بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لِأَخِيهِ : اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنْ السَّمَاءِ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ، يُقَالُ : ذِي الْمَعَارِجِ الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ 7429 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهمْ ، فَيَقُولُ : كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ، فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْحَدِيثَ ، ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ، يُقَالُ : ذِي الْمَعَارِجِ : الْمَلَائِكَةُ تَعْرُجُ إِلَى اللَّهِ ) أَمَّا الْآيَةُ الْأُولَى فَأَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ فِي تَفْسِيرِهَا فِي الْكَلَامِ الْأَخِيرِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ : وَالْمَعَارِجُ مِنْ نَعْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَفَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ إِلَيْهِ ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ذِي الْمَعَارِجِ أَيِ : الْفَوَاضِلِ الْعَالِيَةِ ، وَأَمَّا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فَأَشَارَ إِلَى تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ لَهَا فِي الْأَثَرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا : الْكَلِمَ الطَّيِّبَ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَدَاءُ فَرَائِضِ اللَّهِ ، فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَلَمْ يُؤَدِّ فَرَائِضَهُ رَدَّ كَلَامَهُ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ يَرْفَعُ الْكَلَامَ الطَّيِّبَ ، أَيْ : يُتَقَبَّلُ الْكَلَامُ الطَّيِّبُ إِذَا كَانَ مَعَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ ، وَأَمَّا التَّعْلِيقُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ فَمَضَى مَوْصُولًا فِي بَابِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ وَسَاقَهُ هُنَاكَ بِطُولِهِ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ لِأَخِيهِ : اعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ ثَمَّةَ ، قَالَ الرَّاغِبُ : الْعُرُوجُ ذَهَابٌ فِي صُعُودٍ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَارِعِ : الْمَعَارِجُ جَمْعُ مَعْرَجٍ بِفَتْحَتَيْنِ كَالْمَصَاعِدِ جَمْعُ مَصْعَدٍ ، وَالْعُرُوجُ الِارْتِقَاءُ ، يُقَالُ : عَرَجَ بِفَتْحِ الرَّاءِ يَعْرُجُ بِضَمِّهَا عُرُوجًا وَمَعْرَجًا ، وَالْمِعْرَجُ الْمَصْعَدُ ، وَالطَّرِيقُ الَّتِي تَعْرُجُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ ، وَالْمِعْرَاجُ شَبِيهُ السُّلَّمِ أَوْ دَرَجٌ تَعْرُجُ فِيهِ الْأَرْوَاحُ إِذَا قُبِضَتْ ، وَحَيْثُ تَصْعَدُ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ ، وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : هُوَ الَّذِي يُعَانِيهِ الْمَرِيضُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَيَشْخَصُ فِيمَا زَعَمَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ بَالِغٌ فِي الْحُسْنِ بِحَيْثُ إِنَّ النَّفْسَ إِذَا رَأَتْهُ لَا تَتَمَالَكُ أَنْ تَخْرُجَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : صُعُودُ الْكَلَامِ الطَّيِّبِ وَالصَّدَقَةِ الطَّيِّبَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْقَبُولِ ، وَعُرُوجُ الْمَلَائِكَةِ هُوَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِي السَّمَاءِ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ مِنَ التَّعْبِيرِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : إِلَى اللَّهِ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنِ السَّلَفِ فِي التَّفْوِيضِ ، وَعَنِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ فِي التَّأْوِيلِ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : غَرَضُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ الْمُجَسِّمَةِ فِي تَعَلُّقِهَا بِهَذِهِ الظَّوَاهِرِ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَسْتَقِرُّ فِيهِ فَقَدْ كَانَ وَلَا مَكَانَ ، وَإِنَّمَا أَضَافَ الْمَعَارِجَ إِلَيْهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ ، وَمَعْنَى الِارْتِفَاعِ إِلَيْهِ اعْتِلَاؤُهُ مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنِ الْمَكَانِ ، انْتَهَى .
وَخَلْطُهُ الْمُجَسِّمَةَ بِالْجَهْمِيَّةِ مِنْ أَعْجَبِ مَا يُسْمَعُ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ لِبَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاحِدَةِ . الْحَدِيثُ الَأَوَّلُ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ . وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، إِسْمَاعِيلُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَوَاهِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَعْنَى الْعُلُوِّ فِي حَقِّهِ جَلَّ وَعَلَا فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ .