بَاب كَيْفَ كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَا عُمَرُ .
الْحَدِيثُ السَّابِعُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ أَيِ ابْنِ زُهْرَةَ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ مِنْ رَهْطِ الصِّدِّيقِ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) تَقَدَّمَ هَذَا الْقَدْرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا السَّنَدِ فِي آخِرِ مَنَاقِبِ عُمَرَ ، فَذَكَرْتُ هُنَاكَ نَسَبَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ وَبَعْضَ حَالِهِ ، وَتَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الشَّرِكَةِ وَالدَّعَوَاتِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسِي ) اللَّامُ لِتَأْكِيدِ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ كَأَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَنْتَ إِلَخْ .
قَوْلُهُ : ( لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ) أَيْ لَا يَكْفِي ذَلِكَ لِبُلُوغِ الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا حَتَّى يُضَافَ إِلَيْهِ مَا ذُكِرَ . وَعَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ : تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَا تَصْدُقُ فِي حُبِّي حَتَّى تُؤْثِرَ رِضَايَ عَلَى هَوَاكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْهَلَاكُ . وَقَدْ قَدَّمْتُ تَقْرِيرَ هَذَا فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ .
قَوْلُهُ : ( فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الْآنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْآنَ يَا عُمَرُ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : وُقُوفُ عُمَرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَاسْتِثْنَاؤُهُ نَفْسَهُ إِنَّمَا اتَّفَقَ حَتَّى لَا يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ مَا قَالَ تَقَرَّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ فَحَلَفَ كَذَا قَالَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : حُبُّ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ طَبْعٌ ، وَحُبُّ غَيْرِهِ اخْتِيَارٌ بِتَوَسُّطِ الْأَسْبَابِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حُبَّ الِاخْتِيَارِ إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى قَلْبِ الطِّبَاعِ وَتَغْيِيرِهَا عَمَّا جُبِلَتْ عَلَيْهِ . قُلْتُ : فَعَلَى هَذَا فَجَوَابُ عُمَرَ أَوَّلًا كَانَ بِحَسَبِ الطَّبْعِ ، ثُمَّ تَأَمَّلَ فَعَرَفَ بِالِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِي نَجَاتِهَا مِنَ الْمُهْلِكَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى فَأَخْبَرَ بِمَا اقْتَضَاهُ الِاخْتِيَارُ ، وَلِذَلِكَ حَصَلَ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ : الْآنَ يَا عُمَرُ أَيِ الْآنَ عَرَفْتَ فَنَطَقْتَ بِمَا يَجِبُ .
وَأَمَّا تَقْرِيرُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ الْآنَ صَارَ إِيمَانُكَ مُعْتَدًّا بِهِ ، إِذِ الْمَرْءُ لَا يُعْتَدُّ بِإِيمَانِهِ حَتَّى يَقْتَضِيَ عَقْلُهُ تَرْجِيحَ جَانِبِ الرَّسُولِ ، فَفِيهِ سُوءُ أَدَبٍ فِي الْعِبَارَةِ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَقَعُ مِثْلُ هَذَا فِي كَلَامِ الْكِبَارِ عِنْدَ عَدَمِ التَّأَمُّلِ وَالتَّحَرُّزِ لِاسْتِغْرَاقِ الْفِكْرِ فِي الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ ، فَلَا يَنْبَغِي التَّشْدِيدُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ بَلْ يُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدِّ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهِ لِئَلَّا يَقَعَ الْمُنْكَرُ فِي نَحْوِ مِمَّا أَنْكَرَهُ .