حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَسَأَلَاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ : أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ - أَوْ حَنَاجِرَهُمْ - يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رِصَافِهِ فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنْ الدَّمِ شَيْءٌ . الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، قَوْلُهُ : ( عَبْدُ الْوَهَّابِ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ التَّيْمِيُّ ، وَأَبُو سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَفِي السَّنَدِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ . وَهَذَا السِّيَاقُ كَأَنَّهُ لَفْظُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَأَمَّا لَفْظُ أَبِي سَلَمَةَ فَتَقَدَّمَ مُنْفَرِدًا فِي أَوَاخِرِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ بِسِيَاقٍ آخَرَ ، فَلَعَلَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ هُنَا عَلَى سِيَاقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ الْمَقْرُونِ بِهِ ، وَقَدْ قَرَنَ الزُّهْرِيُّ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ الْمَاضِيَةِ فِي الْأَدَبِ الضَّحَّاكَ الْمِشْرَقِيَّ لَكِنَّهُ أَفْرَدَهُ هُنَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَامْتَازَ لَفْظُهُ عَنْ لَفْظِ الضَّحَّاكِ .

قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَاهُ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِحَذْفِ الْمَسْمُوعِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ يَذْكُرُهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ الْحَرُورِيَّةَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : جِئْنَا أَبَا سَعِيدٍ فَقُلْنَا فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ : أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا سَعِيدٍ عَنِ الْحَرُورِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْحَرُورِيَّةُ ) هَذَا يُغَايِرُ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِ حَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيًّا قَتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَإِنَّ مُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الَّذِي سَاقَهُ فِي الْحَرُورِيَّةِ أَوْ لَا ، وَمُقْتَضَى الثَّانِي أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِمْ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّفْيِ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ فِيهِمْ نَصًّا بِلَفْظِ الْحَرُورِيَّةِ وَإِنَّمَا سَمِعَ قِصَّتَهُمُ الَّتِي دَلَّ وُجُودُ عَلَامَتِهِمْ فِي الْحَرُورِيَّةِ بِأَنَّهُمْ هُمْ . قَوْلُهُ : ( يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْهَا ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ ، فَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : تَمْرُقُ عِنْدَ فِرْقَةٍ مَارِقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ : مِنْ أُمَّتِي فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ : سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأُمَّةِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أُمَّةُ الْإِجَابَةِ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أُمَّةُ الدَّعْوَةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى فِقْهِ الصَّحَابَةِ وَتَحْرِيرِهِمُ الْأَلْفَاظَ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ إِلَى تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ .

قَوْلُهُ : ( تَحْقِرُونَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ تَسْتَقِلُّونَ . قَوْلُهُ : ( صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ : وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ : تَحْقِرُونَ أَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ ، وَوَصَفَ عَاصِمٌ أَصْحَابَ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ بِأَنَّهُمْ يَصُومُونَ النَّهَارَ وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ عَلَى السُّنَّةِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَمِثْلُهُ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَهُ : يَتَعَبَّدُونَ يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ وَصِيَامَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامِهِمْ ، وَمِثْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَلِيٍّ : لَيْسَتْ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ شَيْئًا وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ شَيْئًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالطَّبَرِيُّ .

وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : ذَكَرَ لِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ فِيكُمْ قَوْمًا يَدْأَبُونَ وَيَعْمَلُونَ حَتَّى يُعْجِبُوا النَّاسَ وَتُعْجِبُهُمْ أَنْفُسُهُمْ ، وَمِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ أَخِي أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ بِلَفْظِ : يَتَعَمَّقُونَ فِي الدِّينِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي قِصَّةِ مُنَاظَرَتِهِ لِلْخَوَارِجِ قَالَ : فَأَتَيْتُهُمْ فَدَخَلْتُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ أَرَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْهُمْ ، أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا ثِفَنُ الْإِبِلِ ، وَوُجُوهُهُمْ مُعَلَّمَةٌ مِنْ آثَارِ السُّجُودِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجُ وَاجْتِهَادُهُمْ فِي الْعِبَادَةِ فَقَالَ : لَيْسُوا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الرُّهْبَانِ . قَوْلُهُ : ( يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ فَأُدْخِلَتْ فِيهَا الْهَاءُ وَإِنْ كَانَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ لِلْإِشَارَةِ لِنَقْلِهَا مِنَ الْوَصْفِيَّةِ إِلَى الِاسْمِيَّةِ ، وَقِيلَ : إِنَّ شَرْطَ اسْتِوَاءِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ مَذْكُورًا مَعَهُ ، وَقِيلَ : شَرْطُهُ سُقُوطُ الْهَاءِ مِنْ مُؤَنَّثٍ قَبْلَ وُقُوعِ الْوَصْفِ ، تَقُولُ : خُذْ ذَبِيحَتَكَ أَيِ الشَّاةَ الَّتِي تُرِيدُ ذَبْحَهَا ، فَإِذَا ذَبَحْتَهَا قِيلَ لَهَا حِينَئِذٍ : ذَبِيحٌ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَنْظُرِ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ ) يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَقَوْلُهُ : إِلَى نَصْلِهِ هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ سَهْمَهُ ، أَيْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ جُمْلَةً ثُمَّ تَفْصِيلًا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ : يَنْظُرُ إِلَى سَهْمِهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ثُمَّ يَنْظُرُ إِلَى نَصْلِهِ ثُمَّ إِلَى رِصَافِهِ ، وَسَيَأْتِي بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَقَوْلُهُ : فَيَتَمَارَى أَيْ يَتَشَكَّكُ هَلْ بَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ ، وَالْفُوقَةُ مَوْضِعُ الْوَتَرِ مِنَ السَّهْمِ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْفُوقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَقَدْ يُقَالُ فُوقَةٌ بِالْهَاءِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث