بَاب قَوْلِ اللَّهِ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تعالى : هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ 7409 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا مُوسَى - هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ - ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَنَّهُمْ أَصَابُوا سَبَايَا ، فَأَرَادُوا أَنْ يَسْتَمْتِعُوا بِهِنَّ وَلَا يَحْمِلْنَ ، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَزْلِ ، فَقَالَ : مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ قَزَعَةَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ ، فَقَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ إِلَّا اللَّهُ خَالِقُهَا . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَالتِّلَاوَةُ : هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ إِلَخْ ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : قِيلَ : إِنَّ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ مُتَرَادِفَةٌ ، وَهُوَ وَهْمٌ ، فَإِنَّ الْخَالِقَ مِنَ الْخَلْقِ ، وَأَصْلُهُ التَّقْدِيرُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِبْدَاعِ وَهُوَ إِيجَادُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَلَى التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ وَ: الْبَارِئُ مِنَ الْبُرْءِ ، وَأَصْلُهُ خُلُوصُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ ، إِمَّا عَلَى سَبِيلِ التَّقَصِّي مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُمْ : بَرأ فُلَانٌ مِنْ مَرَضِهِ ، وَالْمَدْيُونَ مِنْ دَيْنِهِ ، وَمِنْهُ اسْتَبْرَأْتِ الْجَارِيَةُ ، وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْشَاءِ ، وَمِنْهُ بَرَأَ اللَّهُ النَّسَمَةَ ، وَقِيلَ : الْبَارِئُ الْخَالِقُ الْبَرِئُ مِنَ التَّفَاوُتِ وَالتَّنَافُرِ الْمُخِلَّيْنِ بِالنِّظَامِ ، وَ الْمُصَوِّرُ مُبْدِعُ صُوَرَ الْمُخْتَرَعَاتِ وَمُرَتِّبُهَا بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ ، فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوجِدُهُ مِنْ أَصْلٍ وَمِنْ غَيْرِ أَصْلٍ ، وَبَارِئُهُ بِحَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ الْحِكْمَةُ مِنْ غَيْرِ تَفَاوُتٍ وَلَا اخْتِلَالٍ ، وَمُصَوِّرُهُ فِي صُورَةٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا خَوَاصُّهُ وَيَتِمُّ بِهَا كَمَالُهُ ، وَالثَّلَاثَةُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ بِالْخَالِقِ الْمُقَدِّرُ فَيَكُونُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ التَّقْدِيرِ إِلَى الْإِرَادَةِ ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ يَقَعُ أَوَّلًا ، ثُمَّ الْإِحْدَاثُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَدَّرِ يَقَعُ ثَانِيًا ، ثُمَّ التَّصْوِيرُ بِالتَّسْوِيَةِ يَقَعُ ثَالِثًا انْتَهَى .
وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ : الْخَالِقُ مَعْنَاهُ الَّذِي جَعَلَ الْمُبْدَعَاتِ أَصْنَافًا ، وَجَعَلَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا قَدْرًا ، وَ الْبَارِئُ مَعْنَاهُ الْمُوجِدُ لِمَا كَانَ فِي مَعْلُومِهِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَالَبُ الْأَعْيَانِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْدَعَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ وَالنَّارَ وَالْهَوَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا الْأَجْسَامَ الْمُخْتَلِفَةَ ، وَ الْمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ الْمُهَيِّئُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ تَشَابُهٍ وَتَخَالُفٍ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : لَيْسَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْإِبْدَاعِ إِلَّا لِلَّهِ وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ وَأَمَّا الَّذِي يُوجَدُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَقَدْ وَقَعَ لِغَيْرِهِ بِتَقْدِيرِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مِثْلُ قَوْلِهِ لِعِيسَى : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي وَالْخَلْقُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ يَقَعُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ وَبِمَعْنَى الْكَذِبِ ، وَ الْبَارِئُ أَخَصُّ بِوَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْبَرِيَّةُ الْخَلْقُ ، قِيلَ : أَصْلُهُ الْهَمْزُ فَهُوَ مِنْ بَرَّأَ ، وَقِيلَ : أَصْلُهُ الْبَرِّيُّ مِنْ بَرَيْتُ الْعُودَ ، وَقِيلَ : الْبَرِيَّةُ مِنَ الْبَرَى بِالْقَصْرِ وَهُوَ التُّرَابُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُوجِدُ الْخَلْقَ مِنَ الْبَرَى وَهُوَ التُّرَابُ ، وَ الْمُصَوِّرُ مَعْنَاهُ الْمُهَيِّئُ ، قَالَ تَعَالَى : يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ وَالصُّورَةُ فِي الْأَصْلِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّيْءُ عَنْ غَيْرِهِ ، وَمِنْهُ مَحْسُوسٌ كَصُورَةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ ، وَمِنْهُ مَعْقُولٌ كَالَّذِي اخْتَصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ الْعَقْلِ وَالرُّؤْيَةِ ، وَإِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ قَوْلُهُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ : قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُظَنُّ أَنَّهُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ لِكَوْنِهِ أَيْضًا رَوَى عَنْ عَفَّانَ ، أَنَّ ابْنَ رَاهْوَيْهِ لَا يَقُولُ إِلَّا أَخْبَرَنَا ، وَهُنَا ثَبَتَ فِي النُّسَخِ : حَدَّثَنَا فَتَأَيَّدَ أَنَّهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَذْكُورِ هُنَا فِي الْعَزْلِ فِي ( كِتَابِ النِّكَاحِ ) مُسْتَوْفًى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، عَنْ قَزْعَةَ ) هُوَ ابْنُ يَحْيَى ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ ؛ لِأَنَّ مُجَاهِدًا وهُوَ ابْنُ جَبْرٍ الْمُفَسِّرَ الْمَشْهُورَ الْمَكِّيَّ فِي طَبَقَةِ قَزْعَةَ .
قَوْلُهُ : سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ ، فَقَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ ، وَوَقَعَ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : سَمِعْتُ بَدَلَ سَأَلْتُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : ( ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ ؟ وَلَمْ يَقُلْ : فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمَذْكُورُ مِنْهُ هُنَا ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْخَالِقُ فِي هَذَا الْبَابِ يُرَادُ بِهِ الْمُبْدِعُ الْمُنْشِئُ لِأَعْيَانِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهُوَ مَعْنًى لَا يُشَارِكُ اللَّهَ فِيهِ أَحَدٌ ، قَالَ : وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُسَمِّيًا نَفْسَهُ خَالِقًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ سَيَخْلُقُ لِاسْتِحَالَةٍ قِدَمِ الْخَلْقِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : إِلَّا وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ ، أَيْ : مَقْدَّرَةُ الْخَلْقِ ، أَوْ مَعْلُومَةُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ ، لَا بُدَّ مِنْ إِبْرَازِهَا إِلَى الْوُجُودِ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .