بَاب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ
بَاب الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ 6784 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ فَقَالَ : بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا . وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ كُلَّهَا فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ ) .
قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) لَمْ أَرَهُ مَنْسُوبًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْبِيكَنْدِيُّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ سُفْيَانُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَفِيهِ : وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : وَمَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَفَعَهُ : مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ وَسَنَدُهُ حَسَنٌ .
وَفِي الْبَابِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرٍو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَيْهِ نَحْوُ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَفِيهِ : فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ . وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ نَحْوُهُ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَ حَدِيثِ الْبَابِ مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْعَاشِرِ مِنْ كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَّلِ الصَّحِيحِ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلَهُ : الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : مَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَوْ لَا ، وَأَجَابَ بِأَنَّ سَنَدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَصَحُّ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الثَّانِيَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ ثُمَّ أُعْلِمَ فَقَالَ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ التِّينِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ .
وَقَدْ أُجِيبَ مَنْ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ عَنْ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ ، وَالثَّانِي وَهُوَ التَّرَدُّدُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ مِمَّنْ بَايَعَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ، وَبَيْعَةُ الْعَقَبَةِ كَانَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسِتِّ سِنِينَ . وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْبَيْعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً عَنْ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدَلِيلِ أَنَّ الْآيَةَ الْمُشَارَ إِلَيْهَا فِي قَوْلِهِ : وَقَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَى آخِرهَا ، وَكَانَ نُزُولُهَا فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ سَنَتَيْنِ ، وَقَرَّرْتُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بَيِّنًا . وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْكَالُ مِنْ قَوْلِهِ هُنَاكَ : إِنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا ، فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلِ الْبَيْعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ كَانَتْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ إِلَخْ ، وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ أَيْضًا كَمَا أَوْضَحْتُهُ هُنَاكَ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : دَخَلَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ الْمُشْرِكُ ، أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى ، فَإِنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا عُوقِبَ عَلَى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ بَلْ زِيَادَةً فِي نَكَالِهِ . قُلْتُ : وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ ، قَالَ : وَأَمَّا الْقَتْلُ فَهُوَ كَفَّارَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيِّ الْمُسْتَوْفِي لِلْقِصَاصِ فِي حَقِّ الْمَقْتُولِ ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ بَلْ يَبْقَى حَقُّ الْمَقْتُولِ فَيُطَالِبُهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ . قُلْتُ : وَالَّذِي قَالَهُ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ ، وَقَدْ نَقَلْتُ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا قَوْلَ مَنْ قَالَ : يَبْقَى لِلْمَقْتُولِ حَقُّ التَّشَفِّي ، وَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ إِطْلَاقِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ هُنَا .
قَالَ : وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَتَتَوَقَّفُ بَرَاءَةُ السَّارِقِ فِيهَا عَلَى رَدِّ الْمَسْرُوقِ لِمُسْتَحِقِّهِ ، وَأَمَّا الزِّنَا فَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ ، وَهِيَ غَفْلَةٌ ؛ لِأَنَّ لِآلِ الْمزَنِيِّ بِهَا فِي ذَلِكَ حَقًّا لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ دُخُولِ الْعَارِ عَلَى أَبِيهَا وَزَوْجِهَا وَغَيْرِهِمَا . وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَصُّ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ .