِ وَالْعِلْمِ وَالشُّجَاعَةِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ أَيِ الْأَرْوَاحُ ، وَقَوْلُهُ : لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَيْ عِلْمٌ وَفَهْمٌ ، وَقَوْلُهُ : وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ أَيْ تَثْبُتَ بِهِ شُجَاعَتُكُمْ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الْقَلْبُ جُزْءٌ مِنَ الْبَدَنِ خَلَقَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلَّ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْبَاطِنَةِ ، وَجَعَلَ ظَاهِرَ الْبَدَنِ مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ ، وَوَكَّلَ بِهَا مَلَكًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَشَيْطَانًا يَأْمُرُ بِالشَّرِّ ، فَالْعَقْلُ بِنُورِهِ يَهْدِيهِ ، وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ ، وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ ، وَالْقَلْبُ يَنْقَلِبُ بَيْنَ الْخَوَاطِرِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ ، وَاللَّمَّةُ مِنَ الْمَلَكِ تَارَةً وَمِنَ الشَّيْطَانِ أُخْرَى ، وَالْمَحْفُوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - .