بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لَا يَعْنِيهِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا : هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ الْحَدِيثُ الثَّامِنُ : قَوْلُهُ : ( وَرْقَاءُ ) بِقَافٍ مَمْدُودٌ ، هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْيَشْكُرِيُّ وَشَيْخُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو طُوَالَةَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ . قَوْلُهُ : ( لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي يَسْأَلُونَ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ . قَوْلُهُ ( هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا وَهُوَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَيْضًا يَأْتِي الشَّيْطَانُ الْعَبْدَ - أَوْ أَحَدَكُمْ - فَيَقُولُ : مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا حَتَّى يَقُولَ : مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ ؟ فَيَقُولَ اللَّهُ وَلِأَحْمَدَ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ مِثْلُهُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : حَتَّى يَقُولُوا : هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا وَلَهُ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْهُ : حَتَّى يَقُولُوا : اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَفِي رِوَايَةِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَزَالُ تَقُولُ مَا كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى يَقُولُوا : هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ .
وَلِلْبَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَزَالُ النَّاسُ يَقُولُونَ : كَانَ اللَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَمَنْ كان قَبْلُهُ ؟ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ، قَوْلُهُ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَفْعُولًا ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يُقَالَ هَذَا الْقَوْلُ وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ ، أَيْ هَذَا الْأَمْرُ قَدْ عُلِمَ ، وَعَلَى اللَّفْظِ الْأَوَّلِ يَعْنِي رِوَايَةَ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ هَذَا اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَوْ هَذَا مُبْتَدَأٌ وَ اللَّهُ عَطْفُ بَيَانٍ وَ خَلَقَ الْخَلْقَ خَبَرُهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَلَكِنَّ تَقْدِيرَهُ هَذَا مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ شَيْءٌ ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقٌ ، فَمَنْ خَلَقَهُ ؟ فَيَظْهَرُ تَرْتِيبُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ عَلَى مَا قَبْلَهَا . قَوْلُهُ : ( فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ) فِي رِوَايَةِ بَدْءِ الْخَلْقِ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ وَزَادَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَزَادَ فِي أُخْرَى وَ رُسُلِهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ فَقُولُوا اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ السُّورَةَ ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ لِيَسْتَعِذْ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ : آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَذْهَبُ عَنْهُ ، وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ الْأَوَّلِ ، وَزَادَ فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَذَكَرَ سُؤَالَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ رَمَاهُمْ بِالْحَصَا وَقَالَ صَدَقَ خَلِيلِي وَلَهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَمِّ كَثْرَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّهَا تُفْضِي إِلَى الْمَحْذُورِ كَالسُّؤَالِ الْمَذْكُورِ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْشَأُ إِلَّا عَنْ جَهْلٍ مُفْرِطٍ ، وَقَدْ وَرَدَ بِزِيَادَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ لَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ اللَّهَ .
فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَ الصَّحَابِيُّ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا الشَّيْءَ يَعْظُمُ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِ ، مَا نُحِبُّ أَنَّ لَنَا الدُّنْيَا وَأَنَّا تَكَلَّمْنَا بِهِ ، فَقَالَ : أَوَ قَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالْأَمْرِ لَأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ . ثُمَّ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ الْمُرَادَ بِصَرِيحِ الْإِيمَانِ هُوَ الَّذِي يَعْظُمُ فِي نُفُوسِهِمْ إِنْ تَكَلَّمُوا بِهِ ، وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ قَبُولِ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ، فَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَعَاظَمْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى أَنْكَرُوهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْوَسْوَسَةَ نَفْسَهَا صَرِيحُ الْإِيمَانِ بَلْ هِيَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ وَكَيْدِهِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا الشَّيْءَ أَيِ الْقَبِيحَ ، نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَوْلُهُ : يَعْظُمُ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِ أَيْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ أَنْ نَعْتَقِدَهُ ، وَقَوْلُهُ : ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ أَيْ عِلْمُكُمْ بِقَبِيحِ تِلْكَ الْوَسَاوِسِ وَامْتِنَاعُ قَبُولِكُمْ وَوُجُودُكُمُ النَّفْرَةَ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى خُلُوصِ إِيمَانِكُمْ ، فَإِنَّ الْكَافِرَ يُصِرُّ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْمُحَالِ وَلَا يَنْفِرُ عَنْهُ ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ أَيْ يَتْرُكُ التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ الْخَاطِرِ وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ إِذَا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ التَّفَكُّرُ ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ بِاسْتِغْنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا يُوَسْوِسُهُ الشَّيْطَانُ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ لَا يَحْتَاجُ لِلِاحْتِجَاجِ وَالْمُنَاظَرَةِ ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ ، فَمَهْمَا عُورِضَ بِحُجَّةٍ يَجِدْ مَسْلَكًا آخَرَ مِنَ الْمُغَالَطَةِ وَالِاسْتِرْسَالِ فَيُضَيِّعِ الْوَقْتَ إِنْ سَلِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ ، فَلَا تَدْبِيرَ فِي دَفْعِهِ أَقْوَى مِنَ الْإِلْجَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِمَّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَـزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ فَلْيَقُلِ : اللَّهُ الْأَحَدُ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ مُنَبِّهَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقًا ، أَمَّا أَحَدٌ فَمَعْنَاهُ الَّذِي لَا ثَانِيَ لَهُ وَلَا مِثْلَ ، فَلَوْ فُرِضَ مَخْلُوقًا لَمْ يَكُنْ أَحَدًا عَلَى الْإِطْلَاقِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : قَوْلُهُ صَرِيحُ الْإِيمَانِ ، يَعْنِي الِانْقِطَاعُ فِي إِخْرَاجِ الْأَمْرِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ ، فَلَا بُدَّ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ إِيجَابِ خَالِقٍ لَا خَالِقَ لَهُ لِأَنَّ الْمُتَفَكِّرَ الْعَاقِلَ يَجِدُ لِلْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا خَالِقًا لِأَثَرِ الصَّنْعَةِ فِيهَا وَالْحَدَثِ الْجَارِي عَلَيْهَا ، وَالْخَالِقُ بِخِلَافِ هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهَا خَالِقٌ لَا خَالِقَ لَهُ ، فَهَذَا هُوَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ ، لَا الْبَحْثُ الَّذِي هُوَ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْحِيرَةِ .
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فَإِنْ قَالَ الْمُوَسْوِسُ : فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَالِقُ نَفْسَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : هَذَا يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، لِأَنَّكَ أَثْبَتَّ خَالِقًا وَأَوْجَبْتَ وُجُودَهُ ، ثُمَّ قُلْتَ : يَخْلُقُ نَفْسَهُ فَأَوْجَبْتَ عَدَمَهُ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فَاسِدٌ لِتَنَاقُضِهِ ، لِأَنَّ الْفَاعِلَ يَتَقَدَّمُ وُجُودُهُ عَلَى وُجُودِ فِعْلِهِ فَيَسْتَحِيلُ كَوْنُ نَفْسِهِ فِعْلًا لَهُ . قال : وَهَذَا وَاضِحٌ فِي حَلِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ ، وَهُوَ يُفْضِي إِلَى صَرِيحِ الْإِيمَانِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا مُوَضَّحًا . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، فَعَزْوُهُ إِلَيْهِ أَوْلَى ; وَلَفْظُهُ إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ، قَالَ : وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ .
قَالَ : ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ وَأَخْرَجَ بَعْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوَسْوَسَةِ ، فَقَالَ : تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ لَوْ جَازَ لِمُخْتَرِعِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُخْتَرِعٌ لَتَسَلْسَلَ ، فَلَا بُدَّ مِنَ الِانْتِهَاءِ إِلَى مُوجِدٍ قَدِيمٍ ، وَالْقَدِيمُ مَنْ لَا يَتَقَدَّمُهُ شَيْءٌ وَلَا يَصِحُّ عَدَمُهُ ، وَهُوَ فَاعِلٌ لَا مَفْعُولٌ ، وَهُوَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ ثَبَتَ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ بِالدَّلِيلِ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ ، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهَا بِالسُّؤَالِ عَنْهَا مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَتُهَا .
لَكِنْ لَمَّا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْخَالِقَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أَوْ بِالْكَسْبِ الَّذِي يُقَارِبُ الصِّدْقَ ، كَانَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ تَعَنُّتًا ، فَيَكُونُ الذَّمُّ يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤَالِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ ، وَإِلَّا فَالتَّوَصُّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ عَنْهُ صَرِيحُ الْإِيمَانِ ؛ إِذْ لَا بُدَّ مِنَ الِانْقِطَاعِ إِلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ خَالِقٌ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ . وَيُقَالُ : إِنَّ نَحْوَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ الرَّشِيدِ فِي قِصَّةٍ لَهُ مَعَ صَاحِبِ الْهِنْدِ ، وَأَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ : هَلْ يَقْدِرُ الْخَالِقُ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ فَسَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ ، فَبَدَرَ شَابٌّ فَقَالَ : هَذَا السُّؤَالُ مُحَالٌ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ مُحْدَثٌ وَالْمُحْدَثُ لَا يَكُونُ مِثْلَ الْقَدِيمِ ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يُقَالَ يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ أَوْ لَا يَقْدِرُ ، كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْقَادِرِ الْعَالِمِ يَقْدِرُ أَنْ يَصِيرَ عَاجِزًا جَاهِلًا .