حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب إِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ وَمَا يَكُونُ مِنْ الْأُدْمِ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ أَبُو طَلْحَةَ ، لِأُمِّ سُلَيْمٍ : لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ، ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَهَبْتُ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ ، فَقُمْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَأَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ مَعَهُ : قُومُوا ، فَانْطَلَقُوا وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ الطَّعَامِ مَا نُطْعِمُهُمْ ، فَقَالَتْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو طَلْحَةَ حَتَّى دَخَلَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ ، مَا عِنْدَكِ ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ ، قَالَ : فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ الْخُبْزِ فَفُتَّ ، وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ، ثُمَّ قَالَ : ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا ، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا . وَالثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أَقْرَاصِ الشَّعِيرِ وَأَكْلِ الْقَوْمِ وَهُمْ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا حَتَّى شَبِعُوا ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ قَوْلُهُ : فَأَمَرَ بِالْخُبْزِ فَفُتَّ وَعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ ، أَيْ : خَلَطَتْ مَا حَصَلَ مِنَ السَّمْنِ بِالْخُبْزِ الْمَفْتُوتِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ : مَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ : ائْتَدَمَ إِلَّا إِذَا أَكَلَ بِمَا اصْطَبَغَ بِهِ ، قَالَ : وَمُنَاسَبَتُهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ الْمَعْلُومَ أَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ الْإِدَامِ مُطْلَقًا بِقَرِينَةِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ شَظَفِ عَيْشِهِمْ ، فَدَخَلَ فِيهِ التَّمْرُ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ التَّمْرَ لَمَّا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ وَهُوَ غَالِبُ أَقْوَاتِهِمْ وَكَانُوا شَبَاعَى مِنْهُ عُلِمَ أَنَّ أَكْلَ الْخُبْزِ بِهِ لَيْسَ ائْتِدَامًا ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ ، وَهُوَ لَفْظُ الْمَأْدُومِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا عَلَى شَرْطِهِ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِيرَادُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ تَصَرُّفِ النَّقَلَةِ .

قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ مُبَايِنٌ لِمُرَادِ الْبُخَارِيِّ ، وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ ، لَكِنْ بِأَنْ يَنْضَمَّ إِلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ ، وَالثَّالِثُ بَعِيدٌ جِدًّا . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَأَمَّا قِصَّةُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَظَاهِرَةُ الْمُنَاسَبَةِ ; لِأَنَّ السَّمِنَ الْيَسِيرَ الَّذِي فَضَلَ فِي قَعْرِ الْعَكَّةِ لَا يُصْطَبَغُ بِهِ الْأَقْرَاصُ الَّتِي فَتَّتْهَا ، وَإِنَّمَا غَابتُهُ أَنْ يَصِيرَ فِي الْخُبْزِ مِنْ طَعْمِ السَّمْنِ فَأَشْبَهَ مَا إِذَا خَالَطَ التَّمْرَ عِنْدَ الْأَكْلِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَمَّى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِدَامًا ، فَإِنَّ الْحَالِفَ أَنْ لَا يَأْتَدِمَ يَحْنَثُ إِذَا أَكَلَهُ مَعَ الْخُبْزِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، سَوَاءً كَانَ يُصْطَبَغُ بِهِ أَمْ لَا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : لَا يَحْنَثُ إِذَا ائْتَدَمَ بِالْجُبْنِ وَالْبَيْضِ ، وَخَالَفَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، فَقَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ مِمَّا الْغَالِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَاللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ وَالْجُبْنِ أُدْمٌ ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا هُوَ عِنْدَ الْحَالِفِ أُدْمٌ ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ عَادَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى الْمِلْحَ جَرِيشًا كَانَ أَوْ مُطَيَّبًا ( تَنْبِيهٌ ) : مِنْ حُجَّةِ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بُرَيْدَةَ : فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأُتِيَ بِخُبْزٍ وَإِدَامٍ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ ، الْحَدِيثَ .

وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَكَانِهِ ، وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَطْعِمَةِ : بَابُ الْأُدْمُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْبَيْتِ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالِائْتِدَامِ بِهِ يُسَمَّى أُدْمًا مَائِعًا كَانَ أَوْ جَامِدًا . وَكَذَا حَدِيثُ : تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً ، وَإِدَامُهُمْ زَائِدَةُ كَبِدِ الْحُوتِ .

وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَفِي خُصُوصِ الْيَمِينِ الْمَذْكُورَةِ فِي التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً ، وَقَالَ : هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ . قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا بِلَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَنَّهُ ائْتَدَمَ بِهِ ، فَلَوْ قَالَ : أَكَلْتُ خُبْزًا بِلَا إِدَامٍ كَذَبَ ، وَإِنْ قَالَ : أَكَلْتُ خُبْزًا بِإِدَامٍ صَدَقَ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ : الْإِدَامُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُسْتَهْلَكَ الْخُبْزَ فِيهِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَابِعًا لَهُ ، بِأَنْ تَتَدَاخَلَ أَجْزَاؤُهُ فِي أَجْزَائِهِ ، وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يُصْطَبَغُ بِهِ ، فَقَدْ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ مُسَلَّمٌ ، لَكِنَّ دَعْوَى التَّدَاخُلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّنَاوُلِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاسْتِهْلَاكُ بِالْأَكْلِ فَيَتَدَاخَلَانِ حِينَئِذٍ

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث