بَاب إِذَا عَضَّ رَجُلًا فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ ، فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ ، فَأَبْطَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِعُلُوِّ دَرَجَةٍ ، وَتَقَدَّمَ لَهُ فِي الْإِجَارَةِ وَالْجِهَادِ وَالْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِنُزُولٍ لَكِنَّ سِيَاقَهُ فِيهَا أَتَمُّ مِمَّا هُنَا . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَطَاءٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ( عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي الْإِجَارَةِ : أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَغَازِي : سَمِعْتُ عَطَاءً ، أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ .
قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ : عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَفِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ يَعْلَى ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ عَطَاءٍ كَذَلِكَ ، وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ مُخْتَصَرَةٌ مَضْمُومَةٌ إِلَى حَدِيثِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ وَفِيهَا مُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ شُعْبَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَدْخَلَ بَيْنَ قَتَادَةَ ، وَعَطَاءٍ ، بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ ، وَلَفْظُهُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى : أَنَّ أَجِيرًا لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَضَّ رَجُلٌ ذِرَاعَهُ . وَقَدِ اعْتَرَضَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ فِي تَخْرِيجِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَ وَتَخْرِيجِهِ طَرِيقَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ وَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ الْمُتَابَعَاتِ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْأُصُولِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَمُنْيَةُ الَّتِي نُسِبَ إِلَيْهَا يَعْلَى هُنَا هِيَ أُمُّهُ وَقِيلَ جَدَّتُهُ وَالْأَوَّلُ الْمُعْتَمَدُ ، وَأَبُوهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَاتِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَعْدَهَا كَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ وَتَبُوكَ ، وَ مُنْيَةُ أُمُّهُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ هِيَ بِنْتُ جَابِرٍ عَمَّةُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَقِيلَ أُخْتُهُ ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ مُسْلِمٍ صَحَّفَهَا وَقَالَ : مُنَبِّهٌ بِفَتَخِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ وَضَّاحٍ فَقَالَ : منبه بِسُكُونِ النُّونِ أُمُّهُ ، وَبِفَتْحِهَا ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ أَبُوهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( خَرَجْتُ فِي غَزْوَةٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي غَزَاةٍ ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ أَنَّهَا غَزْوَةُ تَبُوكَ ، وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ بِلَفْظِ : جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَبِهِ جَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّرَّاحِ ، وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَنْ لَقِينَاهُ بِأَنَّ فِي بَابِ مَنْ أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ بِهَا أَثَرُ صُفْرَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : فَقَالَ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ ، وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ كَانَ فِيهِ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْحَدِيثَيْنِ فَأَوْرَدَهُمَا مَعًا عَاطِفًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْوَاوِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، وَعَجِيبٌ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْحَدِيثِ فَيَرُدُّ مَا فِيهِ صَرِيحًا بِالْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ ، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ إِلَّا إِيثَارُ الرَّاحَةِ بِتَرْكِ تَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ تُوصِلُ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ غَالِبًا .
قَوْلُهُ : ( فَعَضَّ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَهُ هُنَا بِهَذَا الِاخْتِصَارِ الْمُجْحِفِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ : قَاتَلَ رَجُلٌ آخَرَ فَعَضَّ يَدَهُ فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَانْتَدَرَتْ ثَنِيَّتُهُ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ اخْتِلَافَ طُرُقِهِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا : لَا يَلْزَمُ الْمَعْضُوضَ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّائِلِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مَنْ شَهَرَ عَلَى آخَرَ سِلَاحًا لِيَقْتُلَهُ فَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ فَقَتَلَ الشَّاهِرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، فَكَذَا لَا يَضْمَنُ سِنَّهُ بِدَفْعِهِ إِيَّاهُ عَنْهَا ، قَالُوا وَلَوْ جَرَحَهُ الْمَعْضُوضُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ، وَشَرْطُ الْإِهْدَارِ أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَعْضُوضُ وَأَنْ لَا يُمْكِنَهُ تَخْلِيصُ يَدِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ضَرْبٍ فِي شِدْقَيْهِ أَوْ فَكِّ لِحْيَتِهِ لِيُرْسِلَهَا ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ التَّخْلِيصُ بِدُونِ ذَلِكَ فَعَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْأَثْقَلِ لَمْ يُهْدَرْ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُهْدَرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَوُجِّهَ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَهُ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا يَجِبُ الضَّمَانُ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْإِنْذَارِ شِدَّةَ الْعَضِّ لَا النَّزْعَ فَيَكُونُ سُقُوطُ ثَنِيَّةِ الْعَاضِّ بِفِعْلِهِ لَا بِفِعْلِ الْمَعْضُوضِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مِنْ فِعْلِ صَاحِبِ الْيَدِ لَأَمْكَنَهُ أَنْ يُخَلِّصَ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ قَلْعٍ ، وَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ بِالْأَثْقَلِ مَعَ إِمْكَانِ الْأَخَفِّ .
وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : الْعَاضُّ قَصَدَ الْعُضْوَ نَفْسَهُ وَالَّذِي اسْتُحِقَّ فِي إِتْلَافِ ذَلِكَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَا فَعَلَ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا ضَامِنًا مَا جَنَاهُ عَلَى الْآخَرِ ، كَمَنْ قَلَعَ عَيْنَ رَجُلٍ فَقَطَعَ الْآخَرُ يَدَهُ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابِلِ النَّصِّ فَهُوَ فَاسِدٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ أَسْنَانَهُ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ فَسَقَطَتْ عَقِبَ النَّزْعِ ، وَسِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدْفَعُ هَذَا الِاحْتِمَالَ ، وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَلَا عُمُومَ لَهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ فِي الْإِجَارَةِ عَقِبَ حَدِيثِ يَعْلَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَهُ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَضَى فِيهِ بِمِثْلِهِ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْيِيدِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ ، وَكَذَا إِلْحَاقُ عُضْوٍ آخَرَ غَيْرِ الْفَمِ بِهِ فَإِنَّ النَّصَّ إِنَّمَا وَرَدَ فِي صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ .
وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : لَوْ بَلَغَ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ لَمَا خَالَفَهُ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ يَقَعْ هَذَا الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ وَإِلَّا لَمَا خَالَفَهُ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ مَالِكٌ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ : كَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ الْحَدِيثُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ أَتَى مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ . قُلْتُ : وَهُوَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ ، وَأَمَّا طَرِيقُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فَرَوَاهَا أَهْلُ الْحِجَازِ وَحَمَلَهَا عَنْهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ ، وَاعْتَذَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِفَسَادِ الزَّمَانِ ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ ، قَالَ وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ ، وَكَأَنَّهُ انْعَكَسَ عَلَى الْقُرْطُبِيِّ .
( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَتَكَلَّمِ النَّوَوِيُّ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا إِجْرَاءُ الْقِصَاصِ فِي الْعَضَّةِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ الْقِصَاصِ فِي اللَّطْمَةِ بَعْدَ بَابَيْنِ . وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ الْعَضَّ هُنَا إِنَّمَا أُذِنَ فِيهِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى الْقِصَاصِ فِي قَلْعِ السِّنِّ ، لَكِنَّ الْجَوَابَ السَّدِيدَ فِي هَذَا أَنَّهُ اسْتَفْهَمَهُ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ لَا تَقْرِيرَ شَرْعٍ ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ لِي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ الْفَوَائِدِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْغَضَبِ ، وَأَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكْظِمَهُ مَا اسْتَطَاعَ لِأَنَّهُ أَدَّى إِلَى سُقُوطِ ثَنِيَّةِ الْغَضْبَانِ ، لِأَنَّ يَعْلَى غَضِبَ مِنْ أَجِيرِهِ فَضَرَبَهُ فَدَفَعَ الْأَجِيرُ عَنْ نَفْسِهِ فَعَضَّهُ يَعْلَى فَنَزَعَ يَدَهُ فَسَقَطَتْ ثَنِيَّةُ الْعَاضِّ ، وَلَوْلَا الِاسْتِرْسَالُ مَعَ الْغَضَبِ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ .
وَفِيهِ اسْتِئْجَارُ الْحُرِّ لِلْخِدْمَةِ وَكِفَايَةُ مُؤْنَةِ الْعَمَلِ فِي الْغَزْوِ لَا لِيُقَاتِلَ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْجِهَادِ . وَفِيهِ رَفْعُ الْجِنَايَةِ إِلَى الْحَاكِمِ مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ ، وَأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَقْتَصُّ لِنَفْسِهِ ، وَأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ بِالْجِنَايَةِ يَسْقُطُ مَا ثَبَتَ لَهُ قَبْلَهَا مِنْ جِنَايَةٍ إِذَا تَرَتَّبَتِ الثَّانِيَةُ عَلَى الْأُولَى . وَفِيهِ جَوَازُ تَشْبِيهِ فِعْلِ الْآدَمِيِّ بِفِعْلِ الْبَهِيمَةِ إِذَا وَقَعَ فِي مَقَامِ التَّنْفِيرِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَقَدْ حَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى مَنْ صَحَّفَ قَوْلَهُ : كَمَا يَقْضَمُ الْفُجْلُ بِالْجِيمِ بَدَلَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْبَقْلِ الْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ قَبِيحٌ .
وَفِيهِ دَفْعُ الصَّائِلِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ مِنْهُ إِلَّا بِجِنَايَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهِ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ هَدَرًا ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ يَأْنَفُهُ أَوْ يَحْتَشِمُ مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ إِذَا حَكَاهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ : فَعَلَ رَجُلٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذَا ، وَكَذَا كَمَا وَقَعَ لِيَعْلَى فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَكَمَا وَقَعَ لِعَائِشَةَ حَيْثُ قَالَتْ : قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ، فَقَالَ لَهَا عُرْوَةُ : هَلْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ؟ فَتَبَسَّمَتْ .