بَاب تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ
بَاب تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ . وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ يَعْنِي الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ 6724 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلَا تَحَسَّسُوا ، وَلَا تَجَسَّسُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ .
وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ ، يَعْنِي الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ ) هَذَا الْأَثَرُ لَمْ أَظْفَرْ بِهِ مَوْصُولًا ، وَقَوْلُهُ : قَبْلَ الظَّانِّينَ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْعَصْرِ كَانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ النُّصُوصِ وَلَا يَتَجَاوَزُونَهَا ، وَإِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمُ الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ ، وَفِيهِ إِنْذَارٌ بِوُقُوعِ مَا حَصَلَ مِنْ كَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِالرَّأْيِ ، وَقِيلَ : مُرَادُهُ قَبْلَ انْدِرَاسِ الْعِلْمِ وَحُدُوثُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إِلَى عِلْمٍ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَإِنَّمَا خَصَّ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ عُقْبَةَ بِالْفَرَائِضِ لأَنَّهَا أَدْخَلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا; لِأَنَّ الْفَرَائِضَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّعَبُّدُ وَانْحِسَامُ وُجُوهِ الرَّأْيِ وَالْخَوْضُ فِيهَا بِالظَّنِّ لَا انْضِبَاطَ لَهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَجَالًا وَالِانْضِبَاطَ فِيهَا مُمْكِنٌ غَالِبًا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَقِيلَ : وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ يَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ وَذَلِكَ فَرْعُ تَعَلُّمِهِ ، وَعِلْمُ الْفَرَائِضِ يُؤْخَذُ غَالِبًا بِطَرِيقِ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَمَّا كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَعَلُّمُ الْفَرَائِضِ لِيُعْلَمَ الْأَخُ الْوَارِثُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا .
وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَالِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي أَسَانِيدِهَا عَنْهُ أَيْضًا اخْتِلَافٌ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدٍ الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ ، أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَخْتَصِمُ الرَّجُلَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَرَاشِدٌ مَقْبُولٌ لَكِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ مَجْهُولٌ . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا : تَعْلَمُوا الْفَرَائِضَ كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا أَيْضًا : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَتَعَلَّمِ الْفَرَائِضَ وَرِجَالُهَا ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِي أَسَانِيدِهَا انْقِطَاعًا .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَفْظُ النِّصْفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِذْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ : إِنَّهُ يُبْتَلَى بِهِ كُلُّ النَّاسِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لِأَنَّ لَهُمْ حَالَتَيْنِ ؛ حَالَةَ حَيَاةٍ وَحَالَةَ مَوْتٍ وَالْفَرَائِضُ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمَوْتِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تُتَلَقَّى مِنَ النُّصُوصِ ، وَمِنَ الْقِيَاسِ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تُتَلَقَّى إِلَّا مِنَ النُّصُوصِ كَمَا تَقَدَّمَ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى ، وَفِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالظَّنِّ هُنَا وَأَنَّهُ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ ظَنُّ السُّوءِ بِالْمُسْلِمِ ، وَابْنُ طَاوُسٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ .