بَاب الْيَمِينِ الْغَمُوسِ
بَاب الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾دَخَلًا : مَكْرًا وَخِيَانَةً . 6675 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا فِرَاسٌ قَالَ : سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرَهُ مُهْمَلَةٌ ، قِيلَ : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ ، فَهِيَ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ، وَقِيلَ : الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَاهَدُوا أَحْضَرُوا جَفْنَةً فَجَعَلُوا فِيهَا طِيبًا أَوْ دَمًا أَوْ رَمَادًا ، ثُمَّ يَحْلِفُونَ عِنْدَمَا يُدْخِلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا لِيَتِمَّ لَهُمْ بِذَلِكَ الْمُرَادُ مِنْ تَأْكِيدِ مَا أَرَادُوا .
فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْيَمِينُ إِذَا غَدَرَ صَاحِبُهَا غَمُوسًا لِكَوْنِهِ بَالَغَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ ، وَكَأَنَّهَا عَلَى هَذَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْيَدِ الْمَغْمُوسَةِ ، فَيَكُونُ فَعُولٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الَّتِي يَنْغَمِسُ صَاحِبُهَا فِي الْإِثْمِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ : لَا كَفَّارَةَ فِيهَا ، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ وَهَذِهِ يَمِينٌ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ ; لِأَنَّ الْمُنْعَقِدَ مَا يُمْكِنُ حَلُّهُ ، وَلَا يَتَأَتَّى فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ الْبِرُّ أَصْلًا . قَوْلُهُ : وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا الْآيَةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِلَى عَظِيمٍ .
قَوْلُهُ : ( دَخَلًا مَكْرًا وَخِيَانَةً ) هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ قَتَادَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : خِيَانَةً وَغَدْرًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : يَعْنِي مَكْرًا وَخَدِيعَةً ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يَعْنِي خِيَانَةً ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الدَّخَلُ كُلُّ أَمْرٍ كَانَ عَلَى فَسَادٍ ; وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى الْآيَةِ لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمُ الَّتِي تَحْلِفُونَ بِهَا عَلَى أَنَّكُمْ تُوفُونَ بِالْعَهْدِ لِمَنْ عَاهَدْتُمُوهُ دَخَلًا أَيْ خَدِيعَةً وَغَدْرًا لِيَطْمَئِنُّوا إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ تُضْمِرُونَ لَهُمُ الْغَدْرَ انْتَهَى . وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ لِلْيَمِينِ الْغَمُوسِ وُرُودُ الْوَعِيدِ عَلَى مَنْ حَلَفَ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا . ( قَوْلُهُ : النَّضْرُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ ابْنُ شُمَيْلٍ بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرٌ ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ شُعْبَةَ وَكَأَنَّ لِابْنِ مُقَاتِلٍ فِيهِ شَيْخَيْنِ إِنْ كَانَ حَفِظَهُ ، وَفِرَاسٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرَهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَيِ ابْنِ الْعَاصِ . قَوْلُهُ : ( الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ) فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ ، عَنْ فِرَاسٍ فِي أَوَّلِهِ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ . قَوْلُهُ : ( الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ إِلَخْ ) ذَكَرَ هُنَا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءٍ بَعْدَ الشِّرْكِ وَهُوَ الْعُقُوقُ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ، وَرَوَاهُ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ قَالَ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ شَكَّ شُعْبَةُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْهُ هَكَذَا ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ الدِّيَاتِ وَالتِّرْمِذِيُّ جَمِيعًا عَنْ بُنْدَارٍ ، عَنْ غُنْدَرٍ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ هُنَاكَ ، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، أَوْ قَالَ قَتْلُ النَّفْسِ .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَلَمْ يَذْكُرْ قَتْلَ النَّفْسِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ شَيْبَانَ قُلْتُ : وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ ؟ قَالَ : الَّتِي تَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَذِبٌ وَالْقَائِلُ قُلْتُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَاوِي الْخَبَرِ ، وَالْمُجِيبُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مَنْ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْمُجِيبُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ مَنْ دُونَهُ ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْأَشْعَثُ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى تَعْيِينِ الْقَائِلِ قُلْتُ : وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَعَلَى تَعْيِينِ الْمَسْئُولِ فَوَجَدْتُ الْحَدِيثَ فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَهُوَ قِسْمُ النَّوَاهِي . وَأَخْرَجَهُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، فَقَالَ فِي آخِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ ثُمَّ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ : قُلْتُ لِعَامِرٍ : مَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ إِلَخْ فَظَهَرَ أَنَّ السَّائِلَ عَنْ ذَلِكَ فِرَاسٌ وَالْمَسْئُولُ الشَّعْبِيُّ وَهُوَ عَامِرٌ ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ ثُمَّ لِلَّهِ الْحَمْدُ ثُمَّ لِلَّهِ الْحَمْدُ ، فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ تَحَرَّرَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ الشُّرَّاحِ ، حَتَّى إِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ ، وَأَبَا نُعَيْمٍ لَمْ يُخْرِجَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَسَيَأْتِي عَدُّ الْكَبَائِرِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ضَابِطَ الْكَبِيرَةِ وَالْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ فِي الذُّنُوبِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَأَكْبَرَ ، فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَذَكَرْتُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ، وَأَنَّهُ وَرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ لَهُ شَاهِدًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ ، وَذَكَرَ فِيهِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَيْضًا . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ وَالْعُقُوقَ وَالْقَتْلَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا كَفَّارَتُهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا ، وَالتَّمْكِينُ مِنَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ ، فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا ذُكِرَتْ مَعَهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِذَلِكَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحْكَامِ جَائِزٌ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى : - كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ وَالْأَكْلُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَاهِينَ بِسَنَدِهِ إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ صَبْرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَظَاهِرُ سَنَدِهِ الصِّحَّةُ ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ ; لِأَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةَ بَقِيَّةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَقَالَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَنِ الْمُتَوَكِّلِ أَوْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّاجِيَ الثِّقَةَ بَلْ آخَرُ مَجْهُولٌ ، وَأَيْضًا فَالْمَتْنُ مُخْتَصَرٌ وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ : مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهَا كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَذَكَرَ فِي آخِرِهَا : وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، ثُمَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، ثُمَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ، وَرَوَى آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي مُسْنَدِ شُعْبَةَ ، وَإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ قَالَ : وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ ، وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَفَّارَةِ كَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَعْمَرٍ ، وَالشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ أَحْوَجُ لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَزِيدُهُ إِلَّا خَيْرًا ، وَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ وَرَدُّ الْمَظْلِمَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَكَفَّرَ فَالْكَفَّارَةُ لَا تَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ التَّعَدِّي بَلْ تَنْفَعُهُ فِي الْجُمْلَةِ .
وَقَدْ طَعَنَ ابْنُ حَزْمٍ فِي صِحَّةِ الْأَثَرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَاحْتَجَّ بِإِيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ الْجِمَاعَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ وَفِيمَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ ، قَالَ : وَلَعَلَّهُمَا أَعْظَمُ إِثْمًا مِنْ بَعْضِ مَنْ حَلَفَ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ أَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَزْنِيَ ثُمَّ زَنَى وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمِنْ حُجَّةِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ : فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ فَأَمَرَ مَنْ تَعَمَّدَ الْحِنْثَ أَنْ يُكَفِّرَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ لِمَنْ حَلَفَ حَانِثًا .