حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ

بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ : لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ 7416 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ، وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ) كَذَا لَهُمْ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ بَطَّالٍ بِلَفْظِ : أَحَدَ بَدَلَ شَخْصَ ، وَكَأَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِهِ . قَوْلُهُ : ( عَبْدِ الْمَلِكِ ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ وَالْمُغِيرَةُ هُوَ ابْنُ شُعْبَةَ ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي أَوَاخِرِ الْحُدُودِ وَالْمُحَارِبِينَ ، فَإِنَّهُ سَاقَ مِنَ الْحَدِيثِ هُنَاكَ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُنَاكَ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرَةِ اللَّهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَنَّ الْكَلَامَ عَلَيْهِ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي كِتَابِ الْكُسُوفِ .

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْمُنَزِّهُونَ لِلَّهِ إِمَّا سَاكِتٌ عَنِ التَّأْوِيلِ وَإِمَّا مُؤَوِّلٌ ، وَالثَّانِي يَقُولُ الْمُرَادُ بِالْغَيْرَةِ الْمَنْعُ مِنَ الشَّيْءِ وَالْحِمَايَةُ ، وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْغَيْرَةِ فَأُطْلِقَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَالْمُلَازَمَةِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَوْجُهِ الشَّائِعَةِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ ) يَعْنِي الرُّسُلَ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ، وَهِيَ أَوْضَحُ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَلِذَلِكَ أَنْزَلَ الْكُتُبَ وَالرُّسُلَ ، أَيْ : وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هُوَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ فَالْعُذْرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّوْبَةُ وَالْإِنَابَةُ كَذَا قَالَ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : الْمَعْنَى بَعَثَ الْمُرْسَلِينَ لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ لِخَلْقِهِ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَعَانِي ، قَالَ : إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، عَقِبَ قَوْلِهِ : لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ، مُنَبِّهًا لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى أَنَّ الصَّوَابَ خِلَافَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَرَادِعًا لَهُ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَجِدُهُ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِذَا كَانَ اللَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ غَيْرَةً مِنْكَ يُحِبُّ الْإِعْذَارَ ، وَلَا يُؤَاخِذُ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَّةِ ، فَكَيْفَ تُقْدِمُ أَنْتَ عَلَى الْقَتْلِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ؟ قَوْلُهُ : ( وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ ) يَجُوزُ فِي أَحَبُّ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُدُودِ . قَوْلُهُ : ( الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ هَاءِ التَّأْنِيثِ وَبِفَتْحِهَا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ ، وَالْمَدْحُ الثَّنَاءُ بِذِكْرِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَالْأَفْضَالِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ .

قَوْلُهُ : ( وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ أَحَدِ الْمَفْعُولَيْنِ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ أَطَاعَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَعَدَ الْجَنَّةَ بِإِضْمَارِ الْفَاعِلِ وَهُوَ اللَّهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَرَادَ بِهِ الْمَدْحَ مِنْ عِبَادِهِ بِطَاعَتِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ لِيُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ذَكَرَ الْمَدْحَ مَقْرُونًا بِالْغَيْرَةِ وَالْعُذْرَ تَنْبِيهًا لِسَعْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِمُقْتَضَى غَيْرَتِهِ ، وَلَا يُعَجِّلُ بَلْ يَتَأَنَّى وَيَتَرَفَّقُ وَيَتَثَبَّتُ ، حَتَّى يَحْصُلَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَيَنَالَ كَمَالَ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ وَالثَّوَابِ لِإِيثَارِهِ الْحَقَّ وَقَمْعِ نَفْسِهِ وَغَلَبَتِهَا عِنْدَ هَيَجَانِهَا ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ : الشَّدِيدُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَعَدَ الْجَنَّةَ أَنَّهُ لَمَّا وَعَدَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا كَثُرَ السُّؤَالُ لَهُ وَالطَّلَبُ إِلَيْهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَلَا يُحْتَجُّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِجْلَابِ الْإِنْسَانِ الثَّنَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ وَمَنْهِيٌّ عَنْهُ بِخِلَافِ حُبِّهِ لَهُ فِي قَلْبِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا فَإِنَّهُ لَا يُذَمُّ بِذَلِكَ ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُسْتَحِقٌّ لِلْمَدْحِ بِكَمَالِهِ ؛ وَالنَّقْصُ لِلْعَبْدِ لَازِمٌ وَلَوِ اسْتَحَقَّ الْمَدْحَ مِنْ جِهَةٍ مَا لَكِنَّ الْمَدْحَ يُفْسِدُ قَلْبَهُ وَيُعَظِّمُهُ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَحْتَقِرَ غَيْرَهُ ، وَلِهَذَا جَاءَ : احْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ) هُوَ الرَّقِّيُّ الْأَسَدِيُّ ( عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ) هُوَ ابْنُ عُمَيْرٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ) ، يَعْنِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا ، فَقَالَ : لَا شَخْصَ بَدَلَ قَوْلِهِ لَا أَحَدَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرً ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ يَقُولُ : فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ ، وَسَاقَهُ أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ الْإِسْفَرَايِنِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْعَطَّارِ ، عَنْ زَكَرِيَّا بِتَمَامِهِ ، وَقَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ : لَا شَخْصَ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ ، وَأَبِي كَامِلٍ فُضَيْلِ بْنِ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ الْوَضَّاحِ الْبَصْرِيِّ بِالسَّنَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ لَا شَخْصَ بَدَلَ لَا أَحَدَ ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ ، فَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَلِذَلِكَ عَلَّقَهَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو .

قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ ، وَأَبِي كَامِلٍ كَذَلِكَ ، وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ أَيْضًا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ شَخْصٌ ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيفَ لَمْ يَرِدْ بِهِ ، وَقَدْ مَنَعَتْ مِنْهُ الْمُجَسِّمَةُ مَعَ قَوْلِهِمْ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ كَذَا قَالَ ، وَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ خِلَافُ مَا قَالَ ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ شَخْصٌ بَلْ هُوَ كَمَا جَاءَ : مَا خَلَقَ اللَّهُ أَعْظَمَ مِنْ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتٌ أَنَّ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مَخْلُوقَةٌ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَهُوَ كَمَا يَقُولُ مَنْ يَصِفُ امْرَأَةً كَامِلَةً الْفَضْلِ حَسَنَةُ الْخَلْقِ مَا فِي النَّاسِ رَجُلٌ يُشْبِهُهَا ، يُرِيدُ تَفْضِيلَهَا عَلَى الرِّجَالِ لَا أَنَّهَا رَجُلٌ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ بِلَفْظِ : لَا أَحَدَ ، فَظَهَرَ أَنَّ لَفْظَ شَخْصَ جَاءَ مَوْضِعَ أَحَدَ ، فَكَأَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرَّاوِي ، ثُمَّ قَالَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَلَيْسَ الظَّنُّ مِنْ نَوْعِ الْعِلْمِ . قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ قَرَّرَهُ ابْنُ فَوْرَكٍ ، وَمِنْهُ أَخَذَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، فَقَالَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ فَالتَّقْدِيرُ أَنَّ الْأَشْخَاصَ الْمَوْصُوفَةَ بِالْغَيْرَةِ لَا تَبْلُغُ غَيْرَتُهَا وَإِنْ تَنَاهَتْ غَيْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَخْصًا بِوَجْهٍ ، وَأَمَّا الْخَطَّابِيُّ فَبَنَى عَلَى أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ هَذَا الْوَصْفِ لِلَّهِ تَعَالَى فَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ وَتَخْطِئَةِ الرَّاوِي ، فَقَالَ : إِطْلَاقُ الشَّخْصِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ جَائِزٍ ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ إِلَّا جِسْمًا مُؤَلَّفًا فَخَلِيقٌ أَنْ لَا تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ صَحِيحَةً ، وَأَنْ تَكُونَ تَصْحِيفًا مِنَ الرَّاوِي وَدَلِيلٌ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا عَوَانَةَ رَوَى هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ : شَيْءَ ، وَالشَّيْءُ وَالشَّخْصُ فِي الْوَزْنِ سَوَاءٌ ، فَمَنْ لَمْ يُمْعِنْ فِي الِاسْتِمَاعِ لَمْ يَأْمَنِ الْوَهْمَ ، وَلَيْسَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يُرَاعِي لَفْظَ الْحَدِيثِ حَتَّى لَا يَتَعَدَّاهُ ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ فَهِمًا بَلْ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ جَفَاءٌ وَتَعَجْرُفٌ ، فَلَعَلَّ لَفْظَ شَخْصَ جَرَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ غَلَطًا مِنْ قَبِيلِ التَّصْحِيفِ يَعْنِي السَّمْعِيَّ ، قَالَ : ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو انْفَرَدَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ وَاعْتَوَرَهُ الْفَسَادُ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ : وَقَدْ تَلَقَّى هَذَا عَنِ الْخَطَّابِيِّ ، أَبُو بَكْرِ بْنُ فَوْرَكٍ ، فَقَالَ لَفْظُ الشَّخْصِ غَيْرُ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ السَّنَدِ ، فَإِنْ صَحَّ فَبَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ : لَا أَحَدَ ، فَاسْتَعْمَلَ الرَّاوِي لَفْظَ شَخْصَ مَوْضِعَ أَحَدَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ ، وَمِنْهُ أَخَذَ ابْنُ بَطَّالٍ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ : وَإِنَّمَا مَنَعَنَا مِنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّخْصِ أُمُورٌ : أَحَدُهَا : أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ ، وَالثَّانِي : الْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ ، وَالثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ الْجِسْمُ الْمُؤَلَّفُ الْمُرَكَّبُ ، ثُمَّ قَالَ : وَمَعْنَى الْغَيْرَةِ الزَّجْرُ وَالتَّحْرِيمُ ، فَالْمَعْنَى أَنَّ سَعْدًا الزَّجُورُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَأَنَا أَشَدُّ زَجْرًا مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَزْجَرُ مِنَ الْجَمِيعِ ، انْتَهَى .

وَطَعْنُ الْخَطَّابِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي السَّنَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفَرُّدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُرَاجِعْ صَحِيحَ مُسْلِمٍ وَلَا غَيْرَهُ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا هَذَا اللَّفْظُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَرَدُّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَالطَّعْنُ فِي أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ تَوْجِيهِ مَا رَوَوْا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْدَمَ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ يَقْتَضِي قُصُورَ فَهْمِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَا حَاجَةَ لِتَخْطِئَةِ الرُّوَاةِ الثِّقَاةِ بَلْ حُكْمُ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمُتَشَابِهَاتِ ، إِمَّا التَّفْوِيضُ وَإِمَّا التَّأْوِيلُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، أَنَّهُ قَدَّمَ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ قَبْلَ أَخْذِهِمْ بِالْعُقُوبَةِ ، وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ فِي ذِكْرِ الشَّخْصِ مَا يُشْكِلُ كَذَا قَالَ ، وَلَمْ يَتَّجِهْ أَخْذُ نَفْيِ الْإِشْكَالِ مِمَّا ذُكِرَ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الشَّخْصِ وَقَعَ تَجَوُّزًا مِنْ شَيْءَ أَوْ أَحَدَ ، كَمَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِالشَّخْصِ الْمُرْتَفِعُ ؛ لِأَنَّ الشَّخْصَ هُوَ مَا ظَهَرَ وَشَخَصَ وَارْتَفَعَ ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا مُرْتَفِعَ أَرْفَعُ مِنَ اللَّهِ ، كَقَوْلِهِ : لَا مُتَعَالِي أَعْلَى مِنَ اللَّهِ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يَنْبَغِي لِشَخْصٍ أَنْ يَكُونَ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعَجِّلْ وَلَا بَادَرَ بِعُقُوبَةِ عَبْدِهِ لِارْتِكَابِهِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ ، بَلْ حَذَّرَهُ وَأَنْذَرَهُ وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ وَأَمْهَلَهُ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِهِ وَيَقِفَ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ : وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : أَصْلُ وَضْعِ الشَّخْصِ يَعْنِي فِي اللُّغَةِ لِجِرْمِ الْإِنْسَانِ وَجِسْمِهِ ، يُقَالُ : شَخْصُ فُلَانٍ وَجُثْمَانِهِ ، وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرٍ ، يُقَالُ : شَخَصَ الشَّيْءُ إِذَا ظَهَرَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَوَجَبَ تَأْوِيلُهُ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا مُرْتَفِعَ ، وَقِيلَ : لَا شَيْءَ ، وَهُوَ أَشْبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ ، وَأَوْضَحُ مِنْهُ لَا مَوْجُودَ أَوْ لَا أَحَدَ وَهُوَ أَحْسَنُهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ؛ وَكَأَنَّ لَفْظَ الشَّخْصِ أُطْلِقَ مُبَالَغَةً فِي إِثْبَاتِ إِيمَانِ مَنْ يَتَعَذَّرُ عَلَى فَهْمِهِ مَوْجُودٌ لَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنَ الْمَوْجُودَاتِ ، لِئَلَّا يُفْضِيَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْجَارِيَةِ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ ، فَحَكَمَ بِإِيمَانِهَا مَخَافَةَ أَنْ تَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ لِقُصُورِ فَهْمِهَا عَمَّا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ مِمَّا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا . ( تَنْبِيهٌ ) لَمْ يُفْصِحِ الْمُصَنِّفُ بِإِطْلَاقِ الشَّخْصِ عَلَى اللَّهِ ، بَلْ أَوْرَدَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ ، وَقَدْ جَزَمَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ ، فَتَسْمِيَتُهُ شَيْئًا لِظُهُورِ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْآيَتَيْنِ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث