حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ

بَاب كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ 7518- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ ، فَيَقُولُ : هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ؟ فَيَقُولُ : أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ : يَا رَبِّ ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا . قَوْلُهُ ( بَابُ كَلَامِ الرَّبِّ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ ظَاهِرَيْنِ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ فَيَقُولُ : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الرِّقَاقِ فِي بَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسْخَطَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ خِلَافُ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ ، كَقَوْلِهِ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَأَجَابَ بِأَنَّ إِخْرَاجَ الْعِبَادِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَكَذَلِكَ تَنْجِيزَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّعِيمِ مِنْ تَفَضُّلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَأَمَّا دَوَامُ ذَلِكَ فَزِيَادَةٌ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى الْمُجَازَاةِ لَوْ كَانَتْ لَازِمَةً ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَلَمَّا كَانَتِ الْمُجَازَاةُ لَا تَزِيدُ فِي الْعَادَةِ عَلَى الْمُدَّةِ - وَمُدَّةُ الدُّنْيَا مُتَنَاهِيَةٌ - جَازَ أَنْ تَتَنَاهَى مُدَّةُ الْمُجَازَاةِ فَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالدَّوَامِ فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً ، انْتَهَى مُلَخَّصًا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ اللِّقَاءِ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَطَاءِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَاللِّقَاءُ مُسْتَلْزِمٌ لِلرِّضَا فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّازِمِ وَإِرَادَةِ الْمَلْزُومِ ، كَذَا نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ حُصُولُ أَنْوَاعِ الرِّضْوَانِ وَمِنْ جُمْلَتِهَا اللِّقَاءُ فَلَا إِشْكَالَ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جمرة : فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَنْزِلِ لِسَاكِنِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَصْلِ لَهُ فَإِنَّ الْجَنَّةَ مِلْكُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ أَضَافَهَا لِسَاكِنِهَا بِقَوْلِهِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ دَوَامِ رِضَاهُ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ لَكَانَ خَبَرًا مِنْ بَابِ عِلْمِ الْيَقِينِ ، فَأَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ عَيْنِ الْيَقِينِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ قَالَ : وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَبَ أَحَدٌ بِشَيْءٍ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ عَلَى بَعْضِهِ ، وَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْأُمُورِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَحْمِلُهُ ، وَفِيهِ الْأَدَبُ فِي السُّؤَالِ لِقَوْلِهِمْ : وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا شَيْئًا أَفْضَلَ مِمَّا هُمْ فِيهِ فَاسْتَفْهَمُوا عَمَّا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَالْفَضْلَ وَالِاغْتِبَاطَ إِنَّمَا هُوَ فِي رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَا عَدَاهُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ فَهُوَ مِنْ أَثَرِهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى رِضَا كُلٍّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِحَالِهِ مَعَ اخْتِلَافِ مَنَازِلِهِمْ وَتَنْوِيعِ دَرَجَاتِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ أَجَابُوا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَعْطَيْتُنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث