بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَفِي كَمْ يُقْطَعُ
حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ : تُرْسٍ أَوْ حَجَفَةٍ ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ . 6795 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي نَافِعٌ قِيمَتُهُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَمْ يَرْوِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِلَّا نَافِعٌ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ .
قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ) يَعْنِي عَنْ نَافِعٍ أَيْ فِي قَوْلِهِ : ثَمَنُهُ وَرِوَايَتُهُ مَوْصُولَةٌ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ ، وَهُوَ ابْنُ أَسْمَاءَ مِثْلَ هَذَا السِّيَاقِ سَوَاءً ، وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ أَيِ الْعُمَرِيُّ مِثْلَهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : قَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَ سَارِقٍ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ قِيمَتُهُ ) يَعْنِي أَنَّ اللَّيْثَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ كَالْجَمَاعَةِ لَكِنْ قَالَ قِيمَتُهُ بَدَلَ قَوْلِهِمْ ثَمَنُهُ ، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ وَصَلَهَا مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَمَالِكٍ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : ثَمَنُهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قِيمَتُهُ ، هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُمَيِّزْ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صيغةِ النِّسَاءِ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَحْدَهُ بِلَفْظِ ثَمَنُهُ وَمِنْ طَرِيقِ مَخْلَدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بِلَفْظِ قِيمَتُهُ فَوَافَقَ اللَّيْثَ فِي قَوْلِهِ : قِيمَتُهُ لَكِنْ خَالَفَ الْجَمِيعَ فَقَالَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ هُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ وَمِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ قَالَ مِثْلَهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِلَفْظِ : أُتِيَ بِرَجُلٍ سَرَقَ حَجَفَةً قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَقَطَعَهُ .
( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ : قَطَعَ مَعْنَاهُ أَمَرَ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يُبَاشِرُ الْقَطْعَ بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ بِلَالًا هُوَ الَّذِي بَاشَرَ قَطْعَ يَدِ الْمَخْزُومِيَّةِ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي كَانَ مُوكَلًا بِذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ غَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ : قِيمَتُهُ قِيمَةُ الشَّيْءِ مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الرَّغْبَةُ فِيهِ ، وَأَصْلُهُ قِوْمَةٌ فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً لِوُقُوعِهَا بَعْدَ كَسْرَةٍ ، وَالثَّمَنُ مَا يُقَابَلُ بِهِ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْبَيْعِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْقِيمَةُ ، وَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ الثَّمَنِ إِمَّا تَجَوُّزًا وَإِمَّا أَنَّ الْقِيمَةَ وَالثَّمَنَ كَانَا حِينَئِذٍ مُسْتَوِيَيْنِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ قَدْ يَخْتَلِفَانِ وَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ الْقِيمَةُ ، وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِالثَّمَنِ لِكَوْنِهِ صَادَفَ الْقِيمَةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي ظَنِّ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الْغَلَبَةِ .
وَقَدْ تَمَسَّكَ مَالِكٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي اعْتِبَارِ النِّصَابِ بِالْفِضَّةِ ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّةُ وَسَائِرُ مَنْ خَالَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي طُرُقِهِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ سَعْدٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ وَلَفْظُهُ : لَا يُقْطَعُ السَّارِقُ إِلَّا فِي الْمِجَنِّ ، قَالَ : فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ ، وَلَكِنِ اخْتُلِفَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ قِيمَةُ الْمِجَنِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَرَةَ دَرَاهِمَ . قَالَ : فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ لَا يُقْطَعَ إِلَّا فِيمَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآثَارُ وَهُوَ عَشَرَةٌ ، وَلَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَهَا لِوُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ فِي الدَّرَاهِمِ لَمْ يُسَلَّمْ فِي النَّصِّ الصَّرِيحِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ ، وَدُفِعَ مَا أَعَلَّهُ بِهِ .
وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ مُمْكِنٌ بِالْحَمْلِ عَلَى اخْتِلَافِ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ أَوْ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَجَانِّ الَّتِي قَطَعَ فِيهَا وَهُوَ أَوْلَى . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ : قَطَعَ فِي مِجَنٍّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَطْعِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ عَدَمُ الْقَطْعِ فِيمَا دُونَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ : يُقْطَعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، فَإِنَّهُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِيمَا إِذَا بَلَغَهُ ، وَكَذَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ ، قَالَ : وَاعْتِمَادُ الشَّافِعِيِّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ وَهُوَ قَوْلٌ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنَ الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْقَطْعِ فِي دُونِ الْقَدْرِ الَّذِي يَقُولُونَ بِجَوَازِ الْقَطْعِ فِيهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى الْقَطْعِ فِيمَا يَقُولُونَ بِهِ بِطَرِيقِ الْفَحْوَى ، وَأَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ فِي دُونِ رُبْعِ دِينَارٍ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ حَيْثُ مَنْطُوقُهُ ، بَلْ مِنْ حَيْثُ مَفْهُومُهُ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَا يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ . قُلْتُ : وَقَرَّرَ الْبَاجِيُّ طَرِيقَ الْأَخْذِ بِالْمَفْهُومِ هُنَا فَقَالَ : دَلَّ التَّقْوِيمُ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَدُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ صَرِيحًا مَرْفُوعًا فِي اعْتِبَارِ رُبْعِ دِينَارٍ ، وَقَدْ خَالَفَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقُدَمَاءِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَمِمَّنْ بَعْدَهُمْ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ : ذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ مَعَ جَلَالَتِهِ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَحُجَّتُهُ أَنَّ الْيَدَ مُحْتَرَمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِمَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ ، وَالْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْقَطْعِ فِيهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَيُتَمَسَّكُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْقَطْعِ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ ، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي النِّصَابِ أُخِذَ بِأَصَحِّ مَا وَرَدَ فِي الْأَقَلِّ ، وَلَمْ يَصِحَّ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ ، فَكَانَ اعْتِبَارُ رُبْعِ دِينَارٍ أَقْوَى مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْحَصْرِ حَيْثُ وَرَدَ بِلَفْظِ : لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا ، وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ حِكَايَةُ فِعْلٍ لَا عُمُومَ فِيهَا ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْقِيمَةِ الذَّهَبُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ كُلِّهَا ، وَيُؤَيِّدهُ مَا نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ اسْتِدْلَالًا عَلَى أَنَّ أَصْلَ النَّقْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الدَّنَانِيرُ بِأَنَّ الصِّكَاكَ الْقَدِيمَةَ كَانَ يُكْتَبُ فِيهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ فَعُرِفَتِ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَحَاصِلُ الْمَذَاهِبِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُقْطَعُ السَّارِقُ فِيهِ يَقْرُبُ مِنْ عِشْرِينَ مَذْهَبًا : الْأَوَّلُ يُقْطَعُ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ تَافِهًا كَانَ أَوْ غَيْرَ تَافِهٍ نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَالْخَوَارِجِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ . وَمُقَابِلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي الشُّذُوذِ مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي . الثَّالِثُ مِثْلُ الْأَوَّلِ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ شَيْئًا تَافِهًا لِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْمَاضِي : لَمْ يَكُنِ الْقَطْعُ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّافِهِ ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ قَطَعَ فِي فَخَّارَةٍ خَسِيسَةٍ ، وَقَالَ لِمَنْ يَسْرِقُ السِّيَاطَ : لَئِنْ عُدْتُمْ لَأَقْطَعَنَّ فِيهِ ، وَقَطَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي نَعْلَيْنِ أَخْرَجَهُمَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَطَعَ فِي مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ .
الرَّابِعُ : تُقْطَعُ فِي دِرْهَمٍ فَصَاعِدًا ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ - مِنْ فُقَهَاءِ الْبَصْرَةِ وَرَبِيعَةَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ ، وَنَسَبَهُ الْقُرْطُبِيُّ إِلَى عُثْمَانَ ، فَأَطْلَقَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . الْخَامِسُ : فِي دِرْهَمَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ . السَّادِسُ : فِيمَا زَادَ عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الثَّلَاثَةَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَطَعَ فِي شَيْءٍ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ وَفِي لَفْظٍ : لَا يُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ .
السَّابِعُ : فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَيُقَوَّمُ مَا عَدَاهَا بِهَا وَلَوْ كَانَ ذَهَبًا ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ . الثَّامِنُ مِثْلُهُ لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا فَنِصَابُهُ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ لَمْ يُقْطَعْ ، وَلَوْ كَانَ نِصْفَ دِينَاٍر ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَاحْتُجَّ لَهُ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : اقْطَعُوا فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، وَلَا تَقْطَعُوا فِي أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ قَالَتْ : وَكَانَ رُبْعُ الدِّينَارِ قِيمَتُهُ يَوْمئِذٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَالْمَرْفُوعُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَصٌّ فِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ وَالْمُعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ الذَّهَبُ ، وَالْمَوْقُوفُ مِنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ الذَّهَبَ يُقَوَّمُ بِالْفِضَّةِ ، وَهَذَا يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ النَّصُّ الصَّرِيحُ . التَّاسِعُ مِثْلُهُ إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ غَيْرَهُمَا قُطِعَ بِهِ إِذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ .
الْعَاشِرُ مِثْلُهُ لَكِنْ لَا يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا إِلَّا إِذَا كَانَا غَالِبَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَالِبًا فَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ الْحَادِيَ عَشَرَ . الثَّانِيَ عَشَرَ : رُبْعُ دِينَارٍ أَوْ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَرَضٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ ، وَعَمْرَةَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَاللَّيْثِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ ، وَعَنْ دَاوُدَ ، وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، عَنْ عُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا أَخَذَ السَّارِقُ رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ : أُتِيَ عُثْمَانُ بِسَارِقٍ سَرَقَ أُتْرُجَّةً قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ حِسَابِ الدِّينَارِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَقُطِعَ ، وَمِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عَلِيًّا قَطَعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ كَانَتْ قِيمَتُهُ دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا . الثَّالِثَ عَشَرَ : أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ؛ نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : ثُلُثُ دِينَارٍ ؛ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، الْخَامِسَ عَشَرَ : خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ؛ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وجَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إِلَّا فِي خَمْسٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ ، وَنَقَلَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ وَشَذَّ بِذَلِكَ . السَّادِسَ عَشَرَ : عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتَهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ عَرَضٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا . السَّابِعَ عَشَرَ : دِينَارٌ أَوْ مَا بَلَغَ قِيمَتَهُ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ عَرَضٍ .
حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ طَائِفَةٍ ، وَجَزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِأَنَّهُ قَوْلُ النَّخَعِيِّ . الثَّامِنَ عَشَرَ : دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا ؛ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ قَالَ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ . التَّاسِعَ عَشَرَ : رُبْعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا مِنَ الذَّهَبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، وَيُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ ، وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَحْوَهُ عَنْ دَاوُدَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ التَّحْدِيدَ فِي الذَّهَبِ ثَبَتَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَلَمْ يَثْبُتِ التَّحْدِيدُ صَرِيحًا فِي غَيْرِهِ ، فَبَقِيَ عُمُومُ الْآيَةِ عَلَى حَالِهِ فَيُقْطَعُ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِلَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ تَافِهًا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلشَّافِعِيِّ إِلَّا فِي قِيَاسِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ، وَقَدْ أَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الصَّرْفَ يَوْمئِذٍ كَانَ مُوَافِقًا لِذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْفِضَّةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَتَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ الْأُتْرُجَّةِ قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ ، وَيُخَرَّجُ مِنْ تَفْصِيلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّقْوِيمَ يَكُونُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ إِنْ ذَهَبًا فَبِالذَّهَبِ وَإِنْ فِضَّةً فَبِالْفِضَّةِ تَمَامَ الْعِشْرِينَ مَذْهَبًا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
وَثَبَتَ : لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَأَقَلُّ مَا وَرَدَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ فِي الْقَطْعِ فِي رُبْعِ دِينَارٍ ، وَإِنَّمَا تُرِكَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ دَرَاهِمَ نِصَابٌ يُقْطَعُ فِيهِ مُطْلَقًا لِأَنَّ قِيمَةَ الْفِضَّةِ بِالذَّهَبِ تَخْتَلِفُ ، فَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ بِالذَّهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ وَلَوْ لَمْ يَسْرِقْ مِنْ حِرْزٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الظَّاهِرِيَّةِ ، وَأَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا : الْعَامُّ إِذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ بِدَلِيلٍ بَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى عُمُومِهِ ، وَحُجَّتُهُ سَوَاءٌ كَانَ لَفْظُهُ يُنْبِئُ عَمَّا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَمْ لَا ، لِأَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ سَرَقَ ، فَخَصَّ الْجُمْهُورُ مِنْهَا مَنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَقَالُوا : لَا يُقْطَعُ . وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُنْبِئُ عَنِ اشْتِرَاطِ الْحِرْزِ وَطَرَدَ الْبَصْرِيُّ أَصْلَهُ فِي الِاشْتِرَاطِ الْمَذْكُورِ فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحِرْزَ لِيَسْتَمِرَّ الِاحْتِجَاجُ بِالْآيَةِ ، نَعَمْ وَزَعَمَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ شَرْطَ الْحِرْزِ مَأْخُوذٌ مِنْ مَعْنَى السَّرِقَةِ فَإِنْ صَحَّ مَا قَالَ سَقَطَتْ حُجَّةُ الْبَصْرِيِّ أَصْلًا ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ؛ لِأَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ نَزَلَتْ فِي سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ أَوْ سَارِقِ الْمِجَنِّ وَعَمِلَ بِهَا الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ السَّارِقِينَ ، وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ رُبْعِ دِينَارٍ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ بِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَبِ سَوَاءٌ كَانَ مَضْرُوبًا أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ جَيِّدًا كَانَ أَوْ رَدِيئًا ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ التَّرْجِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الزَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَطْلَقَ فِي السَّرِقَةِ فَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ بِالتَّعْمِيمِ هُنَا . وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : لَا يَقَعُ إِلَّا فِي الْمَضْرُوبِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ .
وَقَيَّدَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ النَّقْلَ عَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَنْقُصُ بِالطَّبْعِ ، وَاسْتَدَلَّ بِالْقَطْعِ فِي الْمِجَنِّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَطْعِ فِي كُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ قِيَاسًا ، وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادَ ، وَمَا أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ كَالْحِجَارَةِ وَاللَّبَنِ وَالْخَشَبِ وَالْمِلْحِ وَالتُّرَابِ وَالْكَلَأِ وَالطَّيْرِ ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ فِي مِثْلِ السِّرْجِينِ الْقَطْعُ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ ، وَفِي هَذَا تَفَارِيعُ أُخْرَى مَحَلُّ بَسْطِهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .