حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب كَيْفَ الْأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ

بَاب كَيْفَ الْأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ ؟ 7084 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ ، حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ : كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَيْرِ ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ . قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ .

قُلْتُ : فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صِفْهُمْ لَنَا . قَالَ : هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا .

قُلْتُ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ ؟ قَالَ : تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ . قُلْتُ : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كَيْفَ الْأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ ؟ ) كَانَ تَامَّةٌ ، وَالْمَعْنَى : مَا الَّذِي يَفْعَلُ الْمُسْلِمُ فِي حَالِ الِاخْتِلَافِ مِنْ قَبْلِ أن يَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خَلِيفَةٍ ؟ قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي بُسْرٌ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ( ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِالتَّصْغِيرِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ شَامِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَالصَّحَابِيَّ . قَوْلُهُ : ( مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي ) فِي رِوَايَةِ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : وَعَرَفْتُ أَنَّ الْخَيْرَ لَنْ يَسْبِقَنِي . قَوْلُهُ : ( فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ ) يُشِيرُ إِلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفْرِ وَقَتْلِ بَعْضِهُمْ بَعْضًا وَنَهْبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَإِتْيَانِ الْفَوَاحِشَ .

قَوْلُهُ : ( فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ ) ؛ يَعْنِي الْإِيمَانَ وَالْأَمْنَ وَصَلَاحَ الْحَالِ وَاجْتِنَابَ الْفَوَاحِشِ ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ حُذَيْفَةَ : فَنَحْنُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ) فِي رِوَايَةِ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ : فِتْنَةٌ وَفِي رِوَايَةِ سُبَيْعِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : فَمَا الْعِصْمَةُ مِنْهُ ؟ قَالَ : السَّيْفُ . قَالَ : فَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ مِنْ تَقِيَّةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ هُدْنَةٌ .

وَالْمُرَادُ بِالشَّرِّ مَا يَقَعُ مِنَ الْفِتَنِ مِنْ بَعْدِ قَتْلِ عُثْمَانَ وَهَلُمَّ جَرًّا ، أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَاتِ الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَهَا نُونٌ وَهُوَ الْحِقْدُ ، وَقِيلَ : الدَّغَلُ ، وَقِيلَ : فَسَادٌ فِي الْقَلْبِ ؛ وَمَعْنَى الثَّلَاثَةِ مُتَقَارِبٌ . يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْخَيْرَ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ الشَّرِّ لَا يَكُونُ خَيْرًا خَالِصًا ، بَلْ فِيهِ كَدَرٌ .

وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالدَّخَنِ الدُّخَانُ ، وَيُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى كَدَرِ الْحَالِ . وَقِيلَ : الدَّخَنُ كُلُّ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يُفَسِّرُ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ قَوْمٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَأَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ فِي لَوْنِ الدَّابَّةِ كُدُورَةٌ ، فَكَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ قُلُوبَهُمْ لَا يَصْفُو بَعْضُهَا لِبَعْضٍ .

قَوْلُهُ : ( قَوْمٌ يَهْدُونَ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ( بِغَيْرِ هَدْيِي ) بِيَاءِ الْإِضَافَةِ بَعْدَ الْيَاءِ لِلْأَكْثَرِ ، وَبِيَاءٍ وَاحِدَةٍ مَعَ التَّنْوِينِ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ : يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي . قَوْلُهُ : ( تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ) ؛ يَعْنِي مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَمَنْ أَنْكَرَ بَرِئَ ، وَمَنْ كَرِهَ سَلِمَ . قَوْلُهُ : ( دُعَاةٌ ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ؛ جَمْعُ دَاعٍ ، أَيْ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ .

قَوْلُهُ : ( عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ) أَطْلَقَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ حَالُهُمْ ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ أَمَرَ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ : وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ . قَوْلُهُ : ( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ) ؛ أَيْ مِنْ قَوْمِنَا وَمِنْ أَهْلِ لِسَانِنَا وَمِلَّتِنَا ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْعَرَبِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَيْ مِنْ بَنِي آدَمَ .

وَقَالَ الْقَابِسِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ فِي الظَّاهِرِ عَلَى مِلَّتِنَا وَفِي الْبَاطِنِ مُخَالِفُونَ ، وَجِلْدَةُ الشَّيْءِ ظَاهِرُهُ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ غِشَاءُ الْبَدَنِ . قِيلَ : وَيُؤَيِّدُ إِرَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّ السُّمْرَةَ غَالِبَةٌ عَلَيْهِمْ وَاللَّوْنُ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي الْجِلْدِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ : فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ . وَقَوْلُهُ : جُثْمَانُ ؛ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ هُوَ الْجَسَدُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّخْصِ .

قَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ بِالشَّرِّ الْأَوَّلُ الْفِتَنُ الَّتِي وَقَعَتْ بَعْدَ عُثْمَانَ ، وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِ الَّذِي بَعْدَهُ مَا وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ الْأُمَرَاءُ بَعْدَهُ ، فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ وَفِيهِمْ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْبِدْعَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرِّ الْأَوَّلِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ الْفِتَنِ الْأُولَى ، وَبِالْخَيْرِ مَا وَقَعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ عَلِيٍّ ، وَمُعَاوِيَةَ ، وَبِالدَّخَنِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِمَا مِنْ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ كَزِيَادٍ بِالْعِرَاقِ وَخِلَافِ مَنْ خَالَفَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَبِالدُّعَاةِ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ قَامَ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : الْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ؛ يَعْنِي : وَلَوْ جَارَ . وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي الْأَسْوَدِ : وَلَوْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ .

وَكَانَ مِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرًا فِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ وَنَحْوِهِ . قَوْلُهُ : ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ أَمِيرَهُمْ . زَادَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ : تَسْمَعُ وَتُطِيعُ ، وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ .

وَكَذَا فِي رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ سُبَيْعٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : فَإِنْ رَأَيْتَ خَلِيفَةً فَالْزَمْهُ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً فَالْهَرَبَ . قَوْلُهُ : ( وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ : وَلَوْ كَانَ الِاعْتِزَالُ بِالْعَضِّ فَلَا تَعْدِلُ عَنْهُ . وَتَعَضُّ بِالنَّصْبِ لِلْجَمِيعِ ، وَضَبَطَهُ الْأَشِيرِيُّ بِالرَّفْعِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ جَوَازَهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَنْ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَهُنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تَلِيَ لَوْ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي .

وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : فَلَأَنْ تَمُوتَ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلِ خَيْرٍ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ ، وَالْجِذْلُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا لَامٌ : عُودٌ يُنْصَبُ لِتَحْتَكَّ بِهِ الْإِبِلُ . وَقَوْلُهُ : وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ؛ أَيِ الْعَضُّ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَطَاعَةِ سَلَاطِينِهِمْ وَلَوْ عَصَوْا . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : الْمَعْنَى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ فَعَلَيْكَ بِالْعُزْلَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ شِدَّةِ الزَّمَانِ ، وَعَضُّ أَصْلِ الشَّجَرَةِ كِنَايَةٌ عَنْ مُكَابَدَةِ الْمَشَقَّةِ كَقَوْلِهِمْ : فُلَانٌ يَعَضُّ الْحِجَارَةَ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ ، أَوِ الْمُرَادُ اللُّزُومُ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ .

وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : فَإِنْ مِتَّ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جِذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ حُجَّةٌ لِجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ لُزُومِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ ، لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّائِفَةَ الْأَخِيرَةَ بِأَنَّهُمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِمْ : تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِينَ ، وَهُمْ لَا يَكُونُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَفِي الْجَمَاعَةِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْجَمَاعَةُ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ .

ثُمَّ سَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَصَّى مَنْ سَأَلَهُ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ : عَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْمَعَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلَالَةٍ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ الصَّحَابَةُ دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُمْ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ ، وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ .

قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْخَبَرِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ فِي طَاعَةِ مَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى تَأْمِيرِهِ ، فَمَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ . قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِمَامٌ فَافْتَرَقَ النَّاسُ أَحْزَابًا فَلَا يَتَّبِعُ أَحَدًا فِي الْفُرْقَةِ وَيَعْتَزِلُ الْجَمِيعَ إِنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشَّرِّ ، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَنَزَّلُ مَا جَاءَ فِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : فِي الْحَدِيثِ حِكْمَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ كَيْفَ أَقَامَ كُلًّا مِنْهُمْ فِيمَا شَاءَ ; فَحُبِّبَ إِلَى أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ السُّؤَالُ عَنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ لِيَعْلَمُوا بِهَا وَيُبَلِّغُوهَا غَيْرَهُمْ ، وَحُبِّبَ لِحُذَيْفَةَ السُّؤَالُ عَنِ الشَّرِّ لِيَجْتَنِبَهُ وَيَكُونَ سَبَبًا فِي دَفْعِهِ عَمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ لَهُ النَّجَاةَ ، وَفِيهِ سِعَةُ صَدْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْرِفَتُهُ بِوُجُوهِ الْحِكَمِ كُلِّهَا حَتَّى كَانَ يُجِيبُ كُلَّ مَنْ سَأَلَهُ بِمَا يُنَاسِبُهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَفُوقُ فِيهِ غَيْرَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ حَتَّى خُصَّ بِمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَبِكَثِيرٍ مِنَ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مِنْ أَدَبِ التَّعْلِيمِ أَنْ يَعْلَمَ التِّلْمِيذُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُلُومِ مَا يَرَاهُ مَائِلًا إِلَيْهِ مِنَ الْعُلُومِ الْمُبَاحَةِ ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُسْرِعَ إِلَى تَفَهُّمِهِ وَالْقِيَامِ بِهِ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَهْدِي إِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ يُسَمَّى خَيْرًا وَكَذَا بِالْعَكْسِ . وَيُؤْخَذُ مِنْهُ ذَمُّ مَنْ جَعَلَ لِلدِّينِ أَصْلًا خِلَافَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَعَلَهُمَا فَرْعًا لِذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي ابْتَدَعُوهُ ، وَفِيهِ وُجُوبُ رَدِّ الْبَاطِلِ وَكُلِّ مَا خَالَفَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ وَلَوْ قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث