بَاب الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلَالَةِ وَتَفْسِيرُهَا
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، وَعَمِّي قَالَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَنَّ أَبَاهُ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ ، أَنَّ امْرَأَةً من الأنصار أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ ، فَأَمَرَهَا بِأَمْرٍ فَقَالَتْ : أَرَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ لَمْ أَجِدْكَ ؟ قَالَ : إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ . زَادَ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ : كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : ( قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا أَبِي وَعَمِّي ) اسْمُ عَمِّهِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ : مَاتَ يَعْقُوبُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ سَعْدٍ ، انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَخِيهِ ، انْتَهَى .
وَظَنَّ بَعْضُ مَنْ نَقَلَ كَلَامَهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : أَخِيهِ لِيَعْقُوبَ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ اتَّفَقَا عَلَى التَّخْرِيجِ لِسَعْدٍ ، ثُمَّ اعْتَرَضَ بِأَنَّ الْوَاقِعَ خِلَافُهُ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، وَالِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ ، وَالضَّمِيرُ إِنَّمَا هُوَ لِسَعْدٍ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ سَعِيدٌ لَا لِيَعْقُوبَ الْمُحَدَّثِ عَنْهُ أَوَّلًا . قَوْلُهُ : ( قَالَا حَدَّثَنَا أَبِي ) أَيْ : قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً ) تَقَدَّمَ في مَنَاقِبِ الصِّدِّيقِ شَرْحُ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهَا لَمْ تُسَمَّ .
قَوْلُهُ : ( زَادَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ إِلَخْ ) يُرِيدُ بِالسَّنَدِ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْمَتْنِ كُلِّهِ ، وَالْمَزِيدُ هُوَ قَوْلُهُ : كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ ، وَقَدْ مَضَى فِي مَنَاقِبِ الصِّدِّيقِ بِلَفْظِ : حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا قَالَ : زَادَنَا ، وَزَادَ لَنَا ، وَكَذَا : زَادَنِي ، وَزَادَ لِي ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ ، قَالَ لَنَا ، وَقَالَ لِي ، وَمَا أَشْبَهَهَا ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَنْهُ سَمَاعًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُهَا فِي الْإِجَازَةِ وَمَحَلُّ الرَّدِّ مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْقَائِلِ مِنَ التَّعْمِيمِ ، وَقَدْ وُجِدَ لَهُ فِي مَوْضِعِ زَادَنَا : حَدَّثَنَا ، وَذَلِكَ لَا يَدْفَعُ احْتِمَالَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَجِيزُ فِي الْإِجَازَةِ أَنْ يَقُولَ : قَالَ لَنَا ، وَلَا يَسْتَجِيزُ : حَدَّثَنَا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتَدَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِظَاهِرِ قَوْلِهَا : فَإِنْ لَمْ أَجِدْكَ أَنَّهَا أَرَادَتِ الْمَوْتَ ، فَأَمَرَهَا بِإِتْيَانِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : وَكَأَنَّهُ اقْتَرَنَ بِسُؤَالِهَا حَالَةَ أَفْهَمَتْ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ بِهَا ، قُلْتُ : وَإِلَى ذَلِكَ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ فِي الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا الَّتِي فِيهَا : كَأَنَّهَا تَعْنِي الْمَوْتَ لَكِنَّ قَوْلَهَا : فَإِنْ لَمْ أَجِدْكَ أَعَمُّ فِي النَّفْيِ مِنْ حَالِ الْحَيَاةِ وَحَالِ الْمَوْتِ ; وَدَلَالَتُهُ لَهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُطَابِقٌ لِذَلِكَ الْعُمُومِ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحٌ ، لَكِنْ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ لَا التَّصْرِيحِ ، وَلَا يُعَارِضُ جَزْمَ عُمَرَ بِأَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ نَفْيُ النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ صَرِيحًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مُنَاسَبَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَلَكَ يَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ . قُلْتُ : فِي هَذَا الثَّانِي نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ ، فَهَذَا حُكْمٌ يُعْرَفُ بِالنَّصِّ وَالتَّرْجَمَة ، حُكْمٌ يُعْرَفُ بِالِاسْتِدْلَالِ ، فَالَّذِي قَالَهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ مُسْتَقِيمٌ بِخِلَافِ هَذَا ، وَالَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ اسْتِدْلَالِ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى كَرَاهِيَةِ أَكْلِ الثُّومِ بِامْتِنَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ عُمُومِ التَّأَسِّي أَقْرَبُ مِمَّا قَالَهُ .