بَاب خُرُوجِ النَّارِ
بَاب خُرُوجِ النَّارِ وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ . 7118 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ خُرُوجِ النَّارِ ) أَيْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : وَقَالَ أَنَسٌ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمُغْرِبِ ) وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْهِجْرَةِ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَوْصُولًا ، مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ : وَأَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَوَصَلَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ : نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ ، وَالْمُرَادُ بِالْأَشْرَاطِ الْعَلَامَاتُ الَّتِي يَعْقُبُهَا قِيَامُ السَّاعَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَشْرِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ صِفَةُ حَشْرِ النَّارِ لَهُمْ .
الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : قَدْ خَرَجَتْ نَارٌ بِالْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ بَدْؤُهَا زَلْزَلَةً عَظِيمَةً فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ الثَّالِثِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى ضُحَى النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَسَكَنَتْ ، وَظَهَرَتِ النَّارُ بِقُرَيْظَةَ بِطَرَفِ الْحَرَّةِ ، تُرَى فِي صُورَةِ الْبَلَدِ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا سُورٌ مُحِيطٌ عَلَيْهِ شَرَارِيفُ وَأَبْرَاجٌ وَمَآذِنُ ، وَتَرَى رِجَالًا يَقُودُونَهَا ، لَا تَمُرُّ عَلَى جَبَلٍ إِلَّا دَكَّتْهُ وَأَذَابَتْهُ ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ مِثْلُ النَّهَرِ أَحْمَرُ وَأَزْرَقُ لَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ يَأْخُذُ الصُّخُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْتَهِي إِلَى مَحَطِّ الرَّكْبِ الْعِرَاقِيِّ ، وَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ رَدْمٌ صَارَ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ ، فَانْتَهَتِ النَّارُ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي الْمَدِينَةَ نَسِيمٌ بَارِدٌ ، وَشُوهِدَ لِهَذِهِ النَّارِ غَلَيَانٌ كَغَلَيَانِ الْبَحْرِ ، وَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا : رَأَيْتُهَا صَاعِدَةً فِي الْهَوَاءِ مِنْ نَحْوِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ ، وَسَمِعْتُ أَنَّهَا رُئِيَتْ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ جِبَالِ بُصْرَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : تَوَاتَرَ الْعِلْمُ بِخُرُوجِ هَذِهِ النَّارِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الشَّامِ .
وَقَالَ أَبُو شَامَةَ فِي ذَيْلِ الرَّوْضَتَيْنِ : وَرَدَتْ فِي أَوَائِلِ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ كُتُبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِيهَا شَرْحُ أَمْرٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِهَا فِيهِ تَصْدِيقٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ : فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِمَّنْ شَاهَدَهَا أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَتَبَ بِتَيْمَاءَ عَلَى ضَوْئِهَا الْكُتُبَ ، فَمِنَ الْكُتُبِ . فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ : ظَهَرَ فِي أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي شَرْقَيِ الْمَدِينَةِ نَارٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ نِصْفُ يَوْمٍ انْفَجَرَتْ مِنَ الْأَرْضِ ، وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى حَاذَى جَبَلَ أُحُدٍ . وَفِي كِتَابٍ آخَرَ : انْبَجَسَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْحَرَّةِ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ يَكُونُ قَدْرُهَا مِثْلَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ بِرَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ يَكُونُ مِقْدَارُهُ أَرْبَعَ فَرَاسِخَ ، وَعَرْضُهُ أَرْبَعَ أَمْيَالٍ ، يَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ مِهَادٌ وَجِبَالٌ صِغَارٌ .
وَفِي كِتَابٍ آخَرَ : ظَهَرَ ضَوْؤُهَا إِلَى أَنْ رَأَوْهَا مِنْ مَكَّةَ ، قَالَ : وَلَا أَقْدِرُ أَصِفُ عِظَمَهَا ، وَلَهَا دَوِيٌّ . قَالَ أَبُو شَامَةَ : وَنَظَمَ النَّاسُ فِي هَذَا أَشْعَارًا ، وَدَامَ أَمْرُهَا أَشْهُرًا ، ثُمَّ خَمَدَتْ . وَالَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ النَّارَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ كَمَا فَهِمَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا النَّارُ الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ فَنَارٌ أُخْرَى .
وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْحِجَازِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَحْوُ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيِّ ، فَقَامَ فِي أَمْرِهَا حَتَّى أَخْمَدَهَا ، وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِصَّةٍ لَهُ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْجَمَاجِمِ وَأَوْرَدَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مَهْدِيِّ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي يُونُسَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ : خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ لِقَوْمِهِ : إِنِّي أُطْفي عَنْكُمْ نَارَ الْحِدْثَانِ .. . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَفِيهَا : فَانْطَلَقَ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ شَقِّ جَبَلٍ مِنْ حَرَّةٍ . يُقَالُ لَهَا : حَرَّةُ أَشْجَعَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي دُخُولِهِ الشَّقَّ وَالنَّارُ كَأَنَّهَا جَبَلُ سَقَرَ : فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ حَتَّى أَدْخَلَهَا وَخَرَجَ ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ طَرَفًا مِنْ تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ .
قَوْلُهُ : ( تُضِيءُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : يَعْنِي مِنْ آخِرِهَا يَبْلُغُ ضَوْؤُهَا إِلَى الْإِبِلِ الَّتِي تَكُونُ بِبُصْرَى ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ ، وَأَضَاءَ يَجِيءُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا ، يُقَالُ : أَضَاءَتِ النَّارُ وَأَضَاءَتِ النَّارُ غَيْرَهَا وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ ، وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَقْصُورٌ : بَلَدٌ بِالشَّامِ ، وَهِيَ حَوْرَانُ . وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : أَعْنَاقٌ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ تُضِيءُ مُتَعَدٍّ وَالْفَاعِلُ النَّارُ ، أَيْ : تَجْعَلُ عَلَى أَعْنَاقِ الْإِبِلِ ضَوْءًا ، قَالَ : وَلَوْ رَوَى بِالرَّفْعِ لَكَانَ مُتَّجِهًا ، أَيْ : تُضِيءُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِهِ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُوخِيِّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَرْفَعُهُ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسِيلَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ بِالنَّارِ تُضِيءُ لَهُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى ، وَعُمَرُ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَلَيَّنَهُ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى النَّارِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْمِائَةِ السَّابِعَةِ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ رُومَانَ أَوْ رَكُوبَةٍ تُضِيءُ مِنْهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى .
قُلْتُ : وَرَكُوبَةٌ ثَنِيَّةٌ صَعْبَةُ الْمُرْتَقَى فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ ، مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، ذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ ، وَرُومَانُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبَكْرِيُّ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ رُومَةُ الْبِئْرِ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَدِينَةِ ، فَجَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ النَّارَيْنِ ، وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَقَعُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ مَعَ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الصَّادِقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَالْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يَعْقُبُهَا قِيَامُ السَّاعَةِ بِغَيْرِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ آخَرَ ، وَتَقَدُّمُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فِي الذِّكْرِ لَا يَضُرُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .