بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
بَاب قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا 7236 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ شُعْبَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ يَقُولُ : لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ، وَلَا تَصَدَّقْنَا ، وَلَا صَلَّيْنَا ، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ : الْمَلَا قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا أَبَيْنَا يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ) إِشَارَةٌ إِلَى رِوَايةٍ مُخْتَصَرَةٍ أَوْرَدَهَا فِي بَابِ حَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي أَوَائِلِ الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْقُلُ وَيَقُولُ : لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ، وَأَوْرَدَهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ أَتَمَّ سِيَاقًا وَقَوْلُهُ : هُنَا لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَفِي بَعْضِهَا : لَوْلَا اللَّهُ هَكَذَا وَقَعَ بِحَذْفِ بَعْضِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَيُسَمَّى الْخَرْمَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ السَّاكِنَةِ ، وَتَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ، وَفِي أَوَّلِ هَذَا الْجُزْءِ زِيَادَةُ سَبَبٍ خَفِيفٍ وَهُوَ الْخَزْمُ بِالزَّايِ ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ وَالرِّوَايَةُ الْوُسْطَى سَالِمَةٌ مِنَ الْخَرْمِ وَالْخَزْمِ مَعًا .
وَقَوْلُهُ هُنَا : إِنَّ الْأُلَى وَرُبَّمَا قَالَ : إِنَّ الْمَلَأَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ، وَلَمْ يَتَرَدَّدْ وَ الْأُلَى بِهَمْزَةٍ مَضْمُومًا غَيْرِ مَمْدُودَةٍ . وَاللَّامُ بَعْدَهَا مَفْتُوحَةٌ وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِينَ وَإِنَّمَا يَتَّزِنُ بِلَفْظِ الَّذِينَ فَكَأَنَّ أَحَدَ الرُّوَاةِ ذَكَرَهَا بِالْمَعْنَى ، وَمَضَى فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بِلَفْظِ : إِنَّ الْعِدَا وَهُوَ غَيْرُ مَوْزُونٍ أَيْضًا وَلَوْ كَانَ الْأَعَادِي لَا تُزَنْ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ : وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ، وَهَذَا مَوْزُونٌ ، ذَكَرَهُ فِي رَجَزِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزَوْهِ خَيْبَرَ . قَوْلُهُ : قَبْلَ ذَلِكَ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَارَى التُّرَابُ ) بِسُكُونِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بِلَفْظِ : الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنَ الْمُوَارَاةِ ، أَيْ غَطَّى وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَوَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ : وَإِنَّ التُّرَابَ لَمُوَارٍ .
قَوْلُهُ : ( بَيَاضَ بَطْنِهِ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ إِلَّا الْكُشْمِيهَنِيَّ فَقَالَ : بَيَاضَ إِبْطَيْهِ تَثْنِيَةُ الْإِبْطِ وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الْمَغَازِي حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ ، حَتَّى وَارَى عَنِّي التُّرَابُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ الشَّاعِرَ الْأَنْصَارِيَّ الصَّحَابِيَّ الْمَشْهُورَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنَّهُ مِنْ شِعْرِ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَذَكَرْتُ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا هُنَاكَ ، وَمَا فِي الْأَبْيَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ زِحَافٍ وَتَوْجِيهَهُ . وَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشِّعْرِ إِنْشَادًا وَإِنْشَاءً فِي حَقِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَقِّ مَنْ دُونَهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَدَبِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَوْلَا عِنْدَ الْعَرَبِ يَمْتَنِعُ بِهَا الشَّيْءُ لِوُجُودِ غَيْرِهِ تَقُولُ : لَوْلَا زَيْدٌ مَا صِرْتُ إِلَيْكَ أَيْ كَانَ مَصِيرِي إِلَيْكَ مِنْ أَجْلِ زَيْدٍ وَكَذَلِكَ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا أَيْ كَانَتْ هِدَايَتُنَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : لِوُقُوعِ غَيْرِهِ ، وَيَلْزَمُ خَبَرَهُ الْحَذْفُ وَيُسْتَغْنَى بِجَوَابِهِ عَنِ الْخَبَرِ قَالَ وَتَجِيءُ بِمَعْنَى هَلَّا نَحْوَ لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَمِثْلُهُ : لَوْمَا بِالْمِيمِ بَدَلَ اللَّامِ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : لَوْلَا تَجِيءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : أَنْ تَدْخُلَ عَلَى جُمْلَةٍ لِتَرْبِطَ امْتِنَاعَ الثَّانِيَةِ بِوُجُودِ الْأُولَى نَحْوُ لَوْلَا زَيْدٌ لَأَكْرَمْتُكَ أَيْ لَوْلَا وُجُودُهُ ، وَأَمَّا حَدِيثُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ فَالتَّقْدِيرُ : لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ أَشُقَّ لَأَمَرْتُ أَمْرَ إِيجَابٍ وَإِلَّا لَانْعَكَسَ مَعْنَاهَا ، إِذِ الْمُمْتَنِعُ الْمَشَقَّةُ ، وَالْمَوْجُودُ الْأَمْرُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِيءُ لِلْحَضِّ وَهُوَ طَلَبٌ بِحَثٍّ وَإِزْعَاجٍ وَ لِلْعَرْضِ وَهُوَ طَلَبٌ بِلِينٍ وَأَدَبٍ ، فَتَخْتَصُّ بِالْمُضَارِعِ نَحْوُ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّهَا تَجِيءُ لِلتَّوْبِيخِ وَالتَّنَدُّمِ فَتَخْتَصُّ بِالْمَاضِي نَحْوُ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَيْ : هَلَّا انْتَهَى .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنَ أَنَّهَا تَجِيءُ بِمَعْنَى لِمَ لَا وَجَعَلَ مِنْهُ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ ، وَمَوْقِعُ الْحَدِيثِ مِنَ التَّرْجَمَةِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ إِذَا عَلَّقَ بِهَا الْقَوْلَ الْحَقَّ ، لَا يَمْنَعُ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلَّقَ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ ، كَمَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا فَيَقَعُ فِي مَحْذُورٍ فَيَقُولُ : لَوْلَا فَعَلْتُ كَذَا مَا كَانَ كَذَا ، فَلَوْ حَقَّقَ لَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ، سَوَاءٌ فَعَلَ أَمْ تَرَكَ فَقَوْلُهَا وَاعْتِقَادُ مَعْنَاهَا يُفْضِي إِلَى التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ .