حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ

بَاب ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ 7536 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْهَرَوِيُّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عز وجل قَالَ : إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِذَا تَقَرَّبَ إلي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتِهِ عَنْ رَبِّهِ ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْأُولَى مَحْذُوفَةُ الْمَفْعُولِ ، وَالتَّقْدِيرُ : ذِكْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمَّنَ الذِّكْرَ مَعْنَى التَّحْدِيثِ فَعَدَّاهُ بِعَنْ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَنْ رَبِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّكْرِ وَالرِّوَايَةِ مَعًا ، وَقَدْ تَرْجَمَ هَذَا فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بِلَفْظِ : مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ وَيَرْوِي عَنْ رَبِّهِ وَهُوَ أَوْضَحُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَعْنَى هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْ رَبِّهِ السُّنَّةَ كَمَا رَوَى عَنْهُ الْقُرْآنَ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ تَصْحِيحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ الْمُرَادِ بِكَلَامِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ .

الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ) هُوَ أَبُو يَحْيَى الْبَغْدَادِيُّ الْمُلَقَّبُ صَاعِقَةَ ، وَأَبُو زَيْدٍ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ بِلَا وَاسِطَةٍ فِي بَابِ إِذَا رَأَى الْمُحْرِمُونَ صَيْدًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ وَكَذَا فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هَذِهِ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَخَالَفَهُ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي ، فَقَالَ : عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَالْأَوَّلُ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ . قَوْلُهُ : ( يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَبُّكُمْ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ شُعْبَةَ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ يَقُولُ اللَّهُ .

قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَوْلُهُ : قَالَ رَبُّكُمْ وَقَوْلُهُ : يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ سَوَاءٌ أَيْ فِي الْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنِّي وَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ إِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي عَبْدِي وَالْأَصْلُ هُنَا الْإِتْيَانُ بِمِنْ ، لَكِنْ يُفِيدُ اسْتِعْمَالُ إِلَى بِمَعْنَى الِانْتِهَاءِ فَهُوَ أَبْلَغُ . قَوْلُهُ : ( تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا ، وَإِذَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنِّي وَكَذَا لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ وَالطَّيَالِسِيِّ .

قَوْلُهُ : ( ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا ، وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ) لَمْ يَقَعْ وَإِذَا أَتَانِي إِلَخْ فِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَصَفَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى عَبْدِهِ وَوَصَفَ الْعَبْدَ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالْإِتْيَانِ وَالْهَرْوَلَةِ ، كُلُّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَحَمْلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ يَقْتَضِي قَطْعَ الْمَسَافَاتِ وَتَدَانِي الْأَجْسَامِ وَذَلِكَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالٌ ، فَلَمَّا اسْتَحَالَتِ الْحَقِيقَةُ تَعَيَّنَ الْمَجَازُ لِشُهْرَتِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَيَكُونُ وَصْفُ الْعَبْدِ بِالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ شِبْرًا وَذِرَاعًا وَإِتْيَانُهُ وَمَشْيُهُ مَعْنَاهُ التَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَأَدَاءِ مُفْتَرَضَاتِهِ وَنَوَافِلِهِ ، وَيَكُونُ تَقَرُّبُهُ سُبْحَانَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَإِتْيَانُهُ وَالْمَشْيُ عِبَارَةٌ عَنْ إِثْبَاتِهِ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَقَرُّبِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ، أَيْ أَتَاهُ ثَوَابِي مُسْرِعًا ، وَنُقِلَ عَنِ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا مَثَّلَ الْقَلِيلَ مِنَ الطَّاعَةِ بِالشِّبْرِ مِنْهُ وَالضِّعْفُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالثَّوَابُ بِالذِّرَاعِ ، فَجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَبْلَغِ كَرَامَتِهِ لِمَنْ أَدْمَنَ عَلَى طَاعَتِهِ ، أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ لَهُ عَلَى عَمَلِهِ الضَّعْفُ ، وَأَنَّ الْكَرَامَةَ مُجَاوَزَةٌ حَدَّهُ إِلَى مَا يُثِيبُهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ الْقُرْبُ هُنَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ قُرْبُ الرُّتْبَةِ وَتَوْفِيرُ الْكَرَامَةِ ، وَالْهَرْوَلَةُ كِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الرَّحْمَةِ إِلَيْهِ وَرِضَا اللَّهِ عَنِ الْعَبْدِ وَتَضْعِيفِ الْأَجْرِ ، قَالَ : وَالْهَرْوَلَةُ ضَرْبٌ مِنَ الْمَشْيِ السَّرِيعِ ، وَهِيَ دُونَ الْعَدْوِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ : الْمُرَادُ بِمَا جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سُرْعَةُ قَبُولِ تَوْبَةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَوْ تَيْسِيرُ طَاعَتِهِ وَتَقْوِيَتُهُ عَلَيْهَا وَتَمَامُ هِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : قُرْبُ الْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ التَّخْصِيصُ بِكَثِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى نَحْوَ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالرَّحْمَةِ وَغَيْرِهَا ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِإِزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الْجَهْلِ وَالطَّيْشِ وَالْغَضَبِ وَغَيْرِهَا بِقَدْرِ طَاقَةِ الْبَشَرِ وَهُوَ قُرْبٌ رُوحَانِيٌّ لَا بَدَنِيٌّ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث