حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي

بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّوحِ ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ . 7309 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : مَرِضْتُ ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ ، وَهُمَا مَاشِيَانِ ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ ، فَأَفَقْتُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ : فَقُلْتُ : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ - كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي ؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي ؟ قَالَ : فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ . قَوْلُهُ : بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي ، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ ) أَيْ كَانَ لَهُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ حَالَانِ : إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي ، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَأْتِيَهُ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ .

وَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ : لَا أَدْرِي دَلِيلًا فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُعَلَّقِ وَالْمَوْصُولِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشِّقِّ الثَّانِي ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِعَدَمِ جَوَابِهِ بِهِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فِي قَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا أَدْرِي حَزَازَةٌ ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ . كَذَا قَالَ ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ شَدِيدٌ مِنْهُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى نَفْيِ الثُّبُوتِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ كَعَادَتِهِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ ، وَأَقْرَبُ مَا وَرَدَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ص مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ ، الْحَدِيثَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَجَابَ بِلَا أَعْلَمُ أَوْ لَا أَدْرِي وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ ، قَالَ : لَا أَدْرِي ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، فَقَالَ : سَلْ رَبَّكَ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ انْتِفَاضَةً الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَلِلْحَاكِمِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَهُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْحَاكِمِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ ، وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَيْضًا ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : فِي أَوَائِلِ مُخْتَصَرِهِ لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي وَقَدْ أَوْرَدْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ فِي الْأَمَالِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُخْتَصَرِ .

قَوْلُهُ : وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هُمَا مُتَرَادِفَانِ ، وَقِيلَ الرَّأْيُ التَّفَكُّرُ ، وَالْقِيَاسُ الْإِلْحَاقُ ، وَقِيلَ الرَّأْيُ أَعَمُّ لِيَدْخُلَ فِيهِ الِاسْتِحْسَانُ وَنَحْوُهُ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْأَخِيرَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا يَزَالُ النَّاسُ مُشْتَمِلِينَ بِخَيْرٍ مَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَابِرِهِمْ ، فَإِذَا أَتَاهُمُ الْعِلْمُ مِنْ قِبَلِ أَصَاغِرِهِمْ وَتَفَرَّقَتْ أَهْوَاؤُهُمْ هَلَكُوا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ هُوَ الْعِلْمُ الْمَوْرُوثُ ، وَمَا أَحْدَثَهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ هُوَ الْمَذْمُومُ ، وَكَانَ السَّلَفُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ فَيَقُولُونَ لِلسُّنَّةِ عِلْمٌ وَلِمَا عَدَاهَا رَأْيٌ ، وَعَنْ أَحْمَدَ يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ فِي التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ ، وَعَنْهُ مَا جَاءَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ وَمَا جَاءَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ سُنَّةٌ لَمْ أَدْفَعْهُ ، وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ لِيَكُنِ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ الْأَثَرَ وَخُذُوا مِنَ الرَّأْيِ مَا يُفَسِّرُ لَكُمُ الْخَبَرَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّأْيَ إِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا لِلنَّقْلِ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ فَهُوَ مَحْمُودٌ ، وَإِنْ تَجَرَّدَ عَنْ عِلْمٍ فَهُوَ مَذْمُومٌ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ فَقْدِ الْعِلْمِ أَنَّ الْجُهَّالَ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ .

قَوْلُهُ ( لِقَوْلِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَا مَعْنَاهُ : إِنَّمَا سَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَشْيَاءَ مُعْضِلَةٍ لَيْسَتْ لَهَا أُصُولٌ فِي الشَّرِيعَةِ ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ اطِّلَاعِ الْوَحْيِ وَإِلَّا فَقَدْ شَرَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الْقِيَاسَ ، وَأَعْلَمَهُمْ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ ، حَيْثُ قَالَ - لِلَّتِي سَأَلَتْهُ : هَلْ تَحُجُّ عَنْ أُمِّهَا ؟ - : فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَأَمَّا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَهُوَ تَشْبِيهُ مَا لَا حُكْمَ فِيهِ بِمَا فِيهِ حُكْمٌ فِي الْمَعْنَى ، وَقَدْ شَبَّهَ الْحُمُرَ بِالْخَيْلِ فَأَجَابَ مَنْ سَأَلَهُ عَنِ الْحُمُرِ بِالْآيَةِ الْجَامِعَةِ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إِلَى آخِرِهَا . كَذَا قَالَ : وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ لِمَا ادَّعَاهُ مِنَ النَّفْيِ حُجَّةٌ فِي الْإِثْبَاتِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي الْمَنْصُوصِ ، بَلْ فِيهِ إِذْنٌ فِي الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي قَالَ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ ؟ إِلَى أَنْ قَالَ ; فَلَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ . وَقَالَ : لَمَّا رَأَى شَبَهًا بِزَمْعَةَ ، احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ .

ثُمَّ ذَكَرَ آثَارًا تَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْقِيَاسِ ، وَتَعَقَّبَهَا ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُرِدِ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ الْكَلَامَ فِي أَشْيَاءَ وَأَجَابَ بِالرَّأْيِ فِي أَشْيَاءَ ، وَقَدْ بَوَّبَ لِكُلِّ ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ فِيهِ ، وَأَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ بَعْدَ بَابَيْنِ : بَابُ مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ ، وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ ، وَحَدِيثَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى . وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا فَهِمَهُ الْمُهَلَّبُ ، وَالدَّاوِدِيُّ ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ الْخِلَافَ هَلْ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ . ثَالِثُهَا : فِيمَا يَجْرِي مَجْرَى الْوَحْيِ مِنْ مَنَامٍ وَشِبْهِهِ .

وَنَقَلَ أَنْ لَا نَصَّ لِمَالِكٍ فِيهِ . قَالَ : وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ . وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأُمِّ وَذَكَرَ أَنَّ حُجَّةَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَمْ يَسُنَّ شَيْئًا إِلَّا بِأَمْرٍ ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ : إِمَّا بِوَحْيٍ يُتْلَى عَلَى النَّاسِ ، وَإِمَّا بِرِسَالَةٍ عَنِ اللَّهِ أَنِ افْعَلْ كَذَا .

قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَأَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ الْآيَةَ ، فَالْكِتَابُ مَا يُتْلَى وَالْحِكْمَةُ السُّنَّةُ ، وَهُوَ مَا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ تِلَاوَةٍ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ أَيْ بِوَحْيِهِ ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ وَهُوَ لَابِسٌ الْجُبَّةَ ، فَسَكَتَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ أَجَابَهُ . وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ أَنَّ عِنْدَهُ كِتَابًا فِي الْعُقُولِ نَزَلَ بِهِ الْوَحْيُ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أَحَدِ التَّابِعِينَ مِنْ ثِقَاتِ الشَّامِيِّينَ كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى الْآيَةَ .

ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ مِنْ وُجُوهِ الْوَحْيِ مَا يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ ، وَمَا يُلْقِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ فِي رَوْعِهِ . ثُمَّ قَالَ : وَلَا تَعْدُو السُّنَنُ كُلُّهَا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي وَصَفْتُ ، انْتَهَى . وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَجْتَهِدُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ وَالْأَنْبِيَاءُ أَفْضَلُ أُولِي الْأَبْصَارِ .

وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ أَجْرِ الْمُجْتَهِدِ وَمُضَاعَفَتِهِ . وَالْأَنْبِيَاءُ أَحَقُّ بِمَا فِيهِ جَزِيلُ الثَّوَابِ . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَمْثِلَةً مِمَّا عَمِلَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّأْيِ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ وَتَنْفِيذِ الْجُيُوشِ وَإِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ وَأَخْذِ الْفِدَاءِ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ قَالَ : وَلَا تَكُونُ الْمَشُورَةُ إِلَّا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ ، وَاحْتَجَّ الدَّاوُدِيُّ بِقَوْلِ عُمَرَ أَنَّ الرَّأْيَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصِيبًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَّا الظَّنُّ وَالتَّكَلُّفُ .

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَالَ الْمُجَوِّزُونَ : كَأَنَّ التَّوَقُّفَ فِيمَا لَمْ يَجِدْ لَهُ أَصْلًا يَقِيسُ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ انْتَهَى . وَهُوَ مُلَخَّصٌ مِمَّا تَقَدَّمَ . وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِعَدَمِ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الرَّأْيَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصِيبًا ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُرِيهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَّا الظَّنُّ وَالتَّكَلُّفُ وَبِهَذَا يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِهِ لِمَنْ يَقُولُ كَانَ يَجْتَهِدُ ، لَكِنْ لَا يَقَعُ فِيمَا يَجْتَهِدُ فِيهِ خَطَأً أَصْلًا .

وَهَذَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُ فَإِنَّ الْوَقَائِعَ كَثُرَتْ وَالْأَقَاوِيلَ انْتَشَرَتْ ، فَكَانَ السَّلَفُ يَتَحَرَّزُونَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ . ثُمَّ انْقَسَمُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ : الْأُولَى تَمَسَّكَتْ بِالْأَمْرِ ، وَعَمِلُوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَلَمْ يَخْرُجُوا فِي فَتَاوِيهِمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَإِذَا سُئِلُوا عَنْ شَيْءٍ لَا نَقْلَ عِنْدَهُمْ فِيهِ أَمْسَكُوا عَنِ الْجَوَابِ وَتَوَقَّفُوا .

وَالثَّانِيَةُ : قَاسُوا مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى مَا وَقَعَ وَتَوَسَّعُوا فِي ذَلِكَ ، حَتَّى أَنْكَرَتْ عَلَيْهِمُ الْفِرْقَةُ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ وَيَجِيءُ . وَالثَّالِثَةُ : تَوَسَّطَتْ ؛ فَقَدَّمَتِ الْأَثَرَ مَا دَامَ مَوْجُودًا ، فَإِذَا فُقِدَ قَاسُوا . قَوْلُهُ : وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّوحِ ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ ) هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي مَضَى قَرِيبًا فِي آخِرِ بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ مَوْصُولًا إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ .

لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ فِيهِ بِلَفْظِ فَقَامَ سَاعَةً يَنْظُرُ وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ فَسَكَتَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ وَأَوْرَدَهُ فِي تَفْسِيرِ سُبْحَانَ بِلَفْظِ فَأَمْسَكَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي مَرَضِهِ ، وَسُؤَالَهُ : كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي ؟ قَالَ : فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث