حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، قَالَ لَهُ : إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى ، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ ، فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ ، فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ ، فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا بَعَثَ ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفٍ قَالَ أَوْ يَقُولُ وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِحَذْفِهِ خَطًّا ، وَيُقَالُ يُشْتَرَطُ النُّطْقُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ ) أَيْ إِلَى جِهَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُقَيِّدُ الرِّوَايَةَ الْمُطْلَقَةَ بِلَفْظِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَنَّ لَفْظَ الْيَمَنِ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ ، أَوْ مِنْ إِطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ ، أَوْ لِكَوْنِ اسْمِ الْجِنْسِ يُطْلَقُ عَلَى بَعْضِهِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّهِ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ بَعْثِ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذٍ إِلَى الْيَمَنِ فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى ، وَبَعَثَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ قَالَ : وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ الْمِخْلَافِ وَشَرْحُهُ هُنَاكَ ، ثُمَّ قَوْلُهُ : إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلَّ وَإِرَادَةِ الْبَعْضَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَى بَعْضِهِمْ لَا إِلَى جَمِيعِهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَلَى عُمُومِهِ فِي الدَّعْوَى إِلَى الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ إِمْرَةُ مُعَاذٍ إِنَّمَا كَانَتْ عَلَى جِهَةٍ مِنَ الْيَمَنِ مَخْصُوصَةٍ .

قَوْلُهُ : ( إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) هُمُ الْيَهُودُ ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ دُخُولِ الْيَهُودِيَّةِ الْيَمَنَ فِي زَمَنِ أَسْعَدَ ذِي كَرِبَ ، وَهُوَ تُبَّعٌ الْأَصْغَرُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلًا فِي السِّيرَةِ ، فَقَامَ الْإِسْلَامُ وَبَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَدَخَلَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَمَنِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا غَلَبَتِ الْحَبَشَةُ عَلَى الْيَمَنِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ إِبْرَهَةُ صَاحِبُ الْفِيلَ الَّذِي غَزَا مَكَّةَ وَأَرَادَ هَدْمَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَجْلَاهُمْ عَنْهَا سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطًا أَيْضًا ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْيَمَنِ أَحَدٌ مِنَ النَّصَارَى أَصْلًا إِلَّا بِنَجْرَانَ وَهِيَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ ، وَبَقِيَ بِبَعْضِ بِلَادِهَا قَلِيلٌ مِنَ الْيَهُودِ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ ) مَضَى فِي وَسَطِ الزَّكَاةِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظِ : فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةَ اللَّهِ فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي أَخْرَجَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ : أَوَّلُ وَاجِبٍ الْمَعْرِفَةُ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى الْإِتْيَانُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ ، وَلَا الِانْكِفَافُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ عَلَى قَصْدِ الِانْزِجَارِ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَتَأَتَّى إِلَّا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ، وَهُوَ مُقَدِّمَةُ الْوَاجِبِ فَيَجِبُ فَيَكُونُ أَوَّلُ وَاجِبٍ النَّظَرُ ، وَذَهَبَ إِلَى هَذَا طَائِفَةٌ كَابْنِ فَوْرَكٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّظَرَ ذُو أَجْزَاءٍ يَتَرَتَّبُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ ، فَيَكُونُ أَوَّلُ وَاجِبٍ جُزْءًا مِنَ النَّظَرِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ ، وَعَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ أَوَّلُ وَاجِبٍ الْقَصْدُ إِلَى النَّظَرِ ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِأَنَّ مَنْ قَالَ أَوَّلُ وَاجِبٍ الْمَعْرِفَةُ أَرَادَ طَلَبًا وَتَكْلِيفًا ، وَمَنْ قَالَ النَّظَرُ أَوِ الْقَصْدُ أَرَادَ امْتِثَالًا ؛ لِأَنَّهُ يُسَلَّمُ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَعْرِفَةِ ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى سَبْقِ وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا مِنْ أَصْلِهِ ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وَحَدِيثِ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ حَاصِلَةٌ بِأَصْلِ الْفِطْرَةِ ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ ذَلِكَ يَطْرَأُ عَلَى الشَّخْصِ ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَقَدْ وَافَقَ أَبُو جَعْفَرٍ السِّمْنَانِيُّ وَهُوَ مِنْ رُءُوسِ الْأَشَاعِرَةِ عَلَى هَذَا ، وَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بَقِيَتْ فِي مَقَالَةِ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ مَسَائِلِ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَتَفَرَّعَ عَلَيْهَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَقَرَأْتُ فِي جُزْءٍ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ شَيْخِنَا الْحَافِظِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَلَائِيِّ مَا مُلَخَّصُهُ : أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَنَاقَضَتْ فِيهَا الْمَذَاهِبُ وَتَبَايَنَتْ بَيْنَ مُفْرِطٍ وَمُفَرِّطٍ وَمُتَوَسِّطٍ ، فَالطَّرَفُ الْأَوَّلُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : يَكْفِي التَّقْلِيدُ الْمَحْضُ فِي إِثْبَاتِ وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ ، وَمِمَّنْ نُسِبَ إِلَيْهِ إِطْلَاقُ ذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَالَغَ فَحَرَّمَ النَّظَرَ فِي الْأَدِلَّةِ ، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ مِنْ ذَمِّ الْكَلَامِ ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ .

وَالطَّرَفُ الثَّانِي : قَوْلُ مَنْ وَقَفَ صِحَّةَ إِيمَانِ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى مَعْرِفَةِ الْأَدِلَّةِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ ، وَنُسِبَ ذَلِكَ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : أَسْرَفَتْ طَائِفَةٌ فَكَفَّرُوا عَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْعَقَائِدَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي حَرَّرُوهَا فَهُوَ كَافِرٌ ، فَضَيَّقُوا رَحْمَةَ اللَّهِ الْوَاسِعَةَ ، وَجَعَلُوا الْجَنَّةَ مُخْتَصَّةً بِشِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ وَأَطَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى قَائِلِهِ ، وَنَقَلَ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى أَنَّهُمْ قَالُوا : لَا يَجُوزُ أَنْ تُكَلِّفَ الْعَوَامَّ اعْتِقَادَ الْأُصُولِ بِدَلَائِلِهَا ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ أَشَدَّ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي تَعَلُّمِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ . وَأَمَّا الْمَذْهَبُ الْمُتَوَسِّطُ فَذَكَرَهُ ، وَسَأَذْكُرُهُ مُلَخَّصًا بَعْدَ هَذَا ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : فِي شَرْحِ حَدِيثِ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ الَّذِي تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَثْنَاءِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي يَبْغَضُهُ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ بِخُصُومَتِهِ مُدَافَعَةَ الْحَقِّ ، وَرَدَّهُ بِالْأَوْجُهِ الْفَاسِدَةِ وَالشُّبَهِ الْمُوهِمَةِ ، وَأَشَدُّ ذَلِكَ الْخُصُومَةُ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، كَمَا يَقَعُ لِأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الطُّرُقِ الَّتِي أَرْشَدَ إِلَيْهَا كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَفُ أُمَّتِهِ ، إِلَى طُرُقٍ مُبْتَدَعَةٍ وَاصْطِلَاحَاتٍ مُخْتَرَعَةٍ وَقَوَانِينَ جَدَلِيَّةٍ وَأُمُورٍ صِنَاعِيَّةٍ ، مَدَارُ أَكْثَرِهَا عَلَى آرَاءٍ سُوفِسْطَائِيَّةٍ ، أَوْ مُنَاقَضَاتٍ لَفْظِيَّةٍ يَنْشَأُ بِسَبَبِهَا عَلَى الْآخِذِ فِيهَا شُبَهٌ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْهَا ، وَشُكُوكٌ يَذْهَبُ الْإِيمَانُ مَعَهَا ، وَأَحْسَنُهُمُ انْفِصَالًا عَنْهَا أَجَدْلُهُمْ لَا أَعْلَمُهُمْ ، فَكَمْ مِنْ عَالِمٍ بِفَسَادِ الشُّبْهَةِ لَا يَقْوَى عَلَى حَلِّهَا ، وَكَمْ مِنْ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا لَا يُدْرِكُ حَقِيقَةَ عِلْمِهَا ، ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ ارْتَكَبُوا أَنْوَاعًا مِنَ الْمُحَالِ لَا يَرْتَضِيهَا الْبُلْهُ وَلَا الْأَطْفَالُ ، لَمَّا بَحَثُوا عَنْ تَحَيُّزِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَلْوَانِ وَالْأَحْوَالِ ، فَأَخَذُوا فِيمَا أَمْسَكَ عَنْهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ كَيْفِيَّاتِ تَعَلُّقَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَعْدِيدِهَا وَاتِّحَادِهَا فِي نَفْسِهَا ، وَهَلْ هِيَ الذَّاتُ أَوْ غَيْرُهَا ؟ وَفِي الْكَلَامِ : هَلْ هُوَ مُتَّحِدٌ أَوْ مُنْقَسِمٌ ؟ وَعَلَى الثَّانِي : هَلْ يَنْقَسِمُ بِالنَّوْعِ أَوِ الْوَصْفِ؟ وَكَيْفَ تَعَلَّقَ فِي الْأَزَلِ بِالْمَأْمُورِ مَعَ كَوْنِهِ حَادِثًا ؟ ثُمَّ إِذَا انْعَدَمَ الْمَأْمُورُ هَلْ يَبْقَى التَّعَلُّقُ ؟ وَهَلِ الْأَمْرُ لِزَيْدٍ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لِعَمْرٍو بِالزَّكَاةِ ؟ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ابْتَدَعُوهُ مِمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الشَّارِعُ ، وَسَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ ، بَلْ نَهَوْا عَنِ الْخَوْضِ فِيهَا ؛ لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ بَحْثٌ عَنْ كَيْفِيَّةِ مَا لَا تُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهُ بِالْعَقْلِ ؛ لِكَوْنِ الْعُقُولِ لَهَا حَدٌّ تَقِفُ عِنْدَهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الذَّاتِ وَكَيْفِيَّةِ الصِّفَاتِ ، وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي هَذَا ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ حُجِبَ عَنْ كَيْفِيَّةِ نَفْسِهِ مَعَ وُجُودِهَا ، وَعَنْ كَيْفِيَّةِ إِدْرَاكِ مَا يُدْرِكُ بِهِ فَهُوَ عَنْ إِدْرَاكِ غَيْرِهِ أَعْجَزُ ، وَغَايَةُ عِلْمِ الْعَالِمِ أَنْ يَقْطَعَ بِوُجُودِ فَاعِلٍ لِهَذِهِ الْمَصْنُوعَاتِ ، مُنَزَّهٍ عَنِ الشَّبِيهِ ، مُقَدَّسٍ عَنِ النَّظِيرِ ، مُتَّصِفٍ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ، ثُمَّ مَتَى ثَبَتَ النَّقْلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَسْمَائِهِ قَبِلْنَاهُ وَاعْتَقَدْنَاهُ وَسَكَتْنَا عَمَّا عَدَاهُ ، كَمَا هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَأْمَنُ صَاحِبُهُ مِنَ الزَّلَلِ ، وَيَكْفِي فِي الرَّدْعِ عَنِ الْخَوْضِ فِي طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَا ثَبَتَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَقَدْ قَطَعَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَخُوضُوا فِي الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ مَبَاحِثِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ طَرِيقِهِمْ فَكَفَاهُ ضَلَالًا . قَالَ : وَأَفْضَى الْكَلَامُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الشَّكِّ ، وَبِبَعْضِهِمْ إِلَى الْإِلْحَادِ وَبِبَعْضِهِمْ إِلَى التَّهَاوُنِ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ إِعْرَاضُهُمْ عَنْ نُصُوصِ الشَّارِعِ ، وَتَطَلُّبُهُمْ حَقَائِقَ الْأُمُورِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْعَقْلِ مَا يُدْرِكُ مَا فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ مِنَ الْحِكَمِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ بِهَا ، وَقَدْ رَجَعَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ ، حَتَّى جَاءَ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قَالَ : رَكِبْتُ الْبَحْرَ الْأَعْظَمَ ، وَغُصْتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ نَهَى عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فِرَارًا مِنَ التَّقْلِيدِ ، وَالْآنَ فَقَدْ رَجَعْتُ وَاعْتَقَدْتُ مَذْهَبَ السَّلَفِ هَذَا كَلَامُهُ أَوْ مَعْنَاهُ ، وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ : يَا أَصْحَابَنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالْكَلَامِ ، فَلَوْ عَرَفْتُ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِي مَا بَلَغْتُ مَا تَشَاغَلْتُ بِهِ ، إِلَى أَنْ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكَلَامِ إِلَّا مَسْأَلَتَانِ هُمَا مِنْ مَبَادِئِهِ لَكَانَ حَقِيقًا بِالذَّمِّ : إِحْدَاهُمَا : قَوْلُ بَعْضِهِمْ : إِنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ الشَّكُّ ؛ إِذْ هُوَ اللَّازِمُ عَنْ وُجُوبِ النَّظَرِ أَوِ الْقَصْدِ إِلَى النَّظَرِ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ بِقَوْلِهِ : رَكِبْتُ الْبَحْرَ .

ثَانِيَتُهُمَا : قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ : إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِالطُّرُقِ الَّتِي رَتَّبُوهَا وَالْأَبْحَاثِ الَّتِي حَرَّرُوهَا لَمْ يَصِحَّ إِيمَانُهُ ، حَتَّى لَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْفِيرُ أَبِيكَ وَأَسْلَافَكَ وَجِيرَانَكَ ، فَقَالَ : لَا تُشَنِّعُ عَلَيَّ بِكَثْرَةِ أَهْلِ النَّارِ ، قَالَ : وَقَدْ رَدَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا عَلَى مَنْ قَالَ بِهِمَا بِطَرِيقٍ مِنَ الرَّدِّ النَّظَرِيِّ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ كَافِرٌ شَرْعًا ؛ لِجَعْلِهِ الشَّكَّ فِي اللَّهِ وَاجِبًا ، وَمُعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ كُفَّارًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَهَذَا مَعْلُومُ الْفَسَادِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ، وَإِلَّا فَلَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِيَّاتِ ضَرُورِيٌّ ، وَخَتَمَ الْقُرْطُبِيُّ كَلَامَهُ بِالِاعْتِذَارِ عَنْ إِطَالَةِ النَّفَسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لِمَا شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ هَذِهِ الْبِدْعَةِ حَتَّى اغْتَرَّ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَغْمَارِ فَوَجَبَ بَذْلُ النَّصِيحَةِ ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ انْتَهَى . وَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ : ذَهَبَ أَبُو هَاشِمٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ اللَّهَ بِالدَّلِيلِ فَهُوَ كَافِرٌ ؛ لِأَنَّ ضِدَّ الْمَعْرِفَةِ النَّكِرَةُ وَالنَّكِرَةُ كُفْرٌ . قَالَ : وَأَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا كَانَ الِاعْتِقَادُ مُوَافِقًا لَكِنْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ صَاحِبَهُ مُؤْمِنٌ عَاصٍ بِتَرْكِ النَّظَرِ الْوَاجِبِ ، وَمِنْهُمْ مَنِ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الِاعْتِقَادِ الْمُوَافِقِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ دَلِيلٍ وَسَمَّاهُ عِلْمًا ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ وُجُوبُ النَّظَرِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَنْ مَنَعَ التَّقْلِيدَ وَأَوْجَبَ الِاسْتِدْلَالَ لَمْ يُرِدِ التَّعَمُّقَ فِي طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، بَلِ اكْتَفَى بِمَا لَا يَخْلُو عَنْهُ مَنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَصْنُوعِ عَلَى الصَّانِعِ ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الذِّهْنِ مُقَدِّمَاتٌ ضَرُورِيَّةٌ تَتَأَلَّفُ تَأَلُّفًا صَحِيحًا وَتُنْتِجُ الْعِلْمَ ؛ لَكِنَّهُ لَوْ سُئِلَ كَيْفَ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ مَا اهْتَدَى لِلتَّعْبِيرِ بِهِ ، وَقِيلَ : الْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ الْمَنْعُ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَقَدِ انْفَصَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقْلِيدِ أَخْذُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ بِثُبُوتِ النُّبُوَّةِ حَتَّى حَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِهَا ، فَمَهْمَا سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَقْطُوعًا عِنْدَهُ بِصِدْقِهِ ، فَإِذَا اعْتَقَدَهُ لَمْ يَكُنْ مُقَلِّدًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِقَوْلِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، وَهَذَا مُسْتَنَدُ السَّلَفِ قَاطِبَةً فِي الْأَخْذِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ ، فَآمَنُوا بِالْمُحْكَمِ مِنْ ذَلِكَ وَفَوَّضُوا أَمْرَ الْمُتَشَابِهِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِمْ .

وَإِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَذْهَبَ الْخَلَفِ أَحْكَمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُثْبِتِ النُّبُوَّةَ ، فَيَحْتَاجُ مَنْ يُرِيدُ رُجُوعَهُ إِلَى الْحَقِّ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةَ إِلَى أَنْ يُذْعِنَ فَيُسَلِّمَ أَوْ يُعَانِدَ فَيَهْلِكَ ، بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي أَصْلِ إِيمَانِهِ إِلَى ذَلِكَ ، وَلَيْسَ سَبَبُ الْأَوَّلِ إِلَّا جَعْلُ الْأَصْلِ عَدَمَ الْإِيمَانِ ، فَلَزِمَ إِيجَابُ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْمَعْرِفَةِ ، وَإِلَّا فَطَرِيقُ السَّلَفِ أَسْهَلُ مِنْ هَذَا ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى مَا ذَكَرَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ، فَاخْتَلَطَ الْأَمْرُ عَلَى مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِدْلَالَ بِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَمِّ التَّقْلِيدِ ، وَذَكَرُوا الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَمِّ التَّقْلِيدِ ، وَبِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ لَا يَدْرِي أَيُّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهَدْيُ ، وَبِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالدَّلِيلِ فَهُوَ دَعْوَى لَا يُعْمَلُ بِهَا ، وَبِأَنَّ الْعِلْمَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ ضَرُورَةٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ وَكُلَّ مَا لَمْ يَكُنْ عِلْمًا فَهُوَ جَهْلٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَهُوَ ضَالٌّ . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَذْمُومَ مِنَ التَّقْلِيدِ أَخْذُ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ ، وَلَيْسَ الْعَمَلُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ دَاخِلًا تَحْتَ التَّقْلِيدِ الْمَذْمُومِ اتِّفَاقًا ، وَأَمَّا مَنْ دُونِهِ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ فِي قَوْلٍ قَالَهُ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْهُ لَمْ يَقُلْ هُوَ بِهِ فَهُوَ الْمُقَلِّدُ الْمَذْمُومُ ، بِخِلَافِ مَا لَوِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ فِي خَبَرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَمْدُوحًا ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ أَيَّ الْأَمْرَيْنِ هُوَ الْهُدَى ، فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ ، بَلْ مِنَ النَّاسِ مَنْ تَطْمَئِنُّ نَفْسُهُ وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لِلْإِسْلَامِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ ، فَالَّذِي ذَكَرُوهُ هُمْ أَهْلُ الشِّقِّ الثَّانِي ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ النَّظَرُ ؛ لِيَقِيَ نَفْسَهُ النَّارَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنِ اسْتَرْشَدَهُ أَنْ يُرْشِدَهُ وَيُبَرْهِنَ لَهُ الْحَقَّ ، وَعَلَى هَذَا مَضَى السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ .

وَأَمَّا مَنِ اسْتَقَرَّتْ نَفْسُهُ إِلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَلَمْ تُنَازِعْهُ نَفْسُهُ إِلَى طَلَبِ دَلِيلٍ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ وَتَيْسِيرًا ، فَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ : وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْآيَةَ . وَقَالَ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ الْآيَةَ وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ مُقَلِّدِينَ لِآبَائِهِمْ وَلَا لِرُؤَسَائِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَفَرَ آبَاؤُهُمْ أَوْ رُؤَسَاؤُهُمْ لَمْ يُتَابِعُوهُمْ ، بَلْ يَجِدُونَ النُّفْرَةَ عَنْ كُلِّ مَنْ سَمِعُوا عَنْهُ مَا يُخَالِفُ الشَّرِيعَةَ ، وَأَمَّا الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ فَإِنَّمَا وَرَدَتْ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مَنْ نُهُوا عَنِ اتِّبَاعِهِ ، وَتَرَكُوا اتِّبَاعَ مَنْ أُمِرُوا بِاتِّبَاعِهِ . وَإِنَّمَا كَلَّفَهُمُ اللَّهُ الْإِتْيَانَ بِبُرْهَانٍ عَلَى دَعْوَاهُمْ بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَلَمْ يَرِدْ قَطُّ أَنَّهُ أَسْقَطَ اتِّبَاعَهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِالْبُرْهَانِ .

وَكُلُّ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَا بُرْهَانَ لَهُ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْإِتْيَانُ بِالْبُرْهَانِ تَبْكِيتًا وَتَعْجِيزًا . وَأَمَّا مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ فِيمَا جَاءَ بِهِ فَقَدِ اتَّبَعَ الْحَقَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ وَقَامَتِ الْبَرَاهِينُ عَلَى صِحَّتِهِ ، سَوَاءٌ عَلِمَ هُوَ بِتَوْجِيهِ ذَلِكَ الْبُرْهَانِ أَمْ لَا . وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : إِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ وَأَمَرَ بِهِ ، مُسَلَّمٌ ، لَكِنْ هُوَ فِعْلٌ حَسَنٌ مَنْدُوبٌ لِكُلِّ مَنْ أَطَاقَهُ ، وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ لَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَى التَّصْدِيقِ ، كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ : طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمُ ، وَطَرِيقَةُ الْخَلَفِ أَحْكَمُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهٍ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَصْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ ، فَجَمَعَ هَذَا الْقَائِلُ بَيْنَ الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ وَالدَّعْوَى فِي طَرِيقَةِ الْخَلَفِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّ ، بَلِ السَّلَفُ فِي غَايَةِ الْمَعْرِفَةِ بِمَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي غَايَةِ التَّعْظِيمِ لَهُ وَالْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمُرَادِهِ ، وَلَيْسَ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْخَلَفِ وَاثِقًا بِأَنَّ الَّذِي يَتَأَوَّلُهُ هُوَ الْمُرَادُ ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْعِلْمِ فَزَادُوا فِي التَّعْرِيفِ عَنْ ضَرُورَةٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ وَتَعْرِيفُ الْعِلْمِ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ : فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الزِّيَادَةَ فَلْيَزْدَادُوا عَنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ لَهُ ذَلِكَ ، وَخَلْقِهِ ذَلِكَ الْمُعْتَقِدِ فِي قَلْبِهِ ، وَإِلَّا فَالَّذِي زَادُوهُ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ : تَعَقَّبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَمْ يَعْتَنُوا بِإِيرَادِ دَلَائِلِ الْعَقْلِ فِي التَّوْحِيدِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِالتَّعْرِيفَاتِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ ، وَقَدْ قَبِلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ وَاسْتَحْسَنُوهُ فَدَوَّنُوهُ فِي كُتُبِهِمْ ، فَكَذَلِكَ عِلْمُ الْكَلَامِ ، وَيَمْتَازُ عِلْمُ الْكَلَامِ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الرَّدَّ عَلَى الْمُلْحِدِينَ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، وَبِهِ تَزُولُ الشُّبْهَةُ عَنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَيَثْبُتُ الْيَقِينُ لِأَهْلِ الْحَقِّ ، وَقَدْ عَلِمَ الْكُلُّ أَنَّ الْكِتَابَ لَمْ تُعْلَمْ حَقِيقَتُهُ ، وَالنَّبِيُّ لَمْ يَثْبُتْ صِدْقُهُ إِلَّا بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ ، وَأَجَابَ : أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ الشَّارِعَ وَالسَّلَفَ الصَّالِحَ نَهَوْا عَنِ الِابْتِدَاعِ وَأَمَرُوا بِالِاتِّبَاعِ ، وَصَحَّ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَعَدُّوهُ ذَرِيعَةً لِلشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ . وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ النَّهْيُ عَنْهَا إِلَّا مَنْ تَرَكَ النَّصَّ الصَّحِيحَ وَقَدَّمَ عَلَيْهِ الْقِيَاسَ ، وَأَمَّا مَنِ اتَّبَعَ النَّصَّ وَقَاسَ عَلَيْهِ فَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ إِنْكَارُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ فِي الْمُعَامَلَاتِ لَا تَنْقَضِي ، وَبِالنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَارَدُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاشْتِغَالِ بِذَلِكَ ، بِخِلَافِ عِلْمِ الْكَلَامِ .

وَأَمَّا ثَانِيًا : فَإِنَّ الدِّينَ كَمُلَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فَإِذَا كَانَ أَكْمَلَهُ وَأَتَمَّهُ ، وَتَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاعْتَقَدَهُ مَنْ تَلَقَّى عَنْهُمْ وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ فَأَيُّ حَاجَةٍ بِهِمْ إِلَى تَحْكِيمِ الْعُقُولِ وَالرُّجُوعِ إِلَى قَضَايَاهَا وَجَعْلِهَا أَصْلًا ، وَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ تُعْرَضُ عَلَيْهَا فَتَارَةً يُعْمَلُ بِمَضْمُونِهَا ، وَتَارَةً تُحَرَّفُ عَنْ مَوَاضِعِهَا لِتُوَافِقُ الْعُقُولَ . وَإِذَا كَانَ الدِّينُ قَدْ كَمُلَ فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِيهِ إِلَّا نُقْصَانًا فِي الْمَعْنَى ، مِثْلَ زِيَادَةِ أُصْبُعٍ فِي الْيَدِ فَإِنَّهَا تُنْقِصُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَوَسَّطَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَقَالَ : لَا يَكْفِي التَّقْلِيدُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يَنْشَرِحُ بِهِ الصَّدْرُ ، وَتَحْصُلُ بِهِ الطُّمَأْنِينَةُ الْعِلْمِيَّةُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الصِّنَاعَةِ الْكَلَامِيَّةِ بَلْ يَكْفِي فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ فَهْمُهُ ، انْتَهَى . وَالَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ تَقْلِيدِ النُّصُوصِ كَافٍ فِي هَذَا الْقَدْرِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَطْلُوبُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ التَّصْدِيقُ الْجَزْمِيُّ الَّذِي لَا رَيْبَ مَعَهُ بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْإِيمَانِ بِرُسُلِهِ ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ كَيْفَمَا حَصَلَ ، وَبِأَيِّ طَرِيقٍ إِلَيْهِ يُوَصِّلُ ، وَلَوْ كَانَ عَنْ تَقْلِيدٍ مَحْضٍ إِذَا سَلِمَ مِنَ التَّزَلْزُلِ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفَتْوَى وَمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْقَوْلِ فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ ، وَبِمَا تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمَا حَكَمُوا بِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جُفَاةِ الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ ، فَقَبِلُوا مِنْهُمُ الْإِقْرَارَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَالْتِزَامَ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ بِتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِنَّمَا أَسْلَمَ لِوُجُودِ دَلِيلٍ مَا ، فَأَسْلَمَ بِسَبَبِ وُضُوحِهِ لَهُ ، فَالْكَثِيرُ مِنْهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ اسْتِدْلَالٍ ، بَلْ بِمُجَرَّدِ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّ نَبِيًّا سَيُبْعَثُ وَيَنْتَصِرُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ ، فَلَمَّا ظَهَرَتْ لَهُمُ الْعَلَامَاتُ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَادَرُوا إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَصَدَّقُوهُ فِي كل شَيْءٍ قَالَهُ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى مَعَاشِهِ مِنْ رِعَايَةِ الْغَنَمِ وَغَيْرِهَا ، وَكَانَتْ أَنْوَارُ النُّبُوَّةِ وَبَرَكَاتُهَا تَشْمَلُهُمْ فَلَا يَزَالُونَ يَزْدَادُونَ إِيمَانًا وَيَقِينًا . وَقَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ أَيْضًا مَا مُلَخَّصِهِ : إِنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُ شَيْئًا ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ مَا وَجَبَ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَقَوْلِهِ : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ دَعْوَةَ رُسُلِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا كَانَتْ لِبَيَانِ الْفُرُوعِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْعَقْلَ هُوَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ دُونَ الرَّسُولِ ، وَيَلْزَمُهُ أَنَّ وُجُودَ الرَّسُولِ وَعَدَمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ سَوَاءٌ ، وَكَفَى بِهَذَا ضَلَالًا . وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْعَقْلَ يُرْشِدُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَإِنَّمَا نُنْكِرُ أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِإِيجَابِ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَصِحَّ إِسْلَامٌ إِلَّا بِطَرِيقِهِ ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السَّمْعِيَّاتِ ؛ لِكَوْنِ ذَلِكَ خِلَافَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي تَوَاتَرَتْ وَلَوْ بِالطَّرِيقِ الْمَعْنَوِيِّ ، وَلَوْ كَانَ كما يَقُولُ أُولَئِكَ لَبَطَلَتِ السَّمْعِيَّاتُ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا أَوْ أَكْثَرِهَا ، بَلْ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِمَا ثَبَتَ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ ، فَإِنْ عَقَلْنَاهُ فَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَإِلَّا اكْتَفَيْنَا بِاعْتِقَادِ حَقِيقَتِهِ عَلَى وَفْقِ مُرَادِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، انْتَهَى .

وَيُؤَيِّدُ كَلَامَهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ أَنْ نَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنْ نَدَعَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَسْلَمَ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : نَبِيُّ اللَّهِ . قُلْتُ : آللَّهُ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : بِأَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : أُوَحِّدُ اللَّهَ لَا أُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا الْحَدِيثَ ، وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي قِصَّةِ قَتْلِهِ الَّذِي قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَدِيثِ الْمِقْدَادِ فِي مَعْنَاهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ ، وَفِي كُتُبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ ، وَكِسْرَى وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ الدَّالَّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِي دُعَائِهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَيُصَدِّقُوهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْهُ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ إِذْعَانُهُ عَنْ تَقَدُّمِ نَظَرٍ أَمْ لَا ، وَمَنْ تَوَقَّفَ مِنْهُمْ نَبَّهَهُ حِينَئِذٍ عَلَى النَّظَرِ ، أَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ إِلَى أَنْ يُذْعِنَ أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى عِنَادِهِ .

وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِقَادِ : سَلَكَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا فِي إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ بِمُعْجِزَاتِ الرِّسَالَةِ ؛ فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي وُجُوبِ قَبُولِ مَا دَعَا إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَقَعَ إِيمَانُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلرُّسُلِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ النَّجَاشِيِّ وَقَوْلَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَهُ : بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا نَعْرِفُ صِدْقَهُ ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ ، وَتَلَا عَلَيْنَا تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ فَصَدَّقْنَاهُ وَعَرَفْنَا أَنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَقُّ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَحَالُهُ مَعْرُوفَةٌ وَحَدِيثُهُ فِي دَرَجَةِ الْحَسَنِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَاسْتَدَلُّوا بِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ، فَآمَنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ ، وَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ ، وَاكْتِفَاءُ غَالِبِ مَنْ أَسْلَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي الْأَخْبَارِ ، فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ثَبَتَ عَنْهُ بِطَرِيقِ السَّمْعِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَقْلِيدًا بَلْ هُوَ اتِّبَاعٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَقَدِ اسْتَدَلَّ مَنِ اشْتَرَطَ النَّظَرَ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ النَّظَرَ لَمْ يُنْكِرْ أَصْلَ النَّظَرِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ تَوَقُّفَ الْإِيمَانِ عَلَى وُجُودِ النَّظَرِ بِالطُّرُقِ الْكَلَامِيَّةِ ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي النَّظَرِ جَعْلُهُ شَرْطًا ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِذْ لَوْ أَفَادَهُ لَكَانَ الْعِلْمُ حَاصِلًا لِمَنْ قَلَّدَ فِي قِدَمِ الْعَالَمِ وَلِمَنْ قَلَّدَ فِي حُدُوثِهِ ، وَهُوَ مُحَالٌ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ ، وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي تَقْلِيدِ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا تَقْلِيدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ فَلَا يَتَنَاقَضُ أَصْلًا ، وَاعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عَنِ اكْتِفَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ بِإِسْلَامِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِضَرُورَةِ الْمَبَادِئِ . وَأَمَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ الْإِسْلَامِ وَشُهْرَتِهِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِالْأَدِلَّةِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا الِاعْتِذَارِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ يُنْكِرُونَ التَّقْلِيدَ ، وَهُمْ أَوَّلُ دَاعٍ إِلَيْهِ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي الْأَذْهَانِ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ قَاعِدَةً مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي أَصَّلُوهَا فَهُوَ مُبْتَدِعٌ وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْهَا وَلَمْ يَعْرِفْ مَأْخَذَهَا ، وَهَذَا هُوَ مَحْضُ التَّقْلِيدِ فَآلَ أَمْرُهُمْ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَلَّدَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقَوْلِ بِإِيمَانِ مَنْ قَلَّدَهُمْ ، وَكَفَى بِهَذَا ضَلَالًا ، وَمَا مِثْلُهُمْ إِلَّا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : إِنَّهُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا سَفْرًا فَوَقَعُوا فِي فَلَاةٍ لَيْسَ فِيهَا مَا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ ، وَرَأَوْا فِيهَا طُرُقًا شَتَّى فَانْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ ، فَقِسْمٌ وَجَدُوا مَنْ قَالَ لَهُمْ : أَنَا عَارِفٌ بِهَذِهِ الطُّرُقِ وَطَرِيقُ النَّجَاةِ مِنْهَا وَاحِدَةٌ ، فَاتَّبِعُونِي فِيهَا تَنْجُوا فَتَبِعُوهُ فَنَجَوْا ، وَتَخَلَّفَتْ عَنْهُ طَائِفَةٌ فَأَقَامُوا إِلَى أَنْ وَقَفُوا عَلَى أَمَارَةٍ ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ فِي الْعَمَلِ بِهَا النَّجَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا فَنَجَوْا ، وَقِسْمٌ هَجَمُوا بِغَيْرِ مُرْشِدٍ وَلَا أَمَارَةٍ فَهَلَكُوا ، فَلَيْسَتْ نَجَاةُ مَنِ اتَّبَعَ الْمُرْشِدَ بِدُونِ نَجَاةِ مَنْ أَخَذَ بِالْأَمَارَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ أَوْلَى مِنْهَا .

وَنَقَلْتُ مِنْ جُزْءِ الْحَافِظِ صَلَاحِ الدِّينِ الْعَلَائِيِّ : يُمْكِنُ أَنْ يُفَصَّلُ فَيُقَالُ : مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ لَهُ لِفَهْمِ شَيْءٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ أَصْلًا وَحَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ التَّامُّ بِالْمَطْلُوبِ إِمَّا بِنَشْأَتِهِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لِنُورٍ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ ، وَمَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِفَهْمِ الْأَدِلَّةِ لَمْ يُكْتَفَ مِنْهُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ عَنْ دَلِيلٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَدَلِيلُ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسْبِهِ وَتَكْفِي الْأَدِلَّةُ الْمُجْمَلَةُ الَّتِي تَحْصُلُ بِأَدْنَى نَظَرٍ ، وَمَنْ حَصَلَتْ عِنْدَهُ شُبْهَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّعَلُّمُ إِلَى أَنْ تَزُولَ عَنْهُ . قَالَ : فَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَلَامِ الطَّائِفَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ ، وَأَمَّا مَنْ غَلَا فَقَالَ : لَا يَكْفِي إِيمَانُ الْمُقَلِّدِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ إِيمَانِ أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَا مَنْ غَلَا أَيْضًا فَقَالَ : لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ أَنَّ أَكَابِرَ السَّلَفِ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ بِحَقِيقَةِ كُنْهِهِ مُمْكِنَةً لِلْبَشَرِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقَيَّدًا بِمَا عَرَّفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ وُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ اللَّائِقَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مَثَلًا ، وَتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ كَالْحُدُوثِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، فَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٌ لِلْبَشَرِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا فَإِذَا حُمِلَ قَوْلُهُ : فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ وَاضِحًا مَعَ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَطَقَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ وَرُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ اخْتَلَفُوا : هَلْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ أَوْ بِغَيْرِهِ ؟ فَلَمْ يَقُلْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِلَفْظٍ مِنْهَا ، وَمَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ أَنَّ الْأَكْثَرَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ : فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ : فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ، فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ بِلَفْظِ : فَادْعُهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ ، وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ : التَّوْحِيدُ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّوْحِيدِ : الْإِقْرَارُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إِلَى التَّوْحِيدِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ أَيْ : عَرَفُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرِفَةِ : الْإِقْرَارُ وَالطَّوَاعِيَةُ ، فَبِذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْقِصَّةِ الْوَاحِدَةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ : الِاقْتِصَارُ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ إِذَا أَقَرَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ ؛ فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ التَّصْدِيقَ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ عَنْهُمَا وَالْتِزَامَ ذَلِكَ ، فَيَحْصُلُ ذَلِكَ لِمَنْ صَدَّقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ . وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنْ إِنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحُكْمِ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعَ تَأْوِيلٍ فَظَاهِرٌ ، وَإِنْ كَانَ عِنَادًا قَدَحَ فِي صِحَّةِ الْإِسْلَامِ ، فَيُعَامَلُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُرْتَدِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مِثْلَ خَبَرِ مُعَاذٍ حَفَّتْهُ قَرِينَةُ أَنَّهُ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ فَلَا يَسْتَوِي مَعَ سَائِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ ، وَقَدْ مَضَى فِي بَابِ إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ مَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا صَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا ، وَبَالَغَ مَنْ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ يُكَفَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُ إِذَا جَحَدَهُ يَصِيرُ الْكَافِرُ بِهِ مُسْلِمًا إِذَا اعْتَقَدَهُ .

وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْجُمْهُورُ ، وَهَذَا فِي الِاعْتِقَادِ ، أَمَّا الْفِعْلُ لَوْ صَلَّى فَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ لَهُ ، فَيَدْخُلُهُ احْتِمَالُ الْعَبَثِ وَالِاسْتِهْزَاءِ . وَفِيهِ وُجُوبُ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ ، وَقَهْرُ الْمُمْتَنِعِ عَلَى بَذْلِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَاحِدًا ، فَإِنْ كَانَ مَعَ امْتِنَاعِهِ ذَا شَوْكَةٍ قُوتِلَ ، وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ تَعْزِيرُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ عُزِّرَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ تَعْزِيرِهِ بِالْمَالِ حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَلَفْظُهُ : وَمَنْ مَنَعَهَا - يَعْنِي الزَّكَاةَ - فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرِ مَالِهِ ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ ، وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ : لَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ لَأَدْخَلْتُهُ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ وَأَجَابَ مَنْ صَحَّحَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ : بِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ مَنْسُوخٌ ، وَأَنَّ الْأَمْرَ كَانَ أَوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ ، وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْجَوَابَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْمَالِ لَا تُعْرَفُ أَوَّلًا حَتَّى يَتِمَّ دَعْوَى النَّسْخِ ، وَلِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَرْطِهِ كَمَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ ، وَاعْتَمَدَ النَّوَوِيُّ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ تَضْعِيفِ بَهْزٍ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ؛ لِأَنَّهُ مُوَثَّقٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ حَتَّى قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَحِيحٌ إِذَا كَانَ دُونَ بَهْزٍ ثِقَةً ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : تَكَلَّمَ فِيهِ شُعْبَةُ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ عِدَّةَ أَحَادِيثَ ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْبُخَارِيُّ خَارِجَ الصَّحِيحِ وَعَلَّقَ لَهُ فِي الصَّحِيحِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ : وَهُوَ عِنْدِي حُجَّةٌ لَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنِ اعْتَمَدَ مَنْ قَلَّدَ الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا كَفَاهُ ، وَيُؤَيِّدُهُ إِطْبَاقُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُعَارِضًا رَاجِحًا ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ بِمُقْتَضَاهُ يُعَدُّ فِي نُدْرَةِ الْمُخَالِفِ وَقَدْ دَلَّ خَبَرُ الْبَابِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقْبِضُ الزَّكَاةَ الْإِمَامُ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ لِذَلِكَ . وَقَدْ أَطْبَقَ الْفُقَهَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ مُبَاشَرَةَ الْإِخْرَاجِ ، وَشَذَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الدَّفْعِ إِلَى الْإِمَامِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَفِي الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ نَحْوُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ عَنْهُمَا فِيهِ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث