حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الِاسْتِخْلَافِ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قِيلَ لِعُمَرَ : أَلَا تَسْتَخْلِفُ ؟ قَالَ : إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو بَكْرٍ ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ : رَاغِبٌ ورَاهِبٌ وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ ، لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا ومَيِّتًا . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ الْفِرْيَابِيُّ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ لِعُمَرَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ قَالُوا : اسْتَخْلِفْ وَأَوْرَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ لَهُ : أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ؟ قَالَ : فَحَلَفْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ جَاءَكَ وَتَرَكَهَا لَرَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ : وَفِيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي جَوَابِ ذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ دِينَهُ .

قَوْلُهُ : إِنْ أَسْتَخْلِفْ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ : إِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَأَظُنُّهُ ابْنَ عُمَيْرٍ قَالَ : قَالَ أُنَاسٌ لِعُمَرَ أَلَا تَعْهَدُ ؟ قَالَ : أَيُّ ذَلِكَ آخُذُ فَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ الْفِعْلَ وَالتَّرْكَ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَيُزِيلُهُ أَنَّ دَلِيلَ التَّرْكِ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِحٌ ، وَدَلِيلُ الْفِعْلِ يُؤْخَذُ مِنْ عَزْمِهِ الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَهُوَ لَا يَعْزِمُ إِلَّا عَلَى جَائِزٍ ، فَكَأَنَّ عُمَرَ قَالَ : إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدْ عَزَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الِاسْتِخْلَافِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَفَهِمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ عَزْمِهِ الْجَوَازَ فَاسْتَعْمَلَهُ ، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِهِ ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عُمَرَ رَجَحَ عِنْدَهُ التَّرْكُ ، لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ الْعَزْمِ وَهُوَ يُشْبِهُ عَزْمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ ، وَفِعْلَهُ الْإِفْرَادَ فَرُجِّحَ الْإِفْرَادُ .

قَوْلُهُ : ( فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ فقَالَ رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الَّذِينَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ إِمَّا رَاغِبٌ فِي حُسْنِ رَأْيِي فِيهِ وَتَقَرُّبِي لَهُ ، وَإِمَّا رَاهِبٌ مِنْ إِظْهَارِ مَا يُضْمِرُهُ مِنْ كَرَاهَتِهِ ، أَوِ الْمَعْنَى رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدِي وَرَاهِبٌ مِنِّي ، أَوِ الْمُرَادُ النَّاسُ رَاغِبٌ فِي الْخِلَافَةِ وَرَاهِبٌ مِنْهَا ، فَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاغِبَ فِيهَا خَشِيتَ أَنْ لَا يُعَانَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ وَلَّيْتُ الرَّاهِبَ مِنْهَا خَشِيتُ أَنْ لَا يَقُومَ بِهَا . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَوْجِيهًا آخَرَ : إِنَّهُمَا وَصْفَانِ لِعُمَرَ أَيْ رَاغِبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ ، رَاهِبٌ مِنْ عِقَابِهِ ، فَلَا أُعَوِّلُ عَلَى ثَنَائِكُمْ وَذَلِكَ يَشْغَلُنِي عَنِ الْعِنَايَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ عَلَيْكُمْ . قَوْلُهُ : وَدِدْتُ أَنِّي نَجَوْتُ مِنْهَا أَيْ مِنَ الْخِلَافَةِ ( كَفَافًا ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ أَيْ مَكْفُوفًا عَنِّي شَرُّهَا وَخَيْرُهَا .

وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ : لَا لِي وَلَا عَلَيَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ فِي مَنَاقِبِهِ فِي مُرَاجَعَتِهِ لِأَبِي مُوسَى فِيمَا عَمِلُوهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ : لَوَدِدْتُ لَوْ أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ . قَوْلُهُ : ( لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ) فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ : أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ حُذِفَتْ مِنْهُ أَدَاتُهُ ، وَقَدْ بَيَّنَ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمَّا أَثَّرَ فِيهِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حَيْثُ مَثَّلَ لَهُ أَمْرَ النَّاسِ بِالْغَنَمِ مَعَ الرَّاعِي خَصَّ الْأَمْرَ بِالسِّتَّةِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا ، وَإِنَّمَا خَصَّ السِّتَّةَ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمْرَانِ كَوْنُهُ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ بَدْرٍ ، وَمَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالثَّانِي الْحَدِيثُ الْمَاضِي فِي مَنَاقِبِ عُثْمَانَ ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبْزَى ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : هَذَا الْأَمْرَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، ثُمَّ فِي أَهْلِ أُحُدٍ . ثُمَّ فِي كَذَا ، وَلَيْسَ فِيهَا لِطَلِيقٍ وَلَا لِمُسْلِمَةِ الْفَتْحِ شَيْءٌ .

وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اعْتِبَارِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ فِي الْخِلَافَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا حَاصِلُهُ : أَنَّ عُمَرَ سَلَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مَسْلَكًا مُتَوَسِّطًا خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ فَرَأَى أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ أَضْبَطُ لِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَعْقُودًا مَوْقُوفًا عَلَى السِّتَّةِ لِئَلَّا يَتْرُكَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ ، فَأَخَذَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفًا وَهُوَ تَرْكُ التَّعْيِينِ ، وَمِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ طَرَفًا ، وَهُوَ الْعَقْدُ لِأَحَدِ السِّتَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى . مُلَخَّصًا . قَالَ : وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْخِلَافَةِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُتَوَلِّي لِغَيْرِهِ بَعْدَهُ ، وَأَنَّ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِإِطْبَاقِ الصَّحَابَةِ ، وَمَنْ مَعَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا عَهِدَهُ أَبُو بَكْرٍ ، لِعُمَرَ ، وَكَذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَبُولِ عَهْدِ عُمَرَ إِلَى السِّتَّةِ ، قَالَ : وَهُوَ شَبِيهٌ بِإِيصَاءِ الرَّجُلِ عَلَى وَلَدِهِ لِكَوْنِ نَظَرِهِ فِيمَا يَصْلُحُ أَتَمَّ مِنْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ الْإِمَامُ ، انْتَهَى .

وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَزَمَ كَالطَّبَرِيِّ ، وَقَبْلَهُ بَكْرُ ابْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَبَعْدَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : وَوَجْهُهُ جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، لَكِنْ تَمَسَّكَ مَنْ خَالَفَهُ بِإِطْبَاقِ النَّاسِ عَلَى تَسْمِيَةِ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَاحْتَجَّ الطَّبَرِيُّ أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ رَأَيْتُ عُمَرَ يُجْلِسُ النَّاسَ وَيَقُولُ اسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْتُ : وَنَظِيرُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ : حَتَّى يَرَى اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَرُدَّ بِأَنَّ الصِّيغَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ مَفْعُولٍ ، وَمِنْ فَاعِلٍ فَلَا حُجَّةَ فِيهَا ، وَيَتَرَجَّحُ كَوْنُهَا مِنْ فَاعِلٍ جَزْمُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ وَمُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى : خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِي خَلَفَهُ فَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ فَسُمِّيَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لِذَلِكَ ، وَأَنَّ عُمَرَ أَطْلَقَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَصْرِيحٌ ، لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُؤْخَذُ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ ، وَكَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ مِنَ الرَّاوَنْدِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ ، وَعَلَى قَوْلِ الرَّوَافِضِ كُلِّهَا أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ . وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِطْبَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى مُتَابَعَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عَلَى طَاعَتِهِ فِي مُبَايَعَةِ عُمَرَ ، ثُمَّ عَلَى الْعَمَلِ بِعَهْدِ عُمَرَ فِي الشُّورَى ، وَلَمْ يَدَّعِ الْعَبَّاسُ ، وَلَا عَلِيٌّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : أَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ ، وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ حَيْثُ لَا يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِخْلَافٌ غَيْرَهُ ، وَعَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ عَدَدٍ مَحْصُورٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَصْبُ خَلِيفَةً ، وَعَلَى أَنَّ وُجُوبَهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ كَالْأَصَمِّ وَبَعْضِ الْخَوَارِجِ فَقَالُوا : يَجِبُ نَصْبُ الْخَلِيفَةِ .

وَخَالَفَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا : يَجِبُ بِالْعَقْلِ لَا بِالشَّرْعِ ، وَهُمَا بَاطِلَانِ . أَمَّا الْأَصَمُّ فَاحْتَجَّ بِبَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خَلِيفَةٍ مُدَّةَ التَّشَاوُرِ أَيَّامَ السَّقِيفَةِ وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطْبِقُوا عَلَى التَّرْكِ بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي نَصْبِ الْخَلِيفَةِ ، آخِذِينَ فِي النَّظَرِ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ عَقْدَهَا لَهُ ، وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَى الْأَصَمِّ أَنَّهُ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَلَا التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ انْتَهَى . وَفِي قَوْلِ الْمَذْكُورِ مُدَّةَ التَّشَاوُرِ أَيَّامَ السَّقِيفَةِ خَدْشٌ يَظْهَرُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَأَنَّهُمْ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لِتَصْرِيحِهِ فِيهِ بِأَنَّ عُمَرَ خَطَبَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ : فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ وَكَانَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ قَدْ بَايَعُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ وَعَقْدِ الْخِلَافَةِ لِأَبِي بَكْرٍ إِلَّا دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاحُ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث