بَاب الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ ، وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ - كُهُولًا كَانُوا أَوْ شبابا - فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَا ابْنَ أَخِي ، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ لِعُيَيْنَةَ ، فَلَمَّا دَخَلَ ، قَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ . فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ ، فَقَالَ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ .
فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ . الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشَرَ : قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَاسْمُ أَبِي أُوَيْسٍ عَبْدُ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ الْأَصْبَحِيُّ ، وَ ابْنُ وَهْبٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ ، وَ يُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ . قَوْلُهُ ( قَدِمَ عُيَيْنَةُ ) بِتَحْتَانِيَّةٍ وَنُونٍ مُصَغَّرًا ( ابْنُ حِصْنٍ ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُونٍ ( ابْنُ حُذَيْفَةَ بْنُ بَدْرٍ ) يَعْنِي الْفَزَارِيَّ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ وَالْجَهْلِ وَالْجَفَاءِ ، وَلَهُ ذِكْرٌ فِي الْمَغَازِي ثُمَّ أَسْلَمَ فِي الْفَتْحِ وَشَهِدَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُنَيْنًا فَأَعْطَاهُ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ بِقَوْلِهِ : أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيـ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَلَهُ ذِكْرٌ مَعَ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ حِينَ سَأَلَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُعْطِيَهِ أَرْضًا يُقْطِعَهُ إِيَّاهَا فَمَنَعَهُ عُمَرُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَحْمَقَ الْمُطَاعَ وَكَانَ عُيَيْنَةُ مِمَّنْ وَافَقَ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ ، فَلَمَّا غَلَبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَرَّ طُلَيْحَةُ وَأُسِرَ عُيَيْنَةُ ، فَأُتِيَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ فَاسْتَتَابَهُ فَتَابَ ، وَكَانَ قُدُومُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عُمَرَ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَ أَمْرُهُ وَشَهِدَ الْفُتُوحَ ، وَفِيهِ مِنْ جَفَاءِ الْأَعْرَابِ شَيْءٌ .
قَوْلُهُ ( عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ ) بِلَفْظٍ ضِدِّ الْعَبْدِ ، وَ قَيْسٌ وَالِدُ الْحُرِّ لَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا فِي الصَّحَابَةِ ، وَكَأَنَّهُ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَالْحُرُّ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ ، وَابْنُ شَاهِينَ ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْمَدِينَةَ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخٍ لَهُ أَعْمَى فَبَاتَ يُصَلِّي فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ عُيَيْنَةُ كَانَ ابْنُ أَخِي عِنْدِي أَرْبَعِينَ سَنَّةً لَا يُطِيعنِي ، فَمَا أَسْرَعَ مَا أَطَاعَ قُرَيْشًا ، وَفِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . قَوْلُهُ ( وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ ) بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ السَّبَبَ بِقَوْلِهِ ( وَكَانَ الْقُرَّاءُ ) أَيِ الْعُلَمَاءُ الْعُبَّادُ ( أَصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُرَّ كَانَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ ، وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ ضَبْطُ قَوْلِهِ أَوْ شُبَّانًا وَأَنَّهُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَقَوْلُهُ وَمُشَاوَرَته بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِفَتْحِ الْوَاوِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا . قَوْلُهُ : هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ ) هَذَا مِنْ جُمْلَةِ جَفَاءِ عُيَيْنَةَ إِذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَنْعَتَهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَنَازِلَ الْأَكَابِرِ .
قَوْلُهُ : فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ ) أَيْ فِي خَلْوَةٍ ، وَإِلَّا فَعُمَرُ كَانَ لَا يَحْتَجِبُ إِلَّا وَقْتَ خَلَوْتِهِ وَرَاحَتِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ ، أَيْ حَتَّى تَجْتَمِعَ بِهِ وَحْدَكَ . قَوْلُهُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذَنَ لِعُيَيْنَةَ ) أَيِ الْحُرُّ ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ ( فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ تَفْسِيرِ الْأَعْرَافِ ، فَقَالَ : هِيْ ، بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَفِي بَعْضِهَا هِيهِ بِكَسْرِ الْهَاءَيْنِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ أَنْ ضَبَطَهَا هَكَذَا : هِيْ ، كَلِمَةٌ تُقَالُ فِي الِاسْتِزَادَةِ وَيُقَالُ بِالْهَمْزَةِ بَدَلَ الْهَاءِ الْأُولَى ، وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدَّلَائِلِ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ فَقَالَ فِي قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِيهًا قَوْلُهُ إِيهٍ بِهَمْزِ مَكْسُورٍ مَعَ التَّنْوِينِ كَلِمَةُ اسْتِزَادَةٍ مِنْ حَدِيثٍ لَا يُعْرَفُ ، وَتَقُولُ : إِيهًا عَنَّا بِالنَّصْبِ أَيْ كُفَّ ، قَالَ : وَقَالَ يَعْقُوبُ يَعْنِي ابْنَ السِّكِّيتِ تَقُولُ لِمَنِ اسْتَزَدْتَهُ ، مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَدِيثٍ إِيهٍ فَإِنْ وَصَلْتَ نَوَّنْتَ فَقُلْتَ إِيهٍ حَدِّثْنَا وَحَكَاهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَزَادَ فَإِذَا قُلْتَ إِيهًا بِالنَّصْبِ فَهُوَ أَمْرٌ بِالسُّكُوتِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ : قَدْ تَكُونُ كَلِمَةَ اسْتِزَادَةٍ وَقَدْ تَكُونُ كَلِمَةَ زَجْرٍ كَمَا يقَالَ : إِيهٍ عَنَّا أَيْ كُفَّ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هِيهِ هُنَا بِكَسْرِ الْهَاءِ الْأُولَى ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِهَمْزَةٍ بَدَلَهَا وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ ، تُقَالُ لِمَنْ تَسْتَزِيدُهُ ، كَذَا قَالَ وَلَمْ يَضْبِطِ الْهَاءَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ قَالَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هِيَ بِحَذْفِ الْهَاءِ الثَّانِيَةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، أَوْ هُوَ ضَمِيرٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ دَاهِيَةٌ أَوِ الْقِصَّةُ هَذِهِ انْتَهَى .
وَاقْتَصَرَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِهِ عَلَى قَوْلِهِ : هِيَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ لَهُ وَوَقَعَ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ فَقَالَ هِئَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا اسْتَزَدْتَهُ هِيهِ وَإِيهٍ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ لَا وَجْهَ لَهُ ، وَلَعَلَّهُ مِنَ النَّاسِخِ أَوْ سَقَطَ مِنْ كَلَامِهِ شَيْءٌ ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الزَّجْرَ وَطَلَبَ الْكَفَّ لَا الِازْدِيَادَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ . وَقَوْلُهُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ هَذَا أَيْضًا مِنْ جَفَائِهِ حَيْثُ خَاطَبَهُ بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ وَقَوْلُهُ وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيِ الْكَثِيرَ ، وَأَصْلُ الْجَزْلِ مَا عَظُمَ مِنَ الْحَطَبِ .
قَوْلُهُ : وَلَا تَحْكُمُ ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَمَا بِالْمِيمِ بَدَلَ اللَّامِ . قَوْلُهُ : حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ ) أَيْ يَضْرِبُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي التَّفْسِيرِ حَتَّى هَمَّ بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فِيهِ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ . قَوْلُهُ ( فَقَالَ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ .
قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الْحُرِّ ، وَأَنَّهُ مَا حَضَرَ الْقِصَّةَ بَلْ حَمَلَهَا عَنْ صَاحِبِهَا وَهُوَ الْحُرُّ ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَمَ لِلْحُرِّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ أَرَ مَنْ فَعَلَهُ . قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ) فَذَكَرَ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ ، أَيْ فَأَعْرِضْ عَنْهُ . قَوْلُهُ : فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا ) هُوَ كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَظُنُّ ، وَجَزَمَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ بِأَنَّهُ كَلَامُ الْحُرِّ ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ .
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْمُشَارُ إِلَيْهَا ، وَمَعْنَى مَا جَاوَزَهَا مَا عَمِلَ بِغَيْرِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بَلْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا وَلِذَلِكَ قَالَ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَيْ يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ ، وَفِي هَذَا تَقْوِيَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُحْكَمَةٌ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ أَقْوَالَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ ، وَالْأَوْلَى بِالصَّوَابِ أَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ أَتْبَعَ ذَلِكَ تَعْلِيمَهُ نَبِيَّهُ مُحَاجَّةَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى النَّسْخِ ، فَكَأَنَّهَا نَزَلَتْ لِتَعْرِيفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِشْرَةَ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أُرِيدَ بِهِ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ ، وَأَمْرُهُمْ بِأَخْذِ الْعَفْوِ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ فَيَكُونُ تَعْلِيمًا مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ صِفَةَ عِشْرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، فَأَمَّا الْوَاجِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ عَمَلِهِ فِعْلًا أَوْ تَرْكًا انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقَالَ الرَّاغِبُ خُذِ الْعَفْوَ مَعْنَاهُ خُذْ مَا سَهُلَ تَنَاوُلُهُ ، وَقِيلَ تَعَاطَ الْعَفْوَ مَعَ النَّاسِ ، وَالْمَعْنَى خُذْ مَا عُفِيَ لَكَ مِنْ أَفْعَالِ النَّاسِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَسَهُلَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا تَطْلُبْ مِنْهُمُ الْجَهْدَ وَمَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفِرُوا ، وَهُوَ كَحَدِيثِ يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلَا تَنْطِقِي فِي سَوْأَتِي حِينَ أَغْضَبُ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ سَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَشْرَفِ أَخْلَاقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؟ قَالُوا : وَمَا ذَاكَ ؟ فَذَكَرَهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ : أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَأَمَرَ أُمَّتَهُ بِنَحْوِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَمُحَصَّلُهُمَا الْأَمْرُ بِحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ النَّاسِ وَبَذْلُ الْجَهْدِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَالْمُدَارَاةُ مَعَهُمْ وَالْإِغْضَاءُ عَنْهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى الْعُرْفِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ مُسْتَوْفًى فِي التَّفْسِيرِ .