بَاب الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلَالَةِ وَتَفْسِيرُهَا
حَدَّثَنَا يَحْيَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَيْبَةَ ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَيْضِ ، كَيْفَ تَغْتَسِلُ مِنْهُ ؟ قَالَ : تَأْخُذِينَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً ، فَتَوَضَّئِينَ بِهَا ، قَالَتْ : كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَوَضَّئِي ، قَالَتْ : كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَوَضَّئِينَ بِهَا ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَعَرَفْتُ الَّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَذَبْتُهَا إِلَيَّ فَعَلَّمْتُهَا . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَصَنِيعُ ابْنِ السَّكَنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ ، وَتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَالْبَيْهَقِيِّ بِأَنَّهُ ابْنُ جَعْفَرٍ الْبِيكَنْدِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ الْحُمَيْدِيِّ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَالِدُ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورِ هُوَ ابْنُ طَلْحَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنِ ابْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ الْعَبْدَرِيِّ الْحَجَبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ ، وَوَقَعَ هُنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْن شَيْبَةَ وَشَيْبَةُ إِنَّمَا هُوَ جَدُّ مَنْصُورٍ لِأُمِّهِ ؛ لِأَنَّ اسْمَ أُمِّهِ صَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ ، وَعَلَى هَذَا فَيُكْتَبُ ابْنُ شَيْبَةَ بِالْأَلِفِ وَيُعْرَبُ إِعْرَابَ مَنْصُورٍ لَا إِعْرَابَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا وَلِصَفِيَّةَ وَلِأَبِيهَا صُحْبَةٌ .
قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَذَا ذَكَرَ مِنَ الْمَتْنِ أَوَّلَهُ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى السَّنَدِ الثَّانِي ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ شَيْخُهُ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ ، وَحَكَى الْمِزِّيُّ أَنَّهُ يُكْنَى أَبَا جَعْفَرٍ وَهُوَ كُوفِيٌّ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْهُ مَعَ الْبُخَارِيِّ ، يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَأَبُو كُرَيْبٍ وَآخَرُونَ وَوَثَّقَهُ مُطَيَّنٌ وَابْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُمَا ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ . قُلْتُ : فَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، مَا لَهُ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ فِيمَا ذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ ، لَكِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ لَهُ مَوْضِعًا آخَرَ ، تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ وَآخَرُ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَلَهُ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَهُ مُتَابِعٌ ، فَمَا أَخْرَجَ لَهُ شَيْئًا اسْتِقْلَالًا ، وَلَكِنَّهُ سَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ ، وَأَمَّا لَفْظُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ فَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ اسْمَ الْمَرْأَةِ السَّائِلَةِ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ - بِمُعْجَمَةٍ وَكَافٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ لَامٍ - وَقِيلَ اسْمُ أَبِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ سَائِرِ شَرْحِهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ تَفْهَمِ السَّائِلَةُ غَرَضَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ أَنَّ تَتَبُّعَ الدَّمِ بِالْفِرْصَةِ يُسَمَّى تَوَضُّؤًا إِذَا اقْتَرَنَ بِذِكْرِ الدَّمِ وَالْأَذَى ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ ؛ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُسْتَحَيا مِنْ ذِكْرِهِ ; فَفَهِمَتْ عَائِشَةُ غَرَضَهُ فَبَيَّنَتْ لِلْمَرْأَةِ مَا خَفِيَ عَلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُجْمَلَ يُوقَفُ عَلَى بَيَانِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ وَتَخْتَلِفُ الْأَفْهَامُ فِي إِدْرَاكِهِ ، وَقَدْ عَرَّفَ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ الْمُجْمَلَ بِمَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ وَيَقَعُ فِي اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ كَالْقُرْءِ لِاحْتِمَالِهِ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ ، وَفِي الْمُرَكَّبِ مِثْلَ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ؛ لِاحْتِمَالِهِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ ، وَمِنَ الْمُفْرَدِ الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ مِثْلَ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ فَقِيلَ هُوَ مُجْمَلٌ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِكُلِّ صَوْمٍ وَلَكِنَّهُ بُيِّنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى شَهْرُ رَمَضَانَ ، وَنَحْوُهُ حَدِيثُ الْبَابِ فِي قَوْلِهِ : تَوَضَّئِي فَإِنَّهُ وَقَعَ بَيَانُهُ لِلسَّائِلَةِ بِمَا فَهِمَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَأُقِرَّتْ عَلَى ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .