بَاب الِاسْتِخْلَافِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ : تَتْبَعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَوْلُهُ : يَحْيَى هُوَ الْقَطَّانُ ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ . قَوْلُهُ : عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِوَفْدِ بُزَاخَةَ أَيْ : أَنَّهُ قَالَ وَلَفْظُهُ : أَنَّهُ يَحْذِفُونَهَا كَثِيرًا مِنَ الْخَطِّ ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقٍ قَالَ : جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَبُزَاخَةُ : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ بَطَّالٍ ، وَهُمْ مِنْ طَيِّئٍ وَأَسَدٌ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ ، وَهُمْ إِخْوَةُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَصْلُ قُرَيْشٍ .
وَغَطَفَانُ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى غَطَفَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ، ابْنُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ ، وَطَيِّئٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلُ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتَّبَعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ ، وَكَانَ قَدِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ فَقَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ ، فَلَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعَثُوا وَفْدَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُمُ الطَّبَرِيُّ ، وَغَيْرُهُ فِي أَخْبَارِ الرِّدَّةِ ، وَمَا وَقَعَ مِنْ مُقَاتَلَةِ الصَّحَابَةِ لَهُمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِ الْأَمَاكِنِ أَنَّ بُزَاخَةَ مَاءٌ لِطَيِّئٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَلِبَنِي أَسَدٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو يَعْنِي الشَّيْبَانِيَّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هِيَ رَمْلَةٌ مِنْ وَرَاءِ النِّبَاجِ ، انْتَهَى . وَالنِّبَاجُ بِنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مَوْضِعٌ فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ مِنَ الْبَصْرَةِ . قَوْلُهُ : تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ إِلَخْ كَذَا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنَ الْخَبَرِ مُخْتَصَرَةً ، وَلَيْسَ غَرَضُهُ مِنْهَا إِلَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ نَبِيِّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ ، وَسَاقَهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَفْظُهُ الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : جَاءَ وَفْدُ بُزَاخَةَ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ الْحَرْبِ الْمُجْلِيَةِ وَالسِّلْمِ الْمُخْزِيَةِ ، فَقَالُوا : هَذِهِ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا الْمُخْزِيَةُ ، قَالَ : نَنْزِعُ مِنْكُمُ الْحَلْقَةَ وَالْكُرَاعَ وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ ، وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا وَتَدُونَ لَنَا قَتْلَانَا ، وَيَكُونُ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ ، وَتَتْرُكُونَ أَقْوَامًا يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ رَسُولِهِ وَالْمُهَاجِرِينَ أَمْرًا يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ ، فَعَرَضَ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ عَلَى الْقَوْمِ ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ : قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا وَسَنُشِيرُ عَلَيْكَ ، أَمَّا مَا ذَكَرْتَ - فَذَكَرَ الْحُكْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ - قَالَ : فَنِعْمَ مَا ذَكَرْتَ ، وَأَمَّا تَدُونَ قَتْلَانَا وَيَكُونُ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ ، فَإِنَّ قَتْلَانَا قَاتَلَتْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ ، وَأُجُورُهَا عَلَى اللَّهِ لَيْسَتْ لَهَا دِيَاتٌ قَالَ : فَتَتَابَعَ الْقَوْمُ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ .
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : اخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُمْ : يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ - إِلَى قَوْلِهِ - يَعْذُرُونَكُمْ بِهِ وَأَخْرَجَهُ بِطُولِهِ الْبَرْقَانِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنْهُ ، انْتَهَى . مُلَخَّصًا . وَذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ مُطَوَّلًا أَيْضًا لَكِنْ قَالَ فِيهِ : وَفْدُ بُزَاخَةَ وَهُمْ مِنْ طَيِّئٍ وَقَالَ فِيهِ : فَخَطَبَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ فَذَكَرَ مَا قَالُوا ، وَقَالَ : وَالْبَاقِي سَوَاءٌ ، وَالْمُجْلِيَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ مِنَ الْجَلَاءِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مَعَ الْمَدِّ وَمَعْنَاهَا : الْخُرُوجُ عَنْ جَمِيعِ الْمَالِ .
وَ الْمُخْزِيَةُ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَزَايٍ بِوَزْنِ الَّتِي قَبْلَهَا : مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْخِزْيِ ، وَمَعْنَاهَا : الْقَرَارُ عَلَى الذُّلِّ وَالصَّغَارِ ، وَ الْحَلْقَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ : السِّلَاحُ ، وَ الْكُرَاعُ بِضَمِّ الْكَافِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِتَخْفِيفِ الرَّاءِ : جَمِيعُ الْخَيْلِ . وَفَائِدَةُ نَزْعِ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَبْقَى لَهُمْ شَوْكَةٌ لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ جِهَتِهِمْ ، وَقَوْلُهُ : وَنَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ أَيْ يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ لَنَا غَنِيمَةً نَقْسِمُهَا عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَلَا نَرُدُّ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، وَقَوْلُهُ : وَتَرُدُّونَ عَلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا أَيْ مَا انْتَهَبْتُمُوهُ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي حَالَةِ الْمُحَارَبَةِ ، وَقَوْلُهُ : تَدُونَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ ، وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمَضْمُومَةِ : أَيْ تَحْمِلُونَ إِلَيْنَا دِيَاتِهِمْ ، وَقَوْلُهُ : قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ أَيْ لَا دِيَاتَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ ، فَقُتِلُوا بِحَقٍّ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ ، وَقَوْلُهُ وَ تُتْرَكُونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَيَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ أَيْ فِي رِعَايَتِهَا ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا نُزِعَتْ مِنْهُمْ آلَةُ الْحَرْبِ رَجَعُوا أَعْرَابًا فِي الْبَوَادِي لَا عَيْشَ لَهُمْ إِلَّا مَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَافِعِ إِبِلِهِمْ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَانُوا ارْتَدُّوا ثُمَّ تَابُوا ، فَأَوْفَدُوا رُسُلَهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ فَأَحَبَّ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَقْضِيَ بَيْنَهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي أَمْرِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ : ارْجِعُوا وَاتَّبِعُوا أَذْنَابَ الْإِبِلِ فِي الصَّحَارِي ، انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَايَةِ الَّتِي أَنْظَرَهُمْ إِلَيْهَا أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ بِحُسْنِ إِسْلَامِهِمْ .