بَاب كَمْ التَّعْزِيرُ وَالْأَدَبُ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ ، فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ : فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُوَاصِلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّكُمْ مِثْلِي ؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ . فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ : لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ - كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ حِينَ أَبَوْا - . تَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَيُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ : عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُهُ : فَوَاصَلَ بِهِمْ كَالْمُنَكِّلِ بِهِمْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ : فِيهِ أَنَّ التَّعْزِيرَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ : لَوِ امْتَدَّ الشَّهْرُ لَزِدْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ مَا يَرَاهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، لَكِنْ لَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي عَدَدٍ مِنَ الضَّرْبِ أَوِ الْجَلْدِ ، فَيَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ ، وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مَتْرُوكٍ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ ، وَالْأَلَمُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى التَّجْوِيعِ وَالتَّعْطِيشِ ، وَتَأْثِيرُهُمَا فِي الْأَشْخَاصِ مُتَفَاوِتٌ جِدًّا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ وَاصَلَ بِهِمْ كَانَ لَهُمُ اقْتِدَارٌ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ تَمَادَى حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى عَجْزِهِمْ عَنْهُ لَكَانَ هُوَ الْمُؤَثِّرَ فِي زَجْرِهِمْ .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّعْزِيرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الرَّدْعُ ، وَذَلِكَ مُمْكِنٌ فِي الْعَشْرِ بِأَنْ يَخْتَلِفَ الْحَالُ فِي صِفَةِ الْجَلْدِ أَوِ الضَّرْبِ تَخْفِيفًا وَتَشْدِيدًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . نَعَمْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّعْزِيرِ بِالتَّجْوِيعِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأُمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ شُعَيْبٌ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَيُونُسُ عن الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ) أَيْ تَابَعُوا عُقَيْلًا فِي قَوْلِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ فَقَالَ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ .
قُلْتُ : فَأَمَّا مُتَابَعَةُ شُعَيْبٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ الْأَنْصَارِيُّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ يُونُسَ وَهُوَ ابْنُ يَزِيدَ فَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي خَالِدٍ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورِ فَجَمَعَ فِيهِ بَيْنَ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : وَكَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَيْهِ كَذَلِكَ ، انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ .