المؤلف: محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب
عدد الأحاديث: 5٬315 (يعرض هنا أول 5٬000 حديث)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله تعالى على رسوله محمد الذي جعل اتباعه سببا لكفارة السيئات ، وعلى آله وأزواجه وسائر أصحابه الذين نالوا به المنازل الرفيعة والدرجات ، أما بعد : فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى أبو عبد الرحمن شرف الحق ، الشهير بمحمد أشرف بن أمير بن علي بن حيدر الصديقي العظيم آبادي - غفر الله لهم وستر عيوبهم - : إن هذه الفوائد المتفرقة والحواشي النافعة على أحاديث سنن الإمام الهمام المجتهد المطلق أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني - رضي الله تعالى عنه جمعتها من كتب أئمة هذا الشأن رحمهم الله تعالى ، مقتصرا على حل بعض المطالب العالية ، وكشف بعض اللغات المغلقة ، وتراكيب بعض العبارات ، مجتنبا عن الإطالة والتطويل ، إلا ما شاء الله تعالى ، وسميتها بعون المعبود على سنن أبي داود ، تقبل الله عني ، والمقصود من هذه الحاشية المباركة الوقوف على معنى أحاديث الكتاب فقط ، من غير بحث لترجيح الأحاديث بعضها على بعض إلا على سبيل الإيجاز والاختصار ، ومن غير ذكر أدلة المذاهب المتبوعة على وجه الاستيعاب ، إلا في المواضع التي دعت إليها الحاجة ، أعان الله تعالى وتبارك على إتمام هذه الحواشي ، ونفع بها إخواننا أهل العلم ، وإياي خاصة . وأما الجامع لهذه المهمات المذكورة من الترجيح والتحقيق ، وبيان أدلة المذاهب والتحقيقات الشريفة ، وغير ذلك من الفوائد الحديثية في المتون والأسانيد ، وعللها الشرح الكبير لأخينا العلامة الأعظم الأكرم أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي المسمى بغاية المقصود في حل سنن أبي داود - وفقه الله تعالى لإتمامه - كما وفقه لابتدائه ، وهو شرح كبير جليل عظيم الشأن ، وشارحه العلامة صرف همته إلى إتمامه ، والمشغول فيه بحسب الإمكان ، جزاه الله تبارك وتعالى ، وتقبل منه ، وجعله ذخيرة للعقبى ، وإني استفدت كثيرا من هذا الشرح المبارك ، وقد أعانني شارحه في هذه الحاشية في جل من المواضع ، وأمدني بكثير من المواقع ، فكيف يكفر شكره . والباعث على تأليف هذه الحاشية المباركة أن أخينا الأعظم الأمجد أبا الطيب شارح السنن ذكر غير مرة في مجلس العلم والذكر أن شرحي غاية المقصود يطول شرحه إلى غير نهاية ، لا أدري كم تطول المدة في إتمامه ، والله يعينني ، والآن لا نرضى بالاختصار ، لكن الحبيب المكرم ، الشفيق المعظم جامع الفضائل والكمالات ، خادم سنن سيد الكونين الحاج تلطف حسين العظيم آبادي مصر على تأليف الشرح الصغير سوى غاية المقصود ، فكيف أرد كلامه ، فأمرني أخينا العلامة الأعظم الأكرم أبو الطيب أدام الله مجده لإبرام هذا المرام ، فاعتذرت كثيرا ، لكن ما قبل عذري ، وقال : لا بد عليك هذا الأمر ، وإني أعينك بقدر الإمكان والاستطاعة ، فشرعت متوكلا على الله في إتمام هذه الحاشية ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، أستغفر الله ربي من كل ذنب وأتوب إليه . وأما إسناد هذا الكتاب المبارك مني إلى المؤلف الإمام المتقن فمذكور في غاية المقصود شرح سنن أبي داود ، لا نعيد الكلام بذكره غير أن الشيخ العلامة الرحلة السيد محمد نذير حسين المحدث الدهلوي يروي عن أربعة من الأئمة سوى الشيخ العلامة محمد إسحاق المحدث الدهلوي رحمهم الله ، كما هو مذكور في المكتوب اللطيف إلى المحدث الشريف ، لأخينا الأكرم الأعظم أبي الطيب - أدام الله مجده ، فأقول : إني أروي سنن أبي داود وغير ذلك من كتب الحديث ، عن جماعة من الأئمة ، منهم السيد العلامة : محمد نذير حسين ، المحدث الدهلوي ، وهو يروي عن خمسة من الأئمة ،أولهم : الشيخ المحدث محمد إسحاق الدهلوي ، عن جده من جهة الأم الشيخ العلامة المحدث المفسر عبد العزيز الدهلوي ، عن أبيه الإمام الأجل ولي الله ، المحدث الدهلوي بالإسناد الذي هو مذكور في الإرشاد إلى مهمات علم الإسناد للشيخ ولي الله ، وكتاب الأمم لإيقاظ الهمم ، للشيخ العلامة إبراهيم الكردي الكوراني ، وثانيهم : العلامة الجليل مسند اليمن السيد عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى ابن عمر بن مقبول الأهدل مؤلف كتاب النفس اليماني والروح الريحاني في إجازة القضاة بني الشوكاني عن جماعة من الأئمة ، منها الشيخ الإمام محمد بن سنة ، ثالثهم الشيخ العلامة محمد عابد السندي ثم المدني مؤلف حصر الشارد في أسانيد محمد عابد ، عن جماعة منها صالح بن محمد الفلاني المغربي ، صاحب قطف الثمر في رفع أسانيد المصنفات في الفنون والأثر ، رابعهم مسند الدمشق الشيخ العلامة عبد الرحمن الكزبري ابن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الكزبري الدمشقي الشامي ، خامسهم الشيخ العلامة عبد اللطيف البيروتي الشامي رحمه الله
قال أخونا الأعظم أبو الطيب محمد شمس الحق في كتابه نهاية الرسوخ في معجم الشيوخ : هو الإمام العلامة الرحلة ملحق الأصاغر بالأكابر السيد محمد نذير حسين ، المحدث الدهلوي ابن السيد جواد علي ابن السيد عظمت الله ، وينتهي نسبه إلى الإمام زين العابدين علي ابن الإمام حسين ابن الإمام الهمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ولد في وطنه سورج كده من مضافات البهار سنة عشرين بعد الألف والمائتين ، وقيل : سنة خمس وعشرين بعد الألف والمائتين ، والأول أصح ؛ لأن بعض الثقات من سكان علي نكر الذي متصل بسورج كده ، قال : إني رأيت مكتوبا على بعض الدفاتر بخط بعض القدماء أن ولادته عام عشرين بعد الألف والمائتين ، وهكذا سمعنا من أفواه بعض أقاربنا ، انتهى . قال أبو الطيب : وإنما أرخت في غاية المقصود شرح سنن أبي داود سنة خمس وعشرين ؛ لأن شيخنا العلامة لما سألته عن علم ولادته أجابني : إني لم أحفظه بالتعيين ، لكن أظن أني ولدت سنة خمس وعشرين أو قبل ذلك بقليل ، وهو من أجل تلامذة الشيخ العلامة محمد إسحاق المحدث الدهلوي حصل له الإجازة في شوال سنة ثمان وخمسين بعد الألف والمائتين ، وهو أحد من ملأ فيضه شرقا وغربا ، متعنا الله تعالى بطول بقائه ، هو الشيخ العلامة الورع الناسك الزاهد التقي المحدث أبو سليمان محمد إسحاق الدهلوي بن محمد أفضل الفاروقي اللاهوري ، ولد تقريبا عام اثنتين وتسعين بعد الألف والمائة ، وهو ابن بنت الكريمة للشيخ عبد العزيز الدهلوي قرأ على أجداده : الشيخ عبد القادر بن ولي الله الدهلوي ، والشيخ رفيع الدين بن ولي الله الدهلوي ، والشيخ الإمام عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي ، وحصل له الإجازة العامة بعد القراءة والسماعة من جده الشيخ عبد العزيز . ويروي أيضا عن الشيخ عمر بن عبد الكريم المكي ، وحصل له منه الإجازة عام إحدى وأربعين بعد الألف والمائتين في مكة المشرفة ، وهاجر في سنة ثمان وخمسين بعد الألف والمائتين من الدهلي إلى مكة المشرفة . وجده الشيخ عبد العزيز رحمه الله يفرح به كثيرا ، ويتلو هذه الآية الكريمة : الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ، ولا بد عليه أن يشكر بمثل هذه الأولاد ؛ فإن ابن بنته محمد إسحاق وابن أخيه العلامة الذي لم تر مثله العيون محمد إسماعيل الغازي الشهيد من آيات الله تبارك وتعالى ، وهذا كل ذلك ببركة العمل الصالح والنية الخالصة من جدهما الأعلى الشيخ ولي الله الدهلوي رحمه الله ، وكان شيخه العلامة عمر بن عبد الكريم المكي المتوفى سنة 1247 يشهد بكماله في علم الحديث ورجاله ، وكان يقول قد حلت فيه بركة جده الشيخ عبد العزيز الدهلوي . وقال الشيخ العلامة عبد الله السراج المكي المتوفى سنة 1264 وقت غسل جنازته في حقه : والله إنه لو عاش وقرأت عليه الحديث طول عمري ما نلت ما ناله ، توفي رحمه الله تعالى عام اثنتين وستين بعد الألف والمائتين ، ودفن بالمعلى عند قبر سيدتنا أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وله تلامذة لا تحصون في العرب والعجم ، منهم الشيخ الأجل السيد محمد نذير حسين الدهلوي ، والشيخ العلامة المحدث محمد الأنصاري السهانفوري ، ثم المكي والشيخ العلامة محمد إبراهيم النكرنهسوي العظيم آبادي ، والشيخ محمد بن حمد الله الشهير بشيخ محمد تهانوي مظفر نكرى ، والمولوي سبحان بخش شكاريوري مظفر نكرى والمولوي علي أحمد نزيل الأونك ، والشيخ المحدث عبد الغني بن أبي سعيد المجددي الدهلوي ، ثم المدني المتوفي سنة 1297 والشيخ الحافظ أحمد علي السهارنفوري ، والفاضل عالم علي المراد آبادي ، والفاضل النواب قطب الدين خان الدهلوي ، والقارئ عبد الرحمن الفاني فتى ، والمفتي عنايت أحمد صاحب التأليفات الشهيرة ، والمولوي فضل رحمن المراد آبادي ، والشيخ العلامة المحدث المحقق محمد بن ناصر الحازمي رحمهم الله تعالى كذا في نهاية الرسوخ في معجم الشيوخ . هو الشيخ العلامة أستاذ الأساتذة إمام الجهابذة عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي ، ولد عام تسع وخمسين بعد الألف والمائة ، وتوفي عام تسع وثلاثين بعد الألف والمائتين ، له تلامذة كثيرة ، وكان رحمه الله تعالى بحرا في جميع العلوم ، وله مؤلفات جليلة مشهورة ، وترجمته مبسوطة في نهاية الرسوخ ، وإتحاف النبلاء للعلامة القنوجي ، ثم البوفالي رحمه الله . هو الشيخ الإمام الأجل ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي بن وجيه الدين ، وينتهي نسبه إلى عمر الفاروق ، ولد رحمه الله تعالى يوم الأربعاء رابع شوال من سنة أربع عشرة بعد الألف والمائة ، في مقام بهلت من مضافات مظفر نكر ، وراح إلى الحرمين الشريفين عام ثلاث وأربعين ، وعاد إلى الوطن عام خمس وأربعين ، وكانت وفاته عام ست وسبعين بعد مائة وألف في الدهلي ، له مناقب جليلة ، ومآثر عظيمة لا يسع هذا المختصر ، ومن أعظم مؤلفاته حجة الله البالغة وإزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء ، وفتح الرحمن في ترجمة القرآن ، والمسوى شرح الموطأ ، والمصفى شرح الموطأ ، والإرشاد إلى مهمات علم الإسناد ، وقرة العينين في تفضيل الشيخين ، وغير ذلك . هو الشيخ العلامة إبراهيم بن حسن الكوراني الشهرزوري الشافعي ، نزيل المدينة المنورة ، عمدة المسندين ، خاتمة المحققين ، ولد في شوال سنة خمس وعشرين وألف ، وتوفي سنة إحدى ومائة وألف ، ودفن بالبقيع ، كذا في نهاية الرسوخ . هو الشيخ الإمام العلامة عبد الرحمن بن سليمان بن يحيى بن عمر بن مقبول الأهدل ، ولد سنة تسع وسبعين بعد الألف والمائة ، وتوفي سنة خمسين بعد الألف والمائة ، وكان من كبار العلماء ، وعديم النظير في عصره . هو الشيخ العلامة محمد بن سنة بكسر السين وشدة النون ، توفي عام ستة وثمانين ومائة وألف رحمه الله تعالى . هو الشيخ العلامة محمد عابد بن أحمد علي بن محمد مراد السندي ثم المدني ، توفي يوم الاثنين من ربيع الأول سنة سبع وخمسين ومائة وألف ، ودفن بالبقيع ، له تلامذة كثيرة ، منها الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي ، ومفتي بغداد السيد داود ، والشيخ محمد خوج المكي ، والشيخ جمال المكي ، والشيخ أبو المحاسن السيد محمد القاوقجي ، وغيرهم . هو الشيخ الإمام المحقق صالح الفلاني المسوفي ابن محمد بن نوح ، وينتهي نسبه إلى سالم بن عبد الله بن عمر ، كانت ولادته عام ست وستين ومائة وألف ، وتوفي في المدينة عام ثمانية عشر بعد الألف والمائتين ، له مؤلفات جليلة نفيسة منها : إيقاظ همم أهل الأبصار في تحقيق مسألة التقليد ، ومنها قطف الثمر ، رحمه الله تعالى . هو الشيخ العلامة عبد الرحمن الكزبري بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن زين العابدين الكزبري الشافعي الدمشقي بركة الشام ، وعمدة ساداتها الكرام ، ولد بدمشق الشام عام أربع وثمانين بعد الألف والمائة ، وتوفي بمكة تاسع عشر ذي الحجة عام اثنتين وستين بعد الألف والمائة ، كذا في تاج التواريخ ، والذي بخط الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عبد الله السراج : إنه توفي عام أربع وسبعين بعد الألف والمائة ، وله تلامذة كثيرة ، منها : الشيخ المفسر العلامة السيد محمود الألوسي البغدادي ، مؤلف تفسير روح المعاني ، ومنها الشيخ أحمد بن دحلان الشافعي . هو الشيخ العلامة عبد اللطيف بن فتح الله البيروتي ، توفي بدمشق سنة نيف وخمسين بعد الألف والمائتين ، وتراجم هؤلاء كلهم مذكورة في نهاية الرسوخ منه .
بَابٌ : فِي اتِّبَاعِ الصَّيْدِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قال : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ مَرَّةً سُفْيَانُ : وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا ، وَمَنْ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ باب في اتباع الصيد ( لَا أَعْلَمُهُ ) ؛ أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ ( جَفَا ) ؛ أَيْ صَارَ فِيهِ جَفَاءُ الْأَعْرَابِ ، أَيْ غَلُظَ طَبْعُهُ وَصَارَ جَافِيًا بَعْدَ لُطْفِ الْأَخْلَاقِ إِذْ يفَقْدِ مَنْ يُرَوِّضُهُ وَيُؤَدِّبُهُ . ( غَفَلَ ) ؛ أَيْ يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُهُ وَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ غَفْلَةٌ ( افْتَتَنَ ) ؛ أَيْ صَارَ مَفْتُونًا فِي دِينِهِ . فِي الصِّحَاحِ : افْتَتَنَ الرَّجُلُ وَفَتَنَ الْمَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا إِذَا أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ فَذَهَبَ مَالُهُ وَعَقْلُهُ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا ذَهَابُ دِينِهِ ؛ قَالَهُ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ . وَقَالَ الْعَزِيزِيُّ : لِأَنَّهُ إِنْ وَافَقَهُ فِي مُرَادِهِ فَقَدْ خَاطَرَ بِدِينِهِ ، وَإِنْ خَالَفَهُ خَاطَرَ بِرُوحِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَبُو مُوسَى عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَلَا نَعْرِفُهُ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ : حَدِيثُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ؛ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَتَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَشَرِيكٌ فِيهِ مَقَالٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قال : نا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَأَدْرَكْتَهُ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَسَهْمُكَ فِيهِ فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ آخر كتاب الصيد . ( فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ : نَتُنَ الشَّيْءُ كَكَرُمَ فَهُوَ نَتِينٌ كَقَرِيبٍ ، وَنَتَنَ كَضَرَبَ وَفَرِحَ ، وَأَنْتَنَ إِنْتَانًا ، انْتَهَى . وَجَعَلَ الْغَايَةَ أَنْ يُنْتِنَ الصَّيْدُ ، فَلَوْ وَجَدَهُ مَثَلًا بَعْدَ ثَلَاثٍ وَلَمْ يُنْتِنْ حَلَّ ، وَلَوْ وَجَدَهُ دُونَهَا وَقَدْ أَنْتَنَ فَلَا ، هَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ . وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِهِ إِذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّحْرِيمُ وَقَدْ حَرَّمَتِ الْمَالِكِيَّةُ الْمُنْتِنَ مُطْلَقًا وَهُوَ الظَّاهِرُ ؛ قَالَهُ فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ . وَالْحَدِيثُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ قَبْلَ هَذَا الْبَابِ ؛ أَيْ فِي اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ ، وَهَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، َثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، َثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَكَمِ النَّخَعِيُّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى مُسَدَّدٍ ، قَالَ : وَمَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ زَادَ : وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ دُنُوًّا إِلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا . ( عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أَوْرَدَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْأَطْرَافِ وَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الصَّيْدِ باب في الصيد : هُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِاصْطِيَادِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَصِيدِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، قال : نا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَتُمْسِكُ عَلَيَّ أَفَآكُلُ ؟ قَالَ : إِذَا أَرْسَلْتَ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلْنَ ؟ قَالَ : وَإِنْ قَتَلْنَ مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا قُلْتُ : أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ فَأُصِيبُ أَفَآكُلُ ؟ قَالَ : إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأَصَابَ فَخَزَقَ فَكُلْ ، وَإِنْ أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ ( عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ) حَاتِمٌ هَذَا هُوَ الطَّائِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْجُودِ ، وَكَانَ ابْنُهُ عَدِيٌّ أَيْضًا جَوَادًا . ( إِنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ . وَالْمُرَادُ مِنَ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ ثَلَاثُ شَرَائِطٍ : إِذَا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى ، وَإِذَا زُجِرَ انْزَجَرَ ، وَإِذَا أَخَذَ الصَّيْدَ أَمْسَكَ وَلَمْ يَأْكُلْ ؛ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ كَانَ مُعَلَّمًا يَحِلُّ بَعْدَ ذَلِكَ قَتِيلُهُ . ( فَتُمْسِكَ عَلَيَّ ) ؛ أَيْ تَحْبِسُ الْكِلَابُ الصَّيْدَ لِي ( أَفَآكُلُ ؟ ) ؛ أَيِ الصَّيْدَ ( قَالَ : إِذَا أَرْسَلْتَ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِرْسَالَ مِنْ جِهَةِ الصَّائِدِ شَرْطٌ ، حَتَّى لَوْ خَرَجَ الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَ صَيْدًا وَقَتَلَهُ لَا يَكُونُ حَلَالًا . وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ شَرْطٌ فِي الذَّبِيحَةِ حَالَةَ مَا تُذْبَحُ وَفِي الصَّيْدِ حَالَةَ مَا يُرْسِلُ الْجَارِحَةُ أَوِ السَّهْمِ ، فَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( مَا لَمْ يَشْرَكْهَا كَلْبٌ لَيْسَ مِنْهَا ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِذَا شَارَكَهُ كَلْبٌ آخَرُ ، وَالْمُرَادُ كَلْبٌ آخَرُ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ أَوْ شَكَكْنَا فِي ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ ، فَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُ إِنَّمَا شَارَكَهُ كَلْبٌ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَّ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( بِالْمِعْرَاضِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ أَوْ عَصًا فِي طَرْفِهَا حَدِيدَةٌ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ حَدِيدَةٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي تَفْسِيرِهِ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : هُوَ سَهْمٌ لَا رِيشٌ فِيهِ وَلَا نَصْلٌ ؛ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ . ( فَخَزَقَ ) بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ؛ أَيْ نَفَذَ ( بِعَرْضِهِ ) ؛ أَيْ بِغَيْرِ طَرَفِهِ الْمُحَدَّدِ . وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا اصْطَادَ بِالْمِعْرَاضِ فَقَتَلَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ حَلَّ ، وَإِنْ قَتَلَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ : يَحِلُّ مُطْلَقًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، قال : أخبرنا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ بَيَانٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : سَأَلْتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ : إِنَّا نَصِيدُ بِهَذِهِ الْكِلَابِ ؟ فَقَالَ لِي : إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْه فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ ، وَإِنْ قَتَلَ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ ، فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ ( وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ ) فِيهِ أَنَّهُ إِنْ أَرْسَلَ الْكَلْبَ وَلَمْ يُسَمِّ لَمْ يُؤْكَلْ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ نَاسِيًا حَلَّ . وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ لَا يَرَى التَّسْمِيَةَ شَرْطًا فِي الذَّكَاةِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ ذِكْرُ الْقَلْبِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ إِرْسَالُهُ الْكَلْبَ لِلِاصْطِيَادِ بِهِ لَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ لَاهِيًا أَوْ لَاعِبًا لَا قَصْدَ لَهُ فِي ذَلِكَ ؛ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . ( فَإِنْ أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ مِنَ الصَّيْدِ وَلَوْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ مَالِكٌ : وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ . وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَحِلُّ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْآتِي فِي الْبَابِ ، وَحَمَلُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عَدِيٍّ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْنَا بَلْ عَلَى نَفْسِهِ ، وَقَدَّمُوا حَدِيثَ عَدِيٍّ هَذَا عَلَى حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ لِأَنَّهُ أَصَحُّ . وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ حَدِيثَ أَبِيَ ثَعْلَبَةَ عَلَى مَا إِذَا أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ وَخَلَّاهُ وَفَارَقَهُ ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَهَذَا لَا يَضُرُّ . ( فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ ) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّمَا أَبَاحَهُ بِشَرْطِ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَيْنَا ، وَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ أَمْسَكَهُ لَنَا أَمْ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُوجَدْ شَرْطُ إِبَاحَتِهِ ، وَالْأَصْلُ تَحْرِيمُهُ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، قال : نا حَمَّادٌ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَوَجَدْتَهُ مِنْ الْغَدِ وَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَاءٍ ، وَلَا فِيهِ أَثَرٌ غَيْرُ سَهْمِكَ فَكُلْ ، وَإِذَا اخْتَلَطَ بِكِلَابِكَ كَلْبٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ قَتَلَهُ الَّذِي لَيْسَ مِنْهَا ( وَلَمْ تَجِدْهُ فِي مَاءٍ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا نَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ إِذَا وَجَدَهُ فِي الْمَاءِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَدْ غَرَّقَهُ فَيَكُونُ هَلَاكُهُ مِنَ الْمَاءِ لَا مِنْ قِبَلِ الْكَلْبِ الَّذِي هُوَ آلَةُ الذَكَاةِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَجَدَ فِيهِ أَثَرًا لِغَيْرِ سَهْمِهِ ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الرُّخَصَ تُرَاعَى شَرَائِطُهَا الَّتِي بِهَا وَقَعَتِ الْإِبَاحَةُ ، فَمَهْمَا أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَادَ الْأَمْرُ إِلَى التَّحْرِيمِ الْأَصْلِيِّ ، وَهَذَا بَابٌ كَبِيرٌ مِنَ الْعِلْمِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ ، قال : نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قال : نا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ : أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً ، فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كَانَ لَكَ كِلَابٌ مُكَلَّبَةٌ ، فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ قَالَ : ذَكِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفْتِنِي فِي قَوْسِي ؟ قَالَ : كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ قَالَ : ذَكِيًّا أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ قَالَ : وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي ؟ قَالَ : وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ يَضِلَّ ، أَوْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِكَ قَالَ : أَفْتِنِي فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ إِنْ اضْطُرِرْنَا إِلَيْهَا ؟ قَالَ : اغْسِلْهَا وَكُلْ فِيهَا ( كِلَابًا مُكَلَّبَةً ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَمَعْنَى الْمُكَلَّبَةِ الْمُسَلَّطَةِ عَلَى الصَّيْدِ الْمُضَرَّاةِ بِالِاصْطِيَادِ . ( مَا لَمْ يَصُلَ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ؛ أَيْ مَا لَمْ يُنْتِنْ وَيَتَغَيَّرْ رِيحُهُ . يُقَالُ : صَلَّ اللَّحْمُ وَأَصَلَّ ؛ لُغَتَانِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ تَغَيُّرَ رِيحِهِ لَا يُحَرِّمُ أَكْلَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَكَلَ إِهَالَةً سَنِخَةً وَهِيَ الْمُتَغَيِّرَةِ الرِّيحِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّ بِأَنْ يَكُونَ هَامَّةً نَهَشَتْهُ فَيَكُونُ تَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ لِمَا دَبَّ فِيهِ مِنْ سُمِّهَا فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ الْفَسَادُ . وَفِيهِ النَّهْيُ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ عَنْ أَكْلِ مَا تَغَيَّرَ مِنَ اللَّحْمِ بِمُرُورِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . ( أَوْ تَجِدُ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِكَ ) ؛ أَيْ أَوْ مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمِكَ . وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ فِي الصَّيْدِ أَثَرًا غَيْرَ سَهْمٍ لَا يُؤْكَلُ ، وَهَذَا الْأَثَرُ الَّذِي يُوجَدُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ سَهْمِ الرَّامِي أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَثَرَ سَهْمِ رَامٍ آخَرَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْقَاتِلَةِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَعَ التَّرَدُّدِ . ( أَفْتِنِي ) أَمْرٌ مِنَ الْإِفْتَاءِ ( فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ ) جَمْعُ إِنَاءٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ ؟ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ : إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ . ( إِلَيْهَا ) ؛ أَيْ إِلَى تِلْكَ الْآنِيَةِ ( اغْسِلْهَا وَكُلْ فِيهَا ) وَفِيهِ أَنَّ مَنْ اضْطُرَّ إِلَى آنِيَةِ مَنْ يَطْبُخُ فِيهَا الْخِنْزِيرَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَيَشْرَبُ فِيهَا الْخَمْرَ فَلَهُ أَنْ يَغْسِلَهَا ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، وَقَدْ يَجِيءُ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، قال : نا مُجَالِدٌ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ، ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلَ ؟ قَالَ : إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْبَازُ إِذَا أَكَلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَالْكَلْبُ إِذَا أَكَلَ كُرِهَ وَإِنْ شَرِبَ الدَّمَ فَلَا بَأْسَ . ( مَا عَلَّمْتُ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ) ؛ أَيْ أَحَدُّ مِنْ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطُّيُورِ ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا إِمَّا مَثَلًا أَوْ بِنَاءً عَلَى الْأَغْلَبِ ؛ قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَ( مَا ) شَرْطِيَّةٌ أَوْ مَوْصُولَةٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ ؛ أَيْ مَا عَلَّمْتَهُ . وَأَمَّا الْبَازُ فَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ : الْبَازِيُّ أَفْصَحُ لُغَاتِهِ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ ، وَالثَّانِيَةُ بَازٍ ، وَالثَّالِثَةُ بَازِيٌّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ؛ حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ . وَهُوَ مُذَكَّرٌ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، وَيُقَالُ فِي التَّثْنِيَةِ : بَازِيَانِ ، وَفِي الْجَمْعِ : بُزَاةٌ ؛ كَقَاضِيَانِ وَقُضَاةٌ . وَيُقَالُ لِلْبُزَاةِ وَالشَّوَاهِينَ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يَصِيدُ صُقُور ، وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحَيَوَانِ تَكَبُّرًا وَأَضْيَقِهَا خُلُقًا ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي أَشْكَالِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ . ( وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ ) ؛ أَيْ عِنْدَ إِرْسَالِهِ ( مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ ) ؛ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا . ( قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلَ ) إِنْ وَصْلِيَّةٌ ؛ أَيْ آكُلُهُ وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ إِنْ شَرْطِيَّةٌ وَالْجَزَاءُ مُقَدَّرٌ ؛ أَيْ : فَمَا حُكْمُهُ ؟ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ ؛ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَمُجَالِدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، قال : نا هُشَيْمٌ ، قال : أخبرنا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ : قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ : إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ تعالى فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدَكَ ( فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ حَلَالٌ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ عَنْ هَذَا . ( وَكُلُّ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ ) ؛ أَيْ كُلْ كُلَّ مَا صِدْتَهُ بِيَدِكَ لَا بِشَيْءٍ مِنَ الْجَوَارِحِ ؛ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : كُلْ مَا رَدَتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَوْدِيُّ الدِّمَشْقِيُّ عَامِلُ وَاسِطٍ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدِيثُهُ مُقَارِبٌ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَلَا أَرَى بِرِوَايَاتِهِ بَأْسًا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : هُوَ شَيْخٌ .
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ خُلَيْفٍ ، قال : نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قال : نا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَحَدُنَا يَرْمِي الصَّيْدَ ، فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ، ثُمَّ يَجِدُهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ أَيَأْكُلُ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنْ شَاءَ أَوْ قَالَ يَأْكُلُ إِنْ شَاءَ ( فَيَقْتَفِي أَثَرَهُ ) ؛ أَيْ يَتْبَعُ قَفَاهُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَلَّقَ بِهِ سَهْمَهُ فَقَدْ مَلَكَهُ وَصَارَ سَهْمُهُ كَيَدِهِ ، فَلَوْ أَنَّهُ رَمَى صَيْدًا حَتَّى أَنْشَبَ سَهْمَهُ فِيهِ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ كَانَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ اللُّقَطَةِ وَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ وَرَدُّ قِيمَتِهِ . وَفِيهِ أَنَّهُ قَدْ شُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ فِيهِ سَهْمَهُ وَهُوَ أَنْ يُثَبِّتَهُ بِعَيْنِهِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ عَنْهُ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ذَكَاتَهُ إِنَّمَا وَقَعَتْ بِرَمْيَتِهِ ، فَأَمَّا إِذَا رَمَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَصَابَهُ أَمْ لَا فَيَتْبَعُ أَثَرَهُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا وَفِيهِ سَهْمُهُ فَلَا يَأْكُلْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ قَدْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّامِي مَجُوسِيًّا لَا تَحِلُّ ذَكَاتَهُ ، وَفِي قَوْلِهُ فَيَقْتَفِي أَثَرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَغْفَلَ تَتَبُّعَهُ وَأَتَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْوَقْتِ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا تَتَبَّعَهُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ إِلَّا بَعْدَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ فَهُوَ مَقْدُورٌ وَكَانَتِ الذَّكَاةُ وَاقِعَةً بِإِصَابَةِ السَّهْمِ فِي وَقْتِ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَتَبَّعْهُ وَتَرَكَهُ يَتَحَامَلُ بِالْجِرَاحَةِ حَتَّى هَلَكَ فَهَذَا غَيْرُ مُذَكًّى لِأَنَّهُ لَوِ اتَّبَعَهُ لَأَدْرَكَهُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَذَكَّاهُ ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ، فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ صَارَ كَالْبَهِيمَةِ الْمَقْدُورِ عَلَى ذَكَاتِهَا يُجْرَحُ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهَا وَيُتْرَكُ حَتَّى يَهْلِكَ بِأَلَمِ الْجِرَاحَةِ . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : إِنْ أَدْرَكَهُ مِنْ يَوْمِهِ أَكَلَهُ وَإِلَّا فَلَا ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قال : أخبرنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ : إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فقُلْتُ : أُرْسِلُ كَلْبِي . قَالَ : إِذَا سَمَّيْتَ فَكُلْ ، وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْ ، وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ فَقَالَ : أُرْسِلُ كَلْبِي فَأَجِدُ عَلَيْهِ كَلْبًا آخَرَ فَقَالَ : لَا تَأْكُلْ لِأَنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ ( فَإِنَّهُ وَقِيذٌ ) بِالْقَافِ وَآخِرُهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ عَلَى وَزْنِ عَظِيمٍ ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ ؛ وَهُوَ مَا قُتِلَ بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَا لَا حَدَّ لَهُ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبُنْدُقِةِ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ رُضَّ وَوُقِذَ . وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ : يَحِلُّ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيَّ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ عَائِذُ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ يَقُولُ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَصِيدُ بِكَلْبِي الْمُعَلَّمِ ، وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ . قَالَ : مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ ، فَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلْ ، وَمَا أَصَّدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ ، فَكُلْ . ( فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ ) ؛ أَيْ ذَبْحَهُ ، وَالْمَعْنَى : أَدْرَكْتَهُ حَيًّا وَذَبَحْتَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، قال : نا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قال : نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، قال : أَخْبَرَنِي عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا وَقَعَتْ رَمِيَّتُكَ فِي مَاءٍ فَغَرِقَت فَمَاتَت فَلَا تَأْكُلْ ( إِذَا وَقَعَتْ رَمِيَّتُكَ ) ؛ أَيْ الصَّيْدُ الْمُرْمَى بِالسَّهْمِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوَهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى ، قال : نا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ . ( ح ) وَحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى ، قال : نا بَقِيَّةُ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، قال : نا يُونُسُ بْنُ سَيْفٍ ، قال : نا أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ ، قال : حَدَّثَنِي أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ ، كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ وَكَلْبُكَ زَادَ عَنْ ابْنِ حَرْبٍ الْمُعَلَّمُ ، وَيَدُكَ فَكُلْ ذَكِيًّا ، وَغَيْرَ ذَكِيٍّ ( زَادَ عَنِ ابْنِ حَرْبٍ : الْمُعَلَّمُ ) ؛ أَيْ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ الْحَرْبِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَكَلْبَكَ لَفْظَ الْمُعَلَّمِ ، يَعْنِي قَالَ : وَكَلْبَكَ الْمُعَلَّمِ . ( وَيَدُكَ ) ؛ أَيْ قَالَ : مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ مَكَانَ قَوْلِهِ : رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ . ( فَكُلْ ذَكِيًّا وَغَيْرَ ذَكِيٍّ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالذَّكِيِّ مَا أَمْسَكَ عَلَيْهِ فَأَدْرَكَهُ قَبْلَ زُهُوقِ نَفْسِهِ فَذَكَّاهُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ، وَغَيْرَ الذَّكِيِّ مَا زَهَقَتْ نَفْسُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالذَّكِيِّ مَا جَرَحَهُ الْكَلْبُ بِسِنِّهِ أَوْ مَخَالِبِهِ فَسَالَ دَمُهُ ، وَغَيْرَ الذَّكِيِّ مَا لَمْ يَجْرَحْهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ وَلَمْ يدمه ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَحْرِيمِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ بِالضَّغْطِ وَالِاعْتِمَادِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الْمَوْقُوذَةِ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ قَوْسُكَ .
أول كِتَابُ الصَّيْدِ . بَابٌ : اتِّخَاذِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، َنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ باب اتخاذ الكلب للصيد وغيره ( مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا ) ؛ أَيِ اقْتَنَاهُ وَحَفِظَهُ وَأَمْسَكَهُ ( إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ ) وَهُوَ مَا يُتَّخَذُ لِحِفْظِ الْمَاشِيَةِ عِنْدَ رَعْيِهَا ، وَإِلَّا بِمَعْنَى غَيْرَ صِفَةٌ لـِ كَلْبًا لَا لِلِاسْتِثْنَاءِ لِتَعَذُّرِهِ . ( أَوْ صَيْدٍ ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ ؛ أَيْ كَلْبٌ مُعَلَّمٌ لِلصَّيْدِ ( أَوْ زَرْعٍ ) كَلْبُ الزَّرْعِ هُوَ مَا يُتَّخَذُ لِحِرَاسَتِهِ ( كُلَّ يَوْمٍ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ، ( قِيرَاطٌ ) الْقِيرَاطُ هُنَا مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمُرَادُ نَقْصُ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَمَلِهِ ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ نِصْفُ دَانَقٍ وَهُوَ سُدُسُ الدِّرْهَمِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، َنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَمَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَقْدَمُ مِنْ الْبَادِيَةِ يَعْنِي بِالْكَلْبِ فَنَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْ قَتْلِهَا ، وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ ( تَقْدَّمَ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ؛ أَيْ تَجِيءُ ( فَنَقْتُلُهُ ) ؛ أَيْ كَلْبُ الْمَرْأَةِ ( ثُمَّ نَهَانَا عَنْ قَتْلِهَا ) ؛ أَيْ عَنْ قَتْلِ الْكِلَابِ بِعُمُومِهَا . ( عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ ) ؛ أَيْ بِقَتْلِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِ الْكِلَابِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْبُيُوعِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الصَّيْدِ ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَابْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا يَزِيدُ ، قال : نا يُونُسُ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ( أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ؛ أَيْ أَمْثَالُكُمْ فِي كَوْنِهَا دَالَّةٌ عَلَى الصَّانِعِ وَمُسَبِّحَةٌ لَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ إِفْنَاءَ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ وَإِعْدَامِ جِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ خَلْقِ للَّهِ تَعَالَى إِلَّا وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ، يَقُولُ : إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى قَتْلِهِنَّ فَاقْتُلُوا شِرَارَهُنَّ وَهِيَ السُّودُ الْبُهُمُ ، وَأَبْقُوا مَا سِوَاهَا لِتَنْتَفِعُوا بِهِنَّ فِي الْحِرَاسَةِ . وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَا يَحِلُّ صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ ، انْتَهَى . وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ نُقْصَانِ الْأَجْرِ بِاقْتِنَاءِ الْكَلْبِ ؛ فَقِيلَ : لِامْتِنَاعِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ دُخُولِ بَيْتِهِ ، وَقِيلَ : لِمَا يَلْحَقُ الْمَارِّينَ مِنَ الْأَذَى مِنْ تَرْوِيعِ الْكَلْبِ لَهُمْ وَقَصْدِهِ إِيَّاهُمْ . وَالتَّوْفِيقِ بَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ وَالْأَحْوَالِ . قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي نَوْعَيْنِ مِنَ الْكِلَابِ أَحَدُهُمَا أَشَدُّ أَذًى مِنَ الْآخَرِ ، أَوْ يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِعِ فَيَكُونُ الْقِيرَاطَانِ فِي الْمَدِينَةِ . قُلْتُ : وَكَذَا فِي مَكَّةَ لِزِيَادَةِ فَضْلِهِمَا ، وَالْقِيرَاطُ فِي غَيْرِهِمَا قَالَ أَوِ الْقِيرَاطَانِ فِي الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى وَالْقِيرَاطُ فِي الْبَوَادِي ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي زَمَانَيْنِ فَذَكَرَ الْقِيرَاطَ أَوَّلًا ثُمَّ زَادَ لِلتَّغْلِيظِ فَذَكَرَ الْقِيرَاطَيْنِ ، انْتَهَى . ( الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ) ؛ أَيْ خَالِصُ السَّوَادِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابٌ : إذا قُطِعَ مِنْ الصيدُ قِطْعَةٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، َنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، قال : نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ باب إذا قطع من الصيد قطعة ( مَا قُطِعَ ) مَا مَوْصُولَةٌ ( وَهِيَ حَيَّةٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( فَهِيَ ) ؛ أَيْ مَا قُطِعَ ، وَأَنث لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( مَيْتَةٌ ) ؛ أَيْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَيْتَةِ فِي أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ كُلُّ عُضْوٍ قُطِعَ فَذَلِكَ الْعُضْوُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ عَنْهُ ، وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَنُهُوا عَنْهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ وَقَالَ : حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ؛ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْمَدِينِيُّ ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ يَرْوِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ غَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؛ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي إِسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ وَفِيهِ مَقَالٌ .
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُوصِي فِي مَالِهِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ ، قَالَا : نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَرِضَ مَرَضًا قَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ : بِمَكَّةَ ، ثُمَّ اتَّفَقَا أَشْفَي فِيهِ ، فَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا ، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَبِالشَّطْرِ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَالثُّلُثِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً ، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً إِلَّا أُجِرْتَ فيهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَدفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكِ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ؟ قَالَ : إِنَّكَ إِنْ تُخَلَّفْ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا تُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ لَا تَزْدَادُ بِهِ إِلَّا رِفْعَةً وَدَرَجَةً ، لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ ، لَكِنْ الْبَائِس سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ باب ما جاء في ما يجوز للموصي في ماله ( عَنْ أَبِيهِ ) ؛ أَيْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ( مَرِضَ ) ؛ أَيْ سَعْدٌ ( مَرَضًا أَشْفَى فِيهِ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : مَرِضْتُ مَرَضًا أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ أَيْ قَارَبْتُهُ وَأَشْرَفْتُ عَلَيْهِ . ( فَعَادَهُ ) مِنَ الْعِيَادَةِ . ( إِلَّا ابْنَتِي ) ؛ أَيْ لَا يَرِثُنِي مِنَ الْوَلَدِ وَخَوَاصِّ الْوَرَثَةِ إِلَّا ابْنَتِي ، وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ لَهُ عُصْبَةٌ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ لَا يَرِثُنِي مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( فَبِالشَّطْرِ ) ؛ أَيْ فَأَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ ( قَالَ : الثُّلُثُ ) يَجُوزُ نَصْبُهُ وَرَفْعُهُ ؛ أَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ افْعَلْ أَيِ أعْطِ الثُّلُثَ ، وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ يَكْفِيكَ الثُّلُثُ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ . قَالَ الْحَافِظُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَسُوقًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ بِالثُّلُثِ وَأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْقُصَ عَنْهُ وَلَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يَبْتَدِرُهُ الْفَهْمُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالثُّلُثِ هُوَ الْأَكْمَلُ أَيْ كَثِيرٌ أَجْرُهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَثِيرٌ غَيْرُ قَلِيلٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيهِ ؛ يَعْنِي أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَعَلَى الْأَوَّلِ عَوَّلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، انْتَهَى . ( إِنَّكَ ) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ ( إِنْ تَتْرُكْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ تَتْرُكْ أَوْلَادَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ ، وَالْجُمْلَةٌ بِأَسْرِهَا خَبَرُ إِنَّكَ وَبِكَسْرِهَا عَلَى الشَّرْطِيَّةِ وَجَزَاءُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ خَيْرٌ عَلَى تَقْدِيرِ : فَهُوَ خَيْرٌ ، وَحَذْفُ الْفَاءِ مِنَ الْجَزَاءِ سَائِغٌ شَائِعٌ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالضَّرُورَةِ ؛ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ ) ؛ أَيْ تَتْرُكَهُمْ ( عَالَةً ) ؛ أَيْ فُقَرَاءَ ، جَمْعُ عَائِلٍ ( يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ) ؛ أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِالْأَكُفِّ بِأَنْ يَبْسُطُوهَا لِلسُّؤَالِ ( إِلَّا أُجِرْتَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ؛ أَيْ صَرتٍ مَأْجُورًا ( فِيهَا ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : بِهَا ، وَالضميرُ لِلنَّفَقَةِ ( حَتَّى اللُّقْمَةَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى نَفَقَةٍ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَتَدْفَعُهَا الْخَبَرُ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَجَوَّزَ الْقَسْطَلَّانِيُّ الْجَرَّ عَلَى أَنَّ حَتَّى جَارَّةٌ ، ( إِلَى فِي امْرَأَتِكَ ) ؛ أَيْ إِلَى فَمِهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنْفِقَ لِابْتِغَاءِ رِضَاهُ تَعَالَى يُؤْجَرُ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الْإِنْفَاقِ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ وَحَظَّ النَّفْسِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ . ( أَتَخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي ) ؛ أَيْ أَبْقَى بِسَبَبِ الْمَرَضِ خَلَفًا بِمَكَّةَ ، قَالَهُ تَحَسُّرًا وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا هَاجَرُوا مِنْهَا وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ . ( إِنَّكَ إِنْ تُخَلَّفْ بَعْدِي فَتَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا إِلَخْ ) ؛ يَعْنِي أَنَّ كَوْنَكَ مُخَلَّفًا لَا يَضُرُّكَ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ . ( لَعَلَّكَ إِنْ تُخَلَّفْ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : لَنْ تُخَلَّفَ ؛ أَيْ بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُكَ ( حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ ) ؛ أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنَائِمِ مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ ( وَيُضَرُّ ) مَبْنِيُّ للْمَفْعُولِ ( بِكَ آخَرُونَ ) مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَهْلِكُونَ عَلَى يَدَيْكَ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَرَجَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشُفِيَ سَعْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَطَالَ عُمُرُهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَضَرَّ بِهِ آخَرُونَ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ( اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ ) ؛ أَيْ تَمِّمْهَا لَهُمْ وَلَا تَنْقُصْهَا ( لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ) الْبَائِسُ مَنْ أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ ضُرٌّ ، وَهُوَ يَصْلُحُ لِلذَّمِّ وَالتَّرَحُّمِ ، قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا فَهُوَ ذَمٌّ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ هَاجَرَ وَمَاتَ بِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ تَرَحُّمٌ . ( يَرْثِي لَهُ ) مِنْ رَثَيْتُ الْمَيِّتَ مَرْثِيَّةً إِذَا عَدَدْتُ مَحَاسِنَهُ ، وَرَثَأْتُ بِالْهَمْزَةِ لُغَةٌ فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَرَاثِي كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، فَإِذَا نهى عَنْهُ كَيْفَ يَفْعَلُهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْثِيَّةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا فِيهِ مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ الْبَاعِثُ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ أَوْ فِعْلِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ هُنَا تَوَجُّعُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَحَزُّنُهُ عَلَى سَعْدٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا لَا مَدْحَ الْمَيِّتِ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ ؛ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ لِأَجْلِ مَوْتِهِ بِأَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا وَكَانَ يَكْرَهُ مَوْتَهُ بِهَا فَلَمْ يُعْطَ مَا تَمَنَّى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَأَما قَوْلَهُ يَرْثِي لَهُ فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَكِنَّ الْبَائِسَ إِلَخْ ؛ أَيْ رَثَى لَهُ حِينَ مَاتَ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَهْوَى أَنْ يَمُوتَ بِغَيْرِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بِنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، قال :أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ صَدَقَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : نَسَخَهَا لِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ فِي ثَمْغٍ فَقَصَّ مِنْ خَبَرِهِ نَحْوَ حَدِيثِ نَافِعٍ قَالَ : غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا ، فَمَا عَفَا عَنْهُ مِنْ ثَمَرِهِ فَهُوَ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ . قَالَ : وَسَاقَ الْقِصَّةَ . قَالَ : وَإِنْ شَاءَ وَلِيُّ ثَمْغٍ اشْتَرَى مِنْ ثَمَرِهِ رَقِيقًا لِعَمَلِهِ ، وَكَتَبَ مُعَيْقِيبٌ ، وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : إِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ ثَمْغًا ، وَصِرْمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ ، وَالْمِائَةَ سَهْمٍ الذي بِخَيْبَرَ وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ ، وَالْمِائَةَ الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَادِي تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَنْ لَا يُبَاعَ ، وَلَا يُشْتَرَى يُنْفِقُهُ حَيْثُ رَأَى مِنْ السَّائِلِ ، وَالْمَحْرُومِ ، وَذِي الْقُرْبَى ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إِنْ أَكَلَ أَوْ آكَلَ ، أَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ . ( يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ( عَنْ ) حَالِ ( صَدَقَةِ ) الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا وَوَقَفَهَا ( عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ) فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( قَالَ ) يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ( نَسَخَهَا ) ؛ أَيْ نُسْخَةُ صَدَقَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالنَّسْخُ بِالْفَارِسِيَّةِ كِتَاب نوشتن ، وَنَسَخْتُ الْكِتَابَ وَانْتَسَخْتُهُ وَاسْتَنْسَخْتُهُ كُلُّهُ بِمَعْنًى . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كِتَابَيْنِ لِوَقْفِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ أَحَدُهُمَا هُوَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ . وَثَانِيهُمَا هُوَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، إِلَى قَوْلِهِ : أَوِ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ . وَفِي الْكِتَابِ الثَّانِي بَعْضُ زِيَادَاتٍ لَيْسَتْ فِي الْأَوَّلِ ، وَذَكَرَ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ أَيْضًا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، فَنَسَخَ عَبْدُ الْحَمِيدِ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كِلَا الْكِتَابَيْنِ . ( هَذَا مَا كَتَبَ ) هُوَ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابَيْنِ ( عُمَرُ ) بَدَلٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ ( فِي ثَمْغٍ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ فَتْحَ الْمِيمِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيِّ : هِيَ أَرْضٌ تِلْقَاءَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْقَسْطَلَّانِيِّ ، وَفِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ : ثَمْغٌ بِالْفَتْحِ ثُمَّ السُّكُونِ وَالْغَيْنِ مُعْجَمَةٌ مَوْضِعُ مَالٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَفَهُ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ بِالتَّحْرِيكِ ، انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ أَنَّ ثَمْغًا وَصِرْمَةَ ابْنِ الْأَكْوَعِ مَالَانِ مَعْرُوفَانِ بِالْمَدِينَةِ كَانَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَقَفَهُمَا ، انْتَهَى . وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ قَالَ : أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرٍ أَرْضًا . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ثَمْغٌ ، وَكَانَ نَخْلًا . وَكَذَا لِأَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا مِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ يُقَالُ لَهَا ثَمْغٌ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( فَقَصَّ ) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ( مِنْ خَبَرِهِ ) ؛ أَيْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ( غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا ) مَكَانَ قَوْلِهِ : غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ ، وَزَادَ الْجُمْلَةَ التَّالِيَةَ : ( فَمَا عَفَا عَنْهُ ) ؛ أَيْ فَمَا فَضَلَ عَنْ أَكْلِ الْمُتَوَلِّي وَإِطْعَامِ الصَّدِيقِ لَهُ . قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ : الْعَفْوُ الْفَضْلُ ، وَمِنَ الْمَاءِ مَا فَضَلَ عَنِ الشَّارِبَةِ وَأُخِذَ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ وَلَا مُزَاحَمَةٍ ، وَمِنَ الْمَالِ مَا يَفْضُلُ عَنِ النَّفَقَةِ وَلَا عُسْرَ عَلَى صَاحِبِهِ فِي إِعْطَائِهِ . ( فَهُوَ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) ؛ أَيْ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ( رَقِيقًا ) ؛ أَيْ عَبْدًا ( لِعَمَلِهِ ) ؛ أَيْ لِعَمَلِ ثَمْغٍ ( وَكَتَبَ ) ؛ أَيِ الْكِتَابُ ( مُعَيْقِيبٌ ) صَحَابِيٌّ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ ، وَلِيَ بَيْتَ الْمَالِ لِعُمَرَ وَكَانَ يَكْتُبُ لِعُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ . ( وَشَهِدَ ) عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ ) صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ ، وَلَّاهُ عُمَرُ بَيْتَ الْمَالِ . ( هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ ) هَذَا هُوَ الْكِتَابُ الثَّانِي مِنْ كِتَابَيْ صَدَقَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( إِنْ حَدَثَ بِهِ ) بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( حَدَثٌ ) ؛ أَيْ مَوْتٌ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ شَرْطِيَّةٌ ، وَقَوْلُهُ أَنَّ ثَمْغًا مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ اسْمُ أَنَّ وَقَوْلُهُ تَلِيهِ خَبَرُهَا ، وَهِيَ مَعَ اسْمِهَا وَخَبَرِهَا جَزَاءُ الشَّرْطِ ، وَيَجُوزُ تَرْكُ الْفَاءِ مِنَ الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُصْدَّرَةً بِأَنَّ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ هِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا لِقَوْلِهِ هَذَا . ( وَصِرْمَةَ ابْنِ الْأَكْوَعِ ) بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، قِيلَ : هُمَا مَالَانِ مَعْرُوفَانِ بِالْمَدِينَةِ كَانَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَقَفَهُمَا ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بِالصِّرْمَةِ الْقِطْعَةُ الْخَفِيفَةُ مِنَ النَّخْلِ وَمِنَ الْإِبِلِ ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الصِّرْمَةُ هُنَا الْقِطْعَةُ الْخَفِيفَةُ مِنَ النَّخْلِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْإِبِلِ ، انْتَهَى . ( وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ ) ؛ أَيْ لِعَمَلِ ثَمْغٍ ( وَالْمِائَةَ سَهْمِ الَّذي بِخَيْبَرَ ) ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا لَمْ أُصِبْ مَالًا مِثْلَهُ قَطُّ ؛ كَانَ لِي مِائَةُ رَأْسٍ فَاشْتَرَيْتُ بِهَا مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِهَا . فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ثَمْغٌ مِنْ جُمْلَةِ أَرَاضِي خَيْبَرَ وَأَنَّ مِقْدَارَهَا كَانَ مِقْدَارَ مِائَةِ سَهْمٍ مِنَ السِّهَامِ الَّتِي قَسَّمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ ، وَهَذِهِ الْمِائَةُ سَهْمٍ غَيْرُ الْمِائَةِ سَهْمٍ الَّتِي كَانَتْ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِخَيْبَرَ الَّتِي حَصَلَهَا مِنْ جُزْئِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَغَيْرِهِ . ( وَالْمِائَةَ الَّتِي أَطْعَمَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَادِي ) ، وَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ : وَالْمِائَةَ وَسْقٍ الَّتِي أَطْعَمَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا مَعَ ثَمْغٍ عَلَى سُنَنِهِ الَّذِي أُمِرْتُ بِهِ ، انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِالْوَادِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وَادِي الْقُرَى ، قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : هُوَ وَادٍ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ كَثِيرِ الْقُرَى . ( تَلِيهِ ) مِنَ الْوِلَايَةِ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ يَرْجِعُ إِلَى ثَمْغٍ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ أَنَّ . ( مَا عَاشَتْ ) ؛ أَيْ مُدَّةُ حَيَاتِهَا ( ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ) ، وَعِنْدَ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ : وَأَوْصَى بِهَا عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ إِلَى الْأَكَابِرِ مِنْ آلِ عُمَرَ ، ونَحْوَهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : يَلِيهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْ آلِ عُمَرَ ، فَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا شَرَطَ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِ لِذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ عَيَّنَ عِنْدَ وَصِيَّتِهِ لِحَفْصَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ عَنْ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنِيِّ قَالَ : هَذِهِ نُسْخَةُ صَدَقَةِ عُمَرَ أَخَذْتُهَا مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي عِنْدَ آلِ عُمَرَ فَنَسَخْتُهَا حَرْفًا حَرْفًا : هَذَا مَا كَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي ثَمْغٍ أَنَّهُ إِلَى حَفْصَةَ مَا عَاشَتْ تُنْفِقُ ثَمَرُهُ حَيْثُ أَرَاهَا اللَّهُ ، فَإِنْ تُوُفِّيَتْ فَإِلَى ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا كَتَبَ كِتَابٌ وَقْفَهُ فِي خِلَافَتِهِ ، لِأَنَّ مُعَيْقِيبًا كَانَ كَاتِبُهُ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ وَقَدْ وَصَفَهُ فِيهِ بِأَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَقَفَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّفْظِ وَتَوَلَّى هُوَ النَّظَرَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ حَضَرَتْهُ الْوَصِيَّةُ فَكَتَبَ حِينَئِذٍ الْكِتَابَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ وَقْفِيَّتَهُ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا اسْتِشَارَتُهُ فِي كَيْفِيَّتِهِ . ( أَنْ لَا يُبَاعَ ) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الْبَاءِ ؛ أَيْ بِأَنْ لَا يُبَاعَ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَلِيهِ ، وَتَقْدِيرُ حَرْفِ الْجَرِّ مَعَ أَنِ الْمَفْتُوحَةَ شَائِعٌ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ التَّحْذِيرِ مِنْ كُتُبِ النَّحْوِ . ( إِنْ أَكَلَ ) هُوَ ؛ أَيْ وَلِيُّ الصَّدَقَةِ ( أَوْ آكَلَ ) بِالْمَدِّ ؛ أَيْ غَيْرُهُ مِنْ صَدِيقِهِ وَضَيْفِهِ ( رَقِيقًا ) عَبْدًا ( مِنْهُ ) ؛ أَيْ مِنْ مَحْصُولِ ثَمْغٍ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ لِعَمَلِهِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُوقِفُ الْوَقْفَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَصَبْتُ أَرْضًا ، لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قَالَ : إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا ، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا ، وَلَا يُوهَبُ ، وَلَا يُوَرَّثُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، وَزَادَ عَنْ بِشْرٍ : وَالضَّيْفِ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ ، وَيُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ ، زَادَ عَنْ بِشْرٍ قَالَ : وَقَالَ مُحَمَّدٌ : غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف ( نَا يَحْيَى ) هُوَ الْقَطَّانُ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُسَدَّدًا يَرْوِي عَنْ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ ؛ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ؛ كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( أَصَابَ ) ؛ أَيْ صَادَفَ فِي نَصِيبِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، ( قَطُّ ) ؛ أَيْ قَبْلَ هَذَا أَبَدًا ( أَنْفَسَ ) ؛ أَيْ أَعَزَّ وَأَجْوَدَ ( عِنْدِي مِنْهُ ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ : أَرْضًا ، وَلَعَلَّ تَذْكِيرُهُ بِاعْتِبَارِ تَأْوِيلِهَا بِالْمَالِ . ( فَكَيْفَ تَأْمُرنِي بِهِ ) ؛ أَيْ أَنْ أَفْعَلَ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . ( حَبَّسْتَ ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُخَفَّفُ ؛ أَيْ وَقَفْتَ ( وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) ؛ أَيْ بِغَلَّتِهَا ، وَحَاصِلُهَا مِنْ حُبُوبِهَا وَثِمَارِهَا ( أَنَّهُ ) ؛ أَيِ الشَّأْنُ ( لِلْفُقَرَاءِ ) ؛ أَيِ الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِمْ ، ( وَالْقُرْبَى ) ؛ أَيِ الْأَقَارِبُ ، وَالْمُرَادُ قُرْبَى الْوَاقِفِ لِأَنَّهُ الْأَحَقُّ بِصَدَقَةِ قَرِيبِهِ ، وَيَحْتَمِلُ عَلَى بُعْدِ أَنْ يُرَادَ قُرْبَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ ؛ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( وَالرِّقَابِ ) ؛ أَيْ فِي عِتْقِهَا بِأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ غَلَّتِهَا رِقَابًا فَيُعْتَقُونَ ، أَوْ فِي أَدَاءِ دُيُونِ الْمُكَاتَبِينَ ( وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ؛ أَيْ فِي الْجِهَادِ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْغَزَاةِ وَمِنْ شِرَاءِ آلَاتِ الْحَرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( وَابْنِ السَّبِيلِ ) ؛ أَيِ الْمُسَافِرِ ، ( وَزَادَ ) ؛ أَيْ مُسَدَّدٌ ( وَالضَّيْفِ ) وَهُوَ مَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ يُرِيدُ الْقِرَى ( ثُمَّ اتَّفَقُوا ) ؛ أَيْ يَزِيدٌ وَبِشْرٌ وَيَحْيَى كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَوْن ( لَا جُنَاحَ ) ؛ أَيْ لَا إِثْمَ ( بِالْمَعْرُوفِ ) ؛ أَيْ بِالْأَمْرِ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ وَلَا يَنْسُبُونَ فَاعِلَهُ إِلَى إِفْرَاطٍ فِيهِ وَلَا تَفْرِيطٍ ، ( وَيُطْعِمَ ) مِنَ الْإِطْعَامِ ( صَدِيقًا ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُخَفَّفَةِ ( غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ ) ؛ أَيْ غَيْرَ مُتَّخِذٍ مِنْهَا مَالًا أَيْ مِلْكًا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَتَمَلَّكُ شَيْئًا مِنْ رِقَابِهَا ؛ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ الْقَارِيُّ : أَيْ غَيْرَ مُدَّخِرٍ ، حَالٌ مِنْ فَاعِلِ وَلِيِّهَا . ( غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا ) ؛ أَيْ غَيْرَ مُجْمِعٍ لِنَفْسِهِ مِنْهُ رَأْسَ مَالٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِ الْوَقْفِ ، وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِشَوَائِبِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ . وَفِيهِ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ فِيهِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ ، وَفِيهِ صِحَّةُ شُرُوطِ الْوَاقِفِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّخُولِ فِي الْوَصَايَا باب ما جاء في الدخول : أَيْ : فِي دُخُولِ الْوَصِيِّ ( فِي الْوَصَايَا ) وَقَبُولِ الْوَصِيِّ وَصِيَّةَ الْمُوصِي ، هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ وَصِيًّا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيَقْبَلَ وَصِيَّةَ الْمُوصِي أَمْ هُوَ خَاصٌّ بِمَنْ هُوَ مُتَيَقِّظٌ عَارِفٌ بِالتَّدَابِيرِ وَالسِّيَاسَةِ وَقَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْوِلَايَةِ وَقَطْعِ مَفَاسِدِهَا ؟ وَالْوَصَايَا جَمْعُ الْوَصِيَّةِ اسْمٌ مِنَ الْإِيصَاءِ ، وَرُبَّمَا سُمِّيَ بِهَا الْمُوصَى بِهِ ؛ يُقَالُ : هَذِهِ وَصِيَّةٌ ؛ أَيِ الْمُوصَى بِهِ . وَالْوَصِيُّ وَالْمُوصَى مَنْ يُقَامُ لِأَجْلِ الْحِفْظِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مَالِ الرَّجُلِ وَأَطْفَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ أَنَّ الْوَصِيَّ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ الْحِفْظُ وَالتَّصَرُّفُ ، وَالْقَيِّمُ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التَّصَرُّفِ ؛ كَذَا فِي الشَّرْحِ . حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئُ ، قال : نا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا ، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ، فَلَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ مِصْرَ ( ضَعِيفًا ) ؛ أَيْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يُصْلِحُ الْإِمَارَةَ وَدَرْءًا لِلْمَفَاسِدِ ( مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي ) ؛ أَيْ مِنَ السَّلَامَةِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْمَحْذُورِ ، وَقِيلَ : تَقْدِيرُهُ أَيْ لَوْ كَانَ حَالِي كَحَالِكَ فِي الضَّعْفِ ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . ( فَلَا تَأَمَّرَنَّ ) ؛ أَيْ لَا تَصِرْ أَمِيرًا ( وَلَا تَوَلَّيَنَّ ) ؛ أَيْ لَا تَصِرْ مُتَوَلِّيًا . قَالَ الشَّيْخُ عِزِّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَلِّيًا ، وَكَانَ سَيِّدَ الْوُلَاةِ ، وَكَانَ حَاكِمًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ إِلَخْ ؟ وَفِيهِ إِشْكَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْإِمَامَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْثِرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أُحِبُّ لِنَفْسِي لَوْ كَانَ حَالِي كَحَالِكَ فِي الضَّعْفِ لِأَنَّ لِلْوِلَايَةِ شَرْطَيْنِ : الْعِلْمُ بِحَقَائِقِهَا وَالْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِهَا وَدَرْءِ مَفَاسِدِهَا ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ : إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ، فَإِذَا فُقِدَ الشَّرْطَانِ حَرُمَتِ الْوِلَايَةُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : الْإِمَامُ الضَّعِيفُ مَلْعُونٌ ؛ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَا : نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً ، وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ ( وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : تُرِيدُ وَصِيَّةَ الْمَالِ خَاصَّةً لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُوصِي فِي مَالٍ سَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مَوْرُوثًا ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يُورَثُ فَيُوصِي بِهِ ، وَقَدْ أَوْصَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأُمُورٍ مِنْهَا مَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَامَّةُ وَصِيَّتِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ : الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوُفُودَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول كِتَابُ الْوَصَايَا . بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ أول كتاب الوصايا : جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَهَدَايَا وَهَدِيَّةٍ ، وَهِيَ شَرْعًا عَهْدٌ خَاصٌّ يُضَافُ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ ؛ قَالَهُ فِي السُّبُلِ . باب ما جاء فيما يؤمر به من الوصية حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قال : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ ( مَا ) نَافِيَةٌ بِمَعْنَى لَيْسَ ( حَقُّ امْرِئٍ ) ؛ أَيْ لَيْسَ اللَّائِقُ بِامْرِئٍ مُسْلِمٍ . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ : أَيْ لَيْسَ الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِإِنْسَانٍ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَالِ أَوْ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ فَرَّطَ فِيهِ أَوْ أَمَانَةٌ ( لَهُ شَيْءٌ ) صِفَةٌ لِامْرِئٍ ( يُوصِي فِيهِ ) صِفَةُ شَيْءٍ ( يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ) خَبَرُ مَا بِتَأْوِيلِهِ بِالْمَصْدَرِ . قَالَ الْحَافِظُ : كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ أَنْ يَبِيتَ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِامْرِئٍ ، وَبِهِ جَزَمَ الطِّيبِيُّ ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ : لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ . وَفِي رِوَايَةٍ : يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ . وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا لِلتَّحْدِيدِ ، وَالْمَعْنَى : لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَانٌ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا أَنْ يَبِيتَ بِهَذِهِ الْحَالِ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : ذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَهَا حَقًّا لِلْمُسْلِمِ لَا عَلَيْهِ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَكَانَ عَلَيْهِ لَا لَهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ . قِيلَ هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ الْمُتَبَرَّعِ بِهَا ، وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَرَدِّ الْأَمَانَاتِ فَوَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : ما جاء في الرَّجُلِ يَهَبُ الْهِبَةَ ، ثُمَّ يُوصَى لَهُ بِهَا أَوْ يَرِثُهَا باب ما جاء في الرجل يهب : ( ثُمَّ يُوصَى ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( لَهُ ) ؛ أَيْ لِلْوَاهِبِ ( بِهَا ) ؛ أَيْ بِتِلْكَ الْهِبَةِ ( أَوْ يَرِثُهَا ) ؛ أَيْ يَرِثُ الْوَاهِبُ تِلْكَ الْهِبَةَ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : نا زُهَيْرٌ ، قال : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ : كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ ، وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ . قَالَ : قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ . قَالَتْ : وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَيُجْزِئُ أَوْ يَقْضِي عَنْهَا أَنْ أَصُومَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ : وَإِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ ، أَفَيُجْزِئُ أَوْ يَقْضِي عَنْهَا أَنْ أَحُجَّ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . ( تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي ) ؛ أَيْ أَعْطَيْتُهَا ، أَرَادَتْ بِالصَّدَقَةِ الْعَطِيَّةَ ( بِوَلِيدَةٍ ) الْوَلِيدَةُ الْجَارِيَةُ الْمَمْلُوكَةُ ( وَإِنَّهَا ) ؛ أَيْ أُمِّي . ( قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَجَعَتْ ) ؛ أَيْ تِلْكَ الْوَلِيدَةُ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ثُمَّ وَرِثَهُ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ أَخْذُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَرَادَ شِرَاهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِحَدِيثِ فَرَسِ عُمَرَ رضي الله عنه ، انْتَهَى . ( أَفَيُجْزِئُ أَوْ يَقْضِي عَنْهَا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( أَنْ أَصُومَ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ) ؛ أَيْ يُجْزِئُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَتِ الْكَفَّارَةَ عَنْهَا فَيَحِلُّ مَحَلَّ الصَّوْمِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَتِ الصِّيَامَ الْمَعْرُوفَ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الصَّوْمِ عَنِ الْمَيِّتِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ عَمَلَ الْبَدَنِ لَا تَقَعُ فِيهِ النِّيَابَةُ كَمَا لَا تَقَعُ فِي الصَّلَاةِ ، انْتَهَى . ( أَنْ أَحُجَّ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ النِّيَابَةَ فِي الْحَجِّ جَائِزَةٌ عَنِ الْمَيِّتِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . قِيلَ : مَعْنَى الصَّدَقَةِ هَاهُنَا الْعَطِيَّةُ ، فَإِنَّمَا جَرَى عَلَيْهَا اسْمُ الصَّدَقَةِ لِأَنَّهَا بِرٌّ وَصِلَةٌ فِيهَا أَجْرٌ فَحَلَّتْ مَحَلَّ الصَّدَقَةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ بِشَيْءٍ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَقْبَضَهُ إِيَّاهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَرْتَجِعَهُ إِلَى مِلْكِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي نَسْخِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ باب ما جاء في نسخ الوصية إلخ ( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ إِلَخْ ) فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ : كُتِبَ فُرِضَ عَلَيْكُمْ ، إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أَسْبَابُهُ ، إِنْ تَرَكَ خَيْرًا مَالًا ، الْوَصِيَّةُ : مَرْفُوعٌ بِكُتِبَ وَهُوَ مُتَعَلِّق إِذَا إِنْ كَانَتْ ظَرْفِيَّةً وَدَالٌّ عَلَى جَوَابِهَا إِنْ كَانَتْ شَرْطِيَّةً ، وَجَوَابُ إِنْ مَحْذُوفٌ ؛ أَيْ فَلْيُوصِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، بِالْمَعْرُوفِ : بِالْعَدْلِ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ وَلَا يُفَضِّلُ الْغَنِيَّ ، حَقًّا : مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ ، عَلَى الْمُتَّقِينَ ؛ اللَّهَ ، وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ وَبِحَدِيثِ : لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، انْتَهَى مَا فِي الْجَلَالَيْنِ ( فَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ ) ؛ أَيْ فَرْضًا لِلْوَرَثَةِ ( حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ ) ؛ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ إِلَخْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ يُتَصَدَّقُ عَنْهُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، قال : نا حَمَّادٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَصَدَّقَتْ وَأَعْطَتْ أَفَتجْزِئُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ فَتَصَدَّقِي عَنْهَا باب ما جاء في من مات عن غير وصية يتصدق عنه ( افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا ) بِالْفَاءِ السَّاكِنَةِ وَالْفَوْقِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَاللَّامِ الْمَكْسُورَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ؛ أَيْ مَاتَتْ فُجَاءَةً وَأُخِذَتْ نَفْسَهَا فَلْتَةً . وَيُرْوَى بِنَصْبِ النَّفْسِ بِمَعْنَى : افْتَلَتَهَا اللَّهُ نَفْسَهَا ، يُعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ كاخْتَلَسَهُ الشَّيْءُ وَاسْتَلَبَهُ إِيَّاهُ ، فَبُنِيَ الْفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ فَصَارَ الْأَوَّلُ مُضْمَرًا لِلْأُمِّ وَبَقِيَ الثَّانِي مَنْصُوبًا وَبِرَفْعِهَا مُتَعَدِّيًا إِلَى وَاحِدٍ نَابَ عَنِ الْفَاعِلِ ؛ أَيْ : أُخِذَتْ نَفْسُهَا فَلْتَةً . كَذَا فِي الْمَجْمَعِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : إِنَّ الصَّدَقَةَ تَنْفَعُ الْمَيِّتَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، نا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، قال : نا زَكَرِيَّا بْنُ إسحاق ، قال : أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أمه تُوُفِّيَتْ أَفَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا ، وَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا ( أَنَّ رَجُلًا ) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ( فَإِنَّ لِي مَخْرَفًا ) ؛ أَيْ حَائِطًا مَخْرَفًا . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَّ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ آخِرِهِ فَاءٌ ؛ اسْمٌ لِلْبُسْتَانِ أَوْ وَصْفٌ لَهُ ، أَيِ الْمُثْمِرِ ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا يُخْرَفُ مِنْهُ أَيْ يُجْنَى مِنَ الثَّمَرَةِ ، تَقُولُ : شَجَرَةٌ مِخْرَافٌ وَمِثْمَارٌ . قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الْمَخْرَفُ بِغَيْرِ الْأَلِفِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ . وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قال : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْصَّمَدِ ، قال : نا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُدَّانِيُّ ، قال : نا الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ ، قال : حَدَّثَنِي شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ قَالَ : وَقَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ هَا هُنَا : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ حَتَّى بَلَغَ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا يَعْنِي : الْأَشْعَثَ بْنَ جَابِرٍ جَدَّ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ ( الْحُدَّانِيُّ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدهَا نُونٌ ( وَالْمَرْأَةَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَخَبَرُ الْمَعْطُوفِ مَحْذُوفٌ بِدَلَالَةِ خَبَرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَخَبَرُهُ كَذَلِكَ . ( سِتِّينَ سَنَةً ) ؛ أَيْ مَثَلًا ، أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْثِيرُ ( فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ ) مِنَ الْمُضَارَّةِ وَهِيَ إِيصَالُ الضَّرَرِ بِالْحِرْمَانِ أَوْ بِمَا يُعَدُّ فِي الشَّرْعِ نُقْصَانًا إِلَى بَعْضِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ لَوْلَا هَذِهِ الْوَصِيَّةُ ؛ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . ( قَالَ ) ؛ أَيْ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ( مِنْ هَاهُنَا ) ؛ أَيْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ إِلَخْ ( غَيْرَ مُضَارٍّ ) ؛ أَيْ غَيْرَ مُوَصِّلٍ الضَّرَرَ إِلَى الْوَرَثَةِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ ( حَتَّى بَلَغَ ) ؛ أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَالْمَعْنَى : قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقِرَاءَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْآيَةِ لِتَأْيِيدِ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَتَقْوِيَتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ قَيَّدَ مَا شَرَعَهُ مِنَ الْوَصِيَّةِ بِعَدَمِ الضِّرَارِ ، فَتَكُونُ الْوَصِيَّةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الضِّرَارِ مُخَالِفَةً لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ . وَفِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَزَجْرٌ بَلِيغٌ لِلْمُضَارِّ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْإِضْرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قال : نا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ ، تَأْمُلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ : لِفُلَانٍ كَذَا ، وَلِفُلَانٍ كَذَا ، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية ( أَنْ تَصَدَّقَ ) بِتَخْفِيفِ الصَّادِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَأَصْلُهُ أَنْ تَتَصَدَّقَ ، وَبِالتَّشْدِيدِ عَلَى إِدْغَامِهَا ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ . ( وَأَنْتَ صَحِيحٌ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( تَأْمُلُ الْبَقَاءَ ) بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ ؛ أَيْ تَطْمَعُ فِيهِ ( وَلَا تُمْهِلْ ) بِالْجَزْمِ بِلَا النَّاهِيَةِ وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ . ( حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ ) ؛ أَيِ الرُّوحُ ، أَيْ قَارَبَتْ ، أَيْ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ ؛ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( الْحُلْقُومَ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، مَجْرَى النَّفَسِ . ( وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ) ؛ أَيْ قَدْ صَارَ مَا أَوْصَى بِهِ لِلْوَارِثِ فَيُبْطِلُهُ إِنْ شَاءَ إِذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ أَوْصَى بِهِ لِوَارِثٍ آخَرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالثَّلَاثَةِ مَنْ يُوصَى لَهُ وَإِنَّمَا أَدْخَلَ كَانَ فِي الْأَخِيرِ إِشَارَةً إِلَى تَقْدِيرِ الْقَدْرِ لَهُ ؛ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، قال : أخبرني ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ ( لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ إِلَخْ ) لِأَنَّهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ مَالِهِ لِمَا يُخَوِّفُهُ بِهِ الشَّيْطَانُ مِنَ الْفَقْرِ وَطُولِ الْعُمُرِ ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَطْمِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ ، قال : نا ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ ، قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ باب ما جاء في الوصية للوارث ( قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) ؛ أَيْ بَيَّنَ نَصِيبَهُ الَّذِي فُرِضَ لَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى آيَةِ الْمَوَارِيثِ ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَاجِبَةً لِلْأَقْرَبِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ ، وَإِنَّمَا تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ حُقُوقِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ ، فَإِذَا أَجَازُوهَا جَازَتْ ، كَمَا إِذَا أَجَازُوا الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأَجْنَبِيِّ جَازَ . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ لَا تَجُوزُ وَإِنْ أَجَازَهَا سَائِرُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهَا إِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ الشَّرْعِ ، وَلَوْ جَوَّزْنَاهَا لَكِنَّا قَدِ اسْتَعْمَلْنَا الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ غَيْرُ جَائِزةٍ وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ حَدِيثَهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ لَيْسَ بِذَاكَ وَأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ أَصَحُّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ . وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي وَصِيَّةِ الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَلِيُّهُ ، أَيُلْزِمُهُ أَنْ يُنْفِذَهَا باب ما جاء في وصية الحربي : الْكَافِرُ ( يُسْلِمُ ) مِنَ الْإِسْلَامِ ( وَلِيُّهُ ) وَوَصِيُّهُ ، وَهُوَ فَاعِلُ يُسْلِمُ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ؛ أَيْ وَصِيَّةُ الْحَرْبِيِّ حَالَ كَوْنِ وَلِيِّهِ وَوَصِيِّهِ مُسْلِمًا ، فَإِذَا أَوْصَى الْكَافِرُ فَهَلْ يَلْزَمُ عَلَى وَارِثهِ الْمُسْلِمِ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ ؟ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ ، قال : أَخْبَرَنِي أَبِي ، قال : نا الْأَوْزَاعِيُّ ، قال : حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً ، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ ، فَقَالَ : حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبِي أَوْصَى بِعَتْقِ مِائَةِ رَقَبَةٍ ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً ، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا ، فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ ، بَلَغَهُ ذَلِكَ ( حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ ؛ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ . ( أَنَّ الْعَاصَ بْنَ وَائِلٍ ) هُوَ سَهْمِيٌّ قُرَشِيٌّ أَدْرَكَ زَمَنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُسْلِمْ ، ( أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ؛ أَيْ يُعْتِقُ وَرَثَتَهُ عَنْ قِبَلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ ( فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ ) هُوَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ وَكَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ حَبْرًا فَاضِلًا ؛ قَالَهُ فِي اللُّمَعَاتِ . ( فَأَرَادَ ابْنُهُ ) ؛ أَيِ ابْنُ الْعَاصِ ( عَمْرٌو ) هُوَ الْأَخُ الْكَبِيرُ لِهِشَامٍ ( أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ ) ؛ أَيْ عَنْ أَبِيهِ ، ( حَتَّى أَسْأَلَ ) ؛ أَيْ : لَا أُعْتِقُ حَتَّى أَسْأَلَ ( لَوْ كَانَ مُسْلِمًا إِلَخْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْفَعُ الْكَافِرَ ، وَعَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَنْفَعُهُ الْعِبَادَةُ الْمَالِيَّةُ وَالْبَدَنِيَّةُ ؛ قَالَهُ فِي اللُّمَعَاتِ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى وَرَثَةِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمِينَ تَنْفِيذُ وَصِيَّتِهِ بِالْقُرْبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَاخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قال : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ : قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَمْ يكُنْ لَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِرِ باب ما جاء في الدليل على أن الكفن من جميع المال ( عَنْ خَبَّابٍ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى ، ابْنِ الْأَرَتِّ ؛ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْفَوْقِيَّةِ ( قَالَ ) ؛ أَيْ خَبَّابٌ ( مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ) مُبْتَدَأٌ ، وَخَبَرُهُ قُتِلَ . ( إِلَّا نَمِرَةٌ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ؛ شَمْلَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ أَوْ بُرْدَةٌ مِنْ صُوفِ يَلْبَسُهَا الْأَعْرَابُ ( إِذَا غَطَّيْنَا ) مِنَ التَّغْطِيَةِ ؛ أَيْ سَتَرْنَا ( مِنَ الْإِذْخِرِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ؛ حَشِيشَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ تُسْقَفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ ، وَهَمْزَتُهَا زَائِدَةٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَأَنَّهُ إِنِ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ الْمَالِ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَلَهُ وَفَاءٌ يُسْتَنْظَرُ غُرَمَاؤُهُ وَيُرْفَقُ بِالْوَارِثِ باب ما جاء في الرجل يموت وعليه دين : ( وَلَهُ ) ؛ أَيْ لِلْمَيِّتِ ( وَفَاءٌ ) ؛ أَيْ مَالٌ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنَهُ ( يُسْتَنْظَرُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ؛ أَيْ يُسْتَمْهَلُ ( غُرَمَاؤُهُ ) جَمْعُ غَرِيمٍ ، هُوَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ ( وَيُرْفَقُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ؛ أَيْ يُلَانُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ بِالْوَارِثِ وَلَا يُعَنَّفُ بِهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَّ شُعَيْبَ بْنَ إسحاق حَدَّثَهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنْ اليَهُودَ ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ ، فَأَبَى ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَأَبَى عَلَيْهِ ، وَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْظِرَهُ ، فَأَبَى ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ آخر كتاب الوصايا ( ثَلَاثِينَ وَسْقًا ) الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا ، ( فَاسْتَنْظَرَهُ ) ؛ أَيِ اسْتَمْهَلَهُ ( فَأَبَى ) ؛ أَيِ امْتَنَعَ الْيَهُودِيُّ مِنَ الْإِنْظَارِ وَالْإِمْهَالِ ( وَكَلَّمَهُ ) ؛ أَيِ الْيَهُودِيُّ ( أَنْ يُنْظِرَهُ ) مِنَ الْإِنْظَارِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ وَالْإِمْهَالُ ( وَسَاقَ الْحَدِيثَ ) وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي الصُّلْحِ وَالِاسْتِقْرَاضِ وَالْهِبَةِ وَعَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مُخْتَصِرًا وَمُطَوِّلًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّدَقَةِ عَنْ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ ، قال : نا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي : ابْنَ بِلَالٍ ، عَنْ الْعَلَاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أُرَاهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ باب ما جاء في الصدقة عن الميت ( عَنْ سُلَيْمَانَ - يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ - عَنِ الْعَلَاءِ ) هَذَا الْإِسْنَادُ هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَكَذَا فِي الْأَطْرَافِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ رَاوِيَيْنِ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَالْعَلَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ . ( انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ ) ؛ أَيْ فَائِدَةُ عَمَلِهِ وَتَجْدِيدُ ثَوَابِهِ ( إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ) فَإِنَّ ثَوَابَهَا لَا يَنْقَطِعُ بَلْ هُوَ دَائِمٌ مُتَّصِلٌ النَّفْعِ ( مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ) كَالْأَوْقَافِ . وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ ؛ أَيْ يَنْقَطِعُ ثَوَابُ عَمَلِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَنْقَطِعُ ثَوَابُهُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ ، قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . ( أَوْ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ ) كَتَعْلِيمٍ وَتَصْنِيفٍ . قَالَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ : وَالتَّصْنِيفُ أَقْوَى لِطُولِ بَقَائِهِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ . ( أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : قَيَّدَ بِالصَّالِحِ لِأَنَّ الْأَجْرَ لَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ : الْمُرَادُ مِنَ الصَّالِحِ الْمُؤْمِنُ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَفَائِدَةُ تَقْيِيدِهِ بِالْوَلَدِ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ تَحْرِيضُ الْوَلَدِ عَلَى الدُّعَاءِ . وَوَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ زِيَادَةٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ ، وَتَتَبَّعَهَا السُّيُوطِيُّ فَبَلَغَتْ أَحَدَ عَشَرَ ، وَنَظَمَهَا فِي قَوْلِهِ : إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ فِعَالٍ غَيْرِ عَشْرِ عُلُومٍ بَثَّهَا وَدُعَاءِ نَجْلٍ وَغَرْسِ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتِ تَجْرِي وِرَاثَةِ مُصْحَفِ وَرِبَاطِ ثَغْرِ وَحَفْرِ الْبِئْرِ أَوْ إِجْرَاءِ نَهَرِ وَبَيْتٍ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي إِلَيْهِ أَوْ بَنَاهُ مَحَلِّ ذِكْرِ وَتَعْلِيمٍ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثٍ بِحَصْرٍ وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْعِمَادِ فَعَدَّهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَسَرَدَ أَحَادِيثَهَا ، وَالْكُلُّ رَاجِعٌ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثِ ، انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي بَابِ بَيَانِ أَنَّ الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ وَيَنْتَفِعُ بِهَا بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَأَمَّا مَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلْحَقُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ثَوَابٌ فَهُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَخَطَأٌ بَيِّنٌ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأَمَّةِ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَلَا تَعْرِيجَ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . وَأَيْضًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَفِي الْحَدِيثُ أَنَّ الدُّعَاءَ يَصِلُ ثَوَابُهُ إِلَى الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ ، وَهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَمَا دَخَلَ فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ عَمَلِ الْأَبَدَانِ لَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ فَالْحَجُّ يَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْحَاجِّ دُونَ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا يَلْحَقُهُ الدُّعَاءُ وَيَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ فِي الْمَالِ الَّذِي أَعْطَى إِنْ كَانَ حَجَّ عَنْهُ بِمَالٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : اخْتُلِفَ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ ؛ فَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وُصُولُهَا ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِلُ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا كَذَا فِي ضَالَّةِ النَّاشِدِ الْكَئِيبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ . قَالَ بَعْضُهُمْ : عَمَلُ الْمَيِّتِ مُنْقَطِعٌ لِمَوْتِهِ ، لَكِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَمَّا كَانَ هُوَ سَبَبُهَا مِنَ اكْتِسَابِهِ الْوَلَدَ وَبَثِّهِ الْعِلْمَ عِنْدَ مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ أَوْ إِبْدَاعِهِ تَأْلِيفًا بَقِيَ بَعْدَهُ ، وَوَقْفِهُ هَذِهِ الصَّدَقَةَ بَقِيَتْ لَهُ أُجُورُهَا مَا بَقِيَتْ وَوُجِدَتْ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْوَقْفِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ مَنَعَهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ الْبَاقِيَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ إِنَّمَا تَكُونُ بِالْوَقْفِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّشْدِيدِ فِي أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ ، قال : نا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو الْغَيْثِ سَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ ، باب ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم ( عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ) كَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَطْرَافِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي الْغَيْثِ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ فِي أَوَّلِ اسْمِ أَبِيهِ ، وَالظَّاهِرِ أَنَّهُ غَلَطٌ . ( الْمُوبِقَاتِ ) ؛ أَيِ الْمُهْلِكَاتُ ( إِلَّا بِالْحَقِّ ) وَهُوَ أَنْ يَجُوزَ قَتْلُهَا شَرْعًا بِالْقِصَاصِ وَغَيْرُهُ ( وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ) ؛ أَيْ الْفِرَارُ عَنِ الْقِتَالِ يَوْمَ ازْدِحَامِ الطَّائِفَتَيْنِ ( وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ ) بِفَتْحِ الصَّادِ اسْمُ مَفْعُولٍ اللَّاتِي أَحْصَنَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى وَحَفِظَهُنَّ مِنَ الزِّنَا ، يَعْنِي رَمْيَهُنَّ بِالزِّنَا . ( الْغَافِلَاتِ ) ؛ أَيْ عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِنَّ مِنَ الزِّنَا ، ( الْمُؤْمِنَاتِ ) احْتُرِزَ بِهِ عَنْ قَذْفِ الْكَافِرَاتِ فَإِنَّ قَذْفَهُنَّ لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَالتَّنْصِيصِ عَلَى عَدَدٍ لَا يُنَافِي أَزْيَدَ مِنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ كَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوْزَجَانِيُّ ، قال : نا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ ، قال : نا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ، قال : نا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ ، نا عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ ، وَكَان لَهُ صُحْبَةٌ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ ؟ َقَالَ : هُنَّ تِسْعٌ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ، زَادَ : وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا . ( وَكَانَ لَهُ ) ؛ أَيْ لِعُمَيْرٍ ( صُحْبَةٌ ) ؛ أَيْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَعْنِي كَانَ صَحَابِيًّا . ( فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ) ؛ أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ ( زَادَ ) ؛ أَيْ عُمَيْرٌ فِي حَدِيثِهِ ( وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ) ؛ أَيْ قَطْعُ صِلَتِهِمَا ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ ، قِيلَ : هُوَ إِيذَاءٌ لَا يُتَحَمَّلُ مِثْلُهُ مِنَ الْوَلَدِ عَادَةً ، وَقِيلَ : عُقُوقُهُمَا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً . ( وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ ) بِأَنْ يَفْعَلَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ مَا لَا يَحِلُّ كَالِاصْطِيَادِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( قِبْلَتِكُمْ ) بَدَل مِنَ الْبَيْتِ ( أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قِبْلَتِكُمْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ ابْنِهِ عُبَيْدٌ .
بَابُ مَا جَاءَ مَتَى يَنْقَطِعُ الْيُتْمُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدِينِيُّ ، قال : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُقَيْشٍ : أَنَّهُ سَمِعَ شُيُوخًا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَمِنْ خَالِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ باب ما جاء متى ينقطع اليتم ؟ ( سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ يَزِيدِ ( بْنِ رُقَيْشٍ ) بِالْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ، الْأَسَدِيُّ ( أَنَّهُ ) ؛ أَيْ سَعِيدٌ ( وَمِنْ خَالِهِ ) ؛ أَيْ خَالُ سَعِيدٍ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ ) بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيِّ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرُوِى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمَا ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ . ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : أَيْ إِذَا بَلَغَ الْيَتِيمُ أَوِ الْيَتِيمَةُ زَمَنَ الْبُلُوغِ الَّذِي يَحْتَلِمُ غَالِبُ النَّاسِ زَالَ عَنْهُمَا اسْمُ الْيَتِمِ حَقِيقَةً وَجَرَى عَلَيْهِمَا حُكْمُ الْبَالِغِينَ سَوَاءً احْتَلَمَا أَوْ لَمْ يَحْتَلِمَا ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا مَجَازًا بَعْدَ الْبُلُوغِ كَمَا كَانُوا يُسَمُّونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَبِيرٌ يَتِيمُ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّهُ رَبَّاهُ . ( وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ السُّكُوتُ ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَمَّا كَانَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ الصَّمْتُ عَنِ الْكَلَامِ فِي الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ ؛ قَالَهُ الْعَلْقَمِيُّ . وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ : أَيْ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا فَضِيلَةَ لَهُ ، وَلَيْسَ مَشْرُوعًا عِنْدنَا كَمَا شُرِعَ لِلْأُمَمِ قَبْلنَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيِّ الْجَارِيِّ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَجِبُ التَّنَكُّبُ عَن ما انْفَرَدَ بِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ . وَذَكَرَ الْعُقَيْلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ يَحْيَى . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَارِ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ؛ بَلْدَةٌ عَلَى السَّاحِلِ بِقُرْبِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ فِيهَما شَيْءٌ يَثْبُتُ .
بَابُ مُخَالَطَةِ الْيَتِيمِ فِي الطَّعَامِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : نا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا الْآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ ، أَوْ يَفْسُدَ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِ باب مخالطة اليتيم في الطعام ( إِلَّا بِالَّتِي ) ؛ أَيْ إِلَّا بِالْخَصْلَةِ الَّتِي ( هِيَ أَحْسَنُ ) ، وَهِيَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وَبَعْدَهُ : إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى ؛ أَيْ وَمَا يَلْقَوْنَهُ مِنَ الْحَرَجِ فِي شَأْنِهِمْ ، فَإِنْ وَاكَلُوهُمْ يَأْثَمُوا وَإِنْ عَزَلُوا مَالَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَصَنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا وَحْدَهُمْ فَحَرَجٌ ، قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ ؛ أَيْ فِي أَمْوَالِهِمْ بِتَنْمِيَتِهَا وَمُدَاخَلَتُكُمْ ( خَيْرٌ ) ؛ أَيْ مِنْ تَرْكِ ذَلِكَ ، وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ ؛ أَيْ نَفَقَتُهُمْ بِنَفَقَتِكُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ؛ أَيْ فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ، وَمِنْ شَأْنِ الْأَخِ أَنْ يُخَالِطَ أَخَاهُ ، أَيْ فَلَكُمْ ذَلِكَ . كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا مَقْرُونًا ، وَقَالَ أَيُّوبُ : ثِقَةٌ . وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرٍ عَنْهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَنَالَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ ، قال : نا حُسَيْنٌ يَعْنِي الْمُعَلِّمَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي فَقِيرٌ لَيْسَ لِي شَيْءٌ ، وَلِي يَتِيمٌ قَالَ : فَقَالَ : كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ ، وَلَا مُبَادِرٍ ، وَلَا مُتَأَثِّلٍ باب ما جاء فيما لولي اليتيم إلخ ( وَلَا مُبَادِرٍ ) مِنَ الْمُبَادَرَةِ ، قَالَ تَعَالَى : وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَهَذَا الَّذِي يَظْهَرُ فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ ، وَضَبَطَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فَقَالَ : قَوْلَهُ وَلَا مُبَادِرٍ قِيلَ مَعْنَاهُ وَلَا مُسْرِفٍ ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ وَتَكْرَارٌ وَلَا يَبْعُدُ ، وَقِيلَ : لَا مُبَادِرٌ بُلُوغَ الْيَتِيمِ بِإِنْفَاقِ مَالِهِ ( وَلَا مُتَأَثِّلٍ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ غَيْرُ مُتَّخِذٍ مِنْهُ أَصْلَ مَالٍ ، وَأَثْلَةُ الشَّيْءِ أَصْلُهُ . وَوَجْهُ إِبَاحَتِهِ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِ وَالِاسْتِصْلَاحِ لَهُ ، وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى قَدْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ؛ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : يَأْكُلُ مِنْهُ الْوَصِيُّ إِذَا كَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ : يَأْكُلُ وَلَا يَقْضِي مَا أَكَلَ . وَقَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ : يَأْكُلُ وَيُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ إِذَا كَبِرَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيُّ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ وَحَدِيثُهُ أَتَمُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ ، أَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، حَدَّثَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْحِمْيَرِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ : الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَالظِّلِّ ( وَحَدِيثُهُ ) : أَيْ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ( أَتَمُّ ) : مِنْ إِسْحَاقَ ( حَدَّثَهُ ) : أَيْ حَدَّثَ أَبُو سَعِيدٍ حَيْوَةَ بْنَ شُرَيْحٍ ( الْمَلَاعِنَ ) : جَمْعُ مَلْعَنَةٍ وَهِيَ مَوَاضِعُ اللَّعْنِ ( الْمَوَارِدِ ) : الْمُرَادُ بِالْمَوَارِدِ الْمَجَارِي وَالطُّرُقُ إِلَى الْمَاءِ وَاحِدُهَا مَوْرِدٌ ، يُقَالُ : وَرَدْتَ الْمَاءَ إِذَا حَضَرْتَهُ لِتَشْرَبَ ، وَالْوِرْدُ الْمَاءُ الَّذِي تَرِدُ عَلَيْهِ ( وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ ) : أَيِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَقْرَعُهَا النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ وَنِعَالِهِمْ ، أَيْ يَدُقُّونَهَا وَيَمُرُّونَ عَلَيْهَا ، فَهَذِهِ إِضَافَةُ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ ، أَيِ الطَّرِيقَةُ الْمَقْرُوعَةُ وَهِيَ وَسَطُ الطَّرِيقِ ( وَالظِّلُّ ) : أَيْ ظِلُّ الشَّجَرَةِ وَغَيْرُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّخَلِّي فِي طَرِيقِ النَّاسِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّخَلِّي التَّفَرُّدُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا ، وَالثَّانِي فِي النَّهْيِ عَنِ الْبَرَازِ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْبَرَازَ اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ مِنَ الْأَرْضِ ، وَكَنَّوْا بِهِ عَنْ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ، يُقَالُ : تَبَرَّزَ الرَّجُلُ إِذَا تَغَوَّطَ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ اسْمًا لِلْغَائِطِ لَكِنْ يُلْحَقُ بِهِ الْبَوْلُ . قُلْتُ : إِيرَادُ الْحَدِيثَيْنِ لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَعِلْمُهُ أَتَمُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نهي عَنْ الْبَوْلِ فِيهَا حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ قَالُوا : وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ باب المواضع إلخ ( اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ ) : قَالَ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ الْأَمْرَيْنِ الْجَالِبَيْنِ لِلَّعْنِ الْحَامِلَيْنِ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ وَالدَّاعِيَيْنِ إِلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَهُمَا لُعِنَ وَشُتِمَ ، يَعْنِي عَادَةُ النَّاسِ لَعْنُهُ ، فَلَمَّا صَارَا سَبَبًا لِذَلِكَ أُضِيفَ إِلَيْهِمَا الْفِعْلُ فَكَانَا كَأَنَّهُمَا اللَّاعِنَانِ ، يَعْنِي أُسْنِدَ اللَّعْنُ إِلَيْهِمَا عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ ، وَقَدْ يَكُونُ اللَّاعِنُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَلْعُونِ ، فَاعِلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَمَا قَالُوا : سِرٌّ كَاتِمٌ أَيْ مَكْتُومٌ . انْتَهَى . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ اتَّقُوا الْأَمْرَيْنِ الْمَلْعُونَ فَاعِلُهُمَا ( الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ ) : أَيْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَبُولُ فِي مَوْضِعٍ يَمُرُّ بِهِ النَّاسُ . قَالَ فِي التَّوَسُّطِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : الْمُرَادُ بِالتَّخَلِّي التَّفَرُّدُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا ، فَإِنَّ التَّنَجُّسَ وَالِاسْتِقْذَارَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا . فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ النَّوَوِيِّ بِالتَّغَوُّطِ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْبَوْلُ يُلْحَقُ بِهِ قِيَاسًا . وَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ لَا الْمَهْجُورُ الَّذِي لَا يُسْلَكُ إِلَّا نَادِرًا ( أَوْ ظِلِّهِمْ ) : أَيْ مُسْتَظَلِّ النَّاسِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مَقِيلًا وَمَنْزِلًا يَنْزِلُونَهُ وَيَقْعُدُونَ فِيهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ يَحْرُمُ الْقُعُودُ لِلْحَاجَةِ تَحْتَهُ ، فَقَدْ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ حَائِشٍ مِنَ النَّخْلِ وَلِلْحَائِشِ لَا مَحَالَةَ ظِلٌّ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ التَّخَلِّي فِي طُرُقِ النَّاسِ وَظِلِّهِمْ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيذَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِتَنْجِيسِ مَنْ يَمُرُّ بِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَابٌ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُسْتَحَمِّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا : ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ أَحْمَدُ : ثنا مَعْمَرٌ ، أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ : ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ بَابٌ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُسْتَحَمِّ الْمُسْتَحَمُّ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ مِنَ الْحَمِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ ، وَالْمُرَادُ الْمُغْتَسَلُ مُطْلَقًا وَفِي مَعْنَاهُ الْمُتَوَضَّأُ . ( قَالَ أَحْمَدُ ) : بْنُ حَنْبَلٍ فِي سَنَدِهِ ( ثَنَا مَعْمَرٌ ) : وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمْ يَرْوِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْدِيثِ بَلْ بِالْعَنْعَنَةِ كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ ، وَهِيَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . وَقَالَ فِي مَنْهِيَّةِ غَايَةِ الْمَقْصُودِ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي صِيغَةِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَشْعَثَ فَقَطْ ، أَيْ يَقُولُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ عَنِ الْحَسَنِ ، وَيَقُولُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى ( أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ ) : بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ وَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ( وَقَالَ الْحَسَنُ ) : بْنُ عَلِيٍّ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ ( عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) : بْنِ جَابِرٍ أَبِي عَبْدِ الله الْبَصْرِيِّ ( لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ) : قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : حَمَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمُغْتَسَلُ لَيِّنًا وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَذٌ ، بِحَيْثُ إِذَا نَزَلَ فِيهِ الْبَوْلُ شَرِبَتْهُ الْأَرْضُ وَاسْتَقَرَّ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ صُلْبًا بِبَلَاطٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ الْبَوْلُ وَلَا يَسْتَقِرُّ أَوْ كَانَ فِيهِ مَنْفَذٌ كَالْبَالُوعَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا نَهْيَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ : إِنَّمَا نَهَى عَنِ الِاغْتِسَالِ فِيهِ إِذَا كَانَ صُلْبًا يُخَافُ مِنْهُ إِصَابَةُ رَشَاشِة ، فَإِنْ كَانَ لَا يُخَافُ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مَنْفَذٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ . قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ : وَهُوَ عَكْسُ مَا ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُمْ حَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْأَرْضِ اللَّيِّنَةِ وَحَمَلَهُ هُوَ عَلَى الصُّلْبَةِ ، وَقَدْ لَمَحَ هُوَ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ فِي الصُّلْبَةِ يُخْشَى عَوْدُ الرَّشَاشِ بِخِلَافِ الرَّخْوَةِ ، وَهُمْ نَظَرُوا إِلَى أَنَّهُ فِي الرَّخْوَةِ يَسْتَقِرُّ مَوْضِعَهُ وَفِي الصُّلْبَةِ يَجْرِي وَلَا يَسْتَقِرُّ ، فَإِذَا صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ذَهَبَ أَثَرُهُ بِالْكُلِّيَّةِ . قُلْتُ : الْأَوْلَى أَنْ لَا يُقَيَّدَ الْمُغْتَسَلُ بِلَيِّنٍ وَلَا صُلْبٍ فَإِنَّ الْوَسْوَاسَ يَنْشَأُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، فَلَا يَجُوزُ الْبَوْلُ فِي الْمُغْتَسَلِ مُطْلَقًا ( ثُمَّ يَغْتَسِلْ فِيهِ ) : أَيْ فِي الْمُسْتَحَمِّ ، وَهَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ( قَالَ أَحْمَدُ ) : بْنُ مُحَمَّدٍ فِي رِوَايَتِهِ ( ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ ) : أَيْ فِي الْمُسْتَحَمِّ . قَالَ الطِّيبِيُّ : ثُمَّ يَغْتَسِلْ عَطْفٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ ، وَثُمَّ اسْتِبْعَادِيَّةٌ ، أَيْ بَعِيدٌ من الْعَاقِلِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ( فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ ) : أَيْ أَكْثَرُهُ يَحْصُلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَوْضِعُ نَجِسًا ، فَيُوَسْوَسُ قَلْبُهُ بِأَنَّهُ : هَلْ أَصَابَهُ مِنْ رَشَاشِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، ثنا زُهَيْرٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلِهِ ( لَقِيتُ رَجُلًا ) : وَلَمْ يُعَرِّفِ الرَّجُلَ وَهَذَا لَا يَضُرُّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَزْكِيَةِ اللَّهِ ( كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ أَرْبَعَ سِنِينَ ، أَيْ صَحِبَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ أَرْبَعَ سِنِينَ ( أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ ) : لِأَنَّهُ تَرَفُّهٌ وَتَنَعُّمٌ ، وَلَا يُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ ، وَالْحَدِيثُ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ الْمُشْطُ فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ لِأَنَّهُمَا ضَعِيفَانِ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَمْتَشِطَ كُلَّ يَوْمٍ ، وَصُحْبَتُهُ لِيَمْتَشِطَ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَا كُلَّ يَوْمٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ . فَإِنْ قُلْتَ : وَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُسَرِّحُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ قُلْتُ : لَمْ أَرَه مَنْ ذَكَرَهُ إِلَّا الْغَزَالِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ أَحَادِيثَ لَا أَصْلَ لَهَا . وَيَحْتَمِلُ إِلْحَاقُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ فِي هَذَا الْحُكْمِ إِلَّا أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِنَّ أَخَفُّ لِأَنَّ بَابَ التَّزَيُّنِ فِي حَقِّهِنَّ أَوْسَعُ كَذَا فِي الْتَوَسّطِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ ( أَبِي الزُّبَيْرِ ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ ، وَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ لِكَثْرَةِ التَّدْلِيسِ ( الْبَرَازَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَفْتُوحَةُ الْبَاءِ ، اسْمٌ لِلْفَضَاءِ الْوَاسِعِ مِنَ الْأَرْضِ ، كَنَّوْا بِهِ عَنْ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ كَمَا كَنَّوْا بِالْخَلَاءِ عَنْهُ ، يُقَالُ : تَبَرَّزَ الرَّجُلُ إِذَا تَغَوَّطَ وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْبَرَازِ ، كَمَا قِيلَ : تَخَلَّى إِذَا صَارَ إِلَى الْخَلَاءِ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَقُولُونَ الْبِرَازُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ ، إِنَّمَا الْبِرَازُ مَصْدَرُ بَارَزْتُ الرَّجُلَ فِي الْحَرْبِ مُبَارَزَةً وَبِرَازًا . وَفِيهِ مِنَ الْأَدَبِ اسْتِحْبَابُ التَّبَاعُدِ عِنْدَ الْحَاجَةِ عَنْ حُضُورِ النَّاسِ إِذَا كَانَ فِي مَرَاحٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَيَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ الِاسْتِتَارُ بِالْأَبْنِيَةِ وَضَرْبُ الْحُجُبِ وَإِرْخَاءُ السِّتْرِ وَأَعْمَاقُ الْآبَارِ وَالْحَفَائِرُ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ السَّاتِرَةِ لِلْعَوْرَاتِ وَكُلُّ مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ عَنِ النَّاسِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَخَطَّأَ الْخَطَّابِيُّ الْكَسْرَ وَخَالَفَهُ الْجَوْهَرِيُّ فَجَعَلَهُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا . وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : الْبَرَازُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، الْفَضَاءُ الْوَاسِعُ الْخَالِي مِنَ الشَّجَرِ ثُمَّ كُنِّيَ بِالْغَائِطِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ فِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّهَارَةِ بَابُ التَّخَلِّي عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ . كتاب الطهارة بَابُ التَّخَلِّي عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَيْ هَذَا بَابٌ فِي التَّخَلِّي عَنِ النَّاسِ عِنْدَ قَضَاءِ الْغَائِطِ ، وَالْمُرَادُ بِالتَّخَلِّي التَّفَرُّدُ . ( مَسْلَمَةَ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ ، ( الْقَعْنَبِيُّ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ النُّونِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى قَعْنَبٍ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، ( أَبِي سَلَمَةَ ) : هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ ( الْمَذْهَبَ ) : مَوْضِعُ التَّغَوُّطِ أَوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى الذَّهَابِ الْمَعْهُودِ ، وَهُوَ الذَّهَابُ إِلَى مَوْضِعِ التَّغَوُّطِ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ وَفَتْحِ الْهَاءِ مَفْعَلٌ مِنَ الذَّهَابِ ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْمَكَانُ الَّذِي يُذْهَبُ إِلَيْهِ . وَالثَّانِي الْمَصْدَرُ ، يُقَالُ ذَهَبَ ذَهَابًا وَمَذْهَبًا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ الْمَكَانُ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إِذَا ذَهَبَ فِي الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّ شَأْنَ الظُّرُوفِ تَقْدِيرُهَا بِفِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ الْمَصْدَرُ ، أَيْ إِذَا ذَهَبَ مَذْهَبًا ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ . وَقَالَ بِهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ وَيُوَافِقُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : أَتَى حَاجَتَهُ فَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ . فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا أَنْ يُرَادَ بِالْمَذْهَبِ الْمَصْدَرُ ، ( أَبْعَدَ ) : فِي مَوْضِعِ ذَهَابِهِ أَوْ فِي الذَّهَابِ الْمَعْهُودِ ، أَيْ أَكْثَرَ الْمَشْيَ حَتَّى بَعُدَ عَنِ النَّاسِ فِي مَوْضِعِ ذَهَابِهِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابُ الرَّجُلِ يَتَبَوَّأُ لِبَوْلِهِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا حَمَّادٌ ، نَا أَبُو التَّيَّاحِ حَدَّثَنِي شَيْخٌ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْبَصْرَةَ فَكَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى أَبِي مُوسَى يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى إِنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ ، فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا بَابُ الرَّجُلِ يَتَبَوَّأُ لِبَوْلِهِ أَيْ يَتَّخِذُ لِبَوْلِهِ مَكَانًا سَهْلًا لِئَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِ رَشَاشُ الْبَوْلِ . ( حَمَّادٌ ) : هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ السُّيُوطِيُّ : إِنَّ مُوسَى إِذَا أَطْلَقَ حَمَّادًا يُرِيدُ ابْنَ سَلَمَةَ وَهُوَ قَلِيلُ الرِّوَايَةِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا حَدِيثًا ( أَبُو التَّيَّاحِ ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ ثِقَةٌ ( فَكَانَ يُحَدَّثُ ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَدَّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى بِأَحَادِيثَ ، وَالْمُحَدِّثُونَ عَنْ أَبِي مُوسَى كَانُوا بِالْبَصْرَةِ ، لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ : سَمِعَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَبِي مُوسَى . ( دَمِثًا ) : بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْمِيمِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الدَّمِثُ : الْمَكَانُ السَّهْلُ الَّذِي يُجْذَبُ فِيهِ الْبَوْلُ فَلَا يَرْتَدُّ عَلَى الْبَائِلِ ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا وُصِفَ بِاللِّينِ وَالسُّهُولَةِ إِنَّهُ لَدَمِثُ الْأَخْلَاقِ وَفِيهِ دَمَاثَةٌ ( فَلْيَرْتَدْ ) : أَيْ لِيَطْلُبْ وَلْيَتَحَرَّ مَكَانًا لَيِّنًا ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ : الرَّائِدُ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ ، وَهُوَ الرَّجُلُ يَبْعَثُهُ الْقَوْمُ يَطْلُبُ لَهُمُ الْمَاءَ وَالْكَلَاء ، يُقَالُ : رَادَهُمْ يَرُودُهُمْ رِيَادًا ، وَارْتَادَ لَهُمُ ارْتِيَادًا . وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَجْهُولٌ لَكِنْ لَا يَضُرُّ ، فَإِنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ بِالتَّنَزُّهِ عَنِ الْبَوْلِ تُفِيدُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، ثنا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ قال : قَالُوا لِقَتَادَةَ : مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ ؟ قَالَ : كَانَ يُقَالُ إِنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ : مَا يَحْتَفِرُهُ الْهَوَامُّ وَالسِّبَاعُ وَجَمْعُهُ أَجْحَارٌ . ( سَرْجِسَ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ غَيْرُ مُنصَرِّفٍ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ ( فِي الْجُحْرِ ) : أَيِ الثَّقْبِ لِأَنَّهُ مَأْوَى الْهَوَامِّ الْمُؤْذِيَةِ ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُ مَضَرَّةٌ مِنْهَا ( قَالَ ) : هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ( مَا يُكْرَهُ ) : مَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ أَيْ لِمَ يُكْرَهْ ( إِنَّهَا ) : أَيِ الْجِحَرَةُ ، وَالْجِحَرَةُ جَمْعُ جُحْرٍ كَالْأَجْحَارِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا .
بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، ثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَعَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ : عَنْ حَمَّادٍ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ . وَقَالَ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ . وَقَالَ مَرَّةً : أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقَالَ وُهَيْبٌ : فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ . بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ هُوَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، أَيْ إِذَا رَادَ الدُّخُولَ . ( قَالَ ) : مُسَدَّدٌ ( عَنْ حَمَّادِ ) : بْنِ زَيْدٍ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ : يَعْنِي أَلْجَأُ وَأَلُوذُ ، وَالْعَوْذُ وَالْعِيَاذُ وَالْمَعَاذُ وَالْمَلْجَأُ : مَا سَكَنْتَ إِلَيْهِ تَقِيَّةً عَنْ مَحْذُورٍ ( وَقَالَ ) : مُسَدَّدٌ ( عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ فَلَفْظُ مُسَدَّدٍ عَنْ حَمَّادٍ ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ) وَلَفْظُ مُسَدَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ( أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخُبُثُ بِضَمِّ الْبَاءِ جَمَاعَةُ الْخَبِيثِ وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ الْخَبِيثَةِ ، يُرِيدُ ذُكْرَانَ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثَهُمْ ، وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ : الْخُبْثُ سَاكِنَةُ الْبَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ الْخُبُثُ بِضَمِّ الْبَاءِ . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : أَصْلُ الْخُبُثِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَكْرُوهُ ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَلَامِ فَهُوَ الشَّتْمُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْمِلَلِ فَهُوَ الْكُفْرُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الطَّعَامِ فَهُوَ الْحَرَامُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الشَّرَابِ فَهُوَ الضَّارُّ . انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ . وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَحَسْبُكَ بِهِ جَلَالَةً . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الشُّيُوخِ بِالْإِسْكَانِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : رُوِّينَاهُ بِالضَّمِّ وَالْإِسْكَانِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ثُمَّ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِثْلُ هَذَا غَلَطًا . انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الْأَدَبُ مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ . ( وَقَالَ ) : شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ( مَرَّةً أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقَالَ وُهَيْبٌ ) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ( فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، أَرَادَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيَانَ اخْتِلَافِ الْآخِذِينَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، فَقَالَ : رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ وَزِيَادَةِ بِكَ بِكَافِ الْخِطَابِ قَبْلَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَرَوَى عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ بَعْدَ أَعُوذُ وَأَسْقَطَ لَفْظَ اللَّهُمَّ قَبْلَهَا وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلَهُمَا ، فَقَالَ مَرَّةً كَلَفْظِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَقَالَ مَرَّةً كَعَبْدِ الْوَارِثِ ، وَرَوَى وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِلَفْظِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، فَعَلَى رِوَايَةِ وُهَيْبٍ هُوَ حَدِيثٌ قَوْلِيٌّ لَا فِعْلِيٌّ ، أَيْ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ أَوْ أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ أَوْ نَحْوَهُمَا فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ رَوَى الْعُمَرِيُّ من طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، قَالَ : إِذَا دَخَلْتُمُ الْخَلَاءَ فَقُولُوا : بِاسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ . إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، أَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ النَّضِرِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ : أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ . ( إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَشِينَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ ، هِيَ الْكُنُفُ وَمَوَاضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَاحِدُهَا حُشٌّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَصْلُ الْحُشِّ جَمَاعَةُ النَّخْلِ الْمُتَكَاثِفَةِ ، وَكَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ إِلَيْهَا قَبْلَ أَنْ تُتَّخَذَ الْكُنُفُ فِي الْبُيُوتِ ، وَفِيهِ لُغَتَانِ حَشٌّ وَحُشٌّ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ ( مُحْتَضَرَةٌ ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، أَيْ تَحْضُرُهَا الْجِنُّ وَالشَّيَاطِينُ وَتَنْتَابُهَا لِقَصْدِ الْأَذَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو يَعْنِي السَّدُوسِيَّ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ وَقَالَ شُعْبَةُ : وَقَالَ مَرَّةً : أَعُوذُ بِاللَّهِ . ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) : الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ : إِذَا دَخَلَ إِلَخْ وَصَرَّحَ ثَانِيًا اخْتِلَافُ لَفْظِ شُعْبَةَ لِلْإِيضَاحِ فَقَالَ ( قَالَ ) : شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ) : مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ ( وَقَالَ شُعْبَةُ وَقَالَ ) : عَبْدُ الْعَزِيزِ ( مَرَّةً أَعُوذُ بِاللَّهِ ) : مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ .
بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، ثنا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، ثنا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قال : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ الْغَائِطِ قَالَ : غُفْرَانَكَ . باب ما يقول إلخ ( غُفْرَانَكَ ) : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : غُفْرَانٌ مَصْدَرٌ كَالْغَفْرِ وَالْمَغْفِرَةِ ، وَمِثْلُهُ سُبْحَانَكَ ، وَنَصَبَهُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ هَاهُنَا : أَطْلُبُ غُفْرَانَكَ . وَفِي طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ هَاهُنَا مُحْتَمَلَانِ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ تَرْكِهِ ذِكْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَالثَّانِي وَهُوَ أَشْهَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الْمَغْفِرَةَ فِي الْعَجْزِ عَنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ فِي تَيْسِيرِ الْغِذَاءِ وَإِبْقَاءِ مَنْفَعَتِهِ وَإِخْرَاجِ فَضْلَتِهِ عَلَى سُهُولَةٍ ، فَيُؤَدِّي قَضَاءَ حَقِّهَا بِالْمَغْفِرَةِ . وَقَالَ الرَّضِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ مَا حَاصِلُهُ : إنَّ الْمَصَادِرَ الَّتِي بُيِّنَ فَاعِلُهَا بِإِضَافَتِهَا إِلَيْهِ نَحْوَ : كِتَابُ اللَّهِ وَوَعْدُ اللَّهِ ، أَوْ بُيِّنَ مَفْعُولُهَا بِالْإِضَافَةِ نَحْوَ : ضَرْبَ الرِّقَابِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ، أَوْ بُيِّنَ فَاعِلُهَا بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ : بُؤْسًا لَكَ وَسُحْقًا لَكَ ، أَوْ بُيِّنَ مَفْعُولُهَا بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ : عقرًا لَكَ وَجَدْعًا لَكَ - فَيَجِبُ حَذْفُ فِعْلِهَا فِي جَمِيعِ هَذَا قِيَاسًا ، وَغُفْرَانَكَ دَاخِلٌ فِي هَذَا الضَّابِطِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْمُقَدَّرُ اغْفِرْ ، أَيِ اغْفِرْ غُفْرَانًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ ، وَفِي لَفْظٍ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيَّ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي كَانَ إِذَا خَرَجَ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ وَأَبْقَى فِيَّ قُوَّتَهُ وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ أَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةٌ ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : أَصَحُّ مَا فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَالْحَدِيثُ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْمُجْتَبَى ، بَلْ أَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، فَإِطْلَاقُهُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَا يُنَاسِبُ .
بَابُ كَرَاهِيَةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : قِيلَ لَهُ : لَقَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ قَالَ : أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، وَأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ بَابُ كَرَاهِيَةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ الْقِبْلَةُ بِكَسْرِ الْقَافِ جِهَةٌ ، يُقَالُ : أَيْنَ قِبْلَتُكَ ؟ أَيْ إِلَى أَيْنَ تَتَوَجَّهُ ، وَسُمِّيَتِ الْقِبْلَةُ قِبْلَةً لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُقَابِلُهَا وَتُقَابِلُهُ ، وَالْحَاجَةُ تَعُمُّ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ . ( أَبُو مُعَاوِيَةَ ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَبُو مُعَوِّذٍ وَهُوَ غَلَطٌ ( قِيلَ لَهُ ) أَيْ لِسَلْمَانَ وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُشْرِكُونَ ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ لَنَا الْمُشْرِكُونَ ( الْخِرَاءَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هو مَكْسُورَةُ الْخَاءِ مَمْدُودَةُ الْأَلِفِ : أَدَبُ التَّخَلِّي وَالْقُعُودِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَفْتَحُونَ الْخَاءَ وَلَا يَمُدُّونَ الْأَلِفَ فَيَفْحُشُ مَعْنَاهُ . انْتَهَى . وَقَالَ عِيَاضٌ : بِكَسْرِ الْخَاءِ مَمْدُودٌ - وَهُوَ اسْمُ فِعْلِ الْحَدَثِ ، وَأَمَّا الْحَدَثُ نَفْسُهُ فَبِغَيْرِ تَاءٍ مَمْدُودَةٍ وَبِفَتْحٍ الْخَاءِ . وَفِي الْمِصْبَاحِ : خَرِئَ يَخْرَأُ مِنْ بَابِ تَعِبَ إِذَا تَغَوَّطَ ، وَاسْمُ الْخَارِجِ خَرْءٌ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ . انْتَهَى ( بِغَائِطٍ ) : قَالَ وَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ : ضَبَطْنَاهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي مُسْلِمٍ بِاللَّامِ ( أَوْ بَوْلٍ ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنِ اسْتِقْبَالِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ ، وَهَذِهِ الْحَالَةُ يتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِخُرُوجِ الْخَارِجِ الْمُسْتَقْذَرِ ، وَالثَّانِي كَشْفُ الْعَوْرَةِ ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ : الْمَنْعُ لِلْخَارِجِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِتَعْظِيمِ الْقِبْلَةِ عَنْهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمَنْعُ لِكَشْفِ الْعَوْرَةِ . وَيُبْنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافِ خِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ الْوَطْي مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ مَعَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ ، فَمَنْ عَلَّلَ بِالْخَارِجِ أَبَاحَهُ إِذْ لَا خَارِجَ ، وَمَنْ عَلَّلَ بِالْعَوْرَةِ مَنَعَهُ ( وَأَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ) أَيْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ لَا زَائِدَةٌ ، أَيْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ عَلَى إِكْرَامِهَا وَصِيَانَتِهَا عَنِ الْأَقْذَارِ وَنَحْوِهَا ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ ، وَمَصُونَةٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ الثُّفْلِ وَعَنْ مُمَاسةِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي هِيَ مَجَارِي الْأَثْفَالِ وَالنَّجَاسَاتِ ، وَخُلِقَتِ الْيُسْرَى لِخِدْمَةِ أَسْفَلِ الْبَدَنِ لِإِمَاطَةِ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْقَذَرَاتِ ، وَتَنْظِيفِ مَا يَحْدُثُ فِيهَا مِنَ الدَّنَسِ وَغَيْرِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَنَهْيُهُ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ نَهْيُ أَدَبٍ وَتَنْزِيهٍ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ : إِذَا اسْتَنْجَى بِيَمِينِهِ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَا يُجْزِيِهِ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ ( وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ) : أَيْ أَمَرَنَا أَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْها . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : وَلَا نَكْتَفِي بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ . وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ فِي أَنَّ اسْتِيفَاءَ ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ لَا بُدَّ مِنْهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ أَحَدُ الْمُطَهِّرِينَ ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُسْتَعْمَلِ الْمَاءُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الْحِجَارَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ابْنِ حَنْبَلٍ . وَفِي قَوْلِهِ : وَأَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَا يَجُوزُ وَإِنْ وَقَعَ الْإِنْقَاءُ بِمَا دُونَهَا ، وَلَوْ كَانَ بِهِ الْإِنْقَاءُ حَسْبُ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِ عَدَدِ الثَّلَاثِ مَعْنًى إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْإِنْقَاءَ يَقَعُ بِالْمَسْحَةِ الْوَاحِدَةِ وَبِالْمَسْحَتَيْنِ ، فَلَمَّا اشْتُرِطَ الْعَدَدُ لَفْظًا وَعُلِمَ الْإِنْقَاءُ فِيهِ مَعْنًى دَلَّ عَلَى إِيجَابِ الْأَمْرَيْنِ ( أَوْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ ) وَلَفْظُ أَوْ لِلْعَطْفِ لَا لِلشَّكِّ وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْوَاوِ ، أَيْ نَهَانَا عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا . وَالرَّجِيعُ : هُوَ الرَّوْثُ ، وَالْعَذِرَةُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى بَعْدَ أَنْ كَانَ طَعَامًا أَوْ عَلَفًا ، وَالرَّوْثُ : هُوَ رَجِيعُ ذَوَاتِ الْحَوَافِرِ . وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ : رَجِيعُ دَابَّةٍ . وَأَمَّا عَذِرَةُ الْإِنْسَانِ ، أَيْ غَائِطُهُ ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهَا رِكْسٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ : فِيهِ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالنَّجَاسَاتِ ، وَنَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّجِيعِ عَلَى جِنْسِ النَّجَسِ ، وَأَمَّا الْعَظْمُ فَلِكَوْنِهِ طَعَامًا لِلْجِنِّ فَنَبَّهَ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الْمَطْعُومَاتِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، قال : ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ أُعَلِّمُكُمْ ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرْهَا ، وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ وَكَانَ يَأْمُرُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، وَيَنْهَى عَنْ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ . ( النُّفَيْلِيُّ ) : بِضَمِّ النُّونِ مَنْسُوبٌ إِلَى نُفَيْلٍ الْقُضَاعِيِّ ( وَلَا يَسْتَطِبْ بِيَمِينِهِ ) : أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِهَا ، وَسُمِّيَ الِاسْتِنْجَاءُ الِاسْتِطَابَةَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَتَطْهِيرِ مَوْضِعِهَا مِنَ الْبَدَنِ ، يُقَالُ : اسْتَطَابَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتَنْجَى فَهُوَ مُسْتَطِيبٌ وَأَطَابَ فَهُوَ مُطِيبٌ وَمَعْنَى الطِّيبِ هَاهُنَا الطَّهَارَةُ ( الرِّمَّةِ ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَشِدَّةِ الْمِيمِ ، وَالرِّمَّةُ وَالرَّمِيمُ : الْعَظْمُ الْبَالِي ، أَوِ الرِّمَّةُ جَمْعُ رَمِيمٍ : أَيِ الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رِوَايَةً قَالَ : إِذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ ، فَكُنَّا نَنْحَرِفُ عَنْهَا وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ( سُفْيَانُ ) : هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلِمَنْ كَانَ قِبْلَتُهُ عَلَى ذَلِكَ السَّمْتِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ قِبْلَتُهُ إِلَى جِهَةِ الْغَرْبِ وَالشَّرْقِ فَإِنَّهُ لَا يُغَرِّبُ وَلَا يُشَرِّقُ ( مَرَاحِيضَ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ : جَمْعُ مِرْحَاضٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الْبَيْتُ الْمُتَّخَذُ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال ثَنَا وُهَيْبٌ ، قال : ثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَتَيْنِ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ مَوْلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ( أَبِي زَيْدٍ ) : اسْمُهُ الْوَلِيدُ ( الْقِبْلَتَيْنِ ) : الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَهَذَا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِرَامِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، إِذْ كَانَ هَذِهِ قِبْلَةً لَنَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْلِ اسْتِدْبَارِ الْكَعْبَةِ ، لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ فَقَدِ اسْتَدْبَرَ الْكَعْبَةَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، قال : ثنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرِ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا ؟ قَالَ : بَلَى ، إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْسَ ( أَنَاخَ ) : أَيْ أَقْعَدَ ، يُقَالُ أَنَاخَ الرَّجُلُ الْجَمَلَ إِنَاخَةً ( رَاحِلَتَهُ ) : الرَّاحِلَةُ الْمَرْكَبُ مِنَ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى .
بَابُ كَرَاهِيَةِ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا : ثنا أَبَانُ ، ثنا يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ نبي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلَا يَشْرَبْ نَفَسًا وَاحِدًا بَابُ كَرَاهِيَةِ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فِي الِاسْتِبْرَاءِ أَيْ فِي الِاسْتِنْجَاءِ . ( فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ ) : أَيْ حَالَ الْبَوْلِ تَكْرِيمًا لِلْيَمِينِ فَيُكْرَهُ بِهَا بِلَا حَاجَةٍ تَنْزِيهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَتَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ ، قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . ( فَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ ) : أَيْ لَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ ( فَلَا يَشْرَبْ ) : شَرَابَهُ ( نَفَسًا وَاحِدًا ) : بَلْ يَفْصِلُ الْقَدَحَ عَنْ فِيهِ ثُمَّ يَتَنَفَّسُ خَارِجَ الْقَدَحِ ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْأَدَبِ مَخَافَةً مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ إِمَّا مَجْزُومٌ عَلَى النَّهْيِ أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى النَّفْيِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بُزَيْعٍ ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ ( لِخَلَائِهِ ) : أَيْ لِاسْتِنْجَائِهِ ( وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى ) : أَيِ النَّجَاسَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِبْرَاهِيمُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ ، وَأَخْرَجَهُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِيُّ ، نَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ نا أَبُو أَيُّوبَ ، يَعْنِي الْإِفْرِيقِيَّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ وَمَعْبَدٍ ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ : حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ ( الْمِصِّيصِيُّ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَشِدَّةِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةٌ إِلَى مَصِّيصَةَ : بَلَدٌ بِالشَّامِ ( الْإِفْرِيقِيَّ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا فَاءٌ سَاكِنَةٌ مَنْسُوبٌ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَهِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ قُبَالَةَ الْأَنْدَلُسِ ( كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ ) : أَيْ كَانَ يَجْعَلُ يَدَهُ الْيُمْنَى لَهُمَا ( وَثِيَابِهِ ) : أَيْ لِلُبْسِ ثِيَابِهِ أَوْ تَنَاوُلِهَا ( وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ ) : الْمَذْكُورِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالثِّيَابِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ قَاعِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ فِي الشَّرْعِ وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ ، وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَالسِّوَاكِ ، وَالِاكْتِحَالِ ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ ، وَقَصِّ الشَّارِبِ ، وَتَرْجِيلِ الشَّعْرِ ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ ، وَحَلْقِ الرَّأْسِ ، وَالسَّلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَغَسْلِ أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخَلَاءِ ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُصَافَحَةِ ، وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ - يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِيهِ . وَأَمَّا مَا كَانَ بِضِدِّهِ ، كَدُخُولِ الْخَلَاءِ ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَخَلْعِ الثَّوْبِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْخُفِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَيُسْتَحَبُّ التَّيَاسُرُ فِيهِ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ لِكَرَامَةِ الْيَمِينِ وَشَرَفِهَا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، قال : نا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا ( قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي هَذَا بَيَانٌ مِنْ صِحَّة مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ ، غَيْرَ أَنَّ جَابِرًا تَوَهَّمَ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ عَلَى الْعُمُومِ ، فَحَملَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّسْخِ .
بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا . ( لَبِنَتَيْنِ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ النُّونِ تَثْنِيَةُ لَبِنَةٍ وَهِيَ مَا تُصْنَعُ مِنَ الطِّينِ أَوْ غَيْرِهِ لِلْبِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحْرَقَ .
بَابُ كَيْفَ التَّكَشُّفُ عِنْدَ الْحَاجَةِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، قال : ثنا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ باب : كيف الخرء ( عَنْ رَجُلٍ ) : قِيلَ : هُوَ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَات ، وَقِيلَ : هُوَ غِيَاثُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ : قَالَ السُّيُوطِيُّ : لَيْسَ مُرَادُهُ تَضْعِيفَ عَبْدِ السَّلَامِ لِأَنَّهُ ثِقَةٌ حَافِظٌ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ بَلْ تَضْعِيفُ مَنْ قَالَ عَنْ أَنَسٍ ، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَنَسٍ وَلِذَا قَالَ مُرْسَلٌ ، وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَهُوَ ضَعِيفٌ هَذِهِ الْعِبَارَةُ : قَالَ أَبُو عِيسَى الرَّمْلِيُّ حَدَّثَنَاه أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بِهِ . انْتَهَى قُلْتُ : أَبُو عِيسَى هُوَ إِسْحَاقُ وَرَّاقُ أَبِي دَاوُدَ ، وَهَذِهِ إِشَارَةٌ مِنَ الرَّمْلِيِّ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ اتَّصَلَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ شَيْخِهِ أَبِي دَاوُدَ ، فَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عِيسَى الرَّمْلِيِّ لَا مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، فَلَعَلَّ بَعْضَ النُّسَّاخِ لِرِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةِ الرَّمْلِيِّ فَأَدْرَجَهَا فِي نُسْخَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ رِوَايَةُ عَبْدِ السَّلَامِ غَيْرَ مَوْصُولَةٍ أَشَارَ بِوَصْلِهَا بِرِوَايَةِ أَبِي عِيسَى الرَّمْلِيِّ .
بَابُ كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الخلاء حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، ثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَخْرُجْ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ بَاب كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ عِنْدَ الخلاء ( عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ) : الْعِجْلِيُّ : أَحَدُ الْأَئِمَّةِ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ ، وَتَكَلَّمَ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَأَحْمَدُ فِي إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ . ( لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ ) : ذِكْرُ الرَّجُلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَرْأَتَانِ وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ ( يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ ) : يُقَالُ ضَرَبْتُ الْأَرْضَ إِذَا أَتَيْنَا بِخَلَاءٍ ، وَضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ إِذَا سَافَرْتُ ، يُقَالُ وَيَضْرِبُ الْغَائِطَ إِذَا ذَهَبَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ . وَالْمُرَادُ هَاهُنَا يَقْضِيَانِ الْغَائِطَ ( كَاشِفَيْنِ ) : مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ( يَمْقُتُ ) : الْمَقْتُ الْبُغْضُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ لَا يَقْعُدِ الرَّجُلَانِ عَلَى الْغَائِطِ يَتَحَدَّثَانِ ، يَرَى كُلٌّ واحد مِنْهُمَا عَوْرَةَ صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ وَسِيَاقُ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَقْتَ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْكَلَامِ ( لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ) : وَعِكْرِمَةُ عَنْ يَحْيَى مُتَكَلَّمٌ فِيهِ وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مُتَفَرِّدٌ فَلَا يَصْلُحُ إِسْنَادُهُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ قَوْلِهِ إِلَّا عِكْرِمَةُ هَذِهِ الْعِبَارَةُ : حَدَّثَنَا أَبَانُ ثَنَا يَحْيَى بِهَذَا ، يَعْنِي حَدِيثَ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَيْسَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ لِلْمُؤَلِّفِ أَصْلًا ، لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَّا عِكْرِمَةُ فَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ مُسْنَدًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ فَأَرَادَ مُلْحِقُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الِاسْتِدْرَاكَ عَلَى أَبِي دَاوُدَ بِأَنَّهُ قَدْ أَسْنَدَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ ، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى نِسْبَةِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ .
بَابُ الِاسْتِتَارِ فِي الْخَلَاءِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ الْحُصَيْنِ الْحُبْرَانِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقْدَ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ثَوْرٍ قَالَ : حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ ، عَنْ ثَوْرٍ فَقَالَ : أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَابُ الِاسْتِتَارِ فِي الْخَلَاءِ فَإِنْ قُلْتَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ التَّخَلِّي عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَبَيْنَ هَذَا الْبَابِ ؟ قُلْتُ : بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَيِّنٌ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ التَّفَرُّدُ عَنِ النَّاسِ لِلْحَاجَةِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الِاسْتِتَارِ ، وَهَذَا الْبَابُ إِنَّمَا وَضَعَهُ لِلِاسْتِتَارِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَحَصَلَ مِنَ الْبَابَيْنِ جَمِيعًا أَنَّ التَّفَرُّدَ لِلْخَلَاءِ سُنَّةٌ ، وَمَعَ هَذَا التَّفَرُّدِ يَنْبَغِي الِاسْتِتَارُ أَيْضًا لِيَتَأَتَّى عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ حِفْظُ عَوْرَتِهِ . ( الْحُبْرَانِيِّ ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى حُبْرَانَ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ بِالْيَمَنِ . كَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمُغْنِي . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي اللُّبِّ اللُّبَابِ : حُبْرَانُ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ . انْتَهَى ( مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ ) : أَيْ مَنْ أَرَادَ الِاكْتِحَالَ فَلْيُوتِرْ ، وَالْوِتْرُ الْفَرْدُ ، أَيْ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً فِي كُلِّ عَيْنٍ ، وَقِيلَ ثَلَاثًا فِي الْيُمْنَى وَاثْنَيْنِ فِي الْيُسْرَى لِيَكُونَ الْمَجْمُوعُ وِتْرًا ، وَالتَّثْلِيثُ عُلِمَ مِنْ فِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَتْ لَهُ مِكْحَلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ، ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ ( مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ) : أَيْ فَعَلَ فِعْلًا حَسَنًا يُثَابُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَنَّهُ تَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ ( وَمَنْ لَا ) : أَيْ لَا يَفْعَلِ الْوِتْرَ ( فَلَا حَرَجَ ) : أَيْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ . ( وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ ) : الِاسْتِجْمَارُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْجِمَارِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصِّغَارُ ، أَيْ فَلْيَجْعَلْ حِجَارَةَ الِاسْتِنْجَاءِ وِتْرًا وَاحِدًا أَوْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا ( فَلَا حَرَجَ ) : إِذِ الْمَقْصُودُ الْإِنْقَاءُ ( أَكَلَ ) : شَيْئًا ( فَمَا تَخَلَّلَ ) : مَا شَرْطِيَّةٌ وَالْجَزَاءُ فَلْيَلْفِظْ ، أَيْ مَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْأَسْنَانِ بِالْخِلَالِ ( فَلْيَلْفِظْ ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ : فَلْيُلْقِ وَلْيَرْمِ وَلْيَطْرَحْ مَا يُخْرِجُهُ الْخِلَالِ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَخْرُجُ بِهِ دَمٌ ( وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ ) : عَطْفٌ عَلَى مَا تَخَلَّلَ ، أَيْ مَا أَخْرَجَهُ بِلِسَانِهِ وَاللَّوْكُ إِدَارَةُ الشَّيْءِ بِلِسَانِهِ فِي الْفَمِ ، يُقَالُ لَاكَ يَلُوكُ ( فَلْيَبْتَلِعْ ) : أَيْ فَلْيَأْكُلْهُ وَإِنْ تَيَقَّنَ بِالدَّمِ حَرُمَ أَكْلُهُ ( مَنْ فَعَلَ ) : أَيْ رَمَى وَطَرَحَ مَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْأَسْنَانِ بِالْخِلَالِ ( وَمَنْ لَا ) : أَيْ لَمْ يَلْفِظْهُ بَلْ أَكَلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ خُرُوجِ الدَّمِ ( فَلَا حَرَجَ ) : فِي ذَلِكَ ( فَلْيَسْتَتِرْ ) : بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ السَّاتِرَةِ ( فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ) : شَيْئًا لِيَسْتُرَهُ ( كَثِيبًا ) : الْكَثِيبُ هُوَ مَا يَرْتَفِعُ مِنَ الرَّمْلِ ( مِنْ رَمْلٍ ) : بَيَانُ كَثِيبٍ ( فَلْيَسْتَدْبِرْهُ ) : أَيْ فَلْيَجْمَعْهُ وَلْيُوَلِّهِ دُبُرَهُ . ( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ ) : قَالَ الْعِرَاقِيُّ : الْمَقَاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدَةٍ وَهِيَ تُطْلَقُ عَلَى شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا فِي السَّافِلَةِ ، أَيْ أَسْفَلِ الْبَدَنِ ، وَالثَّانِي مَوْضِعُ الْقُعُودِ ، وَكُلٌّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ هَاهُنَا مُحْتَمَلٌ ، أَيْ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِأَسَافِلِ بَنِي آدَمَ أَوْ فِي مَوْضِعِ قُعُودِهِمْ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّسَتُّرِ مَا أَمْكَنَ وَأَنْ لَا يَكُونَ قُعُودُ الْإِنْسَانِ فِي مَرَاحٍ مِنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ أَبْصَارُ النَّاظِرِينَ فَيَتَعَرَّضُ لِانْتِهَاكِ السِّتْرِ ، وَتَهُبُّ الرِّيَاحُ عَلَيْهِ فَيُصِيبُ الْبَوْلَ فَيُلَوِّثُ بَدَنَهُ أَوْ ثِيَابَهُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ لَعِبِ الشَّيْطَانِ بِهِ وَقَصْدِهِ إِيَّاهُ بِالْأَذَى وَالْفَسَادِ ( مَنْ فَعَلَ ) : أَيْ جَمَعَ كَثِيبًا وَقَعَدَ خَلْفَهُ ( فَقَدْ أَحْسَنَ ) : بِإِتْيَانِ السُّنَّةِ ( وَمَنْ لَا ) : بِأَنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ مِنْ غَيْرِ سِتْرٍ ( فَلَا حَرَجَ ) : ( قَالَ حُصَيْنٌ الْحِمْيَرِيُّ ) : أَيْ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْحِمْيَرِيُّ بَدَلَ الْحُبْرَانِيِّ ( فَقَالَ ) : أَيْ عَبْدُ الْمَلِكِ ( أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ ) : بِزِيَادَةِ لَفْظِ الْخَيْرِ عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : غَرَضُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى أَبَا سَعِيدٍ بِغَيْرِ إِضَافَةِ لَفْظِ الْخَيْرِ فَهُوَ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ هَذَا بِغَيْرِ إِضَافَةِ الْخَيْرِ لَا يُعَدُّ فِي الصَّحَابَةِ بَلْ هُوَ مَجْهُولٌ وَإِنَّمَا يُعَدُّ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخَيْرُ الْحِمْصِيُّ ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ لَا أَعْرِفُهُ . قُلْتُ : لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ عَلَى هَذَا يُوضَعُ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى ، ثنا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَبِي سَاسَانَ ، عَنْ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ : إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تعالى ذكره إِلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ ( أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ ) : هَذَا شَكٌّ مِنَ الْمُهَاجِرِ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ أَنْ يَدَعَ الرَّدَّ حَتَّى يَتَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ يَرُدَّ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الْمُسَلِّمِ ، وَأَمَّا إِذَا خَشِيَ فَوْتَهُ فَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَكَّنَ مِنَ الرَّدِّ بَعْدَ أَنْ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُ لِذَلِكَ طَلَبًا لِلْأَشْرَفِ وَهُوَ الرَّدُّ حَالَ الطَّهَارَةِ .
بَابُ في الرجل يَرُدُّ السَّلَامَ وَهُوَ يَبُولُ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : ثنا عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ . ( باب في الرجل إلخ ) ( فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ) : الْجَوَابَ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُسَلِّمَ فِي هَذَا الْحَالِ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَرَّ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَكَذَا فِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْعَبْدِيِّ وَابْنِ الْهَادِ ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ ، فَفِيهَا أَنَّ السَّلَامَ كَانَ بَعْدَ الْبَوْلِ . وَفِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السَّلَامَ كَانَ حَالَةَ الْبَوْلِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ تَرْجِيحةٌ ( وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ ) : كَأَبِي الْجَهْمِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَوَصَلَ الْمُؤَلِّفُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، أنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، ثنا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، نا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرٍ . ( نَتَمَسَّحُ ) : أَيْ نَسْتَنْجِي ( أَوْ بَعْرٍ ) : الْبَعْرُ مَعْرُوفٌ وَهُوَ مِنْ كُلِّ ذِي ظِلْفٍ وَخُفٍّ وَالْجَمْعُ الْأَبْعَارُ مِثْلُ السَّبَبِ وَالْأَسْبَابِ ، وَبَعَرَ ذَلِكَ الْحَيَوَانُ بَعْرًا مِنْ بَابِ نَفَعَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ ، نا ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ عَلَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل جَعَلَ لَنَا فِيهَا زرقًا . قَالَ : فَنَهَى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( قَدِمَ وَفْدُ الْجِنِّ ) : هُوَ جِنُّ نَصِيبِينَ وَكَانَ قُدُومُهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، وَالْوَفْدُ : قَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ ، الْوَاحِدُ وَافِدٌ ، وَكَذَا مَنْ يَقْصِدُ الْأُمَرَاءَ بِالزِّيَارَةِ ، يُقَالُ : وَفَدَ عَلَى الْقَوْمِ وَفْدًا - مِنْ بَابِ وَعَدَ - وَوُفُودًا فَهُوَ وَافِدٌ وَالْجَمْعُ وِفَّادٌ وَوَفْدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ ( يَا مُحَمَّدُ انْهَ ) : أَمْرٌ مِنَ النَّهْيِ ( أَوْ حُمَمَةٍ ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَالْمِيمَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى وَزْنِ رُطَبَةٍ : مَا أُحْرِقَ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ وَالْجَمْعُ بِحَذْفِ الْهَاءِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَفِيهِ مَقَالٌ .
بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ أَنْ يُسْتَنْجَى بِهِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ ، أنَا الْمُفَضَّلُ ، يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ الْمِصْرِيَّ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ أَنَّ شِيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ أنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ اسْتَعْمَلَ رُوَيْفِعَ بْنَ ثَابِتٍ عَلَى أَسْفَلِ الْأَرْضِ ، قَالَ شَيْبَانُ : فَسِرْنَا مَعَهُ مِنْ كَوْمِ شَرِيكٍ إِلَى عَلْقَمَاءَ ، أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ إِلَى كَوْمِ شَرِيكٍ ، يُرِيدُ عَلْقَامَ ، فَقَالَ رُوَيْفِعٌ : إِنْ كَانَ أَحَدُنَا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَأْخُذُ نِضْوَ أَخِيهِ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ مِمَّا يَغْنَمُ وَلَنَا النِّصْفُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ وَالرِّيشُ وَلِلْآخَرِ الْقِدْحُ . ثُمَّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي ، فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيءٌ . بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ إِلَخْ أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُهِيَ الِاسْتِنْجَاءِ بِهَا . ( الْقِتْبَانِيِّ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَبِمُوَحَّدَةٍ وَنُونٍ نِسْبَةٌ إِلَى قِتْبَانَ بْنِ رُومَانَ ( شُيَيْمَ ) : بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ مُصَغَّرًا ( بَيْتَانَ ) : بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ( أَخْبَرَهُ ) : أَيْ أَخْبَرَ شُيَيْمُ عَيَّاشَ بْنَ عَبَّاسٍ ( مُخَلَّدٍ ) : عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ ( اسْتَعْمَلَ ) : أَيْ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ ( عَلَى أَسْفَلِ الْأَرْضِ ) : يَعْنِي أَنَّ مَسْلَمَةَ كَانَ أَمِيرًا عَلَى بِلَادِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَنَابَ رُوَيْفِعًا عَلَى أَسْفَلِ أَرْضِ مِصْرَ وَهُوَ الْوَجْهُ الْبَحْرِيُّ وَقِيلَ الْغَرْبِيُّ ، كَذَا فِي التَّوَسُّطِ ( مَعَهُ ) : أَيْ مَعَ رُوَيْفِعٍ ( مِنْ كُومِ شَرِيكٍ ) : قَالَ الْعِرَاقِيُّ : هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِضَمِّهَا ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَآخَرُونَ ، وَضَبَطَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ بِفَتْحِهَا . قَالَ مُغَلْطَايْ : إِنَّهُ الْمَعْرُوفُ وَإِنَّهُ فِي طَرِيقِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ( إِلَى عَلْقَمَاءَ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ ثُمَّ الْقَافُ مَفْتُوحَةٌ مَوْضِعٌ مِنْ أَسْفَلِ دِيَارِ مِصْرَ ( أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ إِلَى كُومِ شَرِيكٍ ) : وَهَذَا شَكٌّ مِنْ شَيْبَانَ ، أَيْ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ ابْتِدَاءُ السَّيْرِ مِنَ الْكُومِ أَوْ مِنْ عَلْقَمَاءَ ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَمِنْ أَحَدِ الْمَوْضِعَيْنِ كَانَ ابْتِدَاءُ السَّيْرِ وَإِلَى الْآخَرِ انْتِهَاؤُهُ ( يُرِيدُ عَلْقَامَ ) : أَيْ إِرَادَتُهُمُ الذَّهَابَ إِلَى عَلْقَامَ وَانْتِهَاءُ سَيْرِهِمْ إِلَيْهِ ، وَعَلْقَامُ غَيْرُ عَلْقَمَاءَ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ يُرِيدُ عَلْقَامَ . وَفِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : كُومُ عَلْقَامَ مَوْضِعٌ ، فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّ عَلْقَامَ غَيْرُ عَلْقَمَاءَ وَأَنَّ عَلْقَامَ يُقَالُ لَهُ : كُومُ عَلْقَامَ ( نِضْوَ أَخِيهِ ) : النِّضْوُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ فَوَاوٌ : الْبَعِيرُ الْمَهْزُولُ ، يُقَالُ : بَعِيرٌ نِضْوٌ وَنَاقَةٌ نِضْوٌ وَنِضْوَةٌ وَهُوَ الَّذِي أَنْضَاهُ الْعَمَلُ وَهَزَلَهُ الْكَدُّ وَالْجَهْدُ ( عَلَى أَنَّ لَهُ ) : لِلْمَالِكِ ( وَلَنَا النِّصْفُ ) : أَيْ لِلْآخِذِ وَالْمُسْتَأْجِرِ النِّصْفُ ( لِيَطِيرَ لَهُ النَّصْلُ وَالرِّيشُ ) : فَاعِلَانِ لِيَطِيرَ ، أَيْ يُصِيبُهُمَا فِي الْقِسْمَةِ ، يُقَالُ : طَارَ لِفُلَانٍ النِّصْفُ وَلِفُلَانٍ الثُّلُثُ إِذَا وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ ( وَلِلْآخَرِ الْقَدَحُ ) : مَعْطُوفٌ عَلَى لَهُ النَّصْلُ ، وَالْقَدَحُ خَشَبُ السَّهْمِ قَبْلَ أَنْ يُرَاشَ وَيُرَكَّبَ فِيهِ النَّصْلُ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَالنَّصْلُ حَدِيدَةُ السَّهْمِ ، وَالرِّيشُ مِنَ الطَّائِرِ وَيَكُونُ فِي السَّهْمِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتَسِمُ الرَّجُلَانِ السَّهْمَ فَيَقَعُ لِأَحَدِهِمَا نَصْلُهُ وَرِيشُهُ ، وَلِلْآخَرِ قَدَحُهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا احْتَمَلَ الْقِسْمَةَ فَطَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ الْمُقَاسَمَةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ مَا دَامَ يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ الَّذِي يَخُصُّهُ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَدَحَ قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ عَرِيًّا مِنَ الرِّيشِ وَالنَّصْلِ ، وَكَذَلِكَ قَدْ يُنْتَفَعُ بِالرِّيشِ وَالنَّصْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُرَكَّبَيْنِ فِي قَدَحٍ ، فَأَمَّا مَا لَا يَنْتَفِعُ بِقِسْمَتِهِ أَحَدٌ مِنَ الشُّرَكَاءِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الضَّرَرُ وَالْإِفْسَادُ لِلْمَالِ كَاللُّؤْلُؤَةِ تَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ أَوْ نَحْوِهَا مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي إِذَا فُرِّقَ بَيْنَ أَجْزَائِهِ بَطَلَتْ قِيمَتُهُ وَذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ - فَإِنَّ الْمُقَاسَمَةَ لَا تَجِبُ فِيهِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مِنْ بَابِ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، فَيَبِيعُونَ الشَّيْءَ وَيَقْتَسِمُونَ الثَّمَنَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ مِنْهُ . انْتَهَى . ( مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ ) : أَيْ عَالَجَهَا حَتَّى تَنْعَقِدَ وَتَتَجَعَّدَ ، وَقِيلَ : كَانُوا يَعْقِدُونَهَا فِي الْحُرُوبِ ، فَأَمَرَهُمْ بِإِرْسَالِهَا ، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَكَبُّرًا وَعُجْبًا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ . ( أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْأَشْبَهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَقْلِيدِ الْخَيْلِ أَوْتَارَ الْقِسِيِّ ، نُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِمَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ تَقْلِيدَهَا بِذَلِكَ يَدْفَعُ عَنْهَا الْعَيْنَ ، أو مَخَافَةَ اخْتِنَاقِهَا بِهِ ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ شِدَّةِ الرَّكْضِ ، بِدَلِيلِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَطْعِ الْأَوْتَارِ عَنْ أَعْنَاقِ الْخَيْلِ . كَذَا فِي كَشْفِ الْمَنَاهِجِ ( بِرَجِيعِ دَابَّةٍ ) : هُوَ الرَّوْثُ وَالْعَذِرَةُ ( أَوْ عَظْمٍ ) : عَطْفٌ عَلَى رَجِيعٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ ، ثنا مُفَضَّلٌ ، عَنْ عَيَّاشٍ أَنَّ شِيَيْمَ بْنَ بَيْتَانَ أَخْبَرَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَذْكُرُ ذَلِكَ وَهُوَ مَعَهُ مُرَابِطٌ بِحِصْنِ بَابِ أَلْيُونَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حِصْنُ أَلْيُونَ بِالْفِسْطَاطِ عَلَى جَبَلٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ شَيْبَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، يُكْنَى أَبَا حُذَيْفَةَ ( أَيْضًا ) : أَيْ كَمَا رَوَى شُيَيْمُ بْنُ بَيْتَانَ عَنْ شَيْبَانَ الْقِتْبَانِيِّ رَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ ( يَذْكُرُ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ( ذَلِكَ ) : الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ( وَهُوَ ) : أَيْ أَبُو سَالِمٍ ( مَعَهُ ) : أَيْ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ( مُرَابِطٌ ) : الْمُرَابَطَةُ أَنْ يَرْبِطَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ خُيُولَهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ هُجُومُ الْعَدُوِّ مُعِدًّا لِصَاحِبِهِ ( بِحِصْنِ بَابِ أَلْيُونَ ) : الْحِصْنُ : الْمَكَانُ الَّذِي لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِهِ وَجَمْعُهُ حُصُونٌ ، وَأَلْيُونَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ : اسْمُ مَدِينَةٍ قَدِيمًا وَسُمِّيَ بَعْدَ فَتْحِهَا فُسْطَاطُ ( بِالْفُسْطَاطِ ) : قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْفُسْطَاطُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الْمَدِينَةُ الَّتِي فِيهَا مَجْمَعُ النَّاسِ وَكُلُّ مَدِينَةٍ فُسْطَاطٌ ، وَقِيلَ : هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ وَبِهِ سُمِّيَتِ الْمَدِينَةُ وَيُقَالُ لِمِصْرَ وَالْبَصْرَةِ : الْفُسْطَاطُ . وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ : حِصْنُ أَلْيُونَ بِالْفُسْطَاطِ عَلَى جَبَلٍ ، لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ الْأَثِيرِ ، لِأَنَّ الَّذِي عَلَى جَبَلٍ هُوَ الْحِصْنُ لَا نَفْسُ أَلْيُونَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا سَالِمٍ الْحبيْشَانِيَّ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مُرَابِطًا بِحِصْنِ الَّذِي كَانَ فِي أَلْيُونَ ، وَأَلْيُونُ وَالْفُسْطَاطُ هُمَا اسْمَانِ لِمَدِينَةِ مِصْرَ ، وَكَانَ حِصْنُ أَلْيُونَ عَلَى جَبَلٍ وَكَانَ الْجَبَلُ فِي فُسْطَاطٍ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ ) : أَيْ شَيْبَانُ الْقِتْبَانِيُّ .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ يَعْنِي الْفَأْفَاءَ ، عَنْ الْبَهِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَايشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ باب في الرجل إلخ ( الْفَأْفَاءَ ) : لَقَبُ خَالِدٍ يُعْرَفُ بِهِ ( عَنِ الْبَهِيِّ ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ هُوَ لَقَبٌ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَشَّارٍ ( عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ ) : وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ كَانَ يقْرئنا الْقُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ كَانَ جَوَازُ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَذْكَارِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ مُشْعِرٌ بِوُقُوعِ الذِّكْرِ مِنْهُ حَالَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْيَانِ الْمَذْكُورَةِ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْبَابِ وَالْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِاسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهَا . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الْخَاتَمِ يَكُونُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى يُدْخَلُ بِهِ الْخَلَاءُ حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قال : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ . وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا هَمَّامٌ . باب الخاتم إلخ ( هَذَا حَدِيثٌ ) : أَيْ حَدِيثُ هَمَّامٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( مُنْكَرٌ ) : الْمُنْكَرُ مَا رَوَاهُ الضَّعِيفُ مُخَالِفًا لِلثِّقَةِ ( وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ هَذَا الْحَدِيثُ ( عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَالْمَعْرُوفُ مُقَابِلُ الْمُنْكَرِ ، لِأَنَّهُ إِنْ وَقَعَتْ مُخَالَفَةُ الْحَدِيثِ الْقَوِيِّ مَعَ الضَّعِيفِ ، فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ الْمَعْرُوفُ وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ الْمُنْكَرُ . قُلْتُ : وَالتَّمْثِيلُ بِهِ لِلْمُنْكَرِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُنْكَرِ وَالشَّاذِّ . وَقَالَ السَّخَاوِيُّ فِي فَتْحِ الْمُغِيثِ وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ إِنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ . انْتَهَى . وَهَمَّامٌ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ وَلَكِنَّهُ خَالَفَ النَّاسَ ، وَلَمْ يُوَافَقْ أَبُو دَاوُدَ عَلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالنَّكَارَةِ ، فَقَدْ قَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ : لَا أَدْفَعُ أَنْ يَكُونَا حَدِيثَيْنِ ، وَمَالَ إِلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ فَصَحَّحَهُمَا مَعًا ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ ابْنَ سَعْدٍ أَخْرَجَ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ أَنَسًا نَقَشَ فِي خَاتَمِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : فَكَانَ إِذَا أَرَادَ الْخَلَاءَ وَضَعَهُ ؛ لَا سِيَّمَا وَهَمَّامٌ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَكِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ فَإِنَّهُمَا لَمْ يُخَرِّجَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ . وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ فِيهِ نَظَرٌ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا إِنَّهُ لَا عِلَّةَ لَهُ عِنْدِي إِلَّا تَدْلِيسُ ابْنِ جُرَيْجٍ فَإِنْ وُجِدَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فَلَا مَانِعَ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ فِي نَقْدِي . انْتَهَى . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَدِيٍّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ الْحَرَّانِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَيْشُونَ ثَنَا أَبُو قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ - يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يَمِينِهِ . وَقَالَ : كَانَ يَنْزِعُ خَاتَمَهُ إِذَا أَرَادَ الْجَنَابَةَ ، وَلَكِنْ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ مَعَ كَوْنِهِ صَدُوقًا كَانَ يُخْطِئُ ، وَلِذَا أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ تَضْعِيفَهُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ تَرَكُوهُ ، بَلْ قَالَ أَحْمَدُ أَظُنُّهُ كَانَ يُدَلِّسُ ، وَأَوْرَدَهُ شَيْخُنَا فِي الْمُدَلِّسِينَ . وَقَالَ إِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَوَصَفَهُ أَحْمَدُ بِالتَّدْلِيسِ . انْتَهَى فَرِوَايَتُهُ لَا تُعَلِّي رِوَايَةَ هَمَّامٍ انْتَهَى . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ الْبَصْرِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ خَاتَمًا نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، فَكَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَهُ . وَقَالَ وَهَذَا شَاهِدٌ ضَعِيفٌ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَقَدْ نُوزِعَ أَبُو دَاوُدَ فِي حُكْمِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِالنَّكَارَةِ مَعَ أَنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ حَكَمَ بِذَلِكَ لِأَنَّ هَمَّامًا انْفَرَدَ بِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَهَمَّامٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخَرِّجَا مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ عَنْهُ كَانَ بِالْبَصْرَةِ ، وَالَّذِينَ سَمِعُوا مِنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِالْبَصْرَةِ فِي حَدِيثِهِمْ خَلَلٌ مِنْ قِبَلِهِ ، وَالْخَلَلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ ابْنِ جُرَيْجٍ دَلَّسَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْقَاطِ الْوَاسِطَةِ وَهُوَ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، وَوَهِمَ هَمَّامٌ فِي لَفْظِهِ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَهَذَا وَجْهُ حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ مُنْكَرًا قَالَ : وَحُكْمُ النَّسَائِيِّ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَحْفُوظٍ أَصْوَبُ فَإِنَّهُ شَاذٌّ فِي الْحَقِيقَةِ إِذِ الْمُتفَرِدُ بِهِ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ لَكِنَّهُ بِالْمُخَالَفَةِ صَارَ حَدِيثُهُ شَاذًّا . قَالَ : وَأَمَّا مُتَابَعَةُ يَحْيَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ لَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَدْ تُفِيدُ لَكِنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ قَالَ فِيهِ : لَا أَعْرِفُهُ ، أَيْ أَنَّهُ مَجْهُولُ الْعَدَالَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ : كَانَ يُخْطِئُ . قَالَ عَلَى أَنَّ لِلنَّظَرِ مَجَالًا فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ هَمَّامٍ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ فِي اتِّخَاذِ الْخَاتَمِ ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَتْنًا آخَرَ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَتْنِ ، وَقَدْ مَالَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فَصَحَّحَهُمَا جَمِيعًا وَلَا عِلَّةَ لَهُ عِنْدِي إِلَّا تَدْلِيسُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَإِنْ وُجِدَ عَنْهُ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ فَلَا مَانِعَ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ فِي نُكَتِهِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ . انْتَهَى . ( إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ) : هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْخَاتَمِ مِنْ كِتَابِ الْخَاتَمِ وَلَفْظُهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ يَوْمًا وَاحِدًا فَصَنَعَ النَّاسُ فَلَبِسُوا وَطَرَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَرَحَ النَّاسُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَشُعَيْبٌ وَابْنُ مُسَافِرٍ كُلُّهُمْ قَالَ مِنْ وَرِقٍ . ( وَالْوَهْمُ فِيهِ ) : أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي إِتْيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ ( مِنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَرْوِهِ ) : حَدِيثَ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ( إِلَّا هَمَّامٌ ) : وَقَدْ خَالَفَ هَمَّامٌ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ لِأَنَّهُ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو عَاصِمٍ وَهِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُوسَى بْنُ طَارِقٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ، فَاضْطَرَبَ النَّاسُ الْخَوَاتِيمَ فَرَمَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَالصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ .
بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْبَوْلِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا : ثنا وَكِيعٌ ، ثنا الْأَعْمَشُ قَالَ : سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ : إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا ، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا وَقَالَ : لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا قَالَ هَنَّادٌ : يَسْتَتِرُ مَكَانَ يَسْتَنْزِهُ . حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثنا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ : كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : يَسْتَنْزِهُ بَابُ الِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَفْرِغَ بَقِيَّةَ الْبَوْلِ وَيُنَقِّيَ مَوْضِعَهُ وَمَجْرَاهُ حَتَّى يُبْرِئَهُمَا ، يُقَالُ : اسْتَبْرَأْتُ مِنَ الْبَوْلِ ، أَيْ تَنَزَّهْتُ عَنْهُ . ( وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ قَالَ بَلَى ، أَيْ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ ، وَهَكَذَا فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مَنْصُورٍ فَقَالَ : وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ ، وَهَذَا مِنْ زِيَادَاتِ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَلَى الْأَعْمَشِ وَلَمْ يُخَرِّجْها مُسْلِمٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا لَمْ يُعَذَّبَا فِي أَمْرٍ كَانَ يَكْبُرُ عَلَيْهِمَا أَوْ شَقَّ فِعْلُهُ لَوْ أَرَادَا أَنْ يَفْعَلَاهُ وَهُوَ التَّنَزُّهُ مِنَ الْبَوْلِ وَتَرْكُ النَّمِيمَةِ وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ لَيْسَتْ بِكَبِيرٍ ، وَأَنَّ الذَّنْبَ فِيهِمَا هَيِّنٌ سَهْلٌ ( أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَبْوَالَ كُلَّهَا نَجِسَةٌ مُنَجِّسَةٌ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِهِ ، لِوُرُودِ اللَّفْظِ بِهِ مُطْلَقًا عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ وَالشُّمُولِ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي بَوْلِ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ فِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ - بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ - بَوْلُ الْإِنْسَانِ لَا بَوْلُ سَائِرِ الْحَيَوَانِ ، فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي بَوْلِ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَكَأَنَّهُ أَرَادَ ابْنُ بَطَّالٍ رَدًّا عَلَى الْخَطَّابِيِّ . وَمُحَصَّلُ الرَّدِّ أَنَّ الْعُمُومَ فِي رِوَايَةِ مِنَ الْبَوْلِ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ لِقَوْلِهِ مِنْ بَوْلِهِ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ ، لَكِنْ يُلْتَحَقُ بِبَوْلِهِ بَوْلُ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنَ النَّاسِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ . قَالَ : وَكَذَا غَيْرُ الْمَأْكُولِ ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَلَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِمَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ بَوْلِهِ ، وَلِمَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ حُجَجٌ أُخْرَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُهُ مِنَ الْبَوْلِ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَا يَقْضِي الْعُمُومَ وَلَوْ سُلِّمَ ، فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِالْأَدِلَّةِ الْمَقْضِيَّةِ بِطَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ . انْتَهَى . ( يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ) : هِيَ نَقْلُ الْكَلَامِ عَلَى جِهَةِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ ( بِعَسِيبٍ رَطْبٍ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهُوَ الْجَرِيدُ وَالْغُصْنُ مِنَ النَّخْلِ ، يُقَالُ لَهُ الْعِثْكَالُ ( فَشَقَّهُ ) : أَيِ الْعَسِيبَ ( بِاثْنَيْنِ ) : هَذِهِ الْبَاءُ زَائِدَةٌ ، وَاثْنَيْنِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ( لَعَلَّهُ ) : الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ( يُخَفَّفُ ) : الْعَذَابُ ( عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا ) : الْعُودَانِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ دَعَا لَهُمَا بِالتَّخْفِيفِ مُدَّةَ بَقَاءِ النَّدَاوَةِ لَا أَنَّ فِي الْجَرِيدَةِ مَعْنًى يَخُصُّهُ وَلَا أَنَّ فِي الرَّطْبِ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْيَابِسِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ الْكِتَابِ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَاحِبَيِ الْقَبْرَيْنِ فَأُجِيبَتْ شَفَاعَتِي أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمَا مَا دَامَ الْعُودَانِ رَطْبَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( يَسْتَتِرُ مَكَانَ يَسْتَنْزِهُ ) : كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِمُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقُ ، الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرٍ يَسْتَبْرِئُ بِمُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ مَعْنَى الِاسْتِتَارِ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَوْلِهِ سُتْرَةً ، يَعْنِي لَا يَتَحَفَّظُ مِنْهُ فَتُوَافِقُ رِوَايَةَ لَا يَسْتَنْزِهُ لِأَنَّهَا مِنَ التَّنَزُّهِ وَهُوَ الْإِبْعَادُ . وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ عَنِ الْأَعْمَشِ : كَانَ لَا يَتَوَقَّى وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ ، وَأَجْرَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا يَسْتَتِرُ عَوْرَتَهُ . قُلْتُ : لَوْ حُمِلَ الِاسْتِتَارُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَلَزِمَ أَنَّ مُجَرَّدَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ كَانَ سَبَبَ الْعَذَابِ الْمَذْكُورِ . وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْبَوْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَذَابِ الْقَبْرِ خُصُوصِيَّةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ أَيْ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَيُعَذَّبُ فِي الْبَوْلِ وَمِثْلُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، ثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ قَالَ : انْطَلَقْتُ أَنَا وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ ، ثُمَّ اسْتَتَرَ بِهَا ، ثُمَّ بَالَ ، فَقُلْنَا : انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ فَسَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا لَقِيَ صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَوْلُ قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ ، فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : جِلْدِ أَحَدِهِمْ وَقَالَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَسَدِ أَحَدِهِمْ . ( دَرَقَةٌ ) : بِفَتْحَتَيْنِ : التُّرْسُ مِنْ جُلُودٍ لَيْسَ فِيهِ خَشَبٌ وَلَا عَصَبٌ ( انْظُرُوا إِلَيْهِ ) : تَعَجُّبٌ وَإِنْكَارٌ ، وَهَذَا لَا يَقَعُ مِنَ الصَّحَابِيِّ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ قَلِيلَ الْعِلْمِ ذَلِكَ : الْكَلَامَ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا لَقِيَ ) : مَا مَوْصُولَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَذَابُ ( صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) : بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ نَصْبُهُ ، أَيْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّنَزُّهِ مِنَ الْبَوْلِ حَالَ الْبَوْلِ ( كَانُوا ) : أَيْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ( إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ ) : مِنْ عَدَمِ الْمُرَاعَاةِ وَاهْتِمَامِ التَّنَزُّهِ ( قَطَعُوا مَا ) : أَيِ الثَّوْبَ الَّذِي ( مِنْهُمْ ) : أَيْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَكَانَ هَذَا الْقَطْعُ مَأْمُورًا بِهِ فِي دِينِهِمْ ( فَنَهَاهُمْ ) : أَيْ نَهَى الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ سَائِرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( فَعُذِّبَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، أَيِ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ وَعِصْيَانِ حُكْمِ شَرْعِهِ وَهُوَ تَرْكُ الْقَطْعِ ، فَحَذَّرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنْكَارِ الِاحْتِرَازِ مِنَ الْبَوْلِ لِئَلَّا يُصِيبَ مَا أَصَابَ الْإِسْرَائِيلِيَّ بِنَهْيِهِ عَنِ الْوَاجِبِ ، وَشَبَّهَ نَهْيَ هَذَا الرَّجُلِ عَنِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِنَهْيِ صَاحِبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْ مَعْرُوفِ دِينِهِمْ ، وَقَصْدُهُ فِيهِ تَوْبِيخُهُ وَتَهْدِيدُهُ وَأَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ، فَلَمَّا عَيَّرَ بِالْحَيَاءِ وَفِعْلِ النِّسَاءِ وَبَّخَهُ وإنَّهُ يُنْكِرُ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ ) : أَيِ الْمُؤَلِّفُ ( قَالَ مَنْصُورُ ) بْنُ الْمُعْتَمِرِ ( عَنْ أَبِي وَائِلٍ ) : شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ أَحَدِ سَادَةِ التَّابِعِينَ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) : الْأَشْعَرِيِّ وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ بْنُ سُلَيْمٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ ) : الْقَائِلُ هُوَ أَبُو مُوسَى . وَالْحَدِيثُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ جِلْدَ أَحَدِهِمْ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مُرَادُهُ بِالْجِلْدِ وَاحِدُ الْجُلُودِ الَّتِي كَانُوا يَلْبَسُونَهَا . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي حَمَلُوهُ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ ، فَفِيهَا كَانَ إِذَا أَصَابَ جَسَدَ أَحَدِهِمْ ، لَكِنْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ صَرِيحَةٌ فِي الثِّيَابِ ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى ( وَقَالَ عَاصِمُ ) : بْنُ بَهْدَلَةَ أَبُو بَكْرٍ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَالْعِجْلِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ .
بَابُ الْبَوْلِ قَايمًا حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا : ثنا شُعْبَةُ ( ح ) وَثنا مُسَدَّدٌ ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ ، وَهَذَا لَفْظُ حَفْصٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَايمًا ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مُسَدَّدٌ : قَالَ : فَذَهَبْتُ أَتَبَاعَدُ فَدَعَانِي حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ . بَابُ الْبَوْلِ قَائِمًا أَيْ مَا حُكْمُهُ ( حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ) : بْنِ الْحَارِثِ أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ الْبَصْرِيُّ عَنْ شُعْبَةَ وَهَمَّامٍ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجُوزَجَانِيُّ ، قَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ مُتْقِنٌ ( وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) : الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَشُعْبَةَ وَخَلْقٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَمِعْتُ مُسْلِمَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ : كَتَبْتُ عَنْ ثَمَانِمِائَةِ شَيْخٍ ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ ، وَقَالَ الْعِجْلِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ ، زَادَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ ( شُعْبَةُ ) : بْنُ الْحَجَّاجِ بْنُ الْوَرْدِ ( مُسَدَّدُ ) : بْنُ مُسَرْهَدٍ ( أَبُو عَوَانَةَ ) : الْوَضَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ أَحَدُ الْمَشَاهِيرِ وَثَّقَهُ الْجَمَاهِيرُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ يَغْلَطُ كَثِيرًا إِذَا حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ ، وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : فِي أَحَادِيثِهِ عَنْ قَتَادَةَ لِينٌ لِأَنَّ كِتَابَهُ كَانَ قَدْ ذَهَبَ قُلْتُ : اعْتَمَدَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ . ( وَهَذَا لَفْظُ حَفْصٍ ) : أَيِ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِيمَا بَعْدُ هُوَ لَفْظُ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ لَا لَفْظُ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) : بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ أَيْ يَرْوِي شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ ( أَبِي وَائِلٍ ) : شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ( حُذَيْفَةَ ) : بْنِ الْيَمَانِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ مِنَ السَّابِقِينَ ( سُبَاطَةَ قَوْمٍ ) : بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، هِيَ الْمَزْبَلَةُ وَالْكُنَاسَةُ تَكُونُ بِفِنَاءِ الدُّورِ مِرْفَقًا لِأَهْلِهَا ، وَتَكُونُ فِي الْغَالِبِ سَهْلَةً لَا يَرْتَدُّ فِيهَا الْبَوْلُ عَلَى الْبَائِلِ ( فَبَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُنَاسَةِ ( قَائِمًا ) : لِلْجَوَازِ أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ لِلْقُعُودِ مَكَانًا فَاضْطُرَّ لِلْقِيَامِ . قَالَ الْحَافِظُ : قِيلَ : السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَسْتَشْفِي لِوَجَعِ الصُّلْبِ بِذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ كَانَ بِهِ . وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : إِنَّمَا بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا لِجُرْحٍ كَانَ فِي مَأْبِضِهِ وَالْمَأْبِضُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ : بَاطِنُ الرُّكْبَةِ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ لِأَجْلِهِ مِنَ الْقُعُودِ . وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ فِيهِ غِنًى عَنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ، لَكِنْ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ الْبَوْلُ عَنْ قُعُودٍ . وَسَلَكَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ شَاهِينَ فِيهِ مَسْلَكًا آخَرَ فَزَعَمَا أَنَّ الْبَوْلَ عَنْ قِيَامٍ مَنْسُوخٌ ، وَاسْتَدَلَّا عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مَا بَالَ قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَبِحَدِيثِهَا أَيْضًا مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّهُ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا وَالصَّوَابُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ . وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إِلَى عِلْمِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي الْبُيُوتِ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْبُيُوتِ فَلَمْ تَطَّلِعْ هِيَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ حَفِظَهُ حُذَيْفَةُ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، فَتَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَى مَا نَفَتْهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ بَالُوا قِيَامًا ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ إِذَا أَمِنَ الرَّشَاشَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ شَيْءٌ ، انْتَهَى . ( فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ) : أَيْ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ مَقَامَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ( قَالَ ) : حُذَيْفَةُ ( فَدَعَانِي ) : فَقَالَ : يَا حُذَيْفَةُ اسْتُرْنِي كَمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عِصْمَةَ بْنِ مَالِكٍ ( حَتَّى كُنْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ ) : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَقِبٌ بِالْإِفْرَادِ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَقِبَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأحِجَارَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : ثنا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قُرْطٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ باب الاستنجاء إلخ ( يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ ) : أَيْ بِالْأَحْجَارِ ، وَيَسْتَطِيبُ صِفَةُ أَحْجَارٍ أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ ، وَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ وَالِاسْتِجْمَارُ كِنَايَةٌ عَنْ إِزَالَةِ الْخَارِجِ مِنَ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ ، فَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ تَارَةً يَكُونَانِ بِالْمَاءِ وَتَارَةً بِالْأَحْجَارِ ، وَالِاسْتِجْمَارُ مُخْتَصٌّ بِالْأَحْجَارِ ( فَإِنَّهَا تُجْزِئُ ) : بِضَمِّ التَّاءِ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ مِنْ أَجْزَأَ أَيْ تَكْفِي وَتُغْنِي . وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ : ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ التَّاءِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا انْتَهَى ، فَهُوَ مِنْ جَزَى يَجْزِي ، مِثْلُ قَضَى يَقْضِي وَزْنًا وَمَعْنًى أَيْ تَقْضِي الْأَحْجَارُ ( عَنْهُ ) : أَيْ عَنِ الِاسْتِطَابَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ أَوْ عَنِ الْمُسْتَنْجِي أَوْ عَنِ الْمَاءِ الْمَفْهُومِ مِنَ الْمَقَامِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مَعْنًى وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَفْظًا ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِطَابَةَ بِالْأَحْجَارِ تَكْفِي عَنِ الْمَاءِ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ بَعْدَمَا زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ ، وَذَلِكَ رُخْصَةٌ . وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ : إِنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحِجَارَةِ يُجْزِي وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ ، إِذَا أَنْقَى أَثَرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى وُجُوبِ التَّثْلِيثِ لِأَنَّ الْإِجْزَاءَ يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْوَاجِبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خُزَيْمَةَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : سُئِلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ : بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامٍ . ( عَنِ الِاسْتِطَابَةِ ) : أَيْ عَدَدِ حِجَارَةِ الِاسْتِنْجَاءِ ( رَجِيعٌ ) : رَوْثُ دَابَّةٍ لِأَنَّهُ عَلَفُ دَوَابِّ الْجِنِّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : إِذَا اسْتَنْجَى بِالْعَظْمِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ كَمَا لَوِ اسْتَنْجَى بِالرَّجِيعِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ ، وَكَمَا جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الْعَظْمِ أَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي الرَّجِيعِ أَنَّهُ عَلَفُ دَوَابِّ الْجِنِّ وإِنْ كَانَ فِي الرَّجِيعِ أَنَّهُ نَجَسٌ فَفِي الْعَظْمِ أَنَّهُ لَا يُنَظِّفُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدُّسُومَةِ ، وَقَدْ نَهَى عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِمَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ( كَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ ) : غَرَضُهُ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أَبَا أُسَامَةَ وَابْنَ نُمَيْرٍ قَدْ تَابَعَا أَبَا مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ عَلَى اسْمِ شَيْخِ هِشَامٍ فَقَالُوا عَنْ هِشَامٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ خُزَيْمَةَ ، وَهَذَا تَعْرِيضٌ عَلَى رِوَايَةِ سُفْيَانَ فَإِنَّهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو وَجْزَةَ . رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو وَجْزَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ أَبُو وَجْزَةَ وَأَخْطَأَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ خُزَيْمَةَ ، كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَكِيعٌ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّرَائِفِيُّ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بن سعيد الدَّارِمِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ يَقُولُ قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ : فَإِيشْ أَبُو وَجْزَةَ ، فَقَالُوا : شَاعِرٌ هَاهُنَا فَلَمْ آتِهِ ، قَالَ عَلِيٌّ : إِنَّمَا هُوَ أَبُو خُزَيْمَةَ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ خُزَيْمَةَ وَلَكِنْ كَذَا قَالَ سُفْيَانُ ، قَالَ عَلِيٌّ : الصَّوَابُ عِنْدِي عَمْرُو بْنُ خُزَيْمَةَ . انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَبُولُ بِاللَّيْلِ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُ عِنْدَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، ثنا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ ابنة رُقَيْقَةَ عَنْ أُمِّهَا أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَحٌ مِنْ عِيدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ باب في الرجل إلخ ( عَنْ حُكَيْمَةَ بِنْتِ أُمَيْمَةَ ابْنَةِ رُقَيْقَةَ ) : كُلُّهُنَّ مُصَغَّرَةٌ ( قَدَحٌ ) : بِفَتْحَتَيْنِ آنِيَةٌ مِنْ خَشَبٍ وَالْجَمْعُ أَقْدَاحٌ ( مِنْ عَيْدَانٍ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ : النَّخْلَةُ الطِّوَالُ الْمُتَجَرِّدَةُ مِنَ السَّعَفِ مِنْ أَعْلَاهُ إِلَى أَسْفَلِهِ جَمْعُ عَيْدَانَةَ . وَحَدِيثُ الْبَابِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَالٌ ، لَكِنَّهُ يُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَفِيهِمَا أَنَّهُ لَقَدْ دُعِيَ بِالطَّشتِ لِيَبُولَ فِيهَا الْحَدِيثَ ، لَكِنْ وَقَعَ هَذَا فِي حَالِ الْمَرَضِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا حَمَّادٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ آخر كتاب الطهارة . ( بِمِثْلِهِ ) أَيْ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ الْمَذْكُورِ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ وَقَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، قَالَ : أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْبُصَاقَ طَاهِرٌ وَكَذَا النُّخَامَةَ وَالْمُخَاطَ ، خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ : كُلُّ مَا تَسْتَقْذِرُهُ النَّفْسُ حَرَامٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَابُ الْبُزَاقِ يُصِيبُ الثَّوْبَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ : بَزَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبِهِ ، وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ . بَابُ الْبُزَاقِ يُصِيبُ الثَّوْبَ الْبُزَاقُ بِضَمِّ الْبَاءِ هُوَ الْبُصَاقُ ، وَفِي الْبُزَاقِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ ، بِالزَّاءِ وَالصَّادِ وَالسِّينِ ، وَالْأُولَيَانِ مَشْهُورَتَانِ . ( الْبُنَانِيُّ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ ( وَحَكَّ بَعْضَهُ بِبَعْضِ ) أَيْ رَدَّ بَعْضَ ثَوْبِهِ عَلَى بَعْضٍ . وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ أَبَا نَضْرَةَ تَابِعِيٌّ .
بَابُ في الِاسْتِبْرَاءِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْمُقْرِئُ قَالَا : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى التَّوْأَمُ ( ح ) وَنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ أَنَا أَبُو يَعْقُوبَ التَّوْأَمُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : بَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ ، فَقَالَ : مَا هَذَا يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ : هَذَا مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ . قَالَ : مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً بَابٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ هُوَ أَنْ يَمْكُثَ وَيَنْتُرَ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ ، كَذَا فِي حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ لِلشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ وَلِيِّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيِّ . وَحَاصِلُ مَعْنَى الِاسْتِبْرَاءِ الِاسْتِنْقَاءُ مِنَ الْبَوْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا . وَهَلِ الِاسْتِنْقَاءُ - أَيِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ - ضَرُورِيٌّ أَوْ يَكْفِي الْمَسْحُ بِالْحِجَارَةِ ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا ضَرُورِيًّا . فَإِنْ قُلْتَ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَلِمَ كَرَّرَ التَّرْجَمَةَ مَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ أَوَّلًا بَابَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ ، وَثَانِيًا بَابَ الِاسْتِبْرَاءِ . قُلْتُ : أَوْرَدَ فِي التَّرْجَمَةِ الْأُولَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُبَاعَدَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ وَالتَّوَقِّي عَنْهَا ، فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ وَالْمُرَادُ بِالتَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْحِجَارَةِ ، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ طَلَبُ الْبَرَاءَةِ . ( الْمُقْرَئِيُّ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهَمْزَةٍ ثُمَّ يَاءٍ ، نُسِبَ إِلَى مُقْرَأٍ قَرْيَةٌ بِدِمَشْقَ ( حَ ) هُوَ عَلَامَةُ التَّحْوِيلِ ، أَيِ الرُّجُوعُ مِنْ سَنَدٍ إِلَى سند آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَدِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ ( أَبُو يَعْقُوبَ التَّوْأَمُ ) : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْمُتَقَدِّمُ ( بِكُوزٍ ) : الْكُوزُ بِالضَّمِّ جَمْعُهُ كِيزَانٌ وَأَكْوَازٌ وَهُوَ مَا لَهُ عُرْوَةٌ مِنْ أَوَانِي الشُّرْبِ وَمَا لَا عُرْوَةَ لَهُ فَهُوَ كُوبٌ وَجَمْعُهُ أَكْوَابٌ ( مَا هَذَا يَا عُمَرُ ) : أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى قِيَامِكَ خَلْفِي وَلِمَ جِئْتَنِي بِمَاءٍ ( تَتَوَضَّأُ بِهِ ) أَيْ تَتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْبَوْلِ الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ ، وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ ( مَا أُمِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( كُلَّمَا بُلْتُ ) : صِيغَةُ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْبَوْلِ ( أَنْ أَتَوَضَّأَ ) : بَعْدَ الْبَوْلِ أَوْ أَسْتَنْجِيَ بَعْدَهُ بِالْمَاءِ ، وَكَانَ قَدْ يترك مَا هُوَ أَوْلَى وَأَفْضَلُ تَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ وَإِبْقَاءً وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ ( لَكَانَتْ ) : فَعْلَتِي ( سُنَّةً ) : أَيْ طَرِيقَةً وَاجِبَةً لَازِمَةً لِأُمَّتِي ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ التَّرَخُّصُ بِاسْتِعْمَالِ الْحَجَرِ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ قَالَ عَبْدُ الرَّءُوفِ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ : وَمَا ذَكَرَ مِنْ حَمْلِهِ الْوُضُوءَ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ هُوَ مَا فَهِمَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَبَوَّبُوا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ بِلَا ضَرُورَةٍ ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ وَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ حَمْلُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ الْمَعْهُودِ ، فَأَرَادَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِبَ الْحَدَثِ ، فَتَرَكَهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِيفًا وَبَيَانًا لِلْجَوَازِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الْإِعَادَةِ مِنْ النَّجَاسَةِ تَكُونُ فِي الثَّوْبِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا أَبُو مَعْمَرٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَتْنَا أُمُّ يُونُسَ بِنْتُ شَدَّادٍ قَالَتْ : حَدَّثَتْنِي حَمَاتِي أُمُّ جَحْدَرٍ الْعَامِرِيَّةُ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْنَا شِعَارُنَا وَقَدْ أَلْقَيْنَا فَوْقَهُ كِسَاءً ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ الْكِسَاءَ فَلَبِسَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ جَلَسَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذِهِ لُمْعَةٌ مِنْ دَمٍ ، فَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا يَلِيهَا فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ مَصْرُورَةً فِي يَدِ الْغُلَامِ فَقَالَ : اغْسِلِي هَذِهِ وَأَجِفِّيهَا وأَرْسِلِي بِهَا إِلَيَّ فَدَعَوْتُ بِقَصْعَتِي فَغَسَلْتُهَا ثُمَّ أَجْفَفْتُهَا ، فَأَحَرْتُهَا إِلَيْهِ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِصْفِ النَّهَارِ وَهِيَ عَلَيْهِ بَابُ الْإِعَادَةِ أَيْ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مِنَ النَّجَاسَةِ تَكُونُ فِي الثَّوْبِ ( أُمُّ يُونُسَ بِنْتِ شَدَّادٍ ) مَا رَوَى عَنْهَا غَيْرُ عَبْدِ الْوَارِثِ . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ وَابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ : لَا يُعْرَفُ حَالُهَا ( حَمَاتِي ) حَمَاةُ الْمَرْأَةِ وزانُ حَصَاةٍ أُمِّ زَوْجِهَا لَا يَجُوزُ فِيهَا غَيْرُ الْقَصْرِ ، وَكُلُّ قَرِيبٍ لِلزَّوْجِ مِثْلُ الْأَبِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ : حَمَا مِثْلُ عَصَا ، وَحَمٌ مِثْلُ يَدٍ ، وَحَمُوهَا مِثْلُ أَبُوهَا يُعْرَبُ بِالْحُرُوفِ ، وَحَمَأَ بِالْهَمْزَةِ مِثْلُ خَبَأَ ، وَكُلُّ قَرِيبٍ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ فَهُمُ الْأَخْتَانِ . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْحَمَأُ أَبُو الزَّوْجِ وَأَبُو امْرَأَةَ الرَّجُلِ . وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ أَيْضًا : وَحَمَأَ الرَّجُلُ أَبُو زَوْجَتِهِ أَوْ أَخُوهَا أَوْ عَمُّهَا . فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحَمَأَ يَكُونُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَالصِّهْرِ ، وَهَكَذَا نَقَلَهُ الْخَلِيلُ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( أُمُّ جَحْدَرٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ ( الْعَامِرِيَّةُ ) مَجْهُولَةٌ لَا يُعْرَفُ حَالَهَا . قَالَهُ الذَّهَبِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ ( شِعَارُنَا ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الْجَسَدَ ( فَوْقَهُ ) أَيْ فَوْقَ الشِّعَارِ ( لُمْعَةٌ ) كَغُرْفَةٍ قَدْرٍ يَسِيرٍ وَشَيْءٍ قَلِيلٍ ( فَقَبِضَ ) مِنْ سَمِعَ ( عَلَى مَا يَلِيهَا ) أَيِ اللُّمْعَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَهِيَ فِي الْأَصْلِ قِطْعَةٌ مِنَ النَّبْتِ إِذَا أَخَذَتْ فِي الْيُبْسِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ دَمِ الْحَيْضِ فَرَأَى بِهِ لُمْعَةً مِنْ دَمٍ ( فَبَعَثَ بِهَا ) أَيْ بِالثَّوْبِ الَّذِي فِيهِ اللُّمْعَةُ ( مَصْرُورَةً ) حَالٌ أَيْ مَجْمُوعَةً مُنْقَبِضَةً أَطْرَافُهَا وَأَصْلُ الصَّرِّ الْجَمْعُ وَالشَّدُّ ، وَكُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتُهُ فَقَدْ صَرَرْتُهُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ مَصْرُورٌ لِأَنَّ يَدَيْهِ جُمِعَتَا إِلَى عُنُقِهِ . كَذَا فِي اللِّسَانِ ( هَذِهِ ) أَيِ اللُّمْعَةِ ( وَأَجِفِّيهَا ) بِشِدَّةِ الْفَاءِ أَمْرٌ لِلْمُؤَنَّثِ الْحَاضِرِ مِنَ الْإِجْفَافِ أَيْ أَجِفِّي اللُّمْعَةَ الْوَاقِعَةَ فِي الثَّوْبِ ( بِقَصْعَتِي ) بِفَتْحِ الْقَافِ بِالْفَارِسِيَّةِ كاسه ( أَجَفَفْتُهَا ) مِنَ الْإِجْفَافِ ( فَأَحَرْتُهَا ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ عَلَى وَزْنِ رَدَدْتُهَا وَزْنًا وَمَعْنًى . كَذَا قَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ رَدَدْتُهَا إِلَيْهِ ، يُقَالُ : حَارَ الشَّيْءُ يَحُورُ بِمَعْنَى رَجَعَ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلَى أَيْ لَا يُبْعَثُ وَلَا يَرْجِعُ إِلَيْنَا فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِلْحِسَابِ ( وَهِيَ ) أَيِ الْكِسَاءُ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ اللُّمْعَةُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ ( عَلَيْهِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هُوَ غَرِيبٌ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعَادَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ ، فَكَيْفَ يَتِمُّ اسْتِدْلَالُ الْمُؤَلِّفِ مِنَ الْحَدِيثِ ، نَعَمِ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَجَنُّبِ الْمُصَلِّي مِنَ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ وَعَلَى الْعَفْوِ عَمَّا لَا يَعْلَمُ بِالنَّجَاسَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ ؟ قَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ جبْريلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا الْحَدِيثُ . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْعَفْوُ عَمَّا لَا يُعْلَمُ بِالنَّجَاسَةِ ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الصَّوَابُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، أَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا قَالَ : كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ ( إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْمُونَةَ ) : الْحِجَازِيِّ مَجْهُولُ الْحَالِ ( هَذِهِ الْآيَةُ ) : وَالْمُشَارُ إِلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِيهِ رِجَالٌ الْآيَةَ ( فِي أَهْلِ قُبَاءٍ ) : أَيْ فِي سَاكِنِيهِ ، وَقُبَاءٌ بِضَمِّ الْقَافِ وَخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمَمْدُودَةِ مَصْرُوفَةٌ وَفِيهِ لُغَةٌ بِالْقَصْرِ وَعَدَمِ الصَّرْفِ مَوْضِعٌ بِمِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هُوَ بِمَدٍّ وَصَرْفٍ عَلَى الصَّحِيحِ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا أَيْ يُحِبُّونَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فِي غَسْلِ الْأَدْبَارِ ( قَالَ ) : أَبُو هُرَيْرَةَ ( كَانُوا ) : أَيْ أَهْلُ قُبَاءٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ .
بَابٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ ، عَنْ خَالِدٍ ، يَعْنِي الْحَذَّاءَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ حَائِطًا وَمَعَهُ غُلَامٌ مَعَهُ مِيضَاةٌ ، وَهُوَ أَصْغَرُنَا ، فَوَضَعَهَا عِنْدَ السِّدْرَةِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ بَابٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَرَادَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ وَعَلَى مَنْ نَفَى وُقُوعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ فَقَالَ : إِذًا لَا يَزَالُ فِي يَدِي نَتَنٌ . وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : مَا كُنَّا نَفْعَلُهُ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ . وَعَنِ ابْنِ حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَنَعَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . ( حَائِطًا ) : أَيْ بُسْتَانًا ( غُلَامٌ ) : قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : الْغُلَامُ مِنْ لَدُنِ الْفِطَامِ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ( مَعَهُ ) : أَيْ مَعَ الْغُلَامِ ( مِيضَأَةٌ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِهَمْزَةٍ بَعْدَ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ ، كَالرَّكْوَةِ وَالْإِبْرِيقِ وَشِبْهِهِمَا ( فَوَضَعَهَا عِنْدَ السِّدْرَةِ ) : أَيْ فَوَضَعَ الْغُلَامُ الْمِيضَأَةَ عِنْدَ السِّدْرَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْحَائِطِ ، وَالسِّدْرَةُ شَجَرَةُ النَّبَقِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
بَابٌ الْأَذَى يُصِيبُ النَّعْلَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا أَبُو الْمُغِيرَةِ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ ، أَخْبَرَنِي أَبِي ( ح ) وَحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، نا عُمَرُ ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ الْمَعْنَى قَالَ : أُنْبِئْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ . بَابُ الْأَذَى يُصِيبُ النَّعْلَ ( أُنْبِئْتُ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِنْبَاءِ أَيْ أُخْبِرْتُ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى ، لِأَنَّ مَنْ أَخْبَرَ الْأَوْزَاعِيَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِيهِ ( الْمَقْبُرِيَّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا ، نِسْبَةً إِلَى مَوْضِعِ الْقُبُورِ . وَالْمَقْبُرِيُّونَ فِي الْمُحَدِّثِينَ جَمَاعَةٌ وَهُمْ سَعِيدٌ وَأَبُوهُ أَبُو سَعِيدٍ وَابْنُهُ عَبَّادٌ وَآلُ بَيْتِهِ وَغَيْرُهُمْ ( إِذَا وَطِئَ ) بِكَسْرِ الطَّاءِ بَعْدَهُ هَمْزَةٌ ، أَيْ مَسَحَ وَدَاسَ ( بِنَعْلِهِ ) وَفِي مَعْنَاهُ الْخُفُّ ( الْأَذَى ) أَيِ النَّجَاسَةَ ( فَإِنَّ التُّرَابَ ) أَيْ بَعْدَهُ ( لَهُ ) أَيْ لِنَعْلِ أَحَدِكُمْ ( طَهُورٌ ) بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ مُطَهِّرٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَعْمِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ : يُجْزِيهِ أَنْ يَمْسَحَ الْقَذَرَ فِي نَعْلِهِ أَوْ خُفِّهِ بِالتُّرَابِ وَيُصَلِّي فِيهِ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ فِي جَوَازِهِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَمْسَحُ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ إِذَا مَسَحَهُمَا بِالْأَرْضِ حَتَّى لَا يَجِدَ لَهُ رِيحًا وَلَا أَثَرًا رَجَوْتُ أَنْ يَجْزِيَهُ وَيُصَلِّي بِالْقَوْمِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَطْهُرُ النَّجَاسَاتُ إِلَّا بِالْمَاءِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي ثَوْبٍ أَوْ فِي الْأَرْضِ أَوْ حِذَاءٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : إِذَا أَصَابَ أَكْثَرُ الْخُفِّ أَوِ النَّعْلِ نَجَاسَةٌ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى ذَهَبَ أَكْثَرُهَا فَهُوَ طَاهِرٌ وَجَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا بُدَّ مِنَ الْغَسْلِ بِالْمَاءِ . انْتَهَى . قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ اللَّهِ الدَّهْلَوِيُّ فِي حُجَّةِ اللَّهِ الْبَالِغَةِ : النَّعْلُ وَالْخُفُّ يَطْهُرُ مِنَ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جِرْمٌ بِالدَّلْكِ ، لِأَنَّهُ جِسْمٌ صُلْبٌ لَا يَتَخَلَّلُ فِيهِ النَّجَاسَةُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الرَّطْبَةِ وَالْيَابِسَةِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، نا مُحَمَّدٌ ، يَعْنِي ابْنَ عَائِذٍ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى ، يَعْنِي ابْنَ حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، أَخْبَرَنِي أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ . ( أَخْبَرَنِي أَيْضًا ) هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أَيْضًا وَكَذَا فِي الْأَطْرَافِ لِلْحَافِظِ الْمِزِّيِّ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ مَشْهُورٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو الْمُغِيرَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ مَزِيدٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : أُنْبِئْتُ أَنَّ سَعِيدًا الْمَقْبُرِيَّ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْرِيُّ فَرَوَى هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا فَقَالَ : أَخْبَرَنِي أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ أَبِيهِ ، كَمَا أَخْبَرَنِي مِنْ طَرِيقِ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ . وَطَرِيقِ غَيْرِ أَبِيهِ هِيَ طَرِيقُ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، يَعْنِي الصَّنْعَانِيَّ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ : إِذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ . ( إِذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ وَالسِّتِّينَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ وَإِنْ ضُعِّفَ لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَى هَذَا أَبُو الْمُغِيرَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ مَزِيدٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ وَإِنْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى تَوْثِيقِهِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْحَدِيثِ مَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وَفِيهِ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ صَحَّحَهُ الْأَئِمَّةُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَا : نا زُهَيْرٌ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى ، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً ، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذَا مُطِرْنَا ؟ قَالَ : أَلَيْسَ بَعْدَهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا ؟ قَالَتْ : قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَهَذِهِ بِهَذِهِ ( عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ) هِيَ صَحَابِيَّةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ ، وَجَهَالَةُ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ لِأَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مَجْهُولَةٌ وَالْمَجْهُولُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ فِي الْحَدِيثِ . انْتَهَى . وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَقَالَ : مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، فَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ جَهَالَةَ اسْمِ الصَّحَابِيِّ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى ( إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْتِنَةً ) مِنَ النَّتْنِ ، أَيْ ذَاتٌ نَجِسَةٌ . وَالطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، أَيْ فِيهِا أَثَرُ الْجِيَفِ وَالنَّجَاسَاتِ ( إِذَا مُطِرْنَا ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ إِذَا جَاءَنَا الْمَطَرُ ( أَلَيْسَ بَعْدَهَا ) أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ الطَّرِيقِ ( طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا ) أَيْ أَطْهَرُ بِمَعْنَى الطَّاهِرِ ( فَهَذِهِ بِهَذِهِ ) أَيْ مَا حَصَلَ التَّنَجُّسُ بِتِلْكَ يُطَهِّرُهُ انْسِحَابُهُ عَلَى تُرَابِ هَذِهِ الطَّيِّبَةِ . قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ وَلِيُّ اللَّهِ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْمُسَوَّى شَرْحُ الْمُوَطَّأِ تَحْتَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : إِنْ أَصَابَ الذَّيْلَ نَجَاسَةُ الطَّرِيقِ ثُمَّ مَرَّ بِمَكَانٍ آخَرَ وَاخْتَلَطَ بِهِ طِينُ الطَّرِيقِ وَغُبَارُ الْأَرْضِ وَتُرَابُ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيَبِسَتِ النَّجَاسَةُ الْمُتعَلَّقَةُ فَيَطْهُرَ الذَّيْلُ الْمُنَجَّسُ بِالتَّنَاثُرِ أَوِ الْفَرْكِ ، وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مِنَ الشَّارِعِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ وَالضِّيقِ ، كَمَا أَنَّ غَسْلَ الْعُضْوِ وَالثَّوْبِ مِنْ دَمِ الْجِرَاحَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ ، وَكَمَا أَنَّ النَّجَاسَةَ الرَّطْبَةَ الَّتِي أَصَابَتِ الْخُفَّ تَزِيلُ بِالدَّلْكِ وَيَطْهُرُ الْخُفُّ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ ، وَكَمَا أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَنْقَعَ الْوَاقِعَ فِي الطَّرِيقِ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِسَبَبِ الْحَرَجِ . وَإِنِّي لَا أَجِدُ الْفَرْقَ بَيْنَ الثَّوْبِ الَّذِي أَصَابَهُ دَمُ الْجِرَاحَةِ وَالثَّوْبُ الَّذِي أَصَابَهُ الماء الْمُسْتَنْقَعُ النَّجَسُ وَبَيْنَ الذَّيْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ رَطْبَةٌ ثُمَّ اخْتَلَطَ بِهِ تُرَابُ الْأَرْضِ وَغُبَارُهَا وَطِينُ الطَّرِيقِ فَتَنَاثَرَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ أَوْ زَالَتْ بِالْفَرْكِ فَإِنَّ حُكْمَهما وَاحِدٌ . وَمَا قَالَ الْبَغَوِيُّ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ الَّتِي أَصَابَتِ الثَّوْبَ ثُمَّ تَنَاثَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالذَّيْلِ فِي الْمَشْيِ فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ تَكُونُ رَطْبَةٌ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالْقَطْعِ فِي عَادَةِ النَّاسِ ، فَإِخْرَاجُ الشَّيْءِ الَّذِي تَحَقَّقَ وُجُودُهُ قَطْعًا أَوْ غَالِبًا عَنْ حَالَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ بَعِيدٌ . وَأَمَّا طِينُ الشَّارِعِ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ ، لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ هُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ ، لَكِنْ عَدَلَ مِنْهُ بِإِسْنَادِ التَّطْهِيرِ إِلَى شَيْءٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا لِلنَّجَاسَةِ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ، وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الْأَوَّلِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ .
بَابٌ الْأَذَى يُصِيبُ الذَّيْلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَلِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ بَابُ الْأَذَى يُصِيبُ الذَّيْلَ الْأَذَى : كُلُّ مَا تَأَذَّيْتَ بِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ وَالْقَذَرِ وَالْحَجَرِ وَالشَّوْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالذَّيْلُ بِفَتْحِ الذَّالِ : هُوَ طَرَفُ الثَّوْبِ الَّذِي يَلِي الْأَرْضَ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهَا ، تَسْمِيَةٌ بِالْمَصْدَرِ وَالْجَمْعُ ذُيُولٌ ، يُقَالُ : ذَالَ الثَّوْبُ يَذِيلُ ذَيْلًا طَالَ حَتَّى مَسَّ الْأَرْضَ . ( عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ ) اسْمُهَا حُمَيْدَةُ تَابِعِيَّةٌ صَغِيرَةٌ مَقْبُولَةٌ . ذَكَرَهُ الزَّرْقَانِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : حُمَيْدَةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ يُقَالُ : هِيَ أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَقْبُولَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . انْتَهَى . ( أُطِيلُ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِطَالَةِ ( فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ ) أَيِ النَّجَسِ وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ ، أَيْ فِي مَكَانٍ ذَي قَذَرٍ ( يُطَهِّرُهُ ) أَيِ الذَّيْلَ ( مَا بَعْدَهُ ) فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ فَاعِلُ يُطَهِّرُ ، أَيِ الْمَكَانُ الَّذِي بَعْدَ الْمَكَانِ الْقَذِرِ بِزَوَالِ مَا يَتَشَبَّثُ بِالذَّيْلِ مِنَ الْقَذَرِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ : إِنَّمَا هُوَ فِي مَا جُرَّ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ بِالثَّوْبِ مِنْهُ شَيْءٌ ، فَأَمَّا إِذَا جُرَّ عَلَى رَطْبٍ فَلَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا بِالْغَسْلِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَيْسَ مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَهُ بَوْلٌ ثُمَّ مَرَّ بَعْدَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَنَّهَا تُطَهِّرُهُ وَلَكِنَّهُ يَمُرُّ بِالْمَكَانِ فَيُقَذِّرُهُ ثُمَّ يَمُرُّ بِمَكَانٍ أَطْيَبَ مِنْهُ فَيَكُونَ هَذَا بِذَاكَ لَا عَلَى أَنَّهُ يُصِيبُهُ مِنْهُ شَيْءٌ . وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ : إِنَّ الْأَرْضَ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَطَأَ الْأَرْضَ الْقَذِرَةَ ثُمَّ يَطَأَ الْأَرْضَ الْيَابِسَةَ النَّظِيفَةَ ، فَإِنَّ بَعْضَهَا يُطَهِّرُ بَعْضًا . فَأَمَّا النَّجَاسَةُ مِثْلُ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ يُصِيبُ الثَّوْبَ أَوْ بَعْضَ الْجَسَدِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْغَسْلُ . قَالَ : وَهَذَا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الزَّرْقَانِيُّ : وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى حَمْلِ الْقَذَرِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَلَوْ رَطْبَةٍ ، وَقَالُوا : يَطْهُرُ بِالْأَرْضِ الْيَابِسَةِ ، لِأَنَّ الذَّيْلَ لِلْمَرْأَةِ كَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ لِلرَّجُلِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَنَطَأَ الطَّرِيقَ النَّجِسَةَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ .
بَابُ الرَّجُلِ يَدْلُكُ يَدَهُ بِالْأَرْضِ إِذَا اسْتَنْجَى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ، نا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، نا شَرِيكٌ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، يَعْنِي الْمُخَرَّمِيَّ ، ثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ ، عن المغيرة عَنْ أَبِي زُرْعَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ رَكْوَةٍ فَاسْتَنْجَى . ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ أَتَمُّ . بَابُ الرَّجُلِ يَدْلُكُ يَدَهُ بِالْأَرْضِ إِذَا اسْتَنْجَى لِتُزِيلَ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ إِنْ بَقِيَتْ بَعْدَ الْغَسْلِ . ( عَنِ الْمُغِيرَةِ ) : اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْمُغِيرَةِ بَيْنَ جَرِيرٍ وَأَبِي زُرْعَةَ مَوْجُودٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَقَدْ بَالَغْتُ فِي تَتَبُّعِهِ فَلَمْ أَعْرِفْ مَنْ هُوَ ، وَالَّذِي تَحَقَّقَ لِي أَنَّهُ غَلَطٌ بِثَلَاثَةِ وُجُوِهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْحَافِظَ جَمَالَ الدِّينِ الْمِزِّيَّ ذَكَرَ فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ بِمَعْرِفَةِ الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ أَبَى هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُغِيرَةَ وَهَذَا لَفْظُهُ : أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قِيلَ اسْمُهُ هَرَمٌ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ عُمَرُ . وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَنِ ابْنِ أَخِيهِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ رَكْوَةٍ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَسْوَدَ بْنِ عَامِرٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيِّ عَنْ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ بِهِ . انْتَهَى . وَذَكَرَ الزَّيْلَعِيُّ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثَ فِي فَصْلِ الِاسْتِنْجَاءِ مِنْ تَخْرِيجِهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُغِيرَةَ فِي السَّنَدِ ، وَهَذَا لَفْظُهُ : حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ . الثَّانِي : قَالَ الطَّبَرَانِيُّ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَرِيرٍ ، تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْمُغِيرَةَ لَمْ يَرْوِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ . الثَّالِثُ : قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ : اطَّلَعْتُ عَلَى نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ قَلَمِيَّةٍ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِلْمُغِيرَةِ بَيْنَ جَرِيرٍ وَأَبِي زُرْعَةَ مُوَافِقٌ لِإِسْنَادِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذِكْرَهَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَزِيدِ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَإِمَّا وَهْمًا مِنَ النُّسَّاخِ . انْتَهَى . كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . وَقَالَ الشَّارِحُ فِي مَنْهِيَّةِ غَايَةِ الْمَقْصُودِ : وَالرَّابِعُ : أَنِّي طَالَعْتُ كِتَابَ رِجَالِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ لِلْحَافِظِ وَلِيِّ الدِّينِ الْعِرَاقِيِّ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ عِنْدَ شَيْخِنَا أَحْمَدَ الشَّرْقِيِّ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ ذِكْرَ الْمُغِيرَةِ . ( فِي تَوْرٍ ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ : إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ يُشْرَبُ مِنْهُ وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مِنْهُ الطَّعَامُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : . وَفِي الْمُتَوَسِّطِ فِيهِ جَوَازُ التَّوَضُّؤِ بِآنِيَةِ الصُّفْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ ( أَوْ رَكْوَةٍ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ ظَرْفٌ مِنْ جِلْدٍ ، أَيْ دَلْوٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُشْرَبُ فِيهِ الْمَاءُ ، وَالْجَمْعُ رِكَاءٌ ، وَأَوْ لِلشَّكِّ لِلرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَأْتِيهِ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا ( ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ ) : لِيَتَوَضَّأَ بِهِ ( فَتَوَضَّأَ ) : بِالْمَاءِ ، لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِالْمَاءِ الْبَاقِي مِنَ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْ بِالْإِنَاءِ الَّذِي اسْتَنْجَى بِهِ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِإِنَاءٍ آخَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْأَوَّلِ شَيْءٌ أَوْ بَقِيَ قَلِيلٌ ، وَالْإِتْيَانُ بِالْإِنَاءِ الْآخَرِ اتِّفَاقِيٌّ كَانَ فِيهِ الْمَاءُ فَأَتَى بِهِ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ إِنَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ غَيْرَ إِنَاءِ الْوَضُوءِ ( وَحَدِيثُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرٍ أَتَمُّ ) : مِنْ حَدِيثِ وَكِيعٍ ، وَحَدِيثُ وَكِيعٍ أَقْصَرُ مِنْ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ . أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَلَمَّا اسْتَنْجَى دَلَكَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ فِي طُهُورِ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَتْ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : كُنْتُ أَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا ، وَكَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ( بَابٌ فِي طُهُورِ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَتْ ) أَيْ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ . ( وَكُنْتُ فَتًى شَابًّا عَزَبًا ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الزَّاءِ هُوَ صِفَةٌ لِلشَّابِّ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لَا أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَوْلُهُ أَعْزَبُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاءِ أَيْ غَيْرُ مُتَزَوِّجٍ ، وَالْمَشْهُورُ فِيهِ عَزِبٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الزَّاءِ ، وَالْأَوَّلُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، مَعَ أَنَّ الْقَزَّازُ أَنْكَرَهَا . وَقَوْلُهُ : لَا أَهْلَ لَهُ ، هُوَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ أَعْزَبُ . انْتَهَى . ( وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَتْ لَفْظَةُ ( تَبُولُ ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ( وَتُقْبِلُ ) مِنَ الْإِقْبَالِ ( وَتُدْبِرُ ) مِنَ الْإِدْبَارِ ، وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ إِنْ جُعِلَتْ كَانَتْ نَاقِصَةً ، وَإِنْ جُعِلَتْ تَامَّةً بِمَعْنَى وُجِدَتْ كَانَ مَحَلُّ الْجُمْلَةِ النَّصْبَ عَلَى الْحَالِ ( فِي الْمَسْجِدِ ) حَالٌ أَيْضًا وَالتَّقْدِيرُ حَالُ كَوْنِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ لِلْعَهْدِ ، أَيْ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ ) مِنْ رَشِّ الْمَاءِ . وَفِي ذِكْرِ الْكَوْنِ مُبَالَغَةٌ لَيْسَتْ فِي حَذْفِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَمَا يُعَذِّبُهُمْ وَكَذَا فِي لَفْظِ الرَّشِّ حَيْثُ اخْتَارَهُ عَلَى الْغَسْلِ لِأَنَّ الرَّشَّ لَيْسَ جَرَيَانُ الْمَاءِ بِخِلَافِ الْغَسْلِ ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْجَرَيَانُ ، فَنَفْيِ الرَّشِّ أَبْلَغُ مِنْ نَفْيِ الْغَسْلِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : لَا يَنْضَحُونَهُ بِالْمَاءِ ( شَيْئًا ) مِنَ الْمَاءِ ، وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا عَامُّ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ ، وَهَذَا كُلُّهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي عَدَمِ نَضْحِ الْمَاءِ ( مِنْ ذَلِكَ ) الْبَوْلِ وَالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ فَذَهَبَ أَثَرُهَا تَطْهُرُ إِذْ عَدَمُ الرَّشِّ يَدُلُّ عَلَى جَفَافِ الْأَرْضِ ، وَطَهَارَتِهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : وَكَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ عَابِرَةً إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتْرُكَ الْكِلَابُ انْتِيَابَ الْمَسْجِدِ حَتَّى تَمْتَهِنَهُ وَتَبُولَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ إِقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا فِي أَوْقَاتٍ نَادِرَةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَسْجِدِ أَبْوَابٌ تَمْنَعُ مِنْ عُبُورِهَا فِيهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ قَالَ : جُفُوفُ الْأَرْضِ طُهُورُهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : الشَّمْسُ تُزِيلُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْأَرْضِ إِذَا ذَهَبَ الْأَثَرُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْأَرْضِ : إِذَا أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ لَا يُطَهِّرُهَا إِلَّا الْمَاءُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَاسْتَدَلَّ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ تَطْهُرُ إِذَا لَاقَتْهَا النَّجَاسَةُ بِالْجَفَافِ ، يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ لَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ صَبِّ الْمَاءِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، فَلَوْلَا أَنَّ الْجَفَافَ يُفِيدُ تَطْهِيرَ الْأَرْضِ مَا تَرَكُوا ذَلِكَ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَيْسَ عِنْدِي فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ خَفَاءٌ بَلْ هُوَ وَاضِحٌ ، فَالْأَرْضُ الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ فِي طَهَارَتِهَا وَجْهَانِ : الْأَوَّلُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهَا كَمَا سَلَفَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَالثَّانِي جَفَافُهَا وَيُبْسِهَا بِالشَّمْسِ أَوِ الْهَوَاءِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ ، ثنا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قُلْتُ : أَرَأَيْتَ تَوَضُّئ ابْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ عَمَّ ذَاكَ ؟ فَقَالَ : حَدَّثَتْنِيهِ أَسْمَاءُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ حَدَّثَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ . فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً ، فَكَانَ لَا يَدَعُ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ) : بْنِ يَسَارٍ : أَحَدُ الْأَئِمَّةِ ثِقَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ ( حَبَّانَ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ ( قَالَ ) : أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ( قُلْتُ ) : لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( أَرَأَيْتَ ) : مَعْنَاهُ الِاسْتِخْبَارُ أَيْ أَخْبِرْنِي عَنْ كَذَا وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ فِي الْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ ، تَقُولُ : أَرَأَيْتَ وَأَرَأَيْتُكَ وَأَرَأَيْتُكُمَا وَأَرَأَيْتُكُمْ ، وَاسْتِعْمَالُ أَرَأَيْتَ فِي الْإِخْبَارِ مَجَازٌ ، أَيْ أَخْبِرُونِي عَنْ حَالَتِكُمُ الْعَجِيبَةِ ، وَوَجْهُ الْمَجَازِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ سَبَبًا لِلْإِخْبَارِ عَنْهُ ، أَوِ الْإِبْصَارُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْإِحَاطَةِ بِهِ عِلْمًا وَإِلَى صِحَّةِ الْإِخْبَارِ عَنْهُ اسْتُعْمِلَتِ الصِّيغَةُ الَّتِي لِطَلَبِ الْعِلْمِ ، أَوْ لِطَلَبِ الْإِبْصَارِ فِي طَلَبِ الْخَبَرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّلَبِ ، فَفِيهِ مَجَازَانِ : اسْتِعْمَالُ رَأَى الَّتِي بِمَعْنَى عَلِمَ أَوْ أَبْصَرَ فِي الْإِخْبَارِ ، وَاسْتِعْمَالُ الْهَمْزَةِ الَّتِي هِيَ لِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ فِي طَلَبِ الْإِخْبَارِ . قَالَ أَبُو حيانَ فِي النَّهْرِ : وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ التَّاءَ هِيَ الْفَاعِلُ وَمَا لَحِقَهَا حَرْفُ خِطَابٍ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُخَاطَبِ ، وَمَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ أَنَّ الْفَاعِلَ هُوَ التَّاءُ وَأَنَّ أَدَاةَ الْخِطَابِ اللَّاحِقَةِ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ ، وَمَذْهَبُ الْفَرَّاءِ أَنَّ التَّاءَ هِيَ حَرْفُ خِطَابٍ كَهِيَ فِي أَنْتِ ، وَأَنَّ أَدَاةَ الْخِطَابِ بَعْدَهُ هِيَ فِي مَوْضِعِ الْفَاعِلِ اسْتُعِيرَتْ فِيهِ ضَمَائِرُ النَّصْبِ لِلرَّفْعِ ، وَلَا يَلْزَمُ من كَوْنِ أَرَأَيْتَ بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي أَنْ يَتَعَدَّى تَعْدِيَتَهُ لِأَنَّ أَخْبِرْنِي يَتَعَدَّى بِعَنْ ، تَقُولُ أَخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ، وَأَرَأَيْتَ يَتَعَدَّى لِمَفْعُولٍ بِهِ صَرِيحٍ وَإِلَى جُمْلَةٍ اسْتِفْهَامِيَّةٍ هِيَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ ، فَمَا - بِمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ - مُبْتَدَأٌ ، وَصَنَعَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَيَرِدُ عَلَى مَذْهَبِ الْكِسَائِيِّ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِكَ : أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا فَعَلَ ، فَلَوْ جَعَلْتَ الْكَافَ مَفْعُولًا لَكَانَتِ الْمَفَاعِيلُ ثَلَاثَةً . وَثَانِيهِمَا : أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَفْعُولًا لَكَانَ هُوَ الْفَاعِلَ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْكَافِ وَالتَّاءِ وَاقِعٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَرَأَيْتَ نَفْسَكَ ، بَلْ أَرَأَيْتَ غَيْرَكَ ، وَلِذَلِكَ قُلْتُ : أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا ، وَزَيْدٌ لَيْسَ هُوَ الْمُخَاطَبُ وَلَا هُوَ بَدَلٌ مِنْهُ وَقَالَ الْفَرَّاءُ كَلَامًا حَسَنًا رَأَيْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ فَإِنَّهُ مَتِينٌ نَافِعٌ ، قَالَ : لِلْعَرَبِ فِي أَرَأَيْتَ لُغَتَانِ وَمَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : رُؤْيَةُ الْعَيْنِ ، فَإِذَا أَرَدْتَ هَذَا عَدَّيْتَ الرُّؤْيَةَ بِالضَّمِيرِ إِلَى الْمُخَاطَبِ ، وَتَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ سَائِرِ الْأَفْعَالِ تَقُولُ لِلرِّجَالِ أَرَأَيْتُكَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالِ تُرِيدُ هَلْ رَأَيْتَ نَفْسَكَ ، ثُمَّ تُثَنَّى وَتُجْمَعُ ، فَتَقُولُ أَرَأَيْتُمَا كَمَا أَرَأَيْتُمُوكُمْ أَرَأَيْتنكُنَّ . الْمَعْنَى الْآخَرُ أَنْ تَقُولَ : أَرَأَيْتُكَ ، وَأَنْتَ تُرِيدُ مَعْنَى أَخْبِرْنِي كَقَوْلِكَ : أَرَأَيْتُكَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا مَاذَا تَفْعَلُ ، أَيْ أَخْبِرْنِي ، وَتُتْرَكُ التَّاءُ إِذَا أَرَدْتَ هَذَا الْمَعْنَى مُوَحَّدَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ . تَقُولُ : أَرَأَيْتُكُمَا أَرَأَيْتُكُمْ أَرَأَيْتُكُنَّ ، وَإِنَّمَا تَرَكَتِ الْعَرَبُ التَّاءَ وَاحِدَةً ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ وَاقِعًا مِنَ الْمُخَاطَبِ عَلَى نَفْسِهِ ؛ فَاكْتَفَوْا مِنْ عَلَامةِ الْمُخَاطَبِ بِذِكْرِهَا فِي الْكَافِ وَتَرَكُوا التَّاءَ فِي التَّذْكِيرِ وَالتَّوْحِيدِ مُفْرَدَةً إِذَا لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ وَاقِعًا . وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي الْجُمْلَةِ الِاسْتِفْهَامِيَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ الْمَنْصُوبِ : أَرَأَيْتُكَ زَيْدًا مَا صَنَعَ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ زَيْدًا مَفْعُولٌ أَوَّلٌ ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ سَادَّةٌ مَسَدَّ الْمَفْعُولِ الثَّانِي . وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ : إِنَّ جُمْلَةَ الِاسْتِفْهَامِيَّة فِي أَرَأَيْتك زَيْدًا مَا صَنَعَ بَدَلٌ مِنْ أَرَأَيْتُكَ . وَقَالَ الْأَخْفَشُ : إِنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ أَرَأَيْتَ الَّتِي بِمَعْنَى أَخْبِرْنِي مِنَ الِاسْمِ الْمُسْتَخْبَرِ عَنْهُ وَيَلْزَمُ الْجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَهُ الِاسْتِفْهَامُ لِأَنَّ أَخْبِرْنِي مُوَافِقٌ لِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ . قَالَهُ الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ جَمَلٍ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ . ( تَوَضِّئَ ابْنِ عُمَرَ ) : بِكَسْرِ الضَّادِ فَهَمْزَةٌ بِصُورَةِ الْيَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : صَوَابُهُ تَوَضُّؤَ بِضَمِّ الضَّادِ فَهَمْزَةٌ بِصُورَةِ الْوَاوِ وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنَ التَّفَعُّلِ ( طَاهِرًا ) : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ طَاهِرًا ( وَغَيْرَ طَاهِرٍ ) : الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ ( عَمَّ ذَاكَ ) : بِإِدْغَامِ نُونِ عَنْ فِي مِيمِ مَا سُؤَالٌ عَنْ سَبَبِهِ ( فَقَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( حَدَّثَتْنِيهِ ) : أَيْ فِي شَأْنِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( أُمِرَ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ ) : أَيِ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي التَّوَسُّطِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ : وَهَذَا الْأَمْرُ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُ لَهُ خَاصًّا بِهِ أَوْ شَامِلًا لِأُمَّتِهِ وَيَحْتَمِلُ كَوْنُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا بِأَنْ يَكُونَ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا . انْتَهَى . قُلْتُ : وَهَكَذَا فَهِمَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ . أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ثَنَا شُعْبَةُ ثَنَا مَسْعُودُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ الْآيَةَ ( أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) : ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ السِّوَاكَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى ) : هَذِهِ مَقُولَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( أَنَّ ) : حَرْفٌ مُشَبَّهٌ بِالْفِعْلِ ( بِهِ ) : أَيْ بِعَبْدِ اللَّهِ ، وَالْجَارُّ مَعَ مَجْرُورِهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِأَنَّ ( قُوَّةً ) : عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ اسْمُهُ الْمُؤَخَّرُ وَالْجُمْلَةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ مَفْعُولَيْ يَرَى ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ ، كَانَ يَفْعَلُهُ حَتَّى مَاتَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ سَبَبَ تَوَضُّؤِ ابْنِ عُمَرَ وُرُودُ الْأَمْرِ قَبْلَ النَّسْخِ ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ بَقِيَ الْجَوَازُ ( لَا يَدَعُ ) : مِنْ وَدَعَ يَدَعُ أَيْ لَا يَتْرُكُ . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ مَعَ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَعِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقْدِيرِ الْعِبَارَةِ بِأَنْ يُقَالَ أَيْ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءِ صَلَاةٍ ، كَمَا قَدَّرَهَا بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ ، بَلْ فِي هَذَا رَدُّ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَهِيَ السِّوَاكُ عِنْدَ الصَّلَاةِ ، وَعُلِّلَ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي عَمَلُهُ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ دَلَّتْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يُعْمَلَ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَتَمَشَّى هَذَا التَّعْلِيلُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَاكَ ثُمَّ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ كَمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ حَتَّى يَسْتَاكَ انْتَهَى . وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ جَازَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَسْتَاكَ ثُمَّ يَدْخُلَ وَيُصَلِّيَ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ الْمُسْتَقْذَرَاتِ ، كَيْفَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قريبا أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ كَانَ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ ، وَأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُوُكُهُمْ خَلْفَ آذَانِهِمْ يَسْتَنُّونَ بِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَأَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَرُوحُونَ وَالسِّوَاكُ عَلَى آذَانِهِمْ . ( رَوَاهُ ) : أَيِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ بِالسَّنَدِ الْمُتَقَدِّمِ ( قَالَ ) : أَيْ إِبْرَاهِيمُ ( عُبَيْدُ اللَّهِ ) : مُصَغَّرًا لَا مُكَبَّرًا ، وَأَخْرَجَهُ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ انْتَهَى .
بَابُ السِّوَاكِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ ، وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بَابُ السِّوَاكِ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالسِّوَاكُ : مَا تُدْلَكُ بِهِ الْأَسْنَانُ مِنَ الْعِيدَانِ مِنْ سَاكَ فَاهُ يَسُوكُهُ إِذَا دَلَكَهُ بِالسِّوَاكِ ، فَإِذَا لَمْ تَذْكُرِ الْفَمَ قُلْتَ اسْتَاكَ ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْآلَةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا وَجَمْعُهُ سُوُكٌ كَكُتُبٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ بِعُودٍ مِنْ أَرَاكٍ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ فَمِهِ عَرْضًا لَا طُولًا لِئَلَّا يُدْمِي لَحْمَ أَسْنَانِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَالْأَحَبُّ فِيهَا أَنْ يَكُونَ عَرْضًا ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ عِنْدَ الْعُقَيْلِيِّ . ( يَرْفَعُهُ ) : هَذِهِ مَقُولَةُ الْأَعْرَجِ ، أَيْ يَقُولُ الْأَعْرَجُ : يَرْفَعُ أَبُو هُرَيْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذِهِ صِيغَةٌ يُكَنَّى بِهَا عَنْ صَرِيحِ الرَّفْعِ فَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَقْسَامِ الْمَرْفُوعِ الْحُكْمِيِّ كَقَوْلِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ . صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَافِظُ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَوْلَا ) : مَخَافَةُ ( أَنْ أَشُقَّ ) : مَصْدَرِيَّةٌ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا ، أَيْ لَوْلَا الْمَشَقَّةُ مَوْجُود ( بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ ) : إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ . وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : لَأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ . ( وَبِالسِّوَاكِ ) : أَيْ لَأَمَرْتُهُمْ بِاسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ ، لِأَنَّ السِّوَاكَ هُوَ آلَةٌ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ أَيْضًا فَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيرَ ، وَالسِّوَاكُ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَحَكَى فِي الْمُحْكَمِ تَأْنِيثَهُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْأَزْهَرِيُّ ( عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) : وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ بِلَفْظِ : عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَخَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ عَنِ الْأَعْرَجِ فَقَالَ : مَعَ الْوُضُوءِ بَدَلَ الصَّلَاةِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ : لَوْلَا كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ لَوِ الدَّالَّةِ عَلَى انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ وَ لَا النَّافِيَةُ ، فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَمْرِ لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ لِأَنَّ انْتِفَاءَ النَّفْيِ ثُبُوتٌ ، فَيَكُونُ الْأَمْرُ مَنْفِيًّا لِثُبُوتِ الْمَشَقَّةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ نَفَىَ الْأَمْرَ مَعَ ثُبُوتِ النَّدْبِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ لِلنَّدْبِ لَمَا جَازَ النَّفْيُ . وَثَانِيهِمَا : أَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ مَشَقَّةً عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، إِذِ النَّدْبُ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشُقَ ، وَإِلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ صَارَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ ، لَكِنْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ : هُوَ وَاجِبٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ . وَعَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ وَاجِبٌ لَكِنْ لَيْسَ شَرْطًا . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ ، فَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا تَسَوَّكُوا وَلِأَحْمَدَ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَضْلَ السِّوَاكِ فَقَطْ ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ الْفَضْلَيْنِ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ فَضْلَ الصَّلَاةِ ، وَأَخْرَجَ فَضْلَ السِّوَاكِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فَضْلَ السِّوَاكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى نَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : فَرَأَيْتُ زَيْدًا يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّ السِّوَاكَ مِنْ أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ، فَكُلَّمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَاكَ . ( الْجُهَنِيِّ ) : الْمَدَنِيِّ مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ ( لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ ) : أَيْ لَوْلَا مَخَافَةُ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ لَأَمَرْتُهُمْ بِهِ ، لَكِنْ لَمْ آمُرْ بِهِ وَلَمْ أَفْرِضْ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ خَوْفِ الْمَشَقَّةِ ( وَإِنَّ السِّوَاكَ ) : أَيْ مَوْضِعَ السِّوَاكِ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ لِتَصْحِيحِ الْحَمْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ أَيْ وَلَكِنَّ ذَا الْبِرِّ مَنْ آمَنَ أَوْ وَلَكِنَّ الْبِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ ( مِنْ أُذُنِهِ ) : حَالٌ مِنَ الِاسْمِ الْمُضَافِ أَوْ صِفَةٌ لَهُ ( مَوْضِعُ الْقَلَمِ ) : بِالرَّفْعِ خَبَرُ إِنَّ ( مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ) : حَالٌ مِنَ الْخَبَرِ أَوْ صِفَةٌ لَهُ أَيْ إِنَّ مَوْضِعَ السِّوَاكِ الْكَائِنَ مِنْ أُذُنِ زَيْدٍ مَوْضِعُ الْقَلَمِ الْكَائِنِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ ، أَيْ يَضَعُ السِّوَاكَ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ ، أَوْ تَقْدِيرُ أَنَّ السِّوَاكَ كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ الْمَوْضُوعِ عَلَى أُذُنِ الْكَاتِبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( اسْتَاكَ ) : وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضِعَ الْقَلَمِ مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَحَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْفَضْلَيْنِ . وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابُ الْأَرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَابْنُ عَبْدَةَ فِي آخَرِينَ وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ عَبْدَةَ ، قال : أَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ ، فَصَلَّى قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ : رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ، صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ قَالَ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ . بَابُ الْأَرْضِ يُصِيبُهَا الْبَوْلُ ( فِي آخَرِينَ ) أَيْ حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ مِنْهُمْ ( أَنَّ أَعْرَابِيًّا ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي ، وَوَقَعَتِ النِّسْبَةُ إِلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ فَقِيلَ : لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ كَأَنَّمَا رَأَوْا لِأَنَّهُ لَوْ نُسِبَ إِلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ عَرَبٌ لَقِيلَ عَرَبِيُّ فَيَشْتَبِهُ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ . قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ( لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنْ بَابِ تَفَعَّلَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُ الْحَجْرِ الْمَنْعُ ، وَمِنْهُ الْحَجْرُ عَلَى السَّفِيهِ وَهُوَ مَنْعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَقَبْضُ يَدِهِ عَنْهُ ، يَقُولُ لَهُ : لَقَدْ ضَيَّقْتَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا وَسَّعَهُ ، وَمَنَعْتَ مِنْهَا مَا أَبَاحَهُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ غَيْرِكَ . انْتَهَى . ( فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ) فِي رِوَايَةِ للبُخَارِيِّ : فَزَجَرَهُ النَّاسُ ، وَلِمُسْلِمٍ : فَقَالَ الصَّحَابَةُ : مَهْ مَهْ ، وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : فَصَاحَ النَّاسُ بِهِ ( فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) عَنْ زَجْرِهِمْ ( إِنَّمَا بُعِثْتُمْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مُيَسِّرِينَ ) . حَالٌ أَيْ مُسَهِّلِينَ عَلَى النَّاسِ ( وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ) عَطْفٌ عَلَى السَّابِقِ عَلَى طَرِيقِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ مُبَالَغَةً فِي الْيُسْرِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ . أَيْ فَعَلَيْكُمْ بِالتَّيْسِيرِ أَيُّهَا الْأُمَّةَ ( صُبُّوا ) الصَّبُّ : السَّكْبُ ( عَلَيْهِ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارَيِّ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ( سَجْلًا مِنْ مَاءٍ ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : هُوَ الدَّلْوُ مَلْأَى ، وَلَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ وَهِيَ فَارِغَةٌ . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : السَّجْلُ : الدَّلْوُ وَاسِعَةٌ ، وَفِي الصَّحَّاحِ : الدَّلْوُ الضَّخِيمَةُ ( أَوْ قَالَ ذَنُوبًا ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . قَالَ الْخَلِيلُ : الدَّلْوُ مَلْأَى مَاءً وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : فِيهَا ماء قَرِيبٌ مِنَ الْمَلَاءِ ، وَلَا يُقَالُ لَهَا وَهِيَ فَارِغَةٌ : ذَنُوبٌ ، فَعَلَى التَّرَادُفِ أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ ; وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ أَنَسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهَا ذَنُوبٌ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُكَاثَرَةِ وَالْغَلَبَةِ طَهَّرَهَا وَأَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَاتِ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَبِنْ لِلنَّجَاسَةِ فِيهَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَاءُ طَاهِرًا لَكَانَ الْمَصْبُوبُ مِنْهُ عَلَى الْبَوْلِ أَكْثَرَ تَنْجِيسًا لِلْمَسْجِدِ مِنَ الْبَوْلِ نَفْسِهِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى طَهَارَتِهِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَطْهِيرِ الْأَرْضِ النَّجِسَةِ بِالْمُكَاثَرَةِ بِالْمَاءِ ، وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ نَقْلُ التُّرَابِ مِنَ الْمَكَانِ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِهِ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ ، وَظَاهِرُ ذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَأَمَرَ بِهِ وَلَوْ أَمَرَ بِهِ لَذُكِرَ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِنَقْلِ التُّرَابِ وَلَكِنَّهُ تُكُلِّمَ فِيهِ . وَأَيْضًا لَوْ كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِيرِ لَاكْتَفَى بِهِ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِصَبِّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إِلَى الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَرْضِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِنَحْوِهِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا جَرِيرٌ ، يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ ، يَعْنِي ابْنَ عُمَيْرٍ ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ : صَلَّى أَعْرَابِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ : وَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُوَ مُرْسَلٌ ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ ( ابْنِ مُقَرِّنٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ ( بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ) أَيْ قِصَّةِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ( قَالَ فِيهِ ) أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْقِلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنَ التُّرَابِ ) بَيَانُ مَا الْمَوْصُولَةِ ( فَأَلْقُوهُ ) أَيِ احْفِرُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ وَانْقُلُوا التُّرَابَ وَأَلْقُوهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ( وَأَهْرِيقُوا ) أَصْلُهُ أَرِيقُوا مِنَ الْإِرَاقَةِ فَالْهَاءُ زَائِدَةٌ ، وَيُرْوَى هَرِيقُوا فَتَكُونَ الْهَاءُ بَدَلًا مِنَ الْهَمْزَةِ ( ابْنُ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ .
بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ بَابُ بَوْلِ الصَّبِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الصَّبِيُّ الْغُلَامُ وَالْجَمْعُ صِبْيَةٌ وَصِبْيَانٌ . وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ عَنْ ثَابِتٍ : يَكُونُ صَبِيًّا مَا دَامَ رَضِيعًا . وَفِي الْمُنْتَخَبِ لِلْكُرَاعِ : أَوَّلُ مَا يُولَدُ الْوَلَدُ يُقَالُ لَهُ وَلِيدٌ وَطِفْلٌ وَصَبِيٌّ . وَقَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ : مَا دَامَ الْوَلِيدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَهُوَ جَنِينٌ ، فَإِذَا وَلَدَتْهُ يُسَمَّى صَبِيًّا مَا دَامَ رَضِيعًا ، فَإِذَا فُطِمَ يُسَمَّى غُلَامًا إِلَى سَبْعِ سِنِينَ . ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ . ( أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ ) بِالْجَرِّ صِفَةٌ لِابْنٍ ( لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامِ ) يَحْتَمِلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتِ بالطَّعَام وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الْعَقِيقَةِ أُتِيَ بِصَبِيٍّ يُحَنِّكُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَنَ يَرْتَضِعُهُ وَالتَّمْرَ الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ وَالْعَسَلَ الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا ، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاءُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ( فَأَجْلَسَهُ ) أَيِ الِابْنَ ( فِي حَجْرِهِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَتُكْسَرُ وَتُضَمُّ كَمَا فِي الْمُحْكَمِ وَغَيْرِهِ أَيْ حِضْنِهِ أَيْ وَضَعَهُ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَانَ كَمَا وُلِدَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجُلُوسَ حَصَلَ مِنْهُ عَلَى الْعَادَةِ إِنْ قُلْنَا كَانَ فِي سِنِّ مَنْ يَحْبُو كَمَا فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ( فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ) أَيْ ثَوْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ ) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَصَاحِبُ الْقَامُوسِ وَصَاحِبُ الْمِصْبَاحِ : النَّضْحُ الرَّشُّ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَقَدْ نَضَحَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَنَضَحَهُ بِهِ : إِذَا رَشَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَرِدُ النَّضْحُ بِمَعْنَى الْغَسْلِ وَالْإِزَالَةِ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : وَنَضَحَ الدَّمَ عَنْ جَبِينِهِ . وَحَدِيثُ الْحَيْضِ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ أَيْ تَغْسِلْهُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا . وَقَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : النَّضْحُ الرَّشُّ ، نَضَحَ عَلَيْهِ الْمَاءَ يَنْضَحُهُ نَضْحًا إِذَا ضَرَبَهُ بِشَيْءٍ فَأَصَابَهُ مِنْهُ رَشَاشٌ . وَفِي حَدِيثِ قَتَادَةَ : النَّضْحُ مِنَ النَّضْحِ ، يُرِيدُ مَنْ أَصَابَهُ نَضْحٌ مِنَ الْبَوْلِ وَهُوَ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْضَحَهُ بِالْمَاءِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : هُوَ أَنْ يُصِيبَهُ مِنَ الْبَوْلِ رَشَاشٌ كَرُؤوسِ الْإِبَرِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : النَّضْحُ مَا كَانَ عَلَى اعْتِمَادٍ وَهُوَ مَا نَضَحْتَهُ بِيَدِكَ مُعْتَمِدًا ، وَالنَّضْحُ مَا كَانَ عَلَى غَيْرِ اعْتِمَادٍ ، وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَكُلُّهُ رَشٌّ ، وَانْتَضَحَ : نَضَحَ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ عَلَى فَرْجِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَالِانْتِضَاحُ بِالْمَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مَاءً قَلِيلًا فَيَنْضَحَ بِهِ مَذَاكِيرَهُ وَمُؤْتَزَرَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ لِيَنْفِيَ بِذَلِكَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّضْحَ يَجِيءُ لِمَعَانٍ مِنْهَا الرَّشُّ ، وَمِنْهَا الْغَسْلُ ، وَمِنْهَا الْإِزَالَةُ ، وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِمَعْنَى الرَّشِّ أَكْثَرُ وَأَغْلَبُ وَأَشْهَرُ حَتَّى لَا يُفْهَمَ غَيْرُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنَّ الرَّشَّ غَيْرُ الْغَسْلِ فَإِنَّ الرَّشَّ أَخَفُّ مِنَ الْغَسْلِ ، وَفِي الْغَسْلِ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ الْمَغْسُولِ بِالْمَاءِ لِإِنْقَاءِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ وَلِإِزَالَةِ مَا هُنَاكَ ، وَالنَّضْحُ يَحْصُلُ إِذَا ضَرَبْتَ الْمَحَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَأَصَابَ رَشَاشٌ مِنَ الْمَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ النَّضْحِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْغَسْلِ بَلِ الرَّشُّ أَدْوَنُ وَأَنْقَصُ مِنَ الْغَسْلِ ( وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) : وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى النَّضْحِ أَيِ اكْتَفَى عَلَى النَّضْحِ وَالرَّشِّ وَلَمْ يَغْسِلِ الْمَحَلَّ الْمُتَلَوِّثَ بِالْبَوْلِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبُخَارِيُّ مِثْلَهُ سَنَدًا وَمَتْنًا . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا وَفِي لَفْظٍ لَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ : فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ وَفِي لَفْظٍ لَهُ : فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ رَدٌّ عَلَى الطَّحَاوِيِّ وَالْعَيْنِيِّ حَيْثُ قَالَا : إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْغَسْلُ . وَحَدِيثُ أُمِّ قَيْسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارِمِيُّ .
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ الْمَعْنَى قَالَا : نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ : كُنْتُ أَخْدِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ قَالَ : وَلِّنِي قَفَاكَ قَالَ : فَأُوَلِّيهِ قَفَايَ فَأَسْتُرُهُ بِهِ ، فَأُتِيَ بِحَسَنٍ أَوْ حُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ ، فَجِئْتُ أَغْسِلُهُ فَقَالَ : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ قَالَ عَبَّاسٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ أَبُو الزَّعْرَاءِ ، قَالَ هَارُونُ بْنُ تَمِيمٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : الْأَبْوَالُ كُلُّهَا سَوَاءٌ . ( حَدَّثَنِي مُحِلٌّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلِّنِي ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ أَمْرٌ مِنَ التَّوْلِيَةِ وَتَكُونُ التَّوْلِيَةُ انْصِرَافًا . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ وَهِيَ هَاهُنَا انْصِرَافٌ ، يُقَالُ : تَوَلَّى عَنْهُ إِذَا أَعْرَضَ وَتَوَلَّى هَارِبًا أَيْ أَدْبَرَ . وَالتَّوَلِّي يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِعْرَاضِ . قَالَ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ : قَدْ تَكُونُ التَّوْلِيَةُ بِمَعْنَى التَّوَلِّي ، يُقَالُ : وَلَّيْتُ وَتَوَلَّيْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . انْتَهَى . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَلِّنِي أَيِ اصْرِفْ عَنِّي وَجْهَكَ وَحَوِّلْهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ( فَأُوَلِّيهِ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ( قَفَايَ ) أَيْ ظَهْرِي أَيْ أَصْرِفُ عَنْهُ وَجْهِي ، وَأَجْعَلُ ظَهْرِي إِلَى جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَأَسْتُرُهُ ) أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِهِ ) أَيْ بِانْصِرَافِ ظَهْرِي إِلَيْهِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ ( فَأُتِيَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( عَلَى صَدْرِهِ ) يَعْنِي مَوْضِعَهُ مِنَ الثِّيَابِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : حَدِيثُ أَبِي السَّمْحِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَزَّارُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ ، قَالَ الْبَزَّارُ وَأَبُو زُرْعَةَ : لَيْسَ لِأَبِي السَّمْحِ غَيْرُهُ ، وَلَا أَعْرِفُ اسْمَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : اسْمُهُ إِيَادٌ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ بَوْلِهِ وَبَوْلِهَا ( قَالَ عَبَّاسٌ ) فِي رِوَايَتِهِ ( حَدَّثَنَا ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَأَمَّا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى فَقَالَ : حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهُوَ ) أَيْ يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ الْكُوفِيُّ كُنْيَتُهُ ( أَبُو الزَّعْرَاءِ ) بِفَتْحِ الزَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ( عَنِ الْحَسَنِ ) الْبَصْرِيِّ الْإِمَامِ الْجَلِيلِ ( قَالَ : الْأَبْوَالُ كُلُّهَا سَوَاءٌ ) فِي النَّجَاسَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ . هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَالْمُتَبَادِرُ فِي مَعْنَى كَلَامِ الْحَسَنِ الَّذِي نَقَلَهُ هَارُونُ ، وَلَمْ أَقِفْ مَنْ أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا ، نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : بَوْلُ الْجَارِيَةِ يُغْسَلُ غَسْلًا وَبَوْلُ الْغُلَامِ يُتَتَبَّعُ بِالْمَاءِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ : يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ . ( يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ ) هَكَذَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، نا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ . فَذَكَرَ مَعْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا لَمْ يَطْعَمْ ، زَادَ : قَالَ قَتَادَةُ : هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا الطَّعَامَ ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا . ( فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ) أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ الْمَوْقُوفِ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) أَيْ هِشَامٌ ( مَا لَمْ يَطْعَمْ ) كَمَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ( زَادَ ) هِشَامٌ فِي رِوَايَتِهِ ( قَالَ قَتَادَةُ هَذَا ) أَيِ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ أَيْ النَّضْحُ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ وَغَسْلُ بَوْلِ الْجَارِيَةِ ( مَا لَمْ يَطْعَمَا ) أَيِ الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ ( غُسِلَا ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بَوْلُهُمَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَذَكَرَ أَنَّ هِشَامًا الدَّسْتُوَائِيَّ رَفَعَهُ عَنْ قَتَادَةَ ، وَأَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ وَقَفَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ لَا يَرْفَعُهُ وَهِشَامٌ يَرْفَعُهُ وَهُوَ حَافِظٌ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أُمِّهِ قالت : إنَّهَا أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ ، فَإِذَا طَعِمَ غَسَلَتْهُ ، وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الْجَارِيَةِ ( عَنِ الْحَسَنِ ) الْبَصْرِيِّ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ( عَنْ أُمِّهِ ) خَيْرَةُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَوْلَاةُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( أَنَّهَا ) أَيْ خَيْرَةُ ( أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ تَصُبُّ الْمَاءَ إِلَخْ ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : سَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهَا مَوْقُوفًا أَيْضًا وَصَحَّحَهُ . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : وَمِمَّنْ قَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ . قَالُوا : يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَجْلِ التَّخْفِيفِ الَّذِي وَقَعَ فِي إِزَالَتِهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُغْسَلُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ مَعًا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ النَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ الْمَعْنَى قَالَا : نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ : كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَالَ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ : الْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ . قَالَ : إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى ، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ ( عَنْ لُبَابَةَ ) بِضَمِّ اللَّامِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ ( فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ فِي حِضْنِهِ وَهُوَ مَا دُونَ الْإِبْطِ إِلَى الْكَشْحِ ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّمَا يُغْسَلُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( وَيُنْضَحُ ) أَيْ يُرَشُّ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ وَأَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ يَكْفِيهِ النَّضْحُ بِالْمَاءِ وَلَا حَاجَةَ فِيهِ لِلْغَسْلِ ، وَأَنَّ بَوْلَ الصَّبِيَّةِ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْغَسْلِ وَلَا يَكْفِيهِ النَّضْحُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا زُهَيْرٌ ( ح ) وَثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ حِسَابٍ الْبَصْرِيُّ ، نا سُلَيْمٌ ، يَعْنِي ابْنَ أَخْضَرَ الْمَعْنَى وَالْإِخْبَارُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمٍ قَالَا : نا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : إِنَّهَا كَانَتْ تَغْتسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ ثُمَّ أَرَا فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا ( الْمَعْنَى ) وَاحِدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ لِزُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَيُوَافِقُهُ سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ فِي الْمَعْنَى ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِبَعْضِ لَفْظِ هَذَا وَبَعْضِ لَفْظِ الْآخَرِ فَرَوَاهُ عَنْهُمَا بِالْمَعْنَى قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَهَذَا الثَّانِي يُقَرِّبُ قَوْلَ مُسْلِمٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ ( وَالْإِخْبَارُ ) مَصْدَرٌ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ ( فِي حَدِيثِ سُلَيْمٍ ) دُونَ حَدِيثِ زُهَيْرٍ أَيْ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ إِلَى عَائِشَةَ كُلٌّ مِنَ الرُّوَاةِ يَرْوُونَ بِالْأَخْبَارِ وَالسَّمَاعِ لَا بِالْعَنْعَنَةِ ، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ لَيْسَ كَذَلِكَ . وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ إِثْبَاتُ سَمَاعِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِنْ عَائِشَةَ ( ثُمَّ أَرَاهُ ) مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ أَيْ أَبْصَرَهُ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى أَثَرِ الْغُسْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِيهِ ) أَيْ فِي الثَّوْبِ أَيْ أَرَى أَثَرَ الْغُسْلِ فِي الثَّوْبِ ( بُقْعَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي أَرَاهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَأَنَا أَرَى أَثَرَ الْغُسْلِ فِيهِ . وَالْبُقْعَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْقَافِ عَلَى وَزْنِ نُطْفَةٍ فِي الْأَصْلِ قِطْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ يُخَالِفُ لَوْنُهَا لَوْنَ مَا يَلِيهَا ( أَوْ بُقَعًا ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُ بُقْعَةٍ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْبُقَعُ اخْتِلَافُ اللَّوْنَيْنِ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ أَوْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَهَارَةِ الْمَنِيِّ وَنَجَاسَتِهِ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بِطَهَارَتِهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِنَجَاسَتِهِ . وَالَّذِينَ قَالُوا بِنَجَاسَتِهِ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ إِزَالَتِهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يَغْسِلُ رَطْبَهُ وَيَابِسَهُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَغْسِلُ رَطْبَهُ وَيَفْرُكُ يَابِسَهُ . أَمَّا مَالِكٌ فَعَمِلَ بِالْقِيَاسِ فِي الْحُكْمَيْنِ أَعْنِي نَجَاسَتَهُ وَإِزَالَتَهُ بِالْمَاءِ ، انْتَهَى . وَأَمَّا بَسْطُ الدَّلَائِلِ مَعَ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا وَمَا هُوَ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْكُورٌ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ .
بَابُ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَاحْتَلَمَ ، فَأَبْصَرَتْهُ جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ وَهُوَ يَغْسِلُ أَثَرَ الْجَنَابَةِ مِنْ ثَوْبِهِ أَوْ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ ، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورَوَاهُ الْأَعْمَشُ كَمَا رَوَاهُ الْحَكَمُ . 135 - بَابُ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ ( عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَاحْتَلَمَ ) الظَّاهِرُ مِنَ الْعِبَارَةِ ، أَنَّ فَاعِلَ احْتَلَمَ هُوَ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ شُبَيْبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ : كُنْتُ نَازِلًا عَلَى عَائِشَةَ فَاحْتَلَمْتُ فِي ثَوْبِي الْحَدِيثَ فَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُحْتَلِمَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابٍ الْخَوْلَانِيُّ فَيُحْمَلَانِ عَلَى الْوَاقِعَتَيْنِ وَالْقَضِيَّتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَأَخْبَرَتْ ) الْجَارِيَةُ ( وَأَنَا أَفْرُكُهُ ) بِضَمِّ الرَّاءِ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَقَدْ تُكْسَرُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْفَرْكُ الدَّلْكُ حَتَّى يَذْهَبَ الْأَثَرُ مِنَ الثَّوْبِ . وَفِي الْمِصْبَاحِ فَرَكْتُهُ مِثْلُ حَتَتُّهُ وَهُوَ أَنْ تَحُكَّهُ بِيَدِكَ حَتَّى يَتَفَتَّتَ وَيَتَقَشَّرَ ( وَرَوَاهُ الْأَعْمَشُ كَمَا رَوَاهُ الْحَكَمُ ) . أَيْ أَنَّ الْحَكَمَ وَالْأَعْمَشَ كِلَيْهِمَا يَرْوِيَانِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ عِنْدَ مُسْلِمٍ . وَأَمَّا حَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُغِيرَةُ وَوَاصِلٌ فَكُلُّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ كَمَا سَيَجِيءُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادُ ، عَنْ حَمَّادِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، أن عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي فِيهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَافَقَهُ مُغِيرَةُ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَوَاصِلٌ . ( فَيُصَلِّي فِيهِ ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ ، وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصَابِعِي ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَغْسِلُهُ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ : الثَّوْبُ الَّذِي اكْتَفَتْ فِيهِ بِالْفَرْكِ ثَوْبُ النَّوْمِ ، وَالثَّوْبُ الَّذِي غَسَلَتْهُ ثَوْبُ الصَّلَاةِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ( وَافَقَهُ ) مِنَ الْمُوَافَقَةِ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ يَرْجِعُ إِلَى حَمَّادٍ ( مُغِيرَةُ ) فَاعِلُ وَافَقَ وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ ( وَأَبُو مَعْشَرٍ ) عَطْفٌ عَلَى مُغِيرَةَ وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ ( وَوَاصِلٌ ) وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ .
بَابٌ : كَيْفَ يَسْتَاكُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ قَالَا : ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ مُسَدَّدٌ : قَالَ : أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَرَأَيْتُهُ يَسْتَاكُ عَلَى لِسَانِهِ . وَقَالَ سُلَيْمَانُ : قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَاكُ وَقَدْ وَضَعَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ : إِهْ إِهْ يَعْنِي يَتَهَوَّعُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مُسَدَّدٌ : كَانَ حَدِيثًا طَوِيلًا اخْتَصَرهُ . باب كيف يستاك على لسانه ( أَبِي بُرْدَةَ ) : أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ ( أَبِيهِ ) : أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ( قَالَ ) : أَبُو مُوسَى ( نَسْتَحْمِلُهُ ) : أَيْ نَطْلُبُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْلَانَهُ عَلَى الْبَعِيرِ ، وَهَذَا السُّؤَالُ مِنْ أَبِي مُوسَى حِينَ جَاءَ هُوَ وَنَفَرٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحْمِلُونَهُ فَحَلَفَ لَا يَحْمِلُهُمْ ثُمَّ جَاءَهُ إِبِلٌ فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا وَقَالَ : لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي الْحَدِيثَ ( قَالَ ) : أَبُو مُوسَى ( عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ ) : أَيْ طَرَفِهِ الدَّاخِلِ كَمَا عِنْدَ أَحْمَدَ يَسْتَنُّ إِلَى فَوْقُ ( يَقُولُ إِهْ إِهْ ) : بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَاءٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أُعْ أُعْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِتَقْدِيمِ الْعَيْنِ عَلَى الْهَمْزَةِ ، وَلِلْجَوْزَقِيِّ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ الْمَكْسُورَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَرِوَايَةُ أُعْ أُعْ أَشْهَرُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ لِتَقَارُبِ مَخَارِجِ هَذِهِ الْأَحْرُفِ ، وَكُلُّهَا تَرْجِعُ إِلَى حِكَايَةِ صَوْتِهِ ، إِذْ جَعَلَ السِّوَاكَ عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ ( يَعْنِي يَتَهَوَّعُ ) : وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ دُونَ أَبِي مُوسَى ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ أَرَاهُ يَعْنِي يَتَهَوَّعُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ أَبِي مُوسَى ، وَالتَّهَوُّعُ التَّقَيُّؤُ ، أَيْ لَهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ الْمُتَقَيِّئِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السِّوَاكِ عَلَى اللِّسَانِ طُولًا ، وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَالْأَحَبُّ فِيهَا أَنْ تَكُونَ عَرْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ بَيَانِهِ ( قَالَ مُسَدَّدٌ كَانَ ) : أَيِ الْمَذْكُورُ من الحديث ( اخْتَصَرَهُ ) : بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمَ . قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : كَذَا فِي أَصْلِنَا ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَنْ بَعْضِ النُّسَخِ ، وَنَقَلَ عَنْ عَامَّةِ النُّسَخِ ، اخْتَصَرْتُهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَالَّذِي فِي عَامَّةِ النُّسَخِ هُوَ الصَّحِيحُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
134 - بَابٌ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ سُفْيَانَ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ يُحَدِّثُهُ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَعَلَيْهِ مِرْطٌ وَعَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ مِنْهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَيْهِ أَيْ فِي الْأَمْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَهُوَ الصَّلَاةُ فِي شُعُرِ النِّسَاءِ أَيْ جَوَازُ ذَلِكَ . ( صَلَّى وَعَلَيْهِ مِرْطٌ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمِرْطُ : هُوَ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ إِزَارًا وَيَكُونُ رِدَاءً ، وَقَدْ يُتَّخَذُ مِنْ صُوفٍ وَيُتَّخَذُ مِنْ خَزٍّ وَغَيْرِهِ . انْتَهَى . ( وَعَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ مِنْهُ ) أَيْ مِنَ الْمِرْطِ ( وَهِيَ حَائِضٌ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَيْهِ ) أَيِ الْمِرْطُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ : وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، نا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَنَا حَائِضٌ وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَنَا حَائِضٌ وَعَلَيَّ مِرْطٌ لِي وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ثِيَابَ الْحَائِضِ طَاهِرَةٌ إِلَّا مَوْضِعًا تَرَى عَلَيْهِ دَمًا أَوْ نَجَاسَةً أُخْرَى . وَفِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الْحَائِضِ ، وَجَوَازُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَى الْمُصَلِّي وَبَعْضُهُ عَلَى حَائِضٍ أَوْ غَيْرِهَا . انْتَهَى .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْآخَرِ ، فَأَوْحَي إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ أَنْ كَبِّرْ أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا . باب في الرجل إلخ ( يَسْتَنُّ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ : مِنَ السِّنِّ بِالْكَسْرِ أَوِ الْفَتْحِ ، إِمَّا ; لِأَنَّ السِّوَاكَ يَمُرُّ عَلَى الْأَسْنَانِ أَوْ لِأَنَّهُ يَسُنُّهَا ، أَيْ يُحَدِّدُهَا يُقَالُ : سَنَنْتُ الْحَدِيدَ ، أَيْ حَكَكْتُهُ عَلَى الْحَجَرِ حَتَّى يَتَحَدَّدَ ، وَالْمِسَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْحَجَرُ الَّذِي يُمدُّ عَلَيْهِ السِّكِّينُ . وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ ( أَنْ كَبِّرْ ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ نَائِبُ فَاعِلِ أَوْحَى ، أَيْ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنَّ فَضْلَ السِّوَاكِ وَحَقَّهُ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ . وَمَعْنَى كَبِّرْ ، أَيْ قَدِّمِ الْأَكْبَرَ سِنًّا فِي إِعْطَاءِ السِّوَاكِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِيهِ تَقْدِيمُ ذِي السِّنِّ فِي السِّوَاكِ ، وَيُلْتَحَقُ بِهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْمَشْيُ وَالْكَلَامُ ، وَهَذَا مَا لَمْ يَتَرَتَّبِ الْقَوْمُ فِي الْجُلُوسِ ، فَإِذَا تَرَتَّبُوا فَالسُّنَّةُ حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ الْأَيْمَنِ . وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الْغَيْرِ بِرِضَاهُ الصَّرِيحِ أَوِ الْعُرْفِيِّ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ( أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا ) : الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي . كَذَا فِي الشَّرْحِ . وَقَالَ فِي مَنْهِيَّةِ الشَّرْحِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ هَاهُنَا هَذِهِ الْعِبَارَةُ : قَالَ أَحْمَدُ هُوَ ابْنُ حَزْمٍ قَالَ لَنَا أَبُو سَعِيدٍ هُوَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ . هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ . انتهى . قُلْتُ : أَحْمَدُ هُوَ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنُ حَزْمٍ ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ وَجِيهُ الدِّينِ أَبُو الضِّيَاءِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنُ عُمَرَ الدَّيْبَعُ الشَّيْبَانِيُّ فِي ثَبْتِهِ وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ بِشْرٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَحَدُ رُوَاةِ السُّنَنِ لِلْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ ، وَكَانَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي نُسْخَةِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، فَبَعْضُ النُّسَّاخِ لِرِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ فَأَدْرَجَهَا فِي نُسْخَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ . وَغَرَضُ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ مُتَفَرِّدَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مُسْنَدًا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي فِي مَلَاحِفِنَا قَالَ حَمَّادٌ : وَسَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِي صَدَقَةَ قَالَ : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ فَلَمْ يُحَدِّثْنِي ، وَقَالَ : سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَانٍ وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ سَمِعْتُهُ ، وَلَا أَدْرِي أَسَمِعْتُهُ مِنْ ثَبْتٍ أَوْ لَا ، فَسَلُوا عَنْهُ . ( كَانَ لَا يُصَلِّي فِي مَلَاحِفِنَا ) قَالَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ مَنْظُورٍ الْمِصْرِيُّ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : اللِّحَافُ وَالْمِلْحَفُ وَالْمِلْحَفَةُ : اللِّبَاسُ الَّذِي فَوْقَ سَائِرِ اللِّبَاسِ مِنْ دِثَارِ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَغَطَّيْتَ بِهِ فَقَدِ الْتَحَفْتَ بِهِ ، وَاللِّحَافُ : اسْمُ مَا يُلْتَحَفُ بِهِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : اللِّحَافُ : كُلُّ مَا تَغَطَّيْتَ بِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمِلْحَفَةُ : وَاحِدَةُ الْمَلَاحِفِ وَتَلَحَّفَ بِالْمِلْحَفَةِ وَاللِّحَافِ ، وَالْتَحَفَ وَلُحِّفَ بِهِمَا : تَغَطَّى بِهِمَا . انْتَهَى . فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الملحفة وَاللِّحَافَ والملحف ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى اللِّبَاسِ الَّذِي فَوْقَ سَائِرِ اللِّبَاسِ مِنْ دِثَارِ الْبَرْدِ وَنَحْوِهِ ، لَكِنْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ يُتَغَطَّى بِهِ . وَلِذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : اللِّحَافُ : كُلُّ مَا تَغَطَّيْتَ بِهِ . فَإِذًا مَعْنَى قَوْلِهَا : لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا أَوْ لُحُفِنَا وَاحِدٌ لِأَنَّ الشِّعَارَ هُوَ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي الْجَسَدَ ، وَاللِّحَافُ يُطْلَقُ عَلَى مَا تَغَطَّيْتَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَلِي الْجَسَدَ أَوْ فَوْقَ اللِّبَاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( سَأَلْتُ مُحَمَّدًا ) يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ ( عَنْهُ ) أَيْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( فَلَمْ يُحَدِّثْنِي ) بِهَذَا الْحَدِيثِ ( وَقَالَ ) مُحَمَّدٌ مُعْتَذِرًا ( سَمِعْتُهُ مُنْذُ زَمَانٍ وَلَا أَدْرِي مِمَّنْ سَمِعْتُهُ ) أَيْ لَا أَحْفَظُ اسْمَ شَيْخِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( وَلَا أَدْرِي أَسَمِعْتُهُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ( مِنْ ثَبْتٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ ثَبْتٌ ، إِذَا كَانَ عَدْلًا ضَابِطًا ، وَمِنْهُ قِيلَ للحجة : ثَبْتٌ ، وَالْجَمْعُ أَثَبَاتٌ ، مِثْلُ سَبَبٌ وَأَسْبَابٌ ، وَرَجُلٌ ثَبْتٌ بِسُكُونِ الْبَاءِ مُتَثَبِّتٌ فِي أُمُورِهِ ( فَسَلُوا عَنْهُ ) أَيْ فَاسْأَلُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرِي مِنَ الْعُلَمَاءِ .
بَابُ الصَّلَاةِ فِي شُعُرِ النِّسَاءِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا الْأَشْعَثُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا أَوْ لُحُفِنَا . قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : شَكَّ أَبِي 133 - بَابُ الصَّلَاةِ فِي شُعُرِ النِّسَاءِ ( لَا يُصَلِّي فِي شُعُرِنَا أَوْ لُحُفِنَا ) شُعُرٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَالْعَيْنِ جَمْعُ شِعَارٍ ، وَالْمُرَادُ بِالشِّعَارِ هَاهُنَا الْإِزَارُ الَّذِي كَانُوا يَتَغَطَّوْنَ بِهِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : إِنَّمَا امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ ، وَطَهَارَةُ الثَّوْبِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ النَّوْمِ فِيهَا . انْتَهَى . وَلُحُفٌ جَمْعُ لِحَافٍ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُلْتَحَفُ بِهِ ( قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : شَكَّ أَبِي ) فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَيْ فِي شُعُرِنَا أَوْ لُحُفِنَا .
بَابُ غَسْلِ السِّوَاكِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ، نا عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ الْحَاسِبُ ، نا كَثِيرٌ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لِأَغْسِلَهُ ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بَابُ غَسْلِ السِّوَاكِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ لِلنَّظَافَةِ ، وَدَفْعِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْفَمِ ، لِئَلَّا يَنْفِرَ الطَّبْعُ عَنْهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ مَرَّةً أُخْرَى . ( لِأَغْسِلَهُ ) : أَيِ السِّوَاكَ لِلتَّطييبِ وَالتَّنْظِيفِ ( فَأَبْدَأُ بِهِ ) : أَيْ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي فَمِي قَبْلَ الْغَسْلِ لِيَصِلَ بَرَكَةُ فَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيَّ وَالْحَدِيثُ فِيهِ ثُبُوتُ التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَالتَّلَذُّذِ بِهَا ، وَفِيهِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ سِوَاكِ الْغَيْرِ جَائِزٌ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ السِّوَاكِ .
بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِيهِ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ ، أَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُهَا فِيهِ ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ ، إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ فِيهِ ) أَيْ يُجَامِعُهَا فِيهِ . ( إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذًى ) أَيْ مُسْتَقْذَرٌ أَوْ نَجَاسَةٌ ، أَيْ إِذَا لَمْ يَرَ فِي الثَّوْبِ أَثَرَ الْمَنِيِّ أَوِ الْمَذْيِ أَوْ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ، وَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ تَحْتَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي غُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَفِيهِ : وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الْأَذَى . وَقَوْلُهُ : وَمَا أَصَابَهُ مِنْ أَذًى لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي النَّجَاسَةِ وَأَبْعَدَ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ أَوْ عَلَى نَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْفَرْجِ ، لِأَنَّ الْغُسْلَ ليس مَقْصُورٌ عَلَى إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهَا : مِنَ أَذًى ، هُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّجَاسَةِ لَا غَيْرَ ، وَمَا قَالَ الْحَافِظُ فَفِيهِ بعد كَمَا لَا يَخْفَى . وَحَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ السِّوَاكِ مِنْ الْفِطْرَةِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ ، عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ : قَصُّ الشَّارِبِ ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَالسِّوَاكُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ قَالَ زَكَرِيَّا : قَالَ مُصْعَبٌ : وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَةَ بَابُ السِّوَاكِ مِنَ الْفِطْرَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ ، أَيِ السُّنَّةِ الْقَدِيمَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ . ( يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ : أَبُو زَكَرِيَّا الْبَغْدَادِيُّ : ثِقَةٌ حَافِظٌ مَشْهُورٌ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَجَمَاعَةٍ وَعَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَخَلَائِقُ . قَالَ أَحْمَدُ : كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ يَحْيَى فَلَيْسَ بِحَدِيثٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ( عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ ) : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : فَسَّرَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْفِطْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالسُّنَّةِ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُمِرْنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَأَوَّلُ مَنْ أُمِرَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَرَهُ بِعَشْرِ خِصَالٍ ثُمَّ عَدَّدَهُنَّ فَلَمَّا فَعَلَهُنَّ قَالَ : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا لِيُقْتَدَى بِكَ وَيُسْتَنَّ بِسُنَّتِكَ ، وَقَدْ أُمِرَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِمُتَابَعَتِهِ خُصُوصًا ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَيُقَالُ : كَانَتْ عَلَيْهِ فَرْضًا وَهُنَّ لَنَا سُنَّةٌ ( قَصُّ الشَّارِبِ ) : أَيْ قَطْعُ الشَّعْرِ النَّابِتِ عَلَى الشَّفَةِ الْعُلْيَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْصَالٍ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ، وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِلَفْظِ الْحَلْقِ وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، وَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْخَاتَمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ) : هُوَ إِرْسَالُهَا وَتَوْفِيرُهَا . وَاللِّحْيَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ : شَعْرُ الْخَدَّيْنِ وَالذَّقَنِ ، وَفِي رِوَايَةِ للْبُخَارِيِّ : وَفِّرُوا اللِّحَى وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ : أَوْفُوا اللِّحَى وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْفُرْسِ قَصُّ اللِّحْيَةِ ، فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِإِعْفَائِهَا ( وَالسِّوَاكُ ) : لِأَنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ( وَالِاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ ) : أَيْ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى خَيَاشِيمِهِ ، يَحْتَمِلُ حَمْلُهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِيهِ الشَّرْعُ بِاسْتِحْبَابِهِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالِاسْتِيقَاظِ ، وَعَلَى مُطْلَقِهِ ، وَعَلَى حَالِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ بِاجْتِمَاعِ أَوْسَاخٍ فِي الْأَنْفِ وَكَذَا السِّوَاكُ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا ( وَقَصُّ الْأَظْفَارِ ) : جَمْعُ ظُفُرٍ أَيْ تَقْلِيمُهَا ( الْبَرَاجِمُ ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِالْجِيمِ : جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَهِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَفَاصِلُهَا كُلُّهَا ( وَنَتْفُ الْإِبْطِ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ، وَالْمُسْتَحَبُّ الْبَدَاءَةُ فِيهِ بِالْيُمْنَى ، وَيَتَأَدَّى أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْحَلْقِ وَلَا سِيَّمَا مَنْ يُؤْلِمُهُ النَّتْفُ . قَالَ الْغَزَالِيُّ : هُوَ فِي الِابْتِدَاءِ مُوجِعٌ ، وَلَكِنْ يَسْهُلُ عَلَى مَنِ اعْتَادَهُ . قَالَ : وَالْحَلْقُ كَافٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّظَافَةُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي نَتْفِهِ أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، وَإِنَّمَا يَنْشَأُ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَخِ الَّذِي يَجْتَمِعُ بِالْعَرَقِ ، فَشُرِعَ فِيهِ النَّتْفُ الَّذِي يُضْعِفُهُ ، فَتُخَفَّفُ الرَّائِحَةُ بِهِ بِخِلَافِ الْحَلْقِ ، فَإِنَّهُ يُكْثِرُ الرَّائِحَةَ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : مَنْ نَظَرَ إِلَى اللَّفْظِ وَقَفَ مَعَ النَّتْفِ وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى أَجَازَهُ بِكُلِّ مُزِيلٍ ( وَحَلْقُ الْعَانَةِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْعَانَةِ الشَّعْرُ الَّذِي فَوْقَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَحَوَالَيْهِ وَكَذَا الشَّعْرُ الَّذِي حَوَالَيْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ : أَنَّهُ الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوْلَ حَلْقَةِ الدُّبُرِ ، فَتَحَصَّلَ عَنْ مَجْمُوعِ هَذَا اسْتِحْبَابُ حَلْقِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَحَوْلِهِمَا ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعَانَةُ : الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْفَرْجِ ، وَقِيلَ هُوَ مَنْبَتُ الشَّعْرِ ، وكَأَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ حَلْقِ مَا حَوْلَ الدُّبُرِ ذَكَرَهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ . قَالَ : وَالْأَوْلَى فِي إِزَالَةِ الشَّعْرِ هَاهُنَا الْحَلْقُ اتِّبَاعًا ( يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ ) : هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ وَكِيعٍ كَمَا بَيَّنَهُ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَسَّرَهُ وَكِيعٌ بِالِاسْتِنْجَاءِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ : انْتِقَاصُ الْبَوْلِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي غَسْلِ الْمَذَاكِيرِ . قَالَ النَّوَوِيُّ انْتِقَاصٌ بِالْقَافِ وَالصَّادِ : هُوَ الِانْتِضَاحُ ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ الِانْتِضَاحُ بَدَلَ انْتِقَاصِ الْمَاءِ . قَالَ الْجُمْهُورُ : الِانْتِضَاحُ : نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِيَنْفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الِانْتِفاصُ بِالْفَاءِ : رَشُّ الْمَاءِ مِنْ خَلَلِ الْأَصَابِعِ عَلَى الذَّكَرِ ، وَالِانْتِقَاصُ بِالْقَافِ : مِثْلُهُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْمَاءِ خَاصِّيَّةُ قَطْعِ الْبَوْلِ ( أَنْ تَكُونَ ) : الْعَاشِرَةُ ( الْمَضْمَضَةَ ) : فَهَذَا شَكٌّ مِنْ مُصْعَبٍ فِي الْعَاشِرَةِ ، لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَلَعَلَّهَا الْخِتَانُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْخَمْسِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ أَوْلَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا : نا حَمَّادٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ مُوسَى : عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ دَاوُدُ : عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مِنْ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ ، وَزَادَ وَالْخِتَانَ قَالَ : وَالِانْتِضَاحَ وَلَمْ يَذْكُرْ انْتِقَاصَ الْمَاءِ ، يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ : خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ ، وَذَكَرَ فِيه الْفَرْقَ وَلَمْ يَذْكُرْ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ نَحْوُ حَدِيثِ حَمَّادٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَوْلُهُمْ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ . وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَحْوُهُ ، وَذَكَرَ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ وَالْخِتَانَ . ( عَنْ سَلَمَةَ ) : الْمَدَنِيِّ ، مَجْهُولِ الْحَالِ ( قَالَ مُوسَى ) : بْنُ إِسْمَاعِيلَ ( عَنْ أَبِيهِ ) : مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الْعَنْسِيِّ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَات . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ وَحَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلٌ لِأَنَّ أَبَاهُ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ . انْتَهَى . ( وَقَالَ دَاوُدُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَحَدِيثُهُ عَنْ جَدِّهِ عَمَّارٍ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : مُرْسَلٌ ، وَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَرَ جَدَّهُ . انْتَهَى . وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ إِنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمَّارٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَإِنْ رَوَى عَنْ جَدِّهِ عَمَّارٍ ، فالحديث منقطع لأن سلمة لم ير جده عمارا ( فَذَكَرَ نَحْوَهُ ) : أَيْ ذَكَرَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أو مُحَمَّدٌ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَتَمَامُ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ قَالَ : مِنَ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَالِاسْتِحْدَادُ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَالِانْتِضَاحُ وَالِاخْتِتَانُ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : أَحَدُهُمَا فِي حَدِيثِهِ ( وَزَادَ ) : أَحَدُهُمَا ( قَالَ ) : أَيْ أَحَدُهُمَا ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ وَانْتِقَاصِ الْمَاءِ ، وَزَادَ فِيهِ الْخِتَانَ وَالِانْتِضَاحَ وَهُوَ نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الْوَسْوَاسُ ( وَرُوِيَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( نَحْوَهُ ) : أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ ( الْفَرْقَ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ : هُوَ أَنْ يَقْسِمَ رَأْسَهُ نِصْفًا مِنْ يَمِينِهِ وَنِصْفًا مِنْ يَسَارِهِ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : ابْنُ عَبَّاسٍ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قَالَ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالطَّهَارَةِ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ ، فِي الرَّأْسِ : قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ ، وَفِي الْجَسَدِ : تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَالْخِتَانُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ ( رُوِيَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( قَوْلُهُمْ ) : مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ( رُوِيَ ) : أَيْ قَوْلُ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَمُجَاهِدٍ وَبَكْرٍ الْمُزَنِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ دُونَ مُتَّصِلٍ مَرْفُوعٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا هَؤُلَاءِ فِي حَدِيثِهِمْ . ( نَحْوَهُ ) : أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( وَذَكَرَ ) : أَيْ إِبْرَاهِيمُ فِي رِوَايَتِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ ، نا بَكَّارُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبِ الْحَائِضِ فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : قَدْ كَانَ يُصِيبُنَا الْحَيْضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَلْبَثُ إِحْدَانَا أَيَّامَ حَيْضِهَا ثُمَّ تَطَّهَّرُ ، فَتَنْظُرُ الثَّوْبَ الَّذِي كَانَتْ تَقْلِبُ فِيهِ فَإِنْ أَصَابَهُ دَمٌ غَسَلْنَاهُ وَصَلَّيْنَا فِيهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَرَكْنَاهُ ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِ ، وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ فَكَانَتْ إِحْدَانَا تَكُونُ مُمْتَشِطَةً ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ لَمْ تَنْقُضْ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهَا تَحْفِنُ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ، فَإِذَا رَأَتْ الْبَلَلَ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ دَلَكَتْهُ ، ثُمَّ أَفَاضَتْ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهَا ( ثُمَّ تَطَهَّرُ ) صِيغَةُ الْمُضَارِعِ الْمُؤَنَّثِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ بَابِ تَفَعَّلَ يُقَالُ : تَطَهَّرْتُ إِذَا اغْتَسَلَتَ . كَانَتْ تَقْلِبُ فِيهِ : مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ أَيْ تَحِيضُ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : قَلَبْتُ الْبُسْرَةَ إِذَا احْمَرَّتْ ، وَالْقَالِبُ بِالْكَسْرِ : الْبُسْرُ الْأَحْمَرُ ، ( تَرَكْنَاهُ ) أَيِ الثَّوْبَ عَلَى حَالِهِ وَمَا غَسَلْنَاهُ ( وَلَمْ يَمْنَعْنَا ذَلِكَ ) أَيْ عَدَمُ غَسْلِهِ ( وَأَمَّا الْمُمْتَشِطَةُ ) اسْمُ الْفَاعِلِ مِنَ الِامْتِشَاطِ ، يُقَالُ : مَشَطْتُ الشَّعْرَ مَشْطًا ، مِنْ بَابَيْ قَتَلَ وَضَرَبَ : سَرَّحْتُهُ . وَالتَّثْقِيلُ مُبَالَغَةٌ . وَامْتَشَطَتِ الْمَرْأَةُ : مَشَطَتْ شَعْرَهَا ( لَمْ تَنْقُضْ ذَلِكَ ) أَيِ الشُّعُورَ الْمَضْفُورَ ( وَلَكِنَّهَا تَحْفِنُ ) مِنَ الْحَفْنِ ، وَهُوَ ملأ الْكَفَّيْنِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ : أَيْ تَأْخُذُ الْحَفْنَةَ مِنَ الْمَاءِ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ : إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ فَقَالَتْ : فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ للدَّمُ ؟ قَالَ : يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ ( أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ ) قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى . وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ فَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ لَا مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَالْحَدِيثُ فِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ : وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ وَلَهُ شَاهِدٌ مُرْسَلٌ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَالْمُرَادُ بِالْأَثَرِ مَا تَعَسَّرَ إِزَالَتُهُ جَمْعًا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ : حُكِّيهِ بِضِلْعٍ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدْ كَانَ يَكُونَ لِإِحْدَانَا الدِّرْعُ فِيهِ تَحِيضُ وفيه تُصِيبُهَا الْجَنَابَةُ ، ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا ( قَدْ كَانَ يَكُونُ لِإِحْدَانَا ) أَيْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهُوَ بِحُكْمِ الْمَرْفُوعِ ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى ( الدِّرْعُ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ قَمِيصُ الْمَرْأَةِ ( فَتَقْصَعَهُ بِرِيقِهَا ) أَيْ تُدَلِّكُهُ وَتُزِيلُهُ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا يَحْيَى ، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قال : ثَنِي ثَابِتٌ الْحَدَّادُ ، ثَنِي عَدِيُّ بْنُ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ تَقُولُ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ قَالَ : حُكِّيهِ بِضِلْعٍ ، وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ( أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ : ابْنِ حَرْثَانَ أُخْتُ عُكَّاشَةَ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّ امْرَأَةً عَمَّرَتْ مَا عَمَّرَتْ ( حُكِّيهِ ) أَمْرٌ لِلْمُؤَنَّثِ الْمُخَاطَبِ مِنْ بَابِ قَتَلَ يُقَالُ : حَكَكْتُ الشَّيْءَ حَكًّا قَشَّرْتُهُ ( بِضِلْعٍ ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَأَمَّا اللَّامُ فَتُفْتَحُ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ وَتُسَكَّنُ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ بِعُودٍ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ ضِلْعُ الْحَيَوَانِ فَسُمِّيَ بِهِ الْعُودُ الَّذِي يُشْبِهُهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : وَإِنَّمَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِحَكِّهِ بِالضِّلْعِ لِيَنْقَلِعَ الْمُتَجَسِّدُ مِنْهُ اللَّاصِقُ بِالثَّوْبِ ثُمَّ تُتْبِعُهُ الْمَاءَ لِيُزِيلَ الْأَثَرَ . انْتَهَى ( وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) زِيَادَةُ السِّدْرِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّنْظِيفِ وَإِلَّا فَالْمَاءُ يَكْفِي . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا حَمَّادٌ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْمَعْنَى قَالَا : حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ انْضَحِيهِ . ( بِهَذَا الْمَعْنَى ) أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا ( قَالَا ) أَيْ مُسَدَّدٌ وَمُوسَى بن إِسْمَاعِيل فِي رِوَايَتِهِمَا ( حُتِّيهِ ) أَمْرُ للمُؤَنَّثِ الْمُخَاطَبِ مِنْ بَابِ قَتَلَ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْحَتُّ : أَنْ يَحُكُّ بِطَرَفِ حَجَرٍ أَوْ عُودٍ ، وَالْقَرْصُ : أَنْ يَدْلُكَ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ دَلْكًا شَدِيدًا وَيَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُهُ وَأَثَرُهُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ : سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قَالَ : إِذَا أَصَابَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضِ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِالْمَاءِ ، ثُمَّ لِتُصَلِّي . ( أَرَأَيْتَ ) اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّلَبِ أَيْ أَخْبِرْنِي ، وَحِكْمَةُ الْعُدُولِ سُلُوكُ الْأَدَبِ ( الدَّمُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ ( مِنَ الْحَيْضَةِ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيِ الْحَيْضُ ( ثُمَّ لِتُصَلِّي ) بِلَامِ الْأَمْرِ عَطْفٌ عَلَى سَابِقِهِ وَإِثْبَاتُ الْيَاءِ لِلْإِشْبَاعِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ ، لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ : يَجُوزُ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ . وَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّيقُ لَا يُطَهِّرُ لَزَادَ النَّجَاسَةَ . وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ قَصَدَتْ بِذَلِكَ تَحْلِيلَ أَثَرِهِ ، ثُمَّ غَسَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تَصْنَعُ إِحْدَانَا بِثَوْبِهَا إِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ أَتُصَلِّي فِيهِ ؟ قَالَ : تَنْظُرُ فَإِنْ رَأَتْ فِيهِ دَمًا فَلْتَقْرُصْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ ، وَلْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ ، وَتُصَلِّي فِيهِ ( قَالَ تَنْظُرُ ) أَيِ الْمَرْأَةُ فِي ثَوْبِهَا ( فَلْتَقْرُصْهُ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِها رَوَاهُ يَحْيَى الرَّاوِي عَنْ مَالِكٍ وَالْأَكْثَرُونَ . وَرَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا . وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَشْهَرُ وَأَنَّهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ وَالْمَعْنَى أَيْ تُدَلِّكْ مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ ( وَلْتَنْضَحْ ) بِلَامِ الْأَمْرِ أَيْ وَلْتَرُشَّ الْمَرْأَةُ ( مَا لَمْ تَرَ ) أَيِ الْمَوْضِعَ الَّذِي لَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ الدَّمِ وَلَكِنْ شَكَّتْ فِيهِ ، وَلَفْظُ الدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ : إِنْ رَأَيْتِ فِيهِ دَمًا فَحُكِّيهِ ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِمَاءٍ ثُمَّ انْضَحِي فِي سَائِرِهِ فَصَلِّي فِيهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ الرَّشُّ لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ . انْتَهَى .
بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِلُ ثَوْبَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ فِي حَيْضِهَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ الْحَسَنِ ، يَعْنِي جَدَّةَ أَبِي بَكْرٍ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ قَالَتْ : تَغْسِلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ ، قَالَتْ : وَلَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا 131 - بَابُ الْمَرْأَةِ تَغْسِلُ ثَوْبَهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ فِي حَيْضِهَا ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ . ( الدَّمُ ) مِنَ الْحَيْضِ وَهُوَ فَاعِلٌ لِيُصِيبُ . ( تَغْسِلُهُ ) ذَلِكَ الثَّوْبَ وَتُصَلِّي فِيهِ ( أَثَرُهُ ) أَيْ أَثَرُ الدَّمِ ( فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارِمِيِّ عَنْ عَائِشَةَ : إِذَا غَسَلَتِ الْمَرْأَةُ الدَّمَ فَلَمْ يَذْهَبْ فَلْتُغَيِّرْهُ بِصُفْرَةِ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ جَمِيعًا : أَيْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَاتٍ ( لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا ) لِعَدَمِ تَلَوُّثِ ثَوْبِي بِالدَّمِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ؛ لِأَنَّ عَدَمَ غَسْلِ ثَوْبِهَا الَّذِي تَلْبَسُهُ زَمَنَ الْحَيْضِ كَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقِفْ عَلَى فِعْلِهَا هُوَ بَعِيدٌ جِدًّا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ ، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ ، يَذْكُرُ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ ، فَإِذا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا ، ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا ( مَا كَانَ لِإِحْدَانَا ) أَيْ مِنْ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( تَحِيضُ فِيهِ ) جُمْلَةٌ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا صِفَةٌ لِثَوْبٍ ( بَلَّتْهُ ) مِنَ الْبَلَلِ ضِدَّ الْيُبْسِ ( بِرِيقِهَا ) أَيْ صَبَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الدَّمِ رِيقَهَا ( ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ دَلَكَتْهُ بِهِ ، وَمِنْهُ : قَصَعَ الْقَمْلَةَ إِذا شَدَخَهَا بَيْنَ أَظْفَارِهِ ، وَأَمَّا فَصْعُ الرُّطَبَةِ فَهُوَ بِالْفَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَيَغْمِزَهَا أَدْنَى غَمْزٍ ، فَتَخْرُجُ الرُّطَبَةُ خَالِعَةً قِشْرَهَا . انْتَهَى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا فِي الدَّمِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَكُونُ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، وَأَمَّا فِي الْكَثِيرِ مِنْهُ فَصَحَّ عَنْهَا أنها كَانَتْ تَغْسِلُهُ ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الْبَيْهَقِيِّ مَا سَيَأْتِي لِلْمُؤَلِّفِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ تَرَى فِيهِ قَطْرَةً مِنْ دَمٍ فَتَقْصَعُهُ بِرِيقِهَا . وَأَمَّا مُطَابَقَةُ التَّرْجَمَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ : أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ ، فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا تُصَلِّي فِيهِ لَكِنْ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ إِذَا أَصَابَهُ دَمُ الْحَيْضِ .
بَابٌ الرَّجُلِ يُسْلِمُ فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أَنَا سُفْيَانُ ، نا الْأَغَرُّ ، عَنْ خَلِيفَةَ بْنِ حُصَيْنٍ ، عَنْ جَدِّهِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ( بَابُ الرَّجُلِ يُسْلِمُ ) مِنَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْإِقْرَاُرُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ ( فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ ) . ( فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْغُسْلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَكُنْ جُنُبًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّي . وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ يُوجِبَانِ الِاغْتِسَالَ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ قَوْلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَقَالُوا : لَا يَخْلُو الْمُشْرِكُ فِي أَيَّامِ كُفْرِهِ مِنْ جِمَاعٍ أَوِ احْتِلَامٍ وَهُوَ لَا يَغْتَسِلُ ، وَلَوِ اغْتَسَلَ لَمْ يَصِحَّ ذلك مِنْهُ ، لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الدِّينِ ، وَهُوَ لَا يُجْزِيهُ إِلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا . وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَغْتَسِلَ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشْرِكِ يَتَوَضَّأُ فِي حَالِ شِرْكِهِ ثُمَّ يُسْلِمُ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ : لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَالِ شِرْكِهِ ، لَكِنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ التَّيَمُّمَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ ، وَالْفَرْقُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مُفْتَقِرٌ إِلَى النِّيَّةِ ، وَنِيَّةُ الْعِبَادَةِ لَا يصِحُّ مِنْ مُشْرِكٍ ، وَالطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ غَيْرُ مُفْتَقِرَ إِلَى النِّيَّةِ ، فَإِذَا وُجِدَتْ مِنَ الْمُشْرِكِ صَحَّتْ فِي الْحُكْمِ كَمَا تُوجَدُ مِنَ الْمُسْلِمِ سَوَاءً . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا تَوَضَّأَ وَهُوَ مُشْرِكٌ أَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَسْلَمَ كَانَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ ، وَكَذَلِكَ التَّيَمُّمُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَكِنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَسْلَمَ ، فَإِنَّ أَصْحَابَهُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالَ ثَانِيًا كَالْوُضُوءِ سَوَاءً ، وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَوْلَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا . فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالَ ، فَإِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ قَطُّ فِي حَالِ كُفْرِهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ إِيجَابِ الِاغْتِسَالِ وَالْوُضُوءِ عَلَيْهِ إِذَا أَسْلَمَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَوْلَى بِالْقِيَاسِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : قَوْلُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاغْتِسَالِ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ هُوَ مُوَافِقٌ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أُخْبِرْتُ ، عَنْ عُثَيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَدْ أَسْلَمْتُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ يَقُولُ : احْلِقْ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنِي آخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِآخَرَ مَعَهُ : أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ . ( أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ ) لَيْسَ الْمُرَادُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَلْزَمَ لَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ كَمَا يَلْزَمُ عليه الْغُسْلُ ، بَلْ إِضَافَةُ الشَّعْرِ إِلَى الْكُفْرِ يَدُلُّ عَلَى حَلْقِ الشَّعْرِ الَّذِي هُوَ لِلْكُفَّارِ عَلَامَةٌ لِكُفْرِهَا وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْهَيْئَةِ فِي الْبِلَادِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَكَفَرَةُ الْهِنْدِ وَمِصْرَ لَهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الرَّأْسِ شُعُورٌ طَوِيلَةٌ لَا يَتَعَرَّضُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَلْقِ أَوِ الْجَزِّ أَبَدًا ، وَإِذَا يُرِيدُونَ حَلْقَ الرَّأْسِ يَحْلِقُونَ كُلَّهَا إِلَّا ذَلِكَ الْمِقْدَارَ وَهُوَ عَلَى الظَّاهِرِ عَلَامَةٌ مُمَيِّزَةٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَدِّ عُثَيْمٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَحْلِقَا شَعْرِهِمَا الَّذِي كَانَ عَلَى رَأَسَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَالَ ) أَيْ وَالِدُ عُثَيْمٍ ( وَأَخْبَرَنِي آخَرُ ) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ جَدِّ عُثَيْمٍ ( أَلْقِ ) أَيِ احْلِقْ ( وَاخْتَتِنْ ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاخْتِتَانَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَاجِبٌ وَأَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْإِسْلَامِ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : كُلَيْبٌ وَالِدُ عُثَيْمٍ بَصْرِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِيهِ مُرْسِلٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِيهِ أَيْضًا رِوَايَةُ مَجْهُولٍ ، وَعُثَيْمٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ وَيَاءُ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٌ وَمِيمٌ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، ثنَا عِيسَى ، ثنا مِسْعَرٍ ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ ؟ قَالَتْ : بِالسِّوَاكِ ( قَالَ ) : أَيْ شُرَيْحٌ ( بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ ) : مِنَ الْأَفْعَالِ ( بِالسِّوَاكِ ) : فِيهِ بَيَانُ فَضِيلَةِ السِّوَاكِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ بِهِ ، وَتَكْرَارِهِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَكَذَا لَيْسَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ وَلَا الْخَطَّابِيِّ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ ، فَفِي بَعْضِهَا فِي هَذَا الْبَابِ ، أَيْ فِي بَابِ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ بِاللَّيْلِ ، وَفِي بَعْضِهَا فِي بَابِ الرَّجُلُ يَسْتَاكُ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُطَابِقُ الْحَدِيثُ تَرْجَمَةَ الْبَابَيْنِ فَرَاجَعْتُ إِلَى جَامِعِ الْأُصُولِ لِلْحَافِظِ ابْنِ الْأَثِيرِ فَلَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ بَلْ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَأَمَّا الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَنَسَبَهُ فِي الْمُنْتَقَى إِلَى الْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ ، وَكَذَا الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ الدَّمِيرِيِّ فِي دِيبَاجَةِ حَاشِيَةِ ابْنِ مَاجَهْ نَسَبَهُ إِلَى ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ ، فَازْدَادَ إِشْكَالًا ، ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِمُطَالَعَةِ تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ بِمَعْرِفَةِ الْأَطْرَافِ لِلْحَافِظِ جَمَالِ الدِّينِ الْمِزِّيِّ ، فَرَأَيْتُهُ أَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ ، وَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَّةَ . انْتَهَى . فَعُلِمَ أَنَّ وَجْهَ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْحَدِيثِ تَرْجَمَةَ الْبَابَيْنِ هُوَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا دَرَجَهُ النَّاسِخُ فِيهَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَّةَ فَخَلَطَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي وَجْهِ الْمُنَاسَبَةِ : إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَسْتَاكُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْبَيْتَ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَسْتَاكَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِلصَّلَاةِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا هُشَيْمٌ أَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ أَتَى طَهُورَهُ فَأَخَذَ سِوَاكَهُ فَاسْتَاكَ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَاتِ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ حَتَّى قَارَبَ أَنْ يَخْتِمَ السُّورَةَ أَوْ خَتَمَهَا ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَأَتَى مُصَلَّاهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى فِرَاشِهِ فَنَامَ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ : فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُولُ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ . ( بِتُّ ) : مُتَكَلِّمٌ مِنْ بَاتَ : أَيْ نِمْتُ ( طَهُورَهُ ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ : مَا يَتَطَهَّرُ بِهِ . ( ثُمَّ تَلَا ) : أَيْ قَرَأَ بَعْدَ الِاسْتِيَاكِ ( هَذِهِ الْآيَاتِ ) : مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ لَآيَاتٌ دَلَالَاتٌ لأُولِي الأَلْبَابِ لِذَوِي الْعُقُولِ ( أَوْ ) : شَكٌّ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( مُصَلَّاهُ ) : أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي اتَّخَذَهُ لِصَلَاتِهِ ( ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ) : فَصَارَ مَجْمُوعُ صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّ رَكَعَاتٍ ( كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ) : هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ( ثُمَّ أَوْتَرَ ) : أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ : أَوْتَرَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ( رَوَاهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ( قَالَ ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ ( حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ) : مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَةِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا حَمَّادٌ نَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ، عَنْ زُزَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوضَعُ لَهُ وَضُوءُهُ وَسِوَاكُهُ ، فَإِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ تَخَلَّى ثُمَّ اسْتَاكَ ( وَضُوءُهُ ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ ، أَيْ مَاءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ ( تَخَلَّى ) : أَيْ قَضَى حَاجَتَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَفِيهِ مَقَالٌ .
بَابُ السِّوَاكِ لِمَنْ قَامَ باللَّيْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قال : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ باب السواك إلخ ( إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ ) : ظَاهِرُ قَوْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ عَامٌّ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخَصَّ بِمَا إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ : إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوَهُ ، وَكَذَا فِي ابْنِ مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ ( يَشُوصُ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ : دَلْكُ الْأَسْنَانِ بِالسِّوَاكِ عَرْضًا . قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَقِيلَ : هُوَ الْغَسْلُ . قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ( فَاهُ بِالسِّوَاكِ ) : لِأَنَّ النَّوْمَ يَقْتَضِي تَغَيُّرَ الْفَمِ ، فَيُسْتَحَبُّ تَنْظِيفُهُ عِنْدَ مُقْتَضَاهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، نا هَمَّامٌ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إِلَّا يتَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ ( عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ ) : بْنِ جُدْعَانَ فِيهِ مَقَالٌ ( عَنْ أُمِّ مُحَمَّدٍ ) : وَاسْمُهَا أُمَيَّةُ أَوْ أَمِينَةُ هِيَ زَوْجَةُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ تَفَرَّدَ عَنْهَا رَبِيبُهَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، مَجْهُولَةٌ ( لَا يَرْقُدُ ) : بِضَمِّ الْقَافِ : أَيْ لَا يَنَامُ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : رَقَدَ : نَامَ ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا ، وَبَعْضُهُمْ يَخُصُّهُ بِنَوْمِ اللَّيْلِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمٍ حَارٍّ ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرِّيحَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمَ فَاغْتَسِلُوا ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ تعالى ذكره بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ ، وَكُفُوا الْعَمَلَ ، وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ الْعَرَقِ . ( كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ ) الْجَهْدُ بِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ وَالْعُسْرَةُ ، يُقَالُ : جَهَدَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَجْهُودٌ إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً ، وَجَهَدَ النَّاسُ فَهُمْ مَجْهُودُونَ إِذَا أَجْدَبُوا ، وَمُجْهِدُونَ مُعْسِرُونَ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَشَقَّةِ وَالْعُسْرَةِ لِشِدَّةِ فَقْرِهِمْ ( مُقَارِبَ السَّقْفِ ) لِقِلَّةِ ارْتِفَاعِ الْجِدَارِ ( إِنَّمَا هُوَ ) أَيْ سَقْفُ الْمَسْجِدِ ( عَرِيشٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ كُلُّ مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ . وَالْمُرَادُ أَنَّ سَقْفَ الْمَسْجِدِ كَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَسَقْفُهُ بِجَرِيدٍ وَعُمُدُهُ الْخَشَبُ ( حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ ) أَيْ طَارَتْ وَانْتَشَرَتْ ( آذَى بِذَلِكَ ) الرِّيحِ ( بَعْضُهُمْ ) فَاعِلُ آذَى ( بَعْضًا ) مَفْعُولُ آذَى ( وَكُفُوا الْعَمَلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ كَفَى يَكْفِي ، وَلَفْظَةُ كَفَى تَجِيءُ لِمَعَانٍ مِنْهَا : أَجْزَأَ وَأَغْنَى ، وَمِنْهَا وَقَى . وَالْأُولَى مُتَعَدِّيَةٌ لِوَاحِدٍ كَقَوْلِهِ : قَلِيلٌ مِنْكَ يَكْفِينِي وَلَكِنَّ قَلِيل لَا يُقَالُ لَهُ قَلِيلُ . وَالثَّانِيَةُ مُتَعَدِّيَةٌ لِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَهَاهُنَا بِمَعْنَى وَقَى ، أَيْ وَقَاهُمْ خُدَّامُهُمْ وَغِلْمَانُهُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَالتَّعَبِ وَالشِّدَّةِ ( وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْجَسَدِ وَقْتَ الْحَرَارَةِ . وَقَوْلُهُ : مِنَ الْعَرَقِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ بَعْضُ الَّذِي ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْعَرَقَ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بِهِ بَعْضُهُمْ بعضا ذَهَبَ وَزَالَ بِسَبَبِ لُبْسِهِمْ غَيْرَ الصُّوفِ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ ( مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَبِهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ ، أَيْ فَبِهَذِهِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ يَعْنِي الْوُضُوءَ يَنَالُ الْفَضْلَ انْتَهَى . ( وَنِعْمَتْ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَرُوِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : نِعْمَتِ الْخَصْلَةُ أَوْ نِعْمَتِ الْفَعْلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ التَّاءُ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ لِإِضْمَارِ السُّنَّةِ أَوِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ . انْتَهَى . ( وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ . وَفِيهِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْوُضُوءَ كَافٍ لِلْجُمْعَةِ ، وَأَنَّ الْغُسْلَ لَهَا فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَعَوَّلَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فَالْغُسْلِ أَفْضَلُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اشْتَرَاكُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ ، فَيَسْتَلْزِمُ إِجْزَاءُ الْوُضُوءِ . وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ أَشْهَرُهَا وَأَقْوَاهَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ، أَخْرَجَهَا أَصْحَابُ السُّنَنِ الثَّلَاثَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَلَهُ عِلَّتَانِ : إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مِنْ عَنْعَنَةِ الْحَسَنِ ، وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَالَ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ : الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابٌ ، وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا وَلَا لَقِيَهُ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَيَّنَ سَمَاعَهُ لِحَدِيثِ الْعَقِيقَةِ ، كَمَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ . وَقَوْلُهُ : فَبِهَا وَنِعْمَتْ أَيْ فَبِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتِ السُّنَّةُ تَرَكَ . وَقِيلَ : فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ الْوُضُوءُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الَّذِي تُرِكَ هُوَ السُّنَّةُ وَهُوَ الْغُسْلُ . انْتَهَى .
بَابٌ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّاسُ مُهَّانَ أَنْفُسِهِمْ ، فَيَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ بِهَيْئَتِهِمْ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَوْ اغْتَسَلْتُمْ بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ( كَانَ النَّاسُ مُهَّانَ أَنْفُسِهِمْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُهَّانُ جَمْعُ مَاهِنٌ وَهُوَ الْخَادِمُ ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْدُمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ خَدَمٌ يَكْفُونَ لَهُمُ الْمِهْنَةَ ، وَالْإِنْسَانُ إِذَا بَاشَرَ الْعَمَلَ الشَّاقَّ حَمِيَ بَدَنَهُ وَعَرِقَ سِيَّمَا فِي الْبَلَدِ الْحَارِّ ، فَرُبَّمَا تَكُونُ مِنْهُ الرَّائِحَةُ ، فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ تَنْظِيفًا لِلْبَدَنِ وَقَطْعًا لِلرَّائِحَةِ . انْتَهَى . فَقِيلَ لَهُمْ : ( لَوِ اغْتَسَلْتُمْ ) لَوْ لِلتَّمَنِّي فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ ، أَوْ لِلشَّرْطِ ، فَالْجَوَابُ محذوف تقديره : لكان حسنا ، وحديث عائشة هذا استدل على عدم وجوب غُسْلُ الْجُمُعَةِ ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ لِأَجْلِ تِلْكَ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ ، فَإِذَا زَالَتْ زَالَ الْوُجُوبُ . وَأُجِيبَ عَنْهُ بِوَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا إِذَا زَالَتِ الْعِلَّةُ زَالَ الْوُجُوبُ ، كَمَا فِي وُجُوبِ السَّعْيِ مَعَ زَوَالِ الْعِلَّةِ الَّتِي شُرِعَ لَهَا وَهِيَ إِغَاظَةُ الْمُشْرِكِينَ ، وَالثَّانِي : بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ الْوُجُوبِ ، وَبِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ وَالْإِعْلَامُ بِوُجُوبِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ( غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ وُجُوبَ الِاخْتِيَارِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ وُجُوبِ الْفَرْضِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ : حَقُّكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ وَأَنَا أُوجِبُ حَقَّكَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اللُّزُومِ وَالَّذِي لَا يَسَعُ غَيْرُهُ ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ عُمْدَةِ الْأَحْكَامِ : ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى اسْتِحْبَابِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الظَّاهِرِ ، وَقَدْ أَوَّلُوا صِيغَةَ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ وَصِيغَةَ الْوُجُوبِ عَلَى التَّأْكِيدِ كَمَا يُقَالُ : إِكْرَامُكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ ، إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ الْمُعَارِضُ رَاجِحًا عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ ، وَأَقْوَى مَا عَارَضُوا بِهِ هَذَا الظَّاهِرَ حَدِيثُ : مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ ، وَلَا يُعَارِضُ سَنَدُهُ سَنَدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . انْتَهَى . ( عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ) أَيْ بَالِغٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاحْتِلَامَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ ، وَتَفْسِيرُهُ بِالْبَالِغِ مَجَازٌ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ يَسْتَلْزِمُ الْبُلُوغَ ، وَالْقَرِينَةُ الْمَانِعَةُ عَنِ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّ الِاحْتِلَامَ إِذَا كَانَ مَعَهُ الْإِنْزَالُ مُوجِبٌ لِلْغُسْلِ ، سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا . ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ الْهَمْدَانِيُّ ( ح ) ، وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ قَالَا : مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ( ح ) وحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . قَالَ يَزِيدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِهِمَا : عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهمَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا قَالَ : وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةِ : وَزِيَادَةٌ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَيَقُولُ : إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ أَتَمُّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَمَّادٌ كَلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( وَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ) الْحَاصِلُ أَنَّ يَزِيدَ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَأَمَّا مُوسَى فَيَرْوِي عَنْ حَمَّادٍ ثُمَّ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، لَكِنْ هَذَا الْحَدِيثَ الْمَرْوِيَّ هُوَ لَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَلَيْسَ لَفْظَ حَمَّادِ ( قَالَ يَزِيدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ فِي حَدِيثِهِمَا ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ محَمْدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا ) وَأَمَّا مُوسَى بْنُ سَلَمَةَ فَخَالَفَ فِي بَعْضِ الْإِسْنَادِ ( وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجَمُّلِ وَالزِّينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الَّذِي هُوَ عِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ ( فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ ) أَيْ لَمْ يَتَجَاوَزْ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يُؤْذِهِمْ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّبْكِيرِ ، أَيْ عَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يُبَكِّرَ فَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَا يُزَاحِمُ رَجُلَيْنِ فَيَدْخُلَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَيَّقَ عَلَيْهِمَا خُصُوصًا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَاجْتِمَاعِ الْأَنْفَاسِ ( ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ) أَيْ يُصَلِّي مَا شَاءَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ سنة مَخْصُوصَةٌ مُؤَكَّدَةٌ رَكْعَتَانِ أَوْ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ مَثَلًا كَالسُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ ، فَالْمُصَلِّي إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ مُتَنَفِّلًا . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ ، فَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ وَمُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ وَالْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَكُلُّهُمْ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ ( ثُمَّ أَنْصَتَ ) يُقَالُ : أَنْصَتَ إِذَا سَكَتَ وَأَنْصَتَهُ إِذَا أَسْكَتَهُ ، فَهُوَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ، وَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ هَاهُنَا ( حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ ) أَيْ يَفْرُغَ الْمُصَلِّي أَوِ الْإِمَامُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ( كَانَتْ ) هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ مِنْ الْغُسْلِ ، وَلُبْسِ أَحْسَنِ الثِّيَابِ ، وَمَسِّ الطِّيبِ ، وَعَدَمِ التَّخَطِّي ، وَالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ ، وَالْإِنْصَاتِ ( كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا ) أَيِ الْجُمُعَةِ الْحَاضِرَةِ ( وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا ) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا بَيْنَ السَّاعَةِ الَّتِي يُصَلِّي فِيهَا الْجُمُعَةَ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الطَّرَفَانِ وَهُمَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَيْرَ دَاخِلَيْنِ فِي الْعَدَدِ لَكَانَ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ عَدَدِ الْمَحْسُوبِ أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ ، وَلَوْ أَرَادَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى مَعْنَى إِدْخَالِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ بَلَغَ الْعَدَدُ ثَمَانِيَةً ، فَإِذَا ضُمَّتْ إِلَيْهَا الثَّلَاثَةُ الْمَزِيدَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ صَارَ جُمْلَتُهَا إِمَّا أَحَدَ عَشَرَ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ، وَإِمَّا تِسْعَةَ أَيَّامٍ عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا قُلْنَاهُ عَلَى سَبِيلِ التَّكْسِيرِ لِلْيَوْمِ لِيَسْتَقِيمَ الْأَمْرُ فِي تَكْمِيلِ عَدَدِ الْعَشَرَةِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . ( قَالَ : وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَيَقُولُ : إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ) قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقُولَةَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . فَإِنْ قُلْتَ : تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ بِالْحَسَنَاتِ وَبِالتَّوْبَةِ وَبِتَجَاوُزِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَتَكْفِيرُ الذُّنُوبِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَ الْآتِيَةَ الزَّائِدَةَ عَلَى الْأُسْبُوعِ هُوَ تَكْفِيرُ الذَّنْبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ ، قُلْتُ : الْمُرَادُ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ إِذَا وَقَعَ ، وَمِنْهُ مَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي مَغْفِرَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الذَّنْبِ وَمَا تَأَخَّرَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَدْرَجَ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَدِيثِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، نا زَكَرِيَّا ، نا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ : مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ . حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، نَا مَرْوَانُ ، نا عَلِيُّ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ : سَأَلْتُ مَكْحُولًا عَنْ هَذَا الْقَوْلِ : غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ قَالَ : غَسَّلَ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ ، نا أَبُو مُسْهِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ قَالَ : قَالَ سَعِيدٌ : غَسَّلَ رَأْسَهُ وَغَسَلَ جَسَدَهُ ( كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ ) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَجْمَعُ النَّظْمُ قَرَائِنَ الْأَلْفَاظِ وَالْأَسْمَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَحْكَامِ ، وَالْمَعَانِي تُرَتِّبُهَا وَتُنْزِلُهَا مَنَازِلَهَا . أَمَّا الِاغْتِسَالُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَوَاجِبٌ بِالِاتِّفَاقِ . وَأَمَّا الِاغْتِسَالُ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَفْعَلُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ اسْتِحْبَابًا . وَمَعْقُولٌ أَنَّ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْحِجَامَةِ إِنَّمَا هُوَ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى ، وَإِنَّمَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَصَابَ الْمُحْتَجِمَ رَشَاشٌ مِنَ الدَّمِ ، فَالِاغْتِسَالُ مِنْهُ اسْتِظْهَارٌ بِالطَّهَارَةِ وَاسْتِحْبَابٌ لِلنَّظَافَةِ . فَأَمَّا الِاغْتِسَالُ مِنَ الْمَيِّتِ فَقَدِ اتَّفَقَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَالزُّهْرِيِّ مَعْنَى ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : يَتَوَضَّأُ غَاسِلُ الْمَيِّتِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا : لَيْسَ عَلَى غَاسِلِ الْمَيِّتِ غُسْلٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يَثْبُتُ فِي الِاغْتِسَالِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ حَدِيثٌ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ ضَعِيفٌ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ رَأَى الِاغْتِسَالَ مِنْهُ إِنَّمَا رَأَى ذَلِكَ لِمَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يُصِيبَ الْغَاسِلَ مِنْ رَشَاشِ الْمَغْسُولِ نَضْحٌ ، وَرُبَّمَا كَانَتْ عَلَى بَدَنِ الْمَيِّتِ نَجَاسَةٌ ، فَأَمَّا إِذَا عُلِمَتْ سَلَامَتُهُ فَلَا يَجِبُ الِاغْتِسَالُ مِنْهُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ فِي الْجَنَائِزِ وَقَالَ : هَذَا مَنْسُوخٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : وَحَدِيثُ مُصْعَبَ فِيهِ خِصَالٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ بِذَاكَ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيُّ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم : لَا أَعْلَمُ فِيمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثًا ثَابِتًا ، وَلَوْ ثَبَتَ لَزِمَنَا اسْتِعْمَالُهُ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي هِلَالٍ وَبُكَيْرَ بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ، وَالسِّوَاكُ ، وَيَمَسُّ مِنْ الطِّيبِ مَا قُدِّرَ لَهُ إِلَّا أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَالَ فِي الطِّيبِ : وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ . ( الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ( وَالسِّوَاكُ ) بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ الْغُسْلُ ( وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ : وَيُسَنُّ لَهُ سِوَاكٌ وَمَسُّ الطِّيبِ ( مَا قُدِّرَ لَهُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : مَا قَدَرَ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يَحْتَمِلُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ إِرَادَةَ التَّأْكِيدِ لِيَفْعَلَ مَا أَمْكَنَهُ ، وَيَحْتَمِلُ إِرَادَةَ الْكَثْرَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ الْآتِي : وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِلرِّجَالِ ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ ، فَإِبَاحَتُهُ لِلرَّجُلِ لِأَجْلِ عَدَمِ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ ( أَنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَذْكُرْ ) وَاسِطَةً ( عَبْدَ الرَّحْمَنِ ) بَيْنَ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ ( وَقَالَ ) بُكَيْرٌ ( وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ ) وَهُوَ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ وَهُوَ الْمَكْرُوهُ لِلرِّجَالِ ، فَأَبَاحَهُ لِلرِّجَالِ لِلضَّرُورَةِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلتَّصْرِيحِ فِيهِ بِلَفْظِ الْوَاجِبِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ . وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِاعْتِبَارِ اقْتِرَانِهِ بِالسِّوَاكِ وَمَسِّ الطِّيبِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُه وُجُوبِ الِاسْتِنَانِ وَالطِّيبِ لِذِكْرِهِمَا بِالْعَاطِفِ ، فَالتَّقْدِيرُ : الْغُسْلُ وَاجِبٌ وَالِاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ كَذَلِكَ . قَالَ : وَلَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ اتِّفَاقًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، إِذْ لَا يَصِحُّ تَشْرِيكُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالْوَاجِبِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . انْتَهَى . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَطْفُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْوَاجِبِ لَا سِيَّمَا وَلَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ بِحُكْمِ الْمَعْطُوفِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : إِنْ سَلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضُ لَمْ يَنْفَعْ دَفْعُهُ بِعَطْفِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ لِلْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ : أُخْرِجَ بِدَلِيلٍ ، فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْجَرْجَرَائِيُّ حُبِّي ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيُّ ، حَدَّثَنِي أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ ، فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ وسَاقَ نَحْوَهُ . ( الْجَرْجَرَائِيُّ ) نِسْبَةً إِلَى جَرْجَرَايَا بِفَتْحِ الْجِيمَيْنِ وَتَسْكِينِ الرَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ : مَدِينَةٌ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ بَيْنَ وَاسِطٍ وَبَغْدَادَ ( حِبِّي ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ : لَقَبٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ ( يَقُولُ : مَنْ غَسَّلَ ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ) قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُمَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ مِنَ الْكَلَامِ الْمُتَظَاهِرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّوْكِيدُ ، وَلَمْ تَقَعِ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْأَثْرَمُ صَاحِبُ أَحْمَدَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : غَسَّلَ مَعْنَاهُ غَسَلَ الرَّأْسَ خَاصَّةً ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَهُمْ لِمَمٌ وَشُعُورٌ ، وَفِي غَسْلِهَا مُؤْنَةٌ ، فَأَفْرَدَ ذِكْرَ غَسْلِ الرَّأْسِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَكْحُولٌ ، وَقَوْلُهُ : اغْتَسَلَ مَعْنَاهُ سَائِرُ الْجَسَدِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : غَسَّلَ أَيْ مَعْنَاهُ أَصَابَ أَهْلُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ لِيَكُونَ أَمْلَكَ لِنَفْسِهِ وَأَحْفَظَ لِبَصَرِهِ فِي طَرِيقِهِ ، قَالَ : وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الْعَرَبِ : فَحْلٌ غَسَّلَهُ إِذَا كَثُرَ الضَّرْبُ . انْتَهَى . ( ثُمَّ بَكَّرَ ) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قَالَه النَّوَوِيُّ ، أَيْ رَاحَ فِي أَوَّلِ وَقْتٍ ( وَابْتَكَرَ ) أَيْ أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ ، وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَقِيلَ : كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْعَرَبِيُّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : بَكَّرَ : أَتَى الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَكُلُّ مَنْ أَسْرَعَ إِلَى شَيْءٍ فَقَدْ بَكَّرَ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا ابْتَكَرَ فَمَعْنَاهُ : أَدْرَكَ أَوَّلَ الْخُطْبَةِ ، وَأَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ بَاكُورَتُهُ ، وَابْتَكَرَ الرَّجُلُ : إِذَا أَكَلَ بَاكُورَةَ الْفَوَاكِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدٌ ، فَعَّلَ وَافْتَعَلَ ، وَإِنَّمَا كُرِّرَ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّوْكِيدِ كَمَا قَالُوا جَادَّ مُجِدٌّ . انْتَهَى . ( وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ ، هُوَ قَوْلُ الْأَثْرَمِ صَاحِبِ أَحْمَدَ . انْتَهَى . ( وَلَمْ يَلْغُ ) مِنْ لَغَا يَلْغُو لَغْوًا مَعْنَاهُ : اسْتَمَعَ الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ ، لِأَنَّ الْكَلَامَ حَالَ الْخُطْبَةِ لَغْوٌ ( كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ ) بِضَمِّ الْخَاءِ بَعْدَمَا بَيَّنَ الْقَدَمَيْنِ ( عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا ) أَيْ صِيَامِ السَّنَةِ وَقِيَامِهَا ، وَهُوَ بَدَلٌ : مِنْ عَمَلِ سَنَةٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ ، نَا الْمُفَضَّلُ ، يَعْنِي ابْنَ فَضَالَةَ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَفْصَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ رَوَاحٌ الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ . ( رَوَاحُ الْجُمُعَةِ ) الرَّوَاحُ ضِدُّ الصَّبَاحِ ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْوَقْتِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى اللَّيْلِ ، كَذَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، لَكِنْ أَنْكَرَ الْأَزْهَرِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرَّوَاحَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَنَقَلَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : رَاحَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ بِمَعْنَى ذَهَبَ ، قَالَ : وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَنَقَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ نَحْوَهُ ( وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الْجُمُعَةَ الْغُسْلُ ) الْغُسْلُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ رَاحَ الْجُمُعَةَ خَبَرُهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ مِنْهُ الْبَعْضُ ، فَإِنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانُوا بَالِغِينَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ( إِذَا اغْتَسَلَ الرَّجُلُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ مِنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ أَجْنَبَ ) وَأَمَّا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا لِأَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ أَوَّلُ الْيَوْمِ شَرْعًا ، فَمَنِ اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يُجْزِئُ عَنِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ اغْتَسَلَ قَبْلَ مَجِيءِ الْوَقْتِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَكْثَرُ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : يُجْزِئُ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : رُوِّينَاهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ يَجْزِيَهُ . وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ ، وَعَنْ أَحْمَدَ : لَا يَجْزِيهُ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ حَتَّى يَنْوِيَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ . وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ وَلَدِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجَنَابَةِ اغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِي .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ غُسْلًا كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَيشْهَدُ بِذَلِكَ رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ : فَاغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ كَمَا يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّهُ حَقِيقَةٌ حَتَّى يُسْتَحَبَّ أَنْ يُوَاقِعَ زَوْجَتَهُ لِيَكُونَ أَغَضَّ لِبَصَرِهِ وَأَسْكَنَ لِنَفْسِهِ وَلْيَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ . وَفِيهِ حَمْلُ الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى الِاغْتِسَالِ ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَعَلَيْهِ حَمْلُ قَائِلِ ذَلِكَ حَدِيثُ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ : مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ ، عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى غَسَّلَ بِالتَّشْدِيدِ . وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَثَبَتَ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّهُ أَنْسَبُ الْأَقْوَالِ ( ثُمَّ رَاحَ ) أَيْ ذَهَبَ أَوَّلَ النَّهَارِ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ قَصَدَهَا وَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا مُبَكِّرًا قَبْلَ الزَّوَالِ ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ خَمْسُ سَاعَاتٍ ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : رَاحَ لِكَذَا وَلِأَنْ يَفْعَلَ كَذَا ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَصَدَ إِيقَاعَ فِعْلِهِ وَقْتَ الرَّوَاحِ ، كَمَا يُقَالُ لِلْقَاصِدِينَ لِلْحَجِّ حُجَّاجًا وَلَمَّا يَحُجُّوا بَعْدُ ، وَلِلْخَارِجِينَ إِلَى الْغَزْوِ غُزَاةً ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ ، فَأَمَّا حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ فَإِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ . وَأَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ : كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ : لَا يَكُونُ الرَّوَاحُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَهَذِهِ الْأَوْقَاتُ كُلُّهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ . قُلْتُ : كَأَنَّهُ قَسَمَ السَّاعَةَ الَّتِي يَحِينُ فِيهَا الرَّوَاحُ لِلْجُمُعَةِ أَقْسَامًا خَمْسَةً ، فَسَمَّاهَا سَاعَاتٍ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ وَالتَّقْرِيبِ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : قَعَدْتُ سَاعَةً وَتَحَدَّثْتُ سَاعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ، يُرِيدُ جُزْء مِنَ الزَّمَانِ غَيْرَ مَعْلُومٍ ، وَهَذَا عَلَى سَعَةِ مَجَازِ الْكَلَامِ وَعَادَةِ النَّاسِ فِي الِاسْتِعْمَالِ . انْتَهَى . ( فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ( بَدَنَةً ) أَيْ تَصَدَّقَ بِهَا مُتَقَرِّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى . وَالْمُرَادُ بِالْبَدَنَةِ الْبَعِيرُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ لَا التَّأْنِيثِ ( وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ ) قَدْ عَرَفْتَ آنِفًا مَعْنَى رَاحَ ، وَالسَّاعَةُ مِنْ قَوْلِ الْإِمَامِ الْخَطَّابِيُّ ( بَقَرَةً ) التَّاءُ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْبَقَرُ اسْمُ جِنْسٍ ، وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَإِنَّمَا دَخَلَهُ الْهَاءُ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جِنْسِ ( كَبْشًا أَقَرْنَ ) الْكَبْشُ هُوَ الْفَحْلُ ، وَإِنَّمَا وُصِفَ بِالْأَقْرَنِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ وَأَحْسَنُ صُورَةً ، وَلِأَنَّ الْقَرْنَ يُنْتَفَعُ بِهِ ( دَجَاجَةً ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . وَالدَّجَاجَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالتَّاءُ لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ ( بَيْضَةً ) وَاحِدٌ مِنَ الْبِيضِ وَالْجَمْعُ بُيُوضٌ ، وَجَاءَ فِي الشِّعْرِ بَيْضَاتٌ ( الذِّكْرَ ) الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ مَا فِي الْخُطْبَةِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَغَيْرِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ .
بَابٌ فِي الْغُسْلِ للْجُمُعَةِ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ نَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ : أَتَحْتَبِسُونَ عَنْ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ : مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ فَتَوَضَّأْتُ ؟ قَالَ عُمَرُ : الْوُضُوءُ أَيْضًا ؟ أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ( بَابٌ فِي الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ ) هَلْ هُوَ وَاجِبٌ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَمْ لَا . ( بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَيْنَمَا . وَبَيْنَا أَصْلُهُ بَيْنَ وَأُشْبِعَتْ فَتْحَةُ النُّونِ فَصَارَ بَيْنَا ، وَقَدْ تَبْقَى بِلَا إِشْبَاعٍ ، وَيُزَادُ فِيهَا مَا فَتَصِيرُ بَيْنَمَا ، وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَآتِ ( إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ ) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، فَعَرَّضَ بِهِ عُمَرُ . وَقَوْلُهُ : إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ . جَوَابُ بَيْنَا ( فَقَالَ عُمَرُ : أَتَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ ؟ ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَإِنْكَارُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَجْلِ احْتِبَاسِهِ عَنِ التَّبْكِيرِ ( فَقَالَ الرَّجُلُ ) أَيْ عُثْمَانُ ( مَا هُوَ ) أَيِ الِاحْتِبَاسُ ( إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ النِّدَاءَ ) أَيِ الْأَذَانَ ( فَتَوَضَّأْتُ ) وَحَضَرْتُ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ أَشْتَغِلْ بِشَيْءٍ بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ الْأَذَانَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ ( فَقَالَ عُمَرُ : الْوُضُوءَ ؟ ) هَذَا إِنْكَارٌ آخَرُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوِ السُّنَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَهِيَ الْغُسْلُ . وَقَوْلُهُ : الْوُضُوءَ ، جَاءَتِ الرِّوَايَاتُ فِيهَا بِالْوَاوِ وَحَذْفِهَا ، فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَالْوُضُوءَ بِالْوَاوِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ : الْوُضُوءَ بِحَذْفِ الْوَاوِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَالْوُضُوءَ فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ ، وَالْمَعْنَى أَيْ تَتَوَضَّأُ الْوُضُوءَ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ، وَجَوَّزَ الْقُرْطُبِيُّ الرَّفْعَ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ ، أَيِ الْوُضُوءُ تَقْتَصِرُ عَلَيْهِ ، أَوْ هُوَ خَبَرٌ مُبْتَدَؤُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ كِفَايَتُكَ الْوُضُوءُ ( أَيْضًا ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ آضَ يَئِيضُ ، أَيْ عَادَ وَرَجَعَ . قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : تَقُولُ : فَعَلْتُهُ أَيْضًا إِذَا كُنْتَ قَدْ فَعَلْتَهُ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ كَأَنَّكَ أَفَدْتَ بِذِكْرِهِمَا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَوِ الْأُمُورِ . ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ : قَالَ السُّيُوطِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَفْظَ أَيْضًا عَرَبِيَّةٌ ، وَقَدْ تَوَقَّفَ بِهِ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ هِشَامٍ . قُلْتُ : وَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ فِي الْكُسُوفِ : أَنَّ الشَّمْسَ اسْوَدَّتْ حَتَّى آضَتْ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَيْ صَارَتْ وَرَجَعَتْ . وَقَدْ أَثْبَتَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَمَا يَظْهَرُ مِنَ اللِّسَانِ . وَالْمَعْنَى : أَلَمْ يَكْفِكَ أَنْ فَاتَكَ فَضْلُ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ حَتَّى أَضَفْتَ إِلَيْهِ تَرْكَ الْغُسْلِ وَاقْتَصَرْتَ عَلَى الْوُضُوءِ أَيْضًا ( أَوَلَمْ تَسْمَعُوا ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوِ الْعَاطِفَةِ ( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ) الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغُسْلَ يَعْقُبُ الْمَجِيءَ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ ، وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فَإِنَّ الْمَعْنَى : إِذَا أَرَدْتُمُ الْمُنَاجَاةَ بِلَا خِلَافٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَشْبَهَ أَنْ يَأْمُرَ عُمَرُ عُثْمَانَ أَنْ يَنْصَرِفَ فَيَغْتَسِلَ ، فَدَلَّ سُكُوتُ عُمَرَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ ، وَلَيْسَ يَجُوزُ عَلَى عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمَنْ بِحَضْرَتِهِمَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ عَوَّلَ أَكْثَرُ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ وَالطَّحَاوِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَنَّ مَنْ حَضَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَافَقُوهُمَا عَلَى ذَلِكَ ، فَكَانَ إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا : نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ : قال : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا ، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا ، وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا ( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبَ عَنْ أَبِيهِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ( كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا ) أَيْ كَانَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ ( وَمَنْ لَغَا ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : لَغَا الْإِنْسَانُ يلغو وَلَغَى يَلْغَى وَلَغِيَ يَلْغَى إِذَا تَكَلَّمَ بِالْمُطَّرَحِ مِنَ الْكَلَامِ وَمَا لَا يَعْنِي . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ : صَهْ ، فَقَدْ لَغَا ، وَقَوْلُهُ : مَنْ مَسَّ الْحَصَى فقد لَغَا ، أَيْ تَكَلَّمَ ، وَقِيلَ : عَدَلَ عَنِ الصَّوَابِ ، وَقِيلَ : خَاف ، وَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ . انتهى . ( كَانَتْ ) هَذِهِ الصَّلَاةُ ( لَهُ ) لِهَذَا الْمُصَلِّي ( ظُهْرًا ) أَيْ مِثْلُ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الثَّوَابِ ، فَيُحْرَمُ هَذَا الْمُصَلِّي بِتَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ وَاللَّغْوُ عِبدَ الْخُطْبَةِ عَنْ هَذَا الثَّوَابِ الْجَزِيلِ الَّذِي يَحْصُلُ لِمُصَلِّي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ مِنْ هَذِهِ الْجُمُعَةِ الْحَاضِرَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ أَوِ الْآتِيَةِ وَأَجْرُ عِبَادَةِ سَنَةٍ قِيَامِهَا وَصِيَامِهَا .
بَابٌ الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَمَا يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَسَيَّبِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا ، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ ، وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ : أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ : لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَغَيْرُ ابْنِ نَافِعٍ يَرْوِيهِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عُمَيْرَةَ بْنِ أَبِي نَاجِيَةَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ذِكْرُ أَبِى سَعِيدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ . بَابُ الْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَما يُصَلِّي أَيْ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَكَانَ قَدْ تَيَمَّمَ لِلصَّلَاةِ لِأَجْلِ فِقْدَانِ الْمَاءِ . ( فِي الْوَقْتِ ) : مُتَعَلِّقٌ بِيَجِدُ أَيْ وَقْتُ الصَّلَاةِ بَاقٍ ، فَهَلْ يُعِيدُ الصَّلَاةَ أَمْ يَكْفِيهِ صَلَاتُهُ الَّتِي صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ ؟ ( فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ) : أَيْ جَاءَت وَقْتُهَا ( فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا ) : قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : أَيْ قَصَدَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَوْ فَتَيَمَّمَا بِالصَّعِيدِ عَلَى نَزْعِ الْحَافِضِ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ ( فِي الْوَقْتِ ) : وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ بِأَنَّهُمَا وَجَدَا بَعْدَ الْوَقْتِ ( فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا ) : إِمَّا ظَنًّا بِأَنَّ الْأُولَى بَاطِلَةٌ وَإِمَّا احْتِيَاطًا ( وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ ( أَصَبْتَ السُّنَّةَ ) : أَيِ الشَّرِيعَةَ الْوَاجِبَةَ وَصَادَفْتَ الشَّرِيعَةَ الثَّابِتَةَ بِالسُّنَّةِ ( وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ ) : تَفْسِيرٌ لِمَا سَبَقَ ، أَيْ كَفَتْكَ عَنِ الْقَضَاءِ ، وَالْإِجْزَاءُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الْفِعْلِ مُسْقِطًا لِلْإِعَادَةِ ( لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ ) : أَيْ لَكَ أَجْرُ الصَّلَاةِ كَرَّتَيْنِ ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَحِيحَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَثُوبَةٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ السُّنَّةَ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِلْمُتَيَمِّمِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا كَهُوَ لِلْمُتَطَهِّرِ بِالْمَاءِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : يَتَلَوَّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِلَى نَحْوِ ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُرْجَى فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ : لَا يَتَيَمَّمُ حَتَّى يَخَافَ ذَهَابَ الْوَقْتِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ، فَقَالَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ : يُعِيدُ الصَّلَاةَ وَاسْتَحَبَّهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَلَمْ يُوجِبْهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو ، بِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا ( عَنْ عَمِيرَةَ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ( هُوَ مُرْسَلٌ ) : وَالْمُرْسَلُ هُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ سَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا أَوْ فَعَلَ كَذَا .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ . ( ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ) : قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ مُسْلِمٌ : تَرَكَهُ وَكِيعٌ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ .
بَابٌ الْمَجْدور يَتَيَمَّمُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ، ثُمَّ احْتَلَمَ ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ ؟ قَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ . فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا ، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ . شَكَّ مُوسَى عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ بَابُ الْمَجْدُورِ يَتَيَمَّمُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَجْرُوحُ يَتَيَمَّمُ ، وَفِي بَعْضِهَا الْمَعْذُورُ يَتَيَمَّمُ ، وَمَعْنَى الْمَجْدُورِ صَاحِبُ الْجُدَرِيِّ بِضَمِّ الْجِيمِ ، وَهُوَ حَبٌّ فِي جَسَدِ الصَّبِيِّ مِنْ فَضَلَاتٍ تَضْمَنُ الْمَضَرَّةَ يَدْفَعُهَا الطَّبِيعَةُ ، وَقَدْ يَظْهَرُ هَذَا فِي جَسَدِ الرَّجُلِ الْكَبِيرِ أَيْضًا فَيُؤْلِمُ كَثِيرًا ، فَعَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ لَا يَنْطَبِقُ الْحَدِيثُ مِنَ الْبَابِ ، لِأَنَّ ذِكْرَ الْجُدَرِيِّ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ : الْمَجْدُورُ يُقَاسُ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ الشَّجُّ ، فَكَمَا صَاحِبُ الشَّجِّ يَتَيَمَّمُ لِجِرَاحَتِهِ ، كَذَلِكَ صَاحِبُ الْجُدَرِيِّ يَتَيَمَّمُ لِأَجْلِ جِرَاحَتِهِ . ( فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ) : الشَّجُّ ضَرْبُ الرَّأْسِ خَاصَّةً وَجَرْحُهُ وَشَقُّهُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ ، وَضَمِيرُ مَفْعُولِهِ لِلرَّجُلِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّأْسَ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ ، فَإِنَّ الشَّجَّ هُوَ كَسْرُ الرَّأْسِ ، فَفِيهِ تَجْرِيدٌ ، وَالْمَعْنَى فَجَرَحَهُ فِي رَأْسِهِ ( فَقَالَ ) : أَيِ الرَّجُلُ الْمَجْرُوحُ الْمُحْتَلِمُ : وَهَذَا بَيَانٌ لِلسُّؤَالِ ( قَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً ، وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ) : حَمَلُوا الْوِجْدَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْوِجْدَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي حُكْمِ الْفِقْدَانِ ( أُخْبِرَ بِذَلِكَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( قَتَلُوهُ ) : أَسْنَدَ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ ، لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لَهُ بِتَكْلِيفِهِمْ لَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْجَرْحِ فِي رَأْسِهِ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ ( قَتَلَهُمُ اللَّهُ ) : إِنَّمَا قَالَهُ زَجْرًا وَتَهْدِيدًا ( أَلَّا ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ حَرْفُ تَحْضِيضٍ دَخَلَ عَلَى الْمَاضِي فَأَفَادَ التَّنْدِيمَ ( فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ) . الْعِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ هُوَ التَّحَيُّرُ فِي الْكَلَامِ وَعَدَمُ الضَّبْطِ . كَذَا فِي الصِّحَاحِ . وَفِي النِّهَايَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ الْعِيُّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْجَهْلُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَهْلَ دَاءٌ وَشِفَاءَهَا السُّؤَالُ وَالتَّعَلُّمُ ( وَيَعْصِرُ ) : بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ يُقَطِّرُ عَلَيْهَا الْمَاءَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجِرَاحَةِ ( أَوْ يَعْصِبُ ) : أَيْ يَشُدُّ ( ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى الْخِرْقَةِ بِالْمَاءِ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ عَابَهم بِالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْوَعِيدَ بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ فِي الْإِثْمِ قَتَلَةً لَهُ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَغَسْلِ سَائِرِ جَسَدِهِ بِالْمَاءِ ، وَلَمْ يَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافِيًا دُونَ الْآخَرِ . قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إِنْ كَانَ أَقَلُّ أَعْضَائِهِ مَجْرُوحًا جَمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ كَفَاهُ التَّيَمُّمُ وَحْدَهُ ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يُجْزِئُهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ بَدَنِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إِلَّا الْغُسْلُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : حَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ . وَقَالُوا : لِأَنَّهُ وَاجِدٌ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ قَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى ضَعْفِهِ . وَذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ تُوضَعَ عَلَى طُهْرٍ ، وأَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهَا مِنَ الصَّحِيحِ إِلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ . وَالْمَسْحُ الْمَذْكُورُ عِنْدَهُمْ يَكُونُ بِالْمَاءِ لَا بِالتُّرَابِ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ وَلَا يَحُلُّ بَلْ يَسْقُطُ كَعِبَادَةٍ تَعَذَّرَتْ ، وَلِأَنَّ الْجَبِيرَةَ كَعُضْوٍ آخَرَ ، وَآيَةُ الْوُضُوءِ لَمْ تَتَنَاوَلْ ذَلِكَ ، وَاعْتَذَرَ عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَعَلِيٍّ بِالْمَقَالِ الَّذِي فِيهِمَا ، وَقَدْ تَعَاضَدَتْ طُرُقُ حَدِيثِ جَابِرٍ فَصَلَحَ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ ، وَقَوِيَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ . وَلَكِنْ حَدِيثُ جَابِرٍ قَدْ دَلَّ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ وَالتَّيَمُّمِ انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : رِوَايَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغَسْلِ مَا رَوَاهَا غَيْرُ زُبَيْرِ بْنِ خُرَيْقٍ ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ قَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ ، قَدْ خَالَفَ سَائِرَ مَنْ رَوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، فَرِوَايَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالْغَسْلِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ الزُّبَيْرُ بْنُ خُرَيْقٍ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَخُرَيْقٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَيَاءٌ سَاكِنَةٌ ، وَآخِرُ الْحُرُوفِ قَافٌ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْطَاكِيُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ ، أَخْبَرَنِي الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ احْتَلَمَ ، فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ ؟ ( أَخْبَرَنِي الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ ) : الضَّمِيرُ فِي أَنَّهُ لِلشَّأْنِ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي بَلَغَهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوْزَاعِيِّ ، وَفَاعِلُ بَلَغَ الْحَدِيثُ أَوْ قَوْلُهُ : إِنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ( فَأُمِرَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ) : أَيْ لِمَ لَمْ يَسْأَلُوا حِينَ لَمْ يَعْلَمُوا لِأَنَّ شِفَاءَ الْجَهْلِ السُّؤَالُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَخْرَجَهُ مُنْقَطِعًا وَأَخْرَجَهُ مَوْصُولًا ، وَفِي طَرِيقِ ابْنِ مَاجَهْ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبِ أَبِي الْعِشْرِينَ الدِّمَشْقِيُّ ثُمَّ الْبَيْرُوتِيُّ كَاتِبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : يُغْرِبُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِغَيْرِ حَدِيثٍ لَا يَرْوِيهِ غَيْرُهُ ، وَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، نَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ قَالَ : فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّيَمُّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ فِيهِ : فَتَيَمَّمَ . ( كَانَ عَلَى سَرِيَّةٍ ) : هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ ، وَالْجَمْعُ سَرَايَا وَسَرِيَّاتٌ ، مِثْلَ عَطِيَّةٍ وَعَطَايَا وَعَطِيَّاتٍ ( فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ ) : الْوَاحِدُ مَغْبِنٌ مِثْلَ مَسْجِدٍ ، وَمَغَابِنُ الْبَدَنِ الْأَرْفَاغُ وَالْآبَاطُ .
بَابٌ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، نَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ ، فَأَشْفَقْتُ أنْ أغْتَسَلْ فأَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا عَمْرُو ، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ مِصْرِيٌّ مَوْلَى خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ . بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ أَمْ لَا . ( قَالَ : احْتَلَمْتُ ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : يُرَدُّ بِهَذَا عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ : إِذَا احْتَلَمَ الْمُرِيدُ أَدَّبَهُ الشَّيْخُ ، فَلَا أَحَدَ أَتْقَى وَأَصْلَحَ وَلَا أَوْرَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا ، وَمَا عُصِمَ مِنَ الِاحْتِلَامِ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ( فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ ) : فِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ : السُّلَاسِلُ جَمْعُ سِلْسِلَةٍ : مَاءٌ بِأَرْضِ جُذَامٍ سُمِّيَتْ بِهِ غَزْوَةُ ذَاتِ السُّلَاسِلِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَهِيَ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَة ِ ( فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ ) : وَهُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ ( فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ شِدَّةِ الْبَرْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : التَّبَسُّمُ وَالِاسْتِبْشَارُ ، وَالثَّانِي : عَدَمُ الْإِنْكَارِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ ، وَالتَّبَسُّمُ وَالِاسْتِبْشَارُ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ السُّكُوتِ عَلَى الْجَوَازِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ عَدَمَ إِمْكَانِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَعَدَمِ عَيْنِ الْمَاءِ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخَافُ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مَاءٌ ، فَأَبْقَاهُ لِيَشْرَبَهُ وَلِيَتَيَمَّمَ بِهِ خَوْفَ التَّلَفِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ : لَا يَتَيَمَّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ مَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ مِثْلَ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا وَيَسْتُرَهُ وَكُلَّمَا غَسَلَ عُضْوًا سَتَرَهُ وَدَفَّاء مِنَ الْبَرْدِ - لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَتَيَمَّمُ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ : يَغْتَسِلُ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَجْعَلَا لَهُ عُذْرًا ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَيَمَّمُوا ، أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ( عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ جَعْفَرٍ الْحَنَفِيَّةَ نُسِبَ إِلَيْهَا وَكَانَتْ مِنْ سَبْيِ الْيَمَامَةِ الَّذِينَ سَبَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَقِيلَ : كَانَتْ أَمَةً لِبَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ( مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ) : بِالضَّمِّ وَبِفَتْحٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ ، وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطُّهُورَ مِفْتَاحًا مَجَازًا لِأَنَّ الْحَدَثَ مَانِعٌ مِنَ الصَّلَاةِ ، فَالْحَدَثُ كَالْقُفْلِ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُحْدِثِ حَتَّى إِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّ الْغَلْقُ ، وَهَذِهِ اسْتِعَارَةٌ بَدِيعَةٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا النُّبُوَّةُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ لِأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ مُغْلَقَةٌ تَفْتَحُهَا الطَّاعَاتُ وَرُكْنُ الطَّاعَاتِ الصَّلَاةُ . قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ مِنْ قَوْلِهِمَا : تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَلَوْ صَلَّى مُحْدِثًا مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ أَثِمَ وَلَا يَكْفُرُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَكْفُرُ لِتَلَاعُبِهِ . انْتَهَى . ( وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ) : قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : إِضَافَةُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ إِلَى الصَّلَاةِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّكْبِيرَ يُحَرِّمُ مَا كَانَ حَلَالًا فِي خَارِجِهَا وَالتَّسْلِيمُ يُحَلِّلُ مَا كَانَ حَرَامًا فِيهَا . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : سُمِّيَ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ يُحَرِّمُ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْمُصَلِّي وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ التَّحْرِيمَ بِمَعْنَى الْإِحْرَامِ ، أَيِ الدُّخُولُ فِي حُرْمَتِهَا ، فَالتَّحْلِيلُ بِمَعْنَى الْخُرُوجِ عَنْ حُرْمَتِهَا . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ : وَإِحْرَامُهَا التَّكْبِيرُ وَإِحْلَالُهَا التَّسْلِيمُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ : تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ خِلَافًا لِسَعِيدٍ وَالزُّهْرِيِّ فَإِنَّهُمَا يَقُولَانِ إِنَّ الْإِحْرَامَ يَكُونُ بِالنِّيَّةِ ، وَقَوْلُهُ ( التَّكْبِيرُ ) يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ إِحْرَامِ الصَّلَاةِ بِالتَّكْبِيرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ صِفَاتِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى فَخُصَّ التَّكْبِيرُ بِالسُّنَّةِ مِنَ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا وَقَدِ اتَّصَلَ فِي ذَلِكَ فِعْلُهُ بِقَوْلِهِ ، فَكَانَ يُكَبِّرُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لِعُمُومِ الْقُرْآنِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : وَيَجُوزُ بِقَوْلِكَ : اللَّهُ الْأَكْبَرُ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَجُوزُ بِقَوْلِكَ : اللَّهُ الْكَبِيرُ . أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ زِيَادَةٌ لَمْ تُخِلَ بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْمَعْنَى . وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ التَّكْبِيرُ . قُلْنَا لِأَبِي يُوسُفَ إِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ اللَّفْظِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْفِعْلُ ، فَفَسَّرَ الْمُطْلَقَ فِي الْقَوْلِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التَّعْلِيلُ ، وَبِهَذَا يُرَدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ إِنَّمَا تُفْعَلُ عَلَى الرَّسْمِ الْوَارِدِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَعْنَى ، وَقَوْلُهُ : ( تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ) مِثْلُهُ فِي حَصْرِ الْخُرُوجِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي التَّسْلِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ الْمُنَاقِضَةِ لِلصَّلَاةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَرَى الْخُرُوجَ مِنْهَا بِكُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ مُضَادٍّ كَالْحَدَثِ وَغَيْرِهِ حَمْلًا عَلَى السَّلَامِ وَقِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي إِبْطَالَ الْحَصْرِ . انْتَهَى بِتَلْخِيصِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَأَحْسَنُ . انْتَهَى
بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ ، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ أَيِ الْوُضُوءُ فَرْضٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ . ( مِنْ غُلُولٍ ) : ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ ثُمَّ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الْغُلُولُ : الْخِيَانَةُ خِفْيَةٌ ، فَالصَّدَقَةُ مِنْ مَالٍ حَرَامٍ فِي عَدَمِ الْقَبُولِ وَاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ كَالصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهُورٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : الْغُلُولُ : هُوَ الْخِيَانَةُ مُطْلَقًا وَالْحَرَامُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْغُلُولُ : الْخِيَانَةُ ، وَأَصْلُهُ السَّرِقَةُ مِنْ مَالِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ . انْتَهَى ( بِغَيْرِ طَهُورٍ ) : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَهُوَ بِضَمِّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْلِ وَبِفَتْحِهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْمَاءِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الطُّهُورُ بِالضَّمِّ التَّطَهُّرُ وَبِالْفَتْحِ الْمَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : الطَّهُورُ بِالْفَتْحِ يَقَعُ عَلَى الْمَاءِ وَالْمَصْدَرِ مَعًا ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا ، وَالْمُرَادُ التَّطَهُّرُ ، انْتَهَى . وَضَبَطَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ بِضَمِّ الطَّاءِ لَا غَيْرُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : قَبُولُ اللَّهِ الْعَمَلَ هُوَ رِضَاهُ وَثَوَابُهُ عَلَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَالصَّلَاةُ فِي حَدِيثِ جَمِيعِهِمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الصَّدَقَةِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ محمد بْن حَنْبَلٍ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تعالى جل ذكره صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ( إِذَا أَحْدَثَ ) : أَيْ وُجِدَ مِنْهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ كَالْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ أَوِ الْأَصْغَرُ النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ ( حَتَّى يَتَوَضَّأَ ) : أَيْ إِلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَتُقْبَلُ حِينَئِذٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ اخْتِيَارِيًّا أَوِ اضْطِرَارِيًّا لِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَدَثٍ وَحَدَثٍ وَحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ قَالَ : دَخَلْتُ فِي الْإِسْلَامِ فَأَهَمَّنِي دِينِي ، فَأَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : إِنِّي اجْتَوَيْتُ الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَبِغَنَمٍ فَقَالَ لِي : اشْرَبْ مِنْ أَلْبَانِهَا قَالَ حَمَّادٌ : وَأَشُكُّ فِي أَبْوَالِهَا . فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : فَكُنْتُ أَعْزُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ ، فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنِصْفِ النَّهَارِ وَهُوَ فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي ظِلِّ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : أَبُو ذَرٍّ ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ ، هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَمَا أَهْلَكَكَ ؟ قُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ أَعْزُبُ عَنْ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طُهُورٍ ، فَأَمَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ ، فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ بِعُسٍّ يَتَخَضْخَضُ مَا هُوَ بِمَلْآنَ ، فَتَسَتَّرْتُ إِلَى بَعِيرِ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ لَمْ يَذْكُرْ أَبْوَالَهَا . هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَلَيْسَ فِي أَبْوَالِهَا إِلَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ . ( فَأَهَمَّنِي دِينِي ) : أَيْ أَقْلَقَنِي وَأَحْزَنَنِي ، وَالْمَعْنَى أَنِّي أَسْلَمْتُ ، لَكِنْ مَا عَلِمْتُ مَسَائِلَ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامَهُ ، فَتَحَرَّجْتُ بِهِ عَلَى أَدَاءِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ ، فَأَحْزَنَنِي وَأَقْلَقَنِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، لَأَنْ أَجْلِسَ مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ وَأَتَعَلَّمَ عَنْهُمُ الْمَسَائِلَ ( إِنِّي اجْتَوَيْتُ الْمَدِينَةَ ) : قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : اجْتَوَيْتَ الْبَلَدَ إِذَا كَرِهْتَ الْمُقَامَ فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ . وَقَيَّدَهُ الْخَطَّابِيُّ بِمَا إِذَا تَضَرَّرَ بِالْإِقَامَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ . وَقَالَ الْقَزَّازُ : اجْتَوَوْا أَيْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ طَعَامُهَا . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : الْجَوَى دَاءٌ يَأْخُذُ مِنَ الْوَبَاءِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْجَوَى دَاءٌ يُصِيبُ الْجَوْفَ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ( بِذَوْدٍ ) : بِفَتْحِ الذَّالِ ، هِيَ مِنَ الْإِبِلِ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ يَقُولُ : مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ ذَوْدٌ ، وَكَذَا قَالَ الْفَارَابِيُّ ، وَالذَّوْدُ مُؤَنَّثَةٌ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ ، وَالْجَمْعُ أَذْوَادٌ ، مِثْلُ ثَوْبٍ وَأَثْوَابٍ . وَقَالَ فِي الْبَارِعِ : الذَّوْدُ لَا يَكُونُ إِلَّا إِنَاثًا . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( فَكُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ ) : بِضَمِّ الزَّاء الْمَنْقُوطَةِ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ فِيهِ لُغَتَانِ ، يُقَالُ عَزَبَ عَنِّي فُلَانٌ يَعْزُبُ عُزُوبًا غَابَ وَبَعُدَ ، وَالْمَعْنَى أَنَّي أَبْعَدَ عَنِ الْمَاءِ ( وَهُوَ فِي رَهْطٍ ) : أَيْ فِي جَمَاعَةٍ وَهُوَ مَا دُونَ عَشَرَةٍ مِنَ الرِّجَالِ لَيْسَ فِيهِمُ امْرَأَةٌ ، وَسُكُونُ الْهَاءِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا ، وَهُوَ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ( يَتَخَضْخَضُ ) : بِالْخَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيًا ، وَالْخَضْخَضَةُ تَحْرِيكُ الْمَاءِ ، وَأَصْلُ الْخَضْخَضَةِ مِنْ خَاضَ يَخُوضُ ، لَا مِنْ خَضَّ يَخُضُّ . يُقَالُ : خَضْخَضْتُ دَلْوِي فِي الْمَاءِ خَضْخَضَةً وَتَخَضْخَضَ الْمَاءُ تَحَرَّكَ ( مَا هُوَ ) : أَيِ الْعُسُّ ( إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ إِلَخْ ) وَفِي إِطْلَاقِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَضَرَ وَالسَّفَرَ كِلَاهُمَا مُتَسَاوِيَانِ لِلْمُسْلِمِ فِي الطَّهَارَةِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، وَأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، وَلَا يَقْتَصِرُ الْحُكْمُ فِي السَّفَرِ فَقَطْ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصَّهُ مَوْضِعًا دُونَ مَوْضِعٍ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بَلْ أَطْلَقَ ، وَأَنْكَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدَمِ تَطَهُّرِ أَبِي ذَرٍّ بِالتَّيَمُّمِ ، وَهُوَ كَانَ يَسْكُنُ بِالرَّبَذَةِ وَهُوَ مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ صَاحِبُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ( وَلَيْسَ فِي أَبْوَالِهَا ) : أَيْ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ ( إِلَّا حَدِيثُ أَنَسِ ) بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ ( تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ) : أَيْ مَا رَوَى حَدِيثَ أَنَسٍ أَحَدٌ غَيْرُ الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا نَادِرًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي مِنْ بَنِي عَامِرٍ هُوَ عَمْرُو بْنُ بُجْدَانَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ ، سَمَّاهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ . وَسَمَّاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ . انْتَهَى .
بَابُ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، نَا خَالِدٌ ، ( ح ) وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نَا خَالِدٌ ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيَّ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ بُجْدَانَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ابْدُ فِيهَا فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ ، فَكَانَتْ تُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : فَسَكَتُّ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا ذَرٍّ ، لِأُمِّكَ الْوَيْلُ فَدَعَا لِي بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فَجَاءَتْ بِعُسٍّ فِيهِ مَاءٌ ، فَسَتَرَتْنِي بِثَوْبٍ وَاسْتَتَرْتُ بِالرَّاحِلَةِ ، وَاغْتَسَلْتُ فَكَأَنِّي أَلْقَيْتُ عَنِّي جَبَلًا فَقَالَ : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَقَالَ مُسَدَّدٌ : غُنَيْمَةٌ مِنْ الصَّدَقَةِ وَحَدِيثُ عَمْرٍو أَتَمُّ . بَابُ الْجُنُبِ يَتَيَمَّمُ لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَارِ ، هَلْ يَنُوبُ عَنِ الْغُسْلِ ؟ ( اجْتَمَعَتْ غُنَيْمَةٌ ) : تَصْغِيرُ غَنَمٍ لِإِفَادَةِ التَّقْلِيلِ ( يَا أَبَا ذَرٍّ ابْدُ ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَصْلُهُ أَبْدِ ، وَيُقَالُ بَدَا الْقَوْمُ بَدْوًا ، أَيْ خَرَجُوا إِلَى بَادِيَتِهِمْ ، وَبَدَا الْقَوْمُ بَدَاءً خَرَجُوا إِلَى الْبَادِيَةِ ، وَتَبَدَّى الرَّجُلُ : أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ ، وَتَبَادَى : تَشَبَّهَ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ ، كَذَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ( فِيهَا ) : أَيْ فِي الْغُنَيْمَةِ ( فَبَدَوْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ : مِنْ قُرَى الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْهَا ، قَرِيبَةٌ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ عَلَى طَرِيقِ الْحِجَازِ إِذَا رَحَلْتَ مِنْ فَيْدٍ تُرِيدُ مَكَّةَ ، وَالْمَعْنَى خَرَجْتُ إِلَى الرَّبَذَةِ ( فَأَمْكُثُ الْخَمْسَ وَالسِّتَّ ) : أَيْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ ، فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طُهُورٍ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَبُو ذَرٍّ ) أَيْ أَنْتَ أَبُو ذَرٍّ ( فَسَكَتَ ) : وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَقُلْتُ نَعَمْ إِلَخْ . وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى اخْتَصَرَهَا الرَّاوِي أَيْ فَسَكَتَ أَوَّلًا ثُمَّ قُلْتُ : نَعَمْ ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَبَا ذَرٍّ ) : الثُّكْلُ فِقْدَانُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا أَيْ فَقَدَتْكَ أُمُّكَ ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ وَلَا يُرَادُ بِهَا الدُّعَاءُ ، وَكَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِأُمِّكَ الْوَيْلُ ، لَمْ يُرِدْ بِهِ الدُّعَاءَ ، وَالْوَيْلُ الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ وَالْمَشَقَّةُ ( فَجَاءَتْ بِعُسٍّ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْقَدَحُ الْعَظِيمُ وَالرِّفْدُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَجَمْعُهُ عِسَاسٌ ( فَسَتَرَتْنِي بِثَوْبٍ ) : أَيْ مِنْ جَانِبٍ ( وَاسْتَتَرْتُ ) : أَنَا مِنْ جَانِبٍ آخَرَ ( بِالرَّاحِلَةِ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ الْمَرْكَبُ مِنَ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ( فَكَأَنِّي أَلْقَيْتُ عَنِّي جَبَلًا ) : شَبَّهَ الْجَنَابَةَ بِالْجَبَلِ فِي الثِّقَلِ . يَقُولُ : لَمَّا أَجْنَبْتُ وَمَا وَجَدْتُ الْمَاءَ كُنْتُ لِعَدَمِ الِاغْتِسَالِ مُكَدَّرًا أَوْ مُنْقَبِضَ النَّفْسِ كَأَنَّ عَلَى رَأْسِي الْجَبَلَ ، فَلَمَّا اغْتَسَلْتُ زَالَ عَنِّي ذَلِكَ الثِّقَلُ فَكَأَنِّي طَرَحْتُ عَنِّي الْجَبَلَ ( الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ) : قَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ الصَّعِيدِ . قَالَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِفْرِيقِيُّ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : وَالصَّعِيدُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَقِيلَ : الْأَرْضُ الْمُرْتَفِعَةُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُنْخَفِضَةِ ، وَقِيلَ : مَا لَمْ يُخَالِطْهُ رَمْلٌ وَلَا سَبَخَةٌ ، وَقِيلَ : وَجْهُ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا وَقِيلَ : الصَّعِيدُ الْأَرْضُ ، وَقِيلَ : الْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ ، وَقِيلَ : هُوَ كُلُّ تُرَابٍ طَيِّبٌ . وَفِي التَّنْزِيلِ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : صَعِيدًا جُرُزًا الصَّعِيدُ التُّرَابُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَقَعُ اسْمُ صَعِيدٍ إِلَّا عَلَى تُرَابٍ ذِي غُبَارٍ . فَأَمَّا الْبَطْحَاءُ الْغَلِيظَةُ وَالرَّقِيقَةُ وَالْكَثِيبُ الْغَلِيظُ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَعِيدٍ وَإِنْ خَالَطَهُ تُرَابٌ أَوْ مَدَرٌ يَكُونُ لَهُ غُبَارٌ كَانَ الَّذِي خَالَطَهُ الصَّعِيدَ ، وَلَا يَتَيَمَّمُ بِالنَّوْرَةِ وَبِالْكُحْلِ وَبِالزِّرْنِيخِ وَكُلُّ هَذَا حِجَارَةٌ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ : الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ . قَالَ : وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ وَجْهَ الْأَرْضِ وَلَا يُبَالِي أَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ تُرَابٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ ؛ لِأَنَّ الصَّعِيدَ لَيْسَ هُوَ التُّرَابُ وَإِنَّمَا هُوَ وَجْهُ الْأَرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ . قَالَ : وَلَوْ أَنَّ أَرْضًا كَانَتْ كُلَّهَا صَخْرًا لَا تُرَابَ عَلَيْهَا ثُمَّ ضَرَبَ الْمُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلَى ذَلِكَ الصَّخْرِ لَكَانَ ذَلِكَ طَهُورًا إِذَا مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا لِأَنَّهُ نِهَايَةُ مَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ مِنْ بَاطِنِ الْأَرْضِ ، لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ خِلَافًا فِي أَنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَحْسَبُهُ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ بِقَولِهِ وَلَا أَسْتَيْقِنُهُ . قَالَ اللَّيْثُ : يُقَالُ لِلْحَدِيقَةِ إِذَا خَرِبَتْ وَذَهَبَ شَجَرُاؤهَا : قَدْ صَارَتْ صَعِيدًا أَيْ أَرْضًا مُسْتَوِيَةً لَا شَجَرَ فِيهَا . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الصَّعِيدُ الْأَرْضُ بِعَيْنِهَا وَالصَّعِيدُ الطَّرِيقُ ، سُمِّيَ بِالصَّعِيدِ مِنَ التُّرَابِ انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الصَّعِيدُ التُّرَابُ أَوْ وَجْهُ الْأَرْضِ . وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ شَرْحِ الْقَامُوسِ مِثْلُ مَا فِي اللِّسَانِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ عَنِ الْفَرَّاءِ : الصَّعِيدُ التُّرَابُ . وَقَالَ ثَعْلَبٌ : وَجْهُ الْأَرْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ( صَعِيدًا طَيِّبًا ) : أَيْ أَرْضًا طَاهِرَةً . وَفِي الْجَمْهَرَةِ : وَهُوَ التُّرَابُ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ رَمْلٌ وَلَا سَبَخٌ ، هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ . وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ الصَّعِيدَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَمِنَ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِ الصَّعِيدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَذَهَبَ إِلَى تَخْصِيصِ التُّرَابِ لِلتَّيَمُّمِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ بِالْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا ، وَاسْتِدْلَالُ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا قُلْتُ : التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ التُّرَابَ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِمَنْ وَجَدَ التُّرَابَ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ التُّرَابُ فَقَطْ عِنْدَ بَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، فَالتَّيَمُّمُ عَلَيْهِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا ، فَكَيْفَ يُتْرَكُ الْمُتَيَقَّنُ بِالْمُحْتَمَلِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ التُّرَابَ فيَتَيَمَّمُ عَلَى الرِّمَالِ وَالْأَحْجَارِ وَيُصَلِّي لِأَنَّهُ مَدْلُولُ الصَّعِيدِ لُغَةً عِنْدَ بَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الرِّمَالَ وَالْأَحْجَارَ فَيَتَيَمَّمُ عَلَى كُلِّ مَا ذُكِرَ آنِفًا فِي تَفْسِيرِ الصَّعِيدِ وَلَا يُصَلِّي بِغَيْرِ التَّيَمُّمِ ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَذِهِ كُلَّهَا فَيُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَلَوْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ) : الْمُرَادُ بِالْعَشْرِ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ ، وَمَعْنَاهُ أَيْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ التَّيَمُّمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَإِنْ بَلَغَتْ مُدَّةُ عَدَمِ الْمَاءِ وَاتَّصَلَتْ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى أَنَّ التَّيَمُّمَ دَفْعَةً وَاحِدَةً تَكْفِيهِ لِعَشْرِ سِنِينَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَمَا بَدَا لَكَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلتَّيَمُّمِ بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوُضُوءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَيَحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّ لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَجْمَعَ بِتَيَمُّمِهِ بَيْنَ صَلَوَاتٍ ذَوَاتِ عَدَدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ لِعَدَمِ وُجُوبِ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ بِعُمُومِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَافَقَ فِيهَا الْبُخَارِيُّ الْكُوفِيِّينَ وَالْجُمْهُورَ . وَذَهَبَ بَعْضٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ . انْتَهَى . قُلْتُ : مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ قَوِيٌّ ، وَقَدْ جَاءَ آثَارٌ تَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبَعْضُ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْ أَنَّ الْمُصَلِّي يُجَدِّدُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، لَكِنْ أَكْثَرُهَا ضَعِيفٌ ، وَمَا صَحَّ مِنْهَا فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى فَرْضِيَّةِ التَّجْدِيدِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ( فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ ) : أَمِسَّ أَمْرٌ مِنَ الْإِمْسَاسِ ، وَالْمَعْنَى : إِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَعَلَيْكَ أَنْ تَتَوَضَّأَ أَوْ تَغْتَسِلَ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : وَيُحْتَجُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِيجَابِ انْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ بِوُجُودِ الْمَاءِ عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ سَوَاءٌ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا . انْتَهَى . وَيُحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا فِي أَنْ لَا يَتَيَمَّمَ فِي مِصْرٍ لِصَلَاةِ فَرْضٍ وَلَا لِجِنَازَةٍ وَلَا لِعِيدٍ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُمِسَّهُ جِلْدَهُ ( فَإِنَّ ذَلِكَ ) : أَيِ الْإِمْسَاسَ ( خَيْرٌ ) : أَيْ بَرَكَةٌ وَأَجْرٌ . وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ كِلَاهُمَا جَائِزٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ ، لَكِنِ الْوُضُوءُ خَيْرٌ ، بَلِ الْوُضُوءُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَرْضٌ ، وَالْخَيْرِيَّةُ لَا تُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَبُجْدَانُ : بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِيُّ ، أنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ قال : إنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَايطِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ عِنْدَ بِيرِ جَمَلٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْحَائِطِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى الْبُرُلُّسِيُّ ) : قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَضْمُومَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، انْتَهَى ، وَهَكَذَا فِي التَّهْذِيبِ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : بُرُلُّسٌ بِالضَّمَّاتِ وَشَدِّ اللَّامِ : قَرْيَةٌ بِسَوَاحِلِ مِصْرَ ، وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ : وَضَبَطَهُ يَاقُوتٌ بِفَتْحَتَيْنِ وَضَمِّ اللَّامِ وَشَدِّهَا ( ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ . إِلَخْ ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الضَّرْبَتَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ .
بَابُ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، قال : ثني أَبِي ، عَنْ جَدِّي ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى دخلنا عَلَى أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من نَحْوَ بِيْرِ جَمَلٍ ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ السَّلَامَ حَتَّى أَتَى عَلَى جِدَارٍ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ بَابُ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ بِفَتْحَتَيْنِ ، هُوَ خِلَافُ السَّفَرِ ، هَلْ يَجُوزُ ؟ ( مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ ) : بِفَتْحِ الْجيمِ وَالْميمِ ، أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُعْرَفُ بِبِئْرِ جَمَلٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ فِيهِ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهَا ( فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : وَحَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ حَالَ التَّيَمُّمِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ ، لَكِنْ تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُهُ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ بِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ إِرَادَةُ ذِكْرِ اللَّهِ ، لِأَنَّ لَفْظَ السَّلَامِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَمَا أُرِيدَ بِهِ اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ لِرَدِّ السَّلَامِ مَعَ جَوَازِهِ بِدُونِ الطَّهَارَةِ ، فَمَنْ خَشِيَ فَوْتَ الصَّلَاةِ فِي الْحَضَرِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . انْتَهَى . وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْيَدِ مُجْمَلٌ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْحُوَيْرِثِ بِلَفْظِ ذِرَاعَيْهِ فَهِيَ ضَعِيفَةٌ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالثَّابِتُ فِي حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ بِلَفْظِ يَدَيْهِ لَا ذِرَاعَيْهِ فَإِنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ مَعَ مَا فِي أَبِي الْحُوَيْرِثِ وَأَبِي صَالِحٍ مِنَ الضَّعْفِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُنْقَطِعًا وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْمُنْقَطِعَةِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ أَبُو عَلِيٍّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْعَبْدِيُّ ، نَا نَافِعٌ قَالَ : انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ وكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ : مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِكَّةٍ مِنْ السِّكَكِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَايطٍ أَوْ بَوْلٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ، حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ فضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَايطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ وَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ حَدِيثًا مُنْكَرًا فِي التَّيَمُّمِ قَالَ ابْنُ دَاسَتةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يُتَابَعْ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَوْهُ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ . ( وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ ) : أَيْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، لَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - وَلَمْ يُعْرَفْ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - وَفِي الْمَعْرِفَةِ لِلْبَيْهَقِي : فَلَمَّا أَنْ قَضَى حَاجَتَهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ ، وَهَكَذَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ ( فِي سِكَّةٍ ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَشِدَّةِ الْكَافِ زُقَاقٌ ( فَسَلَّمَ ) : أَيِ الرَّجُلُ ( عَلَيْهِ ) : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( حَتَّى إِذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى ) : أَيْ قَرُبَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْتَفِيَ وَيَغِيبَ عَنْ نَظَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( حَدِيثًا مُنْكَرًا ) : تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْمُنْكَرِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ ( لَمْ يُتَابَعْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فَمُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الضَّرْبَتَيْنِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتٍ الْعَبْدِيَّ ضَعِيفٌ جِدًّا لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ( وَرَوَوْهُ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ ) : أَيْ رَوَى الْحُفَّاظُ الثِّقَاتُ ضَرْبَتَيْنِ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ لَا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ أَنْكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ رَفْعَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَفْعُهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا أَبَانُ قَالَ : سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ التَّيَمُّمِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ : حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ( قَالَ : إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ . انْتَهَى . وَنَقَلَ الْعَيْنِيُّ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ خَبَرٌ سَاقِطٌ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ فِي الْمَسْحِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ رِوَايَاتٌ غَيْرَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ، لَكِنْ كُلُّهَا لَا يَخْلُو مِنْ مَقَالٍ ، وَقَدْ سَرَدَهَا كُلَّهَا مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا أَخُينَا الْمُعَظَّمُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّيَمُّمِ فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ( فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى الِاقْتِصَارِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْكَفَّيْنِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ : ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الضَّرْبَتَيْنِ ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصِّحَّةِ وَلَا يُعَارَضُ مِثْلُهُ بِمِثْلِهِ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٍ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَصَحُّ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي تَحْتَ قَوْلِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ : بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، أَيْ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ ، وَأَتَى بِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ وَعَمَّارٍ وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ جُهَيْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَبِذِكْرِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى الْآبَاطِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهِمَا مَقَالٌ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْآبَاطِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِرَارًا ، وَمِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، كَوْنُ عَمَّارٍ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابِيُّ الْمُجْتَهِدُ .
بَابُ التَّيَمُّمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نَا عَبْدَةُ الْمَعْنَى وَاحِدٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأُنَاسًا مَعَهُ فِي طَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ : فَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ : يَرْحَمُكِ اللَّهُ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَه اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكِ فِيهِ فَرَجًا . بَابُ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ ، وَفِي الشَّرْعِ الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا . وَاعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ خَصِيصَةٌ خَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ . ( فِي طَلَبِ قِلَادَةٍ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَيُسَمَّى عِقْدًا ( أَضَلَّتْهَا عَائِشَةُ ) : أَيْ أَضَاعَتْهَا . أَضْلَلْتَ الشَّيْءَ إِذَا ضَاعَ مِنْكَ فَلَمْ تَعْرِفْ مَكَانَهُ كَالدَّابَّةِ وَالنَّاقَةِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا ، فَإِنْ أَخْطَأْتَ مَوْضِعَ الشَّيْءِ الثَّابِتِ كَالدَّارِ قُلْتَ ضَلَلْتُهُ بِغَيْرِ الْأَلِفِ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ يُصَلِّي عَلَى حَالِهِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ لِلْخَلَفِ وَالسَّلَفِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْوَالَ ثُمَّ قَالَ : الرَّابِعُ : تَجِبُ الصَّلَاةُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَهُوَ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا ، وَيُعَضِّدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ وَأَشْبَاهُهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيجَابُ إِعَادَةِ مِثْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ . وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْقَضَاءَ إِنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ، وَلَمْ يَثْبُتِ الْأَمْرُ فَلَا يَجِبُ ، وَهَكَذَا يَقُولُ الْمُزَنِيُّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْخَلَلِ لَا يَجِبُ إِعَادَتُهَا . قُلْتُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُزَنِيُّ هُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَسَحْنُونٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى عَادِمِ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَلَا يَجِبُ الْإِعَادَةُ وَهُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَأَمَّا حَدِيثُ : لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَادِرِ عَلَى الطُّهُورِ ( فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ) : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ عَلَى فِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَهُوَ صَلَاتُهُمْ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ ، فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ( فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ) : فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فَنَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الْآيَةَ ( زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ ) : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ( مَا نْزِلَ بِكَ أَمْرٌ ) : مِنَ الْحَزَنِ وَالْهَمِّ ( وَلَكِ فِيهِ فَرَجًا ) : وَمَخْرَجًا وَخَيْرًا وَطَرِيقًا سَهْلًا لِلْخُرُوجِ مِنْهُ وَبَرَكَةً لِيَسْتَنُّوا بِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حدثنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قال : إن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ الصَّعِيدَ ثُمَّ مَسَحُوا وُجُوهَهُمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ . ( أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا ) : مِنَ التَّفَعُّلِ ، وَالْمَسْحُ فِي الْوُضُوءِ هُوَ إِصَابَةُ الْمَاءِ بِالْيَدِ ، وَفِي التَّيَمُّمِ إِمْرَارُ الْيَدِ بِالتُّرَابِ ( وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( بِالصَّعِيدِ ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَمَسَّحُوا ( فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ ) : الْيَدُ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمَنْكِبِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ ( إِلَى الْمَنَاكِبِ ) : جَمْعُ مَنْكِبٍ وَهُوَ مُجْتَمَعُ رَأْسِ الْعَضُدِ ( وَالْآبَاطِ ) : الْإِبْطُ مَا تَحْتَ الْجَنَاحِ وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَالْجَمْعُ آبَاطٌ ( مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَسَحُوا أَيْ مَسَحُوا مِنْ بُطُونِ الْأَيْدِي لَا مِنْ ظُهُورِهَا . قَالَ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ إِسْحَاقَ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ شَيْخُ شَيْخِنَا : هَذَا قِيَاسُ الصَّحَابَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ بَيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا بَيَّنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمُوا كَيْفِيَّةَ التَّيَمُّمِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ : قَالَ عَمَّارٌ : تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، وَرَوَي عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ ، فَكَأَنَّ قَوْلَهُ : تَيَمَّمْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ وَهْبٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : قَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمْ التُّرَابَ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَنَاكِبَ وَالْآبَاطَ ، قَالَ ابْنُ اللَّيْثِ : إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ . ( الْمَهْرِيُّ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى مَهْرَةَ بْنِ حَيْدَانَ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْإِبِلُ الْمَهْرِيَّةُ ( وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا ) : لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ ضَرْبُ الْأَيْدِي عَلَى الصَّعِيدِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ ، وَتَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِالضَّرْبِ لَا بِالتَّغْبيرِ ( فَذَكَرَ ) : أَيْ سُلَيْمَانُ ( نَحْوَهُ ) : أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ ، ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : فِي حَدِيثِهِ ( قَالَ ابْنُ اللَّيْثِ ) : هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ ( إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ ) : أَيْ مَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى مَا فَوْقَ الْمِرْفَقَيْنِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ . عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، لَمْ يُدْرِكْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارٍ مَوْصُولًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ فِي آخَرِينَ قَالُوا : نَا يَعْقُوبُ ، نَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّسَ بِأَوَّلَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ ، فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ ، فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ ، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَقَالَ : حَبَسْتِ النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذكره عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا ، فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بِطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ زَادَ ابْنُ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِهِ : وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ فِيهِ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ يُونُسُ ، وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ضَرْبَتَيْنِ ، وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَشَكَّ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ مَرَّةً : عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مَرَّةً قَالَ : عَنْ أَبِيهِ ، وَمَرَّةً قَالَ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، اضْطَرَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ وَفِي سَمَاعِهِ عن الزُّهْرِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الضَّرْبَتَيْنِ إِلَّا مَنْ سَمَّيْتُ . ( عَرَّسَ ) : مِنَ التَّفْعِيلِ . يُقَالُ : عَرَّسَ إِذَا نَزَلَ الْمُسَافِرُ لِيَسْتَرِيحَ نَزْلَةً ثُمَّ يَرْتَحِلُ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ وَأَكْثَرُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ : التَّعْرِيسُ : نُزُولُ الْمُسَافِرِ آخِرَ اللَّيْلِ لِلنَّوْمِ وَالِاسْتِرَاحَةِ ، وَلَا يُسَمَّى نُزُولُ أَوَّلِ اللَّيْلِ تَعْرِيسًا ( بِأُولَاتِ الْجَيْشِ ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ : الْبَيْدَاءُ هُوَ ذُو الْحُلَيْفَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ ، وَذَاتُ الْجَيْشِ وَرَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ . انْتَهَى . وَذَاتُ الْجَيْشِ وَأُولَاتُ الْجَيْشِ وَاحِدٌ ( فَانْقَطَعَ عِقْدُ لهَا ) : عِقْدٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ : كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَيُسَمَّى قِلَادَةً ( مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ ) : الْجَزْعُ خَرَزٌ فِيهِ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ ، الْوَاحِدُ جَزْعَةٌ مِثْلُ تَمْرٍ وَتَمْرَةٍ . وَحُكِيَ فِي ضَبْطِ ظَفَارٍ وَجْهَانِ كَسْرُ أَوَّلِهِ وَصَرْفُهُ أَوْ فَتْحُهُ وَالْبِنَاءُ بِوَزْنِ قَطَامِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هُوَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِسَوَاحِلِ الْيَمَنِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ ظَفَارِ كَقَطَامِ : اسْمُ مَدِينَةٍ لِحِمْيَرٍ ( فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاءُ عِقْدِهَا ذَلِكَ ) : النَّاسُ مَفْعُولُ حُبِسَ وَابْتَغَاءُ فَاعِلُهَا ( فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مَعَهُمْ وَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعُوا ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ قَامُوا لِلتَّيَمُّمِ وَهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ ( فَمَسَحُوا بِهَا ) : أَيْ بِالْيَدِ الْمَضْرُوبَةِ عَلَى الْأَرْضِ ( وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إِلَى الْآبَاطِ ) : مِنْ لِلِابْتِدَاءِ ، أَيْ : ثُمَّ ابْتَدَءُوا مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ وَمَدُّوا إِلَى الْآبَاطِ فَمَسَحُوا أَوَّلًا مِنِ ابْتِدَاءِ ظُهُورِ الْأَكُفِّ إِلَى الْمَنَاكِبِ . وَثَانِيًا مِنِ ابْتِدَاءِ بُطُونِ الْأَكُفِّ إِلَى الْآبَاطِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَلَا يَعْتَبِرُ بِهَذَا النَّاسُ ) : أَيِ النَّاسُ لَا يَعْتَبِرُونَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يَأْخُذُونَهُ وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى التَّيَمُّمِ إِلَى الْآبَاطِ وَالْمَنَاكِبِ . هَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ . وَأَمَّا هُوَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّيَمُّمَ إِلَى الْآبَاطِ ( وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ) : أَيْ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بَيْنَ عَمَّارٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ( وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ) : أَيْ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتَبَةَ بَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ( وَشَكَّ فِيهِ ) : أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( مَرَّةً قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَمَرَّةً قَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ ( اضْطَرَبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ ) : فَمَرَّةً قَالَ عَنْ أَبِيهِ وَمَرَّةً أَسْقَطَهُ وَجَعَلَ مَكَانَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَفِي سَمَاعِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ) : أَيْضًا اضْطَرَبَ ، فَمَرَّةً رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَفْسِهِ وَمَرَّةً جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ وَاسِطَةً عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ ، وَالِاضْطِرَابُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ هُوَ الَّذِي يُرْوَى عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَقَارِبَةٍ مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ مِنْ رَاوِيَيْنِ أَوْ رُوَاةٍ ، وَيَقَعُ الِاضْطِرَابُ فِي الْإِسْنَادِ تَارَةً وَفِي الْمَتْنِ أُخْرَى ، وَيَقَعُ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ مَعًا مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ أَوْ رَاوِيَيْنِ أَوْ جَمَاعَةٍ . وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِضَعْفِ الْحَدِيثِ لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ الضَّبْطِ مِنْ رُوَاتِهِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ ، فَإِنْ رَجَحَتْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِحِفْظِ رَاوِيهَا مَثَلًا أَوْ كَثْرَةِ صُحْبَةِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ فَالْحُكْمُ لِلرَّاجِحَةِ ، وَلَا يَكُونُ الْحَدِيثُ مُضْطَرِبًا ( وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ) : أَيْ مِنْ رُوَاةِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( الضَّرْبَتَيْنِ إِلَّا مَنْ سَمَّيْتُ ) : أَيْ ذَكَرْتُ اسْمَهُ . وَهُمْ يُونُسُ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَمَعْمَرٌ ، فَإِنَّهُمْ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ لَفْظَ الضَّرْبَتَيْنِ . وَمَا عَدَاهُمْ كَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، وَمَالِكِ وابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، فَكُلُّهُمْ رَوَوْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ ضَرْبَتَيْنِ ، وَأَمَّا لَفْظُ الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْكُلُّ فِي رِوَايَاتِهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، غَيْرَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ : الْمِرْفَقَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَالَ غَيْرُهُ : أَيْ غَيْرُ أَبِي دَاوُدَ : حَدِيثُ عَمَّارٍ لَا يَخْلُو ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُ هَذَا ، وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مَعَ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ، وَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مَنْسُوخٌ ، وَنَاسِخُهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ أَيْضًا . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَا يَجُوزُ عَلَى عَمَّارٍ إِذَا ذَكَرَ تَيَمُّمَهُمْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ نُزُولِ الْآيَةِ إِلَى الْمَنَاكِبِ ، إِنْ كَانَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ عِنْدَهُ ، إِذْ رَوى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ، أَوْ يَكُونُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا تَيَمُّمًا وَاحِدًا ، وَاخْتَلَفَ رِوَايَتُهُ عَنْهُ . فَتَكُونُ رِوَايَةُ ابْنِ الصِّمَّةِ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ أَثْبَتَ ، وَإِذَا لَمْ تَخْتَلِفْ فَأَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا لِأَنَّهَا أَوْفَقُ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رُوِيَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ ، أَوْ يَكُونُ إِنَّمَا سَمِعُوا آيَةَ التَّيَمُّمِ عِنْدَ حُضُورِ صَلَاةٍ فَتَيَمَّمُوا فَاحْتَاطُوا وَأَتَوْا عَلَى غَايَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْيَدِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُمْ كَمَا لَا يَضُرُّهُمْ لَوْ فَعَلُوهُ فِي الْوُضُوءِ ، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى مَسْأَلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يَجْزِيهِمْ مِنَ التَّيَمُّمِ أَقَلُّ مِمَّا فَعَلُوا ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا فَعَلُوا ، وَهَذَا أَوْلَى الْمَعَانِي عِنْدِي بِرِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ بِمَا وَصَفْتُ مِنَ الدَّلَائِلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُتَيَمِّمَ أَنْ يَمْسَحَ بِالتُّرَابِ مَا وَرَاءَ الْمِرْفَقَيْنِ ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّيَمُّمَ إِلَى الْآبَاطِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي انْقِطَاعِ الْعِقْدِ وَلَيْسَ فِيهِ كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا ، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ ؟ قَالَ : لَا ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ شَهْرًا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى : أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ ، فَلَمْ أَجِدَ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهَا ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ ، وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ؟ ( يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) : كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( أَرَأَيْتَ ) : أَيْ أَخْبِرْنِي ، وَهَذَا اللَّفْظُ شَائِعٌ عَلَى لِسَانِ الْفُصَحَاءِ ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الرُّؤْيَةِ وَإِرَادَةُ الْإِخْبَارِ لِأَنَّهَا سَبَبُهُ ، فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ وَإِرَادَةِ الْمُسَبَّبِ ( أَجْنَبَ ) : أَيْ صَارَ جُنُبًا ( أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ ) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ( فَقَالَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ ( لَا ) : أَيْ لَا يَتَيَمَّمُ ( لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ ( فِي هَذَا ) : أَيْ فِي التَّيَمُّمِ ( لَأَوْشَكُوا ) : أَيْ قَرَبُوا ( إِذَا بَرَدَ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ ضَمَّهَا ( فَقَالَ لَهُ ) : أَيْ لِعَبْدِ اللَّهِ ( لِهَذَا ) : لِأَجْلِ تَيَمُّمِ صَاحِبِ الْبَرْدِ ( فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ ) : أَيْ تَقَلَّبْتُ فِي التُّرَابِ ظَنًّا بِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْتَاجُ أَنْ يُوصَلَ التُّرَابُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مِنَ الْغُسْلِ فَيَقَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْغُسْلِ ( فَضَرَبَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ ) : وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ( فَنَفَضَهَا ) : تَخْفِيفًا لِلتُّرَابِ ( فَقَالَ لَهُ ) : لِأَبِي مُوسَى ( لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ ) : وَوَجْهُ عَدَمِ قَنَاعَتِهِ بِقَوْلِ عَمَّارٍ هُوَ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ عُمَرُ ذَلِكَ أَصْلًا ، وَلِهَذَا قَالَ لِعَمَّارٍ : اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ فِيمَا تَرْوِيهِ وَتَثَبَّتْ فِيهِ ، فَلَعَلَّكَ نَسِيتَ أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَلَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ أوِ الشَّهْرَيْنِ . فَقَالَ عُمَرُ : أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَكُنْ أُصَلِّي حَتَّى أَجِدَ الْمَاءَ . قَالَ : فَقَالَ عَمَّارٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَمَا تَذْكُرُ إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ ، فَأَصَابَتْنَا جَنَابَةٌ ، فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ ، فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَهُمَا ثُمَّ مَسَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ : يَا عَمَّارُ ، اتَّقِ اللَّهَ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا . فَقَالَ عُمَرُ : كَلَّا وَاللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ . ( فَقَالَ : إِنَّا نَكُونُ بِالْمَكَانِ الشَّهْرَ أَوِ الشَّهْرَيْنِ ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رُبَّمَا نَمْكُثُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ ، وَلَا نَجِدُ الْمَاءَ ( إِذْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي الْإِبِلِ ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : وَنَحْنُ نَرْعَى الْإِبِلَ ( فَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ ) : مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ ، وَأَصْلُ الْمَعْكِ الدَّلْكُ ، مَعَكَهُ فِي التُّرَابِ يَمْعَكُهُ مَعْكًا ، وَمَعَكَهُ تَمْعِيكًا : مَرَّغَهُ فِيهِ ، وَالتَّمَعُّكُ التَّقَلُّبُ فِيهِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ ( أَنْ تَقُولَ هَكَذَا ) : أَيْ تَفْعَلَ هَكَذَا ( إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ ) : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَبِي مالك حَبِيبِ بْنِ صَهْبَانَ . فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ . وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ عَمَّارٍ نَفْسِهِ : وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فَهُوَ فَقِيهٌ حَافِظٌ لَمْ يَشُكَّ فِي الْحَدِيثِ وَسِيَاقُهُ أَحْسَنُ انْتَهَى . وَسَتَأْتِي رِوَايَةُ الْحَكَمِ ( إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا ) : أَيْ إِنْ رَأَيْتَ الْمَصْلَحَةَ فِي إِمْسَاكِي عَنِ التَّحْدِيثِ بِهِ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَةِ فِي تَحْدِيثِي بِهِ أَمْسَكْتُ ، فَإِنَّ طَاعَتَكَ وَاجِبَةٌ عَلَيَّ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ . وَأَصْلُ تَبْلِيغِ هَذِهِ السُّنَّةِ قَدْ حَصَلَ ( فَقَالَ عُمَرُ : كَلَّا وَاللَّهِ ) : لَا تُمْسِكْ تَحْدِيثَكَ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَذَكُّرِي أَنْ لَا يَكُونَ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَلَيْسَ لِي أَنْ أَمْنَعَكَ مِنَ التَّحْدِيثِ بِهِ ( لَنُوَلِّيَنَّكَ ) : أَيْ نَكِلُ إِلَيْكَ مَا قُلْتَ وَنَرُدُّ إِلَيْكَ ( مِنْ ذَلِكَ ) : مِنْ أَمْرِ التَّيَمُّمِ ( مَا تَوَلَّيْتَ ) : أَيْ مَا وَلَّيْتَهُ نَفْسَكَ وَرَضِيتَ لَهَا بِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا مُحَمَّدٌ ، يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ ، نَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ وَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ، شَكَّ سَلَمَةُ قَالَ : لَا أَدْرِي فِيهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، يَعْنِي أَوْ إِلَى الْكَفَّيْنِ . حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، نا حَجَّاجٌ ، يَعْنِي الْأَعْوَرَ ، حَدَّثَنِي شُعْبَةُ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا وَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ الزِرَاعَيْنِ ، قَالَ شُعْبَةُ : كَانَ سَلَمَةُ يَقُولُ : الْكَفَّيْنِ وَالْوَجْهَ وَالذِّرَاعَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ مَنْصُورٌ ذَاتَ يَوْمٍ : انْظُرْ مَا تَقُولَ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ غَيْرُكَ . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمَّارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ إِلَى الْأَرْضِ فَتَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَمَّارًا يَخْطُبُ بِمِثْلِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : لَمْ يَنْفُخْ ، وَذَكَرَ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ وَنَفَخَ . ( كَانَ سَلَمَةُ ) : بْنُ كُهَيْلٍ ( فَقَالَ لَهُ ) : أَيْ لِسَلَمَةَ ( ذَاتَ يَوْمٍ ) : ذَاتُ الشَّيْءِ : نَفْسُهُ وَحَقِيقَتُهُ . وَالْمُرَادُ مَا أُضِيفَ لَهُ ، وَالْمَعْنَى يَوْمٌ مِنَ الْأَيَّامِ ( انْظُرْ ) : يَا سَلَمَةُ ( مَا تَقُولُ ) : فِي رِوَايَتِكَ ( فَإِنَّهُ ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ ( لَا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ غَيْرُكَ ) : فَأَنْتَ مُتَفَرِّدٌ مَا بَيْنَ أَصْحَابِ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِذِكْرِ لَفْظِ الذِّرَاعَيْنِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نا حَفْصٌ ، نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : يَا عَمَّارُ ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ، ثُمَّ ضَرَبَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَالذِّرَاعَيْنِ إِلَى نِصْفِ السَّاعِدَ وَلَمْ يَبْلُغْ الْمِرْفَقَيْنِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، وَرَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَلَمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ، يَعْنِي عَنْ أَبِيهِ . ( ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَالذِّرَاعَيْنِ إِلَى نِصْفِ السَّاعِدَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغِ الْمِرْفَقَيْنِ ) : الذِّرَاعُ مِنَ الْمِرْفَقِ إِلَى طَرَفِ الْأَصَابِعِ وَالسَّاعِدِ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ وَالْكَفِّ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَالسَّاعِدُ سَاعِدُ الذِّرَاعِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الزَّنْدَيْنِ وَالْمِرْفَقِ ، وَالزَّنْدُ بِالْفَتْحِ مَوْصِلُ طَرَفِ الذِّرَاعِ فِي الْكَفِّ ، وَهُمَا زَنْدَانِ : الْكُوعُ وَالْكُرْسُوعُ ، فَطَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ هُوَ الْكُوعُ ، وَطَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْخِنْصَرَ كُرْسُوعٌ . وَالرُّسْغُ مُجْتَمَعُ الزَّنْدَيْنِ ، وَمِنْ عِنْدِهِمَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ انْتَهَى . وَالْمِرْفَقُ كَمِنْبَرٍ مَوْصِلُ الذِّرَاعِ فِي الْعَضُدِ ، وَالْعَضُدُ هُوَ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقِ إِلَى الْكَتِفِ .
بَابُ الرَّجُلِ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ( ح ) وَثنا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ يَحْيَى أضبط عَنْ غُطَيْفٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي غُطَيْفٍ الْهُذَلِيِّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، فَلَمَّا نُودِيَ بِالظُّهْرِ تَوَضَّأَ فَصَلَّى ، فَلَمَّا نُودِيَ بِالْعَصْرِ تَوَضَّأَ ، فَقُلْتُ لَهُ ، فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا حَدِيثُ مُسَدَّدٍ ، وَهُوَ أَتَمُّ . بَابُ الرَّجُلِ يُجَدِّدُ مِنَ التَّجْدِيدِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يُحْدِثُ مِنَ الْإِحْدَاثِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . ( قَالَ ) : أَبُو غُطَيْفٍ ( نُودِيَ ) : أُذِّنَ ( فَقُلْتُ لَهُ ) : أَيْ لِابْنِ عُمَرَ فِي تَكْرَارِهِ الْوُضُوءَ مَعَ كَوْنِهِ مُتَوَضِّئًا ( فَقَالَ ) : ابْنُ عُمَرَ ( عَلَى طُهْرٍ ) : أَيْ مَعَ كَوْنِهِ طَاهِرًا ( كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَتَبَ اللَّهُ بِهِ عَشَرَةَ وُضُوءاتٍ ، فَإِنَّ أَقَلَّ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الْأَضْعَافِ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ، وَقَدْ وَعَدَ بِالْوَاحِدَةِ سَبْعُمِائَةٍ وَوَعَدَ ثَوَابًا بِغَيْرِ حِسَابٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ ( وَهُوَ أَتَمُّ ) : أَيْ أَكْمَلُ وَأَزْيَدُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى أَنْقَصُ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ ، وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ : وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ يَحْيَى أَضْبَطُ ، لِأَنَّ الضَّبْطَ هُوَ الْإِتْقَانُ وَالْحِفْظُ ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْإِتْقَانِ وَالْحِفْظِ وَبَيْنَ الْكَمَالِ وَالزِّيَادَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أَكْمَلَ وَأَزْيَدَ ، وَلَا يَكُونَ أَشَدَّ مَحْفُوظِيَّةً ، وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ أَشَدَّ مَحْفُوظِيَّةً وَلَا يَكُونَ أَكْمَلَ وَأَزْيَدَ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ وَقَالَتْ لَهُنَّ مَعْرُوفًا قَالَتْ : دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فِرْصَةً مُمَسَّكَةً قَالَ مُسَدَّدٌ : كَانَ أَبُو عَوَانَةَ يَقُولُ : فِرْصَةً وَكَانَ أَبُو الْأَحْوَصِ يَقُولُ : قَرْصَةً . ( وَقَالَتْ لَهُنَّ مَعْرُوفًا ) : هَذَا عَطْفٌ لِقَوْلِهَا : فَأَثْنَتْ عَلَيْهِنَّ ( فِرْصَةً مُمَسَّكَةً ) : عَلَى وَزْنِ الْمَفْعُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ أَيْ مَطْلِيَّةً بِالْمِسْكِ وَمُطَيَّبَةً مِنْهُ ، كَذَا فَسَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا ( كَانَ أَبُو عَوَانَةَ يَقُولُ : فِرْصَةً ) : بِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ( وَكَانَ أَبُو الْأَحْوَصِ يَقُولُ : قَرْصَةً ) : بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ . وَوَجَّهَهُ الْمُنْذِرِيُّ فَقَالَ : يَعْنِي شَيْئًا يَسِيرًا مِثْلَ الْفِرْصَةِ بِطَرَفِ الْإِصْبَعَيْنِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّوَابُ هُوَ الْفِرْصَةُ بِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمِسْكِ بِكَسْرِ الْمِيمِ : الطِّيبُ الْمَشْهُورُ .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا شُعْبَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، يَعْنِي ابْنَ مُهَاجِرٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ قَالَ : فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فقَالَتْ : كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا وَاسْتَتِر بِثَوْبٍ وَزَادَ : وَسَأَلَتْهُ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ قَالَ : تَأْخُذِينَ مَاءَكِ فَتَطَّهَّرِينَ أَحْسَنَ الطُّهُورِ وَأَبْلَغَهُ ، ثُمَّ تَصُبِّينَ عَلَى رَأْسِكِ الْمَاءَ ، ثُمَّ تَدْلُكِينَهُ حَتَّى يَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِكِ ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ ، لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَسْأَلْنَ عَنْ الدِّينِ وَأَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِيهِ . ( سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي بِهَا ) : سُبْحَانَ اللَّهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَمْثَالِهِ يُرَادُ بِهَا التَّعَجُّبُ ، وَمَعْنَى التَّعَجُّبِ هَاهُنَا : كَيْفَ يَخْفَى مِثْلُ هَذَا الظَّاهِرِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ فِي فَهْمِهِ إِلَى فِكْرٍ ( وَاسْتَتَرَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجْهَهُ ( بِثَوْبٍ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ( حَتَّى يَبْلُغَ ) : أَيِ الْمَاءُ ( شُئُونَ رَأْسِكِ ) : أَيْ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِكِ ( وَأَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِيهِ ) : أَيْ يَتَعَلَّمْنَ فِي الدِّينِ . وَالْفِقْهُ فَهْمُ الشَّيْءِ . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : كُلُّ عِلْمٍ بِشَيْءٍ فَهُوَ فِقْهٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : دَخَلَتْ أَسْمَاءُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنْ الْمَحِيضِ ؟ قَالَ : تَأْخُذُ سِدْرَهَا وَمَاءَهَا فَتَوَضَّأُ ، ثُمَّ تَغْسِلُ رَأْسَهَا وَتَدْلُكُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا ، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَى جَسَدِهَا ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَتَهَا فَتَطَّهَّرُ بِهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَعَرَفْتُ الَّذِي يَكْنِي عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ لَهَا : تَتَبَّعِينَ آثَارَ الدَّمِ . ( تَأْخُذُ سِدْرَهَا وَمَاءَهَا ) : لِلْغُسْلِ لِيُنَظَّفَ بِهِ الْجِلْدُ ، وَهِيَ شَجَرُ النَّبَقِ . وَهَلْ أَوْرَاقُ النَّبَقِ تُغْلَى فِي الْمَاءِ وَيُسْتَعْمَلُ الْمَاءُ الْمَغْلِيُّ فِي الْغُسْلِ ، أَوْ هِيَ تُدَقُّ وَتُضَمَّدُ وَتُدَلَّكُ مَعَ الْمَاءِ عَلَى الْجَسَدِ . لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْأَحَادِيثِ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ ( ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَتَهَا ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ : قِطْعَةٌ مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ جِلْدَةٍ عَلَيْهِا صُوفٌ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ مُمَسَّكَةٌ ( قَالَتِ ) : الْمَرْأَةُ السَّائِلَةُ ( بِهَا ) : أَيْ بِالْفِرْصَةِ الْمُمَسَّكَةِ ( يَكْنِي ) : مِنْ بَابِ رَمَى ، يُقَالُ : كَنَيْتُ بِكَذَا عَنْ كَذَا وَالِاسْمُ الْكِنَايَةُ ، وَهِيَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمُكَنَّى عَنْهُ كَالرَّفَثِ وَالْغَائِطِ ( تَتَّبِعِينَ ) : مِنَ الِافْتِعَالِ ( آثَارَ الدَّمِ ) : جَمْعُ إِثْرٍ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيِ اجْعَلِيهَا فِي الْفَرْجِ ، وَحَيْثُ أَصَابَ الدَّمُ لِيُنَظَّفَ الْمَحَلُّ وَتُقْطَعَ بِهِ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ .
بَابُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ ، ثنا سَلَمَةُ ، يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ ، أَنَا مُحَمَّدٌ ، يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ أَبِي الصَّلْتِ ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَدْ سَمَّاهَا لِي قَالَتْ : أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ ، قَالَتْ : فَوَاللَّهِ لَنَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الصُّبْحِ ، فَأَنَاخَ وَنَزَلْتُ عَنْ حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي ، وَكَانَتْ أَوَّلُ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا ، قَالَتْ : فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ وَاسْتَحْيَيْتُ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِي وَرَأَى الدَّمَ قَالَ : مَا لَكِ ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ ، ثُمَّ خُذِي إِنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا ، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ ، ثُمَّ عُودِي لِمَرْكَبِكِ قَالَتْ : فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ رَضَخَ لَنَا مِنْ الْفَيْءِ . قَالَتْ : وَكَانَتْ لَا تَطَّهَّرُ مِنْ حَيْضَةٍ إِلَّا جَعَلَتْ فِي طَهُورِهَا مِلْحًا ، وَأَوْصَتْ بِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي غُسْلِهَا حِينَ مَاتَتْ . بَابُ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْحَيْضِ كَيْفَ هُوَ . ( عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَدْ سَمَّاهَا لِي ) : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَقُولَةُ لِسَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ ، أَيْ قَالَ سَلَمَةُ الرَّاوِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : أَيْ إِنِّي لَمْ أَحْفَظِ اسْمَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ مَعَ أَنَّ شَيْخِي كَانَ سَمَّاهَا لِي فَنَسِيتُ . وقَالَ السُّهَيْلِيُّ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْغِفَارِيَّةُ اسْمُهَا لَيْلَى ، وَإِنَّهَا امْرَأَةُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَتْ تَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَغَازِيهِ تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَقيمُ عَلَى الْمَرْضَى ( أَرْدَفَنِي ) : أَيْ حَمَلَنِي خَلْفَهُ عَلَى ظَهْرِ الدَّابَّةِ ( عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ ) : حَقِيبَةٌ عَلَى وَزْنِ لَطِيفَةٍ ، وَهِيَ كُلُّ مَا شُدَّ فِي مُؤَخَّرِ رَحْلٍ أَوْ قَتَبٍ . كَذَا فِي الْقَامُوسِ . وَالرَّحْلُ هُوَ الْمَرْكَبُ لِلْبَعِيرِ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنَ الْقَتَبِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْحَقِيبَةُ هِيَ الزِّيَادَةُ الَّتِي تُجْعَلُ فِي مُؤَخَّرِ الْقَتَبِ . انْتَهَى . فَالْإِرْدَافُ عَلَى حَقِيبَةِ الرَّحلِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُمَاسَّةَ ، فَلَا إِشْكَالَ فِي إِرْدَافِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهَا ( إِلَى الصُّبْحِ ) : أَيْ فِي الصُّبْحِ ( فَإِذَا بِهَا ) : أَيْ بِالْحَقِيبَةِ ( وَكَانَتْ ) : تِلْكَ الْحَيْضَةُ ( أَوَّلَ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا ) : فِي السَّفَرِ أَوْ مُطْلَقًا ( فَتَقَبَّضْتُ إِلَى النَّاقَةِ ) : مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ أَيْ وَثَبْتُ إِلَيْهَا . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَتَقَبَّضَ إِلَيْهِ وَثَبَ ( لَعَلَّكِ نَفِسْتِ ) : أَيْ حِضْتِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ النَّفْسِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ بِنَاءِ الْفِعْلِ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ، فَقَالُوا فِي الْحَيْضِ : نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَفِي الْوِلَادَةِ بِضَمِّهَا : انْتَهَى . ( فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ ) : مَا يَمْنَعُكِ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ إِلَى حَقِيبَةِ الرَّحْلِ ( رَضَخَ لَنَا ) : مِنْ بَابِ نَفَعَ ، أَيْ أَعْطَانَا قَلِيلَ الْمَالِ ، يُقَالُ : رَضَخْتُ لَهُ رَضْخًا وَرَضِيخَةً أَعْطَيْتُهُ شَيْئًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ ( مِنَ الْفَيْءِ ) : بِالْهَمْزَةِ أَيْ عن الْغَنِيمَةِ ( إِلَّا جَعَلَتْ فِي طَهُورِهَا مِلْحًا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ تَسْتَعْمِلُ الْمِلْحَة فِي غَسْلِ الثِّيَابِ وَتَنْقِيَة مِنَ الدَّمِ ، وَالْمِلْحُ مَطْعُومٌ ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ غَسْلُ الثِّيَابِ بِالْعَسَلِ إِذَا كَانَ ثَوْبًا مِنْ إِبْرَيْسَمَ ، فَيَجُوزُ عَلَى ذَلِكَ التَّدَلُّكُ بِالنُّخَالَةِ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَّا وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجَلَاءِ . وَحَدَّثُونَا عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : دَخَلْتُ الْحَمَّامَ بِمِصْرَ ، فَرَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ يَتَدَلَّكُ النُّخَالَةَ . انْتَهَى كَلَامُهُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ ( ح ) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، ثنا يَزِيدُ ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ أَبُو كَامِلٍ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ) : فَكِلَاهُمَا ، أَيْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ يَرْوِيَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . كَذَا فِي مَنْهِيَّةِ الشَّرْحِ ( ابْنِ الزُّبَيْرِ ) : مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، أَيْ : قَالَ أَبُو كَامِلٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَمَّا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ نُسِبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى جَدِّهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ نُسِبَ إِلَى أَبِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا كَامِلٍ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِذِكْرِ وَالِدِ جَعْفَرٍ أَيِ الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ وَالِدِ جَعْفَرٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ ( الْفَلَاةِ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ : الْأَرْضُ لَا مَاءَ فِيهَا ، وَالْجَمْعُ فَلًا ، مِثْلُ حَصَاةٍ وَحَصًى ( فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ) : أَيْ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، قال : أَنَا عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ ( قُلَّتَيْنِ ) : وَالْمُرَادُ مِنَ الْقِلَالِ قِلَالُ هَجَرَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي أَشْعَارِهِمْ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ ، وَكَذَلِكَ وَرَدَ التَّقَيّيدُ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : قِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ شَبَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ نَبْقِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بِقِلَالِ هَجَرَ ، فَقَالَ : مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ . وَاعْتِذَارُ الطَّحَاوِيِّ فِي تَرْكِ الْحَدِيثِ أَصْلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَكُونُ عُذْرًا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ . انْتَهَى . ( فَإِنَّهُ ) : أَيِ الْمَاءَ ( لَا يَنْجَسُ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَهَذَا مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمِلُ الْخَبَثَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقَالَ : هَذَا جَيِّدُ الْإِسْنَادِ ، فَقِيلَ لَهُ : فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ لَمْ يَرْفَعْهُ ، قَالَ يَحْيَى : وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ ، فَالْحَدِيثُ حَدِيثٌ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْصُولٌ . انْتَهَى . ( حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَقَفَهُ عَنْ عَاصِمٍ ) : قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ : خَالَفَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَرَوَاهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا غَيْرَ مَرْفُوعٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَيْضًا . انْتَهَى . وَقَدْ سَلَفَ آنِفًا مَا يُجَابُ عَنْ هَذَا . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعْمُولٌ بِهِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : جَيِّدُ الْإِسْنَادِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْصُولٌ ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : قَالَ أَبُو عِيسَى وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالُوا : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ ، وَقَالُوا : يَكُونُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ . وَفِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، مِنْهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ انْتَهَى . وَأَمَّا الْجَرْحُ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أبي إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا ، فَلَا يُقْبَلُ جَرْحُهُمْ إِلَّا بِبَيَانٍ وَاضِحٍ وَحُجَّةٍ بَالِغَةٍ . وَقَدْ حَقَّقَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَجَلُّ الْأَكْمَلُ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ نَذِيرُ حُسَيْنٌ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ هَذَا الْمَبْحَثَ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ انْدَفَعَ مَا قَالَ بَعْضُ قَاصِرِي الْأَنْظَارِ الْمَعْذُورِينَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي عَلَى بَعْضِ الْكُتُبِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْجَرْحَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْدِيلِ فَلَا يُدَافِعُهُ تَصْحِيحُ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لَهُ من ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ . وَوَجْهُ الِانْدِفَاعِ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ بَعْدَ التَّأَمُّلِ الصَّادِقِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْجَرْحِ عَلَى التَّعْدِيلِ فَرْعٌ لِوُجُودِ الْجَرْحِ ، وَقَدْ نَفَيْنَاهُ لِعَدَمِ وُجُودِ وَجْهِهِ وَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ، فَأَيْنَ الْمُقَدَّمُ وَأَيْنَ التَّقْدِيمُ ، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ وَجْهَ الِاضْطِرَابِ فِي الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ وَالْمعنَى فَقَدْ نَفَيْنَا الِاضْطِرَابَ فِي الْإِسْنَادِ وَسَنَنْفِي الْأَخِيرَيْنِ . وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ مُحِبُّ اللَّهِ الْبَهَارِيُّ فِي الْمُسلَّمِ : إِذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ فَالتَّقْدِيمُ لِلْجَرْحِ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : بَلْ لِلتَّعْدِيلِ عِنْدَ زِيَادَةِ الْمُعَدِّلِينَ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا أُطْلِقَا أَوْ عَيَّنَ الْجَارِحُ شَيْئًا لَمْ يَنْفِهِ الْمُعَدِّلُ أَوْ نَفَاهُ لَا بِيَقِينٍ ، وَأَمَّا إِذَا نَفَاهُ يَقِينًا فَالْمَصِيرُ إِلَى التَّرْجِيحِ اتِّفَاقًا . وَقَالَ الْعَلَوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ النُّخْبَةِ : نَعَمْ إِنْ عَيَّنَ سَبَبًا نَفَاهُ الْمُعَدِّلُ بِطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ فَإِنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ . انْتَهَى . فَثَبَتَ صُلُوحُ مُعَارَضَةِ الْجَرْحِ لِلتَّعْدِيلِ ثُمَّ التَّرْجِيحُ لِلتَّعْدِيلِ لِجَوْدَةِ الْأَسَانِيدِ مِنْ حَيْثُ ثِقَاتِ الرُّوَاةِ . انْتَهَى كَلَامُهُ .
بَابُ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَغَيْرُهُمْ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سُئِلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا لَفْظُ ابْنِ الْعَلَاءِ . وَقَالَ عُثْمَانُ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ الصَّوَابُ . بَابُ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ مُضَارِعٌ مَعْلُومٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ، أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُنَجِّسُ الْمَاءَ ، فَعُلِمَ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ كَوْنَ الْمَاءِ أَقَلَّ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ يُنَجِّسُهُ بوُقُوعُ النَّجَاسَةِ فِيهِ . ( عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ ) : هُوَ بِالنُّونِ ، أَيْ يَرِدُ عَلَيْهِ نَوْبَةً بَعْدَ نَوْبَةٍ ، وَحَاصِلُهُ أَيْ مَا حَالُ الْمَاءِ الَّذِي تَنُوبُهُ الدَّوَابُّ وَالسِّبَاعُ ، أَيْ يَشْرَبُ مِنْهَا وَيَبُولُ وَيُلْقِي الرَّوْثُ فِيهَا ( قُلَّتَيْنِ ) : الْقُلَّةُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ بِمَعْنَى الْجَرَّةِ الْعَظِيمَةِ . رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ : الْقِلَالُ هِيَ الْخَوَابِي الْعِظَامُ . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : الْخَابِيَةُ تَسَعُ ثَلَاثَ قِرَبٍ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ الْكَبِيرَتَانِ . وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ : الْقُلَّةُ مَا تُقِلُّهُ الْيَدُ أَيْ تَرْفَعُهُ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : الْقُلَّةُ الْجَرَّةُ الَّتِي تَسْتَقِي فِيهَا الْمَاءَ وَالدَّوْرَقُ . وَمَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ إِلَى تَفْسِيرِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَهُوَ أَوْلَى . وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْقُلَّتَانِ الْجَرَّتَانِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُمَا بِالْكِبَرِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَوَكِيعٍ وَيَحْيَى بْنِ آدَمَ مِثْلَهُ . رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . انْتَهَى . ( لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ ) : بِفَتْحَتَيْنِ : النَّجَسُ وَمَعْنَاهُ لَمْ يُنَجَّسْ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَمَا فَسَّرَهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجَسُ ، وَتَقْدِيرُ الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ ، بَلْ يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ . وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ حَمْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ مَعْنًى ، فَإِنَّ مَا دُونَهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا أَيْ لَمْ يَقْبَلُوا حُكْمَهَا ( هَذَا لَفْظُ ابْنِ الْعَلَاءِ ) : أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ فِي رِوَايَتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ( مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ) : مَكَانَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَحَاصِلُهُ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ( وَهُوَ الصَّوَابُ ) : أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ هُوَ الصَّوَابُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْجِيحِ فَقَالَ الْمُؤَلِّفُ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ هُوَ الصَّوَابُ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ثِقَةٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ثِقَةٌ ، وَالْحَدِيثُ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَشْبَهُ . وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ فَرُوِيَ عَنْهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَقَالَ مُرَّةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، لِأَنَّ عِيسَى بْنَ يُونُسَ رَوَاهُ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فَذَكَرَهُ ، وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ : وَلَمَّا اخْتُلِفَ عَلَى أَبِي أُسَامَةَ فِي إِسْنَادِهِ أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ مَنْ أَتَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ فَوَجَدْنَا شُعَيْبَ بْنَ أَيُّوبٍ قَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ فَصَحَّ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، وَصَحَّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ جَمِيعًا ، فَكَانَ أَبُو أُسَامَةَ يُحَدِّثُ بِهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَمُرَّةً يُحَدِّثُ بِهِ عَنِ الْوَلِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ . قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ . قُلْتُ : هُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ . قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَقَدِ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ . وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : إِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَمَدَارُهُ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقِيلَ : عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَتَارَةً عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَتَارَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا قَادِحًا ، فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مَحْفُوظًا انْتِقَالٌ مِنْ ثِقَةٍ إِلَى ثِقَةٍ ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ الصَّوَابُ أَنَّهُ عَنِد الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، الْمُكَبَّرِ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، الْمُصَغَّرِ ، وَمَنْ رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَهِمَ . كَذَا فِي التَّلْخِيصِ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نَا زُهَيْرٌ ، نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ ، عَنْ مُسَّةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : كَانَتْ النُّفَسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا الْوَرْسَ ، تَعْنِي مِنْ الْكَلَفِ بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ النُّفَسَاءِ وَكَمْ تَجْلِسُ وَتَمْكُثُ فِي نِفَاسِهَا ، وَإِلَى أَيِّ مُدَّةٍ لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ . وَالنِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عُقَيْبَ الْوِلَادَةِ ، وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ . ( عَنْ مُسَّةَ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ ، هِيَ أُمُّ بُسَّةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : لَا يُعْرَفُ حَالُهَا وَلَا عَيْنهَا ، وَلَا يعْرَفُ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ فَقَالَ : وَلَا نُسَلِّمُ جَهَالَةَ عَيْنِهَا ، وَجَهَالَةُ حَالِهَا مُرْتَفِعَةٌ ، فَإِنَّهُ رَوَى عَنْهَا جَمَاعَةٌ : كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ مُسَّةَ أَيْضًا ، فَهَؤُلَاءِ رَوَوْا عَنْهَا ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَى حَدِيثِهَا الْبُخَارِيُّ وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ إِسْنَادَهُ ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا . انْتَهَى ( كَانَتِ النُّفَسَاءُ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : النِّفَاسُ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ ، إِذَا وَضَعَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ ، وَنِسْوَةٌ نِفَاسٌ ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعَلَاءُ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ غَيْرَ نُفَسَاءَ وَعُشَرَاءَ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى نُفَسَاوَاتٍ وَعُشَرَاوَاتٍ وَامْرَأَتَانِ نُفَسَاوَانِ وَعُشَرَاوَانِ ( تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدَّمَ الْخَارِجَ عُقَيْبَ الْوِلَادَةِ حُكْمُهُ يَسْتَمِرُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَقْعُدُ فِيهِ الْمَرْأَةُ عَنِ الصَّلَاةِ وَعَنِ الصَّوْمِ ، وَأَمَّا إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ قَبْلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَطَهُرَتْ كَمَا سَيَجِيءُ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ زُهَيْرٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ ( وَكُنَّا نَطْلِي عَلَى وُجُوهِنَا ) : أَيْ نُلَطِّخُ ، وَالطَّلْيُ الِادِّهَانُ ( الْوَرْسَ ) : فِي الصِّحَاحِ : الْوَرْسُ بِوَزْنِ الْفَلْسِ : نَبْتٌ أَصْفَرُ يَكُونُ بِالْيَمَنِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْغُمْرَةُ لِلْوَجْهِ ، وَوَرَّسَ الثَّوْبَ تَوْرِيسًا : صَبَغَهُ بِالْوَرْسِ ( تَعْنِي مِنَ الْكَلَفِ ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ : لَوْنٌ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ ، وَهِيَ حُمْرَةُ كُدْرَةٍ تَعْلُو الْوَجْهَ وَشَيْءٌ يَعْلُو الْوَجْهَ كَالسِّمْسِمِ . كَذَا فِي الصِّحَاحِ لِلْجَوْهَرِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ عَنْ مُسَّةَ الْأَزْدِيَّةِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ثِقَةٌ وَأَبُو سَهْلٍ ثِقَةٌ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمَّدٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلٍ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : حَدِيثُ مُسَّةَ أَثْنَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : مُسَّةُ هَذِهِ أَزْدِيَّةٌ ، وَاسْمُ أَبِي سَهْلٍ كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ثِقَةٌ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، يَعْنِي حُبِّي ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ : حَدَّثَتْنِي الْأَزْدِيَّةُ يَعْنِي مُسَّةَ قَالَتْ : حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقُلْتُ : يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ يَأْمُرُ النِّسَاءَ يَقْضِينَ صَلَاةَ الْمَحِيضِ ، فَقَالَتْ : لَا يَقْضِينَ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا يَأْمُرُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ . قَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ حَاتِمٍ : وَاسْمُهَا مُسَّةُ ، تُكْنَى أُمَّ بُسَّةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَثِيرُ بْنُ زِيَادٍ كُنْيَتُهُ أَبُو سَهْلٍ . ( يَقْضِينَ صَلَاةَ الْمَحِيضِ ) : أَيِ الْحَيْضِ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ( فَقَالَتْ : لَا يَقْضِينَ ) : الصَّلَاةَ ( كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : وَالْمُرَادُ بِنِسَائِهِ غَيْرُ أَزْوَاجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنَاتٍ وَقَرِيبَاتٍ وَسُرِّيَّةٍ وَمَارِيَةَ ، وَأَنَّ النِّسَاءَ أَعَمُّ مِنَ الزَّوْجَاتِ لِدُخُولِ الْبَنَاتِ وَسَائِرِ الْقَرَابَاتِ تَحْتَ ذَلِكَ ( تَقْعُدُ فِي النِّفَاسِ إِلَخْ ) : فَإِنْ قُلْتَ : إِنَّ مُسَّةَ سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ حُكْمِ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ ، وَأَخْبَرَتْ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِهَا ، وَأَجَابَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ صَلَاةِ النُّفَسَاءِ ، قُلْتُ : فِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحِيضِ هَاهُنَا هُوَ النِّفَاسُ بِقَرِينَةِ الْجَوَابِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَجَابَتْ عَنْ صَلَاةِ حَالِ النِّفَاسِ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَيْضِ ، فَإِنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَتَكَرَّرُ فِي السَّنَةِ اثْنَا عَشَرَ مَرَّةً ، وَالنِّفَاسُ لَا يَكُونُ مِثْلَ ذَلِكَ بَلْ هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ جِدًّا ، فَقَالَتْ : إِنَّ الشَّارِعَ قَدْ عَفَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي حَالِ النِّفَاسِ الَّذِي لَا يَتَكَرَّرُ ، فَكَيْفَ لَا يَعْفُو عَنْهَا فِي حَالِ الْحَيْضِ الَّذِي يَتَكَرَّرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : تَدَعُ الصَّلَاةَ خَمْسِينَ يَوْمًا إِذَا لَمْ تَطْهُرْ . وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالشَّعْبِيِّ سِتِّينَ يَوْمًا . انْتَهَى . قُلْتُ : وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ وَأَقْوَى دَلِيلًا هُوَ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ ، بَلْ مَتَى يَنْقَطِعُ دَمُهَا تَطْهُرُ وَتُصَلِّي ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَهْمِ ، نا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً ، وَكَانَ زَوْجُهَا يُجَامِعُهَا ( عَنْ حَمْنَةَ إِلَخْ ) : قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى : وَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، كَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَكَانَتْ حَمْنَةُ تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ . انْتَهَى . وَمَقْصُودُ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى أَنَّ عَبْدَ الرحمن ابْنَ عَوْفٍ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ ، وَلَمْ يَنْزِلْ فِي امْتِنَاعِهِ ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي سَمَاعِ عِكْرِمَةَ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَحَمْنَةَ نَظَرٌ . وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُمَا . وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ ، نا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : كَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ ، فَكَانَ زَوْجُهَا يَغْشَاهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : مُعَلَّى ثِقَةٌ ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَرْوِي عَنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ . بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ يَغْشَاهَا زَوْجُهَا أَيْ يُجَامِعُهَا زَوْجُهَا . ( لَا يَرْوِى عَنْهُ ) : أَيْ عن مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ ( لِأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ ) : حَكَى أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : مَا كَتَبْتُ عَنْهُ ، وَكَانَ يُحَدِّثُ بِمَا وَافَقَ الرَّأْيَ ، وَكَانَ يُخْطِئُ . كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ .
بَابٌ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا حَمَّادٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَكَانَتْ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا . حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا إِسْمَاعِيلُ ، نَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِمِثْلِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أُمُّ الْهُذَيْلِ هِيَ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ كَانَ ابْنُهَا اسْمُهُ هُذَيْلٌ ، وَاسْمُ زَوْجِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ . بَابٌ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ هَلْ تُعَدُّ مِنَ الْحَيْضِ . ( كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ ) : بِضَمِّ الْكَافِ ، أَيْ مَا هُوَ بِلَوْنِ الْمَاءِ الْوَسِخِ الْكَدِرِ ( وَالصُّفْرَةَ ) : أَيِ الْمَاءَ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ اصْفِرَارٌ ( بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا ) : وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ بَعْدَ الْغُسْلِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ بَعْدَ الطُّهْرِ وَالنَّقَاءِ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِحِيضٍ وَلَا تَتْرُكُ لَهَا الصَّلَاةَ وَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : إِذَا رَأَتْ ذَلِكَ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إِذَا رَأَتْ بَعْدَ الْحَيْضِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الْعَشْرَ فَهُوَ مِنْ حَيْضِهَا وَلَا تَطْهُرُ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ خَالِصًا . وَاخْتَلَفَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا ، فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا إِذَا رَأَتِ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الْعَادَةِ مَا لَمْ تُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَإِنَّهَا حَيْضٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِذَا رَأَتْهَا فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ كَانَتْ حَيْضًا وَلَا تَعْتَبِرُهَا فِيمَا جَاوَزَهَا ، وَأَمَّا الْمُبْتَدَأَةُ إِذَا رَأَتْ أَوَّلَ مَا رَأَتِ الدَّمَ صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً فَإِنَّها لَا تعْتَدُّ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعَطَاءٍ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : حُكْمُ الْمُبْتَدَأَةِ بِالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ حُكْمُ الْحَيْضِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَيْسَ فِيهِ بَعْدَ الطُّهْرِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيَّانِ قَالَا : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَلِيطِ بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيِّ ثُمَّ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُقَالُ لَهُ : إِنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِيرِ بُضَاعَةَ ، وَهِيَ بِيرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَالْمَحَائضُ وَعَذِرُ النَّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ : سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا قَالَ : أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ إِلَى الْعَانَةِ . قُلْتُ : فَإِذَا نَقَصَ . قَالَ : دُونَ الْعَوْرَةِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدَّرْتُ أَنَا بِيْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ ، فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا . وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ . ( الْحَرَّانِيَّانِ ) : أَيْ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ كِلَاهُمَا الْحَرَّانِيَّانِ ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ نِسْبَةٌ إِلَى حَرَّانَ : مَدِينَةٌ بِالْجَزِيرَةِ ( سَلَمَةَ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : سَلَمَةُ كُلُّهُ بِفَتْحِ اللَّامِ إِلَّا عَمْرَو بْنَ سَلِمَةَ إِمَامَ قَوْمِهِ ، وَبَنِي سَلِمَةَ : الْقَبِيلَةُ مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَبِكَسْرِهَا . انتهى . ( عَنْ سَلِيطٍ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ اللَّامِ : هُوَ ابْنُ أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَنْهُ خَالِدُ بْنُ أَيُّوبَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ( الْعَدَوِيِّ ) : بِالْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ، بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَهَذَا ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَهُوَ صِفَةٌ الِرَافِعٍ ( وَهُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ ( إِنَّهُ ) : ضَمِيرُ الشَّأْنِ أَوِ الْمَاءُ الَّذِي يُفْهَمُ مِنَ السِّيَاقِ ( يُسْتَقَى لَكَ ) : بِصِيغَةِ للْمَجْهُولِ ، أَيْ يُخْرَجُ لَكَ الْمَاءُ ( وَهِيَ ) : أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ ( وَالْمَحَائِضُ ) : عَطْفٌ عَلَى اللُّحُومِ ، قِيلَ : هُوَ جَمْعُ الْمَحِيضِ وَهُوَ مَصْدَرُ حَاضَ ، وَيَقَعُ الْمحَيْضُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالدَّمِ ( وَعَذِرُ النَّاسِ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ عَذِرَةٍ كَكَلِمَةٍ وَكَلِمٍ ، وَهِيَ الْغَائِطُ . قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْهُمْ عَادَةً ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْتُونَ هَذَا الْفِعْلَ قَصْدًا وَتَعَمُّدًا ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِذِمِّيٍّ بَلْ بِوَثَنِيٍّ فَضْلًا عَنْ مُسْلِمٍ ، فَلَمْ يَزَلْ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، مُسْلِمِهِمْ وَكَافِرِهِمْ ، تَنْزِيهُ الْمِيَاهِ وَصَوْنُهَا عَنِ النَّجَاسَاتِ ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ ، وَهُمْ أَعْلَى طَبَقَاتِ أَهْلِ الدِّينِ وَأَفْضَلُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَاءُ بِبِلَادِهِمْ أَعَزُّ وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمَسُّ ، أَنْ يَكُونَ هَذَا صُنْعُهُمْ بِالْمَاءِ ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَغَوَّطَ فِي مَوَارِدِ الْمَاءِ وَمَشَارِعِهِ ، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَ عُيُونَ الْمَاءِ وَمَنَابِعَهُ رَصَدًا لِلْأَنْجَاسِ وَمَطْرَحًا لِلْأَقْذَارِ ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا الظَّنُّ وَلَا يَلِيقُ بِهِمْ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ هَذَا الْبِئْرَ مَوْضِعُهَا فِي حُدُورٍ مِنَ الْأَرْضِ ، وَأَنَّ السُّيُولَ كَانَتْ تَكْشَحُ هَذِهِ الْأَقْذَارَ مِنَ الطُّرُقِ وَالْأَفْنِيَةِ وَتَحْمِلُهَا وَتُلْقِيهَا فِيهَا ، وَكَانَ لِكَثْرَتِهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَلَا تُغَيِّرُهُ ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَأْنِهَا لِيَعْلَمُوا حُكْمَهَا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ ( إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) : قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ تَنَجُّسِهِ إِلَّا بِالْمُغَيَّرِ ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَتْ طَرِيقًا إِلَى الْبَسَاتِينِ فَهُوَ كَالنَّهَرِ ، وَحَكَاهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْوَاقِدِيَّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، فَمُكَذِّبٌ لَهُ وَتَارِكٌ وَمُضَعِّفٌ وَقِيلَ كَذَّابٌ احْتَالَ فِي إِبْطَالِ الْحَدِيثِ نُصْرَةً لِلرَّأْيِ ، فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ مَشْهُورٌ فِي الْحُجَّاجِ ، بِخِلَافِ مَا حُكِيَ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَأُمِرَ بِنزحِ الْمَاءِ ، ضَعَّفَهَا الْبَيْهَقِيُّ ، وَرَوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : أَنَا بِمَكَّةَ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ أَحَدًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ . وَحَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ هَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ يَبْلُغُ الْقُلَّتَيْنِ ، إِذْ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ يُوَافِقُ الْآخَرَ وَلَا يُنَاقِضُهُ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ وَيُبَيِّنُهُ وَلَا يَنْسَخُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . ( قَيِّمَ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيْ مَنْ كَانَ يَقُومُ بِأَمْرِ الْبِئْرِ وَيُحَافِظُهَا ( الْعَانَةِ ) : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هِيَ مَوْضِعُ مَنْبِتِ الشَّعْرِ فَوْقَ قُبُلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ( فَإِذَا نَقَصَ ) : مَاؤُهَا فَمَا يَكُونُ مِقْدَارُ الْمَاءِ ( دُونَ الْعَوْرَةِ ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ عَوْرَةُ الرَّجُلِ ، أَيْ دُونَ الرُّكْبَةِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ ( بِرِدَائِي ) : مُتَعَلِّقٌ بِقَدَّرْتُ ( مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ) : أَيْ بَسَطْتُ رِدَائِي عَلَى الْبِئْرِ وَهَذِهِ كَيْفِيَّةُ تَقْدِيرِهَا ، وَلَمْ يَسْهُلْ تَقْدِيرُهَا إِلَّا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ ( ثُمَّ ذَرَعْتُهُ ) : أَيْ رِدَائِي بَعْدَ مَدِّهِ ( فَإِذَا عَرْضُهَا ) : أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ ( سِتَّةُ أَذْرُعٍ ) : جَمْعُ ذِرَاعٍ وَهُوَ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ( سَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ ) : وَكَانَتِ الْبِئْرُ فِي ذَلِكَ الْبُسْتَانِ ( هَلْ غُيِّرَ ) : عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( بِنَاؤُهَا ) : أَيْ بِئْرُ بُضَاعَةَ ( عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ ) : الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى مَا الْمَوْصُولَةِ ، وَالْمُرَادُ مِنْ مَا الْحَالَةُ وَالْعِمَارَةُ الَّتِي كَانَتِ الْبِئْرُ عَلَيْهَا ، وَجُمْلَةُ هَلْ غُيِّرَ مَعَ مُتَعَلِّقِهَا الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِسَأَلْتُ ( قَالَ ) : مُحَافِظُهَا ( لَا ) : أَيْ لَمْ يُغَيَّرْ بِنَاؤُهَا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ( وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : يَعْنِي بِطُولِ الْمُكْثِ وَأَصْلِ الْمَنْبَعِ لَا بِوُقُوعِ شَيْءٍ أَجْنَبِيٍّ فِيهِ . انْتَهَى . وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَ لَهُ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجَسٌ . أَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ : أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ جَوَّدَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ ، وَزَادَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ : وَالْحَاكِمُ وَآخَرُونَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِثَابِتٍ وَلَمْ نَرَ ذَلِكَ فِي الْعِلَلِ لَهُ وَلَا فِي السُّنَنِ . قُلْتُ : وَقَالَ فِي كَشْفِ الْمَنَاهِجِ : وَقَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ - هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ صَحَّحَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ . انْتَهَى .
بَابُ مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِيرِ بُضَاعَةَ ؟ وَهِيَ بِيرٌ يُطْرَحُ فِيهَا الْحِيَضُ وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ . بَابُ مَا جَاءَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ هِيَ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَضُمُّونَ الْبَاءَ وَيَكْسِرُونَهَا ، وَالْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ الضَّمُّ ، كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ . وَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ بُضَاعَةُ : قِيلَ هُوَ اسْمٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ لِمَوْضِعِهَا ، وَهِيَ بِئْرٌ بِالْمَدِينَةِ بَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَّكَ وَتَوَضَّأَ فِي دَلْوٍ وَرَدَّهُ فِيهَا ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ مَرِيضٌ يَقُولُ لَهُ : اغْتَسِلْ بِمَائِهَا ، فَيَغْتَسِلُ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ وَهِيَ فِي دَارِ بَنِي سَاعِدَةَ مَشْهُورَةٌ . انْتَهَى . ( أَنَّهُ ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ ( يُطْرَحُ ) : أَيْ يُلْقَى ( الْحِيَضُ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ جَمْعُ حِيضَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ مِثْلُ سِدَرٍ وَسِدْرَةٍ : وَهِيَ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَسْتَعْمِلُهَا الْمَرْأَةُ فِي دَمِ الْحَيْضِ ( وَالنَّتْنُ ) : بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ : وَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ التَّاءِ : وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : نَتِنَ الشَّيْءُ بِكَسْرِ التَّاءِ يَنْتَنُ بِفَتْحِهَا فَهُوَ نَتِنٌ . يَعْنِي أَنَّ النَّاسَ يُلْقُونَ الْحِيَضَ وَلُحُومَ الْكِلَابِ وَالنَّتْنَ فِي الصَّحَارِي خَلْفَ بُيُوتِهِمْ فَيَجْرِي عَلَيْهَا الْمَطَرُ وَيُلْقِيهَا الْمَاءُ إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ ، لِأَنَّهَا فِي مَمَرِّ الْمَاءِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّاسَ يُلْقُونَهَا فِيهَا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُجَوِّزُهُ كَافِرٌ فَكَيْفَ يُجَوِّزُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؟ كَذَا قَالُوا ( الْمَاءُ ) : اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ ، يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهُ ( طُهُورٌ ) : بِضَمِّ الطَّاءِ ( لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ ) : لِكَثْرَتِهِ ، فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَانَ بِئْرًا كَثِيرَ الْمَاءِ يَكُونُ مَاؤُهَا أَضْعَافَ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَغَيَّرُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَالْمَاءُ الْكَثِيرُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ . وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحِيحٌ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَجَوَّدَ أَبُو أُسَامَةَ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُرْوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ أَحْسَنَ مِمَّا رَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ . انْتَهَى . ( قَالَ بَعْضُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ ) : أَيْ مَكَانَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ ، فَعُبَيْدُ اللَّهِ هو ابن عَبْدِ اللَّهِ أَوِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ الْوُضُوءَ إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ ، نا هُشَيْمٌ ، نَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةِ قال : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، فَإِنْ رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ بَابُ مَنْ لَمْ يَذْكُرِ الْوُضُوءَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ ( إِلَّا عِنْدَ الْحَدَثِ ) : غَيْرَ جَرَيَانِ الدَّمِ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ ، بَلْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ مَا شَاءَتْ وَمَتَى شَاءَتْ مَا لَمْ تُحْدِثْ حَدَثًا غَيْرَ جَرَيَانِ الدَّمِ . ( فَإِنْ رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ ) : الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنَ الدَّمِ الْخَارِجِ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ الدَّمَ لَا يُفَارِقُهَا ، وَلَوْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الدَّمُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ مَعْنًى لِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، فَلَمْ تَزَلْ تَرَى الدَّمَ مَا لَمْ يَنْقَطِعِ اسْتِحَاضَتَهَا ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ هُوَ حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ طَابَقَ الْحَدِيثُ الْبَابَ ، لَكِنِ الْحَدِيثُ مَعَ إِرْسَالِهِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ ، بَلْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ ، فَمَتَى رَأَتِ الدَّمَ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ تُصَلِّي بِالْوُضُوءِ الْوَاحِدِ مَتَى شَاءَتِ مَا لَمْ يَحْدُثُ لَهَا حَدَثٌ ، سَوَاءٌ كَانَ الْحَدَثُ دَمَهَا الْخَارِجَ أَوْ غَيْرَهُ ، فَجَرَيَانُ الدَّمِ لَهَا حَدَثٌ مِثْلُ الْأَحْدَاثِ الْأُخَرِ ، وَأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ يُفَارِقُهَا الدَّمُ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْ وُضُوؤهَا حَالَةَ جَرَيَانِ الدَّمِ ، وَتَرْكُ الْوُضُوءِ حَالَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا أَعْلَمُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ ، ثَنَي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، ثني اللَّيْثُ ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وُضُوء عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا أَنْ يُصِيبَهَا حَدَثٌ غَيْرُ الدَّمِ فَتَوَضَّأُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ، يَعْنِي ابْنَ أَنَسٍ . ( عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ وُضُوءًا إِلَخْ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُ رَبِيعَةَ شَاذٌّ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ ، وَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَافَقَهُ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ يَعْنِي ابْنَ أَنَسٍ ) : هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي النُّسْخَتَيْنِ ، وَلَيْسَتْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَكَذَا لَيْسَتْ فِي الْخَطَّابِيِّ وَلَا الْمُنْذِرِيِّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ . وَذُكِرَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ ، فَلِذَا كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّهُ لَهَا وَلَا يُوجِبُهُ ، كَمَا لَا يُوجِبُهُ عَلَى صَاحِبِ التَّسَلْسُلِ ، ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَوْلُ رَبِيعَةَ شَاذٌّ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ ، وَعِكْرِمَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ .
بَابُ مَنْ قَالَ : تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو قال : ثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : وَثنا بِهِ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ حِفْظًا فَقَالَ : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَشُعْبَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ الْعَلَاءُ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَوْقَفَهُ شُعْبَةُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ : تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . بَابُ مَنْ قَالَ تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ أَنْ تَغْتَسِلَ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ الطُّهْرِ . ( فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي ) : هَذَا هُوَ مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ ( وَرُوِيَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ( عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ ) : حَاصِلُهُ أَنَّ الْعَلَاءَ وَشُعْبَةَ كِلَاهُمَا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْحَكِمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا ، لَكِنْ قَوْلُهُ : تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ هُوَ مَرْفُوعٌ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ ، وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَهُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ .
بَابٌ : الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، قال : حَدَّثَنَا سِمَاكٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَفْنَةٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا أَوْ يَغْتَسِلَ فَقَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ باب الماء لا يجنب ( بَعْضُ أَزْوَاجِ ) : وَهِيَ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : أَجْنَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ فَفَضَلَتْ فِيهَا فَضْلَةٌ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ : الْمَاءُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ ، وَاغْتَسَلَ مِنْهُ ( فِي جَفْنَةٍ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْفَاءِ : قَصْعَةٌ كَبِيرَةٌ وَجَمْعُهُ جِفَانٌ ( أَوْ يَغْتَسِلُ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لِأَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ طُرُقٍ بِتَعْيِينِ لَفْظِ يَغْتَسِلُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ( إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا ) : وَقَدِ اغْتَسَلْتُ مِنْهَا ، وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالنُّونِ ، وَالْجَنَابَةُ مَعْرُوفَةٌ ، يُقَالُ مِنْهَا أَجْنَبَ بِالْأَلِفِ وَجَنُبَ عَلَى وَزْنِ قَرُبَ فَهُوَ جُنُبٌ ، وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْمُفْرَدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ ( إِنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنِبُ ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : جَنَبَ أَيْ كَمَنَعَ وَجَنِبَ أَيْ كَفَرِحَ وَجَنُبَ أَيْ كَكَرُمَ فَيَجُوزُ فَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُهَا وَيَصِحُّ مِنْ أَجْنَبَ يُجْنِبُ وَهُوَ إِصَابَةُ الْجَنَابَةِ ، وَجَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخْرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُجْنِبُ وَكَذَا الثَّوْبُ وَالْأَرْضُ ، وَيُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا يَصِيرُ شَيْءٌ مِنْهَا جُنُبًا يَحْتَاجُ إِلَى الْغُسْلِ لِمُلَامَسَةِ الْجُنُبِ . قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : وَاحْتُجَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ اغْتَرَفَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْغَمِسْ إِذْ يَبْعُدُ الِاغْتِسَالُ دَاخِلَ الْجَفْنَةِ عَادَةً ، وَفِي بِمَعْنَى مِنْ ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ إِذَا غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِلِاغْتِرَافِ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ يَدِهِ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابُ مَنْ قَالَ تَغْتَسِلُ بَيْنَ الْأَيَّامِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ فَتُصَلِّي ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي الْأَيَّامِ . بَابُ مَنْ قَالَ تَغْتَسِلُ بَيْنَ الْأَيَّامِ أَيْ بَيْنَ أَيَّامِ الْحَيْضِ . ( ثُمَّ تَغْتَسِلُ ) : غُسْلًا وَاحِدًا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ ( ثُمَّ تَغْتَسِلُ ) : ثَانِيًا ( فِي الْأَيَّامِ ) : الَّتِي كَانَتْ حَسِبَتْهَا أَيَّامَ الْحَيْضِ ، فَتَغْتَسِلُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَمَرَّةً فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ ، وَهَذَا قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَلَا يَظْهَرُ تَوْجِيهُهُ ، وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ قَالَ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَابُ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : ثنا زَائِدَةُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ بَابُ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ رَكَدَ رُكُودًا مِنْ بَابِ قَعَدَ أَيْ سَكَنَ ، وَأَرْكَدْتُهُ : أَسْكَنْتُهُ ، وَرَكَدَتِ السَّفِينَةُ أَيْ وَقَفَتْ فَلَا تَجْرِي . ( فِي حَدِيثِ هِشَامٍ ) : أَيْ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ عَنْ هِشَامٍ أَوْ عَنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ، فَفِي بِمَعْنَى عَنْ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ رِوَايَةُ الدَّارِمِيِّ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَدِيثَ . قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي مَنْظُومَتِهِ فِي اصْطِلَاحِ الْحَدِيثِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْأَحَدِ ثُمَّ الصَّلَاةُ لِلنَّبِيِّ أَحْمَدَ قَالَ شَارِحُهَا السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ الْأَهْدَلُ قَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ أَحْمَدَ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ أَيْ عَلَيْهَا . وَقَالَ وَلَدُهُ السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ وَالِدِهِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى : هَذَا إِنَّمَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَابْنِ مَالِكٍ الْقَائِلِينَ إِنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يَنُوبُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِقِيَاسٍ . وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ : وَفِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا النَّوْعِ . ( لَا يَبُولَنَّ ) : بِلَا النَّهْيِ وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ ( فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ) : السَّاكِنِ الَّذِي لَا يَجْرِي ( ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي بَالَ فِيهِ ، وَثُمَّ يَغْتَسِلُ عَطْفٌ عَلَى الْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ وَثُمَّ اسْتِبْعَادِيَّةٌ ، أَيْ بَعِيدٌ مِنَ الْعَاقِلٌ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا . وَالْحَدِيثُ وَإِنْ دَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَوْلِ وَالِاغْتِسَالِ فِيهِ لَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُمِ الْبَوْلُ فِيهِ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِمامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ : ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ ( لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ) : وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحُ في الْمَنْعِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَوْلِ وَالِاغْتِسَالِ فِيهِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا مَرَّ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْتِسَلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ يَفْعَلُ ؟ قَالَ : يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا . وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلتَّطْهِيرِ لِأَنَّ النَّهْيَ هَاهُنَا عَنْ مُجَرَّدِ الْغُسْلِ ، فَدَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْمَفْسَدَةِ بِمُجَرَّدِهِ ، وَحُكْمُ الْوُضُوءِ حُكْمُ الْغُسْلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ ، وَقَالُوا : وَالْبَوْلُ يُنَجِّسُ الْمَاءَ فَكَذَا الِاغْتِسَالُ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْهُمَا جَمِيعًا ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى هَذَا وَقَالَ إِنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ ، وَأُجِيبَ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ كَوْنُهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بَلْ مَصِيرُهُ مُسْتَخْبَثًا بِتَوَارُدِ الِاسْتِعْمَالِ فَيَبْطُلُ نَفْعُهُ ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عن الِانْغِمَاسِ لَا عَنِ الِاسْتِعْمَالِ وَإِلَّا لَمَا كَانَ بَيْنَ الِانْغِمَاسِ وَالتَّنَاوُلِ فَرْقٌ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ كَعَطَاءٍ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَجَمِيعِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْوُضُوءِ . وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ ، فَأُتِي بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى عِنْدَهُ أَيْضًا قَالَ : دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ ، وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا - يَعْنِي أَبَا مُوسَى وَبِلَالًا - اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا . وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَهُ أَيْضًا قَالَ : ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقَعَ - أَيْ مَرِيضٌ - فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ الْحَدِيثَ . فَإِنْ قَالَ الذَّاهِبُ إِلَى نَجَاسَةِ الْمُسْتَعْمَلِ لِلْوُضُوءِ : إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ غَايَةُ مَا فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى طَهَارَةِ مَا تَوَضَّأَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - قُلْنَا : هَذِهِ دَعْوَى غَيْرُ نَافِقَةٍ ، فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ حُكْمَهُ وَحُكْمَ أُمَّتِهِ وَاحِدٌ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي بِالِاخْتِصَاصِ ، وَلَا دَلِيلَ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ : لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ انْتَهَى .
بَابُ مَنْ قَالَ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً ، وَلَمْ يَقُلْ : عِنْدَ الظُّهْرِ مرة حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنْ مَعْقِلٍ الْخَثْعَمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا انْقَضَى حَيْضُهَا اغْتَسَلَتْ كُلَّ يَوْمٍ ، وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ بَابُ مَنْ قَالَ تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً وَلَمْ يَقُلْ عِنْدَ الظُّهْرِ فَتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَتْ . ( وَاتَّخَذَتْ صُوفَةً ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الصُّوفُ لِلشَّاةِ وَالصُّوفَةُ أَخَصُّ مِنْهُ . وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : الصُّوفُ لِلضَّأْنِ وَالصُّوفَةُ أَخَصُّ مِنْهُ ( فِيهَا سَمْنٌ أَوْ زَيْتٌ ) : أَيْ اتَّخَذَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ صُوفَةً مَدْهُونَةً بِالسَّمْنِ أَوِ الزَّيْتُونِ وَتَحَمَّلَتْ فِي فَرْجِهَا ، فَهَذِهِ تَقْطَعُ جَرَيَانَ الدَّمِ ، وَتَسْتَرْخِي تَشَنُّجَ الْعُرُوقِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِسَيَلَانِ الدَّمِ . قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : غَرِيبٌ .
بَابٌ مَنْ قَالَ الْمُسْتَحَاضَةُ تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْقَعْقَاعَ وَزَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ أَرْسَلَاهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ كَيْفَ تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَقَالَ : تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، وَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَثْفَرَتْ بِثَوْبٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : تَغْتَسِلُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَى دَاوُدُ وَعَاصِمٌ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ امْرَأَتِهِ ، عَنْ قَمِيرَ عَنْ عَائِشَةَ ، إِلَّا أَنَّ دَاوُدَ قَالَ : كُلَّ يَوْمٍ ، فِي حَدِيثِ عَاصِمٍ : عِنْدَ الظُّهْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مَالِكٌ : إِنِّي لَأَظُنُّ حَدِيثَ ابْنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ قال : فيه إِنَّمَا هُوَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ ، وَلَكِنَّ الْوَهْمَ دَخَلَ فِيهِ فَقَلَبَهَا النَّاسُ فَقَالُوا : مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ، وَرَوَاهُ مِسْوَرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ قَالَ فِيهِ : مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ ، فَقَلَبَهَا النَّاسُ مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ . ( باب من قال المستحاضة تغتسل من ظهر إلى ظهر ) بالظاء المعجمة ، أي من وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد لصلاة الظهر . ( تغتسل من ظهر إلى ظهر ) بالمعجمة ، قال الحافظ ابن سيد الناس في شرح الترمذي : اختلف فيه ، فمنهم من رواه بالطاء المهملة ومنهم من رواه بالظاء المعجمة ، أي : من وقت صلاة الظهر إلى وقت صلاة الظهر . قال الحافظ ولي الدين العراقي : وفيه نظر ، فالمروي إنما هو الإعجام ، وأما الإهمال فليس رواية مجزوما بها ، قلت : ويؤيد قول العراقي ما أخرجه الدارمي بلفظ : أن القعقاع بن حكيم وزيد بن أسلم أرسلاه إلى سعيد بن المسيب يسأله كيف تغتسل المستحاضة ؟ فقال سعيد : تغتسل من الظهر إلى مثلها من الغد لصلاة الظهر . ( من ظهر إلى ظهر ) بالمعجمتين ( وكذلك روى داود وعاصم ) أي بالاغتسال من صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ( عند الظهر ) الظاهر أنه بالظاء المعجمة ; لَكِنْ ضَبَطَهُ ابْنُ رَسْلَانَ بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَإِنِّي لَمْ أَقِفْ على رِوَايَةِ عَاصِمٍ هَذِهِ ( وَهُوَ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ ) : أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنَ الْغَدِ ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ مِثْلَ ذَلِكَ ( مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ) : بِالْمُعْجَمَتَيْنِ ( إِنَّمَا هُوَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ ) : أَيْ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ ( وَلَكِنَّ الْوَهْمَ دَخَلَ فِيهِ ) : أَيْ فِي الْحَدِيثِ ( فَقَلَبَهَا ) : أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ( مِنْ ظُهْرٍ إِلَى ظُهْرٍ ) : بِالْمُعْجَمَتَيْنِ . وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ بِالْمُهْمَلَتَيْنِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : قُلْتُ : مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ مَالِكٌ وَمَا أَشْبَهَهُ بِمَا ظَنَّهُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاغْتِسَالِ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ ، وَلَا أَعْلَمُهُ قَوْلًا لِأَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ وَهُوَ وَقْتُ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ انْتَهَى . وَنَازَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ : وَالَّذِي اسْتُبْعِدَ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ لِأَجْلِ الْمَشَقَّةِ عَنْهَا الِاغْتِسَالُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَا أَقَلَّ مِنَ الِاغْتِسَالِ مَرَّةً فِي كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِ دفء النَّهَارِ وَذَلِكَ لِلتَّنْظِيفِ . انْتَهَى . ( وَرَوَاهُ الْمِسْوَرُ إِلَخْ ) : مَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ رِوَايَةِ الْمِسْوَرِ تَأْيِيدُ كَلَامِ مَالِكٍ ، فَإِنَّ مِسْوَرًا رَوَاهُ بِالْإِهْمَالِ فَقَلَبَهُ النَّاسُ بِالْإِعْجَامِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنَ سُلَيْمَانَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قال : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَرْفَعَاهُ ، وَزَادَ : وَإِذَا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً . ( بِمَعْنَاهُ ) : أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ( وَلَمْ يَرْفَعَاهُ ) : أَيْ وَلَمْ يَرْفَعِ الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَالْمُعْتَمِرُ عَنْ أَيُّوبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ وَقَفَاهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ( وَزَادَ ) : أَيْ أَيُّوبُ فِي رِوَايَتِهِ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْمُعْتَمِرُ وَحَمَّادٌ ( فَإِذَا وَلَغَ الْهِرُّ غُسِلَ مَرَّةً ) : قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَدْرَجَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَهِمُوا فِيهِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ مَرْفُوعٌ وَفِي وُلُوغِ الْهِرِّ مَوْقُوفٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ فِي التَّنْقِيحِ : وَعِلَّتُهُ أَنَّ مُسَدَّدًا رَوَاهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ فَوَقَفَهُ . رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ . قَالَ فِي الْإِمَامِ : وَالَّذِي تَلَخَّصَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ ، وَاعْتَمَدَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ عَلَى عَدَالَةِ الرِّجَالِ عِنْدَهُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِوَقْفِ مَنْ وَقَفَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعَ مِرَاتٍ ، أُولَاهُنَّ بِالتُرَابٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ قَالَ أَيُّوبُ وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدٍ . بَابُ الْوُضُوءِ بِسُؤْرِ الْكَلْبِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا فَاخْتُلِفَ فِيهِ ، قَالَ الزُّهْرِيُّ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرَهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ . وَقَالَ سُفْيَانُ : هَذَا الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَهَذَا مَاءٌ وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ هَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْهُ وَلَفْظُهُ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ فِي إِنَاءٍ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ فَلَمْ يَجِدُوا مَاءً غَيْرَهُ قَالَ يَتَوَضَّأُ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ . وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيعِ لِلنَّدْبِ . وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ لَكِنَّهُ لِلتَّعَبُّدِ لِكَوْنِ الْكَلْبِ طَاهِرًا عِنْدَهُمْ . انْتَهَى . لَكِنَّ الْقَوْلَ الْمُحَقَّقَ نَجَاسَةُ سُؤْرِ الْكَلْبِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ وَالطَّهَارَةُ تُسْتَعْمَلُ إِمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ الْخَبَثُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْغَسْلَ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ رِجْسٌ . رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَلَمْ يَصِحَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ فَلَا يَجُوزُ التَّوَضؤ بِهِ . ( طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ ) : الْأَشْهَرُ فِيهِ الضَّمُّ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( إِذَا وَلَغَ ) : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ : وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ يَلَغُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا وُلُوغًا : إِذَا شَرِبَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ . قَالَ أَبُو زَيْدٍ يُقَالُ : وَلَغَ الْكَلْبُ بِشَرَابِنَا وَفِي شَرَابِنَا وَمِنْ شَرَابِنَا ( أَنْ يَغْسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ نَجَاسَةِ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَكْفِي غَسْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَمَعْنَى الْغَسْلِ بِالتُّرَابِ أَنْ يَخْلِطَ التُّرَابَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَتَكَدَّرَ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَطْرَحَ الْمَاءَ عَلَى التُّرَابِ أَوِ التُّرَابَ عَلَى الْمَاءِ أَوْ يَأْخُذَ الْمَاءَ الْكَدِرَ مِنْ مَوْضِعٍ فَيَغْسِلَ بِهِ . وَأَمَّا مَسْحُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ بِالتُّرَابِ فَلَا يُجْزِي . انْتَهَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ يُنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ ، لِأَنَّ وُلُوغَ الْكَلْبِ لَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ غَالِبًا . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي مَحَلِّ غَسْلَةِ التَّتْرِيبِ ، فَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْهُ أُولَاهُنَّ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْهُ : أُولَاهُنَّ أَيْضًا ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَ أَبَانُ عَنْ قَتَادَةَ : السَّابِعَةُ وَلِلشَّافِعِيِّ عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أُولَاهُنَّ أَوْ إِحْدَاهُنَّ ، وَفِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ عَنِ الْبَزَّارِ إِحْدَاهُنَّ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ ، فَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنْ يُقَالَ إِحْدَاهُنَّ مُبْهَمَةٌ وَأُولَاهُنَّ وَالسَّابِعَةُ مُعَيَّنَةٌ ، وَأَوْ إِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ فَهِيَ لِلتَّخْيِيرِ ، فَمقتضى حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَحَدِهِمَا لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُعَيِّنَةِ وَإِنْ كَانَتْ أَوْ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي . فَرِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ ، وَلَمْ يَشُكَ ، أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَبْهَمَ أَوْ شَكَّ ، فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي التَّرْجِيحِ بَيْنَ رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ وَرِوَايَةِ السَّابِعَةِ ، وَرِوَايَةُ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْثَرِيَّةِ وَالْأَحْفَظِيَّةِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا ، لِأَنَّ تَتْرِيبَ الْأَخِيرِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَى غَسْلِهِ أُخْرَى لِتَنْظِيفِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَفِيهِ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ، وَإِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرَّةُ غُسِلَ مَرَّةً وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( وَكَذَلِكَ ) : أَيْ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ( عَنْ مُحَمَّدٍ ) : هُوَ ابْنُ سِيرِينَ.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، قال : ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ ابْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَ يْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ثُمَّ قَالَ : مَا لَهُمْ وَلَهَا ؟ فَرَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَفِي كَلْبِ الْغَنَمِ وَقَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مِرَارٍ ، وَالثَّامِنَةُ عَفِّرُوهُ بِالتُّرَابِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ مُغَفَّلٍ . ( أَبُو التَّيَّاحِ ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتُ مُشَدَّدَةٌ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ : هُوَ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ ( عَنْ مُطَرِّفٍ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا الرَّاءُ الْمَكْسُورَةُ الْمُشَدَّدَةُ : هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّخِّيرُ الْعَامِرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ سَادَةِ التَّابِعِينَ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ لَهُ فَضْلٌ وَوَرَعٌ وَعَقْلٌ وَأَدَبٌ ( عَنِ ابْنِ مُغَفَّلٍ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنِيُّ ، بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَنَزَلَ الْبَصْرَةَ ( أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْأَخْذِ بِالْحَدِيثِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ إِلَّا مَا اسْتَثْنَى ، قَالَ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى جَوَازِ اقْتِنَائِهَا جَمِيعًا وَنَسْخِ قَتْلِهَا إِلَّا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ، قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ النَّهْيَ أَوَّلًا كَانَ نَهْيًا عَامًّا مِنِ اقْتِنَائِهَا جَمِيعًا وَالْأَمْرَ بِقَتْلِهَا جَمِيعًا ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ مَا عَدَا الْأَسْوَدِ ، وَامْتَنَعَ الِاقْتِنَاءُ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا الْمُسْتَثْنَى . كَذَا فِي سُبُلِ السَّلَامِ . قُلْتُ : مَا قَالَهُ الْقَاضِي هُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ ( ثُمَّ قَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا لَهُمْ ) : أَيْ لِلنَّاسِ يَقْتُلُونَ الْكِلَابَ ( وَما لَهَا ) : أَيْ مَا لِلْكِلَابِ أَنْ تُقْتَلَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ قَتْلِ الْكِلَابِ وَنَسْخِهِ وَقَدْ عَقَدَ الْحَافِظُ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الِاعْتِبَارِ لِذَلِكَ بَابًا ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا ، وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ ( فِي ) : اقْتِنَاءِ كَلْبِ الصَّيْدِ ، أَيِ الْكِلَابِ الَّتِي تَصِيدُ ( وَفِي ) : اقْتِنَاءِ ( كَلْبِ الْغَنَمِ ) : أَيِ الَّتِي تَحْفَظُ الْغَنَمَ فِي الْمَرْعَى وَزَادَ مُسْلِمٌ وَكَلْبِ الزَّرْعِ ( عَفِّرُوهُ بِالتُّرَابِ ) : التَّعْفِيرُ التَّمْرِيغُ بِالتُّرَابِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ حُكْمُ غَسْلِهِ ثَامِنَةً ، وَأَنَّ غَسْلَةَ التُّرَابِ غَيْرُ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ بِالْمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَفْتَى بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ : عَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ظَاهِرٌ فِي كَوْنِهَا غَسْلَةً مُسْتَقِلَّةً لَكِنْ لَوْ وَقَعَ التَّعْفِيرُ فِي أَوَّلِهِ قَبْلَ وُرُودِ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ كَانَتِ الْغَسَلَاتُ ثَمَانِيَةً ، وَيَكُونُ إِطْلَاقُ الْغَسْلَةِ عَلَى التُّرَابِ مَجَازًا ، وَجَنَحَ بَعْضُهُمْ إِلَى التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ، وَالتَّرْجِيحُ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ ، وَالْأَخْذُ بِحَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ يَسْتَلْزِمُ الْأَخْذَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ دُونَ الْعَكْسِ وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَلَوْ سلكَنا التَّرْجِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ لَمْ نَقُلْ بِالتَّتْرِيبِ أَصْلًا ، لِأَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ بِدُونِهِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ أَثْبَتَهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقُلْنَا بِهِ أَخْذًا بِزِيَادَةِ الثِّقَةِ . قَالَهُ الْحَافِظُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : حَدَّثَنَا أَبَانُ ، قال : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَمَّا أَبُو صَالِحٍ وَأَبُو رَزِينٍ وَالْأَعْرَجُ وَثَابِتٌ الْأَحْنَفُ وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَأَبُو السُّدِّيِّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ . ( فِي الْإِنَاءِ ) : ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الْآنِيَةِ وَمَفْهُومُهُ يُخْرِجُ الْمَاءَ الْمُسْتَنْقَعَ مَثَلًا ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، لَكِنْ إِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْغَسْلَ لِلتَّنْجِيسِ يَجْرِي الْحُكْمُ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْمَاءِ دُونَ الْكَثِيرِ ( فَاغْسِلُوهُ ) : أَيِ الْإِنَاءَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَوْرَ لَكِنْ حَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إِلَّا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ الْإِنَاءَ ( بِالتُّرَابِ ) : وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ التَّتْرِيبُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ وَأَبِي رَافِعٍ وَالْحَسَنِ ، عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ ابْنِ سِيرِينَ لَمْ يَذْكُرُهُ ، وَمَعَ هَذَا أَخَذْنَا بِالتَّتْرِيبِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ( وَلَمْ يَذْكُرُوا التُّرَابَ ) : فِي رِوَايَتِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا يَضُرُّ عَدَمُ ذِكْرِ هَؤُلَاءِ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَأَبَا رَافِعٍ ذَكَرُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ وَأَبِي رَافِعٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ الْحَسَنِ لَا بَأْسَ بِهِ . وَلِلطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ فِي إِبْطَالِ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ كَلَامٌ شَنِيعٌ ، وَقَدْ أَجَادَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي رَدِّ كَلَامِهِ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرِفَةِ ، وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي ، فَجَزَاهُمَا اللَّهُ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ .
بَابُ مَنْ قَالَ : تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ ، وَأنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : نا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي ، وَالْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : زَادَ عُثْمَانُ : وَتَصُومُ وَتُصَلِّي . بَابُ مَنْ قَالَ تَغْتَسِلُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ بِالْإِهْمَالِ ، أَيْ تَغْتَسِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً بَعْدَ الطُّهْرِ مِنَ الْحَيْضِ ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا ، وَأَحَادِيثُ الْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ كَمَا مَرَّ . ( ثُمَّ تَغْتَسِلُ ) : بَعْدَ الطُّهْرِ ، أَيْ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ غُسْلًا مَرَّةً وَاحِدَةً ( وَتُصَلِّي ) : بَعْدَ الِاغْتِسَالِ مَتَى شَاءَتْ ( وَالْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ) : وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتَصُومُ وَتُصَلِّي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ عَنِ أَبِي الْيَقْظَانِ ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْتُ : عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَدُّ عَدِيٍّ مَا اسْمُهُ ؟ فَلَمْ يَعْرِفْ مُحَمَّدٌ اسْمَهُ ، وَذَكَرْتُ لِمُحَمَّدٍ قَوْلَ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ إِنَّ اسْمَهُ دِينَارٌ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخِطْمِيُّ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَلَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ شَيْءٌ ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَقَالَ غَيْرُ يَحْيَى : اسْمُهُ قَيْسٌ الْخِطْمِيٌّ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقِيلَ لَا يُعْلَمُ جَدُّهُ ، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَشَرِيكٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ قَاضِي الْكُوفَةِ ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَأَبُو الْيَقْظَانِ هَذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عُميْرٍ الْكُوفِيُّ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ خَبَرَهَا قَالَ : ثُمَّ اغْتَسِلِي ، ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَصَلِّي . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ ، نا يَزِيدُ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي مِسْكِينٍ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ ، عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ تَغْتَسِلُ تَعْنِي مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ تَوَضَّأُ إِلَى أَيَّامِ أَقْرَائِهَا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، نا يَزِيدُ ، عَنْ أَيُّوبَ أَبِي الْعَلَاءِ ، عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، عَنْ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ وَالْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ وَأَيُّوبَ أَبِي الْعَلَاءِ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا تَصِحُّ ، وَدَلَّ عَلَى ضُعْفِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ هَذَا الْحَدِيثُ ، أَوْقَفَهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ الْأَعْمَشِ ، وَأَنْكَرَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ حَبِيبٍ مَرْفُوعًا ، وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا أَسْبَاطٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ مَوْقُوفٌ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ ابْنُ دَاوُدَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ مَرْفُوعًا أَوَّلُهُ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَدَلَّ عَلَى ضُعْفِ حَدِيثِ حَبِيبٍ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فِي حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ ، وَرَوَى أَبُو الْيَقْظَانِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ وَبَيَانٌ وَمُغِيرَةُ وَفِرَاسٌ وَمُجَالِدٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ حَدِيثِ قَمِيرَ عَنْ عَائِشَةَ : تَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَرِوَايَةَ دَاوُدَ وَعَاصِمٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ قَمِيرَ عَنْ عَائِشَةَ : تَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ إِلَّا حَدِيثَ قَمِيرَ ، وَحَدِيثَ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَحَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْغُسْلُ . ( عَنِ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ ) : اسْمُهَا قُمَيْرٌ مَقْبُولَةٌ ( وَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ إِلَخْ ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ بَيَّنَ لِضَعْفِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَجْهَيْنِ : وَحَاصِلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ : أَنَّ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ فَوَقَفَهُ عَلَى عَائِشَةَ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا ، وَأَوْقَفَهُ أَيْضًا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَلَى عَائِشَةَ ، وَبِأَنَّ الْأَعْمَشَ أَيْضًا رَوَاهُ مَرْفُوعًا أَوَّلُهُ ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْوُضُوءُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي : بَيَّنَهُ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ : وَدَلَّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ حَبِيبٍ هَذَا أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَحَاضَةِ . وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ خَالَفَ الزُّهْرِيَّ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الِاغْتِسَالَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَذَكَرَ حَبِيبٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَهَذَا الْوَجْهُ الثَّانِي قَدْ زَيَّفَهُ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ فِي الْمَعَالِمِ : رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ لَا تَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ فِي حَدِيث مُضَافٌ إِلَى فِعْلِهَا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِنْهَا ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي حَدِيثِ حَبِيبٍ فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومضاف إِلَيْهِ وَإِلَى أَمْرِهِ إِيَّاهَا بِذَلِكَ . وَالْوَاجِبُ هُوَ الَّذِي شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَرَ بِهِ دُونَ مَا فَعَلَتْهُ وَأَتَتْهُ مِنْ ذَلِكَ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ . ( عَنْ عَائِشَةَ تَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) : أَيْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ) : وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ تِسْعَ رِوَايَاتٍ ، ثَلَاثٌ مِنْهَا مَرْفُوعَةٌ : حَدِيثُ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . وَحَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ . وَحَدِيثُ ابْنِ شُبْرُمَةَ عَنِ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ . وَسِتٌ مِنْهَا مَوْقُوفَةٌ : أَثَرُ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ عَائِشَةَ وَأَثَرُ عَدِيِّ بْنِ ثابت عن أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ، وَأَثَرُ عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَثَرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ وَبَيَانٍ وَمُغِيرَةَ وَفِرَاسٍ وَمُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَأَثَرُ دَاوُدَ وَعَاصِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَأَثَرُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَضَعَّفَ الْمُؤَلِّفُ هذه الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا إِلَّا ثَلَاثَةً مِنَ الآثَارِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهَا مِنَ التَّضْعِيفِ كَمَا بَيَّنَ بِقَوْلِهِ : ( إِلَّا حَدِيثَ قُمَيْرٍ ، وَحَدِيثَ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَحَدِيثَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ) : فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنَ الآثَارِ لَيْسَتْ بِضَعِيفَةٍ ، لَكِنِ اسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا حَدِيثَ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ بِقَوْلِهِ : ( وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْغُسْلُ ) : أَيْ لِكُلِّ صلاة . كَمَا فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ الَّذِي خَالَفَ الْقَوِيَّ ، فَالرَّاجِحُ يُقَالُ لَهُ الْمَعْرُوفُ ، وَمُقَابِلُهُ يُقَالُ لَهُ الْمُنْكَرُ ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُنْكَرٌ ، وَالْمُنْكَرُ مِنْ أَقْسَامِ الضَّعِيفِ ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الرِّوَايَاتِ ضَعِيفَةٌ إِلَّا أَثَرَيْنِ أَثَرَ قُمَيْرٍ وَأَثَرَ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، نا مُحَمَّدُ يعني ابْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ اسْتُحِيضَتْ ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ ، أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إنَّ امْرَأَةً اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا بِمَعْنَاهُ . ( فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ ) : أَيْ فَلَمَّا شَقَّ عَلَى سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، يُقَالُ جَهَدَ فِي الْأَمْرِ جَهْدًا مِنْ بَابِ نَفَعَ إِذَا طَلَبَ حَتَّى بَلَغَ غَايَتَهُ فِي الطَّلَبِ ، وَجَهَدَهُ الْأَمْرُ وَالْمَرَضُ جَهْدًا أَيْضًا إِذَا بَلَغَ مِنْهُ الْمَشَقَّةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ . انْتَهَى ( إِنَّ امْرَأَةً ) : بِغَيْرِ ذِكْرِ اسْمِ الْمَرْأَةِ كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، أَنَا خَالِدٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ ، لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ( لِتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ ) : أَيْ إِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ الَّذِي تَقْعُدُ فِيهِ فَإِنَّهُ تَظْهَرُ الصُّفْرَةُ فَوْقَ الْمَاءِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَصُبُّ الْمَاءَ لِلْغُسْلِ خَارِجَ الْمِرْكَنِ . وَفَائِدَةُ الْقُعُودِ فِي الْمِرْكَنِ لِأَنْ يَعْلُوَ الدَّمُ الْمَاءَ فَتَظْهَرَ بِهِ تَمْيِيزُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا عَلَا الدَّمُ الْأَصْفَرُ فَوْقَ الْمَاءِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ حَيْضٌ ، فَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ فِي الْجُلُوسِ فِي الْمِرْكَنِ ، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَخَارِجُ الْمِرْكَنِ لَا فِيهِ فِي الْمَاءِ النَّجِسِ . قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْيَمَانِيُّ ( وَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ ) : أَيْ إِذَا اغْتَسَلَتْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَوَضَّأَتْ مَعَ ذَلِكَ لِلْعَصْرِ ، وَإِذَا اغْتَسَلَتْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ تَوَضَّأَتْ مَعَ ذَلِكَ لِلْعِشَاءِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ ( لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى الْمَرْأَةِ السَّائِلَةِ ( أَمَرَهَا ) : أَيْ أَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
بَابُ مَنْ قَالَ : تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، ثَنَي أَبِي ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتُحِيضَتْ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُعَجِّلَ الْعَصْرَ وَتُؤَخِّرَ الظُّهْرَ وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا ، وَأَنْ تُؤُخِّرَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلَ الْعِشَاءَ ، وَتَغْتَسِلَ لَهُمَا غُسْلًا ، وَتَغْتَسِلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا فَقُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ . بَابُ مَنْ قَالَ تَجْمَعُ أَيِ الْمُسْتَحَاضَةُ ( بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَتَغْتَسِلُ لَهُمَا غُسْلًا ) : وَاحِدًا وَتَغْتَسِلُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى حِدَةٍ . ( فَأُمِرَتْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآمِرَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ) : هَذِهِ مَقُولَةُ شُعْبَةَ ، أَيْ قَالَ شُعْبَةُ لِشَيْخِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : هَلْ تُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ ( فَقَالَ ) : عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ) : هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْكَرَ عَلَى شُعْبَةَ مِنْ سُؤَالِهِ إِيَّاهُ لِمَا عَلِمَ مِنْ عَادَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ لِشُعْبَةَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ، أَيْ لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ : لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ، وَبِشَيْءٍ مُتَعَلِّقٌ بِأُحَدِّثُكَ ، وَالْمَعْنَى : لَا أُحَدِّثُكَ بِشَيْءٍ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ شُعْبَةَ يَقُولُ إِنَّ قَوْلَهَا أُمِرَتْ . هَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَلَا أَدْرِي أَنَّ الْآمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرُهُ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : لَا أُحَدِّثُكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ شَأْنِهَا ، إِنَّ الْآمِرَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرُهُ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ الْحُسَيْنِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : حدثتْنِي زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي وَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّ بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يُرِيبُهَا بَعْدَ الطُّهْرِ : إِنَّمَا هِيَ أَوْ قَالَ : إنما هو عُرقٌ أو قال : عروق . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : فِي حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا ، قَالَ : إِنْ قَوِيتِ فَاغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِلَّا فَاجْمَعِي كَمَا قَالَ الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ . ( أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّيَ ) : حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا إِسْنَادُهُ حَسَنٌ لَيْسَ فِيهِ عِلَّةٌ ، فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ( وَأَخْبَرَنِي ) : هَذِهِ الْمَقُولَةُ لِيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، أَيْ يَقُولُ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( أَخْبَرْتُهُ ) : أَيْ أَبَا سَلَمَةَ ( تَرَى مَا ) : أَيِ الدَّمَ ( يُرِيبُهَا ) : رَابَنِي الشَّيْءُ وَأَرَابَنِي بِمَعْنَى شَكَّكَنِي ( بَعْدَ الطُّهْرِ ) : أَيْ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى شَيْخُ ابْنِ مَاجَهْ ( إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ ) : أَيْ دَمٌ يَخْرُجُ مِنِ انْفِجَارِ الْعُرُوقِ ، وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الرَّحِمِ ، وَيَجِيءُ بَحْثُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ الْمَرْأَةُ تَرَى الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا بَيَانٌ لِلْأَمْرَيْنِ ( وَإِلَّا ) : أَيْ إِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( فَاجْمَعِي ) : بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ( كَمَا قَالَ الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ ) : الْآتِي بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَهْلَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِغُسْلٍ ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِغُسْلٍ ، وَتَغْتَسِلَ لِلصُّبْحِ ، فَحَدِيثُ ابْنِ عَقِيلٍ ، وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ الْآتِي فِي كِلَيْهِمَا الْأَمْرَانِ جَمِيعًا . وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ عِبَارَةِ الْمُؤَلِّفِ ، لَكِنْ فِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، نَعَمْ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَاسِمِ الْقَاسِمَ بْنَ مَبْرُورٍ ، وَبِحَدِيثِهِ حَدِيثَ حَمْنَةَ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ لِيَزُولَ الْإِشْكَالُ ، أَيْ رَوَى الْقَاسِمُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا إِنْ قَوِيَتْ فَاغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلِي فَاجْمَعِي بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنْ هَذَا الْمَعْنَى يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلْقَاسِمِ بْنِ مَبْرُورٍ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ ، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حدثنا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ عَبْدَةَ ، عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتُحِيضَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ عَبْدُ الصَّمَدِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ : تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ عَبْدِ الصَّمَدِ ، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ أَبِي الْوَلِيدِ . ( وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ ) : أَيْ لَمْ يَسْمَعِ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ مَعَ كَوْنِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ تَلَامِذَتِهِ ، فَبَيْنَ الْمُؤَلِّفِ وَأَبِي الْوَلِيدِ وَاسِطَةٌ لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ ( وَهَذَا ) : أَيْ قَوْلُهُ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ ( وَالْقَوْلُ فِيهِ ) : أَيِ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ( قَوْلُ أَبِي الْوَلِيدِ ) : الطَّيَالِسِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ : اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَهَذَا تَرْجِيحٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ لِرَفْعِ الِاغْتِسَالِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَلَيْسَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ كَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهَا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ ثَنِي أَبِي ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ أَيْضًا : قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . ( إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ إِلَخْ ) : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ ثِقَةٌ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ ، لَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالتَّحْدِيثِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ ، ثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ فِيهِ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قال الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ : عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ : عَنْ عَمْرَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِمَعْنَاهُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِ : وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ . ( قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مَبْرُورٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ ) : فَجَعَلَ الْقَاسِمُ عَمْرَةَ مَكَانَ عُرْوَةَ ، كَمَا جَعَلَهُ عَنْبَسَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، إِلَّا أَنَّ الْقَاسِمَ جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ أُمِّ حَبِيبَةَ لَا مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ ( وَكَذَلِكَ ) : أَيْ بكون عَمْرَةُ مَكَانَ عُرْوَةَ ( وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِمَعْنَاهُ ) : أَيْ حَذَفَ وَاسِطَةَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَيْضًا ( وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ) : أَيْ بِذِكْرِ عَمْرَةَ مَكَانَ عُرْوَةَ ( وَلَمْ يَقُلْ إِلَخْ ) : فَاعِلُ لَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ ، وَجُمْلَةُ وَلَمْ يَقُلْ إِلَخْ مَقُولَةٌ لِقَالَ ، أَيْ زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ جُمْلَةَ وَلَمْ يَقُلْ إِلَخْ . ( وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ) : الْمُشَارُ إِلَيْهِ لِقَوْلِهِ كَذَلِكَ جُمْلَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . وَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ وَالْأَوْزَاعِيَّ كِلَاهُمَا . قَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ .
باب ما روي أن المستحاضة تغتسل لِكُلِّ صَلَاةٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا : ثنا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ ، فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ فِي حُجْرَةِ أُخْتِهَا زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ . بَاب مَا روي أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ( فَكَانَتْ ) : أَيْ أُمُّ حَبِيبَةَ ( تَغْتَسِلُ فِي مِرْكَنٍ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْكَافِ هُوَ الْإِجَّانَةُ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ ( حَتَّى تَعْلُوَ حُمْرَةُ الدَّمِ الْمَاءَ ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ فِي الْقَصْرِيَّةِ الَّتِي تُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ ، كَانَتْ تَقْعُدُ فِيهَا فَتَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ مِنْ غَيْرِهَا فَتَسْتَنْقِعُ فِيهَا فَيَخْتَلِطُ الْمَاءُ الْمُتَسَاقِطُ عَنْهَا بِالدَّمِ ، فَيَعْلُوهُ حُمْرَةُ الدَّمِ السَّائِلِ عَنْهَا ، فَيَمُرُّ الْمَاءُ بِهِ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَتَنظفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْغُسَالَةِ الْمُتَغَيِّرَةِ ، فَتَغْسِلُ خَارِجَهَا مَا أَصَابَ رِجْلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالدَّمِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ ، نا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قال : أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . ( فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ ) : أَيْ أُمُّ حَبِيبَةَ ( لِكُلِّ صَلَاةٍ ) : قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّمَا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا .
بَابُ : إِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا أَبُو عَقِيلٍ ، عَنْ بُهَيَّةَ قَالَتْ : سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ عَائِشَةَ عَنْ امْرَأَةٍ فَسَدَ حَيْضُهَا وَأُهْرِيقَتْ دَمًا ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ آمُرَهَا فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ ، فَلْتَعْتَدَّ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَيَّامِ ، ثُمَّ لِتَدَعْ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ أَوْ بِقَدْرِهِنَّ ثُمَّ لِتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لِتَسْتَذفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ تُصَلِّي بَابُ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ وَمَيَّزَتِ الْمَرْأَةُ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ( تَدَعُ الصَّلَاةَ ) : وَأَنَّهَا تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ فَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ عِنْدَ إِقْبَالِ الْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَدْبَرَتِ اغْتَسَلَتْ وَحَلَّتْ . ( ثَنَا أَبُو عَقِيلٍ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ ، ضَعَّفَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَيِّنُ الْحَدِيثِ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ ( عَنْ بُهَيَّةَ ) : بِالتَّصْغِيرِ مَوْلَاةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَسَدَ حَيْضُهَا ) : أَيْ تَجَاوَزَ حَيْضُهَا عَنْ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ ( وَأُهْرِيقَتْ دَمًا ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جَرَى لَهَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ ( أَنْ آمُرَهَا ) : أَيِ السَّائِلَةَ عَنْ حُكْمِ الِاسْتِحَاضَةِ ( فَلْتَنْظُرْ ) : هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ وَهُوَ مِنَ النَّظَرِ يُقَالُ نَظَرْتُ الشَّيْءَ وَانْتَظَرْتُهُ بِمَعْنًى ، وَفِي التَّنْزِيلِ : مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَنْتَظِرُ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْإِنْظَارِ وَهُوَ التَّأْخِيرُ وَالْإِمْهَالُ ، وَالْمَعْنَى تُؤَخِّرُ وَتُمْهِلُ نَفْسَهَا عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْرُمُ فِعْلُهُ عَلَى الْحَائِضِ ( قَدْرَ مَا ) : أَيِ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي ( كَانَتْ تَحِيضُ ) : فِيهَا ( وَحَيْضُهَا مُسْتَقِيمٌ ) : أَيْ فِي حَالَةِ اسْتِقَامَةِ الْحَيْضِ ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( فَلْتَعْتَدَّ ) : مِنَ الِاعْتِدَادِ يُقَالُ : اعْتَدَدْتُ بِالشَّيْءِ أَيْ أَدْخَلْتُهُ فِي الْعَدِّ وَالْحِسَابِ فَهُوَ مُعْتَدٌّ بِهِ مَحْسُوبٌ غَيْرُ سَاقِطٍ ، وَالْفَاءُ لِلتَّفْسِيرِ ، أَيْ تَحْسِبُ أَيَّامَ حَيْضِهَا بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ قَبْلَ حُدُوثِ الْعِلَّةِ ( ثُمَّ لِتَدَعِ الصَّلَاةَ فِيهِنَّ ) : أَيْ فِي الْأَيَّامِ الْمَحْسُوبَةِ الْمُعْتَدَّةِ لِلْحَيْضِ ( أَوْ بِقَدْرِهِنَّ ) : أَيْ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ بِقَدْرِ الْأَيَّامِ الْمُعْتَدَّةِ لِلْحَيْضِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَبُو عَقِيلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ مَدِينِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْ بُهَيَّةَ إِلَّا هُوَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، يَعْنِي ابْنَ عَمْرٍو قَالَ : ثَنِي ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ قال : إَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ دم أَسْوَدُ يُعْرَفُ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا بِهِ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ هَكَذَا ، ثُمَّ ثنا بِهِ بَعْدُ حِفْظًا ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَى أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ قَالَ : إِذَا رَأَتْ الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ فَلَا تُصَلِّي ، وَإِذَا رَأَتْ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي . قَالَ مَكْحُولٌ : إِنَّ النِّسَاءَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِنَّ الْحَيْضَةُ إِنَّ دَمَهَا أَسْوَدُ غَلِيظٌ ، فَإِذَا ذَهَبَ ذَلِكَ وَصَارَتْ صُفْرَةً رَقِيقَةً فَإِنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ ، فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتُصَلِّي . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ : إِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ تَرَكَتْ الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ . وَرَوَى سُمَيٌّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : تَجْلِسُ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَى يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ : الْحَائِضُ إِذَا مَدَّ بِهَا الدَّمُ تُمْسِكُ بَعْدَ حَيْضَتِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . وَقَالَ التَّيْمِيُّ عَنْ قَتَادَةَ : إِذَا زَادَ عَلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ فَلْتُصَلِّي . قَالَ التَّيْمِيُّ : فَجَعَلْتُ أَنْقُصُ حَتَّى بَلَغَتْ يَوْمَيْنِ ، فَقَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمَيْنِ فَهُوَ مِنْ حَيْضِهَا . وَسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْهُ فَقَالَ : النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ . ( إِذَا كَانَ ) : تَامَّةٌ بِمَعْنَى وُجِدَ ( يُعْرَفُ ) : فِيهِ احْتِمَالَانِ : الْأَوَّلُ أَنَّهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : أَيْ تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ بِاعْتِبَارِ لَوْنِهِ وَثَخَانَتِهِ كَمَا تَعْرِفُهُ بِاعْتِبَارِ عَادَتِهِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْأَعْرَافِ ، أَيْ لَهُ عَرْفٌ وَرَائِحَةٌ ( فَإِذَا كَانَ ذَلِكِ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ ، أَيْ كَانَ الدَّمُ دَمًا أَسْوَدَ ( فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ( فَتَوَضَّئِي ) : أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ ( وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ ) : أَيِ الدَّمُ الَّذِي عَلَى غَيْرِ صِفَةِ السَّوَادِ ( عِرْقٌ ) : أَيْ دَمُ عِرْقٍ . قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ رَدُّ الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَى صِفَةِ الدَّمِ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَهُوَ حَيْضٌ ، وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكَ الدَّمَ وَصَلِّي ، وَلَا يُنَافِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ : إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ بَيَانًا لِوَقْتِ إِقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا ، فَالْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا مَيَّزَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا إِمَّا بِصِفَةِ الدَّمِ أَوْ بِإِتْيَانِهِ فِي وَقْتِ عَادَتِهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً عَمِلَتْ بِعَادَتِهَا ، فَفَاطِمَةُ هَذِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ أَيْ بِالْعَادَةِ أَوْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ ، فَيُرَادُ بِإِقْبَالِ حَيْضَتِهَا بالصِّفَةِ ، وَلَا مَانِعَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَعْرِفَتَيْنِ فِي حَقِّهَا وَحَقِّ غَيْرِهَا . انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ حَسَنٌ . ( قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا بِهِ ) : بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ مِنْ كِتَابِهِ هَكَذَا ) : أَيْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَائِشَةَ بَيْنَ عُرْوَةَ وَفَاطِمَةَ ( ثُمَّ ثَنَا بِهِ ) : بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( بَعْدُ ) : أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ لَمَّا حَدَّثَ ابْنَ الْمُثَنَّى مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَائِشَةَ بَيْنَ عُرْوَةَ وَفَاطِمَةَ ، وَلَمَّا حَدَّثَهُ مِنْ حِفْظِهِ ذَكَرَ عَائِشَةَ بَيْنَ عُرْوَةَ وَفَاطِمَةَ . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : هَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ . وَأَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عَدِيٍّ مَكَانُهُ مِنَ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ لَا يُجْهَلُ ، وَقَدْ حَفِظَهُ وَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً عَنْ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ عَائِشَةَ عَنْ فَاطِمَةَ ، وَقَدْ أَدْرَكَ كِلْتَيْهِمَا وَسَمِعَ مِنْهُمَا بِلَا رَيْبٍ ، فَفَاطِمَةُ بِنْتُ عَمِّهِ وَعَائِشَةُ خَالَتُهُ ، فَالِانْقِطَاعُ الَّذِي رُمِيَ بِهِ الْحَدِيثُ مَقْطُوعٌ دَابِرُهُ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ فَاطِمَةَ حَدَّثَتْهُ . ( الدَّمَ الْبَحْرَانِيَّ ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ الدَّمَ الْغَلِيظَ الْوَاسِعَ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ وَنُسِبَ إِلَى الْبَحْرِ لِكَثْرَتِهِ وَسَعَتِهِ ، وَالْبَحْرُ التَّوَسُّعُ فِي الشَّيْءِ وَالِانْبِسَاطُ . وَفِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ : الْبَحْرُ مَعْرُوفٌ وَيُقَالُ لِلدَّمِ الْخَالِصِ الشَّدِيدِ الْحُمْرَةِ بَاحِرٌ وَبَحْرَانِيٌّ ، ( وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَلَوْ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي ) : وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ إِذَا رَأَتْ دَمًا شَدِيدَ الْحُمْرَةِ فَلَا تُصَلِّي ، وَإِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ وَهُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ الْبَحْرَانِيِّ فَلْتَغْتَسِلْ وَتُصَلِّي ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَامَةَ دَمِ الْحَيْضِ خُرُوجَ الدَّمِ الْبَحْرَانِيِّ ، وَعَلَامَةَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ خُرُوجَ غَيْرِ الدَّمِ الْبَحْرَانِيِّ ( إِذَا مَدَّ بِهَا الدَّمُ ) : أَيِ اسْتَمَرَّ الدَّمُ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ الْمَعْلُومَةِ ( تُمْسِكُ ) : الْمَرْأَةُ عَنِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ( فَهِيَ ) : بَعْدَ ذَلِكَ ( مُسْتَحَاضَةٌ ) : أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بِلَفْظِ : إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فَإِنَّهَا تُمْسِكُ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَيَّامِ حَيْضِهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، ثُمَّ هِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَحَاضَةٌ ( قَالَ التَّيْمِيُّ فَجَعَلْتُ أَنْقُصُ ) : الْأَيَّامَ الَّتِي زَادَتْ عَلَى أَيَّامِ حَيْضِهَا ( فَقَالَ ) : قَتَادَةُ مُجِيبًا ( إِذَا كَانَ ) : الْيَوْمُ الزَّائِدُ ( يَوْمَيْنِ فَهُوَ مِنْ حَيْضِهَا ) : فَلَا تُصَلِّي فِيهِ . أَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، ثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ لِقَتَادَةَ : امْرَأَةٌ كَانَ حَيْضُهَا مَعْلُومًا فَزَادَتْ عَلَيْهِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ . قَالَ : تُصَلِّي . قُلْتُ : يَوْمَيْنِ . قَالَ : ذَلِكَ مِنْ حَيْضِهَا . وَسَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ قَالَ : النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ ( وَسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْهُ فَقَالَ : النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ ) : فَهُنَّ يُمَيِّزْنَ دَمَ الْحَيْضِ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَكَأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يُجِبْهُ وَأَحَالَ عَلَى النِّسَاءِ .
حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ قَالَا : نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، نا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَمِّهِ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أُمِّهِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ : كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً ، فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ ؟ فَقَالَ : أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ قَالَتْ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ فَاتَّخِذِي ثَوْبًا فَقَالَتْ : هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيَّهُمَا فَعَلْتِ أَجْزَى عَنْكِ مِنْ الْآخَرِ ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ ، قَالَ لَهَا : إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ ، فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تعالى ذكره ، ثُمَّ اغْتَسِلِي ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا وَصُومِي فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْزِئكِ ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلّ شَهْرٍ كَمَا يحِضن النِّسَاءُ ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتُ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِي وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي ، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي ، وَصُومِي إِنْ قَدِرْتِ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ ، عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ فقَالَ : قَالَتْ حَمْنَةُ : هَذَا أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ . لَمْ يَجْعَلْهُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جَعَلَهُ كَلَامَ حَمْنَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كان عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ رَافِضِيا وَذَكَرَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : حَدِيثُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ . ( حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَغَيْرُهُ ) : هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ بِمَعْرِفَةِ الْأَطْرَافِ : وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَمِينَةَ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ . ( أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَصْدَرُ اسْتَحَاضَ عَلَى حَدِّ : أَنْبَتَهُ اللَّهُ نَبَاتًا ، وَلَا يَضُرُّهُ الْفَرْقُ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ ، إِذِ الْكَلَامُ وَارِدٌ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ ( أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ ) : الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ، وَإِلَّا كَانَ حَقُّهَا أَنْ تَقُولَ : فَأُخْبِرُهُ وَأَسْتَفْتِيهِ ( فَمَا تَرَى فِيهَا قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ ) : بِالنَّصْبِ وَفَاعِلُ مَنَعَتْنِي الْحَيْضَةُ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَا أَلْجَأَهَا إِلَى السُّؤَالِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهَا فِيهَا ( أَنْعَتُ ) : أَيْ أَصِفُ ( الْكُرْسُفَ ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ السِّينِ الْقُطْنُ ، وَالْمَعْنَى أُبَيِّنُ لَكِ الْقُطْنَ فَاسْتَعْمِلِيهِ ، وَتَحْشِي بِهِ فَرْجَكِ ( فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ ) : مِنَ الْإِذْهَابِ ( قَالَتْ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ) : أَيِ الدَّمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَنْقَطِعَ بِالْقُطْنِ لِاشْتِدَادِهِ وَفَوْرِهِ ( قَالَ : فَاتَّخِذِي ثَوْبًا ) : أَيْ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقُطْنُ فَاسْتَعْمِلِي الثَّوْبَ مَكَانَهُ ( إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا ) : بِالْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ ، أَيْ أَصُبُّ صَبًّا . وَالثَّجُّ جَرْيُ الدَّمِ وَالْمَاءِ جَرْيًا شَدِيدًا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ، يُقَالُ ثَجَجْتُ الْمَاءَ وَالدَّمَ إِذَا أَسَكَبْتُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ ، أَيْ أَثُجُّ الدَّمَ ثَجًّا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِضَافَةُ الْجَرْيِ إِلَى نَفْسِهَا لِلْمُبَالَغَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ جُعِلَتْ كَأَنَّ كُلَّهَا دَمٌ ثَجَّاجٌ ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَعْنَى ( سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ أَيُّهُمَا فَعَلْتِ ) : قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِهِ إِنَّهُ بِالنَّصْبِ لَا غَيْرُ ، وَالنَّاصِبُ لَهُ فَعَلْتِ ( فَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا ) : أَيْ عَلَى الْأَمْرَيْنِ بِأَنْ تَقْدِرِي عَلَى أَنْ تَفْعَلِي أَيَّهُمَا شِئْتِ ( فَأَنْتِ أَعْلَمُ ) : بِمَا تَخْتَارِينَهُ مِنْهُمَا ، فَاخْتَارِي أَيَّهُمَا شِئْتِ ( إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ ) : الرَّكْضَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ : ضَرْبُ الْأَرْضِ بِالرِّجْلِ حَالَ الْعَدْوِ ، كَمَا تَرْكُضُ الدَّابَّةُ وَتُصَابُ بِالرِّجْلِ ، أَرَادَ بِهَا الْإِضْرَارَ وَالْأَذَى ، يَعْنِي أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ وَجَدَ بِهِ طَرِيقًا إِلَى التَّلْبِيسِ عَلَيْهَا فِي أَمْرِ دِينِهَا وَطُهْرِهَا وَصَلَاتِهَا حَتَّى أَنْسَاهَا ذَلِكَ عَادَتَهَا وَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ رَكْضَةٌ نَالَتْهَا مِنْ رَكَضَاتِهِ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . ( فَتَحِيضِي ) : يُقَالُ تَحَيَّضَتِ الْمَرْأَةُ أَيْ قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ، أَيِ اجْعَلِي نَفْسَكِ حَائِضَةً ، وَافْعَلِي مَا تَفْعَلُ الْحَائِضُ ( سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّحْدِيدِ مِنَ السِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ ، لَكِنْ عَلَى مَعْنَى اعْتِبَارِ حَالِهَا بِحَالِ مَنْ هِيَ مِثْلُهَا وَفِي مِثْلِ سِنِّهَا مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ بَيْتِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ مِثْلِهَا أَنْ تَقْعُدَ سِتًّا قَعَدَتْ سِتًّا وَإِنْ سَبْعًا فَسَبْعًا . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَيَّامٌ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ إِلَّا أَنَّهَا قَدْ نَسِيَتْهَا ، فَلَا تَدْرِي أَيَّتَهُمَا كَانَتْ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَحَرَّى وَتَجْتَهِدَ وَتَبْنِيَ أَمْرَهَا عَلَى مَا تَيَقَّنَتْهُ مِنْ أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَيْ فِيمَا عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِكِ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً انْتَهَى ( فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَمْرِكِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ ، أَيْ هَذَا شَيْءٌ بَيْنَكِ وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلِينَ مِنَ الْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرْتُكِ بِهِ أَوْ تَرْكِهِ ، وَقِيلَ فِي عِلْمِ اللَّهِ : أَيْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَيْ بِمَا أَمَرْتُكِ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقِيلَ فِي عِلْمِ اللَّهِ : أَيْ أَعْلَمَكِ اللَّهُ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ مِنَ السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ ( وَاسْتَنْقَأْتِ ) : أَيْ بَالَغْتِ فِي التَّنْقِيَةِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ . كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْأَلِفِ ، وَالصَّوَابُ اسْتَنْقَيْتِ لِأَنَّهُ مِنْ نَقِيَ الشَّيْءُ ، وَأَنْقَيْتُهُ إِذَا نَظَّفْتُهُ وَلَا وَجْهَ فِيهِ لِلْأَلِفِ وَلَا لِلْهَمْزَةِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ : الْهَمْزَةُ فِيهِ خَطَأٌ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : النُّسَخُ كُلُّهَا بِالْهَمْزَةِ مَضْبُوطَةٌ ، فَفِي تَخْطِئَةِ الْهَمْزَةِ تَخْطِئَةٌ لِلْحُفَّاظِ الضَّابِطِينَ مَعَ إِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى الشُّذُوذِ ( فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ) : إِنْ كَانَتْ أَيَّامُ الْحَيْضِ سَبْعًا ( أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا ) : إِنْ كَانَتْ أَيَّامُ حَيْضِهَا سِتًّا ( وَصُومِي ) : مَا شِئْتِ مِنْ تَطَوُّعٍ وَفَرِيضَةٍ ( فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ ) : مِنَ الْإِجْزَاءِ أَيْ يَكْفِيكِ ، فَهَذَا أَوَّلُ الْأَمْرَيْنِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا ، وَالْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّهَا بِمُرُورِ السِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ تَغْتَسِلُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَصَلَاتَيِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا ، وَلِصَلَاةِ الصُّبْحِ غُسْلًا عَلَى حِدَةٍ ( إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ ) : أَيْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مَعَ ثَلَاثِ غَسَلَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَجَزَاؤُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَافْعَلِي ( وَهَذَا ) : أَيِ الْأَمْرُ الثَّانِي ( أَعْجَبُ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ ) : أَيْ أَحَبُّهُمَا إِلَيَّ لِكَوْنِهِ أَشَقَّهُمَا ، وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مَا فِيهِ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( وَذَكَرَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ) : أَيْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْكَلَامَ أَيْ كَوْنَهُ رَافِضِيًّا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : حَدِيثُ ابْنِ عَقِيلٍ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ ) : وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ خِلَافُ ذَلِكَ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ حَمْنَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ انْتَهَى . وَكَذَا نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ تَصْحِيحَهُ عَنْ أَحْمَدَ ، فَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ بِأَنَّ التِّرْمِذِيَّ قَدْ نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ تَصْحِيحَهُ نَصًّا ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُلِ التَّعْيِينَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَقَعَ لَهُ فَفَسَّرَ بِهِ كَلَامَ أَحْمَدَ ، وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْحَدِيثِ شَيْءٌ ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ صِحَّتُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ تَرَكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، لِأَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ رَاوِيهِ لَيْسَ كَذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ أَيْضًا : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَهَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَعَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ هَذَا هُوَ أَبُو ثَابِتٍ وَيُعْرَفُ بِابْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ كُوفِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . انْتَهَى . وَأَطَالَ الْكَلَامَ أَخُونَا الْعَلَّامَةُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ تَحْتَ حَدِيثِ حَمْنَةَ ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُعْتَادَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ مُمَيِّزَةً أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزَةً تُرَدُّ عَلَى عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِيهِ : امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالْمُبْتَدِئَةُ الْمُمَيِّزَةُ تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ لِحَدِيثِ : إِذْ كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مَا انْضَمَّ بِهِ ، وَالَّتِي تَفَقَّدَتِ الْعَادَةَ وَالتَّمْيِيزَ فَإِنَّهَا تَحِيضُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا عَلَى غَالِبِ عَادَةِ النِّسَاءِ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ . وَهَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ لَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا .
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا : أنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَت : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ، وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي قَالَ أَبُو دَاوُدَ : زَادَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : اسْتُحِيضَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَبْعَ سِنِينَ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَاللَّيْثُ وَيُونُسُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَمَعْمَرٌ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْكَلَامَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَإِنَّمَا هَذَا لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ أَيْضًا : أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْءٌ يَقْرُبُ مِنْ الَّذِي زَادَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي حَدِيثِهِ . ( خَتَنَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ ، وَمَعْنَاهُ قَرِيبَةُ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْأَخْتَانُ جَمْعُ خَتَنٍ وَهُمْ أَقَارِبُ زَوْجَةِ الرَّجُلِ وَالْأَحْمَاءُ أَقَارِبُ زَوْجِ الْمَرْأَةِ ، وَالْأَصْهَارُ يَعُمُّ الْجَمِيعَ ( وَتَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) : مَعْنَاهُ أَنَّه زَوْجَتُهُ فَعَرَّفَهَا بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا كَوْنُهَا أُخْتَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالثَّانِي كَوْنُهَا زَوْجَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ) : أَيْ هَذِهِ الْحَالَةُ الَّتِي أَنْتِ فِيهَا مِنْ جَرَيَانِ الدَّمِ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ النِّسَاءِ لَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ ( وَلَكِنْ هَذَا عِرْقٌ ) : أَيْ لَكِنْ هَذَا الدَّمُ الْخَارِجُ عِرْقٌ ، وَسَلَفَ تَفْسِيرُ الْعِرْقِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . ( لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْكَلَامَ ) : أَيْ جُمْلَةَ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي ( وَلَمْ يَذْكُرُوا ) : هَؤُلَاءِ ( هَذَا الْكَلَامَ ) : أَيْ جُمْلَةَ إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ إِلَخْ ( وَإِنَّمَا هَذَا ) : الْكَلَامُ ، أَيِ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ ( لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ) : وَلَيْسَ مِنْ لَفْظِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ ) : أَيْ فِي حَدِيثِهِ ( أَيْضًا ) : هَذَا اللَّفْظَ ( أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ) : لِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَسَلَفَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ( وَ ) : هَكَذَا ( حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ) : الْآتِي ( عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْءٌ ) : مِنَ الْوَهْمِ ( وَيَقْرُبُ ) : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فِي الْوَهْمِ أَوْ زِيَادَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ( مِنَ ) : الْكَلَامِ ( الَّذِي زَادَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي حَدِيثِهِ ) : وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ غَيْرَهُ وَهُوَ : إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي فَزِيَادَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَزِيَادَةُ الْأَوْزَاعِيِّ وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فِي كُلِّهَا وَهْمٌ ، وَتَفَرَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ سِوَاهُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ التَّمَّارِ ، عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَوْلَاتَهَا أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ فَوَجَدَتْهَا تُصَلِّي ، فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ فَقَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا ( أَنَّ مَوْلَاتَهَا ) : أَيْ مُعْتَقَةَ أُمِّ دَاوُدَ وَكَانَتْ أُمُّهُ مَوْلَاةً لِبَعْضِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَالْمَوْلَى : اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا بِالْكَسْرِ ، ( أَرْسَلَتْهَا ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْمَوْلَاةٍ وَالْمَنْصُوبُ لِأُمِّهِ ( بِهَرِيسَةٍ ) : فَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، هَرَسَهَا - مِنْ بَابِ قَتَلَ - دَقَّهَا . قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْهَرْسُ : دَقُّ الشَّيْءِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْهَرِيسَةُ . وَفِي النَّوَادِرِ : الْهَرِيسُ : الْحَبُّ الْمَدْقُوقُ بِالْمِهْرَاسِ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ ، فَإِذَا طُبِخَ فَهُوَ الْهَرِيسَةُ بِالْهَاءِ ، وَالْمِهْرَاسُ بِكَسْرِ الْمِيمِ : هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي يُهْرَسُ بِهِ الشَّيْءُ ، وَقَدِ اسْتُعِيرَ لِلْخَشَبَةِ الَّتِي يُدَقُّ فِيهَا الْحَبُّ ، فَقِيلَ لَهَا مِهْرَاسٌ عَلَى التَّشْبِيهِ بِالْمِهْرَاسِ مِنَ الْحَجَرِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ، وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ : هَرِيسٌ كَأَمِيرٍ طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنَ الْحُبُوبِ وَاللَّحْمِ وَأَطْيَبُهُ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَلَحْمِ الدِّيكِ . قَالَتْ أُمُّ دَاوُدَ ( فَوَجَدْتُهَا ) : أَيْ عَائِشَةَ ( فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا ) : أَيِ الْهَرِيسَةَ ، وَ أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْإِشَارَةِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ جَائِزَةٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الْإِشَارَةُ فِي الصَّلَاةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ ( بِفَضْلِهَا ) : أَيْ بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ ذَاتَ الْهِرَّةِ طَاهِرَةٌ ، وَأَنَّ سُؤْرَهَا غَيْرُ نَجِسٍ وَأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ وَالْوُضُوءَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ طَاهِرِ الذَّاتِ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولَ اللَّحْمِ طَاهِرٌ . انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ لَمْ يَرَوْا بِسُؤْرِ الْهِرَّةِ بَأْسًا . قُلْتُ : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : بَلْ نَجِسٌ كَالسَّبُعِ ، لَكِنْ خُفِّفَ فِيهِ فَكُرِهَ سُؤْرُهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّ الْهِرَّةَ سَبُعٌ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ السِّنَّوْرُ سَبُعٌ وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ نَاطِقٌ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ حَدِيثِ السِّبَاعِ بَعْدَ تَسْلِيمِ وُرُودِ مَا يَقْضِي بِنَجَاسَةِ السِّبَاعِ ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِالسَّبُعِيَّةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهَا نَجَسٌ ، إِذْ لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالسَّبُعِيَّةِ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ . وَقَالَ لَهُ أَسَانِيدُ إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ كَانَتْ قَوِيَّةً بِلَفْظِ : أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ نَصَّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ . انْتَهَى .
بَابُ سُورِة الْهِرَّةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا بْنَت أَخِي ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ بَابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ ( الْهِرُّ ) : الذَّكَرُ وَجَمْعُهُ هِرَرَةٌ مِثْلُ قِرْدٍ وَقِرَدَةٍ ، وَالْأُنْثَى : هِرَّةٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ . قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ . قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْهِرُّ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ يُدْخِلُونَ الْهَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ ، وَتَصْغِيرُهَا هُرَيْرَةُ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . ( عَنْ حُمَيْدَةَ ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا يَحْيَى اللَّيْثِيِّ فَقَالَ : إِنَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ( بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ) : الْأَنْصَارِيَّةِ الزُّرَقِيَّةِ أُمِّ يَحْيَى عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ وَعَنْهَا زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ آنِفًا وَابْنُهَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ وَثَّقَهَا ابْنُ حِبَّانَ . وَقَالَ الْحَافِظُ : هِيَ مَقْبُولَةٌ . قَالَ فِي النَّيلِ : الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ مَنْدَهْ بِأَنَّ حُمَيْدَةَ الرَّاوِيَةَ عَنْ كَبْشَةَ مَجْهُولَةٌ ، وَكَذَلِكَ كَبْشَةُ قَالَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ لِحُمَيْدَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَهَا حَدِيثٌ ثَالِثٌ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهَا مَعَ إِسْحَاقَ ابْنُهُ يَحْيَى وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ ، فَارْتَفَعَتِ الْجَهَالَةُ ( كَبْشَةَ ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ( بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ) : الْأَنْصَارِيَّةِ زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ( وَكَانَتْ ) : كَبْشَةُ ( تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ) : أَيْ فِي نِكَاحِهِ ( دَخَلَ ) : فِي بَيْتِ كَبْشَةَ ( فَسَكَبْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ، وَالسَّكْبُ : الصَّبُّ أَيْ صَبَبْتُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ ( وَضُوءًا ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ صَبَّتْ لَهُ مَاءَ الْوُضُوءِ فِي قَدَحٍ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهُ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِي الْإِنَاءِ ( فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ ) : أَيْ أَمَالَ أَبُو قَتَادَةَ لِلْهِرَّةِ الْإِنَاءَ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهَا الشُّرْبُ ( فَرَآنِي ) : أَبُو قَتَادَةَ وَالْحَالُ أَنِّي ( أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى شُرْبِ الْهِرَّةِ لِلْمَاءِ نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوِ الْمُتَعَجِّبِ ( يَا ابْنَةَ أَخِي ) : الْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَدْعُوا بِيَا ابْنَ أَخِي وَيَا ابْنَ عَمِّي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا أَوْ عَمًّا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ ( فَقَالَ ) : أَبُو قَتَادَةَ لَا تَعْجَبِي ( بِنَجَسٍ ) : يَعْنِي نَجَاسَةً مُؤَثِّرَةً فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ ، وَلَوْ قِيلَ بِكَسْرِ الْجِيمِ لَقِيلَ : بِنَجِسَةٍ لِأَنَّهَا صِفَةٌ الِهِرَّةٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ : النَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ : النَّجَاسَةُ ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَاتِ نَجَسٍ . كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ التِّرْمِذِيِّ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ، ثُمَّ النَّوَوِيُّ ، ثُمَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، ثُمَّ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : مَفْتُوحُ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ انْتَهَى ( إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِلَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ بِعَدَمِ نَجَاسَةِ الْهِرَّةِ هِيَ الضَّرْوَةُ النَّاشِئَةُ مِنْ كَثْرَةِ دَوَرَانِهَا فِي الْبُيُوتِ ، وَدُخُولِهَا فِيهِ بِحَيْثُ يَصْعُبُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَطُوفُ عَلَيْكُمْ فِي مَنَازِلِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ فَتَمْسَحُونَهَا بِأَبْدَانِكُمْ وَثِيَابِكُمْ ، وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَأَمَرْتُكُمْ بِالْمُجَانَبَةِ عَنْهَا . وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الرِّفْقِ بِهَا وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ فِي مُوَاسَاتِهَا ، وَالطَّائِفُ : الْخَادِمُ الَّذِي يَخْدُمُكَ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ وَجَمْعُهُ الطَّوَّافُونَ . قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالْمَمَالِيكِ مِنْ خَدَمِ الْبَيْتِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى بَيْتِهِ لِلْخِدْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَجْرَ فِي مُوَاسَاتِهَا كَالْأَجْرِ فِي مُوَاسَاةِ مَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ ( وَالطَّوَّافَاتِ ) : وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَوِ الطَّوَّافَاتِ . قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : جَاءَ هَذَا الْجَمْعُ فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى صِيغَةِ جَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الذُّكُورِ الطَّوَّافِينَ أَوِ الْإِنَاثِ الطَّوَّافَاتِ ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّهُ شَبَّهَ ذُكُورَ الْهِرِّ بِالطَّوَّافِينَ وَإِنَاثَهَا بِالطَّوَّافَاتِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ : جَوَّدَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَرِوَايَتُهُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ . انْتَهَى .
بَابٌ فِي الْمَرْأَةِ تُسْتَحَاضُ ، وَمَنْ قَالَ : تَدَعُ الصَّلَاةَ فِي عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا ، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنْ الشَّهْرِ ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ . بَابٌ فِي الْمَرْأَةِ تُسْتَحَاضُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ . ( وَمَنْ قَالَ تَدَعُ ) أَيْ تَتْرُكُ ( الصَّلَاةَ فِي عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ ) فِي أَيَّامِ الصِّحَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْعِلَّةِ . ( تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمَيُّزِ ، وَتُهْرَاقُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَنَائِبُ فَاعِلِهِ ضَمِيرٌ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الْمَرْأَةِ أَيْ تُهْرَاقُ هِيَ الدِّمَاءَ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ تُهْرَاقُ دِمَاؤُهَا ، وَالْبَدَلُ مِنَ الْإِضَافَةِ ، وَالْهَاءُ فِي هَرَاقَ بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ أَرَاقَ ، يُقَالُ : أَرَاقَ الْمَاءَ يُرِيقُهُ وَهَرَاقَهُ يُهَرِيقُهُ بِفَتْحِ الْهَاءِ هِرَاقَةً قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ ( فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ ) مِنَ التَّخْلِيفِ أَيْ تَرَكَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ الَّذِي كَانَتْ تَعْهَدُهُ وَرَاءَهَا ( فَلْتَغْتَسِلْ ) أَيْ غُسْلَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ ( ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ) أَيْ تَشُدُّ فَرْجَهَا بِخِرْقَةٍ بَعْدَ أَنْ تَحْتَشِيَ قُطْنًا وَتُوثِقُ طَرَفَيِ الْخِرْقَةِ فِي شَيْءٍ تَشُدُّهُ عَلَى وَسَطِهَا فَيَمْنَعُ بذَلِكَ سَيْلَ الدَّمِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ ثَفَرِ الدَّابَّةِ بِفَتْحِ الْفَاءِ الَّذِي يُجْعَلُ تَحْتَ ذَنَبِهَا ( ثُمَّ لِتُصَلِّي ) هَكَذَا فِي النُّسْخَتَيْنِ مِنَ الْمُنْذِرِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : هُوَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ لِلْإِشْبَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ انْتَهَى . قُلْتُ : وَهَكَذَا بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي نُسَخِ الْمُوَطَّإِ . وَأَمَّا فِي نُسَخِ السُّنَنِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدِي فَبِإِسْقَاطِ الْيَاءِ بِلَفْظِ ثُمَّ لِتُصَلِّ . وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ الْمُعْتَادَةَ تُرَدُّ لِعَادَتِهَا مَيَّزَتْ أَمْ لَا وَافَقَ تَمَيُّزُهَا عَادَتَهَا أَوْ خَالَفَهَا . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ ويَكُونُ لَهَا مِنَ الشَّهْرِ أَيَّامٌ مَعْلُومَةٌ تَحِيضُهَا فِي أَيَّامِ الصِّحَّةِ قَبْلَ حُدُوثِ الْعِلَّةِ ، ثُمَّ تُسْتَحَاضُ فَتُهَرِيقُ الدِّمَاءَ وَيَسْتَمِرُّ بِهَا السَّيَلَانُ ، أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ مِنَ الشَّهْرِ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا مَا أَصَابَهَا ، فَإِذَا اسْتَوْفَتْ عَدَدَ تِلْكَ الْأَيَّامِ اغْتَسَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الطَّوَاهِرِ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَيْهَا ، وَجَوَازِ الطَّوَافِ إِذَا حَجَّتْ ، وَغِشْيَانِ الزَّوْجِ إِيَّاهَا إِلَّا أَنَّهَا إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تُصَلِّيَ تَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا ضَرُورَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاتَيْ فَرْضٍ كَالْمُتَيَمِّمِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَا : ثنا اللَّيْثُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ قَالَ : فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ وحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ بِمَعْنَاهُ . ( مَعْنَاهُ ) أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ( قَالَ ) أَيِ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ ( فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةَ فَلْتَغْتَسِلْ بِمَعْنَاهُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ لَيْسَ الْغُسْلُ عَلَيْهَا وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ حَتَّى جَاءَت وَقْتُ الصَّلَاةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَجْهُولٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، ثنا أَنَسٌ يَعْنِي ابْنَ عِيَاضٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدِّمَ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ قَالَ : فَإِذَا خَلَّفَتْهُنَّ وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ وَسَاقَ مَعْنَاهُ . ( فَإِذَا خَلَّفَتْهُنَّ ) أَيْ تَرَكَتْ أَيَّامَ الْحَيْضِ وَرَاءَهَا .
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، نا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ نَافِعٍ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ وَمَعْنَاهُ قَالَ : فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ ثُمَّ إِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْتَغْتَسِلْ وَلْتَسْتَذْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ تُصَلِّي . حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا وُهَيْبٌ ، نا أَيُّوبُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ، وَتَسْتَذْفِرُ بِثَوْبٍ وَتُصَلِّي . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وسَمَّى الْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ اسْتُحِيضَتْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ . ( وَتَغْتَسِلُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ ) : أَيْ فِيمَا سِوَى أَيَّامِ الْحَيْضِ وَهُوَ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ ( وَتَسْتَذْفِرُ ) : بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مِنَ الذَّفَرِ أَيْ لِتَسْتَعْمِلْ طِيبًا يزِيلُ بِهِ هَذَا الشَّيْءَ الْكَرِيهَ عَنْهَا ، وَإِنْ رُوِيَ بِمُهْمَلَةٍ فَالْمَعْنَى لِتَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهَا الدَّفْرَ أَيِ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ ، كَذَا فِي التَّوَسُّطِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَسْتَثْفِرُ ( سَمَّى الْمَرْأَةَ ) : مَفْعُولُ سَمَّى ( حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ) : فَاعِلُ سَمَّى ( قَالَ ) : أَيْ حَمَّادٌ ( فَاطِمَةُ ) : فَظَهَرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُبْهَمَةَ هِيَ فَاطِمَةُ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ عِرَاكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الدَّمِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَرَأَيْتُ مِرْكَنَهَا مَلْآنَ دَمًا ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ ، ثُمَّ اغْتَسِلِي قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ورَوَاهُ قُتَيْبَةُ بَيْنَ أَضْعَافِ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي آخِرِهَا ، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ اللَّيْثِ فَقَالَا : جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ( عَنِ الدَّمِ ) : أَيْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ ( فَرَأَيْتُ مِرْكَنَهَا ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ إِجَّانَةٌ تَغْتَسِلُ فِيهَا الثِّيَابَ يُقَالُ بِالْفَارِسِيَّةِ لكن وتغاره ( مَلْآنُ دَمًا ) : عَلَى وَزْنِ عَطْشَانَ ( فَقَالَ لَهَا ) : أَيْ لِأُمِّ حَبِيبَةَ ( امْكُثِي ) : أَمْرٌ مِنَ الْمُكْثِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ مَعَ الِانْتِظَارِ وَالتَّلَبُّثِ فِي الْمَكَانِ أَيِ انْتَظِرِي لِلطَّهَارَةِ وَتَلَبَّثِي غَيْرَ مُصَلِّيَةٍ ( قَدْرَ مَا ) : أَيِ الْأَيَّامِ الَّتِي ( تَحْبِسُكِ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ عَنِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا ( حَيْضَتَكِ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيِ اتْرُكِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَغَيْرَهَا قَدْرَ أَيَّامِ حَيْضَتِكِ الَّتِي كُنْتِ تَتْرُكِينَهَا فِيهَا قَبْلَ حُدُوثِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَانْتَظِرِي الطَّهَارَةَ ( ثُمَّ اغْتَسِلِي ) : بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ( وَرَوَاهُ قُتَيْبَةُ ) : أَيْ ذَكَرَهُ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي رَوَاهُ يَرْجِعُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ( بَيْنَ ) : ظَرْفٌ ( أَضْعَافِ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَقَّعَ فُلَانٌ فِي أَضْعَافِ كِتَابِهِ يُرِيدُونَ تَوْقِيعَهُ فِي أَثْنَاءِ السُّطُورِ أَوِ الْحَاشِيَةِ . وَفِي الْقَامُوسِ أَضْعَافُ الْكِتَابِ أَثْنَاءُ سُطُورِهِ ( حَدِيثٍ ) : بِالتَّنْوِينِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لِأَضْعَافٍ ( جَعْفَرَ بْنَ رَبِيعَةَ ) : بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي رَوَاهُ ( فِي آخَرِهَا ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ فِي آخَرِ الْمَرَّةِ . وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ قُتَيْبَةَ ذَكَرَ مَرَّةً أُخْرَى عِنْدَ التَّحْدِيثِ أَنَّ لَفْظَ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي الْإِسْنَادِ ثَابِتٌ بَيْنَ السُّطُورِ أَوِ الْحَاشِيَةِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِهِ ، وَلِذَا حَدَّثَ مَرَّةً بِإِثْبَاتِهِ وَمَرَّةً بِإِسْقَاطِهِ ، وَيَحْتَمِلُ فِيهِ تَوْجِيهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ جَعْفَرٌ مُنَوَّنًا مُضَافًا إِلَيْهِ لِحَدِيثٍ وَابْنُ رَبِيعَةَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي رَوَاهُ ، وَقَوْلُهُ : فِي آخِرِهَا بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ فِي آخِرِ السُّطُورِ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ قُتَيْبَةَ رَوَى الْحَدِيثَ بِلَفْظِ جَعْفَرٍ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ لِأَبِيهِ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَيْنَ سُطُورِ حَدِيثِ جَعْفَرٍ فِي آخِرِ السُّطُورِ مَوْجُودٌ لَفْظُ ابْنِ رَبِيعَةَ ( فَقَالَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ ) : بِذِكْرِ لَفْظِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي الْإِسْنَادِ لَا بَيْنَ السُّطُورِ أَوْ فِي الْحَاشِيَةِ هَذَا عَلَى التَّوْجِيهِ الْأَوَّلِ . وَعَلَى التَّوْجِيهِ الثَّانِي مَعْنَاهُ : رَوَى عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَفْظَ جَعْفَرٍ مَعَ نِسْبَتِهِ إِلَى أَبِيهِ ، لَا كَمَا رَوَى قُتَيْبَةُ بِأَنْ ذَكَرَ لَفْظَ جَعْفَرٍ فِي الْإِسْنَادِ ، وَلَفْظُ ابْنِ رَبِيعَةَ بَيْنَ السُّطُورِ أَوْ فِي الْحَاشِيَةِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ ، أَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قال : إنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ، فَانْظُرِي إِذَا أَتَى قَرْؤُكِ فَلَا تُصَلِّي ، فَإِذَا مَرَّ قَرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ ( إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَاذِلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ عِلَّةٌ حَدَثَتْ بِهَا مِنْ تَصَدُّعِ الْعُرُوقِ فَانْفَجَرَ الدَّمُ وَلَيْسَ بِدَمِ الْحَيْضِ الَّذِي يَقْذِفُهُ الرَّحِمُ لِمِيقَاتٍ مَعْلُومٍ ، فَيَجْرِي مَجْرَى سَائِرِ الْأَثْقَالِ وَالْفُضُولِ الَّتِي تَسْتَغْنِي عَنْهَا الطَّبِيعَةُ فَتَقْذِفُهَا عَنِ الْبَدَنِ فَتَجِدُ النَّفْسُ رَاحَةً لِمُفَارَقَتِهِ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ اللَّهِ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْمُصَفَّى بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ : وَالْأَمْرُ الْمُحَقَّقُ فِي ذَلِكَ أَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ وَدَمَ الْحَيْضِ هُمَا يَخْرُجَانِ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ ، لَكِنْ دَمُ الْحَيْضِ هُوَ مُطَابِقٌ لِعَادَةِ النِّسَاءِ الَّتِي جُبِلْنَ عَلَيْهَا ، وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ يَجْرِي عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِنَّ لِفَسَادِ أَوْعِيَةِ الدَّمِ وَالرُّطُوبَةِ الْحَاصِلَةِ فِيهَا ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ هَذَا بِتَصَدُّعِ الْعُرُوقِ ( قَرْؤُكِ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَيُجْمَعُ عَلَى الْقُرُوءِ وَالْأَقْرَاءِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِالْقَرْءِ هَاهُنَا الْحَيْضَ ، وَحَقِيقَةُ الْقَرْءِ : الْوَقْتُ الَّذِي يَعُودُ فِيهِ الْحَيْضُ أَوِ الطُّهْرُ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلطُّهْرِ كَمَا قِيلَ لِلْحَيْضِ قَرْءًا . انْتَهَى ( فَإِذَا مَرَّ قَرْؤُكِ ) : أَيْ مَضَى ( فَتَطَهَّرِي ) : أَيْ تَغْتَسِلِي ( ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ ) : أَيْ صَلِّي مِنِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ الَّذِي فِي الشَّهْرِ الْحَاضِرِ إِلَى الْحَيْضِ الَّذِي فِي شَهْرٍ يَلِيهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ . سُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ : هُوَ مَجْهُولٌ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ .
حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قال : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا أَمَرَتْ أَسْمَاءَ أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ثُمَّ تَغْتَسِلُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ قَتَادَةُ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائهَا ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَسْمَعْ قَتَادَةُ مِنْ عُرْوَةَ شَيْئًا ، وَزَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَيْسَ هَذَا فِي حَدِيثِ الْحِفَاظِ عَنْ الزُّهْرِيِّ إِلَّا مَا ذَكَرَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ وَقَدْ رَوَى الْحُمَيْدِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ : تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، وَرَوَتْ قَمِيرُ بِنْتُ عَمْرٍو زَوْجُ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَتْرُكُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَقْرَائِهَا ، وَرَوَى أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ ، وَرَوَى شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قال : إَنَّ سَوْدَةَ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَضَتْ أَيَّامُهَا اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ : الْمُسْتَحَاضَةُ تَجْلِسُ أَيَّامَ قُرْئِهَا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَمَّارٌ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْقِلٌ الْخَثْعَمِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَكَذَلِكَ رَوَى الشَّعْبِيُّ ، عَنْ قَمِيرَ امْرَأَةِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَطَاءٍ وَمَكْحُولٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَسَالِمٍ وَالْقَسِمِ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا . ( أَوْ أَسْمَاءُ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا أَمَرَتْهَا ) : أَيْ أَسْمَاءَ ( فَاطِمَةُ ) : فَاعِلُ أَمَرَتْهَا ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَلَى التَّرَدُّدِ هَلْ رَوَى عُرْوَةُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَوْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْمُؤَلِّفِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي عُمَيْسٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ ( فَأَمَرَهَا ) : أَيْ فَاطِمَةَ ( أَنْ تَقْعُدَ ) : وَتَكُفَّ نَفْسَهَا عَنْ فِعْلِ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَةُ ( كَانَتْ تَقْعُدُ ) : قَبْلَ ذَلِكَ الدَّاءِ ( ثُمَّ تَغْتَسِلُ ) : بَعْدَ انْقِضَاءِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي عَدَّتْهَا لِلْحَيْضِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْعَادَةِ لَا لِلتَّمْيِيزِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ ( وَهَذَا ) : أَيْ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ قَوْلُهُ : فَأَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ( وَهْمٌ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ) : فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ حَافِظًا مُتْقِنًا قَدْ وَهِمَ فِي رِوَايَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ( لَيْسَ هَذَا ) : اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ ( فِي حَدِيثِ الْحُفَّاظِ ) : كَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ وَيُونُسَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَسَتَعْرِفُ أَلْفَاظَهُمْ بِتَمَامِهَا بَعْدَ هَذَا الْبَابِ . ( إِلَّا مَا ذَكَرَ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ) : عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فَأَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ سُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ رَوَوا عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ مَا رَوَاهُ سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ قَوْلُهُ : فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ ( لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ) : أَيْ فِي حَدِيثِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْوَهْمَ لَيْسَ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بَلْ مِنْ رَاوِيهِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، فَهُوَ ذَكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَمَّا الْحُمَيْدِيُّ فَلَمْ يَذْكُرْهَا ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَازَمَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ جُمْلَةَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا لَيْسَتْ بِمَحْفُوظَةٍ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ وَهِمَ فِيهِ ، وَالْمَحْفُوظُ فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ إِنَّمَا قَوْلُهُ : فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْعُدَ الْأَيَّامَ كَانَتْ تَقْعُدُ وَمَعْنَى الْجُمْلَتَيْنِ وَاحِدٌ ، لَكِنَّ الْمُحَدِّثِينَ مُعْظَمُ قَصْدِهِمْ إِلَى ضَبْطِ الْأَلْفَاظِ الْمَرْوِيَّةِ بِعَيْنِهَا ، فَرَوَوْهَا كَمَا سَمِعُوا ، وَإِنِ اخْتَلَطَتْ رِوَايَةُ بَعْضِ الْحُفَّاظِ فِي بَعْضٍ مَيَّزُوهَا وَبَيَّنُوهَا . ( وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ إِلَخْ ) : وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءً وَمَكْحُولًا وَالنَّخَعِيَّ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمَ مِنَ التَّابِعِينَ ، كُلُّهُمْ قَالُوا إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، فَهَؤُلَاءِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَابِ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ قَالَ تَدَعُ الصَّلَاةَ فِي عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ ، فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ تَرْجِعُ الْمُسْتَحَاضَةُ إِلَى عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ إِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ قَالَا : ثنا زُهَيْرٌ ، نا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ؟ قَالَ : إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، فإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي . ( أُسْتَحَاضُ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ ، يُقَالُ اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ : إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ ( فَلَا أَطْهُرُ ) : لِأَنَّهَا اعْتَقَدَتْ أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْرِ عَنِ اتِّصَالِهِ ( أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ ) : أَيْ أَيَكُونُ لِي حُكْمُ الْحَائِضِ فَأَتْرُكَهَا ( قَالَ إِنَّمَا ذَلِكِ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ ( بِالْحَيْضَةِ ) : قَالَ الْحَافِظُ : الْحَيْضَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ كَمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَوْ كُلِّهِمْ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اخْتَارَ الْكَسْرَ لَكِنِ الْفَتْحُ هَاهُنَا أَظْهَرُ ( فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ أَيَّامُ حَيْضَتِكِ فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى الْعَادَةِ أَوِ الْحَالِ الَّتِي تَكُونُ لِلْحَيْضِ مِنْ قُوَّةِ الدَّمِ فِي اللَّوْنِ وَالْقَوَامِ ، فَيَكُونُ رَدًّا إِلَى التَّمْيِيزِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يَجُوزُ هَاهُنَا الْكَسْرُ أَيْ عَلَى إِرَادَةِ الْحَالَةِ وَالْفَتْحُ عَلَى الْمَرَّةِ جَوَازًا حَسَنًا ( فَإِذَا أَدْبَرَتِ ) : الْحَيْضَةُ وَهُوَ ابْتِدَاءُ انْقِطَاعِهَا ، وَالْمُرَادُ بِالْإِقْبَالِ ابْتِدَاءُ دَمِ الْحَيْضِ ( فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي ) : أَيْ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ كَمَا جَاءَ فِي التَّصْرِيحِ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ . وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرِ الِاغْتِسَالَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الدَّمِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ بِإِسْنَادِ زُهَيْرٍ وَمَعْنَاهُ قَالَ : فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي الدَّمَ عَنْكِ وَصَلِّي . ( فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا ) : أَيْ قَدْرُ الْحَيْضَةِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ أَوْ عَلَى مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ بِاجْتِهَادِهَا أَوْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَادَتِهَا فِي حَيْضَتِهَا . فِيهِ احْتِمَالَاتٌ ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ ، عَنْ أُمِّ ذَرَّةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نَزَلْتُ عَنْ الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ ، فَلَمْ نَقْرُبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ . ( عَنِ الْمِثَالِ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ ثُمَّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمِثَالُ هُوَ الْفِرَاشُ ( عَلَى الْحَصِيرِ ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : الْحَصِيرُ الْبَارِيَّةُ وَجَمْعُهَا حُصُرٌ مِثْلَ بَرِيدٍ وَبُرُدٍ ( فَلَمْ نَقْرَبْ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْقُرْبُ عَلَى الْغِشْيَانِ . انْتَهَى . قُلْتُ : التَّأْوِيلُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِتَجْتَمِعَ الرِّوَايَاتُ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا فِي فَوْحِ حَيْضَتِنَا أَنْ نَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُنَا ، وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ ؟ ( يَأْمُرُنَا فِي فَوْحِ حَيْضَتِنَا ) فَوْحٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَوْحُ الْحَيْضِ مُعْظَمُهُ وَأَوَّلُهُ مِثْلُهُ فَوْعَةُ الدَّمِ ، يُقَالُ : فَاحَ وَفَاعَ بِمَعْنًى ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ السَّيْرِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ حَتَّى تَذْهَبَ فَوْعَتُهُ يُرِيدُ إِقْبَالَ ظُلْمَتِهِ كَمَا جَاءَ النَّهْيُ عَنِ السَّيْرِ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَوْلُهَا : حَيْضَتِنَا بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيِ الْحَيْضِ ( يَمْلِكُ إِرْبَهُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهَمَا الْإِرْبُ مَكْسُورَةُ الْأَلِفِ وَالْآخَرُ الْأَرَبُ مَفْتُوحَةُ الْأَلِفِ وَالرَّاءِ وَكِلَاهُمَا مَعْنَاهُ وَطَرُ النَّفْسِ وَحَاجَتُهَا انْتَهَى . وَالْمُرَادُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَمْلَكَ النَّاسِ لِأَمْرِهِ فَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ مَا يُخْشَى عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْ يَحُومَ حَوْلَ الْحِمَى ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يُبَاشِرُ فَوْقَ الْإِزَارِ تَشْرِيعًا لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ فَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ بِمَا عَدَاهُ ، وَبَعْضُهَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ ، وَبَعْضُهَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ أَيْضًا لَكِنْ مَعَ وَضْعِ شَيْءٍ عَلَى الْفَرْجِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : إِنَّ مُبَاشَرَةَ الْحَائِضِ أَقْسَامٌ ؛ أَحَدُهَا أَنْ يُبَاشِرَهَا بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ وَهَذَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ . الثَّانِي أَنْ يُبَاشِرَهَا بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ بِالذَّكَرِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ حَلَالٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء . الثَّالِثُ الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا بَيْنَ السُّرَّةِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْأَشْهَرُ مِنْهَا التَّحْرِيمُ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَالثَّانِي عَدَمُ التَّحْرِيمِ مَعَ الْكَرَاهَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الْوَجْهُ أَقْوَى مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، وَالثَّالِثُ إِنْ كَانَ الْمُبَاشِرُ يَضْبِطُ نَفْسَهُ عَنِ الْفَرْجِ وَيَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِاجْتِنَابِهِ إِمَّا لِضَعْفِ شَهْوَتِهِ أَوْ لِشِدَّةِ وَرَعِهِ جَازَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْجَوَازِ عِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَرَجَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَصْبَغَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ . قُلْتُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ مِنْ جَوَازِ الْمُبَاشَرَةِ بِالْحَائِضِ بِجَمِيعِ عُضْوِهَا مَا خَلَا الْجِمَاعَ هُوَ قَوْلٌ مُوَافِقٌ لِلْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، نا عَبْدُ اللَّهِ ، يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غُرَابٍ قَالَ : إِنَّ عَمَّةً لَهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِحْدَانَا تَحِيضُ وَلَيْسَ لَهَا وَلِزَوْجِهَا إِلَّا فِرَاشٌ وَاحِدٌ ، قَالَتْ : أُخْبِرُكِ بِمَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، دَخَلَ فَمَضَى إِلَى مَسْجِدِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : تَعْنِي مَسْجِدَ بَيْتِهِ فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي وَأَوْجَعَهُ الْبَرْدُ فَقَالَ : ادْنِي مِنِّي فَقُلْتُ : إِنِّي حَائِضٌ ، فَقَالَ : وَإِنْ ، اكْشِفِي عَنْ فَخِذَيْكِ فَكَشَفْتُ فَخِذَيَّ ، فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذِي ، وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ وَنَامَ ( عَنْ عُمَارَةَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ غُرَابٍ ) بِضَمِّ الْغَيْنِ . قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : هُوَ مَجْهُولٌ ( مَسْجِدَ بَيْتِهِ ) أَيِ الْمَوْضِعَ الَّذِي اتَّخَذَهُ فِي الْبَيْتِ لِلصَّلَاةِ ( حَتَّى غَلَبَتْنِي عَيْنِي ) أَيْ نِمْتُ ( فَقَالَ ادْنِي ) مِنْ دَنَا يَدْنُو أَيِ اقْرُبِي ( وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ ) أَيْ عَطَفْتُ ظَهْرِي وَكَبَبْتُ عَلَيْهِ ( حَتَّى دَفِئَ ) دَفِئَ يَدْفَأُ مَهْمُوزٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ أَيْ سَخِنَ بِمُلَاقَاةِ الْبَشَرَةِ وَمُلَامَسَتِهَا وَإِيصَالِ الْحَرَارَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : عُمَارَةُ بْنُ غُرَابٍ وَالرَّاوِي عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيُّ وَالرَّاوِي عَنِ الْأَفْرِيقِيِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ وَكُلُّهُمْ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ قَالَ : سَمِعْتُ خِلَاس الْهَجَرِيَّ قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ، وَإِنْ أَصَابَ تَعْنِي ثَوْبَهُ مِنْهُ شَيْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ( فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ ) الشِّعَارُ بِكَسْرِ الشِّينِ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنَ الثِّيَابِ ، شَاعَرْتُهَا نِمْتُ مَعَهَا فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ وَالِاضْطِجَاعِ مَعَهَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَهُوَ الشِّعَارُ مِنْ غَيْرِ إِزَارٍ يَكُونُ عَلَيْهَا ( وَأَنَا حَائِضٌ طَامِثٌ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : طَمَثَتِ الْمَرْأَةُ تَطْمُثُ بِالضَّمِّ وَطَمِثَتْ بِالْكَسْرِ لُغَةٌ فَهِيَ طَامِثٌ . انْتَهَى . فَقَوْلُهُ طَامِثٌ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ حَائِضٌ ( فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ ) مِنْ دَمِ الْحَيْضِ ( وَلَمْ يَعْدُهُ ) بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ ، أَيْ لَمْ يُجَاوِزْ مَوْضِعَ الدَّمِ إِلَى غَيْرِهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَوْضِعِ الدَّمِ ( وَإِنْ أَصَابَ تَعْنِي ثَوْبَهُ ) هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ أَظْهَرَ مَفْعُولَ أَصَابَ أَيْ إِنْ أَصَابَ ثَوْبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْعَوْدِ ( مِنْهُ ) مِنَ الدَّمِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنِّي كَمَا فِي الرِّوَايَةِ لِلنَّسَائِيِّ الْآتِيَةِ ( شَيْءٌ ) فَاعِلُ أَصَابَ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ بِإِسْنَادِهِ ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ مِنْ لَفْظِ الْمُؤَلِّفِ وَأَوْضَحُ وَلَفْظُهُ : كُنْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ وَأَنَا طَامِثٌ حَائِضٌ ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ وَصَلَّى فِيهِ ، ثُمَّ يَعُودُ فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ وَصَلَّى فِيهِ ، فَمُفَادُ الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ ثُمَّ يَعُودُ لَكِنَّهُ مُرَادٌ وَالْأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَهُوَ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا ، وَقَالَ مَرَّةً : يُبَاشِرُهَا . ( أَنْ تَتَّزِرَ ) أَيْ تَشُدَّ إِزَارًا يَسْتُرُ سُرَّتَهَا وَمَا تَحْتَهَا إِلَى الرُّكْبَةِ فَمَا تَحْتَهَا . وَقَوْلُهُ تَتَّزِرُ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ أَنْ تَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَهِيَ أَفْصَحُ ، وَيَأْتِي حَدِيثُ عَائِشَةَ أَيْضًا فِي آخِرِ الْبَابِ بِلَفْظِ : يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَّزِرَ وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، وَأَنْكَرَهُ أَكْثَرُ النُّحَاةِ وَأَصْلُهُ فَنَأْتَزِرَ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَعَوَامُّ الْمُحَدِّثِينَ يُحَرِّفُونَهُ فَيَقْرَءُونَ بِأَلِفٍ وَتَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ، أَيِ اتَّزَرَ وَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ افْتَعَلَ ، فَفَاؤُهُ هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ . وَقَطَعَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِخَطَأِ الْإِدْغَامِ . وَقَدْ حَاوَلَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ وَقَالَ : إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ كَاتَّكَلَ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ ( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتُّمِنَ ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَتَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً ، فَهُوَ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ ، فَإِنْ صَحَّ عَنْهَا كَانَ حُجَّةً فِي الْجَوَازِ لِأَنَّهَا مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا خَطَأَ . نَعَمْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ ، وَحَكَاهُ الصَّغَانِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ . كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالْإِرْشَادِ ( ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا وَقَالَ مَرَّةً يُبَاشِرُهَا ) . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : انْفَرَدَ الْمُؤَلِّفُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ ذِكْرُ الزَّوْجِ فَيَحْتَمِلُ الْوَجْهَينِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَتْ بِزَوْجِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَتِ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ وَعَبَّرَتْ عَنْهُ بِالزَّوْجِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ وغَيْرِهِ : وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرَ فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ ، وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا أَوَّلًا يَأْمُرُ إِحْدَانَا لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا إِحْدَى الْمُسْلِمَاتِ ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَأْمُرَ كُلَّ مُسْلِمَةٍ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرَهَا زَوْجُهَا ، لَكِنْ جَعْلُ الرِّوَايَاتِ مُتَّفِقَةً أَوْلَى وَلَا سِيَّمَا مَعَ اتِّحَادِ الْمَخَرَجِ ، وَمَعَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ هَذَا الْحُكْمُ فِي حَقِّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ثَبَتَ فِي حَقِّ سَائِرِ النِّسَاءِ . انْتَهَى . فَشُعْبَةُ شَاكٌّ فِيهِ ; مَرَّةً يَقُولُ : ثُمَّ يُضَاجِعُهَا زَوْجُهَا وَمَرَّةً يَقُولُ : ثُمَّ يُبَاشِرُهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ( كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا ) مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ ( أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا ) لِيَكُونَ حَائِلًا وَحَاجِزًا مِنْ مَسِّ الْبَشَرَتَيْنِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْهَا مَا دُونَ الْجِمَاعِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ ، ثَنَي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ ، عَنْ نُدْبَةَ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ ، عَنْ مَيْمُونَةَ قالت : إنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ إِلَى أَنْصَافِ الْفَخِذَيْنِ أَوْ الرُّكْبَتَيْنِ تَحْتَجِزُ بِهِ بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْهَا مِنَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ ( مَا دُونَ الْجِمَاعِ ) مِنْ مُلَابَسَتِهَا مِنَ السُّرَّةِ إِلَى الرُّكْبَةِ . ( عَنْ نُدْبَةَ مَوْلَاةِ مَيْمُونَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : نُدْبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَيُقَالُ فَتْحُهَا وَسُكُونِ الدَّالِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَيُقَالُ بِمُوَحَّدَةٍ أَوَّلَهَا مَعَ التَّصْغِيرِ مَقْبُولَةٌ ( يُبَاشِرُ الْمَرْأَةَ ) الْمُبَاشَرَةُ هِيَ الْمُلَامَسَةُ وَالْمُعَاشَرَةُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْطَجِعُ مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ ( إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ ) وَهُوَ مَا يُسْتَرُ بِهِ الْفُرُوجُ ( إِلَى أَنْصَافِ الْفَخِذَيْنِ ) الْأَنْصَافُ جَمْعُ نِصْفٍ وَهُوَ أَحَدُ شِقَّيِ الشَّيْءِ ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْجَمْعِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ إِضَافَةُ مُثَنَّى إِلَى الْمُثَنَّى يُعَبَّرُ عَنِ الْأَوَّلِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ( أَوِ الرُّكْبَتَيْنِ ) هَكَذَا فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ بِلَفْظِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ . وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ : وَالرُّكْبَتَيْنِ بِالْوَاوِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَوْ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضَاجِعُ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَائِهِ وَهِيَ حَائِضٌ وَيَسْتَمْتِعُ بِهَا إِذَا كَانَ عَلَيْهَا إِزَارٌ يَبْلُغُ أَنْصَافَ فَخِذَيْهَا أَوْ رُكْبَتَيْهَا ( تَحْتَجِزُ ) تِلْكَ الْمَرْأَةُ ( بِهِ ) بِالْإِزَارِ . وَهَذِهِ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَالْحَجْزُ الْمَنْعُ ، وَالْحَاجِزُ الْحَائِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ، أَيْ تَشُدُّ الْإِزَارَ عَلَى وَسَطِهَا لِتَصُونَ الْعَوْرَةَ وَمَا لَا يَحِلُّ مُبَاشَرَتُهُ عَنْ قُرْبَانِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَنْفَصِلُ مِئْزَرُهَا عَنِ الْعَوْرَةِ . وَيَجِيءُ تَحْقِيقُ الْمَذَاهِبِ وَالْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ فِي آخِرِ الْبَابِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ خَرَّبُوذَ ، عَنْ أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ : اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ( ابْنِ خَرَّبُوذَ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَفْتُوحَةً وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ثُمَّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ آخِرًا : هُوَ سَالِمُ بْنُ سَرْجٍ أَبُو النُّعْمَانِ الْمَدَنِيُّ عَنْ مَوْلَاتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ : مَنْ قَالَ ابْنُ سَرْجٍ عَرَّبَهُ ، وَمَنْ قَالَ ابْنُ خَرَّبُوذَ أَرَادَ بِهِ الْإِكَافَ بِالْفَارِسِيَّةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ سَالِمَ بْنَ النُّعْمَانِ ( عَنْ أُمِّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ ) : بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا مَعَ التَّثْقِيلِ : هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَهِيَ جَدَّةُ خَارِجَةَ بْنِ الْحَارِثِ . وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : إِنَّ أُمَّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ قهْدٍ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو نُعَيْمٍ . قَالَ الْحَافِظُ : فَأَصَابَ ، أَيْ أَبُو نُعَيْمٍ . وَفِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ : إِنَّهَا قَدْ أَدْرَكَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ مَاجَهْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ أُمُّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ ، فَذَكَرْتُ لِأَبِي زُرْعَةَ ، فَقَالَ : صَدَقَ . ( اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ كَانَ يَغْتَرِفُ تَارَةً قَبْلَهَا وَتَغْتَرِفُ هِيَ تَارَةً قَبْلَهُ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ : فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي . زَادَ النَّسَائِيُّ : وَأُبَادِرُ حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي ( فِي الْوُضُوءِ ) : بِضَمِّ الْوَاوِ ، أَيْ فِي التَّوَضُّؤِ ( مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ) : مُتَعَلِّقٍ بِالْوُضُوءِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ اغْتِرَافِ الْجُنُبِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّطَهُّرِ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَا بِمَا يَفْضُلُ مِنْهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ انْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْزِيهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُسْتَقْذَرَ ، لَا لِكَوْنِهِ يَصِيرُ نَجِسًا بِانْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ بَدَنِ الْجُنُبِ وَبَيْنَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَحَكَى أَنَّ أُمَّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ . انْتَهَى .
بَابُ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قال : حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ بَابُ الْوُضُوءِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْوُضُوءُ بِفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ . وَالْفَضْلُ : هُوَ بَقِيَّةُ الشَّيْءِ أَيِ اسْتِعْمَالُ مَا يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ مِنَ الْمَاءِ بَعْدَمَا شَرَعَتِ الْمَرْأَةُ فِي وُضُوئِهَا أَوْ غُسْلِهَا سَوَاءٌ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ فَرَاغٍ مِنْ تَطْهِيرِهَا ، فِيهِ صُورَتَانِ ، وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى وَهِيَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَهَا صَرِيحَةً وَعَلَى الثَّانِيَةِ اسْتِنْبَاطًا ، أَوْ بِانْضِمَامِ أَحَادِيثَ أُخْرَى . ( كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ ( وَنَحْنُ جُنُبَانِ ) : هَذَا بِنَاءً عَلَى إِحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي الْجُنُبِ أَنَّهُ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ ، فَيُقَالُ : جُنُبٌ وَجُنُبَانِ وَجُنُبونَ وَأَجْنَابٌ ، وَاللُّغَةُ الْأُخْرَى رَجُلٌ جُنُبٌ وَرَجُلَانِ جُنُبٌ وَرِجَالٌ جُنُبٌ وَنِسَاءٌ جُنُبٌ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . وَأَصْلُ الْجَنَابَةِ فِي اللُّغَةِ : الْبُعْدُ ، وَيُطْلَقُ الْجُنُبُ عَلَى الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِجِمَاعٍ أَوْ خُرُوجِ مَنِيٍّ لِأَنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْمَسْجِدَ وَيَتَبَاعَدُ عَنْهَا . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ فَضْلِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمَّا اغْتَرَفَتْ بِيَدِهَا مِنَ الْقَدَحِ وَأَخَذَتِ الْمَاءَ مِنْهُ الْمَرَّةَ الْأُولَى صَارَ الْمَاءُ بَعْدَهَا مِنْ فَضْلِهَا ، وَمَا كَانَ أَخْذُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إِلَّا مِنْ فَضْلِهَا ، وَأَمَّا مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلْبَابِ فَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ كَانَ الْغُسْلُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْوُضُوءِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، ( ح ) وحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مُسَدَّدٌ : مِنْ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ جَمِيعًا . ( فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إِلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ خِلَافُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِتَوَفُّرِ دَوَاعِي الصَّحَابَةِ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ لَهُمْ وَمِنْهُمْ وَلَوْ لَمْ يَسْأَلُوهُ لَمْ يُقَرُّوا عَلَى غَيْرِ الْجَائِزِ مِنَ الْأَفْعَالِ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ ( قَالَ مُسَدَّدٌ ) : وَحْدَهُ فِي رِوَايَتِهِ ( مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ ) : ثُمَّ اتَّفَقَا بِقَوْلِهِمَا ( جَمِيعًا ) : فَلَفْظُ مُسَدَّدٍ : كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ جَمِيعًا وَلَفْظُ عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا فَقَوْلُهُ جَمِيعًا ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاءَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ . وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ هَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَهَؤُلَاءِ عَلَى حِدَةٍ وَالزِّيَادَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ تَرُدُّ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ اسْتَبْعَدَ اجْتِمَاعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْأَجَانِبِ ، وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ التِّينِ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ : كَانَ الرِّجَالُ يَتَوَضَّئُونَ وَيَذْهَبُونَ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ فَتَتَوَضَّأْنَ ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعًا . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْجَمِيعُ ضِدُّ الْمُفْتَرِقِ ، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاءِ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاءُ مَعَهُمْ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كُلُّهُمْ يَتَطَهَّرُ مِنْهُ . قَالَهُ الْحَافِظُ . قَالَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثَنَا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قال : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ وَالنِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا ( نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا ) : هُوَ مِنَ الْإِدْلَاءِ وَمِنَ التَّفْعِيلِ وَالْأَوَّلُ لُغَةُ الْقُرْآنِ . كَذَا فِي التَّوَسُّطِ ، يُقَالُ : أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ فِي الْبِئْرِ وَدَلَّيْتُهَا إِذَا أَرْسَلْتُهَا فِي الْبِئْرِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاغْتِرَافَ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُصَيِّرُهُ مُسْتَعْمَلًا لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ كَانَتْ صِغَارًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ . وَأَمَّا اجْتِمَاعُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِلْوُضُوءِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَلَا مَانِعَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِمِ . وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ ثُمَّ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُنْهَى عَنْهُ ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ، نا جَعْفَرٌ ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا أَصَابَهَا فِي أَوَّلِ الدَّمِ فَدِينَارٌ ، وَإِذَا أَصَابَهَا فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ . ( عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) مَوْقُوفًا عَلَيْهِ : ( إِذَا أَصَابَهَا ) إِذَا جَامَعَهَا ، ( فِي الدَّمِ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي أَوَّلِ الدَّمِ ، ( وَكَذَلِكَ ) أَيْ مِثْلِ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ .
بَابٌ فِي إِتْيَانِ الْحَائِضِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، قال : حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ، قَالَ : يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ قَالَ دِينَارٌ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ ، وَرُبَّمَا لَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ . بَابٌ فِي إِتْيَانِ الْحَائِضِ بِالْجِمَاعِ فِي فَرْجِهَا مَا حُكْمُهُ . ( يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ ) يَكُونُ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِإِثْمِهِ ( هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ قَالَ : دِينَار ، أو نِصْفَ دِينَارٍ ) أَيْ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِلَفْظِ : دِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ بِحَرْفِ أَوْ عَلَى التَّخْيِيرِ هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا التَّفْصِيلُ أَوِ الِاقْتِصَارُ عَلَى نِصْفِ دِينَارٍ ، فَلَيْسَتْ مِثْلَهَا فِي الصِّحَّةِ : ( وَرُبَّمَا لَمْ يَرْفَعْهُ شُعْبَةُ ) ، بَلْ رَوَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ ، نا شَرِيكٌ ، عَنْ خُصَيْفٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ بُذَيْمَةَ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ، وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : آمُرُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمْسَيْ دِينَارٍ وَهَذَا مُعْضَلٌ . ( فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ ) فِيهِ اقْتِصَارٌ عَلَى نِصْفِ دِينَارٍ ، ( وَكَذَا ) أَيْ مِثْلِ رِوَايَةِ خُصَيْفٍ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى نِصْفِ دِينَارٍ ، ( بَذِيمَةَ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ، ( أَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمُسَيْ دِينَارٍ ) ، هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بِتَمَامِهِ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، قَالَ : كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ امْرَأَةٌ تَكْرَهُ الْجِمَاعَ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَهَا اعْتَلَّتْ عَلَيْهِ بِالْحَيْضِ ، فَوَقَعَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ صَادِقَةٌ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمُسَيْ دِينَارٍ . ( وَهَذَا مُعْضَلٌ ) بِفَتْحِ الضَّادِ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ ، وَهُوَ مَا سَقَطَ مِنْ سَنَدِهِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ سُقُوطُ اثْنَيْنِ عَلَى التَّوَالِي ، فَلَوْ سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَآخَرَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ السَّنَدِ لَمْ يَكُنْ مُعْضَلًا بَلْ مُنْقَطِعًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَمُرْسَلًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا يَصِحُّ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا . وَالذِّمَمُ بَرِيئَةٌ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْحُجَّةُ بِشَغْلِهَا ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، فَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَمُرْسَلًا وَمُعْضَلًا . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قِيلَ لِشُعْبَةَ : إِنَّكَ كُنْتَ تَرْفَعُهُ ، قَالَ : إِنِّي كُنْتُ مَجْنُونًا فَصَحَحْتُ ، وَأَمَّا الِاضْطِرَابُ فِي مَتْنِهِ فَرُوِيَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِ دِينَارٍ عَلَى الشَّكِّ ، وَرُوِيَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ ، وَرُوِيَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يُصِيبَهَا فِي الدَّمِ أَوِ انْقِطَاعِ الدَّمِ ، وَرُوِيَ يَتَصَدَّقُ بِخُمُسَيْ دِينَارٍ ، وَرُوِيَ بِنِصْفِ دِينَارٍ ، وَرُوِيَ إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَدِينَارٌ وإِنْ كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ ، وَرُوِيَ إِنْ كَانَ الدَّمُ عَبِيطًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ وَإِنْ كَانَ صُفْرَةً فَنِصْفُ دِينَارٍ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . قُلْتُ : وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ قَتَادَةُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ قَدِيمًا ، ثُمَّ قَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مَحْظُورٌ كَالْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ . وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْسَلٌ أَوْ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَا يَصِحُّ مُتَّصِلًا مَرْفُوعًا وَالذِّمَمُ بَرِيئَةٌ إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْحُجَّةُ بِشَغْلِهَا ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِذَا أَصَابَهَا فِي فَوْرِ الدَّمِ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ وَإِنْ كَانَ فِي آخِرِهِ فَنِصْفُ دِينَارٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : دِينَارٌ لِلْحَائِضِ وَنِصْفُ دِينَارٍ إِذَا أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَغْتَسِلَ . وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الدِّينَارِ وَنِصْفِ الدِّينَارِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : عَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ وَقَعَ عَلَى أَهْلِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ . انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ .
بَابٌ فِي الْحَائِضِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا وُهَيْبٌ ، نا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ مُعَاذَةَ قالت : إنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ : أَتَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ ؟ فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ لَقَدْ كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا نَقْضِي وَلَا نُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ . بَابٌ فِي الْحَائِضِ لَا تَقْضِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ حَيْضِهَا . ( فَقَالَتْ : أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ ؟ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْأُولَى ، قَالَ السَّمْعَانِيُّ : هُوَ مَوْضِعٌ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْكُوفَةِ كَانَ أَوَّلُ اجْتِمَاعِ الْخَوَارِجِ بِهِ ، قَالَ الْهَرَوِيُّ : تَعَاقَدُوا فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فَنُسِبُوا إِلَيْهَا ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ : وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : وَيُقَالُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ حَرُورِيٌّ ، لِأَنَّ أَوَّلَ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْبَلْدَةِ الْمَذْكُورَةِ ، فَاشْتَهَرُوا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا ، وَهُمْ فِرَقٌ كَثِيرَةٌ ، لَكِنْ مِنْ أُصُولِهِمُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَهُمُ الْأَخْذُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَرَدُّ مَا زَادَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مُطْلَقًا ، وَلِذَا اسْتَفْهَمَتْ عَائِشَةُ مُعَاذَةَ اسْتِفْهَامَ إِنْكَارٍ ( فَلَا نَقْضِي ) الصَّلَاةَ ( وَلَا نُؤْمَرُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِالْقَضَاءِ ) أَيْ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ زَمَنَ الْحَيْضِ ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَأَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو ، أَنَا سُفْيَانُ ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَزَادَ فِيهِ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ . ( وَزَادَ ) مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ ( فِيهِ ) أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ أَنَّ الصَّلَاةَ تَتَكَرَّرُ فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا ، لِلْحَرَجِ بِخِلَافِ الصِّيَامِ .
بَابٌ الْحَائِض تُنَاوِلُ مِنْ الْمَسْجِدِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ قُلْتُ : إِنِّي حَائِضٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ بَابُ الْحَائِضِ تُنَاوِلُ أَيْ تَأْخُذُ شَيْئًا ( مِنَ الْمَسْجِدِ ) وَهِيَ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَتُعْطِيهِ رَجُلًا آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ . ( نَاوِلِينِي ) ، أَيْ : أَعْطِينِي ( الْخُمْرَةَ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ السَّجَّادَةُ الَّتِي يَسْجُدُ عَلَيْهَا الْمُصَلِّي ، وَيُقَالُ : سُمِّيَتْ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا تُخَمِّرُ وَجْهَ الْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ أَيْ تَسْتُرُهُ ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا قَدْرَ مَا يَضَعُ الرَّجُلُ حُرَّ وَجْهِهِ فِي سُجُودِهِ . وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : جَاءَتْ فَأْرَةٌ ، فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ ، فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا ، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِإِطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْوَجْهِ . وَفِي النِّهَايَةِ لِابْنِ الْأَثِيرِ : هِيَ مِقْدَارُ مَا يَضَعُ عَلَيْهِ وَجْهَهُ فِي سُجُودِهِ مِنْ حَصِيرٍ أَوْ نَسِيجَةِ خُوصٍ وَنَحْوِهِ مِنَ النَّبَاتِ . وَفِي حَدِيثِ الْفَأْرَةِ تَصْرِيحٌ فِي إِطْلَاقِ الْخُمْرَةِ عَلَى الْكَبِيرِ مِنْهَا ، ( مِنَ الْمَسْجِدِ ) اخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِهِ ؛ فَبَعْضُهُمْ قَالُوا : مُتَعَلِّقٌ بِنَاوِلِينِي ، وَآخَرُونَ قَالُوا : مُتَعَلِّقٌ بِقَالَ . أَيْ قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَسْجِدِ . ذَهَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِلَى الثَّانِي وَقَالَ : مَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ ، أَيْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لِتُنَاوِلَهُ إِيَّاهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ لَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تُخْرِجَ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ . فَإِنَّمَا خَافَتْ مِنْ إِدْخَالِ يَدِهَا الْمَسْجِدَ ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهَا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْيَدِ مَعْنًى . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْمُؤَلِّفُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْخَطَّابِيُّ وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ . قُلْتُ : هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِيهِ خَفَاءٌ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَنْبُوزٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ ، وَتَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَتَبْسُطَهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَالْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَتَقِفُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ حَائِضٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ ، وَصَوَابُهَا بِالْكَسْرِ أَيِ الْحَالَةُ وَالْهَيْئَةُ ، وَأَنْكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا عَلَى الْخَطَّابِيِّ ، وَقَالَ : الصَّوَابُ هَاهُنَا مَا قَالَهُ الْمُحَدِّثُونَ مِنَ الْفَتْحِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الدَّمُ وَهُوَ الْحَيْضُ بِالْفَتْحِ بِلَا شَكٍّ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ، مَعْنَاهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا ، وَهِيَ دَمُ الْحَيْضِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ : فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي ، فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ الْكَسْرُ . هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ مِنَ الْفَتْحِ هُوَ الظَّاهِرُ هَاهُنَا ، وَلِمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَجْهٌ . انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَتَعَرَّقُ الْعَظْمَ وَأَنَا حَائِضٌ ، فَأُعْطِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَمَهُ فِي مَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ وَضَعْتُهُ ، وَأَشْرَبُ الشَّرَابَ فَأُنَاوِلُهُ فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنْتُ أَشْرَبُ مِنْهُ . ( أَتَعَرَّقُ الْعَظْمَ ) يُقَالُ : عَرَقْتَ الْعَظْمَ وَتَعَرَّقْتَهُ وَاعْتَرَكتَهُ إِذَا أَخَذْتَ عَنْهُ اللَّحْمَ بِأَسْنَانِكَ ، أَيْ آخُذُ مَا عَلَى الْعَظْمِ مِنَ اللَّحْمِ بِأَسْنَانِي ( فَأُعْطِيهِ ) أَيْ ذَلِكَ الْعَظْمَ الَّذِي أَخَذْتُ مِنْهُ اللَّحْمَ ( فَيَضَعُ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَضَعْتُهُ ) فَمِي ( فَأُنَاوِلُهُ ) أَيْ أُعْطِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْمُؤَاكَلَةِ ، وَالْمُشَارَبَةِ مَعَ الْحَائِضِ وَأَنَّ سُؤْرَهَا وَفَضْلَهَا طَاهِرَانِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، خِلَافًا لِلْبَعْضِ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ ، وَهُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ مُواكَلَةِ الْحَائِضِ وَمُجَامَعَتِهَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، أنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قال : إنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتْ مِنْهُمْ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْبَيْتِ ، وَلَمْ يُواكِلُوهَا وَلَمْ يُشَارِبُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى ذكره : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ فَقَالَتْ الْيَهُودُ : مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِنَا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا ، فَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا ، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا ، فَظَنَنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا بَابُ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ أَيِ الْأَكْلِ مَعَ الْحَائِضِ ( وَمُجَامَعَتِهَا ) أَيْ مُخَالَطَتِهَا فِي الْبَيْتِ وَقْتَ الْحَيْضِ مَاذَا حُكْمُهَا ؟ ( وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا ) أَيْ لَمْ يَأْكُلُوا مَعَهَا وَلَمْ تَأْكُلْن مَعَهُمْ ( وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبَيْتِ ) أَيْ لَمْ يُخَالِطُوهَا وَلَمْ يُسَاكِنُوهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( عَنْ ذَلِكَ ) أَيْ فِعْلِ الْيَهُودِ مَعَ نِسَائِهِمْ مِنْ تَرْكِ الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُشَارَبَةِ وَالْمُجَالَسَةِ مَعَهَا عَنِ الْمَحِيضِ أَيِ الْحَيْضِ أَوْ مَكَانِهِ مَاذَا يُفْعَلُ بِالنِّسَاءِ فِيهِ قُلْ هُوَ أَذًى قَذَرٌ أَوْ مَحَلُّهُ أَيُّ شَيْءٍ يُتَأَذَّى بِهِ أَيْ بِرَائِحَتِهِ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ أَيِ اتْرُكُوا وَطْأَهُنَّ فِي الْمَحِيضِ أَيْ وَقْتَهُ أَوْ مَكَانَهُ ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا الِاعْتِزَالِ تَرْكُ الْمُجَامَعَةِ لَا تَرْكُ الْمُجَالَسَةِ وَالْمُلَابَسَةِ ( جَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ ) أَيْ خَالِطُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ بِالْمُجَالَسَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ وَالْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُشَارَبَةِ ( وَاصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ ) مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ كَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ بِالذَّكَرِ أَوِ الْقُبْلَةِ أَوِ الْمُعَانَقَةِ أَوِ اللَّمْسِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ( غَيْرَ النِّكَاحِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ الْجِمَاعُ إِطْلَاقٌ لِاسْمِ السَّبَبِ بِاسْمِ الْمُسَبَّبِ ، لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ سَبَبٌ لِلْجِمَاعِ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ وَبَيَانٌ لِاعْتَزِلُوا . فَإِنَّ الِاعْتِزَالَ شَامِلٌ لِلْمُجَانَبَةِ عَنِ الْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُصَاحَبَةِ وَالْمُجَامَعَةِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِزَالِ تَرْكُ الْجِمَاعِ فَقَطْ لَا غَيْرُ ذَلِكَ ( فَقَالَتِ الْيَهُودُ مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ ) يَعْنُونَ بِهِ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ يَدَعَ ) مِنْ وَدَعَ أَيْ يَتْرُكَ ( إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ ) أَيْ فِي الْأَمْرِ الَّذِي نَفْعَلُهُ ( فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ) بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ ( وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ) بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَهُمَا صَحَابِيَّانِ مَشْهُورَانِ ( تَقُولُ كَذَا وَكَذَا ) فِي ذِكْرِ مُخَالَفَتِكَ إِيَّاهُمْ فِي مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ وَمُشَارَبَتِهَا وَمُصَاحَبَتِهَا ( أَفَلَا نَنْكِحُهُنَّ فِي الْمَحِيضِ ) أَيْ أَفَلَا نُبَاشِرُهُنَّ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ أَيْضًا ، لِكَيْ تَحْصُلَ الْمُخَالَفَةُ التَّامَّةُ مَعَهُمْ ، وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ ( فَتَمَعَّرَ ) كَتَغَيَّرَ وَزْنًا وَمَعْنًى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ تَغَيَّرَ ، وَالْأَصْلُ فِي التَّمَعُّرِ : قِلَّةُ النَّضَارَةِ وَعَدَمُ إِشْرَاقِ اللَّوْنِ وَمِنْهُ مَكَانٌ مَعِرٌ وَهُوَ الْجَدْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خِصْبٌ ( حَتَّى ظَنَنَّا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ عَلِمْنَا ، فَالظَّنُّ الْأَوَّلُ حُسْبَانٌ ، وَالْآخِرُ عِلْمٌ وَيَقِينٌ وَالْعَرَبُ تَحْمِلُ الظَّنَّ مَرَّةً حُسْبَانًا وَمَرَّةً عِلْمًا وَيَقِينًا ، وَذَلِكَ لِاتِّصَالِ طَرَفَيْهِمَا ، فَمَبْدَأُ الْعِلْمِ ظَنٌّ وَآخِرُهُ عِلْمٌ وَيَقِينٌ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ مَعْنَاهُ يُوقِنُونَ ( أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا ) يُقَالُ : وَجَدَ عَلَيْهِ يَجِدُ وَجْدًا وجدة وَمَوْجِدَةً بِمَعْنَى غَضِبَ ( فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ ) أَيْ جَاءَتْ مُقَابِلَةً لَهُمَا فِي حَالِ خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَادَفَ خُرُوجُهُمَا مَجِيءَ الْهَدِيَّةِ مُقَابِلَةً لَهُمَا ( فَبَعَثَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِي آثَارِهِمَا ) أَيْ وَرَاءَ خُطَاهُمَا لِطَلَبِهِمَا فَرَجَعَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَسَقَاهُمَا ) مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ ( فَظَنَنَّا أَنَّهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا ) أَيْ لَمْ يَغْضَبْ غَضَبًا شَدِيدًا بَاقِيًا ، بَلْ زَالَ غَضَبُهُ سَرِيعًا . وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ : الْأُولَى : جَوَازُ الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ غَيْرَ الْوَطْءِ وَالْمُؤَاكَلَةِ وَالْمُجَالَسَةِ مَعَهَا . وَالثَّانِيَةُ : الْغَضَبُ عَنِ انْتَهَاكِ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى . الثَّالِثَةُ : سُكُوتُ التَّابِعِ عِنْدَ غَضَبِ الْمَتْبُوعِ وَعَدَمِ مُرَاجَعَتِهِ لَهُ بِالْجَوَابِ إِنْ كَانَ الْغَضَبُ لِلْحَقِّ . الرَّابِعَةُ : الْمُؤَانَسَةُ وَالْمُلَاطَفَةُ بَعْدَ الْغَضَبِ عَلَى مَنْ غُضِبَ إِنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا . قال المنذري : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ صَفِيَّةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِي فَيَقْرَأُ وَأَنَا حَائِضٌ ( فِي حَجْرِي ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُ أَوَّلِهِ ( فَيَقْرَأُ وَأَنَا حَائِضٌ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُضْطَجِعًا وَمُتَّكِئًا عَلَى الْحَائِضِ ، وَبِقُرْبِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : ثنا زُهَيْرٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ : لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ . زَادَ مُسَدَّدٌ : وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا بَابُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ إِبَاحَتُهُ وَهُوَ الْوُضُوءُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَهَذَا النَّهْيُ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ سَابِقًا . ( عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ ) : هُوَ بِالتَّصْغِيرِ : ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ الْبَصْرِيُّ الْفَقِيهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي بَكْرَةَ وَعَنْهُ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ أَبِي وَحْشِيَّةَ ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ . قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : هُوَ أَفْقَهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، وَالْحِمْيَرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ ( لَقِيتُ رَجُلًا ) : وَدَعْوَى الْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ - أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُرْسَلِ - مَرْدُودَةٌ لِأَنَّ إِبْهَامَ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ ، وَقَدْ صَرَّحَ التَّابِعِيُّ بِأَنَّهُ لَقِيَهُ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ سِنِينَ ( قَالَ ) : الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِفَضْلِ الرَّجُلِ ) : أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْغُسْلِ أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْغُسْلِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَغْتَسِلَ مَعَهُ بِفَضْلِهِ وَلَا بَعْدَ غُسْلِهِ بِفَضْلِهِ ( بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ) : أَيْ بِالْمَاءِ الَّذِي يَفْضُلُ بَعْدَ فَرَاغِهَا مِنْ غُسْلِهَا أَوْ بَعْدَ شُرُوعِهَا فِي الْغُسْلِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَهَا بِفَضْلِهَا وَلَا بَعْدَ غُسْلِهَا بِفَضْلِهَا ( وَلْيَغْتَرِفَا ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَيْ لِيَأْخُذِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ غَرْفَةً غَرْفَةً مِنَ الْمَاءِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمَا مِنْهُ ( جَمِيعًا ) : أَيْ يَكُونُ اغْتِرَافُهُمَا جَمِيعًا لَا بِاخْتِلَافِ أَيْدِيهِمَا فِيهِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ . وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ تَطْهِيرَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ مَمْنُوعٌ سَوَاءٌ يَتَطَهَّرَانِ مَعًا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ ، كُلٌّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ أَوْ وَاحِد بَعْدَ وَاحِدٍ كَذَلِكَ لَكِنْ يَجُوزُ لَهُمَا التَّطْهِيرُ مِنَ الْفَضْلِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهِيَ أَنْ يَتَطَهَّرَا مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَيَكُونُ اغْتِرَافُهُمَا جَمِيعًا لَا بِاخْتِلَافِ أَيْدِيهِمَا فِيهِ وَاحِد بَعْدَ وَاحِدٍ هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ تَبْوِيبِ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ الْإِمَامُ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي الطَّيَالِسِيَّ ، قال : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي حَاجِبٍ ، عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ الْأَقْرَعُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ( وَهُوَ الْأَقْرَعُ ) : أَيْ عَمْرٌو وَالِدُ الْحَكَمِ هُوَ الْأَقْرَعُ ( بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ سَوَادَةُ بْنُ عَاصِمٍ أَبُو حَاجِبٍ يُعَدُّ فِي الْبَصْرِيِّينَ وَلَا أَرَاهُ يَصِحُّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : حَدِيثُ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِنْهُمُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ خَبَرُ الْأَقْرَعِ فِي النَّهْيِ لَا يَصِحُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ تَطْهِيرَ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ ، وَتَطْهِيرَهَا بِفَضْلِهِ فِيهِ مَذَاهِبُ : الْأَوَّلُ : جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الْآخَرِ شَرَعَا جَمِيعًا أَوْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ . وَالثَّانِي : كَرَاهَةُ تَطْهِيرِ الرَّجُلِ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ . وَالثَّالِثُ : جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا اغْتَرَفَا جَمِيعًا . وَالرَّابِعُ : جَوَازُ التَّطْهِيرِ مَا لَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا وَالرَّجُلُ جُنُبًا . وَالْخَامِسُ : جَوَازُ تَطْهِيرِ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ طَهُورِ الرَّجُلِ وَكَرَاهَةُ الْعَكْسِ . وَالسَّادِسُ : جَوَازُ التَّطْهِيرِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إِذَا شَرَعَا جَمِيعًا لِلتَّطْهِيرِ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ سَوَاءٌ اغْتَرَفَا جَمِيعًا أَوْ لَمْ يَغْتَرِفَا كَذَلِكَ ، وَلِكُلِّ قَائِلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ دَلِيلٌ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ بِهِ ، لَكِنَّ الْمُخْتَارَ فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْأُوَلِ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَطْهِيرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَزْوَاجِهِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسْتَعْمِلُ فَضْلَ صَاحِبِهِ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ بِفَضْلِ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ ، وَجَمَعَ الْحَافِظُ الْخَطَّابِيُّ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْإِبَاحَةِ وَالنَّهْيِ فَقَالَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ كَانَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ إِنْ ثَبَتَ حَدِيثُ النَّهْيِ ، وَهُوَ حَدِيثُ الْأَقْرَعِ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنِ التَّطْهِيرِ بِفَضْلِ مَا تَسْتَعْمِلُهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَاءِ وَهُوَ مَا سَالَ وَفَضَلَ عَنْ أَعْضَائِهَا عِنْدَ التَّطْهِيرِ دُونَ الْفَضْلِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَعَلَ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ فَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَتْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا ، فَإِذَا كَانَتْ طَاهِرَةً فَلَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْإِبَاحَةِ أَجْوَدُ مِنْ إِسْنَادِ خَبَرِ النَّهْيِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ فَضْلِ أَعْضَائِهَا وَهُوَ الْمُتَسَاقِطُ مِنْهَا وَذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَوْلُ أَحْمَدَ إِنَّ الْأَحَادِيثَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مُضْطَرِبَةٌ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ وَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُحْمَلَ أَحَادِيثُ النَّهْيِ عَلَى مَا تَسَاقَطَ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَازُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الْمَاءِ - وَبِذَلِكَ جَمَعَ الْخَطَّابِيُّ - أَوْ بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ فِيمَا يَفِيضُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ الْمَاءِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، نا شَرِيكٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا يَفِيضُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنْ الْمَاءِ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ يَصُبُّ عَلَيَّ الْمَاءَ ، ثُمَّ يَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ ثُمَّ يَصُبُّهُ عَلَيْهِ بَابٌ فِيمَا يَفِيضُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ يَسِيلُ . ( بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَاءِ ) أَيِ الْمَنِيِّ أَوِ الْمَذْيِ ( مِنَ الْمَاءِ ) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ يَعْنِي أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ مَا حُكْمُهُ ( يَصُبُّ عَلَى الْمَاءِ ) الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهَا ، وَيُرْوَى يَصُبُّ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ ( كَفًّا مِنْ مَاءٍ ) يَعْنِي الْمَاءَ الْبَاقِي مِنْهُ . وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَذْيِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي غَسْلِهِ رَشُّ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ رَسْلَانَ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا حَصَلَ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ مَنِيٌّ يَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَيَصُبُّهُ عَلَى الْمَنِيِّ لِإِزَالَتِهِ عَنْهُ ، ثُمَّ بَقِيَّةُ مَاءٍ فِي الْإِنَاءِ فَيَصُبُّهُ عَلَيْهِ لِإِزَالَةِ الْأَثَرِ وَزِيَادَةِ تَنْظِيفِ الْمَحَلِّ . فَقَوْلُهَا : يَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَعْنِي الْمَاءَ الْمُطْلَقَ ، يَصُبُّ عَلَى الْمَاءِ تَعْنِي الْمَنِيَّ ، ثُمَّ يَصُبُّهُ تَعْنِي بَقِيَّةَ الْمَاءِ الَّذِي اغْتَرَفَ مِنْهُ كَفًّا عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَحَلِّ ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي مَعْنَاهُ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ شَرْحِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِ السُّيُوطِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِيهِ أَيْضًا رَجُلٌ مَجْهُولٌ .
بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالخِطْمِيٍّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ ، نا شَرِيكٌ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ ، يَجْتَزِي بِذَلِكَ وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ هُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ كَذَا لِلْجَوْهَرِيِّ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَمَنْ قَالَ خِطْمِيٌّ بِالْكَسْرِ فَقَدْ لَحَنَ ، قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ خَاءٍ نَبْتٌ يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ . ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ ) : بِضَمِّ السِّينِ عَلَى وَزْنِ خُرَافَةٍ ( كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ ) : أَيْ فِي حَالِ الْجَنَابَةِ ( يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ أَيْ إِنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِهِ الْخِطْمِيُّ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ وَيَنْوِي بِهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، وَلَا يَسْتَعْمِلُ بَعْدَهُ مَاءً آخَرَ صَافٍ يَخُصُّ بِهِ الْغُسْلَ ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا وَضَعَ السِّدْرَ أَوِ الْخِطْمِيَّ عَلَى الرَّأْسِ وَغَسَلَهُ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَجْزِي ذَلِكَ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَانِيًا مُجَرَّدًا لِلْغُسْلِ . وَأمَا إِذَا طَرَحَ السِّدْرَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ غَسَلَ بِهِ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِئهِ ذَلِكَ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْمَاءِ الْقَرَاحِ بَعْدَهُ ، فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ الصَّافِي قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ بِالْخِطْمِيِّ ، فَارْتَفَعَتِ الْجَنَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِطْمِيَّ كَانَ قَلِيلًا وَالْمَاءُ لَمْ يَفْحُشْ تَغَيُّرُهُ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رَسْلَانَ ( وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ) : قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى الْخِطْمِيِّ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى جَسَدِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدًا إِلَى رَأْسِهِ أَيْ يَصُبُّ الْمَاءَ الَّذِي يُزِيلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَلَا يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ الْآخَرَ بَعْدَ إِزَالَتِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ مَجْهُولٌ قِيلَ يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَيَنْوِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَلَا يَسْتَعْمِلُ بَعْدَهُ مَاءً آخَرَ يَخُصُّ بِهِ الْغُسْلَ انْتَهَى .
بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَقِ قال : إنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَأَلَ رَجُلٌ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ بَابُ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ وَهُوَ الْمَاءُ الْكَثِيرُ أَوِ الْمَالِحُ فَقَطْ وَجَمْعُهُ بُحُورٌ وَأَبْحُرٌ وَبِحَارٌ ، وَأَشَارَ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ كَمَا نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ( وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ ( سَأَلَ رَجُلٌ ) : وَقَعَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ الَّتِي ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ اسْمَ السَّائِلِ عَبْدُ اللَّهِ الْمُدْلِجِيُّ وَكَذَا سَاقَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ وَأَوْرَدَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِيمَنِ اسْمُهُ عَبْدٌ وَتَبِعَهُ أَبُو مُوسَى فَقَالَ عَبْدٌ أَبُو زَمْعَةَ الْبَلَوِيُّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ بَلَغَنِي أَنَّ اسْمَهُ عَبْدٌ وَقِيلَ : اسْمُهُ عُبَيْدٌ بِالتَّصْغِيرِ . وَقَالَ السَّمْعَانِيُّ فِي الْأَنْسَابِ اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ . قَالَ أَبُو مُوسَى وَأَوْرَدَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي مَنِ اسْمُهُ عَرَكِيٌّ ، وَالْعَرَكِيُّ هُوَ الْمَلَّاحُ ، وَلَيْسَ هُوَ اسْمًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . قُلْتُ : وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ وَلَفْظُهُ قَالَ : أَتَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ ) : الْمِلْحُ وَهُوَ مَالِحٌ وَمُرٌّ وَرِيحُهُ مُنْتِنٌ ، زَادَ الْحَاكِمُ نُرِيدُ الصَّيْدَ ( بِهِ ) : أَيْ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ الَّذِي نَحْمِلُهُ ( عَطِشْنَا ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ لِقِلَّةِ الْمَاءِ وَفَقْدِهِ ( أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ) : فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ شَكُّوا فِي جَوَازِ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ قُلْنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ظَنُّوا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطْهِيرُ بِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : مَاءُ الْبَحْرِ لَا يُجْزِئُ مِنْ وُضُوءٍ وَلَا جَنَابَةٍ ، إِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارًا ثُمَّ مَاءً ، ثُمَّ نَارًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَةَ أَبْحُرٍ وَسَبْعَ أنيار . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّطْهِيرُ بِهِ وَلَا حُجَّةَ فِي أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ إِذَا عَارَضَتِ الْمَرْفُوعَ وَالْإِجْمَاعَ . وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمَرْفُوعُ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ رُوَاتُهُ مَجْهُولُونَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ضَعَّفُوا إِسْنَادَهُ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إِنَّمَا تَوَقَّفُوا عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُشْرَبُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ طَبَقُ جَهَنَّمَ وَمَا كَانَ طَبَقَ سُخْطٍ لَا يَكُونُ طَرِيقَ طَهَارَةٍ وَرَحْمَةٍ ( هُوَ ) : أَيِ الْبَحْرُ وَيَحْتَمِلُ فِي إِعْرَابِهِ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ . الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَالطَّهُورُ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ خَبَرُهُ مَاؤُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الطَّهُورُ وَمَاؤُهُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ هُوَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وَالطَّهُورُ مَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ هُوَ مُبْتَدَأً وَالطَّهُورُ خَبَرٌ وَمَاؤُهُ فَاعِلُهُ . قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ( الطَّهُورُ مَاؤُهُ ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ هُوَ الْمَصْدَرُ وَاسْمُ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ أَوِ الطَّاهِرُ الْمُطَهِّرُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَهَاهُنَا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لِأَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ تَطْهِيرِ مَائِهِ لَا عَنْ طَهَارَتِهِ وَضَمِيرُ مَاؤُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِالضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ هُوَ الطَّهُورُ الْبَحْرُ ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَاءُ لَمَا احْتِيجَ إِلَى قَوْلِهِ مَاؤُهُ ، إِذْ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمَاءِ طَهُورٌ مَاؤُهُ وَفِي بَعْضِ لَفْظِ الدَّارِمِيِّ فَإِنَّهُ الطَّاهِرُ مَاؤُهُ ( الْحِلُّ ) : هُوَ مَصْدَرُ حَلَّ الشَّيْءَ ضِدَّ حَرُمَ وَلَفْظُ الدَّارِمِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ الْحَلَالُ ( مَيْتَتُهُ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَلَا يُكْسَرُ مِيمُهُ وَالْحِلُّ عَطْفٌ عَلَى الطَّهُورِ مَاؤُهُ . وَوَجْهُ إِعْرَابِهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى : أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ طَاهِرٌ وَمُطَهِّرٌ ، الثَّانِيَةُ : أَنَّ جَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ أَيْ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا بِالْبَحْرِ حَلَالٌ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، قَالُوا مَيْتَاتُ الْبَحْرِ حَلَالٌ وَهِيَ مَا خَلَا السَّمَكَ حَرَامٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ السَّمَكُ كَمَا فِي حَدِيثِ أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، الثَّالِثَةُ : أَنَّ الْمُفْتِي إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَعَلِمَ أَنَّ لِلسَّائِلِ حَاجَةً إِلَى ذِكْرِ مَا يَتَّصِلُ بِمَسْأَلَتِهِ اسْتُحِبَّ تَعْلِيمُهُ إِيَّاهُ ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ لِتَتْمِيمِ الْفَائِدَةِ ، وَهِيَ زِيَادَةٌ تَنْفَعُ لِأَهْلِ الصَّيْدِ وَكَأَنَّ السَّائِلَ مِنْهُمْ ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الْفَتْوَى . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ : إِنَّهُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الطَّهَارَةِ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ وَقَوَاعِدَ مُهِمَّةٍ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ نِصْفُ عِلْمِ الطَّهَارَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي الصَّحِيحِ لِأَجْلِ اخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي اسْمِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ; انْتَهَى .
بَابٌ الْمَرْأَةِ هَلْ تَنْقُضُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ السَّرْحِ قَالَا : نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قال : إنَّ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ زُهَيْرٌ إنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضُفُرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِلْجَنَابَةِ ؟ قَالَ : إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْفِنِي عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَقَالَ زُهَيْرٌ : تُحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ . بَابُ الْمَرْأَةِ هَلْ تَنْقُضُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ أَوْ يَكْفِيهَا صَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْضِ الضَّفَائِرِ . ( قَالَتْ : إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) : هَذَا اللَّفْظُ لِابْنِ السَّرْحِ ، فَلَمْ يُصَرِّحْ مَنْ هِيَ ( وَقَالَ زُهَيْرٌ ) : فِي رِوَايَتِهِ ( إِنَّهَا ) : أَيْ أُمَّ سَلَمَةَ فَزُهَيْرٌ صَرَّحَ بِأَنَّ السَّائِلَةَ هِيَ أُمُّ سَلَمَةَ ( أَشُدُّ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ أَيْ أُحْكِمُ ( ضَفْرَ رَأْسِي ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَالْمُسْتَفِيضُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ . وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبْزَى : قَوْلُهُمْ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي يَقُولُونَهُ بِفَتْحِ الضَّادِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَصَوَابُهُ ضَمُّ الضَّادِ وَالْفَاءِ جَمْعُ ضَفِيرَةٍ كَسَفِينَةٍ وَسُفُنٍ ، وَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ لَيْسَ كَمَا زَعَمَهُ ، بَلِ الصَّوَابُ جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى صَحِيحٌ ، وَلَكِنْ يَتَرَجَّحُ فَتْحُ الضَّادِ وَالْمَعْنَى إِنِّي امْرَأَةٌ أُحْكِمُ فَتْلَ شَعْرِ رَأْسِي ( أَنْ تَحْفِنِي ) : مِنَ الْحَفْنِ وَهُوَ مَلْءُ الْكَفَّيْنِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ أَيْ تَأْخُذِي الْحَفْنَةَ مِنَ الْمَاءِ ( عَلَيْهِ ثَلَاثًا ) : أَيْ عَلَى رَأْسِكِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَهَذَا للَفْظُ ابْنِ السَّرْحِ ( تَحْثِي عَلَيْهِ ) : تَحْثِي بِكَسْرِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ يَاءٍ أَصْلُهُ تَحْثِوِينَ كَتَضْرِبِينَ أَوْ تَنْصُرِينَ فَحَذَفَ حَرْفَ الْعِلَّةِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِهِ أَوْ حَذَفَهُ وَحَذَفَ النُّونَ لِلنَّصْبِ وَهُوَ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ يُقَالُ : حَثَيْتُ وَحَثَوْتُ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْحَثْيَةُ هِيَ الْحَفْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى ، ( ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ أَوْ جَلَّلَ بِهِ بَدَنَهُ مِنْ غَيْرِ دَلْكِ بِالْيَدِ وَإِمْرَارٍ بِهَا عَلَيْهِ فَقَدْ أَجْزَأَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْوُضُوءِ إِذَا غَمَسَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ نَوَى الطَّهَارَةَ حَتَّى يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى رِجْلَيْهِ بِدلِكَ بَيْنَهُمَا انْتَهَى . وَيَجِيءُ بَيَانُهُ مَبْسُوطًا فِي آخِرِ الْبَابِ . قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُ الشَّعْرِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي غُسْلِهَا مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُصُولُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِهِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ ، فَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا يَجِبُ النَّقْضُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَيَجِبُ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ : انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالنَّقْضِ لِلنَّدْبِ أَوْ يُجَابُ بِأَنَّ شَعْرَ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ خَفِيفًا فَعَلِمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ . وَقِيلَ : يَجِبُ النَّقْضُ إِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِنْ وَصَلَ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ أَوْ بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَشْدُودًا نُقِضَ ، وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ نَقْضُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ الْمَاءُ أُصُولَهُ . وَأَمَّا حَدِيثُ بُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ فَلَا يَقْوَى عَلَى مُعَارَضَةِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ . وَأَمَّا فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِدْخَالُ أَصَابِعِهِ كَمَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، فَفِعْلُهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ ، ثُمَّ هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ . هَكَذَا حَاصِلُ مَا فِي الشَّرْحِ للْمَغْرِبِيِّ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ كَانَ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ ، ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ ، فَأَمَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَنْقُضَ رَأْسَهَا وَتُمَشِّطَ وَتَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ بِالْحَجِّ وَهِيَ حِينَئِذٍ لَمْ تَطْهُرْ مِنْ حَيْضِهَا ، فَلَيْسَ إِلَّا غُسْلُ تَنْظِيفٍ لَا حَيْضٍ ، فَلَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ أَصْلًا ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ ، فَإِنَّ خِفَّةَ شَعْرِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ يَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذَا مَشْدُودٌ وَهَذَا بِخِلَافِهِ وَالْعِبَارَةُ عَنْهُمَا مِنَ الرَّاوِي بِلَفْظِ النَّقْضِ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ . انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ . قُلْتُ : مُدَاوَمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فِعْلٍ وَزَجْرُهُ عَلَى تَارِكِهِ يُفِيدُ الْوُجُوبَ ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي حَقِّ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، ثني ابْنُ نَافِعٍ يَعْنِي الصَّائِغَ ، عَنْ أُسَامَةَ ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالت : إنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَتْ : فَسَأَلْتُ لَهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ ، قَالَ فِيهِ : وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ . ( بِمَعْنَاهُ ) : أَيْ ذَكَرَ الرَّاوِي بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ : ( وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْغَمْزُ الْعَصْرُ وَالْكَبْسُ بِالْيَدِ أَيِ اكْبِسِي وَاعْصِرِي ضَفَائِرَ شَعْرِكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ مِنَ الْمَاءِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْغَمْزُ هُوَ التَّحْرِيكُ بِشِدَّةٍ . وَالْقُرُونُ وَاحِدُهَا قَرْنٌ . هُوَ شَيْءٌ مَجْمُوعٌ مِنَ الشَّعْرِ مِنْ قَوْلِكَ : قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ أَيْ جَمَعْتُهُ مَعَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحَمْلُ مِنَ الشَّعْرِ ; إِذَا جُمِعَتْ وَفُتِلَتْ جَاءَتْ عَلَى هَيْئَةِ الْقُرُونِ فَسُمِّيَتْ بِهَا . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ بَلِّ دَاخِلِ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَتْهَا جَنَابَةٌ أَخَذَتْ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ هَكَذَا تَعْنِي بِكَفَّيْهَا جَمِيعًا فَتَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا ، وَأَخَذَتْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَصَبَّتْهَا عَلَى هَذَا الشِّقِّ ، وَالْأُخْرَى عَلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ( كَانَتْ إِحْدَانَا ) : أَيْ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( تَعْنِي ) : أَيْ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا هَكَذَا ( بِكَفَّيْهَا جَمِيعًا ) : وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ ( وَأَخَذَتْ ) : أَيْ إِحْدَانَا الْمَاءَ ( بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فَصَبَّتْهَا ) : أَيِ الْيَدَ الْمُمْتَلِئَةَ مِنَ الْمَاءِ ( عَلَى هَذَا الشِّقِّ ) : الْأَيْمَنِ مِنَ الرَّأْسِ ( وَالْأُخْرَى ) : أَيِ الْيَدَ الْأُخْرَى ( عَلَى الشِّقِّ الْآخَرِ ) : وَهُوَ الْأَيْسَرُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْقُضْنَ ضَفَائِرَ رُءُوسِهِنَّ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الْجَنَابَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ عَمْر بْنِ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحِلَّاتٌ وَمُحْرِمَاتٌ ( كُنَّا نَغْتَسِلُ وَعَلَيْنَا الضِّمَادُ ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ الدَّالُ الْمُهْمَلَةُ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : ضَمَّدَ فُلَانٌ رَأْسَهُ تَضْمِيدًا أَيْ شَدَّهُ بِعِصَابَةٍ أَوْ ثَوْبٍ مَا خَلَا الْعِمَامَةَ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُهُ الشَّدُّ يُقَالُ ضَمَّدَ رَأْسَهُ وَجُرْحَهُ إِذَا شَدَّهُ بِالضِّمَادِ وَهِيَ خِرْقَةٌ يُشَدُّ بِهَا الْعُضْوُ الْمَاؤفُ ، ثُمَّ قِيلَ لِوَضْعِ الدَّوَاءِ عَلَى الْجُرْحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يُشَدَّ . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِالضِّمَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يُلَطَّخُ بِهِ الشَّعْرُ مِمَّا يُلَبِّدُهُ وَيُسَكِّنُهُ مِنْ طِيبٍ وَغَيْرِهِ لَا الْخِرْقَةُ الَّتِي يُشَدُّ بِهَا الْعُضْوُ الماؤف ، وَالْمَعْنَى كُنَّا نُلَطِّخُ ضَفَائِرَ رُءُوسِنَا بِالصَّمْغِ وَالطِّيبِ وَالْخِطْمِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ نَغْتَسِلُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيَكُونُ مَا نُلَطِّخُ وَنُضَمِّدُ بِهِ مِنَ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ لِعَدَمِ نَقْضِ الضَّفَائِرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : كُنَّا نَغْسِلُ وَنَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي نَغْسِلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَلَا نَسْتَعْمِلُ بَعْدَهُ مَاءً آخَرَ أَيْ نَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي نَغْسِلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَنَنْوِي بِهِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، وَلَا نَسْتَعْمِلُ بَعْدَهُ مَاءً نَخُصُّ بِهِ الْغُسْلَ . قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ ، منْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ عَنْهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحِلَّاتٌ وَمُحْرِمَاتٌ ) : مِنَ الْإِحْلَالِ وَالْإِحْرَامِ ، وَهُمَا فِي مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهَا : نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرٌ لِقَوْلِهَا نَحْنُ . وَالْمَعْنَى كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَذْكُورَ فِي الْحِلِّ وَعِنْدَ الْإِحْرَامِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ : قَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ . قَالَ ابْنُ عَوْفٍ : وَنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ أَبِيهِ ثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ زُرْعَةَ ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : أَفْتَانِي جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ ، عَنْ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ أَنَّ ثَوْبَانَ حَدَّثَهُمْ أَنَّهُمْ اسْتَفْتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْثُرْ رَأْسَهُ ، فَلْيَغْسِلْهُ حَتَّى يَبْلُغَ أُصُولَ الشَّعْرِ ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ ، لِتَغْرِفْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بِكَفَّيْهَا ( قَالَ قَرَأْتُ فِي أَصْلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ) : أَيْ فِي كِتَابِهِ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَدُحَيْمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ ( وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ ) : إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : إِنَّمَا عَابُوا عَلَيْهِ أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ عَوْفٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَوَّلًا عَنْ صَحِيفَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ وَإجَازَة مِنْهُ ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْحَدِيثُ لَيْسَ بِمُتَّصِلِ الْإِسْنَادِ ؛ لِأَنَّ ابْنَ عَوْفٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ( حَدَّثَهُمْ ) : أَيْ جُبَيْرا وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ ثَوْبَانَ ( عَنْ ذَلِكَ ) : أَيْ عَنْ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ ( أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْشُرْ رَأْسَهُ ) : بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ أَيْ لِيُفَرِّقْ يُقَالُ : جَاءَ الْقَوْمُ نَشْرًا أَيْ مُنْتَشِرِينَ مُتَفَرِّقِينَ ( حَتَّى يَبْلُغَ ) : الْمَاءُ ( أُصُولَ الشَّعْرِ ) : وَلَا يَحْصُلُ بُلُوغُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ إِلَّا بِالنَّقْضِ إِنْ كَانَ ضَفِيرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَفِيرًا فَبِانْتِشَارٍ وَتَفْرِقَةٍ لِلشَّعْرِ وَهَذَا الْحُكْمُ لِلرِّجَالِ ( وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ ) : لَا نَافِيَةٌ أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِ نَقْضِ شَعْرِهَا . وَقِيلَ زَائِدَةٌ فَالْمَعْنَى لَا وَاجِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ شَعْرَهَا ( لِتَغْرِفْ ) : أَمْرٌ لِلْمُؤَنَّثِ الْغَائِبِ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ ( عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ ) : جَمْعُ غَرْفَةٍ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرٌ لِلْمَرَّةِ مِنْ غَرَفَ إِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِالْكَفِّ قَالَهُ الطِّيبِيُّ . وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ غَرْفَةٌ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرٌ وَبِضَمِّ الْغَيْنِ الْمَغْرُوفُ أَيْ مِلْءَ الْكَفِّ وَغُرَفٌ بِالضَّمِّ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِالضَّمِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ عَيَّاشٍ وَأَبُوهُ وَفِيهِمَا مَقَالٌ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ شَامِيٌّ وَحَدِيثُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ صَحِيحٌ . انْتَهَى . وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَقْضِ الْمَرْأَةِ ضَفْرَ رَأْسِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : لَا يَجِبُ النَّقْضُ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ كِلَيْهِمَا إِذَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ ، وَإِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِلَى جِلْدِ الرَّأْسِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ : مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ الْحَدِيثَ ، وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهَا ، وَفِيهِ : وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ . وَالْغَمْزُ هُوَ التَّحْرِيكُ بِشِدَّةٍ ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ ، وَفِيهِ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْبَشَرَةَ أَوْ أَنْقَى الْبَشَرَةَ ، وَلِمُسْلِمٍ : ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ثُمَّ يُشْرِبُهُ الْمَاءَ ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ وَفِيهِ : فَتُدَلِّكُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى دَعْوَاهُمُ . الثَّانِي : أَنَّهَا تَنْقُضُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَوَجْهُ قَوْلِهِ وُجُوبُ عُمُومِ الْغُسْلِ وَلَمْ يَرَ مَا وَرَدَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الرُّخْصَةِ وَلَوْ رَآهُ مَا تَعَدَّاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الثَّالِثُ : وُجُوبُ النَّقْضِ فِي الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَاحْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضَتِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقْضًا وَغَسَلَتْهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ ، فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ . قُلْتُ : قَالَ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ فِي إِسْنَادِهِ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ الْيَحْمَدِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ . وَأَيْضًا إِقْرَانُهُ بِالْغُسْلِ الْخِطْمِيَّ وَأُشْنَانًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْخِطْمِيِّ وَلَا الْأُشْنَانِ انْتَهَى ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا وَكَانَتْ حَائِضًا : انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي . رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ ، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ . الْحَدِيثَ . قُلْتُ : أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلصَّلَاةِ وَالنِّزَاعُ فِي غُسْلِ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ . وَقَالَ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ : وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِالْحَجِّ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا وَلِلْحَجِّ مَدْخَلَةٌ فِي مَزِيدِ التَّصْيِيفِ ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالِامْتِشَاطِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ انْتَهَى . الرَّابِعُ : لَا يَجِبُ النَّقْضُ عَلَى النِّسَاءِ وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ بَعْضِ شَعْرِهَا الْمَضْفُورِ وَيَجِبُ عَلَى الرِّجالِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ هُوَ الْقَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْغُسْلِ يَجِبُ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ مِنْ شَعْرٍ وَبَشَرٍ حَتَّى لَا يَتِمَّ الْغُسْلُ إِنْ بَقِيَ مَوْضِعٌ يَسِيرٌ غَيْرَ مَغْسُولٍ ، وَهَذَا الْحُكْمُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ، لَكِنْ رَخَّصَ الشَّارِعُ لِلنِّسَاءِ فِي تَرْكِ نَقْضِ ضَفْرِ رُءُوسِهِنَّ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ وَكَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ : عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ رُءُوسَهُنَّ الْحَدِيثَ ، وَكَذَا حَدِيثُ ثَوْبَانَ الْمُتَقَدِّمُ . وَإِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ لِتَرْدَادِ حَاجَتِهِنَّ وَأَجْلِ مَشَقَّتِهِنَّ فِي نَقْضِ شُعُورِهِنَّ الْمَضْفُورَةِ ، فَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ مُغَايِرٌ لِلنِّسَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يَبُلَّ الرِّجَالُ جَمِيعَ شُعُورِهِمْ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا لَا يَتِمُّ غُسْلُهُمْ ، بِخِلَافِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ إِذَا صَبَبْنَ عَلَى رُءُوسِهِنَّ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ تَمَّ غُسْلُهُنَّ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ بَعْضِ شُعُورِهِنَّ الْمَضْفُورَةِ . وَأَمَّا الضَّفْرُ لِلرِّجَالِ فَكَانَ أَقَلَّ الْقَلِيلِ وَنَادِرًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ الصَّحَابَةِ ؛ فَلِذَا مَا دَعَتْ حَاجَتُهُمْ لِسُؤَالِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا اضْطُرُّوا لِإِظْهَارِ مَشَقَّتِهِمْ لَدَيْهِ ، فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَبَقِيَ لَهُمْ حُكْمُ تَعْمِيمِ غَسْلِ الرَّأْسِ عَلَى وُجُوبِهِ الْأَصْلِيِّ . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ شَكَلٍ سَأَلْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ : فَتُدَلِّكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْصُورٌ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ وَهُوَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يُحْمَلُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى الرُّخْصَةِ ، وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ شَكَلٍ عَلَى الْعَزِيمَةِ ، فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَالْبَسْطُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قال : ثنا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قال : إنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ وَقَالَ : إِنَّ التَّيَمُّمَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهُ . ( أَنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ ) : لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْمَاءِ عَلَيْهِمَا ، وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ لَا بِغَيْرِهِ ( وَقَالَ ) : عَطَاءٌ ( إِنَّ التَّيَمُّمَ ) : عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ ( أَعْجَبُ ) : أَحَبُّ ( إِلَيَّ مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ التَّوَضُّؤِ بِاللَّبَنِ وَالنَّبِيذِ .
بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ قَالَا : ثنا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ : مَا فِي إِدَاوَتِكَ ؟ قَالَ : نَبِيذٌ . قَالَ : تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ ، وَمَاءٌ طَهُورٌ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَوْ زَيْدٍ ، كَذَا قَالَ شَرِيكٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ لَيْلَةَ الْجِنِّ . بَابُ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْبَاءِ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ . نَبَذْتُ التَّمْرَ وَالْعِنَبَ إِذَا تَرَكْتُ عَلَيْهِ الْمَاءَ لِيَصِيرَ نَبِيذًا أَوْ أَنْبَذْتُهُ اتَّخَذْتُهُ نَبِيذًا سَوَاءٌ كَانَ مُسْكِرًا أَوْ لَا . ويُقَالُ لِلْخَمْرِ الْمُعْتَصَرِ مِنَ الْعِنَبِ نَبِيذٌ كَمَا يُقَالُ لِلنَّبِيذِ خَمْرٌ . قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ . ( عَنْ أَبِي زَيْدٍ ) : قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا نَعْرِفُ لَهُ رِوَايَةً غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ : أَبُو زَيْدٍ شَيْخٌ يَرْوِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَيْسَ يُدْرَى مَنْ هُوَ وَلَا يُعْرَفُ أَبُوهُ وَلَا بَلَدُهُ ، وَمَنْ كَانَ بِهَذَا النَّعْتِ ثُمَّ لَمْ يَرْوِ إِلَّا خَبَرًا وَاحِدًا خَالَفَ فِيهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ اسْتَحَقَّ مُجَانَبَةَ مَا رَوَاهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ الْعِلَلِ : سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ حَدِيثُ أَبِي فَزَارَةَ بِالنَّبِيذِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ : أَبُو زَيْدٍ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِصُحْبَةِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَبُو زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مَجْهُولٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَبُو زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مَجْهُولٌ عِنْدَهُمْ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي فَزَارَةَ ، وَحَدِيثُهُ فِي الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا رَوَاهُ مَنْ يُوثَقُ بِهِ وَلَا يَثْبُتُ ; انْتَهَى . ( لَيْلَةَ الْجِنِّ ) : هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي جَاءَتِ الْجِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى قَوْمِهِ لِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ الدِّينَ وَأَحْكَامَ الْإِسْلَامِ ( مَا فِي إِدَاوَتِكَ ) : بِالْكَسْرِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ جِلْدٍ يُتَّخَذُ لِلْمَاءِ وَجَمْعُهَا أَدَاوَى ( تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ ) : أَيِ النَّبِيذُ لَيْسَ إِلَّا تَمْرَةً وَهِيَ طَيِّبَةٌ لَيْسَ فِيهَا مَا يَمْنَعُ التَّوَضُّؤَ ( وَمَاءٌ طَهُورٌ ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ أَيْ مُطَهِّرٌ ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ قَالَ : فَتَوَضَّأَ مِنْهُ . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَصَلَّى . وَقَدْ ضَعَّفَ الْمُحَدِّثُونَ حَدِيثَ أَبِي زَيْدٍ بِثَلَاثِ عِلَلٍ . أحْدَهَا : جَهَالَةُ أَبِي زَيْدٍ . وَالثَّانِي : التَّرَدُّدُ فِي أَبِي فَزَارَةَ هَلْ هُوَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ أَوْ غَيْرُهُ . وَالثَّالِث : أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ : لَا يَجُوزُ التَوَضُّؤُ بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ لَا يُتَوَضَّأُ بِالنَّبِيذِ أَقْرَبُ إِلَى الْكِتَابِ وَأَشْبَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَاءٌ ، وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : هَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَنَسْخُ الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ ، وَلَا يُنْسَخُ بِالْخَبَرِ الْوَاحِدِ إِذَا صَحَّ ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ضَعِيفًا مَطْعُونًا فِيهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَأَبُو زَيْدٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يُعْلَمُ لَهُ رِوَايَةٌ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ وَلَا يَثْبُتُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ حَدِيثٌ بَلِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ نَاطِقَةٌ بِخِلَافِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَأَبُو زَيْدٍ هُوَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ اسْمٌ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَأَبُو فَزَارَةَ قِيلَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا فَزَارَةَ رَجُلَانِ ، وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ لَيْسَ هُوَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ قَالَ أَبُو فَزَارَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مَجْهُولٌ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَبَا فَزَارَةَ الْعَبْسِيَّ رَاشِدَ بْنَ كَيْسَانَ ، وَأَبَا فَزَارَةَ الْعَبْسِيَّ غَيْرَ مُسَمًى فَجَعَلَهُمَا اثْنَيْنِ ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ رَاشِدُ بْنُ كَيْسَانَ كَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ كِفَايَةٌ فِي ضَعْفِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى . ( عَنْ أَبِي زَيْدٍ ) : أَيْ بِإِضَافَةِ لَفْظِ أَبِي إِلَى زَيْدٍ ( أَوْ زَيْدٍ ) : بِلَا إِضَافَتِهِ ( كَذَا قَالَ شَرِيكٌ ) : أَيِ الشَّاكُّ فِيهِ شَرِيكٌ ، وَأَمَّا هَنَّادٌ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شَرِيكٍ أَبَا زَيْدٍ بِلَا شَكٍّ ( وَلَمْ يَذْكُرْ هَنَّادٌ ) : فِي رِوَايَتِهِ ( لَيْلَةَ الْجِنِّ ) : وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا سُلَيْمَانُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ : مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ مَعَهُ مِنَّا أَحَدٌ ( قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ . إِلَخْ ) : أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَحْقَافِ مِنْ جَامِعِهِ مُطَوَّلًا . وَمَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الضَّعْفِ لِحَدِيثِ أَبِي زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ : هَذَا صَرِيحٌ فِي إِبْطَالِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ ، وَحُضُورُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ النَّبِيذِ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ . وَقَالَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ : قَدْ دَلَّتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْجِنِّ ، وَإِنَّمَا كَانَ مَعَهُ حِينَ انْطَلَقَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ يُرِيهِمْ آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ . قَالَ : وَقَدْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ لَيْلَتَهُ . ثُمَّ قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : فَقَدْ تَلَخَّصَ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَبْعَةُ طُرُقٍ ، صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ الْمُخَاطَبَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لَيْلَةَ الْجِنِّ كَانَتْ مَرَّتَيْنِ ، فَفِي أَوَّلِ مَرَّةٍ خَرَجَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَلَا غَيْرُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَجَ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجِنِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنْ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ وَعِنْدَهُ نَبِيذٌ أَيَغْتَسِلُ بِهِ ؟ قَالَ : لَا . ( سَأَلْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ ) : هُوَ رُفَيْعُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ابْنُ مِهْرَانَ الرِّيَاحِيُّ الْبَصْرِيُّ مُخَضْرَمٌ إِمَامٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ حَتَّى قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالِكَائِيُّ : مُجْمَعٌ عَلَى ثِقَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْإِرْسَالِ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ ( عَنْ رَجُلٍ ) : أَيْ عَنْ حَالِهِ .
بَابٌ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا زُهَيْرٌ ، نا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ وَصَلَاةَ الْغَدَاةِ ، وَلَا أَرَاهُ يُحْدِثُ وُضُوءًا بَعْدَ الْغُسْلِ ( باب الوضوء بعد الغسل ) ( يَغْتَسِلُ ) : مِنَ الْجَنَابَةِ ، ( وَيُصَلِّي ) : بَعْدَ الْغُسْلِ ( الرَّكْعَتَيْنِ ) : قَبْلَ الصُّبْحِ ( وَ ) : يُصَلِّي . ( صَلَاةَ الْغَدَاةِ ) : أَيِ الصُّبْحِ . ( وَلَا أُرَاهُ ) : بِالضَّمِّ أَيْ لَا أَظُنُّهُ . ( يُحْدِثُ ) : مِنَ الْإِحْدَاثِ أَيْ يُجَدِّدُ . ( وُضُوءًا بَعْدَ الْغُسْلِ ) : اكْتِفَاءَا بِوُضُوئِهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْغُسْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، أَوْ بِانْدِرَاجِ ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ تَحْتَ ارْتِفَاعِ الْأَكْبَرِ بِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى جَمِيعِ أَعْضَائِهِ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ ، أَنْ لَا يَتَوَضَّأَ بَعْدَ الْغُسْلِ . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْغُسْلِ لَا مَحَالَةَ ، فَالْوُضُوءُ قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ عَنْهُ ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ فَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَثْبُتْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ حَسَنٌ . قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : إِنَّهَا تَخْتَلِفُ نُسَخُ التِّرْمِذِيِّ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ . وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدَ جَيِّدَةٍ . وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، مَرْفُوعًا ، وَعَنْهُ مَوْقُوفًا : أَنَّهُ قَالَ - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ : وَأَيُّ وُضُوءٍ أَعَمُّ مِنَ الْغُسْلِ ؟ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ : إِنِّي أَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ ، فَقَالَ : لَقَدْ تَعَمَّقْتَ ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْبَاهِلِيُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، ثَنِا سَعِيدٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ النَّخَعِيِّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ بِكَفَّيْهِ فَغَسَلَهُمَا ، ثُمَّ غَسَلَ مَرَافِغَهُ وَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ، فَإِذَا أَنْقَاهُمَا أَهْوَى بِهِمَا إِلَى حَائِطٍ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ وَيُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ( ثُمَّ غَسَلَ مَرَافِغَهُ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ثُمَّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ . هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَهِيَ جَمْعُ رُفْغٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ : هِيَ الْمَغَابِنُ مِنَ الآبَاطِ وَأُصُولِ الْفَخِذَيْنِ وَغَيْرِهَا مِنْ مَطَاوِي الْأَعْضَاءِ وَمَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْوَسَخِ وَالْعَرَقِ . قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ . وَالْمُرَادُ غَسْلَ الْفَرْجِ فَكَنَّتْ عَنْهُ بِغَسْلِ الْمَرَافِغِ كَمَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : إِذَا الْتَقَى الرُّفْغَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ يُرِيدُ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ فَكَنَّى عَنْهُ بِالْتِقَاءِ أُصُولِ الْفَخِذَيْنِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، وَفِي النُّسْخَتَيْنِ مِنَ الْمَتْنِ مَرَافِقَهُ بِالْقَافِ : جَمْعُ مِرْفَقٍ مَكَانَ مَرَافِغَهُ وَوَقَفَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ أَيْضًا ، وَلِذَا قَالَ : وَالْأُولَى هِيَ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ ( وَأَفَاضَ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى رُفْغِهِ وَفَرْجِهِ ( فَإِذَا أَنْقَاهُمَا ) : أَيِ الْيَدَيْنِ أَيْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ ثُمَّ غَسَلَ الْيَدَيْنِ وَأَنْقَاهُمَا ( أَهْوَى بِهِمَا إِلَى حَائِطٍ ) : أَيْ أَمَالَ وَضَرَبَ بِهِمَا إِلَى جِدَارٍ مِنْ صَعِيدٍ لِتَحْصُلَ بِهِ النُّقَايَةُ الْكَامِلَةُ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ضَرْبَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْجِدَارِ كَانَ بَعْدَ غَسْلِهِمَا وَإِنْقَائِهِمَا بِالْمَاءِ ، فَغَسَلَ أَوَّلًا بِالْمَاءِ الْخَالِصِ ثُمَّ دَلَّكَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ وَتَرَّبَهُمَا وَغَسَلَ ( ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْوُضُوءَ ) : الِاسْتِقْبَالُ ضِدُّ الِاسْتِدْبَارِ أَيْ يَشْرَعُ فِي الْوُضُوءِ . وَاعْلَمْ أَنَّ مَتْنَ هَذَا الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتِصَارٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ قَدْ فَعَلَه ، ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَوْكَرٍ ، ثنا هُشَيْمٌ ، عَنْ عُرْوَةَ الْهَمْدَانِيِّ ، ثنا الشَّعْبِيُّ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : لَئِنْ شِئْتُمْ لَأُرِيَنَّكُمْ أَثَرَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَائِطِ حَيْثُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ ( لَئِنْ شِئْتُمْ ) : أَيُّهَا الرَّاغِبُونَ إِلَى رُؤْيَةِ أَثَرٍ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَأُرِيَنَّكُمْ ) : مِنَ الْإِرَاءَةِ وَبِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ ( حَيْثُ ) : لِلزَّمَانِ أَيْ حِينَ ( يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ) : فَيَضْرِبُ يَدَهُ عَلَيْهِ مُبْتَلًّا بِالْمَاءِ وَيُدَلِّكُ دَلْكًا لِيَذْهَبَ الِاسْتِقْذَارُ مِنْهَا أَوْ حَيْثُ لِلْمَكَانِ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ يَضْرِبُ يَدَهُ ثَمَّةَ عَلَى الْجِدَارِ . وَكَانَ أَثَرُ يَدِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِدَارِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ مَوْجُودًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تُرِيَهُمْ أَثَرَ يَدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا مُرْسَلٌ الشَّعْبِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ الْوَاشِحِيُّ ( ح ) وثنا مُسَدَّدٌ قَالَا : نا حَمَّادٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ قَالَ سُلَيْمَانُ : يَبْدَأُ فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ وَقَالَ مُسَدَّدٌ : غَسَلَ يَدَيْهِ يَصُبُّ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ اتَّفَقَا فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ : يُفْرِغُ عَلَى شِمَالِهِ وَرُبَّمَا كَنَتْ عَنْ الْفَرْجِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُدْخِلُ يَدَيهِ فِي الْإِنَاءِ فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْبَشْرَةَ أَوْ أَنْقَى الْبَشْرَةَ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ، فَإِذَا فَضَلَ فَضْلَةٌ صَبَّهَا عَلَيْهِ ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) : أَيْ سُلَيْمَانُ وَمُسَدَّدٌ عَلَى رِوَايَتِهِمَا فَقَالَا ( وَقَالَ مُسَدَّدٌ ) : وَحْدَهُ ( يُفْرِغُ عَلَى شِمَالِهِ ) : أَيْ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَيَغْسِلُ بِهَا فَرْجَهُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ( وَرُبَّمَا كَنَّتْ ) : أَيْ عَائِشَةُ ( عَنِ الْفَرْجِ ) : أَيِ اسْمِهِ وَذِكْرِهِ ، لِأَنَّ الْكِنَايَةَ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ . وَالْكِنَايَةُ : كَلَامٌ اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِالِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ ظَاهِرًا فِي اللُّغَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَقِيقَةَ أَوِ الْمَجَازَ فَيَكُونُ تَرَدُّدٌ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ . وَالْكِنَايَةُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ هِيَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ شَيْءٍ لَفْظًا كَانَ أَوْ مَعْنًى بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ كَالْإِبْهَامِ عَلَى السَّامِعِ نَحْوَ جَاءَ فُلَانٌ ، أَوْ لِنَوْعِ فَصَاحَةٍ نَحْوَ : فُلَانٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ أَيْ كَثِيرُ الْقِرَى . قَالَهُ السَّيِّدُ الشَّرِيفُ فِي تَعْرِيفَاتِهِ . وَالْكِنَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَا مُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِلَفْظِ غَسَلَ مَرَافِغَهُ ، وَذَكَرَهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْأَذَى الَّذِي بِهِ بِيَمِينِهِ وَغَسَلَ عَنْهُ بِشِمَالِهِ ( فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ ) : أَيْ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ لِيُلِينَ الشَّعْرَ وَيُرَطِّبَهُ فَيَسْهُلُ مُرُورُ الْمَاءِ عَلَيْهِ ( قَدْ أَصَابَ الْبِشْرَةَ ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ : ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ أَيْ أَوْصَلَ الْبَلَلَ إِلَى ظَاهِرِ جِلْدِ الرَّأْسِ ( أَوْ أَنْقَى الْبِشْرَةَ ) : الشَّكُّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ( فَإِذَا فَضَلَ ) : مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ بَقِيَ ، وَفِي لُغَةٍ مِنْ بَابِ تَعِبَ ، وَفَضِلَ بِالْكَسْرِ يَفْضُلُ بِالضَّمِّ لُغَةٌ لَيْسَتْ بِالْأَصْلِ لَكِنَّهَا عَلَى تَدَاخُلِ اللُّغَتَيْنِ قَالَهُ أَحْمَدُ الْفَيُّومِيُّ ( فُضْلَةً ) : بِالضَّمِّ : اسْمٌ لِمَا يَفْضُلُ أَيْ إِذَا بَقِيَ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَاءِ ( صَبَّهَا عَلَيْهِ ) : أَيْ صَبَّ الْفُضْلَةَ عَلَى جَسَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، قال : نا ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا يَغْتَسِلُ به مِنْ الْجَنَابَةِ ، فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَغَسَلَهَا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا ، وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مُسَدَّدٌ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ : كَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِلْعَادَةِ . فَقَالَ : هَكَذَا هُوَ ، وَلَكِنْ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي هَكَذَا . ( غُسْلًا ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ كَالْأَكْلِ لِمَا يُؤْكَلُ وَكَذَلِكَ الْغُسُولُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَالْمُغْتَسَلُ يُقَالُ لِمَاءِ الْغُسْلِ . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ اسْمٌ أَيْضًا مِنْ غَسَلْتُهُ غُسْلًا وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ ، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَسِدْرٍ وَنَحْوِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ ( فَأَكْفَأَ ) : أَيْ أَمَالَ ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) : الشَّكُّ مِنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ كَمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ سُلَيْمَانُ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا ( ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ ( ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ) : قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . قُلْتُ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ هَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَوْ سُنَّتَانِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ أَحْمَدُ : الِاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ وَلَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ على من تَرْكِهِمَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . انْتَهَى . قُلْتُ : إِنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَشُكُّ شَاكٌّ فِي وُجُوبِهِمَا ، لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ قَدْ تَكَاثَرَتْ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنِ الْوُضُوءِ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ فِي تَعْلِيمِهِ لَهُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، فَمَنْ تَرَكَهُمَا لَا يَكُونُ مُتَوَضِّئًا ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَهُمَا قَطُّ وَلَوْ بِمَرَّةٍ ، بَلْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ مُوَاظَبَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا ، فَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِمَا يَدُلُّ بِدَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى وُجُوبِهِمَا . وَأَمَّا وُجُوبُهُمَا فِي الْغُسْلِ فَهُوَ أَيْضًا ثَابِتٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ ، أَوْ قَالَ : بَشَرَتَكَ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ . فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ ، وَمَوْضِعُ الْمَضْمَضَةِ هُوَ الْفَمُ وَاللِّسَانُ وَمَوْضِعُ الِاسْتِنْشَاقِ كِلَاهُمَا مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ فَيَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا وَبَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى أَنَّهُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( ثُمَّ تَنَحَّى ) : أَيْ تَبَاعَدَ وَتَحَوَّلَ عَنْ مَكَانِهِ ( نَاحِيَةً ) : أُخْرَى ( فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ) : وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ إِلَى آخِرِ الْغُسْلِ . وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : النَّوْعُ الْأَوَّلُ : مَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَصْلًا ، بَلِ اقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ . كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . النَّوْعُ الثَّانِي : مَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلِ الرِّجْلَيْنِ قَبْلَ إِكْمَالِ الْغُسْلِ ، بَلْ أَخَّرَهُ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْهُ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ . أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ . النَّوْعُ الثَّالِثُ : مَا فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ ، وَمَرَّةً بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : تُحْمَلُ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا : وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَيْ أَكْثَرَهُ ، وَهُوَ مَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، أَيْ أَعَادَ غَسْلَهُمَا لِاسْتِيعَابِ الْغُسْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَسَلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ . قَالَ : وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؛ إِمَّا بِحَمْلِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ نَظِيفٍ ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُمَا وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَمُخْتَارُهُمَا : أَنَّهُ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ . قَالَ : لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ كَذَلِكَ . انْتَهَى . كَذَا قَالَ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، بَلْ هِيَ إِمَّا مُحْتَمِلَةٌ ، كَرِوَايَةِ : تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا ، كَحَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَرَاوِيهَا مُقَدَّمٌ فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْهِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ . وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، مُتَعَقَّبٌ ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ ، وَلَفْظُهُ : كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِيَحْصُلَ الِافْتِتَاحُ وَالِاخْتِتَامُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . قُلْتُ : قَالَ الشَّارِحُ : غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ ، أَو اقْتِصَارُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، كُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ ، وَالَّذِي نَخْتَارُهُ هُوَ غَسْلُهُمَا مَرَّتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ : مَا يُحْمَلُ فِي الْيَدِ ، لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَمَسْحِ الدَّرَنِ وَتَنْشِيفِ الْعَرَقِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخِدْمَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا ، أَيْ : لِيُنَشِّفَ بِهِ مَاءَ الْجَسَدِ . ( فَلَمْ يَأْخُذْهُ ) : الْمِنْدِيلَ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ؛ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكراهة التَّنْشِيفَ ، بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عَلِيٌّ وَلَا ابْنُ مَسْعُودٍ . أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْبَصْرِيُّ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَإِنْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَرَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلنَّهْيِ . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي جَوَازِ التَّنْشِيفِ بِانْضِمَامِ رِوَايَاتٍ أُخْرَى جَاءَتْ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَسٌ وَعُثْمَانُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . ( وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ ) : أَيْ يُحَرِّكُ وَيَدْفَعُ الْمَاءَ ( عَنْ جَسَدِهِ ) : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُتَطَهِّرِ ، خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ ، وَقَالَ بَعْضٌ : النَّفْضِ هَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى تَحْرِيكِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ مَرْدُودٌ . وَمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ نَفْضِ الْأَيْدِي فَهُوَ ضَعِيفٌ ، ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ) : أَيْ حُكْمَ التَّنْشِيفِ وَوَجْهَ رَدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِإِبْرَاهِيمَ ) : إِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ النَّخَعِيُّ ، وَالْقَائِلُ لَهُ هُوَ سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . ( فَقَالَ ) : إِبْرَاهِيمُ ( يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ ) : أَيْ يَكْرَهُونَ التَّنْشِيفَ بِالْمَاءِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ عَادَةً لَا لِمَنْ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا . وفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً ، ( يَكْرَهُونَهُ ) : أَيِ التَّنْشِيفَ ، ( لِلْعَادَةِ ) : فَقَطْ ، وَلَيْسَ كَرَاهَةً فِي أَصْلِ الْفِعْلِ ، ( فَقَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( هَكَذَا هُوَ ) : أَيْ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ الَّذِي فِيهِ نَاوَلَتْهُ الْمِنْدِيلَ ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ هَكَذَا فِي حِفْظِي ، وليس في حفظي وَجْهُ رَدِّهِ ، وَلَا مُذَاكَرَةَ لِلْأَعْمَشِ مَعَ شَيْخِهِ إِبْرَاهِيمَ ، ( لَكِنْ وَجَدْتُهُ ) : أَيْ تَوْجِيهَ إِبْرَاهِيمَ وَمُذَاكَرَةَ الْأَعْمَشِ مَعَهُ ، ( فِي كِتَابِي هَكَذَا ) : وَيُحْتَمَلُ عَكْسُ ذَلِكَ ، أَيْ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ، هَكَذَا فِي حِفْظِي مَعَ مُذَاكَرَةِ الْأَعْمَشِ مَعَ شَيْخِهِ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِنَّا نَحْفَظُهَا ، لَكِنْ وَجَدْتُ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ فِي كِتَابِي هَكَذَا بِغَيْرِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِمُذَاكَرَتِهِمَا . وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مَتَّعَنَا اللَّهُ بِطُولِ بَقَائِهِ وَقْتَ الدَّرْسِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ : إِذَا وَجَدَ الْحَافِظُ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ خِلَافَ مَا يَحْفَظُهُ ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ مِنْ كِتَابِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى كِتَابِهِ ، وَإِنْ حَفِظَهُ مِنْ فَمِ الْمُحَدِّثِ ، أَوْ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِي حِفْظِهِ فَلْيَعْتَمِدْ عَلَى حِفْظِهِ ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، فَيَقُولُ : فِي حِفْظِي كَذَا ، وَفِي كِتَابِي كَذَا ، وَكَذَا فَعَلَ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ .
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، عَنْ صَدَقَةَ ، قال : ثنا جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أُمِّي وَخَالَتِي عَلَى عَائِشَةَ ، فَسَأَلَتْهَا إِحْدَاهُمَا : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغُسْلِ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ مَرَّار ، وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رُءُوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضُّفُرِ ( حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ ) : كِلَاهُمَا مُصَغَّرًا ( أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ) : مَعْنَى تَيْمِ اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ . قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ( فَسَأَلَتْهَا ) : أَيْ عَائِشَةَ ( إِحْدَاهُمَا ) : أُمُّ جُمَيْعٍ أَوْ خَالَتُهُ ( كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ عِنْدَ الْغُسْلِ ) : وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ غُسْلِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ ( وَنَحْنُ نُفِيضُ عَلَى رُؤوسِنَا خَمْسًا مِنْ أَجْلِ الضُّفُرِ ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ ضَفِيرَةٍ : هِيَ الْخُصْلَةُ مِنَ الشَّعْرِ وَالذُّؤَابَةُ يُقَالُ : ضَفَرَتِ الشَّعْرَ ضَفْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ جَعَلَتْهُ ضَفَائِرَ كُلُّ ضَفِيرَةٍ عَلَى حِدَةٍ بِثَلَاثِ طَاقَاتٍ فَمَا فَوْقَهَا ، وَالضَّفِيرُ بِغَيْرِ هَاءٍ حَبْلٌ مِنْ شَعْرٍ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . تَقُولُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ : إِنَّا نَغْسِلُ رُؤوسَنَا خَمْسًا لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَيَتَشَرَّبَ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ . وَقَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا ظَاهِرُهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، فَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَغْسِلُ رَأْسَه خَمْسَ مِرَارٍ ، لَكِنِ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ، وَمَعَ ضَعْفِهِ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْآتِي فِي بَابِ الْمَرْأَةُ تَنْقُضُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْغُسْلِ بِلَفْظِ يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِي عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَجُمَيْعُ هَذَا بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْخُرَاسَانِيُّ ، نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يُفْرِغُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ ، فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ ، فَسَأَلَنِي كَمْ أَفْرَغْتُ ، فَقُلْتُ : لَا أَدْرِي ، فَقَالَ : لَا أُمَّ لَكَ وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ ؟ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ ، ثُمَّ يَقُولُ : هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَهَّرُ ( عَنْ شُعْبَةَ ) : هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَعِيفٌ ( سَبْعَ مِرَارٍ ) : هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِحَجَّةٍ ، لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا ، وَإِنْ صَحَّ فَيُحْمَلُ فِعْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ غَسْلِهِ لِلْأَعْضَاءِ سَبْعَ مِرَارٍ عَلَى مَا كَانَ الْأَمْرُ قَبْلَ ذَلِكَ ، كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ الْحُكْمُ ، ( ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ ) : كَذَلِكَ سَبْعَ مِرَارٍ . ( فَنَسِيَ ) : ابْنُ عَبَّاسٍ ( مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ ) : أَيْ عَلَى يَدَيْهِ ، أَوْ عَلَى فَرْجِهِ ، أَوْ عَلَى أَيِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ مِنَ الْمَاءِ ، ( فَسَأَلَنِي ) ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهَذِهِ مَقُولَةُ شُعْبَةَ : ( كَمْ أَفْرَغْتُ ) : أَيْ أَفْرَغْتُ سَبْعَ مِرَارٍ ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، ( فَقَالَ : لَا أُمَّ لَكَ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : لَا أُمَّ لَكَ وَلَا أَبَ لَكَ ، هُوَ أَكْثَرُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمَدْحِ ، أَيْ لَا كَافِيَ لَكَ غَيْرُ نَفْسِكَ ، وَقَدْ يُذْكَرُ لِلذَّمِّ وَالتَّعَجُّبِ وَدَفْعًا لِلْعَيْنِ . انْتَهَى . فَعَلَى الذَّمِّ وَالسَّبِ يَكُونُ الْمَعْنَى : أَنْتَ لَقِيطٌ ، لَا يُعْرَفُ لَكَ أُمٌّ ، فَأَنْتَ مَجْهُولٌ . ( وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ ) : أَيْ لِمَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَيَّ حَتَّى تَعْلَمَ . ( ثُمَّ يَقُولُ : هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَطَهَّرُ ) ، : الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ فِي الْغُسْلِ سَبْعَ مِرَارٍ ، لَكِنِ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَسْتَطِيعُ الْمُعَارَضَةَ ؛ لِلْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي فِيهَا تَنْصِيصٌ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ فِي الْغُسْلِ ثَلَاثَ مِرَارٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : شُعْبَةُ هَذَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَيُقَالُ : أَبُو يَحْيَى مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَدَنِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُصْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مِرَارٍ ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنْ الثَّوْبِ سَبْعَ مِرَارٍ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتْ الصَّلَاةُ خَمْسًا ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَرَّةً ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنْ الثَّوْبِ مَرَّةً ( يَسْأَلُ ) : رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّخْفِيفَ ( حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا ) : قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ، وَالْمَشْهُورُ أَحَادِيثُ الْمِعْرَاجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا هُوَ ذِكْرُ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ . انْتَهَى . وَأَوْرَدَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ هَذَا فِي كِتَابِهِ : كَشْفِ الْغُمَّةِ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، بِلَفْظِ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ، حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا ، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ مَرَّةً ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مَرَّةً ، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ : وَغَسْلُ الثَّوْبِ مَرَّةً هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَتَثْلِيثُ الْغُسْلِ مَنْدُوبٌ . وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّثْلِيثُ فِي نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ وَاجِبٌ . قَالَ الْفَقِيهُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيُّ مِنْ أَجَلِّ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ : وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ مَرْئِيَّةٌ وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ ؛ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَرْئِيًّا ، فَطَهَارَتُهَا بِزَوَالِ عَيْنِهَا ، وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ ، حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ ؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ . وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ ، وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمٍ وَيُقَالُ : ابْنُ عِصْمَةَ نَصِيبِيٌّ ، وَيُقَالُ : كُوفِيٌّ ، كُنْيَتُهُ أَبُو عِلْوَانَ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَالرَّاوِي عَنْهُ أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْيَمَامِيُّ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قال : ثنا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ مِنْ نَحْوِ الْحِلَابِ ، فَأَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ ( إِذَا اغْتَسَلَ ) : أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ ( مِنْ نَحْوِ الْحِلَابِ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ أَيْ طَلَبَ إِنَاءً مِثْلَ الْإِنَاءِ الَّذِي يُسَمَّى الْحِلَابُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : الْحِلَابُ إِنَاءٌ يَسَعُ قَدْرَ حَلْبِ نَاقَةٍ . وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِي الطَّهُورِ وَأَحْسَبُهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمِحْلَبُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ الْأَيْدِي وَلَيْسَ الْحِلَابُ مِنَ الطِّيبِ فِي شَيْءٍ وإِنَّمَا هُوَ مَا فَسَّرْتُ لَكَ . انْتَهَى . وَقَدْ وَصَفَهُ أَبُو عَاصِمٍ بِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ شِبْرٍ فِي شِبْرٍ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ وَأَشَارَ أَبُو عَاصِمٍ بِكَفَّيْهِ ، فَكَأَنَّهُ حَلَّقَ بِشِبْرَيْهِ يَصِفُ بِهِ دَوْرَهُ الْأَعْلَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ : كَقَدْرِ كُوزٍ يَسَعُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ ( فَأَخَذَ ) : الْمَاءَ الَّذِي فِي الْحِلَابِ ( بِكَفَّيْهِ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِكَفِّهِ ( فَبَدَأَ ) : صَبَّ الْمَاءَ ابْتِدَاءً ( بِشِقِّ ) : بِالْكَسْرِ أَيْ جَانِبِ ( ثُمَّ الْأَيْسَرِ ) : أَيْ ثُمَّ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى جَانِبِ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ ( ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيْهِ ) : هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْغَرْفَةِ الثَّالِثَةِ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ ( فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ ) : فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازًا وَمَعْنَاهُ صَبَّ الْمَاءَ بِكَفَّيْهِ عَلَى رَأْسِهِ كُلِّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ فِي التَّطَهُّرِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، قال : ثنا زُهَيْرٌ ، قال : ثنا أَبُو إِسْحَاقَ ، قال : ثنِي سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا بَابٌ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ أَيْ كَيْفَ يُغْتَسَلُ مِنَ الْجَنَابَةِ . ( أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ ) : أَيْ أُسِيلُ ( عَلَى رَأْسِي ثَلَاثًا ) : أَيْ ثَلَاثَ أَكُفٍّ ، كَمَا فِي رواية مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَمَّا أَنَا فَآخُذُ مِلْءَ كَفِّي فَأَصُبُّ عَلَى رَأْسِي ، ثُمَّ أُفِيضُ بَعْدُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِي وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ( وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِفَاضَةَ ثَلَاثًا بِالْيَدَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَأُلْحِقَ بِهِ سَائِرُ الْجَسَدِ قِيَاسًا عَلَى الرَّأْسِ وَعَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالتَّثْلِيثِ مِنَ الْوُضُوءِ ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ مَعَ تَكْرَارِهِ ، فَإِذَا اسْتُحِبَّ فِيهِ الثَّلَاثُ فَفِي الْغُسْلِ أَوْلَى ، وَلَا يُعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافٌ إِلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ : يُسْتَحَبُّ التَّكْرَارُ فِي الْغُسْلِ ، وَهَذَا قَوْلٌ مَتْرُوكٌ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ نَا الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ ، نا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . ( إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ) : الشَّعْرُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ لِلْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ ، فَيُجْمَعُ عَلَى شُعُورٍ ، مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ ، وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ فَيُجْمَعُ عَلَى أَشْعَارٍ مِثْلُ سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ وَهُوَ مُذَكَّرٌ الْوَاحِدَةُ شَعْرَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَالشِّعْرَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ عَلَى وَزْنِ سِدْرَةٍ شَعْرُ الرُّكَبِ لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً قَالَهُ فِي الْعُبَابِ . فَلَوْ بَقِيَتْ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا الْمَاءُ بَقِيَتِ الْجَنَابَةُ ( فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا أَيْ جَمِيعَهُ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ نَقْضَ الْقُرُونِ وَالضَّفَائِرِ إِذَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَعْرُهُ مَغْسُولًا إِلَّا أَنْ يَنْقُضَهَا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِنْ لَمْ يَنْقُضْ شَعْرَهُ يَجْزِيهِ . وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ انْتَهَى . قُلْتُ : وَاسْتُثْنِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ كَمَا سَيَجِيءُ ، ( وَأَنْقُوا الْبَشَرَ ) : مِنَ الْإِنْقَاءِ ، أَيْ : نَظِّفُوا الْبَشَرَ مِنَ الْأَوْسَاخِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَنَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وُصُولَ الْمَاءِ لَمْ يرْتَفِعِ الْجَنَابَةُ . وَالْبَشَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالشِّينِ ، قَالَ إِمَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الْبَشَرُ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ ، وَفُلَانٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ إِذَا كَانَ كَامِلًا مِنَ الرِّجَالِ ، كَأَنَّهُ جَمَعَ لِينَ الْأَدَمَةِ وَخُشُونَةَ الْبَشَرَةِ ، وَكَذَا فِي الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ . وَأَمَّا الْأَدَمَةُ فَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْأَدَمَةُ بَاطِنُ الْجِلْدِ الَّذِي يَلِي اللَّحْمَ ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْأَدَمَةُ مُحَرَّكَةٌ بَاطِنُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تَلِي اللَّحْمَ ، أَوْ ظَاهِرُهُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُوجِبُ الِاسْتِنْشَاقَ فِي الْجَنَابَةِ ؛ لِمَا فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ مِنَ الشَّعْرِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي إِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ بِقَوْلِهِ : وَأَنْقُوا الْبَشَرَ ، فَزَعَمَ أَنَّ دَاخِلَ الْفَمِ مِنَ الْبَشَرِ ، وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ أَهْلِ اللُّغَةِ ؛ لِأَنَّ الْبَشَرَةَ عِنْدَهُمْ هِيَ مَا ظَهَرَ مِنَ الْبَدَنِ ، وَأَمَّا دَاخِلُ الْأَنْفِ وَالْفَمِ فَهُوَ الْأَدَمَةُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : فُلَانٌ مُؤْدَمٌ مُبْشَرٌ إِذَا كَانَ خَشِنَ الظَّاهِرِ مَخْبُورَ الْبَاطِنِ ، كَذَلِكَ أَخْبَرَنِي أَبُو عُمَرَ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : عَلَى تَصْرِيحِ الْجَوْهَرِيِّ دَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ مِنَ الْأَدَمَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَدَمَةَ عَلَى تَفْسِيرِهِ هِيَ بَاطِنُ الْجِلْدِ الَّذِي يَلِي اللَّحْمَ ، وَدَاخِلُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ مِمَّا لَا يَلِي اللَّحْمَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْبَاطِنِ ، بَلْ هُوَ مِنَ الظَّاهِرِ ، فَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى إِيجَابِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنْقُوا الْبَشَرَ . صَحِيحٌ . ( حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُنْكَرَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ : الْأَوَّلُ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمَسْتُورُ أَوِ الْمَوْصُوفُ بِسُوءِ الْحِفْظِ أَوِ الضَّعْفِ فِي بَعْضِ مَشَائخِهِ خَاصَّةً ، أَوْ نَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يُحْكَمُ لِحَدِيثِهِمْ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ عَاضِدٍ يُعَضِّدُهُ بِمَا لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ ، وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ يُوجَدُ إِطْلَاقُ الْمُنْكَرِ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَإِنْ خُولِفَ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْمُنْكَرِ ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى رَأْيِ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ . وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ بِقَوْلِهِ : حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ ، هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ، ( وَهُوَ ) : الْحَارِثُ ( ضَعِيفٌ ) : وَكَذَا ضَعَّفَهُ آخَرُونَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ وَجِيهٍ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ ، وَهُوَ شَيْخٌ لَيْسَ بِذَلكَ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، تَفَرَّدَ بِهِ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، وَعَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا أَنَّ الْحَارِثَ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نا حَمَّادٌ ، أَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ قال : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا مِنْ النَّارِ قَالَ عَلِيٌّ : فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ، وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ رضي الله عنه . ( مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ ) : مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ أَيٍّ مِنْ عُضْوٍ مُجْنِبٍ . ( لَمْ يَغْسِلْهَا ) : الظَّاهِرُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِمَوْضِعٍ أَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ . ( فُعِلَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ . ( بِهَا ) : الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ، وَالضَّمِيرُ لِلتَّأْنِيثِ ، يَرْجِعُ إِلَى الشَّعْرَةِ ، أَوْ مَوْضِعِهَا ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ : فَعَلَ اللَّهُ بِهِ . ( كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ ) : كِنَايَةً عَنِ الْعَدَدِ ، أَيْ كَذَا وَكَذَا عَذَابًا أَوْ زَمَانًا . ( قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَمِنْ ثَمَّ ) : أَيْ فَمِنْ أَجْلِ أَنْ سَمِعْتُ هَذَا التَّهْدِيدَ . ( عَادَيْتُ رَأْسِي ) : أَيْ فَعَلْتُ بِشَعْرِ رَأْسِي فِعْلَ الْعَدُوِّ بِالْعَدُوِّ ، يَعْنِي قَطَعْتُ شَعْرَ رَأْسِي مَخَافَةَ أَنْ لَا يَصِلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ رَأْسِي . وَقَوْلُهُ : عَادَيْتُ ، هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ جَزِّ شَعْرِ الرَّأْسِ وَقَطْعِهِ . ( وَكَانَ ) : عَلِيٌّ ( يَجُزُّ شَعْرَهُ ) : مِنَ الْجَزِّ بِالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الزَّاي الْمُعْجَمَةِ هُوَ قَصُّ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ جَزَزْتُ الصُّوفَ جَزًّا : قَطَعْتُهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْجَزُّ الْقَطْعُ فِي الصُّوفِ وَغَيْرِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ ، وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا مَقْرُونًا بِأَبِي بِشْرٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَقَدْ كَانَ تَغَيَّرَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا ، فَهُوَ صَحِيحٌ ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ وَوَافَقَهُ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ غَيْرُ وَاحِدٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا عَلَى جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ وَلَوْ دَوَامًا ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ حَلْقِ الرَّأْسِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صَبِيًّا حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ ، وَتَرَكَ بَعْضَهُ ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : احْلِقُوا كُلَّهُ ، أَوِ اتْرُكُوا كُلَّهُ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالْمُؤَلِّفُ ، وَيَجِيءُ بَحْثُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ التَّرَجُّلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
بَابٌ مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِي يُجْزِي به فِي الْغُسْلِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنْ الْجَنَابَةِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : الْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : صَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ ، قَالَ : فَمَنْ قَالَ : ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ؟ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْفُوظٍ . قَالَ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : مَنْ أَعْطَى فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِرِطْلِنَا هَذَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَقَدْ أَوْفَى . قِيلَ : الصَّيْحَانِيُّ ثَقِيلٌ . قَالَ : الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ ، قَالَ : لَا أَدْرِي . بَابُ مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الْغُسْلُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَجْزِيهِ فِي الْغُسْلِ أَيْ يَجْزِي الْغَاسِلَ . ( هُوَ الْفَرَقُ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ دُرَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ . وَزَعَمَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُمَا لُغَتَانِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْفَرْقُ بِتَسْكِينِ الرَّاءِ وَرُوِّينَاهُ بِفَتْحِهَا ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الْأَمْرَيْنِ . وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَغَيْرُهُ : هُوَ بِالْفَتْحِ ، وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَكِّنُونَهُ وَكَلَامُ الْعَرَبِ بِالْفَتْحِ انْتَهَى ، وَيَجِيءُ تَفْسِيرُ الْفَرَقِ مَشْرُوحًا مِنَ الْجَنَابَةِ أَيْ بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ ( وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا قَالَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِتَوْقِيتٍ وَتَحْدِيدٍ وَهُوَ الْغُسْلُ مِنَ الْفَرَقِ ، وَقَالَ مَعْمَرٌ : بِلَا تَوْقِيتٍ وَهُوَ قَدْرُ الْفَرَقِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْغُسْلُ بِالصَّاعِ أَوِ الْفَرَقِ لِلتَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّاعِ وَرُبَّمَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَالْقَدْرُ الْمُجْزِئ مِنَ الْغُسْلِ مَا يَحْصُلُ بِهِ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ سَوَاءٌ كَانَ صَاعًا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ يَبْلُغْ فِي النُّقْصَانِ إِلَى مِقْدَارٍ لَا يُسَمَّى مُسْتَعْمِلُهُ مُغْتَسِلًا أَوْ إِلَى مِقْدَارٍ فِي الزِّيَادَةِ يَدْخُلُ فَاعِلُهُ فِي حَدِّ الْإِسْرَافِ ( يَقُولُ : الْفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ) : الرِّطْلُ مِعْيَارٌ يُوزَنُ بِهِ وَكَسْرُهُ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهِ ، وَهُوَ بِالْبَغْدَادِيِّ اثْنَتَا عَشَرَةَ أُوقِيَّةً ، وَالْأُوقِيَّةُ إِسْتَارٌ وَثُلُثَا إِسْتَارٍ ، وَالْإِسْتَارُ أَرْبَعَةُ مَثَاقِيلٍ وَنِصْفُ مِثْقَالٍ ، وَالْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَالدِّرْهَمُ سِتَّةُ دَوَانِيقَ ، وَالدَّانِقُ ثَمَانِي حَبَّاتٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ ، وَعَلَى هَذَا فَالرِّطْلُ تِسْعُونَ مِثْقَالًا وَهِيَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْفَرَقُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ سِتَّةُ عَشَرَ رِطْلًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَةَ : الْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَكَذَا قَالَ الْجَمَاهِيرُ ، وَقِيلَ : الْفَرَقُ صَاعَانِ ، لَكِنْ أَبُو عُبَيْدٍ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ ، وَعَلَى أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، وَيُؤَيِّدُ كَوْنَ الْفَرَقِ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ قَدْرِ سِتَّةِ أَقْسَاطٍ ، وَالْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ نِصْفُ صَاعٍ وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا فَصَحَّ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ قَالَهُ الْحَافِظُ ( وَسَمِعْتُهُ ) : أَيْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ( يَقُولُ : صَاعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الثِّقَاتِ ( خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ ) : وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ كَافَّةً ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِدَلَائِلَ مِنْهَا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الْفِدْيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقَوْلُهُ نِصْفُ صَاعٍ حُجَّةٌ لَهُمْ ، وَالْفَرَقُ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا ، وَالْمُدُّ هُوَ رُبْعُ الصَّاعِ أَوْ يُقَالُ إِنَّ الْفَرَقَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ ، وَأَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ . وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَجِّ فَقَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَفْتَحَ عَلَيْكُمْ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ أَهَمَّنِي فَفَحَصْتُ عَنْهُ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ، فَسَأَلْتُ عَنِ الصَّاعِ فَقَال : صَاعُنَا هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ لَهُمْ : مَا حُجَّتُكُمْ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالُوا نَأْتِيكَ بِالْحُجَّةِ غَدًا ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَانِي نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ شَيْخًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمُ الصَّاعُ تَحْتَ رِدَائِهِ ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ عَنْ أَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَنَّ هَذَا صَاعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هِيَ سَوَاءٌ ، قَالَ : فَعَيَّرْتُهُ فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِنُقْصَانٍ يَسِيرٍ ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا قَوِيًّا ، فَتَرَكْتُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الصَّاعِ وَأَخَذْتُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَاظَرَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِالصِّيعَانِ الَّتِي جَاءَ بِهَا أُولَئِكَ الرَّهْطُ ، فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَوْلِهِ . قُلْتُ : قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ ، وَلَا يَغُرَّنَّكَ كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ فَإِنَّهُ بَنَى الْكَلَامَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ بَعِيدَةٍ وَاحْتِمَالَاتٍ كَاسِدَةٍ ( قَالَ ) : أَبُو دَاوُدَ فَقُلْتُ لِأَحْمَدَ ( فَمَنْ قَالَ ) : فِي تَفْسِيرِ الصَّاعِ إِنَّهُ ( ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ) : فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا ؟ ( قَالَ ) : أَحْمَدُ ( لَيْسَ ذَلِكَ ) : أَيْ كَوْنُ الصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ ( بِمَحْفُوظٍ ) : بَلْ هُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ فِي الْأَحْكَامِ بِمِثْلِهِ . قُلْتُ : ذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِرِوَايَاتٍ مِنْهَا : مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ : أَتَى مُجَاهِدٌ بِقَدَحٍ حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ . فَقَالَ : حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِوُجُوهٍ . الْأَوَّلُ : أَنَّ الْحَزْرَ لَا يُعَارَضُ بِهِ التَّحْدِيدُ ، وَالثَّانِي : لَمْ يُصَرِّحْ مُجَاهِدٌ بِأَنَّ الْإِنَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ صَاعًا فَيُحْمَلُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوَانِي مَعَ تَقَارُبِهَا . وَالثَّالِثُ : أَنَّ مُجَاهِدًا قَدْ شَكَّ فِي هذا الْحَزْرِ وَالتَّقْدِيرِ فَقَالَ : ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ ، تِسْعَةَ أَرْطَالٍ ، عَشَرَةَ أَرْطَالٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، فَكَيْفَ يُعَارَضُ التَّحْدِيدُ الْمُصَرَّحُ بِهَذَا الْحَزْرِ الْمَشْكُوكِ . وَهَكَذَا فِي كُلِّ رِوَايَةٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ كَلَامٌ يُسْقِطُهَا عَنِ الِاحْتِجَاجِ . وَقَدْ بَسَطَ أَخُونَا الْمُعَظَّمُ الْأَدِلَّةَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، وَحَقَّقَ أَنَّ الصَّاعَ الْحِجَازِيَّ ، هُوَ صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . ( قَالَ ) : أَبُو دَاوُدَ : ( خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَقَدْ أَوْفَى ) : أَيْ أَتَمَّ . وَأَكْمَلَ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : نَقَلَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الصَّاعِ بَيْنَ قَدْرِ مَاءِ الْغُسْلِ وَبَيْنَ زَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَتَوَسَّطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ : الصَّاعُ الَّذِي لِمَاءِ الْغُسْلِ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ ، وَالَّذِي لِزَكَاةِ الْفِطْرِ وَغَيْرِهَا خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ انْتَهَى ( قِيلَ ) : لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ( الصَّيْحَانِيُّ ) : تَمْرٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ قِيلَ كَانَ كَبْشٌ اسْمُهُ صَيْحَانُ يُشَدُّ بِنَخْلة فَنُسِبَ إِلَيْهِ ، قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ . قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : الصَّيْحَانِيُّ ضَرْبٌ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الصَّيْحَانِيُّ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْرِ أَسْوَدُ صَلْبُ الْمَضْغَةِ ، وَسُمِّيَ صَيْحَانِيًّا لِأَنَّ صَيْحَانَ اسْمُ كَبْشٍ كَانَ رُبِطَ إِلَى نَخْلَةٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَثْمَرَتْ تَمْرًا فَنُسِبَ إِلَى صَيْحَانَ انْتَهَى . ( ثَقِيلٌ ) : فِي الْوَزْنِ ، فيَقِلُّ مِقْدَارُهُ ، فَهَلْ يَكْفِي صاع منه فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ ( قَالَ ) : أَحْمَدُ ( الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ ) : التَّمْرِ فَيَكْفِي صاع مِنْهُ بِلَا مِرْيَةٍ ( قَالَ لَا أَدْرِي ) قال ابن رسلان : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَثْقَلُ ، انتهى. فَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أيضا مِنْ مَقُولَةِ أَحْمَدَ ، أَيْ قَالَ أَحْمَدُ : الصَّيْحَانِيُّ أَطْيَبُ . وَقَالَ : لَا أَدْرِي أَيُّهُمَا مِنَ الْمَاءِ وَالصَّيْحَانِيُّ أَثْقَلُ .
بَابٌ الْمَرْأَةِ تَرَى مَا يَرَى الرَّجُلُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : ثنا عَنْبَسَةُ ، ثنا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الْأَنْصَارِيَّةَ وهِيَ أُمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ ، أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ مَا يَرَى الرَّجُلُ تَغْتَسِلُ أَمْ لَا ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ ، فَلْتَغْتَسِلْ إِذَا وَجَدَتْ الْمَاءَ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا فَقُلْتُ : أُفٍّ لَكِ وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَرِبَتْ يَمِينُكِ يَا عَائِشَةُ ، وَمِنْ أَنَ يَكُونُ الشَّبَهُ ؟ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَا رَوَى الزبيدي وعقيل وَيُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ وَابْنُ أَبِي الْوَزِيرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَوَافَقَ الزُّهْرِيُّ مُسَافِع الْحَجَبِيَّ قَالَ : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ : عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( بَابُ الْمَرْأَةِ تَرَى مَا ) مِنَ الِاحْتِلَامِ وَالْبِلَّةِ ( يَرَى الرَّجُلُ ) : فَمَا حُكْمُهَا ، وَإِنَّمَا وُضِعَ الْبَابُ لِلْمَرْأَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ مَنَعَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ دُونَ الرَّجُلِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ . وَاسْتَبْعَدَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صِحَّتَهُ عَنْهُ لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ قَالَهُ الْحَافِظُ . ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : يُقَالُ اسْتَحْيَا بِيَاءٍ قَبْلَ الْأَلِفِ يَسْتَحْيِي بِيَاءَيْنِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : يَسْتَحِي بِيَاءٍ وَاحِدَةٍ فِي الْمُضَارِعِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَالْمُرَادُ بِالْحَيَاءِ هَاهُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ ، إِذِ الْحَيَاءُ الشَّرْعِيُّ خَيْرٌ كُلُّهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيَاءَ اللُّغَوِيَّ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ وَهُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَيُحْمَلُ هُنَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ أَوْ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَقِّ . انْتَهَى ( أَرَأَيْتَ ) : أَيْ أَخْبِرْنِي ( مَا يَرَى الرَّجُلُ ) : مِنَ الْمَنِيِّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ ( إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ ) : أَيِ الْمَنِيَّ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ ( فَقُلْتُ أُفٍّ لَكِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ اسْتِحْقَارًا لَهَا وَلِمَا تَكَلَّمَتْ بِهِ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاحْتِقَارِ وَالِاسْتِقْذَارِ وَالْإِنْكَارِ . قَالَ الْبَاجِيُّ : الْمُرَادُ هَاهُنَا الْإِنْكَارُ . وَأَصْلُ الْأُفِّ وَسَخُ الْأَظْفَارِ . وَفِي أُفٍّ عَشْرُ لُغَاتٍ : أُفُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ فِي الْفَاءِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَبِالتَّنْوِينِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ ، وَالسَّابِعَةُ إِفَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالثَّامِنَةُ أُفْ عَلَى وَزْنِ قُلْ ، وَالتَّاسِعَةُ أُفِي بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْيَاءِ ، وَالْعَاشِرَةُ أُفَّهْ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبِالْهَاءِ وَهَذِهِ لُغَاتٌ مَشْهُورَاتٌ ذَكَرَهُنَّ كُلَّهُنَّ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَجَمَاعَاتٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَدَلَائِلُهَا مَشْهُورَةٌ ( وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ ( الْمَرْأَةُ ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنْكَارُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَضِيَّةَ احْتِلَامِ النِّسَاءِ يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ وُقُوعِهِ مِنَ النِّسَاءِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ يَحْتَلِمْنَ وَإِلَّا لَمَا أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ . قَالَ وَقَدْ يُوجَدُ عَدَمُ الِاحْتِلَامِ فِي بَعْضِ الرِّجَالِ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ أَوْجَدُ وَأَكْثَرُ ( فَقَالَ تَرِبَتْ يَمِينُكِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ جِدًّا لِلسَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا وَالْأَصَحُّ الْأَقْوَى الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَلِمَةٌ أَصْلُهَا افْتَقَرْتِ ، وَلَكِنِ الْعَرَبُ اعْتَادَتِ اسْتِعْمَالَهَا غَيْرَ قَاصِدَةٍ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيَّ ، فَيَذْكُرُونَ : تَرِبَتْ يَدَاكَ ، وَقَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَشْجَعَهُ ، وَلَا أُمَّ لَهُ ، وَلَا أَبَ لَكَ ، وَثَكِلَتْهُ أُمُّهُ ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنَ أَلْفَاظِهِمْ يَقُولُونَهَا عِنْدَ إِنْكَارِ الشَّيْءِ أَوِ الزَّجْرِ عَنْهُ أَوِ الذَّمِّ عَلَيْهِ أَو اسْتِعْظَامِهِ أَوِ الْحَثِّ عَلَيْهِ ، أَوِ الْإِعْجَابِ بِهِ . أَيْ إِنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ فَعَلَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنَ السُّؤَالِ عَنْ دِينِهَا فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْإِنْكَارَ ، وَاسْتَحْقَقْتِ أَنْتِ الْإِنْكَارَ لِإِنْكَارِكِ فِيهِ ( وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشِّبْهُ ) : بِكَسْرِ الشِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالثَّانِيَةُ بِفَتْحِهِمَا ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْوَلَدَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ فَأَيُّهُمَا غَلَبَ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ ، وَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ مَنِيٌّ فَإِنْزَالُهُ وَخُرُوجُهُ مِنْهَا مُمْكِنٌ ( وَكَذَا رَوَى ) : أَيْ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( وَوَافَقَ الزُّهْرِيَّ ) : مَفْعُولٌ لِوَافَقَ ( مُسَافِعٌ الْحَجَبِيُّ ) : فَاعِلٌ وَمُسَافِعٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَالْحَجَبِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَجَبَةِ جَمْعُ حَاجِبٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِمْ حَجَبَةُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بن قُرَيْشٍ ( قَالَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ بَيَانٌ لِلْمُوَافَقَةِ ( وَأَمَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ سُلَيْمٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الْحَدِيثَ ، فَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ سُلَيْمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْمَاضِيَةِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسَافِعٍ الْحَجَبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ وَقَعَتْ بَيْنَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سُلَيْمٍ ، فَبَعْضُهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَبَعْضُهُمْ رَجَّحُوا إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى . أَمَّا الْمُؤَلِّفُ فَرَجَّحَ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ حَيْثُ أَكْثَرَ بِذِكْرِ أَسَامِي الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَبَيَّنَ مُتَابَعَةِ مُسَافِعٍ الْحَجَبِيِّ لِلزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَنَقَلَ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ لِأُمِّ سَلَمَةَ لَا لِعَائِشَةَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَهُوَ ظَاهِرُ صَنِيعِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ . وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ جَمِيعًا أَنْكَرَتَا عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ جَمْعٌ حَسَنٌ . قُلْتُ : بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِصِحَّةِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي ذَلِكَ ، وَلَا يَمْتَنِعُ حُضُورُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَائِشَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، قال : حَدَّثَنَا ثَوْرٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ ثُمَّ سَاقَ نَحْوَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ قَالَ : وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ ، وَلَا يَخْتَصُّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا مِنْ سُنَنِ أَهْلِ الشَّامِ لَمْ يَشْرَكْهُمْ فِيهَا أَحَدٌ . ( سَاقَ نَحْوَهُ ) : أَيْ سَاقَ ثَوْرٌ نَحْوَ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لِيَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ تِلْمِيذَيْنِ أَحَدُهُمَا : حَبِيبُ بْنُ صَالِحٍ ، وَالْآخَرُ : ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الْكُلَاعِيُّ ، فَرِوَايَةُ ثَوْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ نَحْوَ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ ( عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ) : الْمُشَارِ إِلَيْهِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ( قَالَ ) : ثَوْرٌ ( إِلَّا بِإِذْنِهِمْ ) : وهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّائِرِ أَنْ يَؤُمَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ ، بَلْ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ مِنَ الزَّائِرِ وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّهُمْ ( وَلَا يَخْتَصُّ ) : فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يَخُصُّ ، وَخُلَاصَةُ الْمَرَامِ أَنَّ بَيْنَ رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ وَثَوْرٍ تَفَاوُتًا فِي اللَّفْظِ ، لَا فِي الْمَعْنَى ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ثَوْرٍ جُمْلَةٌ لَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ وَفِي رِوَايَةِ حَبِيبٍ جُمْلَةٌ لَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ ثَوْرٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَلَا يَنْظُرْ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ . وَبَاقِي أَلْفَاظِهِمَا مُتَقَارِبَةٌ فِي اللَّفْظِ ، وَمُتَّحِدَةٌ فِي الْمَعْنَى . كَذَا فِي مَنْهِيَّةِ غَايَةِ الْمَقْصُودِ . وَقَالَ فِيهِ : قَدْ زَلَّ قَلَمِي فِي الشَّرْحِ فِي كِتَابَةِ فَاعِلٍ لِقَوْلِهِ سَاقَ ، فَكَتَبْتُ سَاقَ ، أَيْ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَيْ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، فَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ كَتَبْتُ مِنِ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ : سَاقَ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ أَعْلَمُ . لَفْظُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ ذُهُولٌ مِنِّي فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَصْلَحَهَا ، وَأَبْدَلَهَا بِلَفْظِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ وَمَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ ، وَهَذِهِ الْكَرَاهَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ إِذَا صَلَّى كَذَلِكَ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ ، وَأَمَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لَوْ أَكَلَ أَوْ دَافَعَ الْأَخْبَثَيْنِ خَرَجَ الْوَقْتُ صَلَّى عَلَى حَالِهِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْوَقْتِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا ، وَحَكَى أَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِحَالِهِ ، بَلْ يَأْكُلُ وَيَتَطَهَّرُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَإِذَا صَلَّى عَلَى حَالِهِ وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ فَقَدِ ارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِعَادَتُهَا وَلَا يَجِبُ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ ( سُنَنِ ) : طُرُقِ ( أَهْلِ الشَّامِ ) : أَيْ رُوَايةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كُلُّهُمْ شَامِيُّونَ ( فِيهَا ) : فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ ( أَحَدٌ ) : غَيْرُ أَهْلِ الشَّامِ سِوَى أَبِي هُرَيْرَةَ .
بَابٌ أَيُصَلِّي الرَّجُلُ وَهُوَ حَاقِنٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، قال : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ النَّاسُ وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَقَامَ الصَّلَاةَ ، صَلَاةَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ قَالَ : لِيَتَقَدَّمْ أَحَدُكُمْ وَذَهَبَ الْخَلَاءِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ الْخَلَاءَ وَقَامَتْ الصَّلَاةُ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو ضَمْرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَالْأَكْثَرُ الَّذِينَ رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ قَالُوا كَمَا قَالَ زُهَيْرٌ . بَابُ أَيُصَلِّي الرَّجُلُ وَهُوَ حَاقِنٌ هُوَ مَنْ يَحْبِسُ بَوْلَهُ ، حَقَنَ الرَّجُلُ بَوْلَهُ : حَبَسَهُ وَجَمَعَهُ فَهُوَ حَاقِنٌ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ وَيُقَالُ لِمَا جُمِعَ مِنْ لَبَنٍ وَشُدَّ حَقِينٌ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَابِسُ الْبَوْلِ حَاقِنًا . وَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِلَفْظِ الْحَقْنِ الْمَعْنَى الْأَعَمَّ يَعْنِي حَبْسَ الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ وَلِذَا أَوْرَدَ فِي الْبَابِ أَحَادِيثَ مِنَ الْقِسْمَيْنِ ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْخَاصَّ ، وَهُوَ حَبْسُ الْبَوْلِ ، وَأَرَادَ بِلَفْظِ الْخَلَاءِ وَبِلَفْظِ الْأَخْبَثَانِ - الْوَاقِعَيْنِ فِي الْحَدِيثِ - أَحَدَ فَرْدَيْهِمَا ، وَهُوَ حَبْسُ الْبَوْلِ . ( وَهُوَ يَؤُمُّهُمْ ) : فِي الصَّلَاةِ . وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ صَحِبَهُ قَوْمٌ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ ( صَلَاةَ الصُّبْحِ ) : بَدَلَ مِنَ الصَّلَاةِ ( ثُمَّ قَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( لِيَتَقَدَّمْ أَحَدُكُمْ ) : لِلْإِمَامَةِ ( وَذَهَبَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( الْخَلَاءِ ) : وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مِنْ مَقُولَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ( فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ ) : فَيُفْرِغُ نَفْسَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي لِأَنَّهُ إِذَا صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ تَشَوَّشَ خُشُوعُهُ وَاخْتَلَّ حُضُورُ قَلْبِهِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَجِدُ شَيْئًا مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ( عَنْ رَجُلٍ حَدَّثَهُ ) : فَأَدْخَلُوا هَؤُلَاءِ بَيْنَ عُرْوَةَ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ رَجُلًا ورَوَى عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَيْضًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ مِثْلَ مَا رَوَى وُهَيْبٌ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ ، وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ رِوَايَةَ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ رَجُلٍ . كَذَا فِي التَّلْخِيصِ ( وَالْأَكْثَرُ ) : أَيْ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَشُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، وَوَكِيعٍ ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَالْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كِنَانَةَ ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ ، وَزَادَ ابْنُ الْأَثِيرِ : شُعْبَةَ ، وَالثَّوْرِيَّ ، وَحَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ ، وَمَعْمَرًا ( كَمَا قَالَ زُهَيْرُ ) ابْنُ مُعَاوِيَةَ بِحَذْفِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ عُرْوَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقِيلَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمٍ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَلَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ حَدِيثٌ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْمَعْنَى ، قَالُوا : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي حَزْرَةَ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ ابْنُ عِيسَى فِي حَدِيثِهِ : ابْنُ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا ، أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ فَجِيءَ بِطَعَامِهَا ، فَقَامَ الْقَاسِمُ يُصَلِّي فَقَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُصَلَّى بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ ( الْمَعْنَى ) : أَيِ الْمَعْنَى وَاحِدٌ ، وَإِنْ تَغَايَرَ أَلْفَاظُهُمْ ( قَالَ ابْنُ عِيسَى فِي حَدِيثِهِ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ ) : أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَاقْتَصَرَ يَحْيَى وَمُسَدَّدٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَطْ بِدُونِ زِيَادَةِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ ( ثُمَّ اتَّفَقُوا ) : ثَلَاثَتُهُمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ فَقَالُوا : ( أَخُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ هو أخو القاسم بن محمد ( قال ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ( فَقَامَ الْقَاسِمُ ) : ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ ، وَنَافِعٌ وَالشَّعْبِيُّ ، وَخَلَائِقُ . قَالَ مَالِكٌ : الْقَاسِمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً عَالِمًا فَقِيهًا إِمَامًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ ، وقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : مَا رَأَيْتُ أحدا أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنَ الْقَاسِمِ ( لَا يُصَلَّى ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَا صَلَاةَ ( بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ) : أَيْ عِنْدَ حُضُورِ طَعَامٍ تَتُوقُ نَفْسُهُ إِلَيْهِ ، أَيْ لَا تُقَامُ الصَّلَاةُ فِي مَوْضِعٍ حَضَرَ فِيهِ الطَّعَامُ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَكْلَهُ ، وَهُوَ عَامٌّ لِلنَّفْلِ وَالْفَرْضِ وَالْجَائِعِ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ الَّذِي يُرِيدُ أَكْلَهُ فِي الْحَالِ لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ ( وَلَا ) : يُصَلِّي ( وَهُوَ ) : الْمُصَلِّي ( يُدَافِعُهُ ) : الْمُصَلِّيَ ( الْأَخْبَثَانِ ) : فَاعِلُ يُدَافِعُ وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ ، أَيْ لَا صَلَاةَ حَاصِلَةٌ لِلْمُصَلِّي حَالَةَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ وَهُوَ يُدَافِعُهُمَا لِاشْتِغَالِ الْقَلْبِ بِهِ وَذَهَابِ الْخُشُوعِ ، وَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ وَيُذْهِبُ كَمَالَ الْخُشُوعِ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ فِيهِ مَذَاهِبُ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْأَكْلِ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مَنْدُوبٌ وَمَنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْحَاجَةِ وَمَنْ لَمْ يُقَيِّدْ ، وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ : لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ ، وَلَا يَنْظُرُ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ ، وَلَا يُصَلِّي وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ . ( ثَلَاثٌ ) : ثَلَاثُ خِصَالٍ بِالْإِضَافَةِ ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ ، وَلِهَذَا جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ ( أَنْ يَفْعَلَهُنَّ ) : الْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْ أَنْ وَالْفِعْلِ فَاعِلُ يَحِلُّ ، أَيْ لَا يَحِلُّ فِعْلُهُنَّ بَلْ يَحْرُمُ ، قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ ( لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ ) : يَؤُمُّ بِالضَّمِّ خَبَرٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ ( فَيَخُصُّ ) : قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : هُوَ بِالضَّمِّ لِلْعَطْفِ وَبِالنَّصْبِ لِلْجَوَابِ . وَقَالَ الْعَزِيزِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ : هُوَ مَنْصُوبٌ بِأَنِ الْمُقَدَّرَةِ لِوُرُودِهِ بَعْدَ النَّفْيِ عَلَى حَدِّ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ( بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ ) : قَالَ الْعَزِيزِيُّ : أَيْ فِي الْقُنُوتِ خَاصَّةً بِخِلَافِ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّشَهُّدِ . وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ : مَعْنَاهُ تَخْصِيصُ نَفْسِهِ بِالدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَالسُّكُوتِ عَنِ الْمُقْتَدِينَ وَقِيلَ : نَفْيُهُ عَنْهُمْ كَارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا ، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا ، وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ ، أَوِ الثَّانِي حَرَامٌ فَقَطْ ، لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ : اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ الْحَدِيثَ ، وَالدُّعَاءُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ يَحْتَمِلُ كَوْنَهُ كَالدَّاخِلِ وَعَدَمِهِ ( فَإِنْ فَعَلَ ) : أَيْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ ( فَقَدْ خَانَهُمْ ) : لِأَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ أَمَانَةٌ وَتَرْكُهُ خِيَانَةٌ ( وَلَا يَنْظُرُ ) : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى يَؤُمُّ ( فِي قَعْرِ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : قَعْرُ الشَّيْءِ نِهَايَةُ أَسْفَلِهِ وَالْجَمْعُ قُعُورٌ ، مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ ، وَمِنْهُ جَلَسَ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ ، كِنَايَةٌ عَنِ الْمُلَازَمَةِ . انْتَهَى . وَالْمُرَادُ هَاهُنَا دَاخِلُ الْبَيْتِ ( قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ ) : أَهْلَهُ . فِيهِ تَحْرِيمُ الِاطِّلَاعِ فِي بَيْتِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ( فَإِنْ فَعَلَ ) : اطَّلَعَ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ( دَخَلَ ) : ارْتَكَبَ إِثْمَ مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ ( وَلَا يُصَلِّي ) : بِكَسْرِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ فِعْلٌ مُضَارِعٌ وَالْفِعْلُ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ ، وَالنَّكِرَةُ إِذَا جَاءَتْ فِي مَعْرِضِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَيَدْخُلُ فِي نَفْيِ الْجَوَازِ صَلَاةُ فَرْضِ الْعَيْنِ وَالْكِفَايَةِ ، كَالْجِنَازَةِ وَالسُّنَّةِ فَلَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْهَا ( حَقِنٌ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْحَاقِنُ وَالْحَقِنُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بِمَعْنًى ( يَتَخَفَّفَ ) : بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ ، أَيْ يُخَفِّفَ نَفْسَهُ بِخُرُوجِ الْفَضْلَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ مُخْتَصَرٌ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أُمَامَةَ ، وَحَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ قَالَ : وَكَانَ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ ، عَنْ ثَوْبَانَ فِي هَذَا أَجْوَدُ إِسْنَادًا وَأَشْهَرُ . انْتَهَى .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ الْبِلَّةَ فِي مَنَامِهِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : ثنا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ الْخَيَّاطُ ، قال : ثنا عَبْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سُئِلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا ، قَالَ : يَغْتَسِلُ وَعَنْ الرَّجُلِ يَرَى أَن قَدْ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ ، قَالَ : لَا غُسْلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ : الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَجِدُ الْبِلَّةَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ : الرَّطْبَةُ مِنَ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ ، يُقَالُ : بَلَلْتُهُ مِنَ الْمَاءِ بَلًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَابْتَلَّ هُوَ ( فِي مَنَامِهِ ) : وَلَا يَذْكُرُ الِاحْتِلَامَ فَمَا حُكْمُهُ ( يَجِدُ الْبَلَلَ ) : بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الرُّطُوبَةَ ( وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا ) : الِاحْتِلَامُ : افْتِعَالٌ مِنَ الْحُلْمِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ يُقَالُ مِنْهُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ وَاحْتَلَمَ وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا أَمْرٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْجِمَاعُ أَيْ لَا يَذْكُرُ أَنَّهُ جَامَعَ فِي النَّوْمِ ( يَغْتَسِلُ ) : خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَهُوَ لِلْوُجُوبِ ( يَرَى ) بِفَتْحِ الْيَاءِ أَيْ يَعْتَقِدُ وَبِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ يَظُنُّ ( قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ إِذَا رَأَى بِلَّةً وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : أَعْجَبُ إِلَيَّ أَنْ يَغْتَسِلَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا الْمَاءُ الدَّافِقُ ، وَاسْتَحَبُّوا أَن يَغْتَسِلَ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَرَ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاغْتِسَالُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَمَاعَةُ الْأُولَى مِنْ أَنَّ مُجَرَّدَ رُؤْيَةِ الْبِلَّةِ فِي الْمَنَامِ مُوجِبٌ لِلِاغْتِسَالِ هُوَ أَوْفَقُ بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِلَفْظِ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ وَبِحَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ بِلَفْظِ لَيْسَ عَلَيْهَا غُسْلٌ حَتَّى تُنْزِلَ فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ وُجُودِ الْمَنِيِّ سَوَاءٌ انْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ الدَّفْقُ وَالشَّهْوَةُ أَمْ لَا وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ) : هِيَ أُمُّ أَنَسٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَهَرَتْ بِكُنْيَتِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا ( أَعْلَيْهَا غُسْلٌ ) : بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَ عَلَيْهَا خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَغُسْلٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ( إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى التَّعْلِيلِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَيْ نَظَائِرُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ كَأَنَّهُنَّ شُقِقْنَ مِنْهُمْ وَلِأَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ مِنْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَشَقِيقُ الرَّجُلِ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَلِأُمِّهِ ، لِأَنَّ شِقَّ نَسَبِهِ مِنْ نَسَبِهِ ، يَعْنِي فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَلَلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالرَّجُلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ إِثْبَاتُ الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقُ حُكْمِ النَّظِيرِ بِالنَّظِيرِ ، فَإِنَّ الْخِطَابَ إِذَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْمُذَكَّرِ كَانَ خِطَابًا لِلنِّسَاءِ إِلَّا مَوَاضِعَ الْخُصُوصِ الَّتِي قَامَتْ أَدِلَّةُ التَّخْصِيصِ فِيهَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّ رَاوِيهِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ .
بَابٌ فِي الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا حَمَّادٌ ، عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ . بَابٌ فِي الْجُنُبِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ وَهُوَ أَيِ الْإِمَامُ الْجُنُبُ ( نَاسٍ ) : لِلْجَنَابَةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَمَاذَا يَصْنَعُ . ( فَأَوْمَأَ ) : بِالْهَمْزَةِ أَيْ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ ، يُقَالُ أَوْمَأْتُ إِلَيْهِ أَشَرْتُ وَلَا يُقَالُ أومَيْتُ وَوَمَأْتُ إِلَيْهِ ( أَنْ مَكَانَكُمْ ) : أَنْ مُفَسِّرَةٌ وَمَكَانَكُمْ بِالنَّصْبِ أَيِ امْكُثُوا مَكَانَكُمْ وَالْزَمُوهُ ( يَقْطُرُ ) : بِضَمِّ الطَّاءِ أَيْ يَسِيلُ بِسَبَبِ الِاغْتِسَالِ .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، قال : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، قال : ثنا الزُّبَيْدِيُّ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْأَزْرَقِ ، قال : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ ، قال : ثنا رَبَاحٌ ، عَنْ مَعْمَرٍ ( ح ) وَثنا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ ، قال : ثنا الْوَلِيدُ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مَقَامِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ ، فَقَالَ لِلنَّاسِ : مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ قَدْ اغْتَسَلَ وَنَحْنُ صُفُوفٌ وَهَذَا لَفْظُ ابْنُ حَرْبٍ ، وَقَالَ عَيَّاشٌ فِي حَدِيثِهِ : فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدْ اغْتَسَلَ . ( إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ ) : بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ صَنْعَاءُ الْيَمَنِ . وَأَذَّنَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ بِمَسْجِدِهَا سَبْعِينَ سَنَةً ( مُؤَمَّلٌ ) : عَلَى وَزْنِ مُحَمَّدٍ ( فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى خَرَجَ فِي حَالِ الْإِقَامَةِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْإِقَامَةُ تَقَدَّمَتْ خُرُوجَهُ ، وَكَانَ مِنْ شَأْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يُكَبِّرَ حَتَّى تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ ، وَكَانَتْ تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ سُنَّةً مَعْهُودَةً عِنْدَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( فِي مَقَامِهِ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ فِي مُصَلَّاهُ ( ذَكَرَ ) : أَيْ تَذَكَّرَ لَا أَنَّهُ قَالَ لَفْظًا ، وَعَلِمَ الرَّاوِي بِذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ ، أَوْ بِإِعْلَامِهِ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ( يَنْطِفُ ) : بِكَسْرِ الطَّاءِ وَضَمِّهَا أَيْ يَقْطُرُ ( صُفُوفٌ ) : جَمْعُ الصَّفِّ ، يُقَالُ : صَفَفْتُ الشَّيْءَ صَفًّا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَهُوَ مَصْفُوفٌ وَصَفَفْتُ الْقَوْمَ فَاصْطَفُّوا ( فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ ) : وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي فِيهَا ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا ، وَسَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَلْفَاظِ بَقِيَّةِ الرُّوَاةِ ، فَلَعَلَّهَا كَانَتْ نَحْوَ لَفْظِ ابْنِ حَرْبٍ وَعَيَّاشٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَاعْلَمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَوَائِدُ مِنْهَا : أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ إِذَا ذَكَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ . وَمِنْهَا جَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى بِهِمْ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرَةَ ظَاهِرٌ أَنَّ الْإِقَامَةَ لَمْ تُعَدْ وَلَمْ تُجَدَّدْ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالضَّرُورَةِ وَبِأَمْنِ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَعَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِذَا بَعُدَتِ الْإِقَامَةُ مِنَ الْإِحْرَامِ تُعَادُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ . وَمِنْهَا : جَوَازُ انْتِظَارِ الْمَأْمُومِينَ مَجِيءَ الْإِمَامِ قِيَامًا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ غَيْرُ الْقِيَامِ الْمَنْهِيِّ فِي حَدِيثِ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِوَايَةَ أَبِي بَكْرَةَ الْمُتَّصِلَةَ وَرِوَايَاتِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُرْسَلَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ بَعْدَمَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ . وَكَذَا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالَّتِي أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ ، وَحَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهِ وَوَصْلِهِ انْتَهَى . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ وَالشَّيْخَانِ تَدُلُّ بِدَلَالَةٍ صَرِيحَةٍ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ بَعْدَمَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَقَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ، فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ مُعَارِضَةٌ لِلرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ قَوْلِهِ كَبَّرَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهُ قَامَ فِي مَقَامِهِ لِلصَّلَاةِ وَتَهَيَّأَ لِلْإِحْرَامِ بِهَا وَأَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ أَوْ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ ، أَبَدَاهُ الْعِيَاضُ وَالْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الْأَظْهَرُ وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ كَعَادَتِهِ ، فَإِنْ ثَبَتَ وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ انْتَهَى . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ نَسِيَ الْجَنَابَةَ وَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ ، إِنَّمَا الْإِعَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ فَقَطْ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ حَكَاهُ الْأَثْرَمُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ : إِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ أَيْضًا قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ . وَلِلطَّائِفَتَيْنِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ فَمِنَ الأَحَادِيثِ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُصَلُّونَ بِكُمْ فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ . وَمِنْهَا حَدِيثُ بَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا إِمَامٍ سَهَا فَصَلَّى بِالْقَوْمِ وَهُوَ جُنُبٌ فَقَدْ مَضَتْ صَلَاتُهُمْ وَلْيَغْتَسِلْ هُوَ ثُمَّ لِيُعِدْ صَلَاتَهُ ، وَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَمِثْلُ ذَلِكَ وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ جُوَيْبِرًا أَحَدَ رُوَاتِهِ مَتْرُوكٌ وَالضَّحَّاكَ الرَّاوِي عَنِ الْبَرَاءِ لَمْ يَلْقَهُ ، وَمِنَ الآثَارِ لَهُمْ مَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ ثُمَّ غَدَا إِلَى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَقَالَ : إِنَّا لَمَّا أَصَبْنَا الْوَدَكَ لَانَتِ الْعُرُوقُ فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ الِاحْتِلَامَ مِنْ ثَوْبِهِ وَعَادَ لِصَلَاتِهِ . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ بِلَفْظِ : أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ فَأَعَادَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يُعِيدُوا . وَلِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى مِنَ الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : الْإِمَامُ ضَامِنٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ الْهَيْثَمِيُّ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ أَيْضًا . قَالُوا : إِنَّ الْإِمَامَ إِذَا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَسَدَتْ صَلَاةُ الْمُؤْتَمِّ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا جُعِلَ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ لِصَلَاةِ الْمُقْتَدِي ، فَصَلَاةُ الْمُقْتَدِي مَشْمُولَةٌ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مُتَضَمِّنَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ ، فَصِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِصِحَّةِ صلاة الْإِمَامِ وَفَسَادُهَا بِفَسَادِهَا ، فَإِذَا صَلَّى الْإِمَامُ جُنُبًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ أَيْضًا ، فَإِذَا عَلِمَ ذَلِكَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ لِلْإِمَامِ إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِهِ لِيُعِيدُوا صَلَاتَهُمْ ، وَلَوْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ لَا إِثْمَ عَلَيْهِمْ ، وَلِلطَّائِفَةِ الْأُخْرَى آثَارٌ كُلُّهَا ضِعَافٌ . وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى بِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ ، فَرِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْوِيَّةُ فِي الصَّحِيحَيْنِ رَاجِحَةٌ ، وَرِوَايَاتُ غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مَرْجُوحَةٌ ، إِذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّ التَّرْجِيحَ لِأَحَادِيثِ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ . قُلْتُ : وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا كُلَّهُ فَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَحَدِيثَ أَنَسٍ الَّذِي صَحَّحَهُ الْهَيْثَمِيُّ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَسَادِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ بِفَسَادِ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْجَنَابَةَ وَانْصَرَفَ وَبَقِيَ النَّاسُ قِيَامًا مُنْتَظِرِينَ ، فَكَانَ بَعْضُ صَلَاتِهِمْ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ مَعَ أَنَّهُ أَعْظَمُ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ ، فَثَبَتَ بِهَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ النَّاسِي ، وَيُؤَيِّدُهُ فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا كَمَا مَرَّ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا فِعْلُ عُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا أَخْرَجَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ . وَأَمَّا التَّرْجِيحُ لِأَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا عِنْدَ التَّعَارُضِ فَهُوَ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ ، لَكِنْ لَيْسَ هَاهُنَا التَّعَارُضُ لِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ ، فَحَدَّثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا شَاهَدَ ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ أَنَّ كَبَّرَ فِي مَعْنَى قَارَبَ أَنْ يُكَبِّرَ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ أَنَّ الَّذِينَ صَلَّوْا خَلْفَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ بَلْ سَكَتُوا فَفِي سُكُوتِهِمْ وَعَدَمِ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ إِيَّاهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ دَلَالَةٌ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَأَنَّهُ كَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ عِلْمٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مِنْ قِبَلِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ : إِنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ بَعْدَمَا كَبَّرَ وَدَخَلَ الصَّلَاةَ لَا تُقَاوِمُ رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ قَبْلَ التَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ بَعْضُهَا مُرْسَلَةٌ وَبَعْضُهَا مَرْفُوعَةٌ ، فَأَمَّا الْمُرْسَلَةُ فَمُرْسَلَةٌ ، وَأَمَّا الْمَرْفُوعَةُ فَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرَةَ ، وَإِنْ صَحَّحَها ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي إِرْسَالِهَا وَوَصْلِهَا قَالَهُ الْحَافِظُ . وَرِوَايَةُ أَنَسٍ وَإِنْ كَانَ جَيِّدَ الْإِسْنَادِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهَا وَإِرْسَالِهَا أَيْضًا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ مَاجَهْ فَقَالَ الْحَافِظُ : فِي إِسْنَادِهَا نَظَرٌ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَلِيٍّ مَرْفُوعَةً فَمَدَارُ طُرُقِهَا عَلَى ابْنِ لَهِيعَةَ . فَلَمَّا لَمْ تَصْلُحْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَالشَّيْخَانِ ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِدَفْعِ التَّعَارُضِ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا تدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَلَا حَاجَةَ أَيْضًا إِلَى ارْتِكَابِ التَّجَوُّزِ فِي مَعْنَى كَبَّرَ وَدَخَلَ ، وَلَاحَ لَكَ أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجُنُبِ النَّاسِي لَيْسَ بِتَامٍّ ، وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا لِأَنَّهُ هُوَ أَفْعَالُهُمْ ، وَأَمَّا الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا ، لِأَنَّهُمْ رَأَوُا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ فَغَيْرُ مَقْطُوعٍ لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، مَعَ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ الصَّحِيحِ : الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَكَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ : يُصَلُّونَ بِكُمْ ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ لَيْسَ بِتَامٍّ أَيْضًا ، لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَطَأَ الْمُقَابِلَ لِلْعَمَلِ ، لِأَنَّهُ لَا إِثْمَ فِيهِ بَلِ الْمُرَادُ ارْتِكَابُ الْخَطِيئَةِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْوَادِي فَتَأَمَّلْ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قال : أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَقَالَ فِي أَوَّلِهِ : فَكَبَّرَ . وَقَالَ فِي آخِرِهِ : فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ ثُمَّ قَالَ : كَمَا أَنْتُمْ . وَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَكَبَّرَ ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى الْقَوْمِ أَنْ اجْلِسُوا ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قال : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ فِي صَلَاةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : حَدَّثَنَا أَبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَبَّرَ . ( بِإِسْنَادِهِ ) : الْأَوَّلِ مِنْ زِيَادٍ إِلَى أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ ( وَمَعْنَاهُ ) : أَيْ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ( وَقَالَ ) : يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ( فِي أَوَّلِهِ ) : أَيْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ ( فَكَبَّرَ ) : أَيْ دَخَلَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَكَبَّرَ ( وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا ) : فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ كَمَا فِي رِوَايَةِ للدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ ( وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ ) : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَبَّرَ ( وَكَذَلِكَ ) : أَيْ مُرْسَلًا وَبِزِيَادَةِ لَفْظِ كَبَّرَ ( رَوَاهُ مَالِكُ ) : بْنُ أَنَسٍ فِي مُوَطَّئِهِ .
بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، قال : ثنا أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ قَالَ حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ بِنْتُ دَجَاجَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصْنَعْ الْقَوْمُ شَيْئًا رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ رُخْصَةٌ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ فَقَالَ : وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنْ الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُوَ فُلَيْتٌ الْعَامِرِيُّ . بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَكَذَا الْحَائِضُ هَلْ يَجُوزُ لَهُمَا ( حَدَّثَتْنِي جَسْرَةُ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ( بِنْتُ دِجَاجَةَ ) : قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ : رَأَيْتُ فِي كِتَابِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ لِابْنِ الْقَطَّانِ الْمُقَرُّ وعَلَيْهِ دِجَاجَةٌ بِكَسْرِ الدَّالِ وَعَلَيْهَا صَحَّ وَكَتَبَ النَّاسِخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِكَسْرِ الدَّالِ انْتَهَى . وَقَالَ مُغَلْطَاي هِيَ بِكَسْرِ الدَّالِ لَا غَيْرُ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي أَمْثَالِهِ ( وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ ) : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَوَجْهُ الْبَيْتِ الْحَدُّ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ ، وَلِذَا قِيلَ لِحَدِّ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْبَابُ وَجْهُ الْكَعْبَةِ أَيْ كَانَتْ أَبْوَابُ بُيُوتِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( شَارِعَةً فِي الْمَسْجِدِ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَشْرَعْتُ بَابًا إِلَى الطَّرِيقِ أَيْ فَتَحْتُ ، وَفِي الْمِصْبَاحِ شَرَعَ الْبَابَ إِلَى الطَّرِيقِ شُرُوعًا اتَّصَلَ بِهِ وَشَرَعْتُهُ أَنَا يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا وَيَتَعَدَّى بِالْأَلِفِ أَيْضًا فَيُقَالُ أَشْرَعْتُهُ إِذَا فَتَحْتُهُ وَأَوْصَلْتُهُ ، وَطَرِيقٌ شَارِعٌ يَسْلُكُهُ النَّاسُ عَامَّةً . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَتْ أَبْوَابُ بَعْضِ الْبُيُوتِ حَوْلَ مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفْتُوحَةً يَدْخُلُونَ مِنْهَا فِي الْمَسْجِدِ وَيَمُرُّونَ فِيهِ فَأُمِرُوا أَنْ يَصْرِفُوهَا إِلَى جَانِبٍ آخَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ ( فَقَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجِدِ ) : أَيِ اصْرِفُوا أَبْوَابَ الْبُيُوتِ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ مِنَ الْمَسْجِدِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُقَالُ وَجَّهْتُ الرَّجُلَ إِلَى نَاحِيَةِ كَذَا . إِذَا جَعَلْتُ وَجْهَهُ إِلَيْهَا ، وَوَجَّهْتُهُ عَنْهَا إِذَا صَرَفْتُهُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا ( ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بُيُوتِهِمْ ( وَلَمْ يَصْنَعِ الْقَوْمُ شَيْئًا ) : مِنْ تَحْوِيلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ ( رَجَاءَ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَجَاءَة أَنْ تَنْزِلَ لَهُمْ ( رُخْصَةٌ ) : مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ ( فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدُ ) : أَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ( فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ ) : وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى حُرْمَةِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ ، لَكِنَّهُ مُؤَوَّلٌ عَلَى الْمُكْثِ طَوِيلًا كَانَ أَوْ قَصِيرًا . وَأَمَّا عُبُورُهُمُا وَمُرُورُهُمُا مِنْ غَيْرِ مُكْثٍ فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ إِلَّا إِذَا خَافَتِ التَّلَوُّثَ . وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ قَالَ لَا تَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ وَأَنْتُمْ جُنُبٌ إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ قَالَ تَمُرُّ بِهِ مَرًّا وَلَا تَجْلِسُ . ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَسْرُوقٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي مَالِكٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَابْنِ شِهَابٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَالْعُبُورُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ لَا فِي الصَّلَاةِ . وَتَقْيِيدُ جَوَازِ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْمَارِّ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَكُونُ تَكْرَارًا يُصَانُ الْقُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : وَمِنَ الآيَةِ الْمَذْكُورَةِ احْتَجَّ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَجُوزُ لَهُ الْمُرُورُ ، وَكَذَا الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِي مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ يُمْنَعُ مُرُورُهُمَا لِاحْتِمَالِ التَّلْوِيثِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنْ أَمِنَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا التَّلْوِيثَ فِي حَالِ الْمُرُورِ جَازَ لَهُمَا الْمُرُورُ وَإِلَّا فَلَا . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْعُبُورِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ مُتَرَدِّدًا عَلَى أَيِّ حَالٍ مُتَوَضِّئًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِإِطْلَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ لَا يَجُوزُ الْعُبُورُ إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا مِنْهُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَمُرُّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ يَتَيَمَّمُ . وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ يُبَاحُ الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْحَاجَةِ مِنْ أَخْذِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ أَوْ كَوْنِ الطَّرِيقِ فِيهِ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ انْتَهَى كَلَامُهُ قُلْتُ : الْقَوْلُ الْمُحَقَّقُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ جَوَازُ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآيَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ فَقُلْتُ إِنِّي حَائِضٌ فَقَالَ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا الْبُخَارِيَّ ، وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُ عَلَى إِحْدَانَا وَهِيَ حَائِضٌ فَيَضَعُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمَّ تَقُومُ إِحْدَانَا بِخُمْرَةٍ فَتَضَعُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ حَائِضٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ . وَأَمَّا الْمُكْثُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّهُ مَتَى تَوَضَّأَ الْجُنُبُ جَازَ لَهُ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إِذَا تَوَضَّؤوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَضَعَّفُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا : أَفْلَتُ رَاوِيهِ مَجْهُولٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِهِ ، وَفِيمَا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَجْهُولٌ نَظَرٌ فَإِنَّهُ أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ وَيُقَالُ فُلَيْتُ بْنُ خَلِيفَةَ الْعَامِرِيُّ وَيُقَالُ الذُّهْلِيُّ وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَسَّانَ حَدِيثُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ ، رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَا أَرَى بِهِ بَأْسًا . وَسُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ : شَيْخٌ . وَحَكَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دِجَاجَةَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ وَعِنْدَ جَسْرَةَ عَجَائِبُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ ) : أَيْ أَفْلَتُ يُقَالُ لَهُ ( فُلَيْتُ الْعَامِرِيُّ ) : أَيْضًا .
بَابٌ فِي الْجُنُبِ يُصَافِحُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا يَحْيَى ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فَأَهْوَى إِلَيْهِ فَقَالَ : إِنِّي جُنُبٌ فَقَالَ : إِنَّ الْمُسْلِمَ ليس بنجُسُ بَابٌ فِي الْجُنُبِ يُصَافِحُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ . ( لَقِيَهُ ) : أَيْ حُذَيْفَةَ ، زَادَ مُسْلِمٌ وَهُوَ جُنُبٌ ( فَأَهْوَى ) : قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : أَهْوَى إِلَى الشَّيْءِ بِيَدِهِ : مَدَّهَا لِيَأْخُذَهُ إِذَا كَانَ عَنْ قُرْبٍ ، وَإِنْ كَانَ عَنْ بُعْدٍ قِيلَ هَوَى إِلَيْهِ بِغَيْرِ أَلِفٍ . انْتَهَى ( إِلَيْهِ ) : أَيْ مَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ ( فَقَالَ ) : حُذَيْفَةُ ( إِنِّي جُنُبٌ ) : وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسحَهُ وَدَعَا لَهُ ، قَالَ : فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا بُكْرَةً فَحِدْتُ عَنْهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُكَ فَحِدْتَ عَنِّي ؟ فَقُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ أَنْ تَمَسَّنِي ( فَقَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيْسَ بِنَجَسٍ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ وَإِذَا كَانَ لَا يَنْجُسُ فَعَرَقُهُ لَا يَنْجُسُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي طَهَارَةِ الْمُسْلِمِ حَيًّا وَمَيِّتًا ، فالْحَيُّ فَطَاهِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى الْجَنِينُ وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ أَبْدَانُهُمْ وَثِيَابُهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ حَتَّى تُتَيَقَّنَ النَّجَاسَةُ فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِهِمْ وَالْأَكْلُ مَعَهُمْ مِنَ الْمَائِعِ إِذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهِ ، وَدَلَائِلُ هَذَا كُلِّهِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ مَشْهُورَةٌ . وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَعْلِيقًا . الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا انْتَهَى . وَتَمَسَّكَ بِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ نَجَسُ الْعَيْنِ وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ لِاعْتِيَادِهِ مُجَانَبَةَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ عَنِ النَّجَاسَةِ . وَعَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ نَجَسٌ فِي الِاعْتِقَادِ وَالِاسْتِقْذَارِ . وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَرَقَهُنَّ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ مَنْ يُضَاجِعُهُنَّ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْكِتَابِيَّةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمَةِ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآدَمِيَّ الْحَيَّ لَيْسَ بِنَجَسِ الْعَيْنِ ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا يَحْيَى وَبِشْرٌ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَأَنَا جُنُبٌ ، فَاخْتَنَسْتُ ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ . قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ قَالَ وفِي حَدِيثِ بِشْرٍ : قال : ثنا حُمَيْدٌ قال : ثني بَكْرٌ . ( فَاخْتَنَسْتُ ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ثُمَّ النُّونِ ثُمَّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَالْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ الْكِتَابِ ، وَالْمَعْنَى : تَأَخَّرْتُ وَتَوَارَيْتُ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) : تَعَجَّبَ مِنِ اعْتِقَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّنَجُّسَ بِالْجَنَابَةِ أَيْ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الظَّاهِرُ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَنْبِيهِ الْمَتْبُوعِ لِتَابِعِهِ عَلَى الصَّوَابِ ، وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ . قَالَهُ الْحَافِظُ ( إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ ) : يُقَالُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ وَفِي مَاضِيهِ لُغَتَانِ نَجِسَ وَنَجُسَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا فَمَنْ كَسَرَهَا فِي الْمَاضِي فَتَحَهَا فِي الْمُضَارِعِ وَمَنْ ضَمَّهَا فِي الْمَاضِي ضَمَّهَا فِي الْمُضَارِعِ أَيْضًا . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لَا يَنْجُسُ أَيْ بِالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ ، إِذِ الْمَقَامُ مَقَامُ الْحَدَثِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالنَّجَاسَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ الْمُرَادَ نَفْسُهُ لَا يَصِيرُ نَجَسًا ، لِأَنَّهُ إِنْ صَحِبَهُ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَةِ فَنَجَاسَتُهُ بِسَبَبِ صُحْبَتِهِ بِذَلِكَ ، لَا أَنَّ ذَاتَهُ صَارَ نَجَسًا ، فَإِذَا زَالَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ ، فَالْمُؤْمِنُ عَلَى حَالِهِ مِنَ الطَّهَارَةِ ، فَصَدَقَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ أَصْلًا ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُقْتَضَى مَا فَعَلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَصِيرُ نَجَسًا بِحَيْثُ يُحْتَرَزُ عَنْ صُحْبَتِهِ حَالَةَ الْجَنَابَةِ فَرَدَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَصِيرُ كَذَلِكَ أَصْلًا ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يُحْتَرَزُ عَنْهُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَصْحَبُهُ مِنْ بَعْضِ الْأَنْجَاسِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مِنْ خَارِجٍ . قَالَهُ الْفَاضِلُ السِّنْدِيُّ فِي حَوَاشِي التِّرْمِذِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الِاغْتِسَالِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهِ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ : الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَنَوَى الِاغْتِسَالَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ يَنْجُسُ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ لِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَنْجُسُ بِالْجَنَابَةِ فَكَذَلِكَ مَا تَحَلَّبَ مِنْهُ انْتَهَى ( قَالَ ) : الْمُؤَلِّفُ ( ثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ ثَني بَكْرٌ ) : فَرَوَى بِشْرٌ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ بِالتَّحْدِيثِ ، وَأَمَّا يَحْيَى الْقَطَّانُ فَبِالْعَنْعَنَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ : فَانْسَلَلْتُ ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَانْخَنَسْتُ ، وَفِي لَفْظٍ : فَانْسَلَلْتُ . وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ : فَانْسَلَّ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ ، قال : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِإِنَاءٍ يَسَعُ رَطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ . قال أبو داود : ورواه شعبة قال : حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر ، قال : سمعت أنسا إلا أنه قال : يتوضأ بمكوك ولم يذكر رطلين . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ورَوَاهُ يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ شَرِيكٍ قَالَ : عَنْ ابْنِ جَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ . قَالَ : وَرَوَاهُ سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى قَالَ : حَدَّثَنِي جَبْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : الصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ ، قال أبو داود : وَهُوَ صَاعُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَهُوَ صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( يَسَعُ رِطْلَيْنِ ) : مِنَ الْمَاءِ ، وَالرِّطْلُ مِعْيَارٌ يُوزَنُ بِهِ وَكَسْرُهُ أَشْهَرُ مِنْ فَتْحِهِ ، وَهُوَ بِالْبَغْدَادِيِّ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً ، وَالْأُوقِيَّةُ أَسْتَارٌ وَثُلُثَا أَسْتَارٍ ، وَالْأَسْتَارُ أَرْبَعَةُ مَثَاقِيلَ وَنِصْفِ مِثْقَالٍ ، وَالْمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَالدِّرْهَمُ سِتَّةُ دَوَانِيقَ ، وَالدَّانَقُ ثَمَانِي حَبَّاتٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ ، وَعَلَى هَذَا فَالرِّطْلُ تِسْعُونَ مِثْقَالًا وَهِيَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَالْجَمْعُ أَرْطُلٌ . وَالرِّطْلُ مِكْيَالٌ أَيْضًا وَهُوَ بِالْكَسْرِ ، وَبَعْضُهُمْ يَحْكِي فِيهِ الْفَتْحِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( إِلَّا أَنَّهُ ) : أَيْ شُعْبَةُ ( بِمَكُّوكٍ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْكَافِ الْأُولَى وَتَشْدِيدِهَا جَمْعُهُ مَكَاكِيكٌ وَمَكَاكِيٌّ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَكُّوكِ هَاهُنَا الْمُدُّ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَرَادَ بِالْمَكُّوكِ الْمُدَّ ، وَقِيلَ : الصَّاعَ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ ، وَجَمْعُهُ الْمَكَاكِيُّ بِإِبْدَالِ الْيَاءِ مِنَ الْكَافِ الْأَخِيرَةِ . وَالْمَكُّوكُ اسْمٌ لِلْمِكْيَالِ ، وَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُهُ بِاخْتِلَافِ الِاصْطِلَاحِ فِي الْبِلَادِ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْمُرَادُ بِالْمَكُّوكِ هَاهُنَا الْمُدُّ لَا غَيْرُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُفَسَّرًا بِالْمُدِّ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هَاهُنَا الْمُدُّ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى . وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ : الْمَكُّوكُ : الْمُدُّ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : شُعْبَةَ كَمَا ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِيسَى ( عَتِيكٌ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَكَسْرِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ ( قَالَ ) : أَبُو دَاوُدَ وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الرَّاوِي عَنْ أَنَسٍ ، فَقَالَ شُعْبَةُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ ، فَقَالَ شَرِيكٌ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَبْرٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ : هُوَ ابْنُ جَبْرٍ ، وَأَمَّا سُفْيَانُ فَقَالَ جَبْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالصَّحِيحُ الْمَحْفُوظُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرِ بْنِ عَتِيكٍ لِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ الْحُفَّاظِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( وَهُوَ ) : أَيْ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ فِي تَقْدِيرِ الصَّاعِ ( ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ أَبُو الْحَارِثِ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ عَنْ نَافِعٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَشُرَحْبِيلَ ، وَعَنْهُ الثَّوْرِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَجَمَاعَةٌ . قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ من أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاةِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانُوا يُوَهِّنُونَهُ فِي الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَا وَثَّقَهُ أَحْمَدُ ، وَلَمْ يَرْضَهُ فِي الزُّهْرِيِّ ، وَرُمِيَ بِالْقَدَرِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ، بَلْ نَفَى ذَلِكَ عَنْهُ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُعَظِّمُهُ جِدًّا حَتَّى قَدَّمَهُ فِي الْوَرَعِ عَلَى مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي سَمَاعِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الزُّهْرِيِّ شَيْءٌ ، فَحَلَفَ الزُّهْرِيُّ أَنْ لَا يُحَدِّثَهُ ثُمَّ نَدِمَ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ : هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ فِي الزُّهْرِيِّ مِنْ كُلِّ شَامِيٍّ ( وَهُوَ ) : أَيْ صَاعُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ كَصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مَا يَسَعُ فِيهِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنَ الْمَاءِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ ، وَيَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيٍّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ وَفِي رِوَايَةٍ مَكَاكِيٍّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قال : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ ، عَنْ جَدَّتِي ، وَهِيَ أُمُّ عُمَارَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرُ ثُلُثَيْ الْمُدِّ ( عَنْ جَدَّتِي ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : يُحَدِّثُ عَنْ جَدَّتِي ، فَهِيَ جَدَّةُ حَبِيبٍ الْأَنْصَارِيِّ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَةِ الْكِتَابِ ، وَرِوَايَةُ النَّسَائِيِّ أَصْرَحُ مِنْهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّائِمِ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ : وَقَالَ أَبُو عِيسَى : وَأُمُّ عُمَارَةَ هِيَ جَدَّةُ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أُمُّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ هِيَ جَدَّةُ حَبِيبِ بْنِ زَيْدٍ . انْتَهَى . وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي الشَّرْحِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ . ( أُمُّ عُمَارَةَ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَخِفَّةِ الْمِيمِ : اسْمُهَا نَسِيبَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ : هِيَ بِنْتُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّةُ النَّجَّارِيَّةُ ( تَوَضَّأَ ) : أَرَادَ التَّوَضُّؤَ ( فَأُتِيَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ ) : كَانَ الْمَاءُ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ قَدْرَ ثُلُثَيِ الْمُدِّ ، فَثُلُثَا الْمُدِّ هُوَ أَقَلُّ مَا رُوِيَ أَنْه تَوَضَّأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، قال : ثنا هُشَيْمٌ قال : أَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ( يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ) : وَلَيْسَ الْغُسْلُ بِالصَّاعِ وَالْوُضُوءُ بِالْمُدِّ لِلتَّحْدِيدِ وَالتَّقْدِيرِ ، بَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّاعِ وَرُبَّمَا زَادَ . رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ هُوَ الْفَرَقُ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا : هُوَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ . وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ . وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَدَّرَ الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ بِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَحَمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ قَدَّرَ وُضُوءَهُ وَغُسْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدَّرَهُمَا بِذَلِكَ ، فَفِي مُسْلِمٍ عَنْ سَفِينَةَ مِثْلَهُ ، وَلِأَحْمَدَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ مِثْلَهُ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إِلَى الزِّيَادَةِ ، وَهُوَ أَيْضًا فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ خَلْقُهُ مُعْتَدِلًا . كَذَا فِي الْفَتْحِ وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الْغُسْلُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قال : ثنا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ أَبَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ صَفِيَّةَ بَابُ مَا يُجْزِئُ مِنَ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ مَا يَكْفِي ( بِالصَّاعِ ) : أَيْ بِمِلْءِ الصَّاعِ ، وَالصَّاعُ هُوَ مِكْيَالٌ يَسَعُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ ، وَبِهِ يَقُولُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالشَّافِعِيُّ . وَقَالَ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ رِطْلَانِ ، فَيَكُونُ الصَّاعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا أَوْ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ . قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : كَانَ الصَّاعُ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمْ هَذِهِ ، أَيْ كَانَ صَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ ، وَالْمُدُّ رِطْلٌ عِرَاقِيٌّ وَثُلُثُ رِطْلٍ ، فَزَادَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْمُدِّ بِحَيْثُ صَارَ الصَّاعُ مُدًّا وَثُلُثَ مُدٍّ مِنْ مُدِّ عُمَرَ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ : الصَّاعُ عَلَى مَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا ، وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ سَبَبَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ ثُمَّ زَادُوا فِيهِ لِإِرَادَةِ جَبْرِ الْكَسْرِ فَصَارَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ ( بِالْمُدِّ ) : هُوَ بِالضَّمِّ رُبْعُ الصَّاعِ لُغَةً ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَوْ مِلْءُ كَفِّ الْإِنْسَانِ الْمُعْتَدِلِ إِذَا مَلَأَهُمَا وَمَدَّ يَدَهُ بِهِمَا ، وَمِنْهُ سُمِّيَ مُدًّا . وَقَدْ جَرَّبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا ( قَالَ سَمِعْتُ صَفِيَّةَ ) : فَفِي رِوَايَةِ أَبَانَ قَدْ صَرَّحَ قَتَادَةُ بِالسَّمَاعِ ، فَارْتَفَعَتْ مَظِنَّةُ التَّدْلِيسِ عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ الْمُعَنْعَنَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ بِنَحْوِهِ .
بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قال : ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ أَنَا وَرَجُلَانِ ، رَجُلٌ مِنَّا ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَحْسَبُ ، فَبَعَثَهُمَا عَلِيٌّ وَجْهًا وَقَالَ : إِنَّكُمَا عِلْجَانِ ، فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا . ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ ثُمَّ خَرَجَ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَخَذَ مِنْهُ حَفْنَةً فَتَمَسَّحَ بِهَا ، ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الْخَلَاءِ فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ أَوْ قَالَ : يَحْجِزُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَيْ هَلْ يَقْرَأُ فَثَبَتَ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَدَمُ جَوَازِهَا . ( دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ ) : بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( أَنَا وَرَجُلَانِ رَجُلٌ مِنَّا ) : أَيْ مِنْ مُرَادٍ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنِ الْيَمَنِ ( وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ) : وَأَسَدٌ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنْ مُضَرَ ( أَحْسَبُ ) : أَيْ أَحْسَبُ كَوْنَ رَجُلٍ مِنَّا وَالْآخَرِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَلَا أَتَيَقَّنُ بِهِ ( فَبَعَثَهُمَا عَلِيٌّ وَجْهًا ) : الْوَجْهُ وَالْجِهَةُ بِمَعْنًى كَذَا فِي الصِّحَاحِ . وَفِي الْمِصْبَاحِ الْوَجْهُ مَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى . وَالْمَعْنَى بَعَثَهُمَا عَامِلًا أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْمُدُنِ أَوِ الْقُرَى ( وَقَالَ إِنَّكُمَا عَلْجَانِ ) : تَثْنِيَةُ عَلْجٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ مِثْلَ ثَلَاثِ لُغَاتٍ فِي كَتِفٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ الشِّدَّةَ وَالْقُوَّةَ عَلَى الْعَمَلِ ، يُقَالُ رَجُلٌ عِلْجٌ إِذَا كَانَ قَوِيَّ الْخِلْقَةِ . وَفِي النِّهَايَةِ الْعِلْجُ الْقَوِيُّ الضَّخْمُ ( فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ جَاهِدَا وجَالِدَا انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ أَيْ مَارِسَا الْعَمَلَ الَّذِي نَدَبْتُكُمَا إِلَيْهِ وَاعْمَلَا بِهِ ( ثُمَّ قَامَ ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَائِرُ النُّسَخِ خَالٍ عَنْهَا ( فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ ) : هُوَ مَوْضِعُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ( فَتَمَسَّحَ بِهَا ) : أَيْ بِحَفْنَةٍ مِنَ الْمَاءِ أَيْ غَسَلَ بِهَا بَعْضَ أَعْضَائِهِ . وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعُضْوُ الْمَغْسُولُ هُوَ الْيَدَانِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَفِيهَا فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ( ثُمَّ جَعَلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ) : مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَضَّأَ ( فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ ) : الْفِعْلَ عَلَيْهِ ، فَأَجَابَ عَنِ اسْتِعْجَالِهِمْ ( فَيُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ ) : مِنَ الْإِقْرَاءِ أَيْ يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ ( وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ ) : أَيْ لَا يَمْنَعُهُ ( أَوْ قَالَ يَحْجِزُهُ ) : وَهَذَا شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ ، وَمَعْنَاهُ أَيْضًا لَا يَمْنَعُ . وَلَعَلَّ ضَمَّ أَكْلِ اللَّحْمِ مَعَ الْقِرَاءَةِ لِلْإِشْعَارِ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ أَوْ مَضْمَضَةٍ ( عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ ) : فَاعِلُ يَحْجِزُ ( لَيْسَ الْجَنَابَةَ ) : بِالنَّصْبِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ غَيْرَ الْجَنَابَةِ ، وَحَرْفُ لَيْسَ لَهَا ثَلَاثَةُ مَعَانٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ وَهُوَ يَرْفَعُ الِاسْمَ وَيَنْصِبُ الْخَبَرَ كَقَوْلِكَ لَيْسَ عَبْدُ اللَّهِ غَافِلًا ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى لَا كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ لَيْسَ زَيْدًا يُنصب زَيْد كَمَا يَنْصِبُ بِلَا ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى غَيْرِ كَقَوْلِكَ مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْ عَمْرٍو لَيْسَ زَيْدٍ وَهُوَ يَجُرُّ مَا بَعْدَهُ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ . وَحَكَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ يُحَدِّثُنَا فَنَعْرِفُ وَنُنْكِرُ وَكَانَ قَدْ كَبِرَ لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْحَدِيثِ يُثْبِتُونَهُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْكُوفِيِّ وَكَانَ قَدْ كَبِرَ وَأُنْكِرَ مِنْ حَدِيثِهِ وَعَقْلِهِ بَعْضُ النَّكَرَةِ ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بَعْدَمَا كَبِرَ . قَالَهُ شُعْبَةُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُوَهِّنُ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا وَيُضَعِّفُ أَمْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْقِرَاءَةِ لِلْمُحْدِثِ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَمْ نَرَ فِيهِ خِلَافًا ، وَعَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ لِلْجُنُبِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَفِي كُلِّهَا مَقَالٌ ، لَكِنْ تَحْصُلُ الْقُوَّةُ بِانْضِمَامِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ لِأَنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ لَيْسَ فِيهِ شَدِيدُ الضَّعْفِ وَهُوَ يَصْلُحُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تَقْرَأُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِ الْجَنَابَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجُنُبِ : إِنَّهُ لَا يَقْرَأُ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا ، وَقَدْ حُكِيَ أَنَّهُ قَالَ تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا يَقْرَأُ الْجُنُبُ لِأَنَّ الْحَائِضَ إِنْ لَمْ تَقْرَأْ نَسِيَتِ الْقُرْآنَ لِأَنَّ أَيَّامَ الْحَيْضِ تَتَطَاوَلُ وَمُدَّةُ الْجَنَابَةِ لَا تَطُولُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعِكْرِمَةُ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بَأْسًا بِقِرَاءَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِهِ انْتَهَى . وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْمُحْدِثِ فِي الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِطَهَارَةٍ لِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا وَكَانَ فِيهِ لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ : لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ : لَا تَمَسَ الْقُرْآنَ إِلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ وَفِي إِسْنَادِهِ سُوَيْدٌ أَبُو حَاتِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّهُ تَفَرَّدَ بِهِ ، وَحَسَّنَ الْحَازِمِيُّ إِسْنَادَهُ . وَقَدْ ضَعَّفَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ فِي إِرْشَادِهِ وَابْنُ حَزْمٍ حَدِيثَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ جَمِيعًا . وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ قَالَ الْحَافِظُ : إِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ لَكِنْ فِيهِ سُلَيْمَانُ الْأَشْدَقُ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ رَوَاهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى وَابْنُ حَجَرٍ : ذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ احْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبي الْعَاصِ وَفِيهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَصَاحِفِ ، وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ . وَفِي الْبَابِ عَنْ ثَوْبَانَ أَوْرَدَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مُنْتَخَبِ مُسْنَدِهِ ، وَفِي سَنَدِهِ حُصَيْبُ بْنُ جَحْدَرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ عُمَرَ أَنَّ أُخْتَهُ قَالَتْ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ : إِنَّهُ رِجْسٌ وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ . وَفِيهِ عَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ ، وَكِتَابُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّهُ أَشْبَهَ الْمُتَوَاتِرَ لِتَلَقِّي النَّاسِ لَهُ بِالْقَبُولِ . وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : لَا أَعْلَمُ كِتَابًا أَصَحَّ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَإِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ وَيَدَعُونَ رَأْيَهُمْ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : قَدْ شَهِدَ عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيُّ لِهَذَا الْكِتَابِ بِالصِّحَّةِ . كَذَا فِي التَّلْخِيصِ وَالنَّيْلِ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا لِمَنْ كَانَ طَاهِرًا ، وَالْمُحْدِثُ بِحَدَثٍ أَصْغَرَ أَيْضًا غَيْرُ طَاهِرٍ مِنْ وَجْهٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ فَعَلَى الْمُحْدِثِ بِالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَأَمَّا الْمُحْدِثُ حَدَثًا أَصْغَرَ فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَجُوزُ . انْتَهَى . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ كَثِيرٍ ، قال : أَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاء ً . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ : هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ . يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ . ( مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً ) : أَيْ لَا يَغْتَسِلُ بِهِ وَلَا يَتَوَضَّأُ بِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِلرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا جَوَابُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَمَسُّ مَاءً لِلْغُسْلِ ، وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا يَمَسُّ مَاءً أَصْلًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ وُجُوبُهُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ هَارُونَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ . وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : فَذَكَرْتُ الْحَدِيثَ يَوْمًا يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ : يَا فَتَى تَشُدُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِشَيْءٍ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَحَمَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ رِوَايَةَ أَبِي إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَمَسُّ مَاءً لِلْغُسْلِ ( يَقُولُ هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي إِسْحَاقَ ) : وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَقَالَ شَارِحُهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ تَفْسِيرُ غَلَطِ أَبِي إِسْحَاقَ هُوَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ هَاهُنَا مُخْتَصَرًا اقْتَطَعَهُ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فَأَخْطَأَ فِي اخْتِصَارِهِ إِيَّاهُ .
بَابٌ الْجُنُبِ يُؤَخِّرُ الْغُسْلَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا مُعْتَمِرٌ ( ح ) وَثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قال : ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَا : ثنا بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : قُلْتُ لِعَائِشَةَ : أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ فِي آخِرِهِ ؟ قَالَتْ : رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ . قُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً . قُلْتُ : أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ ؟ قَالَتْ : رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ . قُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً . قُلْتُ : أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ أَو يَخْافُتُ بِهِ ؟ قَالَتْ : رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ . قُلْتُ : اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً بَابُ الْجُنُبِ يُؤَخِّرُ الْغُسْلَ هَلْ عَلَيْهِ مِنْ الإِثْمٍ . ( ثَنَا بُرْدٌ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ( عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ فِي آخِرِهِ ) : أَيْ إِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنُبًا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَيَغْتَسِلُ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ كَانَ يُؤَخِّرُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ ( وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَغْتَسِلَ لَيْلًا عَلَى الْفَوْرِ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَنَامَ وَيَغْتَسِلَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ( قُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ ( فِي الْأَمْرِ ) : فِي أَمْرِ الشَّرْعِ أَوْ فِي هَذَا الْأَمْرِ ( سَعَةً ) : بِفَتْحِ السِّينِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ فِي الِاغْتِسَالِ وسعَة بِأَنْ يَغْتَسِلَ مَتَى شَاءَ مِنَ اللَّيْلِ وَلَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ فِيهِ بِأَنْ يَغْتَسِلَ عَلَى الْفَوْرِ ( وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ ) : وَأَخْرَجَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ ثُمَّ لِيَرْقُدْ ، وَمَنْ وَثِقَ بِقِيام مِنْ آخِرَ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ وَيَجِيءُ بَحْثُهُ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى ( أَوْ يُخْفِتُ بِهِ ) : كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا أَوْ يُخَافِتُ بِهِ وَكَذَا فِي ابْنِ مَاجَهْ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : خَفَتَ الصَّوْتُ خُفُوتًا : سَكَنَ . وَلِهَذَا قِيلَ لِلْمَيِّتِ خَفَتَ إِذَا انْقَطَعَ كَلَامُهُ . وَسَكَتَ فَهُوَ خَافِتٌ وَخَفَتَ خُفَاتًا أَيْ مَاتَ فَجْأَةً ، وَالْمخَافَةُ وَالتَّخَافُتُ إِسْرَارُ الْمنْطلقِ ، وَالْخَفْتُ مِثْلُهُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : خَافَتَ بِقِرَاءَتِهِ مُخَافَتَةً : إِذَا لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِهَا ( رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ مُخَيَّرٌ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ يُسِرُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُقْتَصِرًا عَلَى الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَابْنُ مَاجَهْ مُقْتَصِرًا عَلَى الْفَصْلِ الْأَخِيرِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قال : ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ ، عَنْ أَبِي ذُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ ) : قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : يُرِيدُ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الْحَفَظَةُ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْجُنُبَ وَغَيْرَ الْجُنُبِ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْجُنُبِ هَاهُنَا مَنْ أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ فَأَخَّرَ الِاغْتِسَالَ إِلَى حُضُورِ الصَّلَاةِ ، وَلَكِنِ الَّذِي يُجْنِبُ فَلَا يَغْتَسِلُ وَيَتَهَاوَنُ بِهِ وَيَتَّخِذُ تَرْكَهُ عَادَةً ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ، وَفِي هَذَا تَأْخِيرُ الِاغْتِسَالِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً . وَأَمَّا الْكَلْبُ فَهُوَ أَنْ يَقْتَنِيَ كَلْبًا لَيْسَ لِزَرْعٍ أَوْ لِضَرْعٍ أَوْ لِصَيْدٍ ، فَأَمَّا إِذا يَرْبُطُهُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ لِحِرَاسَةِ دَارِهِ إِذَا اضْطُرَّ إِلَيْهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الصُّورَةُ فَهِيَ كُلُّ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ كَانَتْ لَهُ أَشْخَاصٌ مُنْتَصِبَةٌ ، أَوْ كَانَتْ مَنْقُوشَةً فِي سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ مَصْنُوعَةً فِي نَمَطٍ أَوْ مَنْسُوجَةً فِي ثَوْبٍ أَوْ مَا كَانَ ، فَإِنَّ قَضِيَّةَ الْعُمُومِ تَأْتِي عَلَيْهِ فَلْيُجْتَنَبْ . انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : يَحْتَمِلُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُنُبِ مَنْ يَتَهَاوَنُ بِالِاغْتِسَالِ وَيَتَّخِذُ تَرْكَهُ عَادَةً لَا مَنْ يُؤَخِّرُهُ لِيَفْعَلَهُ ، قَالَ وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلْبِ غَيْرُ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ ، وَبِالصُّورَةِ مَا فِيهِ رُوحٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِي الْكَلْبِ نَظَرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجُنُبِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَنْ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ كُلُّهُ وَلَا بَعْضُهُ وَإِذَا تَوَضَّأَ ارْتَفَعَ بَعْضُ حَدَثِهِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَعَلَيْهِ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ حَيْثُ قَالَ بَابُ كَيْنُونَةِ الْجُنُبِ فِي الْبَيْتِ إِذَا تَوَضَّأَ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ إِذَا تَوَضَّأَ ، وَأَوْرَدَ النَّسَائِيُّ حَدِيثَ عَلِيٍّ هَذَا فِي بَابِ الْجُنُبِ إِذَا لَمْ يَتَوَضَّأْ ، فَظَهَرَ مِنْ تَبْوِيبِهِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي . وَالَّذِي قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ : وَلَا جُنُبٌ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُجَيٍّ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ فِيهِ نَظَرٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى ، يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ ، قال : أَنَا عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لِلْجُنُبِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَنْ يَتَوَضَّأَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : الْجُنُبُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ تَوَضَّأَ . ( عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ) : بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ ( أَنْ يَتَوَضَّأَ ) : وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْجُنُبِ لِأَنَّ الْعَظِيمَةَ أَفْضَلُ مِنَ الرُّخْصَةِ . وَفَرَّقَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ الْوُضُوءِ لِإِرَادَةِ النَّوْمِ وَالْوُضُوءِ لِإِرَادَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : هُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالْمُعَاوَدَةِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَعِنْدَ الْمُؤَلِّفِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَبِحَدِيثِ عَمَّارٍ هَذَا . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَيُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُ كَانَ تَارَةً يَتَوَضَّأُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ ، وَتَارَةً يَقْتَصِرُ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ ، لَكِنَّ هَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ خَاصَّةً ، وَأَمَّا فِي النَّوْمِ وَالْمُعَاوَدَةِ فَهُوَ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ لِلْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ فِيهَا بِأَنَّهُ كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ . انْتَهَى ( بَيْنَ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَجُلٌ ) : وَمُفَادُ كَلَامِهِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمَرَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَاسِطَةٌ ، فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ عَمَّارٍ ، وَفِيهِ : وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ .
بَابُ مَنْ قَالَ : الْجُنُبُ يَتَوَضَّأُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا يَحْيَى ، ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ ، تَعْنِي وَهُوَ جُنُبٌ بَابُ مَنْ قَالَ الجنب يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ أَوْ يَنَامُ . ( تَوَضَّأَ ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ( تَعْنِي ) : عَائِشَةُ ( وَهُوَ جُنُبٌ ) : أَيْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوَ جُنُبٌ وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ فَسَّرَ بِهِ لِلْإِيضَاحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الْجُنُبِ يَأْكُلُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قالت : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . بَابُ الْجُنُبِ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ . ( تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ) : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْأَكْلِ لِلْجُنُبِ الَّذِي بَوَّبَ لَهُ ، لَكِنْ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْآتِي فِيهِ ذِكْرُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ اخْتِصَارٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ ، قال : ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، زَادَ : وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ يَدَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ، فَجَعَلَ قِصَّةَ الْأَكْلِ قَوْلَ عَائِشَةَ مَقْصُورًا ، وَرَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : عَنْ عُرْوَةَ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . ( عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ ) : الْمَذْكُورِ قَبْلَ هَذَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ( وَمَعْنَاهُ ) : أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا لَا بِلَفْظِهِ ( زَادَ ) : أَيْ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيَانُ قِصَّتَيْنِ : قِصَّةُ الْأَكْلِ وَقِصَّةُ النَّوْمِ ( مَقْصُورًا ) : أَيِ اقْتَصَرَ ابْنُ وَهْبٍ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى ذِكْرِ أَكْلِ الْجُنُبِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ النَّوْمِ ( صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ ) : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : ضَعِيفٌ يُعْتَبَرُ بِهِ ( كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ) : بِذِكْرِ الْقِصَّتَيْنِ ( عَنْ عُرْوَةَ أَوْ أَبِي سَلَمَةَ ) : بِالشَّكِّ فِي الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ ( وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يُونُسَ ) : أَيْ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ بِذِكْرِ قِصَّةِ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ مَعًا . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ مِنْ غَيْرِ التَّوَضِّي وَالِاغْتِسَالِ ، وَالْبَابُ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَضِّي فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الْإِسْرَافِ فِي الوضوء حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ ، قال : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا قَالَ : يا بُنَيَّ ، سَلْ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ بَابُ الْإِسْرَافِ فِي الْوُضُوءِ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، أَوْ إِسْرَافٌ فِي الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ . ( الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ ) : الْقَصْرُ : هُوَ الدَّارُ الْكَبِيرَةُ الْمُشَيَّدَةُ ، لِأَنَّهُ يُقْصَرُ فِيهِ الْحُرُمُ . كَذَا فِي التَّوَسُّطِ ( إِذَا دَخَلْتُهَا ) : أَيِ الْجَنَّةَ ( قَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ لِابْنِهِ حِينَ سَمِعَهُ يَدْعُو بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ . قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : إِنَّمَا أَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى ابْنِهِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ ؛ لِأَنَّ ابْنَهُ طَمِعَ مَا لَا يَبْلُغُهُ عَمَلًا حَيْثُ سَأَلَ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَجَعَلَهُ مِنَ الِاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّجَاوُزِ عَنْ حَدِّ الْأَدَبِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ سَأَلَ شَيْئًا مُعَيَّنًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( إِنَّهُ ) : الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ ( يَعْتَدُونَ ) : يَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَدِّ ( فِي الطُّهُورِ ) : بِضَمِّ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا ، فَالِاعْتِدَاءُ فِي الطُّهُورِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَإِسْرَافِ الْمَاءِ ، وَبِالْمُبَالَغَةِ فِي الْغَسْلِ إِلَى حَدِّ الْوَسْوَاسِ ، أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَلَوْ فِي شَاطِئِ الْبَحْرِ ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ : أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ انْتَهَى وَحَدِيثُ ابْنِ مُغَفَّلٍ هَذَا يَتَنَاوَلُ الْغُسْلَ وَالْوُضُوءَ وَإِزَالَةَ النَّجَاسَةِ ( وَالدُّعَاءِ ) : عَطْفٌ عَلَى الطُّهُورِ ، وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِدَاءِ فِيهِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ، وَقِيلَ : الدُّعَاءُ بِمَا لَا يَجُوزُ وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ وَالصِّيَاحُ ، وَقِيلَ : سُؤَالُ مَنَازِلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . حَكَاها النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ . وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ السَّجْعَ فِي الدُّعَاءِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى الدُّعَاءِ .
بَاب الْجُنُبِ يَنَامُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ بَابُ الْجُنُبِ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ ؟ ( أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ ) : الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي تُصِيبُهُ لِابْنِ عُمَرَ كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : أَصَابَ ابْنَ عُمَرَ جَنَابَةٌ فَأَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِيَتَوَضَّأْ وَلْيَرْقُدْ ( مِنَ اللَّيْلِ ) : أَيْ فِي اللَّيْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ فِي الزَّمَانِ . أَيِ ابْتِدَاءُ إِصَابَةِ الْجَنَابَةِ اللَّيْلُ ( تَوَضَّأَ ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ حَاضِرًا فَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِطَابَ لِعُمَرَ فِي غَيْبَةِ ابْنِهِ جَوَابًا لِاسْتِفْتَائِهِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ إِلَى ابْنِهِ لِأَنَّ اسْتِفْتَاءَ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ ابْنِهِ . ذَكَرَهُ الزُّرْقَانِيُّ ( وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ) : أَيِ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْوَاوَ لَا يفِيدُ التَّرْتِيبَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ عَنْ مَالِكٍ اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ ، أَرَادَ اغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ . وَكَذَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ بِتَقْدِيمِ غَسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ ، إِذِ الْجَنَابَةُ أَشَدُّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ . وَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ أَنَّ غَسْلَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسَّهُ يَنْقُضُ ( ثُمَّ نَمْ ) : قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : جَاءَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَجَاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ . أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ يَنَامُ إِذَا تَوَضَّأَ ، وَهُوَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِهِ وَفِيهِ شُذُوذٌ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ . وَاسْتَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا النَّقْلَ وَقَالَ لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِهِ وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ : وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا وُجُوبُهُ وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قال : حَدَّثَنَي مَنْصُورٌ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى قَوْمًا وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ فَقَالَ : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ بَابٌ فِي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ فِي إِتْمَامِهِ بِحَيثُ لَا يُتْرَكُ شَيءٌ مِنْ فَرَائِضِهِ وسننه ( رَأَى قَوْمًا ) : وَتَمَامُ الْحَدِيثِ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ قَالَ : رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْرِ فَتَوَضَّئُوا وَهُمْ عِجَالٌ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ ( وَأَعْقَابُهُمْ ) : جَمْعُ عَقِبٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا مَعَ سُكُونِ الْقَافِ : مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ إِلَى مَوْضِعِ الشِّرَاكِ ( تَلُوحُ ) : تَظْهَرُ يُبُوسَتُهَا وَيُبْصِرُ النَّاظِرُ فِيهَا بَيَاضًا لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ ( فَقَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَيْلٌ ) : جَازَ الِابْتِدَاءُ بِالنَّكِرَةِ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا : وَيْلٌ وَادٍ فِي جَهَنَّمَ قَالَهُ الْحَافِظُ ( لِلْأَعْقَابِ ) : اللَّامُ لِلْعَهْدِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا يُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ ، مَعْنَاهُ : وَيْلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا ، وَقِيلَ : إِنَّ الْعَقِبَ مَخْصُوصٌ بِالْعِقَابِ إِذَا قَصَّرَ فِي غَسْلِهِ ( مِنَ النَّارِ ) : بَيَانٌ لِلْوَيْلِ ( أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ ) : أَيْ أَكْمِلُوهُ وَأَتِمُّوهُ ، وَلَا تَتْرُكُوا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ غَيْرَ مَغْسُولَةٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِسْبَاغِ هَاهُنَا إِكْمَالُ الْوُضُوءِ ، وَإِبْلَاغُ الْمَاءِ كُلَّ ظَاهِرِ أَعْضَائِهِ وَهَذَا فَرْضٌ ، وَالْإِسْبَاغُ الَّذِي هُوَ التَّثْلِيثُ سُنَّةٌ ، وَالْإِسْبَاغُ الَّذِي هُوَ التَّسْيِيلُ شَرْطٌ ، وَالْإِسْبَاغُ الَّذِي هُوَ إِكْثَارُ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافِ الْمَاءِ فَضِيلَةٌ ، وَبِكُلِّ هَذَا يُفَسَّرُ الْإِسْبَاغُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَامَاتِ كَذَا فِي اللُّمَعَاتِ . وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ إِسْحَاقُ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ : الْإِسْبَاغُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : فَرْضٌ وَهُوَ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ مَرَّةً ، وَسُنَّةٌ وَهُوَ الْغَسْلُ ثَلَاثًا ، وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الْإِطَالَةُ مَعَ التَّثْلِيثِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْخُفَّيْنِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى مَذَاهِبَ ، فَذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ غَسْلُ الْقَدَمَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُهُمَا ، وَلَا يَجِبُ الْمَسْحُ مَعَ الْغَسْلِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ خِلَافُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ التَّخْيِيرَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيِّينَ وَرَأَى عِكْرِمَةَ يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا ، وَثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ يُعْتَدُّ بِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَآخَرِينَ . انْتَهَى . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي : فَقَدْ تَمَسَّكَ مَنِ اكْتَفَى بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَرْجُلِكُمْ عَطْفًا عَلَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فَذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ وَالثَّابِتُ عَنْهُ خِلَافُهُ ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَقَتَادَةَ وَهُوَ قَوْلُ الشِّيعَةِ . وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْوَاجِبُ الْغَسْلُ أَوِ الْمَسْحُ ، وَعَنْ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا . انْتَهَى . قُلْتُ : قَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ وُضُوئِهِ أَنَّهُ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَهُوَ مُبَيِّنٌ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مُطَوَّلًا فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : وَفِيهِ رَدٌّ لِلشِّيعَةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِظَاهِرِ قِرَاءَةِ ( وَأَرْجُلِكُمْ ) بِالْجَرِّ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُمُ الرُّجُوعُ . انْتَهَى . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى : أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ ، وَادَّعَى الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْمَسْحَ مَنْسُوخٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَاتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِنَحْوِهِ .
بَابُ الْوُضُوءِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ عَمَّتِهِ سَلْمَى ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ قَالَ : فقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا ؟ قَالَ : هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ أَنَسٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا . بَابُ الْوُضُوءِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ أَيْ فِي الْجِمَاعِ . ( يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ ) : بَعْدَ الْمُعَاوَدَةِ عَلَى حِدَةٍ على حدة ( قَالَ ) : أَبُو رَافِعٍ ( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا ) : وَأَنْ لا تَكْتَفِيَ عَلَى الْغُسْلِ الْوَاحِدِ فِي آخِرِ الْجِمَاعِ ( قَالَ هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ ) : وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْمُعَاوَدَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ . قَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ اخْتِلَافٌ بَلْ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا وَذَلِكَ أُخْرَى . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَالَّذِي قَالَاهُ هُوَ حَسَنٌ جِدًّا وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، فَمَرَّةً تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ ، وَمَرَّةً فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ أَزْكَى وَأَطْهَرَ ( حَدِيثُ أَنَسٍ ) : الْمُتَقَدِّمُ ( أَصَحُّ مِنْ هَذَا ) : أَيْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مَرْوِيٌّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ ، وَرُوَاةُ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لَيْسُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ هَذَا لَيْسَ بِطَعْنٍ فِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ الصِّحَّةَ عَنْهُ ، وَأَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْغُسْلَ يَشْمَلُ الْوُضُوءَ أَيْضًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، أخبرنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا ( إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ) : أَيْ جَامَعَهَا ( ثُمَّ بَدَا لَهُ ) أَيْ ظَهَرَ لَهُ ( أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءًا ) : وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَزَادَ : فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ : فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : اخْتَلَفُوا فِي الْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا ؛ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُسْتَحَبُّ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ يُسْتَحَبُّ ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَجِبُ . وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ حَمَلَهُ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ فَقَالَ الْمُرَادُ بِهِ غَسْلُ الْفَرْجِ ، ثُمَّ رَدَّهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَظُنُّ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْفَرْجِ إِذَا أَرَادَ الْعَوْدَ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ لِلنَّدْبِ لَا لِلْوُجُوبِ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَاصِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَزَادَ : فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدْبِ . وَيَدُلُّ أَيْضًا أَنَّهُ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَامِعُ ثُمَّ يَعُودُ وَلَا يَتَوَضَّأُ انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ مَنْصُورٍ حَدَّثَهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ . ( حَدَّثَهُمْ ) : أَيْ حَدَّثَ إِسْحَاقُ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَلَاءِ فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ ( عَنْ رَجُلٍ ) : هُوَ شُعْبَةُ ( بِنَحْوِهِ ) : أَيْ بِنَحْوِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهَذَا الْإِسْنَادُ مُتَّصِلٌ وَالْوُضُوءُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا لَكِنْ يُطَابِقَانِ التَّرْجَمَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْغُسْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْوُضُوءِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قال : ثنا أَبُو الْوَلِيدِ وَسَهْلُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَا : ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ ( مِنْ صُفْرٍ ) : هُوَ الَّذِي تُعْمَلُ مِنْهُ الْأَوَانِي : ضَرْبٌ مِنَ النُّحَاسِ ، وَقِيلَ مَا اصْفَرَّ مِنْهُ . قَالَهُ فِي التَّوَسُّطِ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى جَوَازِ التَوَضؤ مِنَ النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَإِنْ أَشْبَهَ الذَّهَبَ بِلَوْنِهِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ . انْتَهَى .
بَابُ الْوُضُوءِ فِي آنِيَةِ الصُّفْرِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي صَاحِبٌ لِي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَوْرٍ مِنْ شَبَهٍ . بَابُ الْوُضُوءِ بِآنِيَةِ الصُّفْرِ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَيَجِيءُ بَيَانُهُ . ( صَاحِبٌ لِي ) : وَفِي السَّنَدِ الْآتِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ وَلَعَلَّهُ هُوَ شُعْبَةُ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ رَجُلٍ أَوْ عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ هُوَ شُعْبَةُ ( عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ) : ابْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَامِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ رُبَّمَا دَلَّسَ ( أَنَّ عَائِشَةَ ) : الْحَدِيثُ فِيهِ انْقِطَاعٌ لِأَنَّ هِشَامًا لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( فِي تَوْرٍ ) : أَيْ مِنْ تَوْرٍ بِحَيْثُ نَأْخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ لِلِاغْتِسَالِ أَوْ نَصُبُّ مِنْهُ الْمَاءَ عَلَى أَعْضَائِنَا ، وَالتَّوْرُ هِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْهَدْي السَّارِي : هُوَ إِنَاءٌ مِنْ حِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِثْلُ الْقِدْرِ . وَقَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي : هُوَ شَبَهُ الطَّسْتِ ، وَقِيلَ : هُوَ الطَّسْتُ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ فِي الْمِعْرَاجِ فَأَتَى بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ ، فَظَاهِرُهُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا وَيَحْتَمِلُ التَّرَادُفَ وَكَأَنَّ الطَّسْتَ أَكْبَرُ مِنَ التَّوْرِ . انْتَهَى . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ يُشْرَبُ مِنْهُ ، وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مِنْهُ الطَّعَامُ ( مِنْ شَبَهٍ ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِكَسْرٍ فَسَاكِنٌ : ضَرْبٌ مِنَ النُّحَاسِ يُصْنَعُ فَيُصَفَّرُ وَيُشْبِهُ الذَّهَبَ بِلَوْنِهِ وَجَمْعُهُ أَشْبَاهٌ . كَذَا فِي التَّوَسُّطِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : إِحْدَاهُمَا مُنْقَطِعَةٌ وَفِيهَا مَجْهُولٌ ، وَالْأُخْرَى مُتَّصِلَةٌ وَفِيهَا مَجْهُولٌ . انْتَهَى .
بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَعُودُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ ، قال : ثنا إِسْمَاعِيلُ ، قال : ثنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَكَذَا رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَمَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنْ أَنَسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَعُودُ فِي الْجِمَاعِ ثَانِيًا بَعْدَ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ وَهَلُمَّ جَرًّا بِلَا غُسْلٍ بَيْنَهُمَا . ( حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ) : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : رَأَيْتُ حُمَيْدًا وَلَمْ يَكُنْ بِطَوِيلٍ وَلَكِنْ كَانَ طَوِيلَ الْيَدَيْنِ وَكَانَ قَصِيرًا وَلَمْ يَكُنْ بِذَاكَ الطَّوِيلِ ، وَلَكِنْ كَانَ لَهُ جَارٌ يُقَالُ لَهُ حُمَيْدٌ الْقَصِيرُ فَقِيلَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ لِيُعْرَفَ مِنَ الآخَرِ ( طَافَ ) : أَيْ دَارَ ( ذَاتَ يَوْمٍ ) : لِلْجِمَاعِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي لَيْلَةٍ ( عَلَى نِسَائِهِ ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ فَجَامَعَهُنَّ ( فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ) : كَانَ فِي آخِرِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ يُطِيقُهُ ؟ قَالَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ ، وَفِي لَفْظٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ انْتَهَى ( وَهَكَذَا ) : أَيْ بِزِيَادَةِ لَفْظِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ ( رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ وَمَعْمَرٍ إِلَخْ ) : وَمَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ التَّعَالِيقِ أَنَّ زِيَادَةَ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ مَحْفُوظَةٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ لِتِلْكَ الْمُجَامَعَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا . فَائِدَةٌ : اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا فَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي نَوْبَةِ ضَرَّتِهَا مَمْنُوعٌ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْوُجُوبُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ . فَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ كَمَا اسْتَأْذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْقِسْمَةَ . وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ إِقْبَالِهِ مِنْ سَفَرٍ ، لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَيُسَافِرُ بِمَنْ يَخْرُجُ سَهْمُهَا ، فَإِذَا انْصَرَفَ اسْتَأْنَفَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ تُرِكَ بَعْدَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاعِ ، وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ ، وَمِنْ ثَمَّ فَضْلُ بَعْضِهِمْ عَلَى الْبَاقِيَاتِ .
بَابٌ فِي الْإِكْسَالِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : ثنا ابْنُ وَهْبٍ قال : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قال : حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَرْضَى أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّاسِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، لِقِلَّةِ الثِّيَابِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يَعْنِي الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ . بَابٌ فِي الْإِكْسَالِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَكْسَلَ الرَّجُلُ فِي الْجِمَاعِ : إِذَا خَالَطَ أَهْلَهُ وَلَمْ يُنْزِلْ . وَفِي النِّهَايَةِ أَكْسَلَ : إِذَا جَامَعَ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْفُتُورُ فَلَمْ يُنْزِلْ . ( حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ أَرْضَى ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ أَبَا حَازِمٍ سَلَمَةَ بْنَ دِينَارٍ الْأَعْرَجَ . انْتَهَى . ( إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ ) : أَيْ عَدَمَ الِاغْتِسَالِ مِنَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ ( لِقِلَّةِ الثِّيَابِ ) : هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفِي آخِرِهِ الْبَاءُ الْمُوَحَّدَةُ جَمْعُ ثَوْبٍ . وَالَّذِي فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ : الثَّبَاتُ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفِي آخِرِهِ تَاءٌ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْمَعْنَى عَلَى مَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَلَمْ يُفْهَمْ تَعْلِيلُ الرُّخْصَةِ بِقِلَّةِ الثَّوْبِ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ مُحْتَاجِينَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الثِّيَابِ حَتَّى قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . فَلَوْ كَانَ الدُّخُولُ بِلَا إِنْزَالٍ مُوجِبًا لِلِاغْتِسَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَتَحَرَّجَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوَقَعُوا فِي الْمَشَقَّةِ الْعَظِيمَةِ ، لِأَنَّ مَنْ لَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ لَوِ اغْتَسَلَ كُلَّ مَرَّةٍ مِنَ الدُّخُولِ مُنْزِلًا وَغَيْرَ مُنْزِلٍ لَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ الْكَثِيرَةَ . وَعَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ ، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ ضَعِيف الْإِيمَانِ قَلِيل الِاسْتِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَلَمْ يَعْرِفُوا كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِيفَهُمْ بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( ثُمَّ أَمَرَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِالْغُسْلِ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ ) : وَهُوَ عَدَمُ التَّرْخِيصِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي ) : أَيْ يُرِيدُ الرَّاوِي بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الَّذِي وَقَعَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ ( الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ ) : فَالْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ مُشَارٌ إِلَيْهِ لِلْإِشَارَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ وَبِالْمَاءِ الثَّانِي الْمَنِيُّ وَالْمَعْنَى أَنَّ إِيجَابَ الْغُسْلِ إِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِنْزَالِ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الْبَزَّارُ الرَّازِيُّ ، قال : ثنا مُبَشِّرٌ الْحَلَبِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ أَبِي غَسَّانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قال : حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ . ( أَنَّ الْفُتْيَا ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ مَقْصُورًا وَبِفَتْحِ الْفَاءِ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ فُتْوَى بِالضَّمِّ مَقْصُورًا وَيُفْتَحُ : مَا أَفْتَى بِهِ الْفَقِيهُ وَالْمُفْتِي . يُقَالُ : أَفْتَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ : أَيْ أَجَابَهُ ( يُفْتُونَ ) : بِهَا عَلَى عِلْمِهِمْ ، وَلِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى نُسَخِهِ وَكَانُوا هُمْ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ وَأَبُو أَيُّوبَ يُفْتُونَ بِذَلِكَ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ( أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ ) : هَذَهِ الْجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يُفْتُونَ ( كَانَتْ ) تِلْكَ الْفَتْوَى . فَقَوْلُهُ الْفُتْيَا إِلَى أَنَّ الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ اسْمُ أَنَّ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ كَانَتْ رُخْصَةً إِلَى آخِرِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَاهِيذِيُّ ، قال : ثنا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ، وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ( الْفَرَاهِيذِيُّ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . مَنْسُوبٌ إِلَى فَرَاهِيذَ مِنْ أَوْلَادِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بن دَوْسٍ بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ . كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ . وَأَمَّا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدِي فَالْفَرَاهِيدِيُّ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( إِذَا قَعَدَ ) : أَيْ جَلَسَ الرَّجُلُ ( بَيْنَ شُعَبِهَا ) : الْمَرْأَةِ ( الْأَرْبَعِ ) : الْمُرَادُ مِنَ الشُّعَبِ الْأَرْبَعِ هَاهُنَا عَلَى مَا قِيلَ : الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ ، أَوِ الرِّجْلَانِ وَالْفَخِذَانِ ، أَوِ الشُّفْرَانِ وَالرِّجْلَانِ ، أَوِ الْفَخِذَانِ وَالْإِسْكَتَانِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الْإِسْكَتَانِ نَاحِيَتَا الْفَرْجِ ، وَالشُّفْرَانِ طَرَفُ النَّاحِيَتَيْنِ ( وَأَلْزَقَ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : لَزِقَ بِهِ لُزُوقًا وَالْتَزَقَ بِهِ ، أَيْ لَصِقَ بِهِ وَأَلْزَقَهُ بِهِ غَيْرُهُ ( الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ ) : أَيْ خِتَانَ الرَّجُلِ بِخِتَانِ الْمَرْأَةِ ، وَالْمُرَادُ تَلَاقِي مَوْضِعِ الْقَطْعِ مِنَ الذَّكَرِ مَعَ مَوْضِعِهِ مِنْ فَرْجِ الْأُنْثَى . قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ إِذَا غَابَ الذَّكَرُ فِي الْفَرْجِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْمَسِّ وَالْإِلْصَاقِ بِغَيْرِ غَيْبُوبَةٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ خِتَانَ الْمَرْأَةِ فِي أَعْلَى الْفَرْجِ وَلَا يَمَسُّهُ الذَّكَرُ فِي الْجِمَاعِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ ذَكَرَهُ عَلَى خِتَانِهَا وَلَمْ يُولِجْهُ لَمْ يَجِبِ الْغُسْلُ لَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا ( فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ ) : عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ ، فَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ هُوَ غَيْبُوبَةُ الْحَشَفَةِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ( وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ) : فَهُوَ لَا يَرَى الْغُسْلَ وَاجِبًا عَلَى مَنْ أَدْخَلَ فِي الْفَرْجِ وَلَمْ يُنْزِلْ ، وَذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ . وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيلًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنْ لَا غُسْلَ إِلَّا مِنَ الْإِنْزَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ بِمُجَرَّدِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ . وَاسْتَدَلَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَحَادِيثَ : مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ إِلَى قُبَاءٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا فِي بَنِي سَالِمٍ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَابِ عِتْبَانَ فَصَرَخَ بِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ إِزَارَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْجَلْنَا الرَّجُلَ ، فَقَالَ عِتْبَانُ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعْجَلُ عَنِ امْرَأَتِهِ وَلَمْ يُمْنِ مَاذَا عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَمِنْهَا حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ الخَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ ، قَالَ عُثْمَانُ : يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قَالَ عُثْمَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ . وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي أَيْضًا بِأَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةِ مَطَرٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَأَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ أَيْضًا بِزِيَادَةِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ كَمَا مَرَّ . وَمِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ : إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ ، وَقَالُوا : إِنَّ عَدَمَ الِاغْتِسَالِ بِغَيْرِ الْإِنْزَالِ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ . وَاحْتَجُّوا عَلَى النَّسْخِ بِرِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً لِلنَّاسِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِقِلَّةِ الثِّيَابِ ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا عِلَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ إِسْنَادٌ صَالِحٌ لِأَنْ يُحْتَجَّ بِهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي النَّسْخِ ، انْتَهَى . وَبِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى قَالَ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّونَ : لَا يَجِبُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الدَّفْقِ أَوْ مِنَ الْمَاءِ ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : بَلْ إِذَا خَالَطَ وَجَبَ الْغُسْلُ قَالَ أَبُو مُوسَى : فَأَنَا أَشْفِيكُمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَقُمْتُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَأُذِنَ لِي فَقُلْتُ لَهَا : يَا أُمَّاهْ - أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَإِنِّي أَسْتَحْيِيكِ فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحِي أَنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سَائِلًا عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتْكَ فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ ، قُلْتُ : فَمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ ؟ قَالَتْ : عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَهَاهُنَا رِوَايَاتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَذْكُورَةٌ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : حَدِيثُ الْغُسْلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ أَرْجَحُ لَوْ لَمْ يَثْبُتِ النَّسْخُ لِأَنَّهُ مَنْطُوقٌ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ وَذَلِكَ مَفْهُومٌ ، وَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مُوَافِقًا لِلْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، وَالْآيَةُ تُعَضِّدُ الْمَنْطُوقَ فِي إِيجَابِ الْغُسْلِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا قَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِنْزَالٌ . قَالَ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ عَنْ فُلَانَةٍ عُقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْجَلْدُ هُوَ الْجِمَاعُ وَلو لَمْ يَكُنْ مِنْهُ إِنْزَالٌ . انْتَهَى فَتَعَاضَدَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ مِنَ الْإِيلَاجِ . انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ . قُلْتُ : وَمِمَّا يُؤَيِّدُ النَّسْخَ أَنَّ بَعْضَ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّخْصَةَ أَفْتَى بِوُجُوبِ الْغُسْلِ وَرَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ . أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ : إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ . قُلْتُ : وَثَبَتَ الرُّجُوعُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِمْ أَيْضًا ، فَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ قال : إنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَمَرَهُ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ مَاذَا عَلَيْهِ ؟ فَإِنَّ عِنْدِي ابْنَتَهُ وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ ، قَالَ الْمِقْدَادُ : فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . ( إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ ) : أَيْ قَرُبَ ( مَاذَا عَلَيْهِ ) : مِنَ الْغُسْلِ أَوِ الْوُضُوءِ ( ابْنَتَهُ ) : فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَهُ ) : لِأَنَّ الْمَذْيَ يَكُونُ غَالِبًا عِنْدَ مُلَاعَبَةِ الزَّوْجَةِ وَقُبَلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِمْتَاعِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَصْهَارِ ، وَأَنَّ الزَّوْجَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجِمَاعِ النِّسَاءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ بِحَضْرَةِ أَبِيهَا وَأَخِيهَا وَابْنِهَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَقَارِبِهَا ( فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ ) : أَيْ فَلْيَغْسِلْهُ فَإِنَّ النَّضْحَ يَكُونُ غَسْلًا وَيَكُونُ رَشًّا ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ وَفِيهِ واغْسِلْ ذَكَرَكَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الْمِقْدَادِ مُرْسَلٌ لَا نَعْلَمُ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ كَمَا قَالَ . وَقَدْ رَوَاهُ بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ وَالْمِقْدَادِ مَوْصُولًا .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا إِسْمَاعِيلُ ، يَعْنِي ابْنَ إِبْرَاهِيمَ ، قال : أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، قال : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً ، وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْه الِاغْتِسَالِ ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا يُجْزِئكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ ؟ قَالَ : يَكْفِيكَ بِأَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهَا مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ ( كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْتُ أُكْثِرُ مِنْهُ الِاغْتِسَالَ ) : مِنَ الْإِكْثَارِ وَمِنْ لِلتَّعْلِيلِ أَيْ أُكْثِرُ الْغُسْلَ لِأَجْلِ خُرُوجِ الْمَذْيِ ( إِنَّمَا يُجْزِئُكَ ) : مِنَ الْإِجْزَاءِ أَيْ يَكْفِيكَ ( مِنْ ذَلِكَ ) : أَيْ مِنْ خُرُوجِ الْمَذْيِ ( فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ ) : أَيْ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِالْمَذْيِ الَّذِي يُصِيبُ ثَوْبِي ، وَقَوْلُهُ مِنْهُ بَيَانٌ لِـ مَا ( فَتَنْضَحَ بِهَا ) : أَيْ بِالْكَفِّ مِنَ الْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَتَنْضَحَ بِهِ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : يُجْزِئُكَ أَنْ تَأْخُذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَتَرُشَّ عَلَيْهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : النَّضْحُ قَدْ يَكُونُ غَسْلًا . وَقَدْ يَكُونُ رَشًّا . انْتَهَى . وَلَا شَكَّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا اللَّفْظِ جَاءَ فِي كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لَكِنِ الرَّشُّ هَاهُنَا مُتَعَيَّنٌ لِرِوَايَةِ الْأَثْرَمِ ( مِنْ ثَوْبِكَ ) : مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ بَعْضِ ثَوْبِكَ ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ بِإِسْقَاطِ مِنْ ( حَيْثُ تُرَى ) : بِضَمِّ التَّاءِ بِمَعْنَى تَظُنُّ وَبِفَتْحِ التَّاءِ بِمَعْنَى تُبْصِرُ ( أَنَّهُ ) : أَيِ الْمَذْيَ ( أَصَابَهُ ) : أَيِ الثَّوْبَ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَلَا يُعْرَفُ مِثْلُ هَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ . وَاعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَذْيِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُجْزِئُ إِلَّا الْغَسْلُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُجْزِئُهُ النَّضْحُ . وَقَالَ أَحْمَدُ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ النَّضْحُ بِالْمَاءِ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَذْيِ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجْزِيهِ إِلَّا الْغَسْلُ أَخْذًا بِرِوَايَةِ الْغَسْلِ . وَفِيهِ مَا سَلَفَ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ الْغَسْلِ إِنَّمَا هِيَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ رِوَايَةَ النَّضْحِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ مُعَارِضٌ ، فَالِاكْتِفَاءُ بِهِ صَحِيحٌ مُجْزٍ . وَانْتَهَى . قُلْتُ : مَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ هُوَ الْحَقُّ وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ الْمَذْيَ نَجَسٌ يُغْسَلُ الذَّكَرُ مِنْهُ وَيُنْضَحُ بِالْمَاءِ مَا مَسَّهُ مِنَ الثَّوْبِ وَأَنَّ الرَّشَّ مُجْزِئٌ كَالْغَسْلِ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قال : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قال : ثنا مُعَاوِيَةُ ، يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يُوجِبُ الْغُسْلَ ، وَعَنْ الْمَاءِ يَكُونَ بَعْدَ الْمَاءِ فَقَالَ : ذَلكَ الْمَذْيُ ، وَكُلُّ فَحْلٍ يَمْذِي ، فَتَغْسِلُ مِنْ ذَلِكَ فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ ، وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ( وَعَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ ) : أَيْ عَنِ الْمَذْيِ بَعْدَ الْمَذْيِ ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْمَاءَ فِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْمَذْيِ أَنَّهُ يَسْتَرْسِلُ فِي خُرُوجِهِ وَيَسْتَمِرُّ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ فَإِنَّهُ إِذَا دَفَقَ انْقَطَعَ سَوْقُهُ وَلَا يَعُودُ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ أَوْ تَجْدِيدِ جِمَاعٍ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَقَدْ وَقَعَ لِلشَّيْخِ وَلِيِّ الدِّينِ هَاهُنَا كَلَامٌ فِيهِ تَخْلِيطٌ : انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَذَا وَقَعَ لِلْقَاضِي الشَّوْكَانِيِّ هَاهُنَا تَخْلِيطٌ فِي كَلَامِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ قَوْلُهُ عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ بَعْدَ الْمَاءِ ؟ الْمُرَادُ بِهِ خُرُوجُ الْمَذْيِ عَقِيبَ الْبَوْلِ مُتَّصِلًا بِهِ . انْتَهَى ( ذَلِكَ ) : الْمَاءُ الْخَارِجُ مِنَ الْفَرْجِ ( وَكُلُّ فَحْلٍ يَمْذِي ) : فَحْلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الذَّكَرُ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَيَمْذِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَبِضَمِّهَا ( فَتَغْسِلُ ) : بِصِيغَةِ الْخِطَابِ ( فَرْجَكَ وَأُنْثَيَيْكَ ) : فِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ مَعَ الْأُنْثَيَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ طَرَفًا مِنْهُ فِي الْجَامِعِ وَطَرَفًا فِي الشَّمَائِلِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا فِي مَوْضِعَيْنِ .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ ، قال : ثنا مَرْوَانُ ، يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، قال : ثنا الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قال : ثنا الْعَلَاءُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ ؟ قَالَ : لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ وَذَكَرَ مُواكَلَةَ الْحَائِضِ أَيْضًا ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ ( مَا يَحِلُّ ) : مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ ( لَكَ ) : حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ ( مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ) : أَيْ مَا فَوْقَ السُّرَّةِ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْإِزَارِ هُوَ السُّرَّةُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ بِمَا فَوْقَ السُّرَّةِ مِنَ الْحَائِضِ وَعَدَمِ جَوَازِهِ بِمَا تَحْتَ السُّرَّةِ ، لَكِنْ حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا شَيْئًا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنْهَا دُونَ الْجِمَاعِ ، يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِمَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ غَيْرَ الْفَرْجِ ، لَكِنْ مَعَ وَضْعِ شَيْءٍ عَلَى الْفَرْجِ يَكُونُ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الرَّجُلِ ، وَيَجِيءُ بَيَانُ هَذَا فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مَبْسُوطًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( وَذَكَرَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الرَّاوِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( مُؤَاكَلَةَ الْحَائِضِ ) : أَيْ سُؤَالَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حُكْمِ مُؤَاكَلَةِ الْحَائِضِ ، وَجَوَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ فَوَاكِلْهَا .
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْيَزَنِيُّ ، قال : ثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ سَعْدٍ الْأَغْطَشِ ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ هِشَامٌ : هُوَ ابْنُ قُرْطٍ أَمِيرُ حِمْصَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ : مَا فَوْقَ الْإِزَارِ ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . ( الْيَزَنِيُّ ) : بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّاء بَطْنٌ مِنْ الحِمْيَرٍ ( عَنْ سَعْدٍ الْأَغْطَشِ ) : بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ كَأَعْمَشَ وَزْنًا وَمَعْنًى . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْغَطَشُ فِي الْعَيْنِ : شِبْهُ الْعَمَشِ ( قَالَ هِشَامُ ) بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ ( هُوَ ) : أَيْ عَائِذٌ وَالِدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيِّ ( ابْنُ قُرْطٍ ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ( أَمِيرِ حِمْصَ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ : بَلَدٌ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ ( وَالتَّعَفُّفُ ) : أَيِ التَّكَفُّفُ وَالتَّجَنُّبُ ( عَنْ ذَلِكَ ) : أَيِ الِاسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ ( أَفْضَلُ ) : قَالَ الْعِرَاقِيُّ : هَذَا يُقَوِّي مَا يُقَرَّرُ مِنْ ضَعْفِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمْتِعُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ الْأَفْضَلَ ، وَعَلَى ذَلِكَ عَمِلَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُونَ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : لَعَلَّهُ عَلِمَ مِنْ حَالِ السَّائِلِ غَلَبَةَ شَهْوَتِهِ فَرَأَى أَنَّ تَرْكَهُ لِذَلِكَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ لِئَلَّا يُوقِعَهُ فِي مَحْظُورٍ ( لَيْسَ هُوَ - يَعْنِي الْحَدِيثَ - بِقَوِيٍّ ) لِأَنَّ بَقِيَّةَ رَوَى بِالْعَنْعَنَةِ ، وَسَعْدَ الْأَغْطَشَ فِيهِ لِينٌ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَائِذٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ . وَإِيرَادُ حَدِيثِ مُعَاذٍ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَخْلُو عَنِ التَّكَلُّفِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي فِي حُكْمِ الْمَذْيِ فِيهِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا فَوْقَ الْإِزَارِ ، وَحَدِيثَ مُعَاذٍ فِيهِ أَنَّ التَّعَفُّفَ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ ، فَصَرَّحَ الْمُؤَلِّفُ بَعْدَ إِيرَادِهِ بِتَمَامِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : ثنا زُهَيْرٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِلْمِقْدَادِ وَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا ، قَالَ : فَسَأَلَهُ الْمِقْدَادُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْمِقْدَادِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : ثنا أَبِي ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَدِيثٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قُلْتُ : لِلْمِقْدَادِ فَذَكَرَ بمَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْمِقْدَادِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَذْكُرْ أُنْثَيَيْهِ . ( لِيَغْسِلْ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَرَ بِغَسْلِ الْأُنْثَيَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّطْهِيرِ لِأَنَّ الْمَذْيَ رُبَّمَا انْتَشَرَ فَأَصَابَ الْأُنْثَيَيْنِ وَيُقَالُ إِنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ إِذَا أَصَابَ الْأُنْثَيَيْنِ رَدَّ الْمَذْيَ فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِغَسْلِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ أُنْثَيَيْهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلٌ ( رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَنْ هِشَامٍ ) : اعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرَ هَاهُنَا ثَلَاثَةَ تَعَالِيقٍ : الْأَوَّلُ هَذَا ، وَالثَّانِي مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَرَوَاهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ إِلَخْ ، وَالثَّالِثُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ إِلَخْ لِأَغْرَاضٍ ثَلَاثَةٍ : أَحَدُهَا بَيَانُ اخْتِلَافِ السَّائِلِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ هُوَ عَلِيٌّ أَوِ الْمِقْدَادُ ؟ فَالتَّعْلِيقُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ هُوَ عَلِيٌّ . وَالتَّعْلِيقُ الثَّالِثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ هُوَ الْمِقْدَادُ . وَثَانِيها أَنَّ حَدِيثَ زُهَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ . وَرِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمِقْدَادِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْأُنْثَيَيْنِ فَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ ذِكْرَ أَنَّ رِوَايَةَ غَسْلِ الْأُنْثَيَيْنِ غَيْرُ وَارِدَةٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ لِأَنَّ حَدِيثَ زُهَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ مُرْسَلٌ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي هَذَا الْبَابِ خَالِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْأُنْثَيَيْنِ ، لَكِنْ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَلِيٍّ بِزِيَادَةِ الْأُنْثَيَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَإِسْنَادُهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِغَسْلِهِمَا مَعَ غَسْلِ الْفَرْجِ . وَثَالِثُهَا الْإِشْعَارُ بِالِاضْطِرَابِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَإِنَّ زُهَيْرًا يَرْوِيهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِلْمِقْدَادِ . وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ وَابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوُونَهُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَسْلَمَةُ يَرْوِيهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَدِيثٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قُلْتُ لِلْمِقْدَادِ . وَابْنُ إِسْحَاقَ يَرْوِيهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمِقْدَادِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
بَابٌ فِي الْمَذْيِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : ثنا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ الْحَذَّاءُ ، عَنْ الرَّكِينِ بْنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ قَبِيصَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً ، فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ ذُكِرَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْعَلْ ، إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ وَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ ، فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ بَابٌ فِي الْمَذْيِ فِيهِ لُغَاتُ أَفْصَحُهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ ثُمَّ بِكَسْرِ الذَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، وَهُوَ مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ وَإِرَادَتِهِ وَقَدْ لَا يُحَسُّ بِخُرُوجِهِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( مَذَّاءً ) : صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْمَذْيِ أَيْ كَثِيرَ الْمَذْيِ يُقَالُ مَذَى يَمْذِي مِثْلُ مَضَى يَمْضِي ثُلَاثِيًّا ، وَيُقَالُ أَمَذْى يُمْذِي رُبَاعِيًّا ( أَغْتَسِلُ ) : مِنَ الْمَذْيِ فِي الشِّتَاءِ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ( تَشَقَّقَ ظَهْرِي ) : أَيْ حَصَلَ لِي شُقُوقٌ مِنْ شِدَّةِ أَلَمِ الْبَرْدِ ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ) : تِلْكَ الْحَالَةَ الَّتِي حَصَلَتْ لِي ( أَوْ ذُكِرَ لَهُ ) : هَكَذَا وَقَعَ بِالشَّكِّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا شَكٍّ وَكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ والْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ سَأَلْتُ . فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَلِيًّا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ أَمَرْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ . وَجَمَعَ ابْنُ حِبَّانَ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ عَمَّارًا أَنْ يَسْأَلَ ثُمَّ أَمَرَ الْمِقْدَادَ بِذَلِكَ ثُمَّ سَأَلَ بِنَفْسِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ جَمْعٌ جَيِّدٌ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى آخِرِهِ لِكَوْنِهِ مُغَايِرًا لِقَوْلِهِ إِنَّهُ اسْتَحيى عَنِ السُّؤَالِ بِنَفْسِهِ ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ بِأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ أَطْلَقَ أَنَّهُ سَأَلَ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ لَا تَفْعَلْ : أَيْ لَا تَغْتَسِلْ عِنْدَ خُرُوجِ الْمَذْيِ ( فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ الْمَذْيُ لَا غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا إِيجَابُ غَسْلِ جَمِيعِ الذَّكَرِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ إِنَّمَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ فِي النَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ وَهِيَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ ، وَالنَّادِرُ كَالدَّمِ وَالْمَذْيِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ ( فَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ ) : الْفَضْخُ بِالْفَاءِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الدَّفْقُ أَيْ إِذَا صَبَبْتَ الْمَنِيَّ بِشِدَّةٍ وَجَامَعْتَ فَاغْتَسِلْ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ لَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِهِ الْوُضُوءُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَنُعْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ وَالْجَمَاهِيرِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ قَالَ وَذَكَرَ رَبِيعَةُ أَنَّ تَفْسِيرَ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ وَلَا يَنْوِي وُضُوءً لِلصَّلَاةِ وَلَا غُسْلًا لِلْجَنَابَةِ . ( وَذَكَرَ رَبِيعَةُ ) : أَيْ فِي جُمْلَةِ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْكَلَامِ ، أَيْ ذَكَرَ أَشْيَاءَ وَذَكَرَ تَفْسِيرَ هَذَا الْحَدِيثِ ( لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَا يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) : بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَّهُ ) : الرَّجُلُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بِتَمَامِهَا خَبَرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَنَّ تَفْسِيرَ إِلَخْ ( يَتَوَضَّأُ ) : لِلصَّلَاةِ أَوْ لِغَيْرِهَا ( وَلَا يَنْوِي ) : الرَّجُلُ الْمُتَوَضِّئُ وَالْمُغْتَسِلُ ( وَلَا ) : يَنْوِي ( غُسْلًا لِلْجَنَابَةِ ) : فَهُمَا غَيْرُ قَاصِدَيْنِ لِلطَّهَارَةِ فَلَا وُضُوءَ وَلَا غُسْلَ لَهُمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا بِهِمَا الطَّهَارَةَ وَإِنْ غَسَلَا ظَاهِرَ أَعْضَائِهِمَا ، فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ . قَالَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَرَوَيْنَا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ . قُلْتُ : كَلَامُ رَبِيعَةَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الْوَاقِعِ وَهُوَ عَدَمُ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ ، لَكِنْ حَمْلُهُ الْحَدِيثَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مَحَلُّ تَرَدُّدٍ بَلْ هُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ ضِعَافٌ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ثُمَّ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَجْمُوعَ الْأَحَادِيثِ يَحْدُثُ مِنْهَا قُوَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَصْلًا . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَبَتَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْكَثِيرِ فِي الْإِرْشَادِ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : يَثْبُتُ لِمَجْمُوعِهَا مَا يَثْبُتُ بِالْحَدِيثِ الْحَسَنِ .
بَابٌ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ ، وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ بَابٌ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الْوُضُوءِ هَلْ هُوَ ضَرُورِيٌّ أَمْ لَا . قَالَ السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَهْدَلُ فِي شَرْحِ بُلُوغِ الْمَرَامِ نَاقِلًا عَنْ شَرْحِ الْعُبَابِ : الْبَسْمَلَةُ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِكَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ . انْتَهَى . ( يَعْقُوبُ بْنُ سَلَمَةَ ) : اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ قَالَ الذَّهَبِيُّ شَيْخٌ لَيْسَ بِعُمْدَةٍ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُعْرَفُ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ أَبِيهِ وَلَا لِأَبِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفِطْرِيُّ وَأَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى . انْتَهَى ( لَا صَلَاةَ ) : قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذِهِ الصِّيغَةُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْيِ الشَّيْءِ ، وَتُطْلَقُ عَلَى نَفْيِ كَمَالِهِ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْأَوَّلُ ( لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ ) : بِضَمِّ الْوَاوِ ، أَيْ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ . قَالَ الْمُحَدِّثُ الْأَجَلُّ وَلِيُّ اللَّهُ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْحُجَّةِ : وَهُوَ نَصٌّ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ رُكْنٌ أَوْ شَرْطٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَا يَكْمُلُ الْوُضُوءُ لَكِنْ لَا أَرْتَضِي بِمِثْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الْبَعِيدِ الَّذِي يَعُودُ بِالْمُخَالَفَةِ عَلَى اللَّفْظِ ( لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ) : أَيْ لَمْ يَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَلَىِ الْوُضُوءِ أَوْ بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، لِمَا أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ حَفَظَتَكَ لَا تَزَالُ تَكْتُبُ لَكَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تُحْدِثَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءِ ، قَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الشَّافِعِيِّ قَالَ : أُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُسَمِّيَ اللَّهَ فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا لِمَا رَوَيْنَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِنَاءِ الَّذِي وَضَعَ يَدَهُ فِيهِ وَالْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ تَوَضَّئُوا بِسْمِ اللَّهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ طَاهِرٌ فِي تَكْمِلَةِ مَجْمَعِ الْبِحَارِ : وَيَكْفِي بِسْمِ اللَّهِ ، وَالْأَكْمَلُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فَإِنْ تَرَكَ أَوَّلًا قَالَ فِي أَثْنَائِهِ : بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا انتهى. وَالْحَدِيثُ ظَاهِرُهُ نَفْيُ الصِّحَّةِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ : قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ : إِنَّ التَّسْمِيَةَ فِي الْوُضُوءِ مُسْتَحَبَّةٌ ، مَعَ قَوْلِ دَاوُدَ وَأَحْمَدَ إِنَّهَا وَاجِبَةٌ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ إِلَّا بِهَا ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَمْدُ وَالسَّهْوُ ، وَمَعَ قَوْلِ إِسْحَاقَ : إِنْ نَسِيَهَا أَجْزَأَتْهُ طَهَارَتُهُ وَإِلَّا فَلَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ فِيهِ تَفْسِيرُ رَبِيعَةَ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ لَيْسَتْ أَسَانِيدُهَا مُسْتَقِيمَةً . وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ ، وَقَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْوُضُوءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ أَحْكُمُ بِهِ . وَقَالَ أَيْضًا : لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا لَهُ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرَوَاهُ عَنِ الشَّيْخِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ بِسْنَدِهِ وَهُوَ أَمْثَلُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ إِسْنَادًا ، وَتَأْوِيلُ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهُ ظَاهِرٌ فِي قَبُولِهِ ، غَيْرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِي تَارِيخِهِ : لَا يُعْرَفُ لِسَلَمَةَ سَمَاعٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا لِيَعْقُوبَ مِنْ أَبِيهِ . انْتَهَى .
بَابُ فيمَنْ يُحْدِثُ فِي الصَّلَاةِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ عِيسَى بْنِ حِطَّانَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَّامٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ بَابُ فِيمَنْ يُحْدِثُ فِي الصَّلَاةِ مَاذَا يَفْعَلُ وَثَبَتَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَيَتَوَضَّأُ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَدَثَ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ . ( حِطَّانَ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ( سَلَّامٍ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ . قَالَ النَّوَوِيُّ سَلَّامٌ كُلُّهُ بِالتَّشْدِيدِ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ الصَّحَابِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ سَلَامٍ شَيْخَ الْبُخَارِيِّ انْتَهَى . ( إِذَا فَسَا ) : فِعْلٌ مَاضٍ مِنْ فَسَا فَسْوًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَالِاسْمُ الْفُسَاءُ بِالضَّمِّ وَالْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ وَهُوَ رِيحٌ يَخْرُجُ بِغَيْرِ صَوْتٍ يُسْمَعُ . قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ أَحْدَثَ بِخُرُوجِ رِيحٍ مِنْ مَسْلَكِهِ الْمُعْتَادِ ( فَلْيَنْصَرِفْ ) : أَيْ مِنْ صَلَاتِهِ ( فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفُسَاءَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ، وَأَنَّهُ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ ، وَيَلْزَمُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ مِنْهُ لَا الْبِنَاءُ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ، وَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ . وَجْهُ التَّضْعِيفِ أَنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ . قَالَ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ الْمُرْسَلُ الصَّوَابُ فَمَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ وَيَقُولُ إِنَّ الْمُحْدِثَ يَخْرُجُ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُعِيدُ الْوُضُوءَ وَيَبْنِي عَلَيْهَا وَلَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْعَلَ مُفْسِدًا ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ . قُلْتُ : حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ لَهُ تَرْجِيحٌ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ حَدِيثَ عَلِيٍّ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِصِحَّتِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ لَا أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ السُّحَيْمِيِّ وَكَأَنَّهُ رَأَى هَذَا رَجُلًا آخَرَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . قُلْتُ : وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ طَلْقٍ وَطَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ رَجُلَانِ . وَالْعَجَبُ مِنْ صَاحِبِ سُبُلِ السَّلَامِ كَيْفَ قَالَ : مَالَ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ طَلْقٍ وَطَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ اسْمٌ لِذَاتٍ وَاحِدَةٍ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يَطَأُ الْأَذَى بِرِجْلِهِ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، أخبرنا شَرِيكٌ وَجَرِيرٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُنَّا لَا نَتَوَضَّأُ مِنْ مَوْطِئٍ ، وَلَا نَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ فِيهِ : عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَوْ حَدَّثَهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ هَنَّادٌ : عَنْ شَقِيقٍ أَوْ حَدَّثَهُ عَنْهُ قال : قال عبد الله . بَابُ الرَّجُلِ يَطَأُ الْأَذَى بِرِجْلِهِ وَالْوَطْءُ الدَّوْسُ بِالْقَدَمِ أَيْ مَنْ يَدُوسُ النَّجَاسَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَقَذَّرُ بِهَا النَّفْسُ فَهَلْ يُنْقَضُ وُضُوءُهُ . ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) : أَيِ ابْنُ مَسْعُودٍ ( مِنْ مَوْطِئٍ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الطَّاءِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمَوْطِئُ مَا يُوطَأُ فِي الطَّرِيقِ مِنَ الْأَذَى وَأَصْلُهُ الْمَوْطُوءُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُعِيدُونَ الْوُضُوءَ لِلْأَذَى إِذَا أَصَابَ أَرْجُلَهُمْ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ وَلَا يُنَظِّفُونَهَا مِنَ الْأَذَى إِذَا أَصَابَهَا انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْمَوْطِئُ مَوْضِعُ وَطْءِ الْقَدَمِ . وَقَالَ الْعِرَاقِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ الْوُضُوءُ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ التَّنْظِيفُ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْسِلُونَ أَرْجُلَهُمْ مِنَ الطِّينِ وَنَحْوِهَا وَيَمْشُونَ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الطَّهَارَةُ ، وَحَمَلَهُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْسِلُونَ الرِّجْلَ مِنْ مَسِّهَا وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْمَعْرِفَةِ بَابُ النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ يَطَؤُهَا بِرِجْلِهِ أَوْ يَجُرُّ عَلَيْهَا ثَوْبَهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا إِذَا وَطِئَ الرَّجُلُ عَلَى الْمَكَانِ الْقَذِرِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ غَسْلُ الْقَدَمِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَطْبًا فَيَغْسِلُ مَا أَصَابَهُ انْتَهَى ( وَلَا نَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا ) : أَيْ لَا نَقِيهِمَا مِنَ التُّرَابِ إِذَا صَلَّيْنَا صِيَانَةً لَهُمَا عَنِ التَّتْرِيبِ وَلَكِنْ نُرْسِلُهُمَا حَتَّى يَقَعَا عَلَى الْأَرْضِ فَيَسْجُدَا مَعَ الْأَعْضَاءِ كَذَا فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ ( عَنْ مَسْرُوقٍ ) : بِزِيَادَةِ مَسْرُوقٍ بَيْنَ شَقِيقٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ( أَوْ حَدَّثَهُ عَنْهُ ) : أَيْ حَدَّثَ شَقِيقٌ الْأَعْمَشَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ( قَالَ ) : مَسْرُوقٌ ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) : بْنُ مَسْعُودٍ ( أَوْ حَدَّثَهُ عَنْهُ ) : أَيْ حَدَّثَ الْأَعْمَشُ أَبَا مُعَاوِيَةَ عَنْ شَقِيقٍ ( قَالَ ) : شَقِيقٌ ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ) : بْنُ مَسْعُودٍ . وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ يَرْوِي عَنْهُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِزِيَادَةِ مَسْرُوقٍ بَيْنَ شَقِيقٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ، وَهَنَّادٌ يَرْوِي عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِحَذْفِ مَسْرُوقٍ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا أَيْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَهَنَّادٌ ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ بِالْعَنْعَنَةِ أَوْ بِالتَّحْدِيثِ بِالشَّكِّ ، وَقَالَ هَنَّادٌ رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ بِالْعَنْعَنَةِ أَوْ بِلَفْظِ التَّحْدِيثِ ، فَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ الشَّكُّ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ هَلْ هِيَ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ أَوْ بِالتَّحْدِيثِ ، وَفِي رِوَايَةِ هَنَّادٍ الشَّكُّ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ هَلْ هِيَ بِالْعَنْعَنَةِ أَوْ بِالتَّحْدِيثِ ، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ فِي الرَّجُلِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ . باب في الرجل إلخ ( مِنَ اللَّيْلِ ) : إِنَّمَا خُصَّ نَوْمُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِلْغَلَبَةِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ يَقْتَضِي إِلْحَاقَ نَوْمِ النَّهَارِ بِنَوْمِ اللَّيْلِ ( يَدَهُ ) : بِالْإِفْرَادِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ هَاهُنَا الْكَفُّ دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا ، وَقَوْلُهُ فَلَا يَغْمِسْ هُوَ أَبْيَنُ فِي الْمُرَادِ مِنْ رِوَايَةِ الْإِدْخَالِ ، لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِدْخَالِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَرَاهَةٌ كَمَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي إِنَاءٍ وَاسِعٍ فَاغْتَرَفَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُلَامِسَ يَدُهُ الْمَاءَ ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) : هَكَذَا ذَكَرَ لَفْظَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ جَابِرٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَأَ الْأَعْرَجُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ ، وَثَابِتٌ فَرَوَوْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِدُونِ ذِكْرِ الثَّلَاثِ ، لَكِنَّ زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهَا ، وَفِيهِ النَّهْيُ عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ ، فَلَوْ خَالَفَ وَغَمَسَ الْيَدَ لَمْ يَفْسُدِ الْمَاءُ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ لَا يُنَجَّسْ إِنْ كَانَ قَامَ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُمْ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ بِلَفْظِ : فَإِنْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا فَلْيُرِقْ ذَلِكَ الْمَاءَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَقَالَ هَذِهِ زِيَادَةٌ مُنْكَرَةٌ لَا تُحْفَظُ . ( فَإِنَّهُ ) : أَيِ الْغَامِسُ ( بَاتَتْ يَدُهُ ) : زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْهُ أَيْ مِنْ جَسَدِهِ ، أَيْ لَا يَدْرِي تَعْيِينَ الْمَوْضِعِ الَّذِي بَاتَتْ فِيهِ أَيْ هَلْ لَاقَتْ مَكَانًا طَاهِرًا مِنْهُ أَوْ نَجِسًا أَوْ بَثْرَةً أَوْ جُرْحًا أَوْ أَثَرَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ بَعْدَ ابْتِلَالِ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ أَوْ بِنَحْوِ عَرَقٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَمُقْتَضَاهُ إِلْحَاقُ مَنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ دَرَى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ كَمَنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً مَثَلًا فَاسْتَيْقَظَ وَهِيَ عَلَى حَالِهَا أَنْ لَا كَرَاهَةَ وَإِنْ كَانَ غَسْلُهَا مُسْتَحَبًّا عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْمُسْتَيْقِظِ . وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ لِلتَّعَبُّدِ - كَمَالِكٍ - لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ شَاكٍّ وَمُتَيَقِّنٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ : إِنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَنُ النَّائِمُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَذِرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا رَزِينٍ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ ، أَوْ أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ ( أَوْ أَيْنَ كَانَتْ ) : قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَرْدِيدٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ ، مِنْهَا أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ نَجَّسَتْهُ وَإِنْ قَلَّتْ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ ، فَإِنَّهَا تُنَجِّسُهُ لِأَنَّ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْيَدِ وَلَا يُرَى قَلِيلٌ جِدًّا ، وَكَانَتْ عَادَتُهُمُ اسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ قُلَّتَيْنِ بَلْ لَا تُقَارِبُهَا . وَرَدَّ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ فِي صِنَاعَةِ الْحَدِيثِ حَدِيثَ قُلَّتَيْنِ بِحَدِيثِ الْبَابِ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُ . وَأَجَابَ عَنْهُ إِمَامُ عَصْرِهِ ، وَأُسْتَاذُ دَهْرِهِ الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ الْمُفَسِّرُ شَيْخُنَا وَمُعَلِّمُنَا السَّيِّدُ مُحَمَّدُ نَذِير حُسَيْن الدَّهْلَوِيُّ فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ بِجَوَابٍ كَافٍ شُفِيَتْ بِهِ صُدُورُ النَّاسِ وَبُهِتَ الْمُعْتَرِضُ . وَمِنْهَا الْفَرْقُ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ وَأَنَّهَا إِذْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ نَجَّسَتْهُ وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا أَزَالَهَا ، وَمِنْهَا أَنَّ الْغَسْلَ سَبْعًا لَيْسَ عَامًّا فِي جَمِيعِ النَّجَاسَاتِ وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ خَاصَّةً ، وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ ثَلَاثًا لِأَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِهِ فِي الْمُتَوَهَّمَةِ فَفِي الْمُحَقَّقَةِ أَوْلَى ، وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الِاحْتِيَاطِ إِلَى حَدِّ الْوَسْوَسَةِ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
بَابٌ فِي الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، قال : ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ قال : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ بَابٌ فِي الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ مِنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ ؟ ( شُغِلَ عَنْهَا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ؛ أَيْ شُغِلَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَالشُّغْلُ الْمَذْكُورُ كَانَ فِي تَجْهِيزِ جَيْشٍ ، رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ . ( حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ) الرُّقَادُ : النَّوْمُ . قَالَ الْحَافِظُ : اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الرَّاقِدُ مِنْهُمْ قَاعِدًا مُتَمَكِّنًا أَوْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُضْطَجِعًا لَكِنَّهُ تَوَضَّأَ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلِ اكْتِفَاءً بِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ، انْتَهَى . وَيَجِيءُ بَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِي آخِرِ الْبَابِ ( ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحُجْرَةِ ( فَقَالَ : لَيْسَ أَحَدٌ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرَكُمْ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْمُؤَلِّفِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : فَقَالَ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا شَاذُّ بْنُ فَيَّاضٍ ، قال : ثنا هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وزَادَ فِيهِ شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كُنَّا نَخْفِقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ . ( حَدَّثَنَا شَاذُّ ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ ( بْنُ فَيَّاضٍ ) بِالْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، اسْمُهُ هِلَالٌ وَلَقَبُهُ شَاذٌّ ، أَبُو عُبَيْدَةَ الْبَصْرِيُّ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ . ( الدَّسْتُوَائِيُّ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى الدَّسْتَوَاءِ وَهِيَ كُورَةٌ مِنْ كُوَرِ الْأَهْوَازِ أَوْ قَرْيَةٌ ، وَقِيلَ : هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَيْعِ الثِّيَابِ الدَّسْتَوَائِيَّةِ الَّتِي تُجْلَبُ مِنْهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ . ( الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ) الْعَشِيُّ وَالْعَشِيَّةُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ ، تَقُولُ : أَتَيْتُهُ عَشِيَّةَ أَمْسِ وَعَشِيَّ أَمْسِ ، وَالْعِشَاءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ ، وَالْعِشَاءَانِ الْمَغْرِبُ وَالْعَتَمَةُ ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْعِشَاءَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَأَنْشَدُوا : غَدَوْنَا غَدْوَةً سَحَرًا بِلَيْلٍ عِشَاءً بَعْدَ مَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَالْعَشَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ : الطَّعَامُ بِعَيْنِهِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْغَدَاءِ ؛ كَذَا فِي الصِّحَاحِ . ( حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهِمْ ) خَفَقَ يَخْفِقُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ ، يُقَالُ : خَفَقَ بِرَأْسِهِ خَفْقَةً أَوْ خَفْقَتَيْنِ ؛ إِذَا أَخَذَتْهُ سِنَةٌ مِنَ النُّعَاسِ فَمَالَ رَأْسُهُ دُونَ جَسَدِهِ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ تَسْقُطُ أَذْقَانُهُمْ عَلَى صُدُورِهِمْ . ( ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ عَيْنَ النَّوْمِ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، وَلَوْ كَانَ حَدَثًا لَكَانَ أَيُّ حَالٍ وُجِدَ نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ الَّتِي قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَعَمْدُهَا وَخطَاؤُهَا سَوَاءٌ فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَظِنَّةٌ لِلْحَدَثِ مُوهِمٌ لِوُقُوعِهِ مِنَ النَّائِمِ غَالِبًا ، فَإِذَا كَانَ بِحَالٍ مِنَ التَّمَاسُكِ فِي الِاسْتِوَاءِ فِي الْقُعُودِ الْمَانِعِ مِنْ خُرُوجِ الْحَدَثِ مِنْهُ كَانَ مَحْكُومًا بِبَقَاءِ الطَّهَارَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ مُضْطَجِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ قَائِمًا أَوْ مَائِلًا إِلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ أَوْ عَلَى حَالَةٍ يَسْهُلُ مَعَهَا خُرُوجُ الْحَدَثِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ كَانَ أَمْرُهُ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْهُ الْحَدَثُ فِي تِلْكَ الْحَالِ غَالِبًا ، وَلَوْ كَانَ نَوْمُ الْقَاعِدِ نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى عَامَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلُّوا مُحْدِثِينَ بِحَضْرَتِهِ ، فَدَلَّ أَنَّ النَّوْمَ إِذَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ غَيْرُ نَاقِضٍ لِلطُّهْرِ . وَفِي قَوْلِهِ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ كَانَ يَتَوَاتَرُ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ قَدْ كَثُرَ حَتَّى صَارَ كَالْعَادَةِ لَهُمْ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَادِرًا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، وَذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ عَيْنَ النَّوْمِ لَيْسَ بِحَدَثٍ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ ، انْتَهَى . ( ابْنُ عَرُوبَةَ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ ، هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ( عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ ) لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي أَبْوَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، نَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، نَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ؛ قَالَ : كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ . قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي حَازِمٍ وَقَتَادَةَ : هُوَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ . وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا : هُوَ انْتِظَارُ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَا : ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي حَاجَةً ، فَقَامَ يُنَاجِيهِ حَتَّى نَعَسَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ . وَلَمْ يَذْكُرْ وُضُوءًا ( عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِنُونَيْنِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى بُنَانَةَ وَهُمْ وَلَدُ سَعْدِ بْنِ لُؤَيٍّ . وَأُمُّ سَعْدٍ اسْمُهَا بُنَانَةُ ، وَقِيلَ : بَلْ هِيَ أَمَةُ سَعْدٍ ، وَقِيلَ : بُنَانَةُ أُمُّ بَنِي سَعْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ . ( فَقَامَ رَجُلٌ ) لَمْ يَقِفِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ كَانَ كَبِيرًا فِي قَوْمِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَأَلَّفَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مُسْتَنَدِ ذَلِكَ . وَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ جَاءَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ . ( فَقَامَ ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُنَاجِيهِ ) ؛ أَيْ يُحَادِثُهُ ، وَالْمُنَاجَاةُ التَّحْدِيثُ ، وَفِيهِ جَوَازُ مُنَاجَاةِ الْوَاحِدِ غَيْرَهُ بِحُضُورِ الْجَمَاعَةِ ، وَجَوَازُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالْإِحْرَامِ إِذَا كَانَ لِحَاجَةٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ إِذَا قَالَ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ التَّكْبِيرُ . ( حَتَّى نَعَسَ الْقَوْمُ أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ ) نَعَسَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، وَغَلِطَ مَنْ ضَمَّهَا . وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ : وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاجِي رَجُلًا فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ وَنَعَس . قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النُّعَاسَ يُسَمَّى نَوْمًا ، وَالْمَشْهُورُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا إِنِ اسْتَقَرَّ حَوَاسُّهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَ جَلِيسِهِ وَلَا يَفْهَمُ مَعْنَاهُ فَهُوَ نَاعِسٌ وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَائِمٌ ، وَمِنْ عَلَامَاتِ النَّوْمِ الرُّؤْيَا طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ . وَفِي الْعَيْنِ وَالْمُحْكَمِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ : النُّعَاسُ النَّوْمُ ، وَقِيلَ : مُقَارَبَتُهُ . ( ثُمَّ صَلَّى ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِهِمْ ) ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : فَصَلَّوْا ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ( وُضُوءًا ) ؛ أَيْ أَنَّهُمْ صَلَّوْا وَمَا تَوَضَّئُوا كَمَا ذَكَرَهُ قَتَادَةُ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَلَيْسَ فِيهِ ( ولَمْ يَذْكُرْ وُضُوءًا ) ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِ يَحْيَى عَنْ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ ، فَقُلْتُ لَهُ : صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْتَ ، فَقَالَ : إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا زَادَ عُثْمَانُ وَهَنَّادٌ : فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَوْلُهُ : الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ وَرَوَى أَوَّلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا ، وَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْفُوظًا ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي . وَقَالَ شُعْبَةُ : إِنَّمَا سَمِعَ قَتَادَةُ عن أَبِي الْعَالِيَةِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : حَدِيثَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ، وَحَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ ، وَحَدِيثَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : حَدَّثَنِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ مِنْهُمْ عُمَرُ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَذَكَرْتُ حَدِيثَ يَزِيدَ الدَّالَانِيِّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَانْتَهَرَنِي اسْتِعْظَامًا لَهُ ، فقَالَ : مَا لِيَزِيدَ الدَّالَانِيِّ يُدْخِلُ عَلَى أَصْحَابِ قَتَادَةَ وَلَمْ يَعْبَأْ بِالْحَدِيثِ . ( الدَّالَانِيِّ ) مَنْسُوبٌ إِلَى دَالَانَ بْنِ سَابِقَةَ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ ( وَيَنْفُخُ ) ؛ النَّفْخُ هُوَ إِرْسَالُ الْهَوَاءِ مِنَ الْفَمِ بِقُوَّةٍ ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَا يَخْرُجُ مِنَ النَّائِمِ حِينَ اسْتِغْرَاقِهِ فِي ؛ أَيْ كَانَ يَتَنَفَّسُ بِصَوْتٍ حَتَّى يُسْمَعَ مِنْهُ صَوْتُ النَّفْخِ . ( فَقُلْتُ ) ، الْقَائِلُ ابْنُ عَبَّاسٍ ( وَقَدْ نِمْتَ ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَ ( نِمْتَ ) بِكَسْرِ النُّونِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنَ النَّوْمِ كَانَ مَعْلُومًا مُشْتَهِرًا عِنْدَهُمْ . ( إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ) ؛ أَيْ مَنْ نَامَ عَلَى جَنْبِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، يُقَالُ : ضَجَعْتُ ضَجْعًا مِنْ بَابِ نَفَعَ وَضَعْتُ جَنْبِي بِالْأَرْضِ ، وَأَضْجَعْتُ بِالْأَلِفِ لُغَةٌ ، وَالْمَضْجَعُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ مَوْضِعُ الضُّجُوعِ وَالْجَمْعُ مَضَاجِعٌ وَاضْطَجَعَ وَاضَّجَعَ ، وَالْأَصْلُ افْتَعَلَ ، لَكِنْ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقْلِبُ التَّاءَ طَاءً وَيُظْهِرُهَا عِنْدَ الضَّادِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُ التَّاءَ ضَادًا وَيُدْغِمُهَا فِي الضَّادِ تَغْلِيبًا لِلْحَرْفِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الضَّادُ ، وَلَا يُقَالُ : اطَّجَعَ ؛ بِطَاءٍ مُشَدَّدَةٍ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أَيْ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى نَائِمٍ إِلَّا عَلَى هَذَا النَّائِمِ أَوْ مَنْ فِي مَعْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا فِي الْعِلَّةِ وَهِيَ اسْتِرْخَاءُ الْأَعْضَاءِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ ، فَحَيْثُ دَارَتِ الْعِلَّةُ يَدُورُ مَعَهَا الْمَعْلُولُ ، وَلِهَذَا قَالُوا : إِذَا كَانَ سَاجِدًا عَلَى هَيْئَةِ السُّنَّةِ لَا تُنْقَضُ طَهَارَتُهُ ، انْتَهَى . ( زَادَ عُثْمَانُ وَهَنَّادٌ ) فِي رِوَايَتِهِمَا ( فَإِنَّهُ ) ؛ أَيِ الْمُصَلِّيَ وَغَيْرَهُ ( إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ ) الرَّخْوُ اللِّينُ ؛ أَيْ لَانَتْ مَفَاصِلُهُ ، وَهِيَ جَمْعُ مَفْصِلٍ وَهُوَ رُءُوسُ الْعِظَامِ وَالْعُرُوقِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : إِنَّ الِاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لِاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ ، فَلَا يَخْلُو عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنَ الرِّيحِ ؛ أَيْ : مِنْ عَادَةِ النَّائِمِ الْمُضْطَجِعِ وَالثَّابِتُ بِالْعَادَةِ كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ ، انْتَهَى . ( هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ) قَالَ السَّخَاوِيُّ : إِنَّ الصَّدُوقَ إِذَا تَفَرَّدَ بِمَا لَا مُتَابِعَ لَهُ فِيهِ وَلَا شَاهِدَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الضَّبْطِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَقْبُولِ فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الشَّاذِّ ، فَإِنْ خُولِفَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مَعَ ذَلِكَ كَانَ أَشَذَّ فِي شُذُوذِهِ وَرُبَّمَا سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ مُنْكَرًا ، وَإِنْ بَلَغَ تِلْكَ الرُّتْبَةَ فِي الضَّبْطِ لَكِنَّهُ خَالَفَ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ فِي الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ ، فَهَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الشَّاذِّ . وَأَمَّا إِذَا انْفَرَدَ الْمَسْتُورُ أَوِ الْمَوْصُوفُ بِسُوءِ الْحِفْظِ أَوِ الضَّعْفِ فِي بَعْضِ مَشَائخِهِ خَاصَّةً أَوْ نَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَا يُحْكَمُ لِحَدِيثِهِمْ بِالْقَبُولِ بِغَيْرِ عَاضِدٍ يُعَضِّدُهُ بِمَا لَا مُتَابِعَ لَهُ وَلَا شَاهِدَ فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُنْكَرِ ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِد إِطْلَاقَ الْمُنْكَرِ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ ، وَإِنْ خُولِفَ مَعَ ذَلِكَ فَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْمُنْكَرِ . فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الشَّاذِّ وَالْمُنْكَرِ قِسْمَانِ يَجْتَمِعَانِ فِي مُطْلَقِ التَّفَرُّدِ أَوْ مَعَ قَيْدِ الْمُخَالَفَةِ ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي أَنَّ الشَّاذَّ رَاوِيهِ ثِقَةٌ أَوْ صَدُوقٌ غَيْرُ ضَابِطٍ ، وَالْمُنْكَرُ رَاوِيهِ ضَعِيفٌ لِسُوءِ حِفْظِهِ أَوْ جَهَالَتِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . ( وَرَوَى أَوَّلَهُ ) ؛ أَيْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : كَانَ يَسْجُدُ وَيَنَامُ وَيَنْفُخُ ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ . ( لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا ) ؛ أَيْ سُؤَالِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْتَ ، وَجَوَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ آخِرُهُ مُفْرَدًا دُونَ أَوَّلِهِ . قُلْتُ : رِوَايَاتُ جَمَاعَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الْمُؤَلِّفُ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا ، نَعَمْ رَوَى كُرَيْبٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ بِلَفْظِ أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا بِعَيْنِهِ ، أَمَّا رِوَايَةُ كُرَيْبٍ فَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ اللَّيْلِ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ، فَأَتَاهُ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . وَأَمَّا رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَأَخْرَجَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ . ( قَالَ ) ؛ أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ سِيَاقِ الْعِبَارَةِ ، وَلَيْسَ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدِي اسْمُ الْقَائِلِ ، لَكِنْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ قَائِلَهُ هُوَ عِكْرِمَةُ ، وَلَفْظُهُ وَقَالَ عِكْرِمَةُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَحْفُوظًا ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ إِلَخْ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُمَا فِي السُّنَنِ ( مَحْفُوظًا ) ؛ أَيْ عَنْ نَوْمِ الْقَلْبِ ( وَلَا يَنَامُ قَلْبِي ) لِيَعِيَ الْوَحْيَ الَّذِي يَأْتِيهِ ، وَلِذَا كَانَتْ رُؤْيَاهُ وَحْيًا وَلَا تُنْقَضُ طَهَارَتُهُ بِالنَّوْمِ ، وَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ تَنَامُ أَعْيُنُنَا وَلَا تَنَامُ قُلُوبُنَا ، رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا . وَمَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ عِكْرِمَةَ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ تَضْعِيفُ آخِرِ الْحَدِيثِ ؛ أَيْ سُؤَالِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ : صَلَّيْتَ وَلَمْ تَتَوَضَّأْ وَقَدْ نِمْتَ ! وَجَوَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا . وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَوْمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا نَاقِضٌ لِوُضُوئِهِ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ : تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَوْ عِكْرِمَةَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْفُوظًا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ مُنْكَرٌ مُخَالِفٌ فِي الْمَعْنَى لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ . فَإِنْ قُلْتَ : حَدِيثُ نَوْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَيْثُ كَانُوا قَافِلِينَ مِنْ سَفَرٍ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، إِذْ مُقْتَضَى عَدَمِ نَوْمِ الْقَلْبِ إِدْرَاكُهُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَلَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ وَقْتُ الصُّبْحِ ، فَكَيْفَ نَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَحَمِيَتْ وَأَيْقَظَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالتَّكْبِيرِ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قُلْتُ : إِنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا يُدْرِكُ الْحِسِّيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ ، كَالْحَدَثِ وَالْأَلَمِ وَنَحْوِهِمَا وَلَا يُدْرِكُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ لِأَنَّهَا نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ ) : وَلَيْسَ حَدِيثُ أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ مِنْهَا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : فَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَى أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ جَمِيعُ الْحُفَّاظِ وَأَنْكَرُوا سَمَاعَهُ مِنْ قَتَادَةَ : أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُهُمَا . انْتَهَى ( حَدِيثَ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالتَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ فِي بَابِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ( وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ ) : لَعَلَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ قَوْلُ شُعْبَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَتَادَةَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الرِّجَالِ أَنَّ أَبَا الْعَالِيَةِ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَ ( حَدِيثَ : الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ) : أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْمُؤَلِّفُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ ، فَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ فِي بَابِ الْقَاضِي يُخْطِئُ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ ( وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ) : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ انْتَهَى . ( وَذَكَرْتُ حَدِيثَ يَزِيدَ الدَّالَانِيِّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ) : أَيْ سَأَلْتُهُ لِيُبَيِّنَ لِي حَالَهُ مِنَ الصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ ( فَانْتَهَرَنِي ) : أَيْ زَجَرَنِي أَحْمَدُ ( اسْتِعْظَامًا لَهُ ) : أَيْ إِنْكَارًا لِحَدِيثِ يَزِيدَ الدَّالَانِيِّ ، أَيِ اسْتَعْظَمَ شَأْنَهُ مِنْ جِهَةِ ضَعْفِهِ وَزَجْرِهِ عَنْ تَذْكِرَتِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَعْلُولَةِ وَالضَّعِيفَةِ ( فَقَالَ أَحْمَدُ مَا لِيَزِيدَ الدَّالَانِيِّ ) : أَيْ مَا بَالُهُ وَشَأْنُهُ ( يُدْخِلُ ) : مِنَ الْإِدْخَالِ ( عَلَى أَصْحَابِ قَتَادَةَ ) : أَيْ شُيُوخِهِ مَا لَمْ تَقُلْهُ ، أَيْ مَا لَمْ تَرْوِهِ شُيُوخُ قَتَادَةَ عَنْ شُيُوخِهِمْ ، فَمَا يَرْوِيهِ يَزِيدُ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ شُيُوخِهِمْ مَدْخُولٌ عَلَيْهِمْ ، وَحَقِيقَةُ الْقَوْلِ : الْمَدْخُولُ مَا لَمْ يَقُلْهُ صَاحِبُهُ بَلْ أَدْخَلَهُ غَيْرُهُ وَنَسَبَهُ إِلَيْهِ ، وَنَظِيرُهُ مَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ كَانَ خَالِدٌ الْمَدَائِنِيُّ يُدْخِلُ عَلَى الشُّيُوخِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : يَعْنِي يُدْخِلُ فِي رِوَايَاتِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهَا . انْتَهَى ( وَلَمْ يَعْبَأْ ) : أَيْ لَمْ يُبَالِ أَحْمَدُ ( بِالْحَدِيثِ ) : لِضَعْفِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّ قَتَادَةَ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبَا الْعَالِيَةِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ : يُقَالُ إِنَّ قَتَادَةَ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ وَهُوَ الدَّالَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ وَلَا يَصِحُّ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَبَّانَ الْبُسْتِيُّ أَنَّ يَزِيدَ الدَّالَانِيَّ كَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ فَاحِشَ الْوَهْمِ يُخَالِفُ الثِّقَاتِ فِي الرِّوَايَةِ حَتَّى إِذَا سَمِعَهَا الْمُبْتَدِئُ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ عَلِمَ أَنَّهَا مَعْلُولَةٌ أَوْ مَقْلُوبَةٌ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا إِذَا وَافَقَ الثِّقَاتِ ، فَكَيْفَ إِذَا انْفَرَدَ عَنْهُمْ بِالْمُعْضِلَاتِ وَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ الدَّالَانِيُّ هَذَا فَقَالَ لَا يُتَابَعُ فِي بَعْضِ أَحَادِيثِهِ . وَسُئِلَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ عَنِ الدَّالَانِيِّ هَذَا فَقَالَ : صَدُوقٌ ثِقَةٌ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يزيدُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَإِنَّهُ قَدْ أَنْكَرَهُ عَلَى أَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ جَمِيعُ الْحُفَّاظِ ، وَأَنْكَرَ سَمَاعَهُ مِنْ قَتَادَةَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَفَ عَلَى عِلَّةِ هَذَا الْأَثَرِ حَتَّى رَجَعَ عَنْهُ فِي الْجَدِيدِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَلَوْ فُرِضَ اسْتِقَامَةُ حَالِ الدَّالَانِيِّ كَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَ الِانْقِطَاعِ فِي إِسْنَادِهِ وَالِاضْطِرَابِ وَمُخَالَفَةِ الثِّقَاتِ مَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ ضَعَّفَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ فِي آخَرِينَ قَالُوا : ثنا بَقِيَّةُ ، عَنْ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ مَحْفُوظِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ ( حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ) : عَلَى وَزْنِ رَحْمَةٍ ( عَنِ الْوَضِينِ ) : عَلَى وَزْنِ كَرِيمٍ ( وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْمُخَفَّفَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : السَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الدُّبُرِ ، وَالْوِكَاءُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ الْقِرْبَةُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْأَوْعِيَةِ ، وَفِي بَعْضِ الْكَلَامِ الَّذِي مَجْرَى الْأَمْثَالِ : احْفَظْ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ ، وَالْمَعْنَى الْيَقَظَةُ وِكَاءُ الدُّبُرِ ، أَيْ حَافِظَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ مُسْتَيْقِظًا أَحَسَّ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَمَعْنَاهُ مَنْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا كَانَ اسْتُهُ كَالْمَسْدُودَةِ الْمُوكَى عَلَيْهَا ، فَإِذَا نَامَ انْحَلَّ وِكَاؤُهَا ، كَنَّى بِهِ عَنِ الْحَدَثِ بِخُرُوجِ الرِّيحِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : إِذَا تَيَقَّظَ أَمْسَكَ مَا فِي بَطْنِهِ ، فَإِذَا نَامَ زَالَ اخْتِيَارُهُ وَاسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ . انْتَهَى . وَكَنَّى بِالْعَيْنِ عَنِ الْيَقِظِ ، لِأَنَّ النَّائِمَ لَا عَيْنَ لَهُ تُبْصِرُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْوَضِينُ بْنُ عَطَاءٍ وَفِيهِمَا مَقَالٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : الْوَضِينُ وَاهٍ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثَ . قُلْتُ : وَثَّقَهُمَا بَعْضُهُمْ ، سَأَلَ أَبُو زُرْعَةَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ فَقَالَ ثِقَةٌ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَمْ أَرَ بِحَدِيثِهِ بَأْسًا ، وَبَقِيَّةُ صَدُوقٌ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّوْمِ هَلْ تُنْقَضُ الطَّهَارَةُ أَمْ لَا عَلَى تِسْعَةِ مَذَاهِبَ : الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ : أَنَّ النَّوْمَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ أَصْلًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤونَ تَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النَّوْمَ لَوْ كَانَ نَاقِضًا لَمَا أَقَرَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَأَوْحَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَوْحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِ نَجَاسَةِ نَعْلِهِ . الْمَذْهَبُ الثَّانِي : أَنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ بِكُلِّ حَالٍ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ ، وَعَلَى أَيِّ هَيْئَةٍ كَانَتْ ، وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَمَرَنَا يعني النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ، ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا ، وَلَا نَخْلَعْهُمَا مِنْ غَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا نَوْمٍ وَلَا نَخْلَعْهُمَا إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ فَذَكَرَ الْأَحْدَاثَ الَّتِي يُنْزَعُ مِنْهَا الْخُفُّ وَالْأَحْدَاثَ الَّتِي لَا يُنْزَعُ مِنْهَا وَعَدَّ مِنْ جُمْلَتِهَا النَّوْمَ فَأَشْعَرَ بِذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ جَعْلِهِ مُقْتَرِنًا بِالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ اللَّذَيْنِ هُمَا نَاقِضَانِ بِالْإِجْمَاعِ . قَالُوا : فَجَعَلَ مُطْلَقَ النَّوْمِ كَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فِي النَّقْضِ . وَبِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَفِيهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَلِيلِ النَّوْمِ وَكَثِيرِهِ . الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ : أَنَّ كَثِيرَ النَّوْمِ يَنْقُضُ بِكُلِّ حَالٍ وَقَلِيلَهُ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ . قَالَ فِي السُّبُلِ : وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِنَاقِضٍ بِنَفْسِهِ بَلْ مَظِنَّةَ النَّقْضِ ، وَالْكَثِيرُ مَظِنَّةٌ بِخِلَافِ الْقَلِيلِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا قَدْرَ الْقَلِيلِ وَلَا الْكَثِيرِ حَتَّى يُعْلَمَ كَلَامُهُمْ بِحَقِيقَتِهِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إِذَا نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الْمُصَلِّينَ كَالرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ وَالْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ لَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَإِنْ نَامَ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ انْتَقَضَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُدَ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ مُضْطَجِعًا فَلْيَتَوَضَّأْ وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا : لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَبِي النَّائِمِ ، وَلَا عَلَى الْقَائِمِ النَّائِمِ ، وَلَا عَلَى السَّاجِدِ النَّائِمِ وُضُوءٌ حَتَّى يَضْطَجِعَ وَلِهَؤُلَاءِ آثَارٌ وَأَحَادِيثُ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ . الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إِلَّا نَوْمُ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ ، رُوِيَ هَذَا عَن أحمد بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ هَيْئَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَظِنَّةٌ لِلِانْتِقَاضِ . الْمَذْهَبُ السَّادِسُ : أَنَّ النَّوْمَ يَنْقُضُ إِلَّا نَوْمَ الرَّاكِعِ وَالسَّاجِدِ ، وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِحَدِيثِ : إِذَا نَامَ الْعَبْدُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ اللَّهُ : انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رُوحُهُ عِنْدِي وَهُوَ سَاجِدٌ لِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ . قَالُوا هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالسُّجُودِ فَقَدْ قَاسَ عَلَيْهِ الرُّكُوعَ . الْمَذْهَبُ السَّابِعُ : أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إِلَّا نَوْمُ السَّاجِدِ ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ . ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مَظِنَّةَ الِانْتِقَاضِ فِي السُّجُودِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الرُّكُوعِ . الْمَذْهَبُ الثَّامِنُ : أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ حَالٍ ، وَيَنْقُضُ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ لِلشَّافِعِيِّ وَنَسَبَهُ فِي النَّيْلِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِحَدِيثِ : إِذَا نَامَ الْعَبْدُ فِي سُجُودِهِ ، وَلَعَلَّ سَائِرَ هَيْئَاتِ الْمُصَلِّي مَقِيسَةٌ عَلَى السُّجُودِ . الْمَذْهَبُ التَّاسِعُ : أَنَّهُ إِذَا نَامَ جَالِسًا مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ لَمْ يَنْتَقِضْ وَإِلَّا انْتَقَضَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالنَّوْمُ عِنْدَهُ لَيْسَ حَدَثًا فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلُ خُرُوجِ الرِّيحِ ، فَإِذَا نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ لِلْمَقْعَدَةِ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ خُرُوجُ الرِّيحِ ، فَجَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْغَالِبَ كَالْمُحَقَّقِ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُمَكِّنًا فَلَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْخُرُوجُ ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَدَلِيلُ هَذَا الْمَذْهَبِ حَدِيثُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَهَذَا أَقْرَبُ الْمَذَاهِبِ عِنْدِي ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ . وَقَالَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَالْأَقْرَبُ الْقَوْلُ بِأَنَّ النَّوْمَ الْمُسْتَغْرَقَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ إِدْرَاكٌ نَاقِضٌ . وَالَّذِي فَهِمْتُ أَنَا بَعْدَ إِمْعَانِ النَّظَرِ فِي كُلٍّ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ النَّوْمَ الْمُسْتَغْرَقَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ إِدْرَاكٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِلْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَلْقِي ، وَأَمَّا النَّائِمُ الْمُسْتَغْرِقُ فِي هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الْمُصَلِّي فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ وُضُوءُهُ سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا وَكَذَا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ إِنْ كَانَ النَّوْمُ غَيْرَ مُسْتَغْرَقٍ وَاللَّهُ سُبْحَانُهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الدَّمِ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، قال : ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال : حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَأَصَابَ رَجُلٌ امْرَأَةَ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَحَلَفَ أَنْ لَا أَنْتَهِيَ حَتَّى أُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْزِلًا فَقَالَ : مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا ؟ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَ : كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ اضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي ، وَأَتَى الرَّجُلُ ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَهُ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ ، فَنَزَعَهُ ، حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ، ثُمَّ انْتَبَهَ صَاحِبُهُ ، فَلَمَّا عَرِفَ أَنَّهُمْ قَدْ نَذِرُوا بِهِ هَرَبَ ، فلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنْ الدَّمِاء قَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى ؟ قَالَ : كُنْتَ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ أَيْ : هَلْ يَكُونُ الْوُضُوءُ مِنْ خُرُوجِ الدَّمِ سَائِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ وَاجِبًا أَمْ لَا ؟ فَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ . ( عَنْ عَقِيلِ بْنِ جَابِرٍ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : فِيهِ جَهَالَةٌ ، مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَا أَعْرِفُ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ صَدَقَةَ . انْتَهَى . لَكِنِ الْحَدِيثُ قَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ؛ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ . ( ذَاتِ الرِّقَاعِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، كَانَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي سِيرَتِهِ . وَفِي تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِذَاتِ الرِّقَاعِ وُجُوهٌ ذَكَرَهَا أَصْحَابُ السِّيَرِ ، لَكِنْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ : وَالْأَصَحُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ ، فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا وَنَقِبَتْ قَدَمَايَ وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي ، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ ؛ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نَعْصِبُ مِنَ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا . ( فَأَصَابَ رَجُلٌ ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ قَتَلَهَا ( فَحَلَفَ ) الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ الَّذِي قُتِلَتْ زَوْجَتُهُ ( أَنْ لَا أَنْتَهِيَ ) ؛ أَيْ : لَا أَكُفَّ عَنِ الْمُعَاوضَةِ ( حَتَّى أُهْرِيقَ ) ؛ أَيْ أَصُبَّ ، مِنْ أَرَاقَ يُرِيقُ ، وَالْهَاءُ فِيهِ زَائِدَةٌ . ( فَخَرَجَ يَتْبَعُ ) مِنْ سَمِعَ يَسْمَعُ ، يُقَالُ : تَبِعْتُ الْقَوْمَ تَبَعًا وَتَبَاعَةً - بِالْفَتْحِ - إِذَا مَشَيْتُ خَلْفَهُمْ ، وَأَتْبَعْتَ الْقَوْمَ عَلَى أَفَعَلْتَ إِذَا كَانُوا قَدْ سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهُمْ ؛ كَذَا فِي الصِّحَاحِ . ( أَثَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بِفَتْحَتَيْنِ ؛ أَيْ قَدَمَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَمْشِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ : مَنْ يَحْفَظُنَا وَيَحْرُسُنَا . يُقَالُ : كَلَأَهُ اللَّهُ كِلَاءَةً - بِالْكَسْرِ - أَيْ حَفِظَهُ وَحَرَسَهُ . ( فَانْتُدِبَ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : نَدَبَهُ لِأَمْرٍ فَانْتَدَبَ أَيْ دَعَاهُ لَهُ فَأَجَابَ . ( رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ) هُوَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ( وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ ، سَمَّاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ . ( فَقَالَ : كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ ) قَالَ ابْنُ نَاظُورٍ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : الشِّعْبُ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَالشِّعْبُ مَسِيلُ الْمَاءِ فِي بَطْنٍ مِنَ الْأَرْضِ لَهُ حَرْفَانِ مُشْرِفَانِ وَعَرْضُهُ بَطْحَةُ رَجُلٍ ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ سَنَدَيْ جَبَلَيْنِ ، انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : بَطْحَةُ رَجُلٍ ؛ الْبَطْحُ : بر روى درافكندن بَطَحَهُ فَانْبَطَحَ . وَالْمُرَادُ مِنَ الشِّعْبِ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الْأَخِيرُ ؛ أَيْ : مَسِيلُ الْمَاءِ فِي بَطْنٍ مِنَ الْأَرْضِ لَهُ حَرْفَانِ مُشْرِفَانِ وَعَرْضُهُ بَطْحَةُ رَجُلٍ ، لِأَنَّهُ زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُعَيِّنُ الْمَعْنَى الْأَخِيرَ . وَمَعْنَى ( كُونَا بِفَمِ الشِّعْبِ ) ؛ أَيْ : قِفَا بِطَرَفِهِ الَّذِي يَلِي الْعَدُوَّ . وَالْفَمُ هَاهُنَا كِنَايَةٌ عَنْ طَرَفِهِ . ( فَلَمَّا رَأَى ) ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ ( شَخْصَهُ ) ؛ أَيْ شَخْصَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَالشَّخْصُ سَوَادُ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ تَرَاهُ مِنْ بَعِيدٍ ، يُقَالُ : ثَلَاثَةُ أَشْخُصٍ ، وَالْكَثِيرُ شُخُوصٌ وَأَشْخَاصٌ . ( عَرَفَ ) الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ ( أَنَّهُ ) ؛ أَيِ الْأَنْصَارِيَّ ( رَبِيئَةٌ لِلْقَوْمِ ) ، الرَّبِيئِيُّ وَالرَّبِيئَةُ الطَّلِيعَةُ ، وَالْجَمْعُ الرَّبَايَا . يُقَالُ : رَبَأْتُ الْقَوْمَ رَبْئًا وَارْتَبَأْتُهُمْ ؛ أَيْ رَقَبْتُهُمْ ، وَذَلِكَ إِذَا كُنْتَ لَهُمْ طَلِيعَةً فَوْقَ شَرَفٍ . ( فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ ) ؛ أَيْ وَقَعَهُ فِيهِ وَوَصَلَ إِلَى بَدَنِهِ وَلَمْ يُجَاوِزْهُ ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْمُبَالَغَةِ فِي إِصَابَةِ الْمَرْمَى وَصَوَابِ الرَّمْيِ ، وَالتَّقْدِيرُ : رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَمَا أَخْطَأَ نَفْسَهُ ، كَأَنَّهُ وَضَعَهُ فِيهِ وَضْعًا بِيَدِهِ مَا رَمَاهُ بِهِ رَمْيًا . وَفِي الْحَدِيثِ : مَنْ رَفَعَ السِّلَاحَ ثُمَّ وَضَعَهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَدَمُهُ هَدَرٌ ؛ أَيْ : مَنْ قَاتَلَ بِهِ ، مِنْ وَضَعَ الشَّيْءَ مِنْ يَدِهِ إِذَا أَلْقَاهُ ، فَكَأَنَّهُ أَلْقَاهُ فِي الضَّرِيبَةِ ؛ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . ( فَنَزَعَهُ ) ؛ أَيْ : نَزَعَ السَّهْمَ مِنْ جَسَدِهِ وَاسْتَمَرَّ فِي الصَّلَاةِ ( حَتَّى رَمَاهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ ) ، وَلَفْظُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ : فَرَمَى بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِيهِ . قَالَ : فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ، فَثَبَتَ قَائِمًا ، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ، وَثَبَتَ قَائِمًا ، ثُمَّ عَادَ لَهُ فِي الثَّالِثِ فَوَضَعَهُ فِيهِ ، فَنَزَعَهُ ( ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ ) الْأَنْصَارِيُّ ، وَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ لِاشْتِغَالِهِ بِحَلَاوَتِهَا عَنْ مَرَارَةِ أَلَمِ الْجُرْحِ ، ( ثُمَّ أَنْبَهَ صَاحِبَهُ ) مِنَ الْإِنْبَاهِ ، وَصَاحِبُهُ مَفْعُولُهُ ؛ هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَمَادَّتُهُ النُّبْهُ بِالضَّمِّ ؛ أَيِ الْقِيَامُ مِنَ النَّوْمِ ، وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ فَيُقَالُ : أَنْبَهْتُهُ وَنَبَّهْتُهُ . وَأَمَّا الِانْتِبَاهُ فَهُوَ لَازِمٌ ، يُقَالُ : انْتَبَهَ مِنَ النَّوْمِ إِذَا اسْتَيْقَظَ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ : انْتَبَهَ صَاحِبُهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ صَاحِبُهُ فَاعِلَهُ . ( فَلَمَّا عَرَفَ ) الرَّجُلُ الْمُشْرِكُ ( أَنَّهُمْ ) ؛ أَيِ الْأَنْصَارِيَّ وَالْمُهَاجِرِيَّ ، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ . ( قَدْ نَذَرُوا بِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ عَلِمُوا وَأَحَسُّوا بِمَكَانِهِ . يُقَالُ : نَذِرْتُ بِهِ إِذَا عَلِمْتُهُ ، وَأَمَّا الْإِنْذَارُ فَهُوَ الْإِعْلَامُ مَعَ تَخْوِيفٍ . ( مِنَ الدِّمَاءِ ) بَيَانُ مَا ، وَالدِّمَاءُ بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ دَمٍ . ( سُبْحَانَ اللَّهِ ! ) أَصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّبْرِيَةُ مِنَ النَّقَائِصِ ، سَبَّحْتُهُ تَسْبِيحًا وَسُبْحَانًا ، وَمَعْنَى ( سُبْحَانَ اللَّهِ ) التَّنْزِيهُ لِلَّهِ ، نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ بِمَحْذُوفٍ ؛ أَيْ : أُبَرِّئُ اللَّهَ مِنَ السُّوءِ بَرَاءَةً . وَالْعَرَبُ تَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ مِنْ كَذَا إِذَا تَعَجَّبَتْ مِنْهُ . ( أَلَا أَنْبَهْتَنِي ! ) ؛ أَيْ : لِمَ مَا أَيْقَظْتَنِي ( أَوَّلَ مَا رَمَى ) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ لِأَنْبَهْتَنِي ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ؛ أَيْ حِينَ رَمْيِهِ الْأَوَّلُ . ( فِي سُورَةٍ ) وَهِيَ سُورَةُ الْكَهْفِ كَمَا بَيَّنَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ ، ( أَنْ أَقْطَعَهَا ) زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَتَّى أُنْفِدَهَا ، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفَسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِدَهَا . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي وَأَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ؛ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ بِدَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى أَمْرَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ سَوَاءٌ كَانَ سَائِلًا أَوْ غَيْرَ سَائِلٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْحَقُّ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : إِنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مِنَ الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ سِرَاجُ الدِّينِ بْنُ الْمُلَقِّنِ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذٍ لَيْسَ الْوُضُوءُ مِنَ الرُّعَافِ وَالْقَيْءِ . وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَعَفَ فَمَسَحَ أَنْفَهُ بِخِرْقَةٍ ثُمَّ صَلَّى ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِنَ الدَّمِ ، زَادَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَطَاءً وَمَكْحُولًا وَرَبِيعَةَ وَمَالِكًا وَأَبَا ثَوْرٍ وَدَاوُدَ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ ، وَقَالَ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ : إِنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ ، انْتَهَى . وَثَانِيهِمَا : أَنَّ دِمَاءَ الْجِرَاحَاتِ طَاهِرَةٌ مَعْفُوَّةٌ لِلْمَجْرُوحِينَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْحَقُّ . وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ فِي أَنَّ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانُوا يُجَاهِدُونَ وَيَذُوقُونَ آلَامَ الْجِرَاحَاتِ فَوْقَ مَا وَصَفْتُ ; فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُنْكِرَ عَنْ سَيَلَانِ الدِّمَاءِ مِنْ جِرَاحَاتِهِمْ وَتَلْوِيثِ ثِيَابِهِمْ ، وَمَعَ هَذَا هُمْ يُصَلُّونَ عَلَى حَالِهِمْ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِنَزْعِ ثِيَابِهِمُ الْمُتَلَبِّسَةِ بِالدِّمَاءِ حَالَ الصَّلَاةِ . وَقَدْ أُصِيبَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَضَرَبَ لَهُ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ ، فَكَانَ هُوَ فِيهَ وَدَمُهُ يَسِيلُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَمَا زَالَ الدَّمُ يَسِيلُ حَتَّى مَاتَ . وَمِنَ الأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى طَهَارَةِ دَمِ الْجِرَاحَةِ أَثَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ; وَفِيهِ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ وَجُرْحُهُ يَجْرِي دَمًا . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْجُرْحَ الَّذِي يَجْرِي يَتَلَوَّثُ بِهِ الثِّيَابُ قَطْعًا . وَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَفْعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ شَرْعًا ثُمَّ يَسْكُتُ عَنْهُ سَائِرُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ ، فَهَلْ هَذَا إِلَّا لِطَهَارَةِ دِمَاءِ الْجِرَاحَاتِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْهَضُ حُجَّةً إِذَا ثَبَتَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَلَمْ يَثْبُتْ . قُلْتُ : أَوْرَدَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَزَادَ فِيهِ : فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُمَا . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْوُضُوءِ وَلَا بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ : حَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِمْرَارِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الِاسْتِمْرَارُ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّمِ ، وَلَوْ كَانَ الدَّمُ نَاقِضًا لَبَيَّنَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ . انْتَهَى كَلَامُهُ ، عَلَى أَنَّهُ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ أَنْ لَا يَطَّلِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ زَمَانَ نُزُولِ الْوَحْي وَلَمْ يَحْدُثْ أَمْرٌ قَطُّ إِلَّا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ لِمَنْ تَتَبَّعَ الْحَوَادِثَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ بَطَلَتْ . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ وَقَعَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثَ جَابِرٍ عَقِيلُ بْنُ جَابِرٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : فِيهِ جَهَالَةٌ ، مَا رَوَى عَنْهُ سِوَى صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ . وَقَالَ الْحَافِظُ : لَا أَعْرِفُ رَاوِيًا عَنْهُ غَيْرَ صَدَقَةَ . انْتَهَى ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ ، عَقِيلٌ مَجْهُولٌ لَكِنْ بِجَهَالَةِ الْعَيْنِ لَا بِجَهَالَةِ الْعَدَالَةِ ، لِأَنَّهُ انْفَرَدَ عَنْهُ رَاوٍ وَاحِدٌ وَهُوَ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ ، وَكُلُّ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ ، وَالتَّحْقِيقُ فِي مَجْهُولِ الْعَيْنِ أَنَّهُ إِنْ وَثَّقَهُ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ارْتَفَعَتْ جَهَالَتُهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : فَإِنْ سُمِّيَ الرَّاوِي وَانْفَرَدَ رَاوٍ وَاحِدٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ فَهُوَ مَجْهُولُ الْعَيْنِ كَالْمُبْهَمِ إِلَّا أَنْ يُوَثِّقَهُ غَيْرُ مَنِ انْفَرَدَ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا مَنِ انْفَرَدَ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُتَأَهِّلًا لِذَلِكَ ، انْتَهَى . وَعَقِيلُ بْنُ جَابِرٍ الرَّاوِي قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ ، فَارْتَفَعَتْ جَهَالَتُهُ وَصَارَ حَدِيثُ جَابِرٍ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ . وَقَدْ أَطَالَ أُخَيِّنَا الْمُعَظَّمُ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَأَوْرَدَ أَبْحَاثًا شَرِيفَةً فَعَلَيْكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قال : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينَا ، فَحَدَّثَتْنَا أَنَّهُ قَالَ : اسْكُبِي لِي وَضُوءً . فَذَكَرَتْ وُضُوءَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ فِيهِ : فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ، وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً ، وَوَضَّأَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ يبدأ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ وَبِأُذُنَيْهِ كِلْتَيْهِمَا ظُهُورِهِمَا وَبُطُونِهِمَا ، وَوَضَّأَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ ، ( عَنِ الرُّبَيِّعِ ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ ( بِنْتِ مُعَوِّذٍ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ ( فَحَدَّثَتْنَا ) : أَيِ الرُّبَيِّعُ ( أَنَّهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ : اسْكُبِي ) : بِضَمِّ الْكَافِ مِنْ نَصَرَ يَنْصُرُ ، أَمْرٌ مِنَ السَّكْبِ أَيْ : صُبِّي ، يُقَالُ : سَكَبَ الْمَاءَ سَكْبًا وَسُكُوبًا فَانْصَبَّ ، وَسَكَبَهُ غَيْرُهُ يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى ( فَذَكَرَتْ ) : أَيِ الرُّبَيِّعُ ( وَوَضَّأَ وَجْهَهُ ) : بِتَشْدِيدِ الضَّادِ أَيْ غَسَلَ ( ومَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مَرَّةً ) : لِبَيَانِ الْجَوَازِ ( وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّتَيْنِ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ ) : بَيَانٌ لِمَرَّتَيْنِ فَلَيْسَتَا مَسْحَتَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَمْ تَقُلْ وَيَبْدَأُ بِالْوَاوِ ، ثُمَّ بَدْؤُهُ بِالْمُؤَخَّرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ بِمُؤَخَّرِهِ ثُمَّ بِمُقَدَّمِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : ذَهَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، مِنْهُمْ : وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ . وَأَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّهُ تَحْرِيفٌ مِنَ الرَّاوِي بِسَبَبِ فَهْمِهِ ، فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ أَنَّهُ يَقْتَضِي الِابْتِدَاءَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، فَصَرَّحَ بِمَا فَهِمَ مِنْهُ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي فَهْمِهِ . وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَوْ بِأَنَّهُ فَعَلَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . انْتَهَى . ( وَهَذَا مَعْنَى حَدِيثِ مُسَدَّدٍ ) : أَيْ هَذَا الَّذِي رَوَيْتُهُ عَنْ مُسَدَّدٍ رَوَيْتُهُ بِالْمَعْنَى وَلَا أَتَحَفَّظُ جُمْلَةَ أَلْفَاظِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَأَجْوَدُ إِسْنَادًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ، وغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . باب صفة إلخ ( تَوَضَّأَ ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُجْمَلَةٌ عُطِفَتْ عَلَيْهَا بِجُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ لَهَا وَهِيَ قَوْلُهُ ( فَأَفْرَغَ ) : أَيْ فَصَبَّ الْمَاءَ ، وَالْفَاءُ فِيهِ لِلْعَطْفِ ، أَيْ عَطْفُ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُجْمَلِ ( على يَدَيْهِ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَلَى كَفَّيْهِ ( ثَلَاثًا ) : أَيْ إِفْرَاغًا ثَلَاثَ مِرَارٍ ( ثُمَّ مَضْمَضَ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَمَضْمَضَ أَيْ بِأَنْ أَدَارَ الْمَاءَ فِي فِيهِ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ عَدَدِ الْمَضْمَضَةِ وَيَجِيءُ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُلَيْكَةَ ذِكْرُ الْعَدَدِ . قَالَ الْحَافِظُ : أَصْلُ الْمَضْمَضَةِ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ ثُمَّ اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَضْعِ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَتَحْرِيكِهِ ، وَأَمَّا مَعْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ فَأَكْمَلُهُ أَنْ يَضَعَ الْمَاءَ فِي الْفَمِ ثُمَّ يُدِيرَهُ ثُمَّ يَمُجَّهُ . انْتَهَى . ( وَاسْتَنْثَرَ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : الِاسْتِنْثَارُ هُوَ إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ الِاسْتِنْثَارُ هُوَ الِاسْتِنْشَاقُ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى : اسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّثْرَةِ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ هِيَ الْأَنْفُ ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : رَوَى سَلَمَةُ عَنِ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ يُقَالُ نَثَرَ الرَّجُلُ وَاسْتَنْثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَةَ فِي الطَّهَارَةِ . انْتَهَى وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ( وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْخِيرِ غَسْلِ الْوَجْهِ عَنِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْثَارِ ، وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قُصَاصِ الشَّعْرِ إِلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ طُولًا وَمِنْ شَحْمَةِ الْأُذُنِ عَرْضًا ( الْيُمْنَى إِلَى ) : مَعَ ( الْمَرْفِقِ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالْعَكْسِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ( مِثْلَ ذَلِكَ ) : أَيْ ثَلَاثًا إِلَى الْمِرْفَقِ ( ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ) : لَمْ يَذْكُرْ عَدَدَ الْمَسْحِ كَغَيْرِهِ فَاقْتَضَى الِاقْتِصَارَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ . قَالَ الْحَافِظُ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي الْغَسْلِ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي ( ثَلَاثًا ) : أَيْ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ( مِثْلَ ذَلِكَ ) : أَيْ غَسْلَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ مَعَ الْكَعْبَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَاسْتِيعَابِ جَمِيعِهِمَا بِالْغَسْلِ ، وَانْفَرَدَتِ الرَّافِضَةُ عَنِ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا : الْوَاجِبُ فِي الرِّجْلَيْنِ الْمَسْحُ وَهَذَا خَطَأٌ مِنْهُمْ ، فَقَدْ تَظَاهَرَتِ النُّصُوصُ بِإِيجَابِ غَسْلِهِمَا ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ كُلُّ مَنْ نَقَلَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ غَسَلَهُمَا ، وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ مَسْحِ الرَّأْسِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ شَعْرَةً وَاحِدَةً . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ إِلَى وُجُوبِ اسْتِيعَابِهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ الْوَاجِبُ رُبْعُهُ . قُلْتُ : مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ هُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ ، وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالْحَكَمُ ، وَقَتَادَةُ ، وَرَبِيعَةُ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : إِنَّهُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَحَمَّادٌ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إِنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلَ لَا يَصِحَّانِ إِلَّا بِهِمَا . قُلْتُ : هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَتَجِيءُ دَلَائِلُهُ فِي بَابِ الِاسْتِنْثَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ : إِنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبٌ فِيهِمَا وَالْمَضْمَضَةُ سُنَّةٌ فِيهِمَا . حَكَاهُ النَّوَوِيُّ . وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَلَا يُشْتَرَطُ الدَّلْكُ ، وَانْفَرَدَ مَالِكٌ وَالْمُزَنِيُّ بِاشْتِرَاطِهِ ، وَاتَّفَقَ الْجَمَاهِيرُ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْكَعْبَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ ، وَانْفَرَدَ زُفَرُ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ بِقَوْلِهِمَا لَا يَجِبُ . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَيْنِ الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ ، وَفِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَانِ ، وَشَذَّتْ الرَّافِضَةُ فَقَالَتْ : فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبٌ ، وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ . وَحُجَّةُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ نَقْلُ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقَوْلُهُ : غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، فَأَثْبَتَ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ : قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( ثُمَّ قَالَ ) : عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( ثُمَّ قَالَ ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وُضُوئِي هَذَا ) : أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِيعَابِ وَالْكَمَالِ بِأَنْ لَمْ يَقْصُرْ عَمَّا تَوَضَّأْتُ بِهِ ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ ( لَا يُحَدِّثُ ) : مِنَ التَّحْدِيثِ ( فِيهِمَا ) : فِي الرَّكْعَتَيْنِ ( نَفْسَهُ ) : مَفْعُولُ لَا يُحَدِّثُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُرَادُ بِهِ لَا يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ ، وَلَوْ عَرَضَ لَهُ حَدِيثٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ لِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ عُفِيَ عَنْ ذَلِكَ وَحَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَقَدْ عُفِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي تَعْرِضُ وَلَا تَسْتَقِرُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِهِ مَا تَسْتَرْسِلُ النَّفْسُ مَعَهُ ، وَيُمْكِنُ الْمَرْءَ قَطْعُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُحَدِّثُ يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ ، فَأَمَّا مَا يَهْجُمُ مِنَ الْخَطَرَاتِ وَالْوَسَاوِسِ وَيَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ فَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ( مِنْ ذَنْبِهِ ) : مِنَ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي مُسْلِمٍ مِنَ التَّصْرِيحِ بِقَوْلِهِ : كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً . فَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ لَكِنْ خَصُّوهُ بِالصَّغَائِرِ لِوُرُودِهِ مُقَيَّدًا بِاسْتِثْنَاءِ الْكَبَائِرِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ كَبَائِرُ وَصَغَائِرُ ، فَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الصَّغَائِرُ كَفَّرَتْ عَنْهُ ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْكَبَائِرُ خُفِّفَ عَنْهُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا لِصَاحِبِ الصَّغَائِرِ ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ صَغَائِرُ وَلَا كَبَائِرُ يُزَادُ فِي حَسَنَاتِهِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ مَسَائِلُ التَّعْلِيمُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ وَأَضْبَطَ لِلْمُتَعَلِّمِ ، وَالتَّرْتِيبُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِلْإِتْيَانِ فِي جَمِيعِهَا بِثُمَّ ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْإِخْلَاصِ وَتَحْذِيرُ مَنْ لَهَا فِي صَلَاتِهِ بِالتَّفَكُّرِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مِنْ عَدَمِ الْقَبُولِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قال : حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، قال : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ وَرْدَانَ ، قال : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قال : حَدَّثَنِي حُمْرَانُ قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ . فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، وَقَالَ فِيهِ : وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ هَكَذَا ، وَقَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا كَفَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الصَّلَاةِ . ( فَذَكَرَ ) : أَيْ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حُمْرَانَ ( نَحْوَهُ ) : أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : أَبُو سَلَمَةَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا ( الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْثَارَ ) : كَمَا ذَكَرَهَا عَطَاءٌ عَنْ حُمْرَانَ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الِاسْتِنْشَاقُ بَدَلَ الِاسْتِنْثَارِ ( وَقَالَ ) : أَبُو سَلَمَةَ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي حَدِيثِهِ ( ثُمَّ قَالَ ) : عُثْمَانُ ( وَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ تَوَضَّأَ دُونَ هَذَا ) : بِأَنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَبَعْضَهُ ثَلَاثًا ( كَفَاهُ ) : الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ وَاثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ ( وَلَمْ يَذْكُرْ ) : أَبُو سَلَمَةَ ( أَمْرَ الصَّلَاةِ ) : أَيْ ذَكَرَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْبِشَارَةَ لَهُ بِالْغُفْرَانِ كَمَا ذَكَرَ عَطَاءٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ حُمْرَانَ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِهِ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، قال : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ : صَلَّى عَلِيٌّ الْغَدَاةَ ، ثُمَّ دَخَلَ الرَّحْبَةَ فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَأَتَاهُ الْغُلَامُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْتٍ ، قَالَ : فَأَخَذَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ، وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فِي الْإِنَاءِ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا . ثُمَّ سَاقَ قَرِيبًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخِّرَهُ مَرَّةً . ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ . ( الْغَدَاةَ ) : أَيْ صَلَاةَ الصُّبْحِ ( الرَّحْبَةَ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مَحَلَّةٌ بِالْكُوفَةِ . كَذَا فِي الْقَامُوسِ ( فَأَفْرَغَ ) : أَيْ صَبَّ . قَوْلُهُ : فَأَخَذَ الْإِنَاءَ إِلَى قَوْلِهِ ثَلَاثًا . هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ ، وَكَذَا فِي تَلْخِيصِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ قَالَ : فَأَخَذَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى وَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثُمَّ أَخَذَ الْإِنَاءَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ فَأَخَذَ بِيَمِينِهِ الْإِنَاءَ فَأَكْفَأَهُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى الْإِنَاءَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى الْإِنَاءَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ ; فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ عَبْدُ خَيْرٍ : كُلُّ ذَلِكَ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( ثُمَّ سَاقَ ) : أَيْ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ( حَدِيثَ أَبِي عَوَانَةَ ) : الْمَذْكُورَ آنِفًا ، ثُمَّ قَالَ زَائِدَةُ فِي حَدِيثِهِ : ( مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ مَرَّةً ) : أَيْ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَقَوْلُهُ : مُقَدَّمَهُ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ ( ثُمَّ سَاقَ ) : زَائِدَةُ ( نَحْوَهُ ) : أَيْ نَحْوَ أَبِي عَوَانَةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، قال : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ هَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ قَالَ : تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ، قَطْ . ( ذِرَاعَيْهِ ) : الذِّرَاعُ : الْيَدُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ ، لَكِنَّهَا مِنَ الْإِنْسَانِ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ) : اخْتَصَرَ الرَّاوِي حَدِيثَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مِنْهَا مَسْحُ الرَّأْسِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ تَثْلِيثِ مَسْحِ الرَّأْسِ وَلِذَا ذَكَرَهُ ( رَوَاهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ ( وَكِيعُ ) : بْنُ الْجَرَّاحِ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ( قَالَ ) : وَكِيعٌ بِسَنَدِهِ ( قَطْ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ بِمَعْنَى حَسْبُ ، يُقَالُ قَطِي وَقَطْكَ وَقَطْ زَيْدٍ دِرْهَمٌ ، كَمَا يُقَالُ حَسْبِي وَحَسْبُكَ وَحَسْبُ زَيْدٍ دِرْهَمٌ ، إِلَّا أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى حَرْفَيْنِ ، وَحَسْبُ مُعْرَبَةٌ . قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ هِشَامٍ الْأَنْصَارِيُّ . أَيْ أَنَّ وَكِيعًا اقْتَصَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى لَفْظِ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا فَقَطْ عَنْ إِسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يُفَصِّلْ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي رِوَايَتِهِ كَمَا بَيَّنَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا وَمَسَحَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عَامِرُ بْنُ شَقِيقِ بْنِ جَمْرَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ ( مِنْ فَضْلِ مَاءٍ كَانَ فِي يَدِهِ ) : وَلَفْظُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ : تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ يَدَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِينَا فَيَتَوَضَّأُ ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَا فَضَلَ فِي يَدَيْهِ ، وَمَسَحَ هَكَذَا ، وَوَصَفَ ابْنُ دَاوُدَ قَالَ : بِيَدَيْهِ مِنْ مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ ، ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : ابْنُ عَقِيلٍ هَذَا قَدِ اخْتَلَفَ الْحُفَّاظُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ ، قَالَ : وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا . انْتَهَى . وَحَدِيثُ ابْنِ عَقِيلٍ هَذَا فِي مَتْنِهِ اضْطِرَابٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَاجَهْ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيضَأَةٍ فَقَالَ : اسْكُبِي ، فَسَكَبْتُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَأَخَذَ مَاءً جَدِيدًا فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ مُقَدَّمَهُ وَمُؤَخَّرَهُ ، وَتَأَوَّلَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّهُ أَخَذَ مَاءً جَدِيدًا وَصَبَّ نِصْفَهُ ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِبَلَلِ يَدَيْهِ لِيُوَافِقَ مَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ ، ثَنَا أَبُو الرُّبَيِّعِ الزَّهْرَانِيُّ ، ثَنَا أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ دَهْثَمٍ ، عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ بْنِ ظفَرٍ ، عن أبيه جارية بن ظفر : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُذُوا لِلرَّأْسِ مَاءً جَدِيدًا ، وَالْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ لِحَالِ دَهْثَمٍ وَجَهَالَةِ نِمْرَانَ . قَالَهُ الذَّهَبِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ : دَهْثَمُ بْنُ قُرَّانَ ، عَنْ نِمْرَانَ بْنِ جَارِيَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ رِوَايَةٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ دَهْثَمٍ ، وَدَهْثَمٌ ضَعِيفٌ جِدًّا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قال : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قال : حَدَّثَنِا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ عُرْفُطَةَ ، قال : سَمِعْتُ عَبْدَ خَيْرٍ ، قال : رَأَيْتُ عَلِيًّا أُتِيَ بِكُرْسِيٍّ فَقَعَدَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ يَدَهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ . وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . ( مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الطَّاءِ وَاتَّفَقَ الْحُفَّاظُ كَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَلَى وَهْمِ شُعْبَةَ فِي تَسْمِيَةِ شَيْخِهِ بِمَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ . قَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ : قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ لَيْسَ مَالِكَ بْنِ عُرْفُطَةَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : وَرَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، فَأَخْطَأَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ، فَقَالَ : مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَرُوِيَ عَنْهُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ مِثْلُ رِوَايَةِ شُعْبَةَ وَالصَّحِيحُ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ . انْتَهَى . وَيَجِيءُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ فِي آخِرِ الْبَابِ ( بِكُرْسِيٍّ ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هُوَ السَّرِيرُ ( بِكُوزٍ ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَهُوَ مَا لَهُ عُرْوَةٌ مِنْ أَوَانِي الشُّرْبِ ، وَمَا لَا فَهُوَ كُوبٌ ( بِمَاءٍ وَاحِدٍ ) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ تَارَةً بِغَرْفَةٍ ، وَتَارَةً بِغَرْفَتَيْنِ ، وَتَارَةً بِثَلَاثٍ ، وَكَانَ يَصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فَيَأْخُذُ نِصْفَ الْغَرْفَةِ لِفَمِهِ وَنِصْفَهَا لِأَنْفِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الْغَرْفَةِ إِلَّا هَذَا ، وَأَمَّا الْغَرْفَتَانِ وَالثَّلَاثُ فَيُمْكِنُ فِيهِمَا الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ إِلَّا أَنَّ هَدْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْوَصْلَ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَفِي لَفْظٍ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَلَمْ يَجِئِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَلْبَتَّةَ . وَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تَحْتَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ فِي مَوْضِعِهِ ( وَذَكَرَ ) : شُعْبَةُ ( الْحَدِيثَ ) : بِتَمَامِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ هَاهُنَا ، أَيْ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عِبَارَاتٍ مِنْ قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَتْ هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدِي ، لَكِنْ رَأَيْنَا إِثْبَاتَهَا لِتَكْمِيلِ الْفَائِدَةِ وَهِيَ هَذِهِ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَمَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ إِنَّمَا هُوَ خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخْطَأَ فِيهِ شُعْبَةُ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ أَبُو عَوَانَةَ يَوْمًا : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو الْأَعْصَفُ : رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا عَوَانَةَ ، هَذَا خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَلَكِنَّ شُعْبَةَ مُخْطِئٌ فِيهِ . فَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ : هُوَ فِي كِتَابِي خَالِدُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَلَكِنْ قَالَ شُعْبَةُ : هُوَ مَالِكُ بْنُ عُرْفُطَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسَمَاعُهُ قَدِيمٌ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَسَمَاعُهُ مُتَأَخِّرٌ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ . انْتَهَى . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِ أَبِي دَاوُدَ : مَالِكِ بْنِ عُرْفُطَةَ ، إِلَى قَوْلِهِ : رَجَعَ إِلَى الصَّوَابِ ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قال : أَنَا عِيسَى ، قال : حدثنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ أَنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ، فَأَفْرَغَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ثُمَّ غَسَلَهُمَا إِلَى الْكُوعَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا . وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ثَلَاثًا قَالَ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَقَا : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمُونِي تَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَأَتَمَّ . ( إِلَى الْكُوعَيْنِ ) : الْكُوعُ بِضَمِّ الْكَافِ عَلَى وَزْنِ قُفْلٍ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُوَ طَرَفُ الْعَظْمِ الَّذِي عَلَى رُسْغِ الْيَدِ الْمُحَاذِي لِلْإِبْهَامِ ، وَهُمَا عَظْمَانِ مُتَلَاصِقَانِ فِي السَّاعِدِ أَحَدُهُمَا أَدَقُّ مِنَ الآخَرِ وَطَرَفَاهُمَا يَلْتَقِيَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ الْكَفِّ ، فَالَّذِي يَلِي الْخِنْصَرَ يُقَالُ لَهُ الْكُرْسُوعُ وَالَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ يُقَالُ لَهُ الْكُوعُ ، وَهُمَا عَظْمَا سَاعِدِ الذِّرَاعِ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( قَالَ ) : أَيْ أَبُو عَلْقَمَةَ ( ثُمَّ مَضْمَضَ ) : عُثْمَانُ ( وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ) : أَيْ أَدْخَلَ الْمَاءَ فِي أَنْفِهِ بِأَنْ جَذَبَهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ ، وَمَعْنَى الِاسْتِنْثَارِ : إِخْرَاجُ الْمَاءِ مِنَ الْأَنْفِ بِرِيحِهِ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا بَعْدَ إِخْرَاجِ الْأَذَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفَسِ ( وَذَكَرَ ) : أَيْ أَبُو عَلْقَمَةَ ( الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ) : يَعْنِي غَسْلَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ فِي الْوُضُوءِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ( قَالَ ) : أَبُو عَلْقَمَةَ ( وَمَسَحَ ) : عُثْمَانُ ( بِرَأْسِهِ ) : وَهَذَا مُطْلَقٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالثَّلَاثِ ، فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا جَاءَتْ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ ( ثُمَّ سَاقَ ) : أَيْ أَبُو عَلْقَمَةَ حَدِيثَهُ هَذَا ( نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ) : أَيْ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ وَالتَّبْشِيرِ لِفَاعِلِهَا ( وَأَتَمَّ ) : الْحَدِيثَ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سَاقَ . وَالْحَدِيثُ مَا أَخْرَجَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْخَمْسَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الْمَكِّيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قال : ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ حَبَّانَ بْنَ وَاسِعٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرَ وُضُوءَهُ قَالَ : وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا ( أَنَّ حَبَّانَ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ ( حَدَّثَهُ ) : أَيْ حَبَّانُ حَدَّثَ عَمْرًا ( أَنَّ أَبَاهُ ) : وَهُوَ وَاسِعٌ ( حَدَّثَهُ ) : أَيِ ابْنَهُ حَبَّانَ ( بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ ) : أَيْ مَسَحَ الرَّأْسَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لَا بِبَقِيَّةٍ مِنْ مَاءِ يَدَيْهِ ، أَيْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى بَلَلِ يَدَيْهِ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ ؛ لِأَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ لِلرَّأْسِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اشْتِرَاطُهُ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَفِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَأَخْذَ مَاءً جَدِيدًا لِلرَّأْسِ هُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ . انْتَهَى . ( حَتَّى أَنْقَاهُمَا ) : أَيْ أَزَالَ الْوَسَخَ عَنْهُمَا . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ حَبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ . وَرِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ حَبَّانَ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، رَأَوْا أَنْ يَأْخُذَ لِرَأْسِهِ مَاءً جَدِيدًا . انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، قال : ثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، قال : ثنا حَرِيزٌ ، قال : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ الْحَضْرَمِيُّ ، قال : سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِيكَرِبَ الْكِنْدِيَّ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا ( الْحَضْرَمِيُّ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى حَضْرَمَوْتٍ ( ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ التَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ وَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ مِنْ غَسْلِ الذِّرَاعَيْنِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ بِثُمَّ . قُلْتُ : هَذِهِ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ لَا تُعَارِضُ الرِّوَايَةَ الْمَحْفُوظَةَ الَّتِي فِيهَا تَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ ( ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا ) : بِالْجَرِّ بَدَلَانِ مِنْ أُذُنَيْهِ ، وَظَاهِرُهُمَا مَا يَلِي الرَّأْسَ ، وَبَاطِنُهُمَا مَا يَلِي الْوَجْهَ ، وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ مَسْحِهِمَا فَأَخْرَجَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ دَاخِلَهُمَا بِالسَّبَّابَتَيْنِ وَخَالَفَ بِإِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا . الْحَدِيثَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ مَنْدَهْ ، وَرَوَاهُ أَيْضًا : النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : مَسَحَ أُذُنَيْهِ فَأَدْخَلَهُمَا السَّبَّاحتَيْنِ وَخَالَفَ إِبْهَامَيْهِ إِلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ فَمَسَحَ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا ، وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ : ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ ، وَقَالَ : بِالْوُسْطَيَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ فِي بَاطِنِ أُذُنَيْهِ وَالْإِبْهَامَيْنِ مِنْ وَرَاءِ أُذُنَيْهِ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ . وَحَدِيثُ الْبَابِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ لِلْأُذُنَيْنِ مَاءً جَدِيدًا ، بَلْ مَسَحَ الرَّأْسَ وَالْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْهَدْي النَّبَوِيِّ : وَكَانَ يَمْسَحُ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ ، وَكَانَ يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنَّهُ أَخَذَ لَهُمَا مَاءً جَدِيدًا ، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ ، قال : ثنا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ ، قال : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ زِيَادٍ الْمُؤَذِّنُ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ قَالَ سُئِلَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ الْوُضُوءِ فَقَالَ : رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ فَدَعَا بِمَاءٍ ، فَأُتِيَ بِمِيضَأَةٍ ، فَأَصْغَاهَا عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ ، فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخَذَ مَاءً فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ فَغَسَلَ بُطُونَهُمَا وَظُهُورَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنْ الْوُضُوءِ ؟ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ أَنَّهُ مَرَّةً ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا وَقَالُوا فِيهَا : وَمَسَحَ رَأْسَهُ . َلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ . ( الْإِسْكَنْدَرَانِيُّ ) : بِالْكَسْرِ وَسُكُونِ السِّينِ وَالنُّونِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ : بَلَدٌ عَلَى طَرَفِ بَحْرِ الْمَغْرِبِ مِنْ آخِرِ حَدِّ دِيَارِ مِصْرَ ( ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ ثِقَةٌ ( فَقَالَ ) : أَيِ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ( فَأُتِيَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِمِيضَأَةٍ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الضَّادِ فَهَمْزَةٌ فَهَاءٌ : إِنَاءُ التَّوَضُّؤِ تَسَعُ مَاءً قَدْرَ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ ، وَهِيَ بِالْقَصْرِ مِفْعَلَةٌ وَبِالْمَدِّ مِفْعَالَةٌ . كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ ( ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ ) : فِي الْمِيضَأَةِ ( فَأَخَذَ مَاءً ) : جَدِيدًا ( فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ) : وَفِيهِ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ بِمَاءٍ مُسِحَ بِهِ الرَّأْسُ ( فَغَسَلَ ) : أَيْ مَسَحَ ، وَفِيهِ إِطْلَاقُ الْغَسْلِ عَلَى الْمَسْحِ وَالْفَاءَاتُ الْعَاطِفَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِلتَّرْتِيبِ الْمَعْنَوِيِّ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا حَاصِلًا بَعْدَمَا قَبْلَهَا فِي الْوَاقِعِ وَأَمَّا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَغَسَلَ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وَهُوَ عَطْفُ مُفَصَّلٍ عَلَى مُجْمَلٍ ، فَهِيَ تُفَصِّلُ مَا أُجْمِلَ فِي مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ وَتُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ مَسْحِهِمَا ( بُطُونَهُمَا ) : أَيْ دَاخِلَ الْأُذُنِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ ( وَظُهُورَهُمَا ) : أَيْ خَارِجَ الْأُذُنَيْنِ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ ( مَرَّةً وَاحِدَةً ) : أَيْ مَسَحَ الرَّأْسَ وَالْأُذُنَيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَمْسَحْهُمَا ثَلَاثًا ( أَحَادِيثُ عُثْمَانَ ) : الَّتِي هِيَ ( الصِّحَاحُ ) : أَيْ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا ( كُلُّهَا ) : خَبَرٌ لِقَوْلِهِ ( أَحَادِيثُ ) ( أَنَّهُ ) : أَيِ الْمَسْحُ كَانَ ( مَرَّةً ) : وَاحِدَةً دُونَ الثَّلَاثِ ( فَإِنَّهُمْ ) : أَيِ النَّاقِلِينَ لِوُضُوءِ عُثْمَانَ ، كَعَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ وَكَأَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ عُثْمَانَ ( ثَلَاثًا ) : لِكُلِّ عُضْوٍ ( وَقَالُوا ) : هَؤُلَاءِ ( فِيهَا ) : فِي أَحَادِيثِهِمْ ( لَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا ) : لِمَسْحِ الرَّأْسِ ( كَمَا ذَكَرُوا ) : عَدَدَ الْغَسْلِ ( فِي غَيْرِهِ ) : أَيْ فِي غَيْرِ مَسْحِ الرَّأْسِ ، كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالرِّجْلَيْنِ ، فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا فِيهَا التَّثْلِيثَ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَسْحَ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَادَ عَلَيْهَا لَذَكَرَهُ الرَّاوِي ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ إِنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ عَنْ عُثْمَانَ لَيْسَ فِيهَا عَدَدٌ لِمَسْحِ الرَّأْسِ وَإِنَّهُ أَوْرَدَ الْعَدَدَ مِنْ طَرِيقَيْنِ صَحَّحَ أَحَدَهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ عَلَى إِرَادَةِ اسْتِثْنَاءِ الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ . قُلْتُ : كَأَنَّهُ يُشِيرُ بِقَوْلِهِ صَحَّحَ أَحَدَهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَرْدَانَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنَّ سَنَدَهُ صَحِيحٌ وَفِيهِ تَثْلِيثُ مَسْحِ الرَّأْسِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . قَالَ : وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرُ عَدَدِ الْمَسْحِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي الْغَسْلِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِظَاهِرِ رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُجْمَلٌ تَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ يُخْتَصُّ بِالْمَغْسُولِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إِنَّ الثَّابِتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَبِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْغَسْلِ الْمُرَادِ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْبَاغِ ، وَبِأَنَّ الْعَدَدَ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْمَسْحِ لَصَارَ فِي صُورَةِ الْغَسْلِ ، إِذْ حَقِيقَةُ الْغَسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ . وَالدَّلْكُ لَيْسَ بِمُشْتَرَطٍ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَبَالَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ اسْتَحَبَّ تَثْلِيثَ مَسْحِ الرَّأْسِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ . فَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ : حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الرَّأْسِ ثَلَاثًا ، يَأْخُذُ لِكُلِّ مَسْحَةٍ مَاءً جَدِيدًا ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَزَاذَانَ وَمَيْسَرَةَ ، وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الِاصْطِلَامِ : اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ ، فَيَكُونُ مَسَحَ تَارَةً مَرَّةً وَتَارَةً ثَلَاثًا ، فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَسَحَ مَرَّةً حُجَّةٌ عَلَى مَنْعِ التَّعَدُّدِ . قُلْتُ : التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ أَحَادِيثَ الْمَسْحِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَكْثَرُ وَأَصَحُّ ، وَأَثْبَتُ مِنْ أَحَادِيثِ تَثْلِيثِ الْمَسْحِ ، وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ التَّثْلِيثِ أَيْضًا صَحِيحًا مِنْ بَعْضِ الطُّرُقِ ، لَكِنَّهُ لَا يُسَاوِيهَا فِي الْقُوَّةِ . فَالْمَسْحُ مَرَّةً وَاحِدَةً هُوَ الْمُخْتَارُ وَالتَّثْلِيثُ لَا بَأْسَ بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ غَرِيبَةٍ عَنْ عُثْمَانَ ، وَفِيهَا مَسْحُ الرَّأْسِ ثَلَاثًا إِلَّا أَنَّهَا مَعَ خِلَافِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّ بِهَا . وَمَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ إِلَى تَصْحِيحِ التَّكْرِيرِ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّكْرَارُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ مِنْهَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ أَيْضًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ثَلَاثًا وَمِنْهَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا ، وَمِنْهَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ ، وَمِنْهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ عَلِيٍّ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ ، وَفِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ . كَذَا فِي التَّلْخِيصِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : ثنا أَبُو نُعَيْمٍ ، قال : حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ الْكِنَانِيُّ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا وَسُئِلَ عَنْ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : وَمَسَحَ رَأْسِهِ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( أَبُو نُعَيْمٍ ) : بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ الْكُوفِيُّ الْحَافِظُ ( الْكِنَانِيُّ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ وَبَعْدَهَا النُّونُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْكِنَانَةِ ( زِرِّ ) : بِكَسْرِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ( حُبَيْشٍ ) : مُصَغَّرًا ( وَسُئِلَ ) : وَالْوَاوُ حَالِيَّةٌ ( فَذَكَرَ ) : زِرٌّ ( وَقَالَ ) : زِرٌّ فِي حَدِيثِهِ ( وَمَسَحَ ) : عَلِيٌّ ( لَمَّا يَقْطُرْ ) : لَمَّا بِفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِمَعْنَى لَمْ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُضَارِعِ فَتَجْزِمَهُ وَتَنْفِيَهُ وَتَقْلِبَهُ مَاضِيًا مِثْلَ لَمْ إِلَّا أَنَّهَا تُفَارِقُهَا فِي أُمُورٍ ، وَثَانِيهَا : أَنْ تَخْتَصَّ بِالْمَاضِي فَتَقْتَضِي جُمْلَتَيْنِ وُجِدَتْ ثَانِيَتُهُمَا عِنْدَ وُجُودِ أُولَاهُمَا ، وَثَالِثُهَا : أَنْ تَكُونَ حَرْفَ اسْتِثْنَاءٍ فَتَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ، وَهَاهُنَا لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، أَيْ لَمْ يَقْطُرِ الْمَاءُ عَنْ رَأْسِهِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ : حَتَّى لَمَّا يَقْطُرِ الْمَاءُ هِيَ بِمَعْنَى لَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ النَّفْيَ بِلَمْ لَا يَلْزَمُ اتِّصَالُهُ بِالْحَالِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا نَحْوَ : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْحَالِ نَحْوَ : وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا بِخِلَافِ لَمَّا فَإِنَّهُ يَجِبُ اتِّصَالُ نَفْيِهَا بِالْحَالِ ، الثَّانِي : أَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ لَمَّا يَجُوزُ حَذْفُهُ اخْتِيَارًا وَلَا يَجُوزُ حَذْفُهُ بَعْدَ لَمْ إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ ، الثَّالِثُ : أَنَّ لَمْ تُصَاحِبُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ نَحْوَ : إِنْ لَمْ وَلَئِنْ لَمْ يَنْتَهُوا . انْتَهَى كَلَامُهُ . لَكِنْ لِصَاحِبِ التَّوَسُّطِ فِي شَرْحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ مَسْلَكٌ آخَرُ ، فَقَالَ : مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى لَمَّا يَقْطُرْ فِي لَمَّا تَوَقُّعٌ ، أَيْ قَطْرُهُ مُتَوَقَّعٌ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحْقِيقِ الْمَسْحِ وَعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ بِحَيْثُ يَقْطُرُ وَعَكَسَ بَعْضٌ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى التَّغْسِيلِ . قُلْتُ : وَيُقَوِّي قَوْلَ صَاحِبِ التَّوَسُّطِ رِوَايَةُ مُعَاوِيَةَ الْآتِيَةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ عَنْ أَئِمَّةِ الصِّحَاحِ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَالْحَدِيثُ أَعَلَّهُ أَبُو زُرْعَةَ إِنَّمَا يُرْوَى عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ ، عَنْ عَلِيٍّ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : لَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عِلَّةً . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَيَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْطَاكِيُّ لَفْظُهُ قَالَا : ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ فَأَمَرَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي مِنْهُ بَدَأَ قَالَ مَحْمُودٌ : قَالَ : أَخْبَرَنِي حَرِيزٌ . ( لَفْظُهُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِالرَّفْعِ ، أَيْ هَذَا لَفْظُهُ ، وَأَمَّا مَحْمُودٌ فَمَعْنَاهُ وَقَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : ضَبَطْنَاهُ بِالنَّصْبِ أَيْ : حَدَّثَنَا لَفْظَهُ لَا مَعْنَاهُ ( فَأَمَرَّهُمَا ) : مِنَ الْإِمْرَارِ أَيْ : أَمْضَاهُمَا إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ( الْقَفَا ) : بِالْقَصْرِ وَحُكِيَ مَدُّهُ - وَهُوَ قَلِيلٌ - مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ . وَفِي الْمُحْكَمِ وَالْقَامُوسِ : وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ( قَالَ مَحْمُودُ ) : بْنُ خَالِدٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ إِنَّهُ ( قَالَ ) : أَيِ الْوَلِيدُ ( أَخْبَرَنِي حَرِيزٌ ) : فَصَرَّحَ الْوَلِيدُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَرِيزٍ فِي رِوَايَةِ مَحْمُودٍ ، فَارْتَفَعَتْ مَظِنَّةُ التَّدْلِيسِ عَنِ الْوَلِيدِ كَمَا كَانَتْ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بِالْعَنْعَنَةِ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : ثنا بَكْرٌ ، يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّ رُبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذٍ بْنِ عَفْرَاءَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، قَالَتْ : فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ( قَالَتْ ) : أَيِ الرُّبَيِّعُ ( وَمَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ ) : هَذَا عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لِقَوْلِهِ : فَمَسَحَ رَأْسَهُ ، أَيْ مَسَحَ مَا أَقْبَلَ مِنَ الرَّأْسِ ( وَ ) : مَسَحَ ( مَا أَدْبَرَ ) : مِنَ الرَّأْسِ ، أَيْ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، ثُمَّ رَدَّ يَدَيْهِ مِنْ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى مُقَدَّمِهِ ( وَ ) : مَسَحَ ( صُدْغَيْهِ ) : الصُّدْغُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ : الْمَوْضِعُ الَّذِي بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأُذُنِ وَالشَّعْرِ الْمُتَدَلِّي عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ( وَ ) : مَسَحَ ( أُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ) : مُتَعَلِّقٌ بِمَسَحَ ، فَيَكُونُ قَيْدًا فِي الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وَمَا بَعْدَهُ ، فَبِاعْتِبَارِ الْإِقْبَالِ يَكُونُ مَرَّةً ، وَبِاعْتِبَارِ الْإِدْبَارِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَهُوَ مَسْحٌ وَاحِدٌ ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِهَا أَنَّهُ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مرتين ، وَنَقَلَ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ تَثْلِيثِ الْمَسْحِ وَالْمَسْحَةُ الْوَاحِدَةُ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى يَافُوخِهِ أَوَّلًا ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى مُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ثُمَّ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وَلَم يَفْصِلُ يَدَهُ مِنْ رَأْسِهِ ، وَلَا أَخَذَ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَمَنْ نَظَرَ إِلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ قَالَ : إِنَّهُ مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى تَحْرِيكِ يَدِهِ قَالَ : إِنَّهُ مَسَحَ ثَلَاثًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثُ الرُّبَيِّعِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ ، قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ أَهْرَاقَ الْمَاءَ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَتَيْنَاهُ بِتَوْرٍ فِيهِ مَاءٌ حَتَّى وَضَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، أَلَا أُرِيكَ كَيْفَ كَانَ يَتَوَضَّأُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قُلْتُ : بَلَى . قَالَ : فَأَصْغَى الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ فَغَسَلَهَا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى ، ثُمَّ غَسَلَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ جَمِيعًا فَأَخَذَ بِهِمَا حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفِّهِ الْيُمْنَى قَبْضَةً مِنْ مَاءٍ فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ فَتَرَكَهَا تَسْتَنُّ عَلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَظُهُورَ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَيْهِ جَمِيعًا فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَضَرَبَ بِهَا عَلَى رِجْلِهِ وَفِيهَا النَّعْلُ ، فَفَتَلَهَا بِهَا ، ثُمَّ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ : قُلْتُ : وَفِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : وَفِي النَّعْلَيْنِ . قَالَ : قُلْتُ : وَفِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : وَفِي النَّعْلَيْنِ . قَالَ : قُلْتُ : وَفِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : وَفِي النَّعْلَيْنِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ شَيْبَةَ يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ عن ابْنِ جُرَيْجٍ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا . ( دَخَلَ عَلَيَّ ) : بِالْيَاءِ لِلْمُتَكَلِّمِ ( أَهْرَاقَ الْمَاءَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ ، وَالْمُضَارِعُ فِيهِ يُهْرِيقُ بِسُكُونِ الْهَاءِ تَشْبِيهًا لَهُ بِاسْطَاعَ يَسْطِيعُ ، كَأَنَّ الْهَاءَ زِيدَتْ عَنْ حَرَكَةِ الْيَاءِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْأَصْلِ ؛ وَلِهَذَا لَا نَظِيرَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَاءِ هَاهُنَا الْبَوْلُ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ : وَفِيهِ إِطْلَاقُ أَهْرَقْتُ الْمَاءَ ، وَأَمَّا مَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أَهْرَقْتُ الْمَاءَ ، وَلَكِنْ لِيَقُلِ الْبَوْلَ فَفِي إِسْنَادِهِ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَنْبَسَةَ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى ضَعْفِهِ ( بِوَضُوءٍ ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيِ الْمَاءِ ( بِتَوْرٍ ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ إِنَاءٌ صَغِيرٌ مِنْ صُفْرٍ أَوْ حِجَارَةٍ يُشْرَبُ مِنْهُ ، وَقَدْ يُتَوَضَّأُ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مِنْهُ الطَّعَامُ ( حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ ) : الْحَفْنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ : أَخْذُ الشَّيْءِ بِرَاحَةِ الْكَفِّ وَضَمِّ الْأَصَابِعِ ، يُقَالُ : حَفَنْتُ لَهُ حَفْنًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ ، وَالْحَفْنَةُ : مِلْءُ الْكَفَّيْنِ وَالْجَمْعُ حَفَنَاتٍ ، مِثْلُ سَجْدَةٍ وَسَجَدَاتٍ ( فَضَرَبَ ) : وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : ثُمَّ أَخَذَ بِيَدَيْهِ فَصَكَّ بِهِمَا وَجْهَهُ ( بِهَا ) : أَيْ بِالْحَفْنَةِ ( عَلَى وَجْهِهِ ) : قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي لَطْمَ وَجْهِهِ بِالْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : فَصَكَّ بِهِ وَجْهَهُ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابُ صَكِّ الْوَجْهِ بِالْمَاءِ لِلْمُتَوَضِّيء عِنْدَ إِرَادَتِهِ غَسْلَ وَجْهِهِ ، انْتَهَى . وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى العُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الْوُضُوءِ أَنْ لَا يَلْطِمَ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ ، كَمَا نَقَلَهُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِهِ وَالْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي الْإِقْنَاعِ . وَقَالُوا : يُمْكِنُ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِهِ لَا لَطْمُهُ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ حِبَّانَ تَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ ( ثُمَّ أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ ) : قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : أَيْ جَعْلَ الْإِبْهَامَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ كَاللُّقْمَةِ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ السعُودِ : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَا كَانَ ابْنُ شُرَيْحٍ يَفْعَلُهُ فَإِنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحُهُمَا أَيْضًا مُنْفَرِدَتَيْنِ ، عَمَلًا بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا تَطْهِيرُهُمَا مَعَ الْوَجْهِ وَمَعَ الرَّأْسِ ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ : وَأَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ ، أَيْ جَعَلَ إِبْهَامَيْهِ لِلْبَيَاضِ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ كَاللُّقْمَةِ لِلْفَمِ تُوضَعُ فِيهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى أَنَّ الْبَيَاضَ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْعِذَارِ مِنَ الْوَجْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ . وَقَالَ مَالِكٌ : مَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَاللِّحْيَةِ لَيْسَ مِنَ الْوَجْهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : يَجِبُ عَلَى الْأَمْرَدِ غَسْلُهُ دُونَ الْمُلْتَحِي . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ ، وَفِيهِ أَيْضًا ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يَغْسِلَ مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ وَيَمْسَحَ مَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا مَعَ الرَّأْسِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّعْبِيُّ ، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُمَا مِنَ الْوَجْهِ فَيُغْسَلَانِ مَعَهُ ، وَذَهَبَ مَنْ عَدَاهُمْ إِلَى أَنَّهُمَا مِنَ الرَّأْسِ فَيُمْسَحَانِ مَعَهُ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ . ( ثُمَّ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ مِثْلَ ذَلِكَ ) : بِالنَّصْبِ أَيْ فَعَلَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِثْلَهُ ( فَصَبَّهَا عَلَى نَاصِيَتِهِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْكِلَةٌ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ الصَّبَّ عَلَى النَّاصِيَةِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ ثَلَاثًا وَقَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَرَّةٌ رَابِعَةٌ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَهَذَا خِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَيُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَقِيَ مِنْ أَعْلَى الْوَجْهِ شَيْءٌ وَلَمْ يُكْمِلْ فِيهِ الثَّلَاثَ ، فَأَكْمَلَ بِهَذِهِ الْقَبْضَةِ . قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا صَبَّ الْمَاءَ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ ، وَقَصَدَ بِذَلِكَ تَحَقُّقَ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ لَتَحَقُّقِ غَسْلِ الْوَجْهِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَعِنْدِي وَجْهٌ ثَالِثٌ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ بَعْدَ فَرَاغِ غَسْلِ الْوَجْهِ مِنْ أَخْذِ كَفِّ مَاءٍ وَإِسَالَتِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ . قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّيء بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ أَنْ يَضَعَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ عَلَى جَبْهَتِهِ لِيَتَحَدَّرَ عَلَى وَجْهِهِ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ : عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ فَضَلَ مَاءٌ حَتَّى يُسِيلَهُ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ . قُلْتُ : مَا قَالَهُ السُّيُوطِيُّ هُوَ حَسَنٌ جِدًّا ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، لَكِنْ بَيْنَ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحَدِيثِ الْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَغَايُرٌ ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ إِسَالَةُ الْمَاءِ عَلَى جَبْهَتِهِ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ وَقَبْلَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ ، وَفِي حَدِيثِهِمَا إِسَالَتُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَلِهَذِهِ الْمُغَايَرَةِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ تَحْتَ حَدِيثِ عَلِيٍّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ إِرْسَالِ غَرْفَةٍ مِنَ الْمَاءِ عَلَى النَّاصِيَةِ ، لَكِنْ بَعْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَا كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ عَقِيبَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ . قُلْتُ : نَعَمْ إِنَّمَا يَدُلُّ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ ، لَكِنْ دَلِيلُ مَا يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ حَدِيثُ الْحَسَنَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ( فَتَرَكَهَا ) : أَيِ الْقَبْضَةَ مِنَ الْمَاءِ ( تَسْتَنُّ ) : أَيْ تَسِيلُ وَتَنْصَبُّ ، يُقَالُ : سَنَنْتُ الْمَاءَ إِذَا جَعَلْتُهُ صَبَّا سَهْلًا ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : ثُمَّ أَرْسَلَهَا تَسِيلُ ( عَلَى رِجْلِهِ ) : الْيُمْنَى ( وَفِيهَا النَّعْلُ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَكُونُ الْمَسْحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْغَسْلِ ، أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : الْمَسْحُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَكُونُ غَسْلًا وَيَكُونُ مَسْحًا ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ قَدْ تَمَسَّحَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْحَفْنَةُ مِنَ الْمَاءِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ وَبَاطِنِهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّجْلُ فِي النَّعْلِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : فَغَسَلَهَا بِهَا ( فَفَتَلَهَا بِهَا ) : هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَفِي بَعْضِهَا : فَغَسَلَهَا بِهَا ، وَالْفَتْلُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ لَوَى . قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : أَيْ فَتَلَ رِجْلَهُ بِالْحَفْنَةِ الَّتِي صَبَّهَا عَلَيْهَا ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ الْمَسْحَ وَهُمُ الرَّوَافِضُ وَمَنْ خَيَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَسْلِ وَلَا حُجَّةَ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَفْنَةَ وَصَلَتْ إِلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ وَبَطْنِهِ ، لِدَلَائِلَ قَاطِعَةٍ بِالْغَسْلِ ، وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ : أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ . انْتَهَى . وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( ثُمَّ ) : ضَرَبَ بِالْحَفْنَةِ عَلَى رِجْلِهِ ( الْأُخْرَى ) : أَيِ الْيُسْرَى ( قَالَ ) : أَيْ عَبْيدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ ( قُلْتُ ) : لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ( وَفِي النَّعْلَيْنِ ) : أَيْ أَضَرَبَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ عَلَى رِجْلَيْهِ وَكَانَتِ الرِّجْلَانِ فِي النَّعْلَيْنِ ( قَالَ ) : ابْنُ عَبَّاسٍ نَعَمْ ( قَالَ : قُلْتُ : وَفِي النَّعْلَيْنِ ) : وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا وَسَأَلَهَا ثَلَاثًا لِعَجَبِهِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ مِنْ فِعْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُوَ ضَرْبُ الْمَاءِ عَلَى الرِّجْلِ الَّتِي فِيهَا النَّعْلُ . وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي كَشْفِ الْغُمَّةِ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ : إِنَّ الْقَائِلَ لِلَّفْظِ قُلْتُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، سَأَلَه عَلِيًّا ، وَهَذَا لَفْظُهُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَسَأَلْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ : وَفِي النَّعْلَيْنِ ؟ قَالَ : وَفِي النَّعْلَيْنِ ؛ الْحَدِيثَ . انْتَهَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْهُ فَضَعَّفَهُ ، وَقَالَ : مَا أَدْرِي مَا هَذَا . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَفِي التَّلْخِيصِ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا هَكَذَا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا رَوَاهُ عَنْهُ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالسَّمَاعِ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ مُخْتَصَرًا . وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ فِيمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ . انْتَهَى . وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ كَانَ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الْبُخَارِيُّ وَضَعَّفَهُ لِأَجْلِهَا ، وَلَعَلَّ الْعِلَّةَ الْخَفِيَّةَ فِيهِ هِيَ مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ ، وَأَمَّا مَظِنَّةُ التَّدْلِيسِ مِنِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَارْتَفَعَتْ مِنْ رِوَايَةِ الْبَزَّارِ ( وَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ ) : هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ثِقَةٌ فَاضِلٌ ( عَنْ شَيْبَةَ ) : بْنِ نِصَاحٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ : مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُشْبِهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ ) : فِي بَعْضِ الْمَعَانِي ( قَالَ فِيهِ ) : أَيْ فِي حَدِيثِ شَيْبَةَ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مَوْصُولًا وَلَفْظُهُ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْمِقْسَمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : حَدَّثَنِي شَيْبَةُ : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي - عَلِيٌّ - أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ : دَعَانِي أَبِي عَلِيٌّ بِوَضُوءٍ فَقَرَّبْتُهُ لَهُ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ ، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ( وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ) : رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ : ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ ، ثُمَّ قَامَ قَائِمًا ، فَقَالَ : نَاوِلْنِي ، فَنَاوَلْتُهُ الْإِنَاءَ الَّذِي فِيهِ فَضْلُ وَضُوئِهِ ، فَشَرِبَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ قَائِمًا ، فَعَجِبْتُ ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ : لَا تَعْجَبْ فَإِنِّي رَأَيْتُ أَبَاكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ مِثْلَ مَا رَأَيْتَنِي صَنَعْتُ ( وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِيهِ ) : أَيْ فِي حَدِيثِ شَيْبَةَ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَذَا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْهُ . قَالَهُ ابْنُ رَسْلَانَ . وَقَدْ وَرَدَ تَكْرَارُ الْمَسْحِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنْهَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ خَيْرٍ ، وَتَقَدَّمَ بَحْثُ ذَلِكَ مَشْرُوحًا .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قال : أَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا قَالَ : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ مَسْحَةً وَاحِدَةً ( فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ) : أَيْ فَذَكَرَ الرَّاوِي مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنَ الْأَعْضَاءِ الْمَغْسُولَةِ كُلِّهَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، أَيْ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَهِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الْمَعْنَى قَالَا : ثنا الْوَلِيدُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ : وَمَسَحَ بِأُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا ، زَادَ هِشَامٌ : وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ . ( الْمَعْنَى ) : أَيْ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْمَعْنَى . وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي اللَّفْظِ ( بِهَذَا الْإِسْنَادِ ) : الْمَذْكُورِ ( أَصَابِعَهُ ) : كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْجَمْعِ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ ، وَالْمُرَادُ السَّبَّابَتَانِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ إِصْبَعَيْهِ بِالتَّثْنِيَةِ ( فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ ) : بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ الْخَاءُ الْمُعْجَمَةُ : الْخَرْقُ الَّذِي فِي الْأُذُنِ الْمُفْضِي إِلَى الدِّمَاغِ ، وَيُقَالُ فِيهِ السِّمَاخُ أَيْضًا . قَالَ الْحَافِظُ : وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَهُوَ وَهْمٌ ، انْتَهَى . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى اسْتِيعَابِ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَمَشْرُوعِيَّةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَإِدْخَالِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي صِمَاخَيِ الْأُذُنَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو تَوْبَةَ قَالَا : ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ ( ح ) وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ . فَذَكَرَ وُضُوءَهُ كُلَّهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا قَالَ : ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ طُهُورَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَنْ أَبِي حَيَّةَ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ هُوَ : ابْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ الْوَدَاعِيُّ . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : لَا يُعْرَفُ . تَفَرَّدَ عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ . قَالَ أَحْمَدُ أَبُو حَيَّةَ : شَيْخٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو الْوَلِيدِ : مَجْهُولٌ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَا يُسَمَّى ، وَصَحَّحَ خَبَرَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ ، وَفِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْإِسْنَادِ هَاهُنَا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا صُحِّحَ عِنْدِي وَتَحَقَّقَ لِي اعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ ، وَهَكَذَا وَجَدْتُ فِي الْأَطْرَافِ لِلْحَافِظِ الْمِزِّيِّ وَعِبَارَتُهُ هَكَذَا : أَبُو حَيَّةَ بْنُ قَيْسٍ الْوَدَاعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، حَدِيثٌ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ ، د أَيْ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ مُسَدَّدٍ وَأَبِي تَوْبَةَ الرَّبِيعِ بْنِ نَافِعٍ وَعَمْرِو بْنِ عَوْنٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْهُ بِهِ . وَقَالَ أَيْ أَبُو دَاوُدَ : أَخْطَأَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَسَدِيُّ ، قَالَ فِيهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ حَيَّةَ ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو حَيَّةَ . انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ . وَأَمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَهَكَذَا : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَبُو تَوْبَةَ ، قَالَا : نا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، أنا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . ( فَذَكَرَ ) : أَبُو حَيَّةَ ( كُلَّهُ ) : أَيْ غَسْلَ كُلِّ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) : زَادَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ : ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ ( أَنْ أُرِيكُمْ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ أَرَى يُرِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ : أَتَانَا عَلِيٌّ وَقَدْ صَلَّى ، فَدَعَا بِطَهُورٍ فَقُلْنَا : مَا يَصْنَعُ بِالطَّهُورِ وَقَدْ صَلَّى ، مَا يُرِيدُ إِلَّا لِيُعَلِّمَنَا ؟ فَأُتِيَ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَطَسْتٍ ، فَأَفْرَغَ مِنْ الْإِنَاءِ عَلَى يَمِينِهِ ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ مِنْ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وغَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ جَعَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَرِجْلَهُ اليسرى ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَعْلَمَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ هَذَا . ( أَتَانَا ) : فِي مَنَازِلِنَا وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : أَتَيْنَا ، أَيْ نَحْنُ فِي مَنْزِلِهِ ( وَقَدْ صَلَّى ) : صَلَاةَ الْفَجْرِ ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ ( فَقُلْنَا ) : فِي أَنْفُسِنَا ، وَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ ( مَا يَصْنَعُ ) : عَلِيٌّ ( لِيُعَلِّمَنَا ) : بِأَنْ يَتَوَضَّأَ وَنَحْنُ نَرَى ( وَطَسْتٌ ) : هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ أَصْلُهُ طَسٌّ أُبْدِلَ أَحَدُ السِّينَيْنِ تَاءً لِلِاسْتِثْقَالِ ، فَإِذَا جَمَعْتَ أَوْ صَغَّرْتَ رَدَدْتَ السِّينَ لِأَنَّكَ فَصَلْتَ بَيْنَهُمَا بِوَاوٍ أَوْ أَلِفٍ أَوْ يَاءٍ ، فقُلْتَ : طُسُوسٌ وَطِسَاسٌ وَطَسِيسٌ ، وَحُكِيَ طَشْتٌ بِالشِّينِ : مِنْ آنِيَةِ الصُّفْرِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِإِنَاءٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِنَاءِ ، أَيْ أَتَى بِالْمَاءِ فِي قَدَحٍ أَوْ إِبْرِيقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيَتَوَضَّأَ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي فِيهِ ، وَأَتَى بِطَسْتٍ لِيَتَسَاقَطَ وَيَجْتَمِعَ فِيهِ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ الْمُتَسَاقِطُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقَوِيُّ لِمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ بِسَنَدِهِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَفِيهِ فَأُتِيَ بَطَشْتٍ مِنْ مَاءٍ ( وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ) : الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِنْثَارِ هَاهُنَا الِاسْتِنْشَاقُ كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا . وَفِي الْمَجْمَعِ عَنْ بَعْضِ شُرُوحِ الشِّفَا : الِاسْتِنْشَاقُ وَالِاسْتِنْثَارُ وَاحِدٌ لِحَدِيثِ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِدُونِ ذِكْرِ الِاسْتِنْشَاقِ وَقِيلَ غَيْرُهُ . انْتَهَى . ( فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ ) : الْفَاءُ الْعَاطِفَةُ فِيهِ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِرَارًا ، أَيْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَلَيْسَ هَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَحَذْفُهُمَا أَصْرَحُ ( مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ الْمَاءَ ، أَيِ اسْتَنْشَقَ مِنَ الْكَفِّ الْيُمْنَى ، وَأَمَّا الِاسْتِنْثَارُ فَمِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَفِيهِ : فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَفَعَلَ هَذَا ثَلَاثًا ( وَغَسَلَ يَدَهُ الشِّمَالَ ثَلَاثًا ) : إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ، أَيْ غَسَلَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الآخَرِ فَغَسَلَ الْيَدَ الْيُمْنَى أَوَّلًا ثُمَّ الْيَدَ الْيُسْرَى ثَانِيًا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا كَمَا وَقَعَ بِلَفْظِ ثُمَّ فِي رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ . فَمَا شَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُدَلِّكُونَ الْيَدَ الْيُمْنَى بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَاءِ أَوَّلًا ثُمَّ يُدَلِّكُونَ الْيَدَ الْيُسْرَى ثَانِيًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ غَسْلُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْيُمْنَى ( مَرَّةً وَاحِدَةً ) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُكَرِّرْ مَسْحَ رَأْسِهِ ، بَلْ كَانَ إِذَا كَرَّرَ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ أَفْرَدَ مَسْحَ الرَّأْسِ ، هَكَذَا جَاءَ عَنْهُ صَرِيحًا ، وَلَمْ يَصِحَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ أَلْبَتَّةَ ، بَلْ مَا عَدَا هَذَا إِمَّا صَحِيحٌ غَيْرُ صَرِيحٍ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ : تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَإِمَّا صَرِيحٌ غَيْرُ صَحِيحٍ . انْتَهَى بِتَلْخِيصٍ . وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ ( ثُمَّ قَالَ ) : أَيْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( مَنْ سَرَّهُ ) : مِنَ السُّرُورِ ، أَيْ فَرَّحَهُ ( فَهُوَ هَذَا ) : أَيْ مِثْلُهُ أَوْ أَطْلَقَهُ عَلَيْهِ مُبَالَغَةً . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ طَرَفًا مِنْهُ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قال : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي حُجْرَيْ أُذُنَيْهِ . ( إِصْبَعَيْهِ ) : أَيِ السَّبَّابَتَيْنِ ( فِي جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَثْنِيَةُ جُحْرٍ ، وَهُوَ الثُّقْبَةُ وَالْخَرْقُ . وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ هِشَامٍ وَفِيهَا : وَأَدْخَلَ أَصَابِعَهُ فِي صِمَاخِ أُذُنَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ : نَعَمْ ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . ( عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ ) : أَيْ يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ ( وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ هُوَ يَرْجِعُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ صَاحِبُ الْكَمَالِ وَمَنْ تَبِعَهُ ، فَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى : إِنَّهُ ابْنُ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ : هُوَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أُمَّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى هِيَ حُمَيْدَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بِنْتُ أَبِي حَيَّةَ . انْتَهَى . فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلرَّجُلِ الْقَائِلِ الثَّابِتِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، فَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، فَقَوْلُهُ هَاهُنَا هُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِيهِ تَجَوُّزٌ لِأَنَّهُ عَمُّ أَبِيهِ وَسَمَّاهُ جَدًّا لِكَوْنِهِ فِي مَنْزِلَتِهِ وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَبِي حَسَنٍ ، فَهُوَ جَدُّ عَمْرٍو حَقِيقَةً . وقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَذَا لِجَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَانْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ جَدُّ عَمْرٍو ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا وَهْمٌ قَبِيحٌ مِنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ وَضَّاحٍ سُئِلَ عَنْهُ - وَكَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ - فَقَالَ : هُوَ جَدُّهُ لِأُمِّهِ ، وَرَحِمَ اللَّهُ مِنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ وَوَقَفَ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، وَكَيْفَ جَازَ هَذَا عَلَى ابْنِ وَضَّاحٍ . قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ ( مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) : كَذَا بِتَكْرَارِ مَرَّتَيْنِ ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَرَّتَيْنِ لِكِلْتَا الْيَدَيْنِ ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حِبَّانَ بْنِ وَاسِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَفِيهِ : وَيَدُهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ، ثُمَّ الْأُخْرَى ثَلَاثًا ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُضُوءٌ آخَرُ لِكَوْنِ مَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرَ وَاحِدٍ . قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : الْمَنْقُولُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ وَالْمَصَادِرِ وَالْأَجْنَاسِ إِذَا كُرِّرَتْ كَانَ الْمُرَادُ حُصُولُهَا مُكَرَّرَةً لَا التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ فَإِنَّهُ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ لَا يَحْسُنُ حَيْثُ يَكُونُ لِلْكَلَامِ مَحْمَلٌ غَيْرُهُ ، مِثَالُ ذَلِكَ : جَاءَ الْقَوْمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ، أَوْ رَجُلًا رَجُلًا ، أَيِ اثْنَيْنِ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَرَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ ، وَهَذَا مِنْهُ ، أَيْ غَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ بَعْدَ مَرَّتَيْنِ ، أَيْ أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْغَسْلِ مَرَّتَيْنِ ( إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ ) : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى دُخُولِهِمَا فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ ، لِأَنَّ إِلَى فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى مَعَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : لَفْظُ إِلَى يُفِيدُ مَعْنَى الْغَايَةِ مُطْلَقًا ، فَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْحُكْمِ وَخُرُوجُهُا فَأَمْرٌ يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ دَلِيلُ عَدَمِ دُخُولِهِ ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ : حَفِظْتُ الْقُرْآنَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ ، دَلِيلُ الدُّخُولِ ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِلَى الْمَرَافِقِ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِدُخُولِهِمَا بِفِعْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَفِي الدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ : فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ حَتَّى مَسَّ أَطْرَافَ الْعَضُدَيْنِ . وَفِيهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مَرْفِقَيْهِ ، لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . وَفِي الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ : وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى جَاوَزَ الْمَرْفِقَ . وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا : ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ حَتَّى يَسِيلَ الْمَاءُ عَلَى مَرْفِقَيْهِ ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا . قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : إِلَى فِي الْآيَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْغَايَةِ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى مَعَ ، فَبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أَنَّهَا بِمَعْنَى مَعَ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي إِيجَابِ دُخُولِ الْمَرْفِقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ . انْتَهَى كَلَامُهُ ( فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ) : قَدِ اخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَوُجِدَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَبْدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ فَيَذْهَبُ إِلَى الْقَفَا ثُمَّ يَرُدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ مُبْتَدَأُ الشَّعْرِ مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْطِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ أَوْرَدَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّهُ أَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ ، لِأَنَّ ذَهَابَهُ إِلَى جِهَةِ الْقَفَا إِدْبَارٌ وَرُجُوعَهُ إِلَى جِهَةِ الْوَجْهِ إِقْبَالٌ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ ، فَالتَّقْدِيرُ أَدْبَرَ وَأَقْبَلَ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ وَيَمُرُّ إِلَى جِهَةِ الْوَجْهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمُؤَخَّرِ مُحَافَظَةً عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، فَالْإِقْبَالُ إِلَى مُقَدَّمِ الْوَجْهِ وَالْإِدْبَارُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمُؤَخَّرِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : بَدَأَ بِمُؤَخَّرِ رَأْسِهِ ، وَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ فِي لَفْظِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَعَدُّدِ الْحَالَاتِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَبْدَأَ بِالنَّاصِيَةِ وَيَذْهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ ، ثُمَّ يَذْهَبَ إِلَى جِهَةِ مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مَا بَدَأَ مِنْهُ وَهُوَ النَّاصِيَةُ ، وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا قَصَدَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى قَوْلِهِ : بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، لِأَنَّهُ إِذَا بَدَأَ بِالنَّاصِيَةِ صَدَقَ أَنَّهُ بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، وَصَدَقَ أَنَّهُ أَقْبَلَ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَاحِيَةِ الْوَجْهِ وَهُوَ الْقُبُلُ . قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْعَمَلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ ذَلِكَ تَعْمِيمُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ . انْتَهَى ( بَدَأَ ) : أَيِ ابْتَدَأَ ( بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ) : بِفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَالتَّخْفِيفُ ، وَكَذَا مُؤَخَّرُ . قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ ( ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ ) بِالْقَصْرِ وَحُكِيَ مَدُّهُ وَهُوَ قَلِيلٌ : مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ ، وَفِي الْمُحْكَمِ وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ( ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ ) : لِيَسْتَوْعِبَ جِهَتَيِ الشَّعْرِ بِالْمَسْحِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ التَّعْمِيمَ أَنَّ الْأُولَى وَاجِبَةٌ وَالثَّانِيَةَ سُنَّةٌ . وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ : بَدَأَ إِلَى آخِرِهِ عَطْفُ بَيَانٍ لِقَوْلِهِ : فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ عَلَى بَدَأَ . قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّهُ مِنَ الْحَدِيثِ وَلَيْسَ مُدْرَجًا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ السُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مُقَدَّمِهِ ؛ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَأَدْبَرَ بِيَدَيْهِ وَأَقْبَلَ ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ الْإِقْبَالَ وَالْإِدْبَارَ مِنَ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَمَا أَدْبَرَ عَنْهُ ، وَمَخْرَجُ الطَّرِيقَيْنِ مُتَّحِدٌ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَعَيَّنَتْ رِوَايَةُ مَالِكٍ الْبُدَاءَةَ بِالْمُقَدَّمِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ أَقْبَلَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ ، أَيْ بَدَأَ بِقُبُلِ الرَّأْسِ ، وَقِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ الطُّوسِيُّ ، قال : ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، قال : حَدَّثَنَا فِطْرٌ ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ رَأَيْتُ إِلَخْ ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ وفِي بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ وَبَعْضِ مَا يَجِيءُ بَيَانُ غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً . وَالْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : سَنَدُهُ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ ، قال : ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قال : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ ، قال : ثنا أَبُو الْأَزْهَرِ الْمُغِيرَةُ بْنُ فَرْوَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ تَوَضَّأَ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَأْسَهُ غَرَفَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَتَلَقَّاهَا بِشِمَالِهِ حَتَّى وَضَعَهَا عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ أَوْ كَادَ يَقْطُرُ ، ثُمَّ مَسَحَ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ . ( مُؤَمَّلٌ ) : كَمُحَمَّدٍ ( لِلنَّاسِ ) : أَيْ بِحَضْرَةِ النَّاسِ لِتَعْلِيمِهِمْ ( فَلَمَّا بَلَغَ ) : مُعَاوِيَةُ ( غَرْفَةً ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرٌ ، وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْمَغْرُوفِ ، أَيْ مَلَأَ الْكَفَّ ( فَتَلَقَّاهَا ) : التَّلَقِّي : الْأَخْذُ أَيْ أَخَذَ الْغَرْفَةَ ( حَتَّى وَضَعَهَا ) : أَيِ الْغَرْفَةَ ( عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ ) : بِفَتْحِ السِّينِ لِأَنَّهُ اسْمٌ ( مِنْ مُقَدَّمِهِ ) : أَيْ مِنْ قَدَّم رَأْسِهِ وَهُوَ النَّاصِيَةُ ( إِلَى مُؤَخَّرِهِ ) : وَهُوَ الْقَفَا ( وَمِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ ) : أَيْ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْقَفَا إِلَى النَّاصِيَةِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْيُسْرَى ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ عَنِ الْوَلِيدِ ابْنِ مُسْلِمٍ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَلَفْظُهُ : فَلَمَّا بَلَغَ مَسْحَ رَأْسِهِ وَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمَا حَتَّى بَلَغَ الْقَفَا ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى بَلَغَ الْمَكَانَ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ يُغَيِّرُ بَعْضَ مَعَانِي بِشْرٍ قَالَ فِيهِ : وَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا . ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) : هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) : الْمَذْكُورِ إِلَّا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ ( يُغَيِّرُ بَعْضَ مَعَانِي بِشْرِ ) : بْنِ الْمُفَضَّلِ ، أَيْ حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ كِلَاهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا بَعْضَ الْمُغَايَرَةِ بِحَسَبِ الْمَعْنَى وَصَرَّحَهَا بِقَوْلِهِ ( قَالَ ) : أَيْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ ، وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا وَقَالَ مُسَدَّدٌ : مَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ قال : أبو داود قَالَ مُسَدَّدٌ : فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى فَأَنْكَرَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ إِيشْ هَذَا طَلْحَةُ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . ( عَنْ لَيْثٍ ) : هُوَ ابْنُ سُلَيْمٍ الْقُرَشِيُّ الْكُوفِيُّ ، رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ . قَالَ أَحْمَدُ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : لَيْثٌ أَعْلَمُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْمَنَاسِكِ . كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ ، وَيَأْتِي عَنِ الثِّقَاتِ بِمَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، تَرَكَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ضَعْفِهِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو وَالِدُ طَلْحَةَ مَجْهُولٌ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَمِثْلُهُ فِي التَّقْرِيبِ ( الْقَذَالَ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَسَحَابٍ : هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ ، وَجَمْعُهُ قُذُلٌ كَكُتُبٍ وَأَقْذِلَةٌ كَأَغْلِمَةٍ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ ، وَلَفْظُ ابْنِ سَعْدٍ : وَجَرَّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ ( وَهُوَ ) : أَيِ الْقَذَالُ ( أَوَّلُ الْقَفَا ) : وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ . وَالْقَفَا بِفَتْحِ الْقَافِ مَقْصُورٌ هُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ : مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ مِنْ مُقَدَّمِ عُنُقِهِ . وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْقَذَالَ هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ ، وَأَوَّلُ الْقَفَا هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْقَفَا بِغَيْرِ إِضَافَةِ لَفْظِ أَوَّلُ هُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ ، فَابْتِدَاءُ الْعُنُقِ هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ . فَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ( وَقَالَ مُسَدَّدٌ ) : فِي رِوَايَتِهِ ( مَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ ) : وَجَانِبُ الْأُذُنِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ الْمُعَبَّرُ بِظَاهِرِ الْأُذُنِ هُوَ تَحْتُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَانِبِ الْأُذُنِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ الْمُعَبَّرُ بِبَاطِنِ الْأُذُنِ . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ مَسَحَ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ حَتَّى مَرَّتْ يَدَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الْأُذُنَيْنِ ، وَمَا انْفَصَلَتَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَّا بَعْدَ مُرُورِهِمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا . قُلْتُ : وَالْحَدِيثُ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ أَوْ إِلَى مُؤَخَّرِ الْعُنُقِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ ، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ الْمُعْتَادِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَمْسَحُونَ الرَّقَبَةَ بِظُهُورِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ ، لَا مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلَا مِنَ الْحَسَنِ ، بَلْ مَا رُوِيَ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ كُلُّهَا ضِعَافٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا . وَمَا نَقَلَ الشَّيْخُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا وَظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ثَلَاثًا وَظَاهِرِ رَقَبَتِهِ ، الْحَدِيثَ وَنَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ - فَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي التِّرْمِذِيِّ ( فَحَدَّثْتُ بِهِ ) : أَيْ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( يَحْيَى ) : بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ ( فَأَنْكَرَهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ جَهَالَةِ مُصَرِّفٍ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ لِجَدِّ طَلْحَةَ صُحْبَةٌ ، وَلِذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ : هُذا إِسْنَادٌ لَا أَعْرِفُهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ تَابِعِيٌّ احْتَجَّ بِهِ السِّتَّةُ ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ لَا يُعْرَفَانِ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ، لَكِنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي رِوَايَةِ الدَّوْرِيِّ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَابْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبَا دَاوُدَ أَثْبَتُوا صُحْبَةً لِعَمْرِو بْنِ كَعْبٍ جَدِّ طَلْحَةَ ( زَعَمُوا ) : أَيْ قَالُوا أَيْ قَالَ النَّاسُ ( أَنَّهُ ) : أَيْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ( كَانَ يُنْكِرُهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ . وَالْعِبَارَةُ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، أَيْ يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : زَعَمَ النَّاسُ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ ( وَيَقُولُ ) : سُفْيَانُ ( أَيْشِ هَذَا ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، مَعْنَاهُ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ أَيْ لَا شَيْءَ هَذَا الْحَدِيثُ . وَفِي الْمِصْبَاحِ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ خُفِّفَتِ الْيَاءُ وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا وَجُعِلَا كَلِمَةً وَاحِدَةً ، فَقَالُوا أَيْشِ . قَالَهُ الْفَارَابِيُّ . انْتَهَى كَلَامُهُ ( طَلْحَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ) : هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ ، أَيْ لَا شَيْءَ هَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا يَرْوِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِعَمْرٍو صُحْبَةٌ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : ثنا الْوَلِيدُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، بِغَيْرِ عَدَدٍ . ( بِهَذَا الْإِسْنَادِ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ، أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ إِلَى مُعَاوِيَةَ ( قَالَ ) : مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ فِي حَدِيثِهِ ( فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ) : أَيْ تَوَضَّأَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ كَمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا لِكُلِّ عُضْوٍ ( وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ بِغَيْرِ عَدَدٍ ) : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ بَلْ بِالْإِنْقَاءِ وَإِزَالَةِ مَا فِيهِمَا مِنَ الْأَوْسَاخِ . وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ غَيْرُ تَامٍّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، فَيُحْمَلُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ وَإِنْ لَمْ يَحْسُبِ الرَّاوِي الرَّائِي كَوْنَهَا ثَلَاثة . وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَهُمَا بِغَيْرِ عَدَدٍ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا سُنَّةً وَمُتَقَيِّدًا بِثَلَاثٍ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا خَالِدٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ . ( مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ) : كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا وَاحِدٍ . وَالْكَفُّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . حَكَاهَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ . وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ . ( يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا ) : أَيِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( ثُمَّ ذَكَرَ ) : أَيْ خَالِدٌ ( نَحْوَهُ ) : أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ سَنَدًا وَمَتْنًا ، وَلَفْظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ : أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الْإِنَاءِ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ، ثُمَّ غَسَلَ أَوْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةً ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَمَا أَدْبَرَ ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذَا الْحَرْفَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَخَالِدٌ ثِقَةٌ حَافِظٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ يُجْزِي . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُفَرِّقُهُمَا أَحَبُّ إِلَيْنَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنْ جَمَعَهُمَا فِي كَفٍّ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَإِنْ فَرَّقَهُمَا فَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْنَا . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، وَأَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الصَّرَاحَةِ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْ عَلِيٍّ وَلَفْظُهُ : ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا ، فَمَضْمَضَ وَنَثَرَ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ : ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا مَعَ الِاسْتِنْشَاقِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي كَيْفِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ ، الْأَصَحُّ : يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ خَالِدٍ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ : مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْجَمْعِ فِي كُلِّ غَرْفَةٍ ، وَالثَّانِي : يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا ، عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ . وَالثَّالِثُ : يَجْمَعُ أَيْضًا بِغَرْفَةٍ ، وَلَكِنْ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ، عَلَى مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ . وَالرَّابِعُ : يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِغَرْفَتَيْنِ ، فَيَتَمَضْمَضُ مِنْ إِحْدَاهُمَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنَ الْأُخْرَى ثَلَاثًا . وَالْخَامِسُ : يَفْصِلُ بِسِتِّ غَرَفَاتٍ بِأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِثَلَاثٍ ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ . وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : إِنَّهُ الْأَفْضَلُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، وَهُوَ أَيْضًا الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِحَيْثُ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ الْأَفْضَلُ . قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، قال : ثنا حَمَّادٌ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَقُتَيْبَةُ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سِنَانِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ ، قَالَ : وَقَالَ : الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : يَقُولُهَا أَبُو أُمَامَةَ ، قَالَ قُتَيْبَةُ : قَالَ حَمَّادٌ : لَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَبِي أُمَامَةَ ، يَعْنِي قِصَّةَ الْأُذُنَيْنِ ، قَالَ قُتَيْبَةُ : عَنْ سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ كُنْيَتُهُ أَبُو رَبِيعَةَ . ( قَالَ ) : أَيِ ابْنُ عَبَّاسٍ ( يَمْسَحُ الْمَأْقَيْنِ ) : هو تَثْنِيَةُ مَأْقٍ بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ أَيْ يُدَلِّكُهُمَا . فِي الْقَامُوسِ : مُوقُ الْعَيْنِ : مَجْرَى الدَّمْعِ مِنْهَا أَوْ مُقَدَّمُهَا أَوْ مُؤَخَّرُهَا . انْتَهَى . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْمُوقَ وَالْمَاقَ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ . انْتَهَى . قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : الْمَاقُ طَرْفُ الْعَيْنِ الَّذِي يَلِي الْأَنْفَ وَالْأُذُنَ ، وَاللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ مُوقٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا مَسَحَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ مُبَالَغَةً فِي الْإِسْبَاغِ ، لِأَنَّ الْعَيْنَ قَلَّمَا تَخْلُوُ مِنْ كُحْلٍ وَغَيْرِهِ أَوْ رَمَصٍ فَيَسِيلُ فَيَنْعَقِدُ عَلَى طَرْفِ الْعَيْنِ ( قَالَ ) : شَهْرٌ ( وَقَالَ ) : أَيْ أَبُو أُمَامَةَ ( الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ) : يَعْنِي يَجُوزُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ مَعَ مَسْحِ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . كَذَا فِي الْمَفَاتِيحِ حَاشِيَةِ الْمَصَابِيحِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ ، وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : أَخْتَارُ أَنْ يَمْسَحَ مُقَدَّمَهُمَا مَعَ وَجْهِهِ وَمُؤَخَّرَهُمَا مَعَ رَأْسِهِ . انْتَهَى . ( يَقُولُهَا ) : أَيْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ : الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ( أَبُو أُمَامَةَ ) : الْبَاهِلِيُّ أَيْ قَائِلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَبُو أُمَامَةَ ، وَمَا هِيَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يَرْوِيهِ عَنْ حَمَّادٍ وَيَقُولُ : الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ ، فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ بَدَّلَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ : قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ : الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَقَدْ بَدَّلَ أَوْ كَلِمَةٌ قَالَهَا سُلَيْمَانُ أَيْ أَخْطَأَ . ( يَعْنِي قِصَّةَ الْأُذُنَيْنِ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنَ الْمُؤَلِّفِ ، وَقَدْ كَانَ فِي قَوْلِ حَمَّادٍ إِبْهَامٌ ، فَأَرْجَعَ الضَّمِيرَ الْمَرْفُوعَ فِي قَوْلِ حَمَّادٍ لَا أَدْرِي هُوَ إِلَى قَوْلِهِ : الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ( قَالَ قُتَيْبَةُ ) : فِي رِوَايَتِهِ ( عَنْ سِنَانٍ أَبِي رَبِيعَةَ ) : وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ سِنَانُ بْنُ رَبِيعَةَ ( وَهُوَ ) : أَيْ سِنَانُ ( ابْنُ رَبِيعَةَ كُنْيَتُهُ أَبُو رَبِيعَةَ ) : فَلَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ قُتَيْبَةَ أَخْطَأَ فِيهِ ، لِأَنَّ كُنْيَةَ سِنَانٍ أَبُو رَبِيعَةَ وَاسْمُ وَالِدِهِ رَبِيعَةُ ، فَاتَّفَقَ الْقَوْلَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ رَوَاهُ ثَمَانِيَةُ أَنْفُسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ د ت ق ، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَنَّهُ مُدْرَجٌ فِي كِتَابِي فِي ذَلِكَ . الثَّانِي : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَوَّاهُ الْمُنْذِرِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ أَيْضًا أَنَّهُ مُدْرَجٌ . الثَّالِثُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِاضْطِرَابِ . وَقَالَ : إِنَّهُ وَهْمٌ . وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى مُرْسَلًا . الرَّابِعُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ الْحُصَيْنِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ . الْخَامِسُ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ ، وَصَوَّبَ الْوَقْفُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا . السَّادِسُ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَعَلَّهُ أَيْضًا . السَّابِعُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَزْهَرِ وَقَدْ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ . الثَّامِنُ : حَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَكِيمِ عَنْ أَنَسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ فِي التَّلْخِيصِ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ بْنِ عَفْرَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا ، فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ كُلِّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ ( عِنْدَهَا ) : أَيِ الرُّبَيِّعِ ( مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ ) : الْقَرْنُ يُطْلَقُ عَلَى الْخُصْلَةِ مِنَ الشَّعْرِ ، وَعَلَى جَانِبِ الرَّأْسِ مِنْ أَيْ جِهَةٍ كَانَ ، وَعَلَى أَعْلَى الرَّأْسِ . قَالَهُ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ . وَفِي التَّوَسُّطِ : أَرَادَ بِالْقَرْنِ أَعْلَى الرَّأْسِ ؛ إِذْ لَوْ مَسَحَ مِنْ أَسْفَلَ لَزِمَ تَغَيُّرُ الْهَيْئَةِ ، وَقَدْ قَالَ : لَا يُحَرِّكُ إِلَخْ ، أَيْ يَبْتَدِئُ الْمَسْحَ مِنَ الْأَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ ( كُلَّ نَاحِيَةٍ ) : أَيْ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِحَيْثُ يَسْتَوْعِبُ مَسْحَ جَمِيعِ الرَّأْسِ عَرْضًا وَطُولًا ( لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ : الْمَكَانُ الَّذِي يَنْحَدِرُ إِلَيْهِ وَهُوَ أَسْفَلُ الرَّأْسِ ، مَأْخُوذٌ مِنِ انْصِبَابِ الْمَاءِ وَهُوَ انْحِدَارُهُ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ . وَاللَّامُ فِي لِمُنْصَبِّ لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ أَيِ : ابْتَدَأَ مِنَ الْأَعْلَى فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ وَانْتَهَى إِلَى آخِرِ مَوْضِعٍ يَنْتَهِي إِلَيْهِ الشَّعْرُ ، كَذَا فِي التَّوَسُّطِ . وقَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَبْتَدِئُ الْمَسْحَ بِأَعْلَى الرَّأْسِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ بِأَسْفَلِهِ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى حِدَتِهَا . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : إِنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ مَسْحًا مُسْتَقِلًّا وَمُؤَخَّرَهُ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الْمَسْحَ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ شَعْرِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ . انْتَهَى ( لَا يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ ) : الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَنْ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ ، إِذْ لَوْ رَدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى أُصُولِهِ يَنْتَفِشُ وَيَتَضَرَّرُ صَاحِبُهُ بِانْتِفَاشِهِ وَانْتِشَارِ بَعْضِهِ ، وَلَا بَأْسَ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لِلْمُحْرِمِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِانْتِشَارِ شَعْرِهِ وَسُقُوطِهِ . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ : كَيْفَ تَمْسَحُ الْمَرْأَةُ وَمَنْ لَهُ شَعْرٌ طَوِيلٌ كَشَعْرِهَا ؟ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ مَسَحَ كَمَا رُوِيَ عَنِ الرُّبَيِّعِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَسَطِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُقَدَّمِهِ ، ثُمَّ رَفَعَهَا فَوَضَعَهَا حَيْثُ بَدَأَ مِنْهُ ، ثُمَّ جَرَّهَا إِلَى مُؤَخَّرِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَالْقَرْنُ أَيْضًا الرَّوْقُ مِنَ الْحَيَوَانِ وَمَوْضِعُهُ مِنْ رَأْسِنَا . قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ ، أَرَادَ بِالْقَرْنِ هَذَا الْمَعْنَى ، أَيِ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ مُسْتَوْعِبًا جَمِيعَ جَوَانِبِهِ إِلَى مُنْصَبِّ شَعْرِهِ وَهُوَ مُؤَخَّرُ رَأْسِهِ ، إِذْ لَوْ مَسَحَ مِنْ مُؤَخَّرِهِ إِلَى مُقَدَّمِهِ أَوْ مِنْ أَعْلَاهُ وَهُوَ وَسَطُهُ إِلَى أَيَّةِ جِهَةٍ كَانَتْ أَوْ مِنْ يَمِينِهِ إِلَى شِمَالِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ لَزِمَ تَحَرُّكُ الشَّعْرِ عَنْ هَيْئَتِهِ ، وَقَدْ قَالَ : لَا يُحَرِّكُ إِلَخْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنْ تَوْبَةَ الْعَنْبَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى قَالَ زَيْدٌ : دَلَّنِي شُعْبَةُ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ . بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ ( فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَصَلَّى ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا الدُّسُومَةُ لَيْسَ أَمْرا ضَرُورِيا ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَأَغْرَبَ ابْنُ شَاهِينَ فَجَعَلَ حَدِيثَ أَنَسٍ نَاسِخًا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ قَالَ فِيهِ بِالْوُجُوبِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ ، انْتَهَى . ( قَالَ زَيْدُ ) بْنُ الْحُبَابِ الرَّاوِي عَنْ مُطِيعٍ ( دَلَّنِي شُعْبَةُ ) بْنُ حَجَّاجٍ أَحَدُ النَّاقِدِينَ لِلرِّجَالِ . وَالدَّلِيلُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ ، وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ ، يُقَالُ : قَدْ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ يَدُلُّهُ دَلَالَةً . ( عَلَى هَذَا الشَّيْخِ ) ؛ أَيْ مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ ، فَدَلَالَةُ شُعْبَةَ لِزَيْدٍ عَلَى مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ كَانَ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ وَإِلَّا لَمْ يَدُلَّ شُعْبَةُ عَلَى مَنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ وَضَعِيفًا عِنْدَهُ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ : وَمُطِيعٌ بَصْرِيٌّ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ ، لَكِنْ قَالَ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ : إِنَّ شُعْبَةَ دَلَّهُ عَلَيْهِ ، وَشُعْبَةُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى ثِقَةٍ ، وَهَذَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِسُكُوتِ أَبِي دَاوُدَ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ فِي الْوُضُوءِ مِنْ اللَّبَنِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قال : ثنا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ لَبَنًا فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ لَهُ دَسَمًا ( بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ ) أَيِ الْمَضْمَضَةُ وَغَسْلُ الْفَمِ بَعْدَ شُرْبِ اللَّبَنِ ( عَنْ عُقَيْلٍ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( عَنِ الزُّهْرِيِّ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْإِمَامُ ( إِنَّ لَهُ دَسَمًا ) بِفَتْحَتَيْنِ مَنْصُوبًا اسْمُ إِنَّ ، وَهُوَ بَيَانٌ لِعِلَّةِ الْمَضْمَضَةِ مِنَ اللَّبَنِ . وَالدَّسَمُ مَا يَظْهَرُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الدُّهْنِ ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابُ الْمَضْمَضَةِ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ دَسَمٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْحَدِيثُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَضْمَضَةِ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْمَشْرُوبِ وَالْمَأْكُولِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمَضْمَضَةُ لِئَلَّا يَبْقَى مِنْهُ بَقَايَا يَبْتَلِعُهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ ، وَلِيَنْقَطِعَ لُزُوجَتُهُ وَدَسَمُهُ وَيَتَطَهَّرَ فَمُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : ثنا أَبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ ، فَسَقَتْهُ قَدَحًا مِنْ سَوِيقٍ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ ، قَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، أَلَا تَوَضَّأُ ؟ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ أَوْ قَالَ : مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ : يَا ابْنَ أَخِي . ( فَسَقَتْهُ ) ؛ أَيْ أَبَا سُفْيَانَ ( قَدَحًا ) بِفَتْحَتَيْنِ ، هُوَ إِنَاءٌ يَسَعُ مَا يَرْوِي رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً . ( يَا ابْنَ أُخْتِي ، أَلَا تَوَضَّأْ ؟ ) ؛ أَيْ : تَتَوَضَّأْ . وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ قَالَتْ : يَا ابْنَ أَخِي تَوَضَّأْ . فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أُحْدِثْ شَيْئًا . ( أَوْ قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى وُجُوبِ الشَّرْعِيِّ بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ وَاسْتَدَلَّتْ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ . وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ عَنْ أَحَادِيثِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ بِوُجُوهٍ ؛ أَحَدُهَا : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ . وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ ، بَلِ اخْتَصَرَهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ كَمَا عَرَفْتَ . وَثَانِيهَا : أَنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَطَّابِيِّ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى . وَثَالِثُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْفَمِ وَالْكَفَّيْنِ ، وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ جِدًّا ، لِأَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا ، وَحَقِيقَةُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ غَسْلُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تُغْتسَلُ لِلْوُضُوءِ ، فَلَا يُخَالَفُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ إِلَّا لِدَلِيلٍ . وَالَّذِي تَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ مَا حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الرَّاجِحُ مِنْهَا نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَّحْنَا بِهِ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ ، وَارْتَضَى بِهَذَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَكَلُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خُبْزًا وَلَحْمًا فَصَلَّوْا وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا . وَفِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّت النَّارُ آثَارٌ أُخَرُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ .
بَابُ التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ قال : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ ، عَنْ الْأَغَرِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتْ النَّارُ بَابُ التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ؛ أَيْ وُجُوبِ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ مِنْهُ ( الْأَغَرِّ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، ( الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زُرْعَةَ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : لَفْظُهُ الْخَبَرُ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ؛ أَيْ : تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتْهُ النَّارُ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ الْمَعْنَى قَالَا : ثنا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : ضِفْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ ، وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَجُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ ، قَالَ : فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ، قَالَ : فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ : مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ ؟ وَقَامَ يُصَلِّي زَادَ الْأَنْبَارِيُّ : وَكَانَ شَارِبِي وَفَاء ، فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكٍ ، أَوْ قَالَ : أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ . ( ضِفْتُ ) بِكَسْرِ الضَّادِ ؛ أَيْ : نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : ضِفْتُ الرَّجُلَ ضِيَافَةً إِذَا نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا . ( بِجَنْبٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : جَنْبُ الشَّاةِ شِقُّهَا ، وَجَنْبُ الْإِنْسَانِ شِقُّهُ . وَفِي النِّهَايَةِ : الْجَنْبُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُعْظَمَهُ أَوْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْهُ . ( فَشُوِيَ ) بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ ، يُقَالُ : شَوَيْتُ اللَّحْمَ أَشْوِيهِ شَيًّا فَانْشَوَى - مِثْلَ كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ - فَهُوَ مَشْوِيٌّ . ( الشَّفْرَةَ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هِيَ السِّكِّينُ الْعَظِيمَةُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هِيَ السِّكِّينُ الْعَرِيضَةُ . ( يَحُزُّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّاء الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ فِي الصِّحَاحِ ، حَزَّهُ وَاحْتَزَّهُ أَيْ قَطَعَهُ ، وَالتَّحَزُّزُ التَّقَطُّعُ ، وَالْحُزَّةُ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ قطعت طُولًا . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ ، وَفِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، فَإِنْ ثَبَتَ خُصَّ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَأَهْلِ التَّرَفِ . ( فَآذَنَهُ ) ؛ أَيْ أَعْلَمَهُ وَأَخْبَرَهُ . فِي النِّهَايَةِ : الْأَذَانُ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ ، آذَنَ إِيذَانًا وَأَذَّنَ تَأْذِينًا ، وَالْمُشَدَّدُ مَخْصُوصٌ بِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ . ( وَقَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا لَهُ ) لِبِلَالٍ قَدْ عَجَّلَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ إِلَى أَنْ أَفْرُغَ مِنْ أَكْلِ طَعَامِي ( تَرِبَتْ يَدَاهُ ) ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : تَرِبَ الشَّيْءُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - أَصَابَهُ التُّرَابُ ، وَمِنْهُ : تَرِبَ الرَّجُلُ افْتَقَرَ كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ ، يُقَالُ : تَرِبَتْ يَدَاكَ ، وَهُوَ عَلَى الدُّعَاءِ ؛ أَيْ : لَا أَصَبْتَ خَيْرًا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : تَرِبَتْ يَدَاهُ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ اللَّوْمِ ، وَمَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِالْفَقْرِ وَالْعَدَمِ ، وَقَدْ يُطْلِقُونَهَا فِي كَلَامِهِمْ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ وُقُوعَ الْأَمْرِ ، كَمَا قَالُوا : عَقْرَى حَلْقَى ؛ فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ لَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ وَدَامَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَجَارِي اسْتِعْمَالِهِمْ صَارَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى اللَّغْوِ ، وَذَلِكَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ . ( وَقَامَ يُصَلِّي ) اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْعَشَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ . قُلْتُ : هَذَا الِاسْتِدْلَالُ صَحِيحٌ وَحَسَنٌ جِدًّا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ : إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلصَّائِمِ الَّذِي أَصَابَهُ الْجُوعُ وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى الطَّعَامِ ، وَهَذَا فِيمَنْ حَضَرَهُ الطَّعَامُ وَهُوَ مُتَمَاسِكٌ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُزْعِجُهُ الْجُوعُ وَلَا يُعَجِّلُهُ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيفَاءِ حَقِّهَا ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . قُلْتُ : وَإِنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَهُوَ بَعِيدٌ . ( وَفَى ) عَلَى وَزْنِ رَمَى ، كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ؛ أَيْ : كَثُرَ وَطَالَ ، يُقَالُ : وَفَى الشَّيْءُ وَفْيًا أَيْ تَمَّ وَكَثُرَ . وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ : وَفَاءً ، وَكَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ ؛ أَيْ : طَوِيلًا تَامًّا كَثِيرًا . ( فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكٍ ) ؛ أَيْ : قَصَّ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّعْرِ فَوْقَ السِّوَاكِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَوَضَعَ السِّوَاكَ تَحْتَ الشَّارِبِ وَقَصَّ عَلَيْهِ . ( أَوْ قَالَ ) هَذَا تَرَدُّدٌ مِنَ الرَّاوِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ ، قال : ثنا سِمَاكٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتِفًا ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ( بِمِسْحٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْبَلَاسُ وَهُوَ كِسَاءٌ مَعْرُوفٌ ، ( فَصَلَّى ) مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ جَدِيدٍ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ ؛ الْأُولَى : عَدَمُ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ . الثَّانِيَةُ : جَوَازُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَكْلِ بِغَيْرِ الْمَضْمَضَةِ . الثَّالِثَةُ : جَوَازُ مَسْحِ الْيَدِ بَعْدَ الطَّعَامِ وَأَنَّ غَسْلَهَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، قال : ثنا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَشَ مِنْ كَتِفٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ( انْتَهَشَ ) النَّهْشُ بِالْمُعْجَمَةِ أَخْذُ اللَّحْمِ بِالْأَضْرَاسِ ، وَبِالْإِهْمَالِ بِمُقَدَّمِ الْفَمِ ؛ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفِ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْخَثْعَمِيُّ ، قال : ثنا حَجَّاجٌ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَرَّبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَلَحْمًا فَأَكَلَ ، ثُمَّ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ طَعَامِهِ فَأَكَلَ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ( قَرَّبْتُ ) بِشِدَّةِ الرَّاءِ ( وَلَمْ يَتَوَضَّأِ ) الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ الْمُتَبَادِرَ مِنَ السِّيَاقِ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ أَبُو عِمْرَانَ الرَّمْلِيُّ ، قال : ثنا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ، قال : ثنا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وهَذَا اخْتِصَارٌ مِنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . ( كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هَاهُنَا الشَّأْنُ وَالْقِصَّةُ ، لَا مُقَابِلَ النَّهْيِ . انْتَهَى ؛ أَيْ آخِرُ الْوَاقِعَتَيْنِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ ) بِنُضْجٍ وَطَبْخٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قال : ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ ابْنُ السَّرْحِ : ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ مِنْ أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ رَجُلٍ ، فَمَرَّ بِلَالٌ فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ ، فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً ، فَلَمْ يَزَلْ يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ( مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ) وَهَذَا مِنِ ابْنِ السَّرْحِ تَوْثِيقٌ لِابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ . قُلْتُ : وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ جَرْحٌ . ( ثُمَامَةَ ) بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ( الْمُرَادِيُّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى مُرَادٍ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ . ( مِصْرَ ) بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ ، ( الجَزْءٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّاء الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، ( لَقَدْ رَأَيْتُنِي ) الرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَيَاءُ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ، وَسَابِعٌ الْمَفْعُولُ الثَّانِي ، وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي . ( فَنَادَاهُ ) ؛ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِعْلَامِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ ، لَكِنْ لَا عَلَى الطَّرِيقِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا التَّثْوِيبُ ، بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ الْإِعْلَامِ وَالْإِيذَانِ . ( وَبُرْمَتُهُ ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، هِيَ الْقِدْرُ ، وَجَمْعُهَا الْبِرَامُ بِكَسْرِ الْبَاءِ ؛ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ . ( أَطَابَتْ بُرْمَتُكُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَالطَّيِّبُ خِلَافُ الْخَبِيثِ ، يُقَالُ : طَابَ الشَّيْءُ يَطِيبُ طِيبَةً وَتَطْيَابًا . وَنِسْبَةُ الطِّيبَةِ إِلَى الْبُرْمَةِ مَجَازٌ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ طِيبَةِ الْبُرْمَةِ تَطْيَابُ مَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ ؛ أَيْ نَضُجَ مَا فِي الْبُرْمَةِ وَصَارَ لَائِقًا لِلْأَكْلِ . ( بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ) ؛ أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِهِمَا ، أَوْ فَدَيْتُكَ بِهِمَا . ( فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً ) ؛ أَيْ أَخَذَ مِنَ الْبُرْمَةِ قِطْعَةً مِنَ الذِي هُوَ فِيهَا وَهُوَ اللَّحْمُ ( يَعْلِكُهَا ) ؛ أَيْ يَمْضُغُهَا ( أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ) ؛ أَيْ دَخَلَ فِيهَا ( وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) ؛ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِلَى مَضْغِهِ لِتِلْكَ الْقِطْعَةِ ثُمَّ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ ( وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) قَالَهُ الرَّاوِي وَقْتَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ ، أَيْ أَنَا مُتَيَقِّنٌ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ بَعْدَ الْأَكْلِ لِلصَّلَاةِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ، وَعَلَى أَنَّ أَكْلَ مَا غَيَّرَتْهُ النَّارُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ .
بسم الله الرحمن الرحيم بَابٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قال : ثنا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بسم الله الرحمن الرحيم بَابٌ فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَتْنِ : مِمَّا مَسَّتُهُ النَّارُ ، وَهُوَ أَصْرَحُ ؛ أَيْ : تَرْكُ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ شَيْءٍ طَبَخَتْهُ النَّارُ لِأَنَّ مَا طَبَخَتْهُ النَّارُ وَمَسَّتْهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ . ( كَتِفَ شَاةٍ ) الْكَتِفُ كَفَرِحٍ وَمِثْلٍ وَجَبْلٍ ، يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ : شانه ؛ أَيْ أَكْلُ لحْمِ الْكَتِفِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
بَابُ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، قال : ثنا سُلَيْمَانُ ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ ، فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ ؟ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بَابُ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الْمَيْتَةِ أَيْ مَيْتَةِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ ( مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ ) ؛ أَيْ كَانَ دُخُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ إِلَى السُّوقِ . وَالْعَالِيَةُ وَالْعَوَالِي أَمَاكِنُ بِأَعْلَى أَرَاضِي الْمَدِينَةِ ، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا عَلَوِيٌّ ، وَأَدْنَاهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ ثَمَانِيَةُ أَمْيَالٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ . ( وَالنَّاسُ كَنَفَتَيْهِ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالنُّونِ وَالْفَاءِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : كَنَفَتَيْهِ ؛ وَمَعْنَى الْأَوَّلِ جَانِبَهُ ، وَالثَّانِي جَانِبَيْهِ . ( فَمَرَّ بِجَدْيٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ ، مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ ؛ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَكَذَا فَسَّرَهُ الْأَرْدُبِيلِيُّ . ( أَسَكٍّ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْكَافِ الْمُشَدَّدَةِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ : يُطْلَقُ عَلَى مُلْتَصِقِ الْأُذُنَيْنِ وَعَلَى فَاقِدِهِمَا وَعَلَى مَقْطُوعِهِمَا وَعَلَى الْأَصَمِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْأَوَّلُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْمُرَادُ الثَّالِثُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَالْقُرْطُبِيُّ : الْمُرَادُ صَغِيرُ الْأُذُنَيْنِ . ( وَسَاقَ ) الرَّاوِي ( الْحَدِيثَ ) بِتَمَامِهِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الزُّهْدِ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَبَقِيَّتُهُ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ ؟ فَقَالُوا : مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ ! وَمَا نَصْنَعُ بِهِ ؟ ! قَالَ : تُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ ؟ قَالُوا : وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ أَسَكٌّ ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ ؟ ! فَقَالَ : وَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ، وَفِيهِ : الْأَسَكُّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أُذُنَانِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ جَوَازُ مَسِّ مَيْتَةِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ ، وَأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ بَعْدَ مَسِّهَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ اللَّحْمِ النِّيءِ وَغَسْلِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَأَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ الْمَعْنَى ، قَالُوا : ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، قال : أَخْبَرَنَا هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ قَالَ هِلَالٌ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَقَالَ أَيُّوبُ وَعَمْرٌو وأُرَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِغُلَامٍ يَسْلُخُ شَاةً ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الْإِبِطِ ، ثُمَّ مَضَى فَصَلَّى لِلنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ : يَعْنِي لَمْ يَمَسَّ مَاءً وَقَالَ : عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيِّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِلَالٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْا أَبَا سَعِيدٍ . بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ اللَّحْمِ النِّيءِ عَلَى وَزْنِ حِمْلٍ ، أَيْ غَيْرِ النَّضِيجِ ( وَغَسْلِهِ ) : الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ ؛ أَيْ : بَابُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ أَوْ غَسْلُ الْيَدِ مِنْ مَسِّ لَحْمٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ ، هَلْ هُوَ ضَرُورِيٌّ أَمْ لَا ؟ فَبَيَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّهُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ ، وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي غَسْلِهِ يَرْجِعُ إِلَى الْمَاسِّ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا إِرْجَاعُ الضَّمِيرِ إِلَى اللَّحْمِ - أَيِ الْوُضُوءُ مِنْ غَسْلِ اللَّحْمِ النِّيءِ - فَبَعِيدٌ . ( الرَّقِّيُّ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ نِسْبَةً إِلَى الرَّقَّةِ مَدِينَةٌ عَلَى الْفُرَاتِ ، ( الْمَعْنَى ) ؛ أَيْ وَاحِدٌ ، أَيْ : أَحَادِيثُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى . ( لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ) ؛ أَيْ : لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَنِي بِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَهَذَا اللَّفْظُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ ( وَقَالَ أَيُّوبُ وَعَمْرٌو ) فِي رِوَايَتِهِمَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ ( وَأَرَاهُ ) ؛ أَيْ أَظُنُّهُ ( يَسْلُخُ شَاةً ) ؛ أَيْ يَنْزِعُ الْجِلْدَ عَنِ الشَّاةِ . فِي الْمِصْبَاحِ : سَلَخْتُ الشَّاةَ سَلْخًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَمِنْ بَابِ ضَرَبَ ، قَالُوا : وَلَا يُقَالُ فِي الْبَعِيرِ سَلَخْتُ جِلْدَهُ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ : كَشَطْتُهُ ، انْتَهَى . ( تَنَحَّ ) أَمْرٌ مِنْ تَنَحَّى يَتَنَحَّى ؛ أَيْ : تَحَوَّلْ عَنْ مَكَانِكَ ( حَتَّى أُرِيَكَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَمَعْنَى أُرِيَكَ أُعَلِّمَكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا . ( فَدَحَسَ بِهَا ) فِي الصِّحَاحِ : الدَّحْسُ إِدْخَالُ الْيَد بَيْنَ جِلْدِ الشَّاةِ وَصِفَاقِهَا لِسَلْخِهَا ، أَيْ أَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ بِشِدَّةٍ وَقُوَّةٍ وَدَسَّهَا بَيْنَهُمَا كَفِعْلِ السَّلَّاخِ ( حَتَّى تَوَارَتْ ) ؛ أَيِ اسْتَتَرَتْ ( وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَمَعْنَى الْوُضُوءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ غَسْلُ الْيَدِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ عَمْرٍو الْآتِيَةُ ، ( زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ ) بَعْدَ قَوْلِهِ : لَمْ يَتَوَضَّأْ ( يَعْنِي لَمْ يَمَسَّ مَاءً ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ . ( وَقَالَ ) ؛ أَيْ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ ( عَنْ هِلَالِ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّمْلِيِّ ) ؛ أَيْ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ دُونَ الْإِخْبَارِ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ وَأَيُّوبَ ( مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرا أَبَا سَعِيدٍ ) ، الْمُرَادُ مِنَ الْمُرْسَلِ هَاهُنَا مَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ ؛ أَيْ قَوْلُ التَّابِعِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا ، أَوْ فَعَلَ كَذَا ، أَوْ فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ كَذَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِيُّ الرَّمْلِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ .
بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قال : ثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَقَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَسُئِلَ عَنْ لُحُومِ الْغَنَمِ فَقَالَ : لَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا ، وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَقَالَ : لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ وَسُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ فَقَالَ : صَلُّوا فِيهَا فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ أَيْ مِنْ أَكْلِهَا ( عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ ) أَكْلِ ( لُحُومِ الْإِبِلِ ، فَقَالَ : تَوَضَّئُوا مِنْهَا ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُضُوءُ الشَّرْعِيُّ ، وَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ ثَابِتَةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَكْلَ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ مِنْ جُمْلَةِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَاخْتَارَه الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ، وَحُكِيَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ، وَحُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً وَالْبَرَاءِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا حَدِيثَانِ ؛ حَدِيثُ جَابِرٍ وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ . وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَقْوَى دَلِيلًا وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ : وَإِنَّهُ الْمُخْتَارُ الْمَنْصُورُ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ الرَّاشِدُونَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو طَلْحَةَ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَأَبُو أُمَامَةَ وَجَمَاهِيرُ التَّابِعِينَ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمْ ، وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ النَّقْضِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، قَالُوا : وَلَحْمُ الْإِبِلِ دَاخِلٌ فِيهِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ نِيئًا بَلْ يُؤْكَلُ مَطْبُوخًا ، فَلَمَّا نُسِخَ الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ نُسِخَ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الْإِبِلِ أَيْضًا . وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ حَدِيثَ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ عَامُّ وَحَدِيثَ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ خَاصٌّ ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَأَمَّا مَنْ يَجْعَلُ كَوْنَ لَحْمِ الْإِبِلِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ سَوَاءٌ مَسَّتْهُ النَّارُ أَوْ لَمْ تَمَسَهْ فَيُوجِبُ الْوُضُوءَ مِنْ نِيئِهِ وَمَطْبُوخِهِ وَقَدِيدِهِ - فَكَيْفَ يُحْتَجُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَحْمُ الْإِبِلِ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ ، فَإِنَّمَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ فَكَيْفَ يُقَدَّمُ عَلَى الْخَاصِّ . ( لَا تَوَضَّئُوا مِنْهَا ) ؛ لِأَنَّ لُحُومَهَا لَيْسَتْ نَاقِضَةً لِلْوُضُوءِ ، وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ - يَعْنِي الْمَضْمَضَةَ وَغَسْلَ الْيَدَيْنِ - فَدَعْوَاهُ مُحْتَاجَةٌ إِلَى بَيِّنَةٍ وَاضِحَةٍ . ( فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ) عَلَى وَزْنِ مَسَاجِدَ ، جَمْعُ مَبْرَكٍ كَجَعْفَرٍ ؛ وَهُوَ مَوْضِعُ بُرُوكِ الْإِبِلِ ، يُقَالُ : بَرَكَ الْبَعِيرُ بُرُوكًا وَقَعَ عَلَى بَرْكِهِ وَهُوَ صَدْرُهُ ؛ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : بَرَكَ الْبَعِيرُ يَبْرُكُ بُرُوكًا ؛ أَيِ اسْتَنَاخَ . ( فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ ) ؛ أَيِ الْإِبِلِ تَعْمَلُ عَمَلَ الشَّيَاطِينِ وَالْأَجِنَّةِ ، لِأَنَّ الْإِبِلَ كَثِيرَةُ الشَّرِّ فَتُشَوِّشُ قَلْبَ الْمُصَلِّي ، وَرُبَّمَا نَفَرَتْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَتُؤَدِّي إِلَى قَطْعِهَا أَوْ أَذًى يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا ، فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وُصِفَتْ بِأَعْمَالِ الشَّيَاطِينِ وَالْجِنِّ . قَالَ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ( فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ ) عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّهَا أَنْفُسَهَا شَيَاطِينٌ ، وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْكُوفَةِ : إِنَّ الشَّيْطَانَ كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالدَّوَابِّ . انْتَهَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ ) جَمْعُ مَرْبِضٍ ؛ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمَرَابِضُ كَالْمَعَاطِنِ لِلْإِبِلِ . قَالَ : وَرُبُوضُ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْفَرَسِ مِثْلُ بُرُوكِ الْإِبِلِ وَجُثُومِ الطَّيْرِ . ( فَإِنَّهَا بَرَكَةٌ ) ، زَادَ الشَّافِعِيُّ : فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ . وَالْمَعْنَى أَنَّ الْغَنَمَ لَيْسَ فِيهَا تَمَرُّدٌ وَلَا شرادٌ ، بَلْ هِيَ ضَعِيفَةٌ وَفِيهَا سَكِينَةٌ فَلَا تُؤْذِي الْمُصَلِّي وَلَا تَقْطَعُ صَلَاتَهُ ، فَهِيَ ذُو بَرَكَةٍ فَصَلُّوا فِي مَرَابِضهَا . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ وَعَلَى جَوَازِهَا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ بِحَالٍ . قَالَ : وَمَنْ صَلَّى فِيهَا أَعَادَ أَبَدًا . وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ لَا يَجِدُ إِلَّا عَطَنَ الْإِبِلِ ، قَالَ : لَا يُصَلِّي . قِيلَ : فَإِنْ بَسَطَ عَلَيْهِ ثَوْبًا ؟ قَالَ : لَا . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَا تَحِلُّ فِي عَطَنِ الْإِبِلِ . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ مَعَ عَدَمِ النَّجَاسَةِ وَعَلَى التَّحْرِيمِ مَعَ وُجُودِهَا . وَهَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ هِيَ النَّجَاسَةُ وَذَلِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى نَجَاسَةِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَزْبَالِهَا ، وَسَتَعْرِفُ بَعْدَ هَذَا تَحْقِيقَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ . وَلَوْ سَلَّمْنَا النَّجَاسَةَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهَا عِلَّةً ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَوْ كَانَتِ النَّجَاسَةَ لَمَا افْتَرَقَ الْحَالُ بَيْنَ أَعْطَانِهَا وَبَيْنَ مَرَابِضِ الْغَنَمِ ، إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَرْوَاثِ كُلٍّ مِنَ الْجِنْسَيْنِ وَأَبْوَالِهَا كَمَا قَالَ الْعِرَاقِيُّ ، بَلْ حِكْمَةُ النَّهْيِ مَا فِيهَا مِنَ النُّفُورِ وَالتَّمَرُّدِ وَالشِّرَادِ ، وَبِهَذَا عَلَّلَ النَّهْيَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِحَدِيثِ الْبَابِ - أَيْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ - مَنْ قَالَ بِطَهَارَةِ أَبْوَالِ الْغَنَمِ وَأَبْعَارِهَا ، قَالُوا : لِأَنَّ مَرَابِضَ الْغَنَمِ لَا تَخْلُوا مِنْ ذَلِكَ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُبَاشِرُونَهَا فِي صَلَاتِهِمْ فَلَا تَكُونُ نَجِسَةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْجِدَ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ . وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لِذَلِكَ بَابًا ، وَقَالَ : بَابُ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا . وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينُ وَالْبَرِيَّةُ فِي جَنْبِهِ فَقَالَ : هَاهُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ . قُلْتُ : السِّرْقِينُ هُوَ الزِّبْلُ ، وَالْبَرِيَّةُ الصَّحْرَاءُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْبَرِّ ، وَدَارُ الْبَرِيدِ مَوْضِعٌ بِالْكُوفَةِ كَانَتِ الرُّسُلُ تَنْزِلُ فِيهِ إِذَا حَضَرَتْ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَى الْأُمَرَاءِ ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَوْلُهُ : هَاهُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ ؛ يُرِيدُ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ . وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ أُنَاسٍ مِنْ عُرَيْنَةَ الَّذِينَ أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى طَهَارَةِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ أَيْضًا . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَأَمَّا شُرْبُهُمُ الْبَوْلَ فَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ ، أَمَّا مِنَ الْإِبِلِ فَبِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . وَذَهَبَ إِلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثِهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ وَالْقَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ ، وَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ الْمُحَدِّثَ الْفَقِيهَ سُلْطَانَ الْعُلَمَاءِ السَّيِّدَ مُحَمَّد نَذِير حُسَيْن الدَّهْلَوِيَّ - أَدَامَ اللَّهُ بَرَكَاتِهِ عَلَيْنَا - يَقُولُ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ : أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَايةَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْ ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ : هَذَا رِكْسٌ . فَلَا تَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ عُمُومِ الرَّوْثَةِ ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ رَوْثَةَ حِمَارٍ ، عَلَى أَنْ نَقَلَ التَّيْمِيُّ أَنَّ الرَّوْثَ مُخْتَصٌّ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ، وَإِنَّا لَا نَقُولُ بِطَهَارَةِ رَوْثِ الْبِغَالِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ جَاءَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْهُ كَوْنَهَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا نَجِسَةٌ ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ بِنَجَاسَةِ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ كُلِّهَا مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ : إِنَّ الْأَبْوَالَ كُلَّهَا - سَوَاءٌ كَانَتْ أَبْوَالَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ - وَالْأَرْوَاثُ كُلَّهَا كَذَلِكَ طَاهِرَةٌ إِلَّا بَوْلَ الْآدَمِيِّ وَغَائِطَهُ ، وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ لَيْسَ عَلَيْهِمَا بُرْهَانٌ يَقْنَعُ بِهِ الْقَلْبُ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَقَالَ : فِي الصَّلَاةِ . ( بِإِسْنَادِهِ ) بِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ ( وَمَعْنَاهُ ) ؛ أَيْ : وَبِمَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَدْرٍ . ( وَقَالَ ) ؛ أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ ( فِي الصَّلَاةِ ) ؛ أَيْ : مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ ؟ وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَدْرٍ رَوَى عَنْ قَيْسٍ بِلَفْظِ : مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ لَفْظَ : ( فِي الصَّلَاةِ ) . وَرَوَى مُسَدَّدٌ وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَالثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَرِيرٌ الرَّازِيُّ ؛ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ : ( فِي الصَّلَاةِ ) ؛ أَيْ : يَمَسُّ الرَّجُلُ حَالَ كَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا خَبَرَ طَلْقٍ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَسَّ وَدُونَهُ الْحَائِلُ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِرِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مَسِّهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَالْمُصَلِّي لَا يَمَسُّ فَرْجَهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ . قُلْتُ : وَلَا يَخْفَى بُعْدُ هَذَا التَّأْوِيلِ .
بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا مُلَازِمُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ ، قال : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَدْرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : هَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْهُ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَجَرِيرٌ الرَّازِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ . بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ أَيْ تَرْكُ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ( قَالَ : قَدِمْنَا ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : إِنَّ طَلْقَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ قُدُومُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ سَنَةٍ مِنْ سِنِيِّ الْهِجْرَةِ حَيْثُ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَبْنُونَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ . ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : بَنَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ الْحَدِيثَ . ( بَدَوِيٌّ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : نِسْبَةً إِلَى الْبَادِيَةِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَالْبَدَوِيُّ خِلَافُ الْحَضَرِيِّ ، انْتَهَى . ( مَا تَرَى فِي مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ ؟ ) هَلْ هُوَ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ ؟ ( هَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْهُ ؟ ) ؛ أَيْ : مَا هُوَ - أَيِ الذَّكَرُ - إِلَّا مُضْغَةٌ مِنَ الْجَسَدِ . وَالْمُضْغَةُ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الضَّادِ وَفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ : قِطْعَةُ لَحْمٍ ؛ أَيْ كَمَا لَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الْجَسَدِ وَالْأَعْضَاءِ فَكَذَا لَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ لِأَنَّ الذَّكَرَ أَيْضًا قِطْعَةٌ مِنَ الْجَسَدِ . ( أَوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ . وَالْمُضْغَةُ وَالْبَضْعَةُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ ، وَهُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسَّ الذَّكَرِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ ، قَالَ الْحَازِمِيُّ فِي الِاعْتِبَارِ : وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ آخِذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ ، انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْقٍ فَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَصَحَّحَهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَقَالَ : هُوَ عِنْدَنَا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ عِنْدَنَا أَحْسَنُ مِنْ حَدِيثِ بُسْرَةَ . وَالطَّحَاوِيُّ قَالَ : إِسْنَادُهُ مُسْتَقِيمٌ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ بِخِلَافِ حَدِيثِ بُسْرَةَ . وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ ، وَضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ . وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيَّ وَابْنَ الْعَرَبِيِّ وَآخَرِينَ زَعَمُوا أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ مَنْسُوخٌ لِتَقَدُّمِ إِسْلَامِ طَلْقٍ وَتَأَخُّرِ إِسْلَامِ بُسْرَةَ ، وَلَكِنْ هَذَا غَيْرُ دَلِيلٍ عَلَى النَّسْخِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ ، وَبَعْضُهُمْ رَجَّحُوا حَدِيثَ بُسْرَةَ عَلَى حَدِيثِ طَلْقٍ لِكَثْرَةِ طُرُقِ حَدِيثِ بُسْرَةَ وَصِحَّتِهَا وَكَثْرَةِ مَنْ صَحَّحَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَلِكَثْرَةِ شَوَاهِدِهِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يَكْفِي فِي تَرْجِيحِ حَدِيثِ بُسْرَةَ عَلَى حَدِيثِ طَلْقٍ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ لَمْ يَحْتَجَّ الشَّيْخَانِ بِأَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ ، وَحَدِيثُ بُسْرَةَ قَدِ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ وَرِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ : فِي الصَّلَاةِ . قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ : قَدْ سَأَلْنَا عَنْ قَيْسٍ فَلَمْ نَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ بِمَا يَكُونُ لَنَا قَبُولُ خَبَرِهِ ، وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ وَصَفْنَا نَعْتَهُ وَتَثَبُّتَهُ فِي الْحَدِيثِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : لَقَدِ اضْطَرَبَ النَّاسُ فِي طَلْقِ بْنِ قَيْسٍ وَأَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سَأَلْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا : قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ لَيْسَ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَوَهَّنَاهُ وَلَمْ يُثْبِتَاهُ .
بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ يَقُولُ : دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذَكَرْنَا مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَقَالَ مَرْوَانُ : وَمِنْ مَسِّ الذَّكَرِ ، فَقَالَ عُرْوَةُ : مَا عَلِمْتُ ذَلِكَ ، فَقَالَ مَرْوَانُ : أَخْبَرَتْنِي بُسْرَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ ؟ ( عُرْوَةُ ) هُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، ( فَذَكَرْنَا ) وَفِي الْمُوَطَّأِ : فَتَذَاكَرْنَا ( مَا يَكُونُ مِنْهُ الْوُضُوءُ ) ؛ أَيْ : مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَلْزَمُ الْوُضُوءُ ؟ ( فَلْيَتَوَضَّأْ ) لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْوُضُوءِ غَسْلَ الْيَدِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ ، فَفِيهِ : مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ . وَبِدَلِيلِ رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ : مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيُعِدِ الْوُضُوءَ . وَالْإِعَادَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا لِوُضُوءِ الصَّلَاةِ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ . قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ : وَذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ جَمَاعَةٌ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَبُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالزُّهْرِيِّ وَمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الشَّامِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ بُسْرَةَ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ الْجَارُودِ مِنْ حَدِيثِهَا ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : حَدِيثُ بُسْرَةَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، قَالَ : بَلْ هُوَ صَحِيحٌ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : صَحِيحٌ ثَابِتٌ . وَصَحَّحَهُ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَبُو حَامِدِ بْنُ الشَّرْقِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَازِمِيُّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي سَمَاعِ عُرْوَةَ مِنْهَا أَوْ مِنْ مَرْوَانَ ، فَقَدِ احْتَجَّا بِجَمِيعِ رُوَاتِهِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَنَسٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ وَقَبِيصَةَ وَأَرْوَى بِنْتِ أُنَيْسٍ ، انْتَهَى . وَفِي الْبَابِ آثَارٌ أَيْضًا أَخْرَجَهَا مَالِكٌ وَغَيْرُهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ مَسُّهُ بِلَا حَائِلٍ ، وَأَمَّا الْمَسُّ بِحَائِلٍ فَلَيْسَ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ كَمَا أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ وَلَا حَائِلَ فَلْيَتَوَضَّأْ . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَكَذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَفْظُهُ فِيهِ : مَنْ أَفْضَى بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وُضُوءُ الصَّلَاةِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ ؛ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ، وَلَفْظُ الْفَرْجِ يَشْمَلُ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَبِهِ يُرَدُّ مَذْهَبُ مَنْ خَصَّصَ ذَلِكَ بِالرِّجَالِ وَهُوَ مَالِكٌ . وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : إِذَا مَسَّتْ إِحْدَاكُنَّ فَرْجَهُ فَلْتَتَوَضَّأْ . وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا رَجُلٍ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ عَنِ الْبُخَارِيِّ : وَهَذَا عِنْدِي صَحِيحٌ ، وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ . وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ - يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ رُوِّينَا قَوْلَنَا عَنْ غَيْرِ بُسْرَةَ ، وَالَّذِي يَعِيبُ عَلَيْنَا الرِّوَايَةَ عَنْ بُسْرَةَ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ عَجْرَدٍ وَأُمِّ خِدَاشٍ وَعِدَّةٍ مِنَ النِّسَاءِ لَسْنَ بِمَعْرُوفَاتٍ فِي الْعَامَّةِ ، وَيَحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِنَّ وَيُضَعِّفُ بُسْرَةَ مَعَ سَابِقَتِهَا وَقَدِيمِ هِجْرَتِهَا وَصُحْبَتِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ حَدَّثَتْ بِهَذَا فِي دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ وَلَمْ يَدْفَعْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، بَلْ عَلِمْنَا بَعْضَهُمْ صَارَ إِلَيْهِ عَنْ رِوَايَتِهَا مِنْهُمْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَقَدْ دَفَعَ وَأَنْكَرَ الْوُضُوءَ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ الْخَبَرَ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ بُسْرَةَ رَوَتْهُ قَالَ بِهِ وَتَرَكَ قَوْلَهُ ، وَسَمِعَهَا ابْنُ عُمَرَ تُحَدِّثُ بِهِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَوَضَّأُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ حَتَّى مَاتَ ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ وَقَعَ لَنَا هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : ثنا وَكِيعٌ ، قال : ثنا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ قَالَ عُرْوَةُ : فقلت لها : مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ ، فَضَحِكَتْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَكَذَا رَوَاهُ زَائِدَةُ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ . ( عُرْوَةَ ) ؛ أَيْ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لَا عُرْوَةُ الْمُزَنِيُّ . ( مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ ؟ ) ، هَذَا السُّؤَالُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ سَائِلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِأَنَّ عُرْوَةَ الْمُزَنِيَّ لَا يَجْسُرُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْكَلَامَ لِعَائِشَةَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَلَمْ يَنْسِبْ عُرْوَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا ، وَأَمَّا ابْنُ مَاجَهْ فَإِنَّهُ نَسَبَهُ وَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا : ثَنَا وَكِيعٌ ، ثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ الْحَدِيثَ . وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، نَا حَاجِبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، ثنَا وَكِيعٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، ثُمَّ ضَحِكَتْ . قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ : وَهَذَا نَصٌّ فِي كَوْنِهِ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : مَنْ هِيَ إِلَّا أَنْتِ ؟ فَضَحِكَتْ . ( هَكَذَا ) ؛ أَيْ لَفْظُ عُرْوَةَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِابْنِ الزُّبَيْرِ . أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِشْكَابَ وَعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا : أَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيِّ ، نَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ الْحَدِيثَ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدٍ الطَّالْقَانِيُّ ، قال : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ مَغْرَاءَ ، قال : ثنا الْأَعْمَشُ ، قال : ثنَا أَصْحَابٌ لَنَا ، عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ لِرَجُلٍ : احْكِ عَنِّي أَنَّ هَذَيْنِ يَعْنِي حَدِيثَ الْأَعْمَشِ هَذَا عَنْ حَبِيبٍ ، وَحَدِيثَهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ قَالَ يَحْيَى : احْكِ عَنِّي أَنَّهُمَا شِبْهُ لَا شَيْءَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ عَنْ الثَّوْرِيِّ قَالَ : مَا حَدَّثَنَا حَبِيبٌ إِلَّا عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ ، يَعْنِي لَمْ يُحَدِّثْهُمْ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدْ رَوَى حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ عَنْ حَبِيبٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثًا صَحِيحًا . ( ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَوَّلَهُ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَبُو زُهَيْرٍ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ ، وَثَّقَهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : صَدُوقٌ . وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، كَانَ يَرْوِي عَنِ الْأَعْمَشِ سِتَّمِائَةَ حَدِيثٍ ، تَرَكْنَاهُ ، لَمْ يَكُنْ بِذَاكَ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَالَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ هُوَ كَمَا قَالَ ؛ فَإِنَّهُ رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ أَحَادِيثَ لَا يُتَابِعُهُ عَلَيْهَا الثِّقَاتُ ، هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الضُّعَفَاءِ الَّذِينَ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ . ( أَصْحَابٌ لَنَا ) ، وَهَؤُلَاءِ رِجَالٌ مَجْهُولُونَ وَمَا سَمَّى مِنْهُمْ إِلَّا حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ . ( عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ ) قَالَ الذَّهَبِيُّ : هُوَ شَيْخٌ لِحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ لَا يُعْرَفُ . وَفِي الْخُلَاصَةِ لَهُ أَحَادِيثُ ضَعَّفَهَا الْقَطَّانُ ، وَفِي التَّقْرِيبِ هُوَ مَجْهُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ . ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) الْمَذْكُورِ ، فَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ رِجَالٍ مَجْهُولِينَ . ( احْكِ ) أَمْرٌ مِنَ الْحِكَايَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ ، ( عَنِّي ) ؛ أَيْ : أَخْبِرِ النَّاسَ عَنْ جَانِبِي ( أَنَّ هَذَيْنِ ) الْحَدِيثَيْنِ ( هَذَا عَنْ حَبِيبٍ ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ الْحَدِيثَ ، ( وَحَدِيثَهُ ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَعَلَّهُ هُوَ مَا يَجِيءُ فِي بَابِ مَنْ قَالَ : تَغْتَسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ ؛ منْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ الْحَدِيثَ . ( احْكِ عَنِّي ) أَعَادَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لِكَوْنِ الْفَصْلِ وَالْبُعْدِ بَيْنَ الْقُولِ وَالْمَقُولَةِ ( أَنَّهُمَا شِبْهُ لَا شَيْءَ ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَسَقَطَ مِنْهُ التَّنْوِينُ لِلْإِضَافَةِ إِلَى لَا شَيْءَ ، وَلَا شَيْءَ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِسْنَادِ ؛ أَيْ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ ضَعِيفَانِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، ذَكَرَهُ شِهَابُ بْنُ رَسْلَانَ . ( يَعْنِي لَمْ يُحَدِّثْهُمْ ) ؛ أَيْ لَمْ يُحَدِّثْ حَبِيبٌ أَحَدًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ وَمِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ . ( بِشَيْءٍ ) ؛ بَلْ كُلُّ مَا رَوَاهُ فَهُوَ عَنْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ . لَكِنْ لَمْ يَرْضَ أَبُو دَاوُدَ بِمَا قَالَهُ الثَّوْرِيُّ ، وَلِذَا نَقَلَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ، وَعِنْدَهُ سَمَاعُ حَبِيبٍ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ( حَدِيثًا صَحِيحًا ) فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ مِنْ سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، نَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ هَمْزَةَ الزَّيَّاتِ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي جَسَدِي ، وَعَافِنِي فِي بَصَرِي الْحَدِيثَ . فَمَقْصُودُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ حَبِيبًا وَإِنِ اخْتُلِفَ فِي شَيْخِهِ أَنَّهُ الْمُزَنِيُّ أَوِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَلَا يُشَكُّ فِي سَمَاعِ حَبِيبٍ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : حَدِيثًا صَحِيحًا . فَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَغْرَاءَ مَعَ ضَعْفِهِ وَرِوَايَةِ شَيْخِهِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمَجْهُولِينَ قَدْ تَفَرَّدَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ عُرْوَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ ؛ أَيْ عُرْوَةَ الْمُزَنِيِّ . وَأَمَّا وَكِيعٌ وَعَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ وَأَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَقُولُوا بِهِ ، فَبَعْضُ أَصْحَابِ وَكِيعٍ رَوَى عَنْهُ لَفْظَ عُرْوَةَ بِغَيْرِ نِسْبَةٍ ، وَبَعْضُهُمْ رَوَى عَنْهُ بِلَفْظِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . ثُمَّ الْأَعْمَشُ أَيْضًا لَيْسَ مُتَفَرِّدًا بِهَذَا ، بل تَابَعَهُ أَبُو أُوَيْسٍ بِلَفْظِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . ثُمَّ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ أَيْضًا لَيْسَ مُتَفَرِّدًا ، بَلْ تَابَعَهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمَحْفُوظَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، فَبَعْضُ الْحُفَّاظِ أَطْلَقَهُ وَبَعْضُهُمْ نَسَبَهُ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ . وَأَمَّا عُرْوَةُ الْمُزَنِيُّ فَغَلَطٌ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ سَمَاعَ حَبِيبٍ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ . قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ : لَمْ يَصِحَ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَصَحَّحَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لَكِنِ الصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُنْقَطِعًا ، وَأُجِيبَ ضَعْفُ الِانْقِطَاعِ مُنْجَبِرٌ بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ وَالرِّوَايَاتِ الْعَدِيدَةِ .
بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ الْقُبْلَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قال : ثنا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَا : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ شيئا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ وغيره . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَاتَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَكَانَ يُكْنَى أَبَا أَسْمَاءَ . بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْقُبْلَةِ بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ ؛ اسْمٌ مِنْ قَبَّلْتُ تَقْبِيلًا ، وَالْجَمْعُ قُبَلٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ . ( عَنْ أَبِي رَوْقٍ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ ، وَاسْمُهُ عَطِيَّةُ بْنُ الْحَارِثِ الْهَمَدَانِيُّ الْكُوفِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَالشَّعْبِيِّ ، وَعَنْهُ ابْنَاهُ يَحْيَى وَعُمَارَةُ وَالثَّوْرِيُّ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : صَالِحٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُوَ ثِقَةٌ . وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ بِجَرْحٍ . ( قَبَّلَهَا وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَمْسَ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِأَنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . وَحَدِيثُ الْبَابِ ضَعِيفٌ لَكِنَّهُ تُؤَيِّدُهُ الْأَحَادِيثُ الْأُخَرُ ؛ مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ ، وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ الْحَدِيثَ ، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلِي ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا ، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ . وَفِي لَفْظٍ : فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلِي فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ ثُمَّ سَجَدَ . وَذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ فِي الْقُبْلَةِ وُضُوءًا . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِهَذِهِ الْجَمَاعَةِ أَيْضًا دَلَائِلُ ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى : أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَقُرِئَ : أَوْ لَمَسْتُمْ . قَالُوا : الْآيَةُ صَرَّحَتْ بِأَنَّ اللَّمْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي لَمْسِ الْيَدِ ، وَيُؤَيِّدُه بَقَاءَهُ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ قِرَاءَةُ : أَوْ لَمَسْتُمْ ؛ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي مُجَرَّدِ اللَّمْسِ مِنْ دُونِ الْجِمَاعِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى الْمَجَازِ وَهُوَ أَنَّ اللَّمْسَ مُرَادٌ بِهِ الْجِمَاعُ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ وَهِيَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي التَّقْبِيلِ ، وَحَدِيثُهَا فِي لَمْسِهَا لِبَطْنِ قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ كِتَابِهِ ، وَاسْتَجَابَ فِيهِ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ اللَّمْسَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ هُوَ الْجِمَاعُ ، وَفِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَسْطٌ حَسَنٌ فَارْجِعْ إِلَيْهَا يُعْطِيكَ الثَّلْجَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( هُوَ ) ؛ أَيْ حَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ( مُرْسَلٌ ) ، الْمُرْسَلُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَشْهُورِ مَا يَكُونُ السَّقْطُ فِيهِ مِنْ آخِرِهِ بَعْدَ التَّابِعِيِّ ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ سَوَاءٌ كَانَ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا ، أَوْ فعل كذا ، أو فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ كَذَا ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَلِلْمُرْسَلِ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ مَا سَقَطَ رَاوٍ مِنْ سَنَدِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ ؛ كَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ مُرَادٌ هَاهُنَا . ( الْفِرْيَابِيُّ وَغَيْرُهُ ) ؛ الْفِرْيَابِيُّ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ الْمُشْتَبَهِ : الْفِرْيَابِيُّ وَفِيرَابُ ، وَيُقَالُ : فَارِيَابُ ؛ مَدِينَةٌ بِالتُّرْكِ مِنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ صَاحِبُ الثَّوْرِيِّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ وَاقِدٍ ، مِنْ أَجِلَّةِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ ، رَوَى عَنْ يُونُسَ بْنِ إِسْحَاقَ وَفِطْرِ بْنِ خَلِيفَةَ وَخَلْقٍ ، وَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَالْبُخَارِيُّ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ . وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أَكْثَرَ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ وَوَكِيعٍ وَغَيْرِهِمْ رَوَوْهُ هَكَذَا عَنْ سُفْيَانَ مُرْسَلًا غَيْرَ مَوْصُولٍ ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ عَلَى مَنْ وَصَلَهُ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ كَمُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَوَصَلَ سَنَدَهُ . وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ هَذَا الْأَزْدِيُّ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : صَالِحٌ ، وَلَيْسَ بِذَاكَ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : رُبَّمَا أَخْطَأَ . وَفِي بَعْضِ نُسَخِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ هَاهُنَا هَذِهِ الْعِبَارَةُ ؛ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَاتَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا أَسْمَاءَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ قال : أَخْبَرَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ ، فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ( فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا ( أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ ) وَفِي مُسْلِمٍ : ( أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ) لَعَلَّ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ؛ أَيْ : فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ . ( أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الشَّرْعِ ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا شَرْحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ ، يَسْمَعُ صَوْتًا أَوْ يَجِدُ رِيحًا . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ اسْتِيقَانًا يَقْدِرُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ . وَقَالَ : إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ الرِّيحُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ ، انْتَهَى .
بَابُ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي خَلَفٍ قَالَا : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ : شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : لَا يَنْفَتِلْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا بَابُ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ عَلَى وَزْنِ سَبَبٍ ، وَهُوَ حَالَةٌ مُنَاقِضَةٌ لِلطَّهَارَةِ شَرْعًا ، وَالْجَمْعُ الْأَحْدَاثُ مِثْلُ : سَبَبٍ وَأَسْبَابٍ . ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ ) قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ : وَعَنْ عَبَّادٍ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ . ثُمَّ إِنَّ شَيْخَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِيهِ احْتِمَالَانِ ؛ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَمَّ عَبَّادٍ كَأَنَّهُ قَالَ كِلَاهُمَا عَنْ عَمِّهِ أَيْ عَمِّ الثَّانِي وَهُوَ عَبَّادٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا وَيَكُونَ مِنْ مَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ . وَعَلَى الْأَوَّلِ جَرَى صَاحِبُ الْأَطْرَافِ ، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِي رِوَايَةُ مَعْمَرٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنَّهُ مُنْكَرٌ . ( شُكِيَ ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، هَكَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : شُكِيَ ؛ بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِ الْكَافِ ، وَالرَّجُلُ مَرْفُوعٌ ، وَلَا يُتَوَهَّمٌ أَنَّهُ شَكَي مَفْتُوحَةَ الشِّينِ وَالْكَافِ وَيُجْعَلُ الشَّاكِي هُوَ عَمُّهُ الْمَذْكُورُ فَإِنَّ هَذَا الْوَهْمَ غَلَطٌ ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ شَكَا بِالْأَلِفِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّاوِي هُوَ الشَّاكِي ، وَهَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ سُفْيَانَ وَلَفْظُهُ عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ . وَمَعْنَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ فَإِنَّ هَذَا الْوَهْمَ غَلَطٌ أَيْ ضَبْطُ لَفْظِ شُكِيَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالْأَلِفِ قِيَاسًا عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَهْمٌ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ أَنَّهُ شَكَا وَلَيْسَ هَذِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ . ( الرَّجُلُ ) مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَعَلَى رِوَايَةِ شَكَا بِالْأَلِفِ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ . ( يَجِدُ الشَّيْءَ ) ؛ أَيِ الْحَدَثَ خَارِجًا مِنْ دُبُرِهِ ، وَفِيهِ الْعُدُولُ عَنْ ذِكْرِ الشَّيْءِ الْمُسْتَقْذَرِ بِخَاصِّ اسْمِهِ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ . ( حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ؛ أَيْ يُشَبَّهُ لَهُ أَنَّهُ خَرَجَ شَيْءٌ مِنَ الرِّيحِ أَوِ الصَّوْتِ . ( لَا يَنْفَتِلُ ) بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّ لَا نَافِيَةٌ والِانْفِتَالُ الِانْصِرَافُ . ( صَوْتًا ) مِنْ دُبُرِهِ ( أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) مِنْهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ يَعْلَمُ وُجُودَ أَحَدِهِمَا وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ وَالشَّمُّ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَقَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ ، وَهِيَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ يُحْكَمُ بِبَقَائِهَا عَلَى أُصُولِهَا حَتَّى يُتَيَقَّنَ خِلَافُ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ الشَّكُّ الطَّارِئُ عَلَيْهَا ، فَمِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْبَابِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ ؛ وَهِيَ أَنَّ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ حُكِمَ بِبَقَائِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حُصُولِ هَذَا الشَّكِّ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ وَحُصُولِهِ خَارِجَ الصَّلَاةِ ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، انْتَهَى . فَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ عَمِلَ بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ ، أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ عَمِلَ بِيَقِينِ الْحَدَثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ حدثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ، قال : ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ قَتَادَةَ بْنَ دِعَامَةَ ، قال : ثنا أَنَسُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَوَضَّأَ وَتَرَكَ عَلَى قَدَمِهِ مِثْلَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ وَحْدَهُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزَرِيِّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ قَالَ : ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ . بَابُ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ أَيِ : التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ بِأَنْ غَسَلَ أَكْثَرَ الْأَعْضَاءِ أَوْ بَعْضَهَا وَتَرَكَ بَعْضَهَا عَمْدًا أَوْ جَاهِلًا وَيَبِسَتِ الْأَعْضَاءُ ثُمَّ غَسَلَهَا أَوْ بَلَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ، فَمَا الْحُكْمُ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ؟ أَيُعِيدُ الْوُضُوءَ أَوْ يَبُلُّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ؟ ( الظُّفُرِ ) فِيهِ لُغَاتٌ ، أَجْوَدُهَا ظُفُرٌ ؛ بِضَمِّ الظَّاءِ وَالْفَاءِ ، وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ ، وَيَجُوزُ إِسْكَانُ الْفَاءِ . وَيُقَالُ : ظِفْرٌ ؛ بِكَسْرِ الظَّاءِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ . وَظِفِرٌ بِكَسْرِهِمَا ، وَقُرِئَ بِهَما فِي الشَّوَاذِّ ، وَجَمْعُهُ أَظْفَارٌ ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَظَافِيرُ ، وَيُقَالُ فِي الْوَاحِدِ أَيْضًا : أُظْفُورٌ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ أَمَرَ فِيهِ بِالْإِحْسَانِ لَا بِالْإِعَادَةِ ، وَالْإِحْسَانُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ إِسْبَاغِ غَسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ الْمُوَالَاةُ فِي الْوُضُوءِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَقَالَ : الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْسِنْ وُضُوءَكَ ، وَلَمْ يَقُلْ : اغْسِلِ الْمَوْضِعَ الَّذِي تَرَكْتَهُ . انْتَهَى ، وَيَجِيءُ بَعْضُ بَيَانِ ذَلِكَ تَحْتَ الْحَدِيثِ الْآتِي . وَالْحَدِيثُ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ ؛ مِنْهَا أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ أَعْضَاءِ طَهَارَتِهِ جَاهِلًا لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ ، وَمِنْهَا تَعْلِيمُ الْجَاهِلِ وَالرِّفْقُ بِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الرِّجْلَيْنِ الْغَسْلُ دُونَ الْمَسْحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ( عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ ) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ . وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ وَجَرِيرًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَفَرِّدٌ عَنْ شَيْخِهِ ، فَلَمْ يَرْوِ عَنْ قَتَادَةَ إِلَّا جَرِيرٌ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْ جَرِيرٍ إِلَّا ابْنُ وَهْبٍ . ( ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ظَاهِرُ مَعْنَاهُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ فِي تَمَامٍ ، وَلَوْ كَانَ تَفْرِيقُهُ جَائِزًا لَأَشْبَهَ أَنْ يَقْتَصِرَ فِيهِ عَلَى الْأَمْرِ بِغَسْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، أَوْ كَانَ يَأْمُرُهُ بِإِسَالَةِ الْمَاءِ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ ، وَأَنْ لَا يَأْمُرَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ فِيهِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ : حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ قَالَ : نَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ : نَا مَعْقِلٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ ، فَأَبْصَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ . فَرَجَعَ ، ثُمَّ صَلَّى . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِثْلَهُ ، وَزَادَ : ثُمَّ تَوَضَّأَ . وَعَقَدَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ بَابًا ، وَقَالَ : بَابُ تَفْرِيقِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ . وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَمَا جَفَّ وُضُوءُهُ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : بَابُ تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ أَيْ جَوَازِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ غَسْلَ الْأَعْضَاءِ ، فَمَنْ غَسَلَهَا فَقَدْ أَتَى بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَرَّقَهَا أَوْ نَسَّقَهَا ، ثُمَّ أَيَّدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ . وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ . وَقَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ : مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ ، وَمَنْ نَسِيَ فَلَا . وَعَنْ مَالِكٍ : إِنْ قَرُبَ التَّفْرِيقُ بَنَى ، وَإِنْ أَطَالَ أَعَادَ . وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُعِيدُ إِلَّا إِنْ جَفَّ . وَأَجَازَهُ النَّخَعِيُّ مُطْلَقًا فِي الْغُسْلِ دُونَ الْوُضُوءِ ، ذَكَرَ جَمِيعَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ : لَيْسَ مَعَ مَنْ جَعَلَ الْجَفَافَ حَدًّا لِذَلِكَ حُجَّةٌ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : الْجَفَافُ لَيْسَ بِحَدَثٍ فَيَنْقُضُ ، كَمَا لَوْ جَفَّ جَمِيعُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمْ تَبْطُلِ الطَّهَارَةُ . وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ رُوِّينَاهُ فِي الْأُمِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي السُّوقِ دُونَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى ، وَالْإِسْنَادُ صَحِيحٌ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يَجْزِمْ بِهِ لِكَوْنِهِ ذُكِرَ بِالْمَعْنَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَعَلَّهُ قَدْ جَفَّ وُضُوءُهُ ؛ لِأَنَّ الْجَفَافَ قَدْ يَحْصُلُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَيْنَ السُّوقِ وَالْمَسْجِدِ . انْتَهَى ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : وَأُحِبُّ أَنْ يُتَابِعَ الْوُضُوءَ وَلَا يُفَرِّقَهُ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِهِ مُتَتَابِعًا . ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِنْ قَطَعَ الْوُضُوءَ فَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَأْنِفَ وُضُوءًا . وَلَا يَتَبَيَّنُ لِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ وُضُوءٍ ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا وَأَبُو بَكْرٍ وَأَبُو سَعِيدٍ قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالسُّوقِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ دُعِيَ لِجِنَازَةٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا . وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي مَعْنَى هَذَا : ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، قال : ثنا بَقِيَّةُ ، عَنْ بُجَيْرٍ ، هُوَ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ( ثنَا بَقِيَّةُ ) بْنُ الْوَلِيدِ الْحِمْصِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ . قَالَ النَّسَائِيُّ : إِذَا قَالَ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا فَهُوَ ثِقَةٌ . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : إِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ فَهُوَ ثَبْتٌ ، وَإِذَا رَوَى عَنْ غَيْرِهِمْ خَلَطَ . قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : إِذَا حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ فَلَا بَأْسَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ : بَقِيَّةُ لَيْسَتْ أَحَادِيثُهُ نَقِيَّةً ، فَكُنْ مِنْهَا عَلَى تَقِيَّةٍ . كَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَالْخُلَاصَةِ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : هُوَ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ، ثِقَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ . انْتَهَى ، ( عَنْ بَحِيرٍ ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ ( عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : هُوَ مُرْسَلٌ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَفِيهِ بَحْثٌ . وَقَدْ قَالَ الْأَثْرَمُ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : هَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَقُلْتُ لَهُ : إِذَا قَالَ رَجُلٌ مِنَ التَّابِعِينَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . ( لُمْعَةٌ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : بِالضَّمِّ قِطْعَةٌ مِنَ النَّبْتِ أَخَذَتْ فِي الْيُبْسِ . وَالْمَوْضِعُ لَا يُصِيبُهُ الْمَاءُ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ ، ( لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِلُّمْعَةِ ( أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ الظُّفُرِ عَلَى قَدَمِهِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ . قَالَ : فَرَجَعَ . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِهِ : فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَفِيهِ مَقَالٌ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَكَذَا عَلَّلَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمُنْذِرِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِرِوَايَةِ بَقِيَّةَ ، وَزَادَ ابْنُ حَزْمٍ تَعْلِيلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ رَاوِيهِ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ : أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّ بَقِيَّةَ ثِقَةٌ فِي نَفْسِهِ صَدُوقٌ حَافِظٌ ، وَإِنَّمَا نُقِمْ عَلَيْهِ التَّدْلِيسُّ مَعَ كَثْرَةِ رِوَايَتِهِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَجْهُولِينَ ، وَأَمَّا إِذَا صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِسَمَاعِهِ لَهُ . قَالَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ : نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ ، نَا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنِي بَحِيرُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ : وَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ . وَالْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ فَبَاطِلَةٌ أَيْضًا عَلَى أَصْلِ ابْنِ حَزْمٍ وَأَصْلِ سَائِرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَأَنَّ عِنْدَهُمْ جَهَالَةُ الصَّحَابِيِّ لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ لِثُبُوتِ عَدَالَةِ جَمِيعِهِمُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَأَعَلَّهُ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ فِيهِ بَقِيَّةَ ، وَقَالَ : عنْ بَحِيرٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ ، لَكِنْ فِي الْمُسْنَدِ وَالْمُسْتَدْرَكِ تَصْرِيحُ بَقِيَّةَ بِالتَّحْدِيثِ ، وَأَجْمَلَ النَّوَوِيُّ الْقَوْلَ فِي هَذَا فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ . وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ لِهَذِهِ الطُّرُقِ ، انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِعَادَةِ لِلْوُضُوءِ بِتَرْكِ اللُّمْعَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلُزُومِ الْمُوَالَاةِ وَهُوَ مذهب مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ لَهُ ، وَقَدْ عَرَفْتَ آنِفًا تَفْصِيلَ بَعْضِ هَذَا الْمَذْهَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا حَمَّادٌ قال : أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَحُمَيْدٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى قَتَادَةَ . ( عَنِ الْحَسَنِ ) بْنِ يَسَارٍ الْبَصْرِيِّ - إِمَامٌ جَلِيلٌ - مُرْسَلًا ( بِمَعْنَى ) حَدِيثِ ( قَتَادَةَ ) عَنْ أَنَسٍ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، قال : حَدَّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنِّي رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ . قَالَ : عَمْدًا صَنَعْتُهُ ( يَوْمَ الْفَتْحِ ) ؛ أَيْ فَتْحِ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ . ( خَمْسَ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ) قَالَ الْإِمَامُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ جَوَازُ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ وَالنَّوَافِلِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ ، وَهَذَا جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ . وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ ، وَمَا أَظُنُّ هَذَا الْمَذْهَبَ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا اسْتِحْبَابَ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ هَذَا ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ . وَحَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ نُعْمَانَ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَكَلَ سَوِيقًا ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . وَفِي مَعْنَاهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ كَحَدِيثِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَاتِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فَالْمُرَادُ بِهَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ : إِذَا قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ . وَقِيلَ : إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ . ( لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ ) قَبْلَ هَذَا ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَمْدًا صَنَعْتُهُ ) ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ سُلْطَانٍ فِي مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيحِ : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْمَذْكُورِ ، وَهُوَ جَمْعُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَوَاتٍ كَثِيرَةً بِوُضُوءٍ وَاحِدً لَا يُكْرَهُ صَلَاتُهُ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْأَخْبَثَانِ . كَذَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ ، لَكِنْ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى مَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إِلَى الْجَمْعِ فَقَطْ أَيْ جَمْعِ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ . انْتَهَى كَلَامُهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ ، فَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَمَلًا بِالْأَفْضَلِ ، وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ . انْتَهَى ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، قال : ثنا شَرِيكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيِّ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : هُوَ أَبُو أَسَدِ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، عَنْ الْوُضُوءِ فَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَكُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ بَابُ الرَّجُلِ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُجَدِّدِ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَا لَمْ يُحْدِثْ ( يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ) وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسًا : أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ : يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَتَهُ ، لَكِنَّ حَدِيثَ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمَرْوِيَّ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ - وَسَيَجِيءُ بتَمَامُهُ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْغَالِبُ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ خَاصَّةً ثُمَّ نُسِخَ يَوْمَ الْفَتْحِ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْآتِي ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ اسْتِحْبَابًا ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ وُجُوبُهُ فَتَرَكَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَالنَّسْخُ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِزَمَانٍ . ( وَكُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ ) ، وَلِابْنِ مَاجَهْ : كُنَّا نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى ، قال : ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ ، عَنْ حَيْوَةَ ، ابْنُ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِي عَقِيلٍ ، عَنْ ابْنِ عَمِّهِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الرِّعَايَةِ ، قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ : فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نظرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ . وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ . ( نَحْوَهُ ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ وَأَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ ( وَلَمْ يَذْكُرْ أَمْرَ الرِّعَايَةِ ) ؛ أَيْ : لَمْ يَذْكُرْ أَبُو عَقِيلٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ قِصَّةَ رِعَايَتِهِمْ لِلْإِبِلِ ( قَالَ ) أَبُو عَقِيلٍ فِي حَدِيثِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَيْ ( ثُمَّ رَفَعَ ) الْمُتَوَضِّي ( فَقَالَ ) الْمُتَوَضّي : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، إِلَى آخِرِهِ . ( وَسَاقَ ) أَبُو عَقِيلٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ ( الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ) بْنِ صَالِحٍ . وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ أَبَا عَقِيلٍ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ قِصَّةَ رِعَايَةِ الْإِبِلِ ، وَقَالَ فِيهِ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ فَالْعِلْمُ عِنْدَ الشَّارِعِ .
بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ ، قال : ثنا ابْنُ وَهْبٍ قال : سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ ، يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُدَّامَ أَنْفُسِنَا نَتَنَاوَبُ الرِّعَايَةَ رِعَايَةَ إِبِلِنَا ، فَكَانَتْ عَلَيَّ رِعَايَةُ الْإِبِلِ فَرَوَّحْتُهَا بِالْعَشِيِّ ، فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُومُ فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلَّا فقَدْ أَوْجَبَ فَقُلْتُ : بَخٍ بَخٍ مَا أَجْوَدَ هَذِهِ فَقَالَ رَجُلٌ بَيْنِ يَدَيَّ الَّتِي قَبْلَهَا : يَا عُقْبَةُ أَجْوَدُ مِنْهَا . فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قُلْتُ : مَا هِيَ يَا أَبَا حَفْصٍ ؟ قَالَ : إِنَّهُ قَالَ آنِفًا قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضُوئِهِ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأشهد أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ . قَالَ مُعَاوِيَةُ : وَحَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . بَابُ مَا يَقُولُ الرَّجُلُ إِذَا تَوَضَّأَ أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ ، وَأَمَّا الْأَذْكَارُ الَّتِي تُقَالُ عِنْدَ غَسْلِ كُلِّ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَلَى حِدَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا مِنْهُ وَلَا عَلَّمَهُ أُمَّتَهُ وَلَا ثَبَتَ عَنْهُ غَيْرُ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِهِ وَغَيْرُ قَوْلِهِ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ ؛ فِي آخِرِهِ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي النَّسَائِيِّ مِمَّا يُقَالُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَيْضًا : سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ . وَلَمْ يَكُنْ يَقُولُ فِي أَوَّلِهِ نَوَيْتُ رَفْعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَلْبَتَّةَ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ ؛ كَذَا فِي زَادِ الْمَعَادِ . ( خُدَّامَ أَنْفُسِنَا ) خُدَّامٌ جَمْعُ خَادِمٍ ؛ أَيْ : كَانَ كُلٌّ مِنَّا خَادِمًا لِنَفْسِهِ ، فَيَخْدُمُ كُلُّ وَاحِدٍ نَفْسَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا خَادِمٌ غَيْرَ أَنْفُسِنَا يَخْدُمُنَا ( نَتَنَاوَبُ الرِّعَايَةَ ) : التَّنَاوُبُ أَنْ تَفْعَلَ الشَّيْءَ مَرَّةً وَيَفْعَلُ الْآخَرُ مَرَّةً أُخْرَى ، وَالرِّعَايَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الرَّعْيُ ( رِعَايَةَ إِبِلِنَا ) : هَذِهِ اللَّفْظَةُ بَدَلٌ مِنَ الرِّعَايَةِ ، وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ رَعْيَ إِبِلِهِمْ فَتَجْتَمِعُ الْجَمَاعَةُ وَيَضُمُّونَ إِبِلَهُمْ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ فَيَرْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِمْ وَيَنْصَرِفَ الْبَاقُونَ فِي مَصَالِحِهِمْ ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( فَكَانَتْ عَلَيَّ رِعَايَةُ الْإِبِلِ ) فِي يَوْمِي وَنَوْبَتِي ( فَرَوَّحْتُهَا ) : مِنَ التَّرْوِيحِ ( بِعَشِيِّ ) : عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الرَّوَاحُ الْعَشِيُّ ، أَوْ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى اللَّيْلِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَرَاحَ إِبِلَهُ أَيْ رَدَّهَا إِلَى الْمُرَاحِ ، وَكَذَلِكَ التَّرْوِيحُ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ . وَالْعَشِيُّ وَالْعَشِيَّةُ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ ، وَالْعِشَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مِثْلُ الْعَشِيِّ . وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْعِشَاءَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، انْتَهَى مَا فِي الصِّحَاحِ . أَيْ رَدَدْتُ الْإِبِلَ إِلَى مُرَاحِهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ وَتَفَرَّغْتُ مِنْ أَمْرِهَا ثُمَّ جِئْتُ إِلَى مَجْلِسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ) : مِنَ الْإِحْسَانِ ؛ أَيْ يُتِمُّهُ بِآدَابِهِ . ( يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ ) : مِنَ الْإِقْبَالِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِدْبَارِ أَيْ يَتَوَجَّهُ . وَأَرَادَ بِوَجْهِهِ ذَاتَهُ ؛ أَيْ : يُقْبِلُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَدْ جَمَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ أَنْوَاعَ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ ، لِأَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْأَعْضَاءِ وَالْخُشُوعَ بِالْقَلْبِ . ( إِلَّا فَقَدْ أَوْجَبَ ) عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ . ( قُلْتُ : بَخٍ بَخٍ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : ( بَخٍ ) كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ الْمَدْحِ وَالرِّضَا بِالشَّيْءِ ، وَتُكَرَّرُ لِلْمُبَالَغَةِ فَيُقَالُ : بَخٍ بَخٍ ، فَإِنْ وُصِلَتْ خُفِّفَتْ وَنُوِّنَتْ فَقُلْتُ : بَخٍ بَخٍ ، وَرُبَّمَا شُدِّدَتْ . ( مَا أَجْوَدَ هَذِهِ ) : يَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَةَ أَوِ الْبِشَارَةَ أَو الْفَائِدَةَ . وَجَوْدَتُهَا مِنْ جِهَاتٍ مِنْهَا سَهْلَةٌ مُتَيَسِّرَةٌ يَقْدِرُ عَلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ بِلَا مَشَقَّةٍ ، وَمِنْهَا أَنَّ أَجْرَهَا عَظِيمٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( الَّتِي قَبْلَهَا يَا عُقْبَةُ أَجْوَدُ مِنْهَا ) ؛ أَيِ : الْكَلِمَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعْتَ أَجْوَدُ مِنْ هَذِهِ . ( فَنَظَرْتُ ) إِلَى هَذَا الْقَائِلِ مَنْ هُوَ ؟ ( مَا هِيَ ) الْكَلِمَةُ ( يَا أَبَا حَفْصٍ ) عُمَرُ ، ( قَالَ ) عُمَرُ ( إِنَّهُ ) الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( آنِفًا ) ؛ أَيْ قَرِيبًا . قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِالْمَدِّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَبِالْقَصْرِ عَلَى لُغَةٍ صَحِيحَةٍ قُرِئَ بِهَا فِي السَّبْعِ . ( مِنْ أَيِّهَا ) ؛ أَيْ : مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ( شَاءَ ) دُخُولَهَا . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ : هَكَذَا قَالَ فُتِحَ لَهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ . وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا : فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ ، لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ مِنْ ، فَعَلَى هَذَا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةٌ . قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ فِي أَحْوَالِ أُمُورِ الْآخِرَةِ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ . وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، وَجَاءَ تَعْيِينُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ لِبَعْضِ الْعُمَّالِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ زَوْجَيْنِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، هَذَا خَيْرٌ . فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصِّيَامِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ، هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ أَرْبَعَةً ، وَزَادَ غَيْرُهُ بَقِيَّةَ الثَّمَانِيَةِ ، فَذَكَرَ مِنْهَا بَابَ التَّوْبَةِ ، وَبَابَ الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ، وَبَابَ الرَّاضِينَ ، وَالْبَابَ الْأَيْمَنَ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فَذَكَرَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ فَعَدَّ أَبْوَابًا غَيْرَ مَا ذُكِرَ . قَالَ : فَعَلَى هَذَا أَبْوَابُ الْجَنَّةِ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا . وَقَدْ أَطَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ ، وَيَجِيءُ بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ . ( قَالَ مُعَاوِيَةُ ) وَهَذَا مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ : فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ . وَفِي إِسْنَادِ هَذَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَايِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي عُثْمَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُخْتَصَرًا ، وَفِيهِ : دَعَا وَقَالَ . وَهَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ . قَالَ مُحَمَّدٌ : أَبُو إِدْرِيسَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ شَيْئًا .
بَابٌ فِي الِانْتِضَاحِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قال : أنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ الثَّقَفِيِّ أَوْ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَالَ يَتَوَضَّأُ وَيَنْتَضِحُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَافَقَ سُفْيَانَ جَمَاعَةٌ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ بَعْضُهُمْ : الْحَكَمُ أَوْ ابْنُ الْحَكَمِ . بَابٌ فِي الِانْتِضَاحِ النَّضْحُ الرَّشُّ ؛ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ . ( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ الثَّقَفِيِّ أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ) هُوَ تَرَدُّدٌ بَيْنَ اسْمَيْنِ وَالْمُسَمَّى وَاحِدٌ ، ( وَيَنْتَضِحُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : الِانْتِضَاحُ هَاهُنَا الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ ، وَكَانَ مِنْ عَادَةِ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِالْحِجَارَةِ لَا يَمَسُّونَ الْمَاءَ ، وَقَدْ يُتَأَوَّلُ الِانْتِضَاحُ أَيْضًا عَلَى رَشِّ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ . انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا . قُلْتُ : وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ ، وَبِهِ فَسَّرَ الْجَوْهَرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ الِانْتِضَاحُ رَشُّ الْمَاءِ عَلَى الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرُشَّ عَلَى فَرْجِهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مَاءً لِيُذْهِبَ عَنْهُ الْوَسْوَاسَ الَّذِي يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ ذَكَرِهِ بَلَلٌ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ بَلَلًا دَفَعَ ذَلِكَ الْوَسْوَاسَ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِالِانْتِضَاحِ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ لِأَنَّ الْغَالِبَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَسْتَنْجُونَ بِالْحِجَارَةِ . ( وَافَقَ سُفْيَانَ ) مَفْعُولٌ لِوَافَقَ ( جَمَاعَةٌ ) فَاعِلٌ لِوَافَقَ ( عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ ) ؛ أَيْ لَفْظُ سُفْيَانَ بْنِ الْحَكَمِ الثَّقَفِيِّ أَوِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ كَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَشَيْبَانَ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ . ( قَالَ بَعْضُهُمُ : الْحَكَمُ أَوِ ابْنُ الْحَكَمِ ) وَالصَّحِيحُ الْحَكَمُ بْنُ سُفْيَانَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الثَّقَفِيِّ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ النَّمَرِيُّ : لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : وَاضْطَرَبُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ . وقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ . وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي يَقُولُ : الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَالْهَاشِمِيُّ هَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قال : ثنا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ ( بَالَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ ) ؛ أَيْ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ كَمَا فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ ، وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اخْتِصَارٌ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ الْمُهَاجِرِ ، ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو ، ثنا زَائِدَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ الْحَكَمِ أَوْ ابْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ ( بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ ) وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : قَالَ مَنْصُورٌ : حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهِ فَرْجَهُ . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ حَفْنَةً مِنْ مَاءٍ فَقَالَ بِهَا هَكَذَا ، وَوَصَفَ شُعْبَةُ : نَضَحَ بِهِ فَرْجَهُ ، فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ فَأَعْجَبَهُ . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ أَيْضًا : أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ ، ثَنَا الْأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ ، ثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ . ( حَ ) ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَرْبٍ ، ثَنَا قَاسِمٌ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، ثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّضْحَ إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْوُضُوءِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قال : ثنا حَفْصٌ يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ ، قال : ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ : نا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ : مَا كُنْتُ أَرَى بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ إِلَّا أَحَقَّ بِالْغَسْلِ حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ . وَرَوَاهُ وَكِيعٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ قَالَ : كُنْتُ أَرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ ظَاهِرِهِمَا . قَالَ وَكِيعٌ : يَعْنِي الْخُفَّيْنِ . وَرَوَاهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ الْأَعْمَشِ كَمَا رَوَاهُ وَكِيعٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو السَّوْدَاءِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ ظَاهِرَ قَدَمَيْهِ وَقَالَ : لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . ( بِالرَّأْيِ ) ؛ أَيْ بِالْقِيَاسِ وَمُلَاحَظَةِ الْمَعَانِي ( لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ ) ؛ أَيْ : مَا تَحْتَ الْقَدَمَيْنِ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنَ الذِي هُوَ أَعْلَاهُمَا ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَ الْخُفِّ هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الْمَشْيَ وَيَقَعُ عَلَى مَا تَبتغِي إِزَالَتُهُ بِخِلَافِ أَعْلَاهُ وَهُوَ مَا عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ ( يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ ) فَلَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُعْبَأُ بِالْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لَكِنْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ وَرَّادٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ . وَحَدِيثُ عَلِيٍّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ : حَدِيثُ عَلِيٍّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَقَالَ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . ( بِإِسْنَادِهِ ) ؛ أَيْ : عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) الْآتِي وَهُوَ هَذَا ( قَالَ ) عَلِيٌّ ( مَا كُنْتُ أُرَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ أَظُنُّهُ . وَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ أَعْلَمُهُ ( عَلَى ظَهْرِ خُفَّيْهِ ) فَعَلِمْتُ أَنَّ ظَهْرَ الْخُفَّيْنِ مُسْتَحِقٌّ لِلْمَسْحِ لَا بَاطِنُهُمَا . ( بِإِسْنَادِهِ ) الْمَذْكُورِ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( قَالَ وَكِيعٌ : يَعْنِي الْخُفَّيْنِ ) ؛ أَيْ قَالَ وَكِيعٌ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدَمَيْنِ الْخُفَّانِ ( وَسَاقَ الْحَدِيثَ ) . وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْحَدِيثَ هَكَذَا مُعَلَّقًا فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ ، وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ فَمَوْصُولٌ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ : حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ خَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ الْحَدِيثَ . قَالَ الشَّيْخُ الْأَجَلُّ وَلِيُّ اللَّهِ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فِي الْمُسَوَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ فَرْضٌ ، وَمَسْحُ أَسْفَلِهِ سُنَّةٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْسَحُ إِلَّا الْأَعْلَى . وَقَالَ فِي الْمُصَفَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُرَجِّحُ قَوْلَ عُرْوَةَ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدِي . انْتَهَى ، وَقَالَ الشَّيْخُ سَلَامُ اللَّهِ فِي الْمُحَلَّى شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ . وَصُورَةُ الْمَسْحِ أَنْ يَضَعَ أَصَابِعَ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ وَأَصَابِعَ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ وَيَمُدَّهُمَا إِلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ ، وَيُفَرِّجَ أَصَابِعَهُ . وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ خُفَّيْهِ بِرِجْلَيْهِ ، فَقَالَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ دَفَعَهُ : إِنَّمَا أُمِرْتَ بِالْمَسْحِ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ هَكَذَا : مِنْ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إِلَى أَصْلِ السَّاقِ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ بَقِيَّةُ . انْتَهَى . وَيَجِيءُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْآتِي مَذَاهِبُ بَاقِي الْعُلَمَاءِ ، وَهُنَاكَ تَعْرِفُ وَجْهَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ وَمَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْنَى قَالَا : ثنا الْوَلِيدُ ، قَالَ مَحْمُودٌ : قال : أَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : وَضَّأْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَمَسَحَ عْلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلَهُمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ . ( ثَنَا الْوَلِيدُ ) بْنُ مُسْلِمٍ أَبُو الْعَبَّاسِ الدِّمَشْقِيُّ عَالِمُ الشَّامِ ، قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مَشْهُورٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ فِي نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا عَابُوا عَلَيْهِ كَثْرَةَ التَّدْلِيسِ وَالتَّسْوِيَةِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَانَ الْوَلِيدُ يَرْوِي عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَحَادِيثَ عِنْدَهُ عَنْ شُيُوخٍ ضُعَفَاءَ عَنْ شُيُوخٍ ثِقَاتٍ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ ، فَيُسْقِطُ الْوَلِيدُ الضُّعَفَاءَ وَيَجْعَلُهَا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الثِّقَاتِ ، انْتَهَى ( عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ ) وَاسْمُ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ وَرَّادٌ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ . وَأَمَّا قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَضَعَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ بِأَنْ لَمْ يُسَمِّ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، انتهى . وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ : إِنَّ كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ لَمْ يُسَمَ فِيهِ فَهُوَ مَجْهُولٌ فَيَنْدَفِعُ بِمَا بَيَّنَاهُ مِنَ التَّصْرِيحِ . ( فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَسْفَلِهِمَا ) دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْمَسْحِ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلُهُ ، وَالحَدِيثُ عَلِيٍّ وَحَدِيثُ الْأَوَّلُ لِمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ الْمَشْرُوعَ هُوَ مَسْحُ ظَاهِرِ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُمَا وَالزُّهْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ ظُهُورَهُمَا وَبُطُونَهُمَا . قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : إِنْ مَسَحَ ظُهُورَهُمَا دُونَ بُطُونِهِمَا أَجْزَأَهُ . قَالَ مَالِكٌ : مَنْ مَسَحَ بَاطِنَ الْخُفَّيْنِ دُونَ ظَاهِرِهِمَا لَمْ يُجْزِهِ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ . وَرُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ . وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ إِنْ مَسَحَ ظُهُورَهُمَا وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَجْزَأَهُ ، وَمَنْ مَسَحَ بَاطِنَهُمَا دُونَ ظَاهِرِهِمَا لَمْ يُجْزِهِ وَلَيْسَ بِمَاسِحٍ . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ : إِنْ مَسَحَ بُطُونَهُمَا وَلَمْ يَمْسَحْ ظُهُورَهُمَا أَجْزَأَهُ . وَالْوَاجِبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَسْحُ قَدْرِ ثَلَاثِ أَصَابِعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَكْثَرَ الْخُفِّ ، وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُسَمَّى مَسْحًا . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي لِلْمُغِيرَةِ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ فَلَيْسَ بَيْنَ حَدِيثهِمَا تَعَارُضٌ ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ تَارَةً عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَظَاهِرِهِ ، وَتَارَةً اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ أَحَدِ الصِّفَتَيْنِ فَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ جَائِزًا وَسُنَّةً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ . قُلْتُ : الْحَدِيثُ الثَّانِي لِلْمُغِيرَةِ قَدْ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ : الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُمْ كَمَا يَجِيءُ بَيَانُهُ عَنْ قَرِيبٍ . فَلَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ عَلِيٍّ الصَّحِيحِ ، فَمَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي دَفْعِ التَّعَارُضِ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَضَعَّفَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ هَذَا . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ ، وَقَالَ : وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا : لَيْسَ بِصَحِيحٍ . انْتَهَى . ( لَمْ يَسْمَعْ ثَوْرٌ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَجَاءٍ ) وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ذَكَرُوا فِيهِ أَرْبَعَ عِلَلٍ ؛ الْعِلَّةُ الْأُولَى : أَنَّ ثَوْرَ بْنَ يَزِيدَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ ، بَلْ قَالَ : حُدِّثْتُ . وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا : لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، لِأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ رَوَى هَذَا عَنْ ثَوْرٍ عَنْ رَجَاءٍ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ مُرْسَلٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّالِثَةُ : تَدْلِيسُ وَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ . الرَّابِعَةُ : جَهَالَةُ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ . قُلْتُ : عِلَّةُ جَهَالَةِ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ مَدْفُوعَةٌ لِمَجِيءِ التَّصْرِيحِ فِي اسْمِ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ كَمَا عَرَفْتَ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَأَيْضًا فَالْمَعْرُوفُ بِكَاتِبِ الْمُغِيرَةِ هُوَ مَوْلَاهُ وَرَّادٌ وَقَدْ خرّجَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ اسْمِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِشُهْرَتِهِ وَعَدَمِ الْتِبَاسِهِ بِغَيْرِهِ ، وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَدِيثِ وَرُوَاتِهِ لَا يَتَمَارَى فِي أَنَّهُ وَرَّادٌ كَاتِبُهُ . وَبَعْدُ ، فَهَذَا حَدِيثٌ قَدْ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ : الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالشَّافِعِيُّ . وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ الصَّوَابُ ، لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ كُلَّهَا مخَالِفُهُ . وَهَذِهِ الْعِلَلُ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا غَيْرَ مُؤَثِّرٍ ، فَمِنْهَا مَا هُوَ مُؤَثِّرٌ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ تَفَرَّدَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ بِإِسْنَادِهِ وَوَصْلِهِ ، وَخَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ وَأَجَلُّ وَهُوَ الْإِمَامُ الثَّبْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فَرَوَاهُ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ رَجَاءٍ قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِذَا اخْتَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فَالْقَوْلُ مَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ : أَخْطَأَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَنَّ رَجَاءً لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ وَإِنَّمَا قَالَ : حُدِّثْتُ عَنْهُ . وَالثَّانِي أَنَّ ثَوْرًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ رَجَاءٍ ، وَخَطَأٌ ثَالِثٌ أَنَّ الصَّوَابَ إِرْسَالُهُ ، فَمَيَّزَ الْحُفَّاظُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْحَدِيثِ وَبَيَّنُوهُ ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ مُعَنْعَنًا مِنْ غَيْرِ تَبْيِينٍ .
بَابُ كَيْفَ الْمَسْحُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ ، قال : ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ ذَكَرَهُ أَبِي ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ غَيْرُ مُحَمَّدٍ مسح عَلَى ظَهْرِ الْخُفَّيْنِ بَابُ كَيْفَ المسح ؟ أَيْ : هَذَا بَابٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ . ( عَلَى الْخُفَّيْنِ ) : لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَنَّ الْمَسْحَ كَانَ أَعْلَى الْخُفِّ أَوْ أَسْفَلَهُ . ( وَقَالَ غَيْرُ مُحَمَّدِ ) ابْنِ الصَّبَّاحِ ، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا . وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
باب حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعَبَّادُ بْنُ مُوسَى قَالَا : نا هُشَيْمٌ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ عَبَّادٌ : قَالَ : أَخْبَرَنِي أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ، وَقَالَ عَبَّادٌ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى على كِظَامَةَ قَوْمٍ يَعْنِي الْمِيضَاةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ الْمِيضَاةَ وَالْكِظَامَةَ ، ثُمَّ اتَّفَقَا فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ بَابٌ كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، وَهَكَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ الْبَابِ . ( أَتَى عَلَى كِظَامَةِ قَوْمٍ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : هِيَ كَالْقَنَاةِ وَجَمْعُهَا كَظَائِمُ ، وَهِيَ آبَارٌ تُحْفَرُ فِي الْأَرْضِ مُتَنَاسِقَةٌ وَيُخْرَقُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيَجْتَمِعُ مِيَاهُهَا جَارِيَةً ثُمَّ يَخْرُجُ عِنْدَ مُنْتَهَاهَا فَيَسِيحُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ . وَقِيلَ : هِيَ السِّقَايَةُ . انْتَهَى ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ : هِيَ آبَارٌ تُحْفَرُ وَيُبَاعَدُ مَا بَيْنَهَا ثُمَّ يُحْفَرُ مَا بَيْنَ كُلِّ بِئرَيْنِ بِقَنَاةٍ يُؤَدِّي الْمَاءَ مِنَ الْأُولَى إِلَى مَا يَلِيهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ الْمَاءُ إِلَى آخِرِهِنَّ وَيَبْقَى فِي كُلِّ بِئرٍ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُهَا ؛ هَكَذَا شَرَحَهُ الْأَزْهَرِيُّ . وَقَدْ جَاءَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ أَنَّهَا الْمِيضَأةُ ، انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : الْكِظَامَةُ بِئْرٌ جَنْبِ بِئْرٍ بَيْنَهُمَا مَجْرًى فِي بَطْنِ الْأَرْضِ كَالْكَظِيمَةِ ، وَالْكَظِيمَةُ الْمَزَادَةُ ( يَعْنِي الْمِيضَأةَ ) وَهِيَ إِنَاءُ التَّوَضِّي . وَهَذَا التَّفْسِيرُ لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ مَا فَوْقَ مُسَدَّدٍ وَعَبَّادٍ ، وَإِنَّمَا فَسَّرَ كِظَامَةَ بِالْمِيضَأةِ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى السِّقَايَةِ وَالْمَزَادَةِ أَيْضًا ، فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَسَّرَهَا بِالْمِيضَأةِ . ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) ؛ أَيْ عَبَّادُ بْنُ مُوسَى وَمُسَدَّدٌ فِي بَقِيَّةِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ ، وَغَرَضُهُ أَنَّ مُسَدَّدًا وَعَبَّادَ بْنَ مُوسَى قَدِ اخْتَلَفَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ؛ الْأَوَّلُ : فِي لَفْظِ أَخْبَرَنِي أَوْسٌ ، فَقَالَ عَبَّادُ : أَخْبَرَنِي ؛ بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ مُسَدَّدٌ . وَالثَّانِي : فِي سِيَاقِ رِوَايَتِهِمَا لِلْحَدِيثِ ، فَقَالَ عَبَّادٌ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالثَّالِثُ : زِيَادَةُ لَفْظِ ( أَتَى عَلَى كِظَامَةِ قَوْمٍ يَعْنِي الْمِيضَأةَ ) فَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مُوسَى دُونَ مُسَدَّدٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ، وَلَفْظُ عَبَّادٍ : أَخْبَرَنِي أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَلَى كِظَامَةِ قَوْمٍ - يَعْنِي الْمِيضَأةَ - فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ . ( عَلَى نَعْلَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ) قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا بِالْمَسْحِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ مَسَحَ عَلَى سُيُورِ نَعْلَيْهِ وَظَاهِرُ الْجَوْرَبَيْنِ اللَّتَيْنِ فِيهِمَا قَدَمَاهُ ؛ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ رَسْلَانَ . وَتَحْقِيقُ الْمَسْحِ عَلَى النَّعْلَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ تَحْتَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ ، وَحَدِيثُ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ فِيهِ اضْطِرَابٌ سَنَدًا وَمَتْنًا . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلِأَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ أَحَادِيثُ مِنْهَا الْمَسْحُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُزَيْلِ ابْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَلَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو أُمَامَةَ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ . بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِفَتْحِ الْجِيمِ تَثْنِيَةُ الْجَوْرَبِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الرِّجْلِ . وَفِي الصِّحَاحِ : الْجَوْرَبُ مُعَرَّبٌ ، وَالْجَمْعُ الْجَوَارِبَةُ وَالْهَاءُ لِلْعُجْمَةِ ، وَيُقَالُ الْجَوَارِبُ أَيْضًا ، انْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجَوْرَبُ لِفَافَةُ الْجِلْدِ ، وَهُوَ خُفٌّ مَعْرُوفٌ مِنْ نَحْوِ السَّاقِ . قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ : الْجَوْرَبُ غِشَاءٌ لِلْقَدَمِ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفَاءِ وَهُوَ التَّسْخَانُ . وَمِثْلُهُ فِي قُوَّةِ الْمُغْتَذِي لِلسُّيُوطِيِّ . وَقَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى : الْخُفُّ نَعْلٌ مِنْ أَدَمٍ يُغَطِّي الْكَعْبَيْنِ ، وَالْجُرْمُوقُ أَكْبَرُ مِنْهُ يُلْبَسُ فَوْقَهُ ، وَالْجَوْرَبُ أَكْبَرُ مِنَ الْجُرْمُوقِ . وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ فِي اللُّمَعَاتِ : الْجَوْرَبُ خُفٌّ يُلْبَسُ عَلَى الْخُفِّ إِلَى الْكَعْبِ لِلْبَرْدِ وَلِصِيَانَةِ الْخُفِّ الْأَسْفَلِ مِنَ الدَّرَنِ وَالْغُسَالَةِ . وَقَالَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الْخِرَقِيِّ : الْجُرْمُوقُ خُفٌّ وَاسِعٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ . وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : الْمُوقُ خُفٌّ قَصِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ : الْجَوْرَبُ هُوَ الَّذِي يَلْبَسُهُ أَهْلُ الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ الشَّدِيدَةِ الْبَرْدِ ، وَهُوَ يُتَّخَذُ مِنْ غَزْلِ الصُّوفِ الْمَفْتُولِ يُلْبَسُ فِي الْقَدَمِ إِلَى مَا فَوْقَ الْكَعْبِ . انْتَهَى ، وَقَدْ ذَكَرَ نَجْمُ الدِّينِ الزَّاهِدِيُّ عَنْ إِمَامِ الْحَنَفِيَّةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيِّ أَنَّ الْجَوْرَبَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ : مِنَ الْمِرْعِزَّى ، وَمِنَ الْغَزْلِ ، وَالشَّعْرِ ، وَالْجِلْدِ الرَّقِيقِ ، وَالْكِرْبَاسِ . قَالَ : وَذَكَرَ التَّفَاصِيلَ فِي الْأَرْبَعَةِ مِنَ الثَّخِينِ وَالرَّقِيقِ وَالْمُنَعَّلِ وَغَيْرِ الْمُنَعَّلِ وَالْمُبَطَّنِ وَغَيْرِ الْمُبَطَّنِ ، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ ، انْتَهَى . فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْجَوْرَبَ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْخُفِّ إِلَّا أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ إِلَى نَحْوِ السَّاقِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : هُوَ خُفٌّ يُلْبَسُ عَلَى الْخُفِّ إِلَى الْكَعْبِ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ هَلْ هُوَ مِنْ جِلْدٍ وَأَدِيمٍ ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ مِنْ صُوفٍ وَقُطْنٍ ؟ فَفَسَّرَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ بِلِفَافَةِ الرِّجْلِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ بِعُمُومِهِ يَدُلُّ عَلَى لِفَافَةِ الرِّجْلِ مِنَ الْجِلْدِ وَالصُّوفِ وَالْقُطْنِ . وَأَمَّا الطِّيبِيُّ وَالشَّوْكَانِيُّ فَقَيَّدَاهُ بِالْجِلْدِ ، وَهَذَا مَآلُ كَلَامِ الشَّيْخِ الدَّهْلَوِيِّ أَيْضًا . وَأَمَّا الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ثُمَّ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ فَصَرَّحَا بِكَوْنِهِ مِنْ صُوفٍ ، وَأَمَّا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحُلْوَانِيُّ فَقَسَّمَهُ إِلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ . فَهَذَا الِاخْتِلَافُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِمَّا لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ وَإِمَّا لِكَوْنِ الْجَوْرَبِ مُخْتَلِفَ الْهَيْئَةِ وَالصَّنْعَةِ فِي الْبِلَادِ الْمُتَفَرِّقَةِ ، فَفِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ كَانَ يُتَّخَذُ مِنْ أَدِيمٍ ، وَفِي بَعْضِهَا مِنْ كُلِّ الْأَنْوَاعِ ، فَكُلُّ مَنْ فَسَّرَهُ إِنَّمَا فَسَّرَهُ عَلَى هَيْئَةِ بِلَادِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِكُلِّ مَا يُوجَدُ فِي الْبِلَادِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ . ( وَالنَّعْلَيْنِ ) : قَالَ مَجْدُ الدِّينِ الْفَيْرُوزْآبَادِي فِي الْقَامُوسِ : النَّعْلُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ مِنَ الْأَرْضِ كَالنَّعْلَةِ مُؤَنَّثَةٌ ، وَجَمْعُهُ نِعَالٌ بِالْكَسْرِ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي شَرْحِ شَمَائِلِ التِّرْمِذِيِّ : وَأَفْرَدَ الْمُؤَلِّفُ - أَيِ التِّرْمِذِيُّ - الْخُفَّ عَنْهَا بِبَابٍ لِتَغَايُرِهِمَا عُرْفًا ، بَلْ لُغَةً إِنْ جَعَلْنَا مِنَ الْأَرْضِ قَيْدًا فِي النَّعْلِ . قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الشَّهِيرُ بِالْمُقْرِي فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِفَتْحِ الْمُتَعَالِ فِي مَدْحِ خَيْرِ النِّعَالِ : إِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ صَاحِبِ الْقَامُوسِ وَبَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَنَّهُ قَيْدٌ فِيهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالْقَيْدِيَّةِ مُلَّا عِصَامُ الدِّينِ فَإِنَّهُ قَالَ : وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُفُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ مِنَ الْأَرْضِ . انْتَهَى ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّعْلَيْنِ لُبْسُهُمَا فَوْقَ الْجَوْرَبَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، فَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ مَعًا ، فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ النَّعْلَيْنِ فَقَطْ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : مَسَحَ عَلَى نَعْلَيْنِ تَحْتَهُمَا جَوْرَبَانِ ، وَكَانَ قَاصِدًا بِمَسْحِهِ ذَلِكَ إِلَى جَوْرَبَيْهِ لَا إِلَى نَعْلَيْهِ ، وَجَوْرَبَاهُ مِمَّا لَوْ كَانَا عَلَيْهِ بِلَا نَعْلَيْنِ جَازَ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا ، فَكَانَ مَسْحُهُ ذَلِكَ مَسْحًا أَرَادَ بِهِ الْجَوْرَبَيْنِ ، فَأَتَى ذَلِكَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ ، فَكَانَ مَسْحُهُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ هُوَ الَّذِي تَطَهَّرَ بِهِ وَمَسْحُهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ فَضْلٌ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ؛ فَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو يُوسُفَ ذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ مَسْحِ الْجَوْرَبَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ أَوْ لَمْ يَكُونَا بِهَذَا الْوَصْفِ بَلْ يَكُونَانِ ثَخِينَيْنِ فَقَطْ بِغَيْرِ نَعْلٍ وَبِلَا تَجْلِيدٍ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ الْجَوْرَبَ يُتَّخَذُ مِنَ الْأَدِيمِ ، وَكَذَا مِنَ الصُّوفِ وَكَذَا مِنَ الْقُطْنِ ، وَيُقَالُ لِكُلٍّ مِنْ هَذَا إِنَّهُ جَوْرَبٌ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ بِهَذَا الْعُمُومِ الَّتِي ذَهَبَتْ إِلَيْهَا تِلْكَ الْجَمَاعَةُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ اللَّذَيْنِ مَسَحَ عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَا مِنْ صُوفٍ سَوَاءٌ كَانَا مُنَعَّلَيْنِ أَوْ ثَخِينَيْنِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ هَذَا قَطُّ ، فَمِنْ أَيْنَ عُلِمَ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ غَيْرِ الْمُجَلَّدَيْنِ ، بَلْ يُقَالُ : إِنَّ الْمَسْحَ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ الْمُجَلَّدَيْنِ لَا غَيْرِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَى الْخُفِّ ، وَالْخُفُّ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْأَدِيمِ . نَعَمْ لَوْ كَانَ الْحَدِيثُ قَوْلِيًّا بِأَنْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : امْسَحُوا عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ، لَكَانَ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ بِعُمُومِهِ عَلَى كُلِّ أَنْوَاعِ الْجَوْرَبِ ، وَإِذْ لَيْسَ فَلَيْسَ . فَإِنْ قُلْتَ : لَمَّا كَانَ الْجَوْرَبُ مِنَ الصُّوفِ أَيْضًا احْتُمِلَ أَنَّ الْجَوْرَبَيْنِ الَّذِينَ مَسَحَ عَلَيْهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَا مِنْ صُوفٍ أَوْ قُطْنٍ إِذَ لَمْ يُبَيِّنِ الرَّاوِي ، قُلْتُ : نَعَمْ ، الِاحْتِمَالُ فِي كُلِّ جَانِبٍ سَوَاءٌ يَحْتَمِلُ كَوْنُهُمَا مِنْ صُوفٍ وَكَذَا مِنْ أَدِيمٍ وَكَذَا مِنْ قُطْنٍ ، لَكِنْ تَرَجَّحَ الْجَانِبُ الْوَاحِدُ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ أَدِيمٍ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْخُفِّ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَطْعًا ، وَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى غَيْرِ الْأَدِيمِ فَثَبَتَ بِالِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي لَمْ تَطْمَئِنَ النَّفْسُ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . نَعَمْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كَانَ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْسَحُ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ لَهُ مِنْ شَعْرٍ وَنَعْلَيْهِ ، وَسَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ . قَالَ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ بَعْدَمَا أَطَالَ الْكَلَامَ : هَذَا مَا فَهِمْتُ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهَذَا مِنَ السُّنَّةِ فَكَلَامُهُ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( وَرُوِيَ هَذَا أَيْضًا ) : الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلَفْظُهُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، ثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ وَبِشْرُ بْنُ آدَمَ قَالَا : ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ سِنَانٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ . قَالَ الْمُعَلَّى فِي حَدِيثِهِ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ : وَالنَّعْلَيْنِ . ( وَلَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ ) لِأَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَثْبُتْ سَمَاعُهُ مِنْ أَبِي مُوسَى ، وَعِيسَى بْنُ سِنَانٍ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ؛ قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَالْمُتَّصِلُ مَا سَلِمَ إِسْنَادُهُ مِنْ سُقُوطٍ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ أَوْ وَسَطِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ رِجَالِهِ سَمِعَ ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ مِنْ شَيْخِهِ . ( وَلَا بِالْقَوِيِّ ) ؛ أَيِ الْحَدِيثِ ، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ مِنْ جِهَةِ ضَعْفِ رَاوِيهِ وَهُوَ أَبُو سِنَانٍ عِيسَى بْنُ سِنَانٍ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَهُوَ مِمَّا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ عَلَى لِينِهِ ، وَقَوَّاهُ بَعْضُهُمْ يَسِيرًا . وَقَالَ الْعِجْلِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ . انْتَهَى ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ . ( وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ) : أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا بَالَ فَمَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي . ( وَابْنُ مَسْعُودٍ ) : أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهِ وَيَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ . ( وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ) : أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَمْسَحُ عَلَى جَوْرَبَيْهِ وَنَعْلَيْهِ . ( وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ) : أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ . ( وَأَبُو أُمَامَةَ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ) : لَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَاتِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ . ( وَرُوِيَ ذَلِكَ ) ؛ أَيِ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ ( عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ ) : لَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَتِهِمَا أَيْضًا .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، ثنا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ طَارِقٍ ، قال : أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ قَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ : وَكَانَ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَتَيْنِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : يَوْمًا ؟ قَالَ : يَوْمًا قَالَ : وَيَوْمَيْنِ ؟ قَالَ : وَيَوْمَيْنِ ، قَالَ : وَثَلَاثَةً ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَمَا شِئْتَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمِصْرِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَزِينٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسِيٍّ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ عِمَارَةَ قَالَ فِيهِ : حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعَمْ مَا بَدَا لَكَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ والسُّلينحيُّ ، ويَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ . ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ) : بْنِ أَبِي زِيَادٍ الثَّقَفِيِّ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مَجْهُولٌ ، وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَجْهُولٌ ، وَأَقَرَّ ابْنَ الْقَطَّانِ عَلَى ذَلِكَ ( عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَجْهُولٌ ( عَنْ أُبَيِّ ) : مُصَغَّرًا ( بْنِ عُمَارَةَ ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ ، ضَبَطَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَالزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُمْ . وَقِيلَ بِضَمِّهَا ، صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ( وَكَانَ ) : أُبَيُّ بْنُ عُمَارَةَ ( لِلْقِبْلَتَيْنِ ) : أَيْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ : وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ الْقِبْلَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا . ( نَعَمْ ، وَمَا شِئْتَ ) ؛ أَيِ : امْسَحْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَمَا شِئْتَ ، وَمَا بَدَا لَكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْ خَمْسَةِ أَوْ سِتَّةِ أَوْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ ، فأَنْتَ مُخَيَّرٌ بِفِعْلِكَ وَلَا تَوْقِيتَ لَهُ مِنَ الْأَيَّامِ . ( ابْنِ نُسَيٍّ ) : بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ( مَا بَدَا لَكَ ) : مِنْ بَدَا يَبْدُوُ ، أَيْ : مَا ظَهَرَ لَكَ فِي أَمْرِ الْمَسْحِ فَامْسَحْ عَلَيْهِمَا إِلَى أَيَّةِ مُدَّةٍ شِئْتَ . وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : يَوْمًا ؟ قال : وَيَوْمَيْنِ . قَالَ : وَثَلَاثًا ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعًا . قَالَ لَهُ : وَمَا بَدَا لَكَ . ( وَقَدِ اخْتُلِفَ ) عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ( فِي إِسْنَادِهِ ) ؛ أَيْ : فِي إِسْنَادِ يَحْيَى لِهَذَا الْحَدِيثِ ( وَلَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ ) ؛ أَيْ : مَعَ كَوْنِ يَحْيَى غَيْرَ قَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ اخْتَلَفَ رُوَاتُهُ عَلَيْهِ ؛ فَبَعْضُهُمْ رَوَى عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّ اسْمَ لَيْسَ هُوَ يَرْجِعُ إِلَى الْحَدِيثِ ، أَيْ مَعَ كَوْنِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِجَهَالَةِ رُوَاتِهِ . أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى وَعَمْرِو بْنِ سَوَادٍ الْمِصْرِيَّيْنِ قَالَا : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَهْبٍ ، أَنْبَأَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ ، وَكَذَا الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ بِمَعْرِفَةِ الْأَطْرَافِ : رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيْلَحِينِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ ؛ فَقِيلَ عَنْهُ مِثْلُ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الرَّبِيعِ . وَقِيلَ عَنْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ الْغَافِقِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ الْكِنْدِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَذَكَرَهُ . وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ الْفُرَاتِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ قَطَنٍ ، عَنْ أُبَيٍّ . انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدِ أَبِي دَاوُدَ وَقَالَ : هَذَا إِسْنَادٌ لَا يَثْبُتُ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ وَأَيُّوبُ بْنُ قَطَنٍ مَجْهُولُونَ . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ هُوَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ ؛ فَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ . وَيُرْوَى عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ قَطَنٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ ؛ فَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ . وَيُرْوَى عَنْهُ كَذَلِكَ مُرْسَلًا لَا يُذْكَرُ فِيهِ أُبَيُّ بْنُ عُمَارَةَ ؛ فَهَذَا قول رَابِعُ ، انْتَهَى . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُ الدِّينِ : قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ لَيْسَ بِمَعْرُوفِ الْإِسْنَادِ . انْتَهَى ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ فِيمَا نَقَلَ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ . وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَثْبُتُ ، وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ قَائِمٌ . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ عَلَى ضَعْفِهِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : وَبَالَغَ الْجُوزَقَانِيُّ فَذَكَرَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَبِهِ - أَيْ بِعَدَمِ التَّوْقِيتِ - قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ أنَّهُ لَا وَقْتَ لِلْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَمَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَهُوَ طَاهِرٌ مَسَحَ مَا بَدَا لَهُ ، وَالْمُسَافِرُ وَالْمُقِيمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ، لَكِنِ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّوْقِيتُ . وَأَمَّا الدَّلَائِلُ لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَشْفِي الْعلِيلَ ؛ إِنْ كَانَ فِيهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ فَلَيْسَ إِسْنَادُهُ صَحِيحًا ، وَمَا فِيهِ صَحِيحٌ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي الْمَقْصُودِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مُدَّةِ الثَّلَاثِ ، وَإِنْ كَانَ آثَارًا فَلَا تَسْتَطِيعُ الْمُعَارَضَةَ بِالْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ التَّوْقِيتِ فِي الْمَسْحِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قال : ثنا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ ، وَحَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ بِإِسْنَادِهِ ، قَالَ فِيهِ : وَلَوْ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا . باب التوقيت في المسح ( قَالَ : الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ) : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَوْقِيتِ الْمَسْحِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لِلْمُسَافِرِ وَبِالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِلْمُقِيمِ ، قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : وَهُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِثْلِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً ، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَقِّتُوا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالتَّوْقِيتُ أَصَحُّ . انْتَهَى . وَالتَّوْقِيتُ هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَالْجُمْهُورِ . وَأَمَّا ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسِ الْخُفِّ لَا مِنْ حِينِ اللُّبْسِ وَلَا مِنْ حِينِ الْمَسْحِ ، وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ أَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ ابْتِدَاءَهَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( رَوَاهُ ) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ ( وَلَوِ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا ) : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَعْنَاهُ لَوْ سَأَلْنَاهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَقَالَ نَعَمْ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثًا ، وَلَوْ مَضَى السَّائِلُ عَلَى مَسْأَلَتِهِ لَجَعَلَهَا خَمْسًا ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَوْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ تَقُمْ بِهَا حُجَّةٌ ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ التَّوْقِيتِ مَظْنُونَةٌ أَنَّهُمْ لَوْ سَأَلُوا زَادَهُمْ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا وَلَا زِيدَ . فَكَيْفَ ثَبَتَتْ زِيَادَةٌ بِخَبَرٍ دَلَّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهَا . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَغَايَتُهَا بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ ظَنَّ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَدْ وَرَدَ تَوْقِيتُ الْمَسْحِ بِالثَّلَاثِ وَالْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظُنُّوا مَا ظَنَّهُ خُزَيْمَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ : وَلَوِ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا ، وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ مَاجَهْ : وَلَوْ مَضَى السَّائِلُ عَلَى مَسْأَلَتِهِ لَجَعَلَهَا خَمْسًا . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا قَدْ رَوَيَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ هَذَا الْكَلَامَ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْهُ وَحُسْبَانٌ ، وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا تَقُومُ بِقَوْلِ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ لَا بِظَنِّ الرَّاوِي . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَحَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ إِسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَمَا لَمْ يُرْوَ لَا يَصِيرُ سُنَّةً . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ . انْتَهَى .
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قال : أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قال : حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ : عَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَعَدَلْتُ مَعَهُ ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَرَّزَ ثُمَّ جَاءَ ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْإِدَاوَةِ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ حَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ ، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَهُمَا إِلَى الْمِرْفَقِ ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ ، ثُمَّ رَكِبَ ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَصَلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، وَوَجَدْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَفَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، فَصَلَّى وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَوْفٍ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ، ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَقَامَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ ، فَفَزِعَ الْمُسْلِمُونَ ، فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : قَدْ أَصَبْتُمْ أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ باب المسح على الخفين قَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، سَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا حَتَّى يَجُوزَ لِلْمَرْأَةِ الْمُلَازِمَةِ بَيْتَهَا وَالزَّمِنَ الَّذِي لَا يَمْشِي ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ فِيهِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ كَمَذْهَبِ الْجَمَاهِيرِ ، وَقَدْ رَوَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ مِنَ الصَّحَابَةِ . قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَفْضَلُ أَمْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ، فَذَهَبَ جَمَاعَاتٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَى أَنَّ الْغَسْلَ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ الْمَسْحَ أَفْضَلُ . ( عَدَلَ ) : أَيْ مَالَ مِنْ مُعْظَمِ الطَّرِيقِ إِلَى غَيْرِهَا ( تَبُوكَ ) : بِتَقْدِيمِ التَّاءِ الْفَوْقَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ الْمُخَفَّفَةِ ، لَا يَنْصَرِفُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ : لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ ، هِيَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ دِمَشْقَ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرْحَلَةً ، وَيُقَالُ لَهَا غَزْوَةُ الْعُسْرَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ( قَبْلَ الْفَجْرِ ) : أَيِ الصُّبْحِ ، وَلِابْنِ سَعْدٍ : فَتَبِعْتُهُ بِمَاءٍ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّ خُرُوجَهُ كَانَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ( فَتَبَرَّزَ ) : بِالتَّشْدِيدِ ، أَيْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ : فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي ثُمَّ قَضَى حَاجَتَهُ ( مِنَ الْإِدَاوَةِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : أَمَّا الْإِدَاوَةُ وَالرَّكْوَةُ وَالْمِطْهَرَةُ وَالْمِيضَأَةُ بِمَعْنًى مُتَقَارِبٍ وَهُوَ إِنَاءُ الْوُضُوءِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَاءَ أَخَذَهُ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَعْرَابِيَّةٍ صَبَّتْهُ لَهُ مِنْ قِرْبَةٍ مِنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ ، فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْهَا فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا فَهُوَ طَهُورُهَا ، فَقَالَتْ : إِي وَاللَّهِ دَبَغْتُهَا . وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ وَلَوِ امْرَأَةً ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَمْ لَا لِقَبُولِ خَبَرِ الْأَعْرَابِيَّةِ ( ثُمَّ حَسَرَ ) : مِنْ بَابِ ضَرَبَ ، أَيْ كَشَفَ ، يُقَالُ : حَسَرْتُ كُمِّي عَنْ ذِرَاعِي أَحْسِرُهُ حَسْرًا ، أَيْ كَشَفْتُ وَحَسَرْتُ الْعِمَامَةَ عَنْ رَأْسِي وَالثَّوْبَ عَنْ بَدَنِي ، أَيْ كَشَفْتُهُمَا ( عَنْ ذِرَاعَيْهِ ) : وَفِي الْمُوَطَّأِ : ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْ جُبَّتِهِ ( فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ ) : كُمَّا تَثْنِيَةُ كُمٍّ بِضَمِّ الْكَافِ ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْ ضِيقِ كُمَّيِ الْجُبَّةِ إِخْرَاجَ يَدَيْهِ ، وَهِيَ مَا قُطِعَ مِنَ الثِّيَابِ مُشَمَّرًا . قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ ، وَلِلْبُخَارِيِّ : وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ لِلْمُؤَلِّفِ : مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ التَّشْمِيرُ فِي السَّفَرِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ فِيهِ لِأَنَّهَا أَعْوَنُ عَلَيْهِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : بَلْ هُوَ مُسْتَحَبُّ فِي الْغَزْوِ لِلتَّشْمِيرِ وَالتَّأَسِّي بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدِي فِي الْحَضَرِ ( فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ ) : زَادَ مُسْلِمٌ : وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ( ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ ) : أَيْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ كَمَا فِي عَامَّةِ الرِّوَايَاتِ ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهِمَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ لِأَنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَهَا بِاتِّفَاقٍ إِذْ هِيَ آخِرُ الْمَغَازِي ، ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ خَاصٌّ بِالْوُضُوءِ ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْغُسْلِ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ . قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ ( ثُمَّ رَكِبَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحِلَتَهُ ( فَأَقْبَلْنَا ) : قَدِمْنَا . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ ( حِينَ كَانَ ) : هُوَ تَامَّةٌ ، أَيْ حَصَلَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ ، وَفِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ مِنْهَا جَوَازُ اقْتِدَاءِ الْفَاضِلِ بِالْمَفْضُولِ ، وَجَوَازُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ بَعْضِ أُمَّتِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، فَإِنَّهُمْ فَعَلُوهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَلَمْ يَنْتَظِرُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أُخِّرَ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ اسْتُحِبَّ لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يُقَدِّمُوا أَحَدَهُمْ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ ( فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ ) : لِأَدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَهُ الْإِمَامُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ أَتَى بِمَا أَدْرَكَ ، فَإِذَا سَلَّمَ أَتَى بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَفِيهِ اتِّبَاعُ الْمَسْبُوقِ لِلْإِمَامِ فِي فِعْلِهِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ وَجُلُوسِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْضِعَ فِعْلِهِ لِلْمَأْمُومِ ، وَأَنَّ الْمَسْبُوقَ إِنَّمَا يُفَارِقُ الْإِمَامَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ ( فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ ) : أَيْ قَوْلَهُمْ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يُسَبِّحُونَ وَقْتَ التَّعَجُّبِ وَالْفَزَعِ ( أَوْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ ) : وَهَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، أَيْ أَحْسَنْتُمْ إِذْ جَمَعْتُمُ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ ، عَنْ التَّيْمِيِّ ، قال : حَدَّثَنَا بَكْرٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ على نَاصِيَتَهُ ، وَذَكَرَ فَوْقَ الْعِمَامَةِ قَالَ : عَنْ الْمُعْتَمِرِ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّ نبي اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَعَلَى نَاصِيَتِهِ وَعَلَى عِمَامَتِهِ . قَالَ بَكْرٌ : وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ . ( عَنِ التَّيْمِيِّ ) : التَّحْوِيلُ يَنْتَهِي إِلَى التَّيْمِيِّ أَيْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَالْمُعْتَمِرِ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ( نَاصِيَتِهِ ) : أَيْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ ( وَذَكَرَ ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ ( فَوْقَ الْعِمَامَةِ ) : أَيْ مَسَحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوْقَ الْعِمَامَةِ ، وَهَذَا لَفْظُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَأَمَّا لَفْظُ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ فَذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ ( قَالَ ) : أَيْ مُسَدَّدٌ ( أَبِي ) : هُوَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ( قَالَ بَكْرُ ) : بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالسَّنَدِ السَّابِقِ ( وَقَدْ سَمِعْتُهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ ( مِنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ ) : مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قال : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَكْبِهِ وَمَعِي إِدَاوَةٌ ، فَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ ، فَتَلَقَّيْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ ذِرَاعَيْهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ مِنْ جِبَابِ الرُّومِ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ فَضَاقَتْ ، فَادَّرَعَهُمَا ادِّرَاعًا ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ إِلَى الْخُفَّيْنِ لِأَنْزَعَهُمَا فَقَالَ لِي : دَعْ الْخُفَّيْنِ فَإِنِّي أَدْخَلْتُ الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا قَالَ أَبِي : قَالَ الشَّعْبِيُّ : شَهِدَ لِي عُرْوَةُ عَلَى أَبِيهِ وَشَهِدَ أَبُوهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِي رَكْبِهِ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّكْبُ أَصْحَابُ الْإِبِلِ فِي السَّفَرِ دُونَ الدَّوَابِّ ، وَهُمُ الْعَشَرَةُ فَمَا فَوْقَهَا ، وَالْجَمْعُ أَرْكُبٌ ، وَالرَّكَبَةُ بِالتَّحْرِيكِ أَقَلُّ مِنَ الرَّكْبِ ، وَالْأُرْكُوبُ أَكْثَرُ مِنَ الرَّكْبِ . انْتَهَى ( ثُمَّ أَقْبَلَ ) : أَيِ انْصَرَفَ إِلَيْنَا بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ ( ذِرَاعَيْهِ ) : الذِّرَاعُ مِنَ الْمَرْفِقِ إِلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ ( مِنْ صُوفٍ ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ أَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ؛ لِأَنَّ الشَّامَ إِذْ ذَاكَ كَانَتْ دَارَ كُفْرٍ وَمَأْكُولُهَا كُلُّهَا الْمَيْتَاتُ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَشَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِلزُّرْقَانِيِّ ( ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ ) : صِفَةٌ لِلْجُبَّةِ ( فَادَّرَعَهُمَا ادِّرَاعًا ) : قَالَ أَبُو مُوسَى وَالْخَطَّابِيُّ : اذَّرَعَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى وَزْنِ افْتَعَلَ ، أَيِ اذَّرَعَ ذِرَاعَيْهِ اذِّرَاعًا مِنْ ذَرَعَ ، وَيَجُوزُ إِهْمَالُ داله كَمَا فِي رِوَايَةِ الْكِتَابِ ، وَمَعْنَاهُ أَيْ أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ وَمَدَّهُمَا ، وَالذَّرْعُ بَسْطُ الْيَدِ وَمَدُّهَا وَأَصْلُهُ مِنَ الذِّرَاعِ وَهِيَ السَّاعِدُ ، وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : أَيْ نَزَعَ ذِرَاعَيْهِ عَنْ كُمَّيْهِ وَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْ ذَرَعَ إِذَا مَدَّ ذِرَاعَهُ كَمَا يُقَالُ ادَّكَرَ مِنْ ذَكَرَ . انْتَهَى . ( ثُمَّ أَهْوَيْتُ ) : أَيْ مَدَدْتُ يَدِي . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : أَهْوَيْتُ بِالشَّيْءِ إِذَا أَوْمَأْتُ بِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : أَهْوَيْتُ : قَصَدْتُ . وَفِي إِرْشَادِ السَّارِي مَعْنَاهُ مَدَدْتُ يَدِي أَوْ قَصَدْتُ أَوْ أَشَرْتُ أَوْ أَوْمَأْتُ . انْتَهَى . ( وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَجُوزُ إِلَّا إِذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ بِأَنْ يَفْرُغَ مِنَ الْوُضُوءِ بِكَمَالِهِ ثُمَّ يَلْبَسَهُمَا ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ إِدْخَالِهِمَا طَاهِرَتَيْنِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُدْخِلَتْ وَهِيَ طَاهِرَةٌ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَذْهَبُنَا أَنْ يُشْتَرَطَ لُبْسُهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ لَبِسَ خُفَّهَا قَبْلَ غَسْلِ الْيُسْرَى ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى ثُمَّ لَبِسَ خُفَّهَا لَمْ يَصِحَّ لُبْسُ الْيُمْنَى ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهَا وَإِعَادَةِ لُبْسِهَا ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نَزْعِ الْيُسْرَى لِكَوْنِهَا أُلْبِسَتْ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَالْمُزَنِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ : يَجُوزُ اللُّبْسُ عَلَى حَدَثٍ ثُمَّ يُكْمِلُ طَهَارَتَهُ ( فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا ) : وَرَوَى الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْسَحُ أَحَدُنَا عَلَى الْخُفَّيْنِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِذَا أَدْخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ : أَمَرَنَا - يَعْنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إِذَا نَحْنُ أَدْخَلْنَاهُمَا عَلَى طُهْرٍ ، ثَلَاثًا إِذَا سَافَرْنَا ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً إِذَا أَقَمْنَا ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَصَحَّحَهُ أَيْضًا ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ . وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اللُّبْسِ ( قَالَ أَبِي ) : أَيْ قَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ : قَالَ أَبِي - أَيْ يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ - ( عُرْوَةُ ) : بْنُ الْمُغِيرَةِ ( عَلَى أَبِيهِ ) : الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ( وَشَهِدَ أَبُوهُ ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ عَلَى هَذَا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ تَقُولُ مِنْهُ : شَهِدَ الرَّجُلُ عَلَى كَذَا . انْتَهَى . وَمُرَادُ الشَّعْبِيِّ تَثْبِيتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : ثنا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ وَعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَالَ : تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ قَالَ : فَأَتَيْنَا النَّاسَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُصَلِّي بِهِمْ الصُّبْحَ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يَتَأَخَّرَ ، فَأَوْمَى إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ ، قَالَ : فَصَلَّيْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ رَكْعَةً ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي سُبِقَ بِهَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا شيئا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عُمَرَ يَقُولُونَ : مَنْ أَدْرَكَ الْفَرْدَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ . ( تَخَلَّفَ ) : أَيْ تَأَخَّرَ عَنِ النَّاسِ ( فَذَكَرَ ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ ( هَذِهِ الْقِصَّةَ ) : أَيْ قِصَّةَ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَإِخْرَاجِ الْيَدَيْنِ عَنِ الْكُمَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ ( فَأَوْمَأَ ) : أَيْ أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( أَنْ يَمْضِيَ ) : عَلَى صَلَاتِهِ أَيْ يُتِمَّهَا وَلَا يَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِهِ ( سُبِقَ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِهَا ) : أَيْ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي صَلَّاهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَبْلَ مَجِيئِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ صَلَاتِهِ ( شَيْئًا ) : أَيْ لَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ . فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْمَسْبُوقِ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ سُجُودٌ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ، وَفِي رِوَايَةٍ فَاقْضُوا ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِسُجُودِ السَّهْوِ ( مَنْ أَدْرَكَ إِلَخْ ) : أَيْ مَنْ أَدْرَكَ وِتْرًا مِنْ صَلَاةِ إِمَامِهِ فِعْلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ مَعَ الْإِمَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْجُلُوسِ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَطَاؤسٌ وَمُجَاهِدٌ وَإِسْحَاقُ . وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَسْجُدْ وَلَا أَمَرَ بِهِ الْمُغِيرَةَ ، وَأَيْضًا لَيْسَ السُّجُودُ إِلَّا لِلسَّهْوِ وَلَا سَهْوَ هَاهُنَا ، وَأَيْضًا مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ وَاجِبَةٌ فَلَا يَسْجُدُ لِفِعْلِهَا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذِهِ الْآثَارُ قَدْ تَتَبَّعْتُ فِي تَخْرِيجِهَا لَكِنْ لَمْ أَقْفُ مَنْ أَخْرَجَهَا مَوْصُولًا .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، ثنا أَبِي ، قال : ثنا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، يَعْنِي ابْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ ، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ شَهِدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَسْأَلُ بِلَالًا ، عَنْ وُضُوءِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : كَانَ يَخْرُجُ يَقْضِي حَاجَتَهُ ، فَآتِيهِ بِالْمَاءِ فَيَتَوَضَّأُ وَيَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَمُوقَيْهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ . ( يَسْأَلُ بِلَالًا ) : أَيْ حَضَرَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَالَ كَوْنِهِ يَسْأَلُ بِلَالًا ، وَبِلَالٌ هُوَ ابْنُ رَبَاحٍ الْمُؤَذِّنُ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ( وَمُوقَيْهِ ) تَثْنِيَةُ مُوقٍ بِضَمِّ الْمِيمَ بِلَا هَمْزَةٍ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُوقُ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَابْنُ الْأَثِيرِ أَنَّهُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْهَرَوِيُّ : الْمُوقُ الْخُفُّ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ عَنِ اللَّيْثِ الْمُوقُ ضَرْبٌ مِنَ الْخِفَافِ وَيُجْمَعُ عَلَى أَمْوَاقٍ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ سِيدَهْ اللُّغَوِيُّ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : الْمُوقُ ضَرْبٌ مِنَ الْخِفَافِ ، وَالْجَمْعُ أَمْوَاقٌ ، عَرَبِيٌّ صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْخُفُّ : جِلْدٌ مُبَطَّنٌ مَخْرُوزٌ يَسْتُرُ الْقَدَمَ كُلَّهَا ، وَالْمُوقُ : جِلْدٌ مَخْرُوزٌ لَا بِطَانَةَ لَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ خُفٌّ قَصِيرُ السَّاقِ ، وَالْجُرْمُوقُ خُفٌّ قَصِيرُ السَّاقِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ : خُفٌّ عَلَى خُفٍّ ( وَهُوَ ) : أَيِ الرَّاوِي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَتَيْمٌ قُرَيْشٌ رَهْطُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ تَيْمُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الدِّرْهَمِيُّ ، قال : ثنا ابْنُ دَاوُدَ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ أَنَّ جَرِيرًا بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَقَالَ : مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ ؟ قَالُوا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ، قَالَ : مَا أَسْلَمْتُ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ ( مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَمْسَحَ ) : أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُنِي عَنِ الْمَسْحِ ( قَالُوا ) : أَيْ مَنْ عَابُوا عَلَى فِعْلِ جَرِيرٍ ( إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ ) : أَيِ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ ( قَالَ ) : جَرِيرٌ فِي رَدِّ كَلَامِهِمْ ( مَا أَسْلَمْتُ إِلَخْ ) : مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَلَوْ كَانَ إِسْلَامُ جَرِيرٍ مُتَقَدِّمًا عَلَى نُزُولِ الْمَائِدَةِ لَاحْتَمَلَ كَوْنُ حَدِيثِهِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ مَنْسُوخًا بِآيَةِ الْمَائِدَةِ ، فَلَمَّا كَانَ إِسْلَامُهُ مُتَأَخِّرًا بِإِقْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الْمَسْحَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ حُكْمِ الْمَائِدَةِ ، وَهُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِآيَةِ الْمَائِدَةِ غَيْرُ صَاحِبِ الْخُفِّ ، فَتَكُونُ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ مُخَصِّصَةً لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ النَّخَعِيِّ عَنْ جَرِيرٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَ : ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَسَأَلَ فَقَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ قَالَا : ثنا وَكِيعٌ ، قال : ثنا دَلْهَمُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ ، فَلَبِسَهُمَا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا قَالَ مُسَدَّدٌ : عَنْ دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ . ( عَنْ حُجَيْرٍ ) : بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ ثُمَّ الْجِيمِ مُصَغَّرًا ( أَنَّ النَّجَاشِيَّ ) : بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْمَشْهُورِ - وَقِيلَ تُكْسَرُ ، وَتخفيفِ الْجِيمُ وَأَخْطَأَ مَنْ شَدَّدَهَا - وَبِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ التَّخْفِيفَ وَرَجَّحَهُ الصَّنْعَانِيُّ ، هُوَ أَصْحَمَةُ بْنُ بَحْرٍ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ ، وَاسْمُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ ، وَالنَّجَاشِيُّ لَقَبٌ لَهُ ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَغَازِي فِي إِحْسَانِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَيْهِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ( سَاذَجَيْنِ ) : بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا أَيْ غَيْرَ مَنْقُوشَيْنِ وَلَا شَعْرَ عَلَيْهِمَا ، أَوْ عَلَى لَوْنٍ وَاحِدٍ لَمْ يُخَالِطْ سَوَادَهُمَا لَوْنٌ آخَرُ . قَالَ الْحَافِظُ وَلِيُّ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ كَذَلِكَ ، وَلَمْ أَجِدْهَا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا رَأَيْتُ الْمُصَنِّفِينَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ ذَكَرُوهَا . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : السَّاذَجُ مُعَرَّبٌ سَادَةٌ ، قَالَ الزُّرْقَانِيُّ ( فَلَبِسَهُمَا ) : بِفَاءِ التَّفْرِيعِ أَوِ التَّعْقِيبِ ، فَفِيهِ أَنَّ الْمُهْدَى إِلَيْهِ يَنْبَغِي لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْهَدِيَّةِ عَقِبَ وُصُولِهَا بِمَا أُهْدِيَتْ لِأَجْلِهِ إِظْهَارًا لِقَبُولِهَا وَوُقُوعِهَا الْمَوْقِعَ . وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ حَتَّى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَإِنَّهُ أَهْدَى لَهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَأَقَرَّهُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ( عَنْ دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ ) : بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ أَيْ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ دَلْهَمٍ . وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا دَلْهَمٌ ( هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَرَابَةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي أَصْلِ السَّنَدِ أَيْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَدُورُ الْإِسْنَادُ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ ، وَلَوْ تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيْهِ وَهُوَ طَرَفُهُ الَّذِي فِيهِ الصَّحَابِيُّ أَوَّلًا يَكُونُ التَّفَرُّدُ كَذَلِكَ ، بَلْ يَكُونُ التَّفَرُّدُ فِي أَثْنَائِهِ كَأَنْ يَرْوِيهِ عَنِ الصَّحَابِيِّ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ ثُمَّ يَتَفَرَّدُ بِرِوَايَتِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَخْصٌ وَاحِدٌ ، فَالْأَوَّلُ الْفَرْدُ الْمُطْلَقُ وَالثَّانِي الْفَرْدُ النِّسْبِيُّ ، سُمِّيَ نِسْبِيًّا لِكَوْنِ التَّفَرُّدِ فِيهِ حَصَلَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ فِي نَفْسِهِ مَشْهُورًا ، وَيقِلُّ إِطْلَاقُ الْفَرْدِيَّةِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَرِيبَ وَالْفَرْدَ مُتَرَادِفَانِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا ، إِلَّا أَنَّ أَهْلَ الِاصْطِلَاحِ غَايَرُوا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَقِلَّتِهِ : فَالْفَرْدُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْفَرْدِ الْمُطْلَقِ ، وَالْغَرِيبُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْفَرْدِ النِّسْبِيِّ ، وَهَذَا مِنْ حَيْثُ إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالِهِمُ الْفِعْلَ الْمُشْتَقَّ فَلَا يُفَرِّقُونَ فَيَقُولُونَ فِي الْمُطْلَقِ وَالنِّسْبِيِّ تَفَرَّدَ بِهِ فُلَانٌ أَوْ أَغْرَبَ بِهِ فُلَانٌ ، كَذَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ . وَإِذَا عَلِمْتَ تَعْرِيفَ الْفَرْدِ وَانْقِسَامَهُ فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ ظَاهِرَةٌ ، لِإِنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا السَّنَدِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَّا مُسَدَّدَ بْنَ مُسَرْهَدٍ ، وَمَا فِيهِ إِلَّا كُوفِيُّونَ أَوْ مِنْ أَهْلِ مَرْوٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّيُوطِيُّ ، وَمُسَدَّدٌ لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ بَلْ تَابَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ ، وَتَابَعَهُ أَيْضًا هَنَّادٌ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، وَأَيْضًا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَمَا فِي ابْنِ مَاجَهْ . وَأَمَّا شَيْخُ مُسَدَّدٍ أَعْنِي وَكِيعًا أَيْضًا لَمْ يَتَفَرَّدْ بِهِ بَلْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ ، فَإِنَّمَا التَّفَرُّدُ فِي دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ وَهُوَ كُوفِيٌّ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ هَذَا مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، أَيْ لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ . انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رُوَاةِ هَذَا الْحَدِيثِ بَصْرِيٌّ سِوَى مُسَدَّدٍ وَلَمْ يَتَفَرَّدْ هُوَ ، فَنِسْبَةُ التَّفَرُّدِ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهْمٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ حُجَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ غَيْرُ دَلْهَمِ بْنِ صَالِحٍ وَذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ وَكِيعٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : ثنا ابْنُ حَيٍّ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ ، بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ( نَسِيتَ ) : هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةٌ ( بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ ) : قَالَ الزُّرْقَانِيُّ يُشْعِرُ بِعِلْمِ الْمُغِيرَةِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ يَمْسَحُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم بأنه رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَمْسَحُ . أَوْ عَلِمَ بِأَنَّهُ بَلَغَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَبْلَ انْتِشَارِ الْمَسْحِ بَيْنَهُمْ . انْتَهَى . قَالَ الطِّيبِيُّ : يَحْتَمِلُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، أَيْ نَسِيتَ أَنَّنِي شَارِعٌ فَنَسَبْتَ النِّسْيَانَ إِلَيَّ ، أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتَ فَجَاءَ بِالنِّسْيَانِ عَلَى الْمُشَاكَلَةِ . انْتَهَى . وَتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ بِقَوْلِهِ : لَا يَخْفَى أَنَّ نِسْيَانَ كَوْنِهِ شَارِعًا بَعِيدٌ غَايَةَ الْبُعْدِ ، وَقَدْ يُشْعِرُ هَذَا الْوَجْهُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ النِّسْيَانُ عَلَى الشَّارِعِ ، أَوِ الْمُرَادُ نَسَبْتَ النِّسْيَانَ إِلَيَّ جَزْمًا مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي . انْتَهَى . ( بِهَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ) : بِالْوَحْيِ أَوْ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَالتَّقْدِيمُ فِيهِ لِلِاهْتِمَامِ .
بَابُ غَسْلِ الرِّجْل حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قال : ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ باب غسل الرجل ( يَدْلُكُ ) : مِنْ بَابِ نَصَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ يُخَلِّلُ بَدَلَ يَدْلُكُ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، لِأَنَّ الدَّلْكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْغَسْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ . قُلْتُ : ابْنُ لَهِيعَةَ لَيْسَ مُتَفَرِّدًا بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ بَلْ تَابَعَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارثِ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ الثَّلَاثَةِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ قِطْرِيَّةٌ ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَنْقُضْ الْعِمَامَةَ ( قِطْرِيَّةٌ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطاء الْمُهْمَلَةِ : هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ فِيهِ حُمْرَةٌ وَلَهَا أَعْلَامٌ فِيهَا بَعْضُ الْخُشُونَةِ ، وَقِيلَ حُلَلٌ جِيَادٌ تُحْمَلُ مِنَ الْبَحْرَيْنِ مِنْ قَرْيَةٍ تُسَمَّى قِطْرًا ، وَأَحْسَبُ أَنَّ الثِّيَابَ الْقِطْرِيَّةَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا ، فَكَسْرُ الْقَافِ لِلنِّسْبَةِ . قَالَهُ مُحَمَّدُ طَاهِر . وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى التَّعَمُّمِ بِالْحُمْرَةِ ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ لَوْلَا فِي الْحَدِيثِ ضَعْفٌ وَفِيهِ إِبْقَاءُ الْعِمَامَةِ حَالَ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُوَسْوَسِينَ ، يَنْزِعُونَ عَمَائِمَهُمْ عِنْدَ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ مِنَ التَّعَمُّقِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ، وَكُلُّ الْخَيْرِ فِي الِاتِّبَاعِ وَكُلُّ الشَّرِّ فِي الِابْتِدَاعِ ( وَلَمْ يَنْقُضِ الْعِمَامَةَ ) : أَيْ لَمْ يَحُلَّهَا ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ : فَأَدْخَلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْعِمَامَةِ . وَمَقْصُودُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْقُضْ عِمَامَتَهُ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ مَسْحَ الرَّأْسِ كُلِّهِ ، وَلَمْ يَنْفِ التَّكْمِيلَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَغَيْرُهُ ، فَسُكُوتُ أَنَسٍ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُوَافِقُ الْحَدِيثُ الْبَابَ .
بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ ثَوْرٍ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَأَصَابَهُمْ الْبَرْدُ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ وَالتَّسَاخِينِ بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَجَمْعُهُ عَمَائِمٌ . ( سَرِيَّةً ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ : قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ مِنْ خَمْسِ أَنْفُسٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ، وَقِيلَ : إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ . قَالَ السُّيُوطِيُّ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : السَّرِيَّةُ : قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ ، يُقَالُ : خَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةُ رَجُلٍ . انْتَهَى . ( الْبَرْدُ ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ ضِدُّ الْحَرَارَةِ ( الْعَصَائِبِ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْعَمَائِمُ . بِذَلِكَ فَسَّرَهَا إِمَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَبُو عُبَيْدٍ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الرَّأْسَ يُعْصَبُ بِهَا ، فَكُلُّ مَا عَصَبْتَ بِهِ رَأْسَكَ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ عِصَابَةٍ فَهُوَ عِصَابَةٌ ، صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْأَثِيرِ ( وَالتَّسَاخِينِ ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هِيَ الْخِفَافُ وَلَا وَاحِدَ لَهَا ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ : يُقَالُ أَصْلُ ذَلِكَ كُلُّ مَا يُسَخَّنُ بِهِ الْقَدَمُ مِنْ خُفٍّ وَجَوْرَبٍ وَنَحْوِهِمَا وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، وَقِيلَ : وَاحِدُهَا تَسْخَانٌ وَتَسْخينٌ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : وَهُوَ قَوْلٌ غير وَاحِد مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ : أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ ، وَبِهِ يَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، قَالُوا : يُمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ ، قَالَ : وَسَمِعْتُ الْجَارُودَ بْنَ مُعَاذٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ وَكِيعَ بن الْجَرَّاحَ يَقُولُ : إِنْ مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَةِ يُجْزِئُهُ لِلْأَثَرِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَمَكْحُولٍ ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ لَا يَكْفِي عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ : لَا يَمْسَحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إِلَّا أَنْ يَمْسَحَ بِرَأْسِهِ مَعَ الْعِمَامَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . قُلْتُ : أَحَادِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْ طُرُقٍ قَوِيَّةٍ مُتَّصِلَةِ الْأَسَانِيدِ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ كَمَا عَرَفْتَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الرَّأْسِ فَقَطْ ، وَعَلَى الْعِمَامَةِ فَقَطْ ، وَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعِمَامَةِ مَعًا ، وَالْكُلُّ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الصِّحَاحِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنٌ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَقَصْرُ الْإِجْزَاءِ عَلَى بَعْضِ مَا وَرَدَ لِغَيْرِ مُوجِبٍ لَيْسَ مِنْ دَأْبِ الْمُنْصِفِينَ ، بَلِ الْحَقُّ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَقَطْ .
بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ يَعْنِي الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ ، قال : ثنا أَبُو الْمَلِيحِ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ زَوْرَانَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ ، وَقَالَ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالْوَلِيدُ بْنُ زَوْرَانَ رَوَى عَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبُو الْمَلِيحِ الرَّقِّيُّ . بَابُ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ : اسْمٌ لِجَمْعٍ مِنَ الشَّعْرِ يَنْبُتُ عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالذَّقَنِ . ( حَنَكِهِ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ : مَا تَحْتَ الذَّقَنِ مِنَ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ ، وَجَمْعُهُ أَحْنَاكٌ ( وَقَالَ ) : لِمَنْ حَضَرَهُ ( هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي ) : أَيْ أَمَرَنِي بِتَخْلِيلِهَا ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ بَعْدَ قَوْلِهِ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي هَذِهِ الْعِبَارَةُ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَالْوَلِيدُ بْنُ زُورانَ رَوَى عَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ وَأَبُو الْمُلَيْحِ الرَّقِّيُّ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : ومقْتَضى هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ كَانَ يُخَلِّلُ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَدِيٍّ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ بِكَفَّيْهِ . انْتَهَى . وَفِي الْبَابِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عُثْمَانَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ . وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : أَصَحُّ شَيْءٍ عِنْدِي فِي التَّخْلِيلِ حَدِيثُ عُثْمَانَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، انْتَهَى . لَكِنَّ ابْنَ مَعِينٍ ضَعَّفَ عَامِرَ بْنَ شَقِيقٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ بِلَفْظِ : هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي . وَعَنْ عَائِشَةَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ : إِذَا تَوَضَّأَ خَلَّلَ لِحْيَتَهُ ، وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ : تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ ، وَفِيهِ وَاصِلُ بْنُ السَّائِبِ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا . وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ ، وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَكَعْبِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي بَكْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُمِّ سَلَمَةَ ، وَحَدِيثُ كُلِّ هَؤُلَاءِ مَذْكُورٌ فِي تَخْرِيجِ الْإِمَامِ جَمَالِ الدِّينِ الزَّيْلَعِيِّ ، وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ : إِنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : وَلَا فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ الطبري وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ تَخْلِيلَ اللِّحْيَةِ وَاجِبٌ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ ، هَكَذَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لِابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَقَى .
بَابٌ فِي الِاسْتِنْثَارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْثُرْ بَابٌ فِي الِاسْتِنْثَارِ هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّثْرِ بِالنُّونِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ طَرْحُ الْمَاءِ الَّذِي يَسْتَنْشِقُهُ الْمُتَوَضِّئُ ، أَيْ يَجْذِبُهُ بِرِيحِ أَنْفِهِ لِتَنْظِيفِ مَا فِي دَاخِلِهِ فَيَخْرُجُ بِرِيحِ أَنْفِهِ سَوَاءٌ كَانَ بِإِعَانَةِ يَدِهِ أَمْ لَا . ( ثُمَّ لِيَنْثُرْ ) : بِمُثَلَّثَةٍ مَضْمُومَةٍ بَعْدَ النُّونِ السَّاكِنَةِ مِنْ بَابِ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ عَلَى وَزْنِ لِيَفْتَعِلْ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ ، يُقَالُ : نَثَرَ الرَّجُلُ وَانْتَثَرَ إِذَا حَرَّكَ النَّثْرَةَ وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ فِي الطَّهَارَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ . وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالِاسْتِنْثَارِ . وَصَرَّحَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدْبِ بِمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ ، فَأَحَالَهُ عَلَى الْآيَةِ ، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ آيَةِ الْوُضُوءِ ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ الْمُبَيِّنُ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفَ وُضُوءَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الِاسْتِقْصَاءِ أَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاقَ بَلْ وَلَا الْمَضْمَضَةَ ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ لَمْ يُوجِبْ الْمَضْمَضَةَ أَيْضًا ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهَا أَيْضًا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ لَقِيطٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدًا ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَلَفْظُهُ إِذَا اسْتَنْثَرْتَ فَلْيسْتَنْثِرْ وِتْرًا ، أَخْرَجَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ وَأَصْلُهُ لِمُسْلِمٍ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، قال : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ قَارِظٍ ، عَنْ أَبِي غَطَفَانَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . ( اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ ) : أَيْ أَعْلَى نِهَايَةِ الِاسْتِنْثَارِ ( أَوْ ثَلَاثًا ) : لَمْ يَذْكُرِ الْمُبَالَغَةَ فِي الثَّلَاثِ ، وَكَأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الثِّنْتَيْنِ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَالِغَتَيْنِ أَنَّهُمَا فِي أَعْلَى نِهَايَةِ الِاسْتِنْثَارِ مِنْ قَوْلِهِمْ : بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ . وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْأَمْرِ بِالِاسْتِنْثَارِ بِمَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِحَدِيثِ الْوُضُوءِ مَرَّةً ، وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِإِيجَابِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ إِمَّا لِأَنَّهُ خَاصٌّ ، وَحَدِيثُ الْوُضُوءِ مَرَّةً عَامٌّ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ قَوْلٌ خَاصٌّ بِنَا فَلَا يُعَارِضُهُ فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، وَالْمَقَامُ لَا يَخْلُو عَنْ مُنَاقَشَةٍ فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ ، انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ وَاسْتَنْثَرَ فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ الْحَافِظُ : وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ فِي آخَرِينَ قَالُوا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ : كُنْتُ وَافِدَ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَأَمَرَتْ لَنَا بِخَزِيرَةٍ فَصُنِعَتْ لَنَا ، قَالَ : وَأُتِينَا بِقِنَاعٍ وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ ، وَالْقِنَاعُ الطَّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ أَصَبْتُمْ شَيْئًا أَوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ إِذْا دَفَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ إِلَى الْمُرَاحِ وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعَرُ فَقَالَ : مَا وَلَّدْتَ يَا فُلَانُ ؟ قَالَ : بَهْمَةً . قَالَ : فَاذْبَحْ لَنَا مَكَانَهَا شَاةً ثُمَّ قَالَ : لَا تَحْسِبَنَّ وَلَمْ يَقُلْ : لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا ، لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ ، فَإِذَا وَلَّدَ الرَّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ فِي لِسَانِهَا شَيْئًا ، يَعْنِي الْبَذَاءَ ، قَالَ : فَطَلِّقْهَا إِذًا قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لَهَا صُحْبَةً وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ . قَالَ : فَمُرْهَا يَقُولُ : عِظْهَا فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلْ ، وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ . قَالَ : أَسْبِغْ الْوُضُوءَ ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا . ( فِي آخَرِينَ ) : أَيْ في جَمَاعَةٍ آخَرِينَ ، وَكَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ مِنْهُمْ ( وَافِدَ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : وَفَدَ فُلَانٌ عَلَى الْأَمِيرِ أَيْ وَرَدَ رَسُولًا فَهُوَ وَافِدٌ ، وَالْجَمْعُ وَفْدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ ، وَجَمْعُ الْوَافِدِ أَوْفَادٌ وَوُفُودٌ ، وَالِاسْمُ الْوِفَادَةُ ، وَأَوْفَدْتُهُ أَنَا إِلَى الْأَمِيرِ أَيْ أَرْسَلْتُهُ ، انْتَهَى . وَفِي مَجْمَعِ بِحَارِ الْأَنْوَارِ : الْوَفْدُ قَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ ، الْوَاحِدُ وَافِدٌ وَكَذَا مَنْ يَقْصِدُ الْأُمَرَاءَ بِالزِّيَارَةِ ( الْمُنْتَفِقِ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ : جَدِّ صَبْرَةَ ( أَوْ فِي وَفْدِ ) : هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى انْفِرَادِهِ أَوْ كَوْنِهِ زَعِيمَ الْوَفْدِ وَرَئِيسَهُمْ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّ بَنِي الْمُنْتَفِقِ وَغَيْرَهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا بَلْ أَرْسَلُوا وُفُودَهُمْ ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ فِيهِ ( قَالَ ) : أَيْ لَقِيطٌ ( فَلَمْ نُصَادِفْهُ ) : قَالَ فِي الصِّحَاحِ : صَادَفْتُ فُلَانًا وَجَدْتُهُ ، أَيْ لَمْ نَجِدْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : أَيْ لَقِيطٌ ( فَأَمَرَتْ لَنَا ) : أَيْ عَائِشَةُ ( بِخَزِيرَةٍ ) : بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ الزَّايُ بَعْدَهَا التَّحْتَانِيَّةُ ثُمَّ الرَّاءُ ، عَلَى وَزْنِ كَبِيرَةٍ : هُوَ لَحْمٌ يُقَطَّعُ صِغَارًا وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ فَإِذَا نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَحْمٌ فَهِيَ عَصِيدَةٌ ، وَقِيلَ هِيَ : حِسَاءٌ مِنْ دَقِيقٍ وَدَسَمٍ ، وَقِيلَ : إِذَا كَانَ مِنْ دَقِيقٍ فَهُوَ حَرِيرَةٌ ، وَإِذَا كَانَ مِنْ نُخَالَةٍ فَهُوَ خَزِيرَةٌ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ( فَصُنِعَتْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْخَزِيرَةُ ( وَأُتِينَا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِقِنَاعٍ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَخِفَّةِ النُّونِ ، وَهُوَ الطَّبَقُ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ لَهُ : الْقِنْعُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ ، وَقِيلَ : الْقِنَاعُ جَمْعُهُ ( وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : لَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ ، مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ أَيْ لَمْ يَتَلَفَّظْ قُتَيْبَةُ بِلَفْظِ الْقِنَاعِ تَلَفُّظًا صَحِيحًا بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا اللَّفْظُ ( وَالْقِنَاعُ الطَّبَقُ ) : هَذَا كَلَامٌ مُدْرَجٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ ، فَسَّرَ الْقِنَاعَ بِقَوْلِهِ الطَّبَقَ ( أَصَبْتُمْ شَيْئًا ) : مِنَ الطَّعَامِ ( أَوْ أُمِرَ لَكُمْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا شَكٌّ مِنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ( فَبَيْنَا نَحْنُ ) : كَلِمَةُ بَيْنَ بِمَعْنَى الْوَسْطِ بِسُكُونِ السِّينِ وَهِيَ مِنَ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ وَلَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَقَدْ يَقَعُ ظَرْفَ زَمَانٍ ، وَقَدْ يَقَعُ ظَرْفَ مَكَانٍ بِحَسَبِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ يُحْذَفُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ وَيُعَوَّضُ عَنْهُ مَا أَوِ الْأَلِفُ ، فَيُقَالُ : بَيْنَمَا نَحْنُ كَذَا وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَا ، وَقَدْ لَا يُعَوَّضُ فَيُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ بَيْنَ بَيْنَ أَيْ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ . ( جُلُوسٌ ) : جَمْعُ جَالِسٍ ، وَالْمَعْنَى بَيْنَ أَوْقَاتٍ ، نَحْنُ جَالِسُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا إِذَا دَفَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ . الْحَدِيثَ ( إِذَا دَفَعَ ) : أَيْ سَاقَ ( الرَّاعِي غَنَمَهُ ) : وَكَانَتِ الْغَنَمُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَى الْمُرَاحِ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُرَاحُ بِالضَّمِّ حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ بِاللَّيْلِ ( وَمَعَهُ ) : أَيْ مَعَ الرَّاعِي أَوْ مَعَ الْغَنَمِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْغَنَمُ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَعَلَى الْإِنَاثِ وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا صَغَّرْتَهَا أَلْحَقْتَهَا الْهَاءَ فَقُلْتَ غُنَيْمَةٌ ( سَخْلَةٌ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ : وَلَدُ الشَّاةِ مِنَ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ حِينَ يُولَدُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى . كَذَا فِي الْمُحْكَمِ ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِأَوْلَادِ الْمَعْزِ ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ، قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ( تَيْعَرُ ) : فِي الْقَامُوسِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَتَضْرِبُ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ كَتَمْنَعُ ، وَمَصْدَرُهُ يُعَارٌ بِضَمِّ الْيَاءِ كَغُرَابٍ ، وَهُوَ صَوْتُ الْغَنَمِ أَوِ الْمَعْزِ أَوِ الشَّدِيدِ مِنْ أَصْوَاتِ الشَّاءِ ، وَمَاضِيهِ يَعَرَتْ أَيْ صَاحَتْ ، وَفِي النِّهَايَةِ يُعَارٌ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ لِصَوْتِ الْمَعْزِ ، فَمَعْنَى تَيْعِرُ أَيْ تُصَوِّتُ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا وَلَّدْتَ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَفَتْحِ التَّاءِ ، يُقَالُ : وَلَّدْتَ الشَّاةَ تَوْلِيدًا إِذَا حَضَرْتَ وِلَادَتَهَا فَعَالَجْتَهَا حَتَّى تَبَيَّنَ الْوَلَدُ مِنْهَا ، وَالْمُوَلِّدَةُ الْقَابِلَةُ ، وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ : مَا وَلَدَتْ يَعْنُونَ الشَّاةَ ، وَالْمَحْفُوظُ التَّشْدِيدُ بِخِطَابِ الرَّاعِي . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ بِتَشْدِيدِ وَفَتْحِ تَاءٍ خِطَابًا لِلرَّاعِي ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يُخَفِّفُونَ اللَّامَ وَيُسَكِّنُونَ التَّاءَ ، وَالشَّاةُ فَاعِلُهُ وَهُوَ غَلَطٌ . انْتَهَى . لَكِنْ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ بِخِفَّةِ لَامٍ وَسُكُونِ تَاءٍ لَا بِالتَّشْدِيدِ إِذِ الْمُوَلَّدَةُ بِالْفَتْحِ أُمُّهَا لَا هِيَ . انْتَهَى . ( يَا فُلَانُ قَالَ ) : الرَّاعِي الْمَدْعُوُّ بِلَفْظِ فُلَانٍ ( بَهْمَةً ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ ، أَيْ وَلَدَتِ الشَّاةُ بَهمَةً . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَهْمَةَ اسْمٌ لِلْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيَعْلَمَ أَذَكَرًا وَلَّدَ أَمْ أُنْثَى وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ إِنَّمَا تَوَلَّدَ أَحَدُهُمَا . انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِيَعْلَمَ هَلِ الْمَوْلُودُ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ لِيَذْبَحَ بِقَدْرِهِ مِنَ الشِّيَاهِ الْكِبَارِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ . ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَكَانَهَا ) : أَيِ السَّخْلَةُ ( ثُمَّ قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَحْسِبَنَّ ) : بِكَسْرِ السِّينِ ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّوَسُّطِ ، قَالَ لَقِيطٌ : وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَحْسَبَنَّ ) : بِفَتْحِ السِّينِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ : مُرَادُ الرَّاوِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَطَقَ هَاهُنَا مَكْسُورَةَ السِّينِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا بِفَتْحِهَا ، فَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنِّي رَوَيْتُهَا بِالْمَعْنَى عَلَى اللُّغَةِ الْأُخْرَى أَوْ شَكَكْتُ فِيهَا أَوْ غَلِطْتُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، بَلْ أَنَا مُتَيَقِّنٌ بِنُطْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَسْرِ وَعَدَمِ نُطْقِهِ بِالْفَتْحِ ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَطَقَ بِالْمَفْتُوحَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ بَلْ قَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ ، فَقَدْ قُرِئَ بِوَجْهَيْنِ ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْطِقُ بِالْفَتْحِ فَاسْتَغْرَبَ الْكَسْرَ وَضَبَطَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْطِقُ بِالْكَسْرِ وَرَأَى النَّاسَ يَنْطِقُونَ بِالْفَتْحِ ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَسْرُ ( ذَبَحْنَاهَا ) : أَيِ الشَّاةَ ، أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّا لَمْ نَتَكَلَّفْ لَكُمْ بِالذَّبْحِ لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنه ، وَلِيَتبرَأَ عن التَّعَجُّبِ وَالِاعْتِدَادِ عَلَى الضَّيْفِ ( أَنْ تَزِيدَ ) : عَلَى الْمِائَةِ فَتَكْثُرَ ، لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ لِإِنْجَاحِ حَاجَتِي ( ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً ) : وَقَدِ اسْتَمَرُّوا بِي عَلَى هَذَا ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَمَرْنَاهَا بِالذَّبْحِ ، فَلَا تَظُنُّوا بِي أَنِّي أَتَكَلَّفُ لَكُمْ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّبْحِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا : لَا تَتَكَلَّفُوا لَنَا ، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : لَا تَحْسِبَنَّ ، هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْوَاقِعَةِ ( قَالَ ) : لَقِيطٌ ( يَعْنِي الْبَذَاءَ ) : هُوَ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ : الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ ، يُقَالُ : بَذَوْتُ عَلَى الْقَوْمِ ، وَأَبْذَيْتُ عَلَى الْقَوْمِ وَفُلَانٌ بَذِيُّ اللِّسَانِ وَالْمَرْأَةُ بَذِيَّةٌ وَقَدْ بَذُوَ الرَّجُلُ يَبْذُوا بَذَاءً . كَذَا فِي الصِّحَاحِ . ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَطَلِّقْهَا إِذًا ) : أَيْ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ لِسَانٍ وَفُحْشٍ فَطَلِّقْهَا ( صُحْبَةً ) : مَعِي ( وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : يُطْلَقُ الْوَلَدُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَعَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ( فَمُرْهَا ) : أَيِ الْمَرْأَةَ أَنْ تُطِيعَكَ وَلَا تَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ ( يَقُولُ ) : الرَّاوِي : أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ( عِظْهَا ) : أَمْرٌ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَهِيَ بِالطَّرِيقِ الْحَسَنَةِ أَسْرَعُ لِلتَّأْثِيرِ ، فأمره لَهَا بِالْمَوْعِظَةِ لِتَلْييِنِ قَلْبِهَا فَتَسْمَعَ كَلَامَ زَوْجِهَا سَمَاعَ قَبُولٍ ( فَإِنْ يَكُ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَوْلُهُمْ : لَمْ يَكُ أَصْلُهُ يَكُونُ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهَا لَمْ جَزَمَتْهَا فَالْتَقَى سَاكِنَانِ فَحُذِفَتِ الْوَاوُ ، فَيَبْقَى لَمْ يَكُنْ ، فَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا حَذَفُوا النُّونَ تَخْفِيفًا فَإِذَا تَحَرَّكَتْ أَثْبَتُوهَا ، فَقَالُوا : لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ . وَأَجَازَ يُونُسُ حَذْفَهَا مَعَ الْحَرَكَةِ ( فِيهَا ) : أَيْ فِي الْمَرْأَةِ ( فَسَتَفْعَلُ ) : مَا تَأْمُرُهَا بِهِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فَتَسْتَقْبِلُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ انْتَهَى . ( ظَعِينَتَكَ ) : بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ : أَصْلُهَا رَاحِلَةٌ تُرَحَّلُ ، وَيَظْعَنُ عَلَيْهَا أَيْ يُسَارُ ، وَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ ظَعِينَةٌ لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُ مَا ظَعَنَ ، أَوْ تُحْمَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِذَا ظَعَنَتْ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ وَحْدَهَا وَلِلْهَوْدَجِ وَحْدَهُ . كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : هِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْهَوْدَجِ كُنِيَ بِهَا عَنِ الْكَرِيمَةِ ، وَقِيلَ : هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا تَظْعَنُ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا مِنَ الظَّعْنِ وَهُوَ الذَّهَابُ ( كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ : تَصْغِيرُ الْأَمَةِ ضِدُّ الْحُرَّةِ ، أَيْ جُوَيْرِيَّتُكَ ، وَالْمَعْنَى : لَا تَضْرِبِ الْمَرْأَةَ مِثْلَ ضَرْبِكَ الْأَمَةَ ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ لَطِيفٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالضَّرْبِ بَعْدَ عَدَمِ قَبُولِ الْوَعْظِ ، لَكِنْ يَكُونُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ . ( أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، أَيْ أَبْلِغْ مَوَاضِعَهُ ، وَأَوْفِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَتَمِّمْهُ وَلَا تَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ( وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ ) : التَّخْلِيلُ : تَفْرِيقُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ إِدْخَالِ شَيْءٍ فِي خِلَالِ شَيْءٍ وَهُوَ وَسَطُهُ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالتَّخْلِيلُ : اتِّخَاذُ الْخِلِّ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ : تَخَلَّلْتُ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ( وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ) : فَلَا تُبَالِغْ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمُبَالَغَةُ لِلصَّائِمِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى حَلْقِهِ مَا يُفْطِرُهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا أَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَعْضِ سُنَنِ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ كَانَ عَارِفًا بِأَصْلِ الْوُضُوءِ . وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ : اقْتَصَرَ فِي الْجَوَابِ عِلْمًا مِنْهُ أَنَّ السَّائِلَ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ ظَاهِرِ الْوُضُوءِ بَلْ عَمَّا خَفِيَ مِنْ بَاطِنِ الْأَنْفِ وَالْأَصَابِعِ ، فَإِنَّ الْخِطَابَ بِأَسْبِغْ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ نَحْوَ مَنْ عَلِمَ صِفَتَهُ ، انْتَهَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي الصَّوْمِ مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الطَّهَارَةِ وَالْوَلِيمَةِ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ مُخْتَصَرًا . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ ، قال : ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قال : حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ وَافِدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَنَّهُ أَتَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ، قَالَ : فَلَمْ ننْشَبْ أَنْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَلَّعُ ، يَتَكَفَّأُ ، وَقَالَ : عَصِيدَةٌ ، مَكَانَ خَزِيرَةٍ . ( حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ( فَذَكَرَ ) : ابْنُ جُرَيْجٍ ( مَعْنَاهُ ) : أَيْ مَعْنَى حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ ، فَحَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ وَيَحْيَى بْنِ سُلَيْمٍ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى غَيْرُ مُتَّحِدَيْنِ فِي اللَّفْظِ ( قَالَ ) : أَيْ زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي حَدِيثِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ( فَلَمْ نَنْشَبْ ) : كَنَسْمَعْ ، يُقَالُ : لَمْ يَنْشَبْ أَيْ لَمْ يَلْبَثْ ، وَحَقِيقَتُهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ غَيْرَهُ وَلَا اشْتَغَلَ بِسِوَاهُ ( يَتَقَلَّعُ ) : مُضَارِعٌ مِنَ التَّقَلُّعِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ قُوَّةُ مَشْيهِ كَأَنَّهُ يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ رَفْعًا قَوِيًّا لَا كَمَنْ يَمْشِي اخْتِيَالًا وَتَقَارُبَ خُطاه تَنَعُّمًا ، فَإِنَّهُ مِنْ مَشْيِ النِّسَاءِ ( يَتَكَفَّأُ ) : بِالْهَمْزَةِ فَهُوَ مَهْمُوزُ اللَّامِ ، وَقَدْ تُتْرَكُ الْهَمْزَةُ وَيَلْتَحِقُ بِالْمُعْتَلِّ لِلتَّخْفِيفِ ، وَهَاتَانِ الْجُمْلَتَانِ حَالِيَّتَانِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : تَكَفَّأَ ، أَيْ مَالَ يَمِينًا وَشِمَالًا كَالسَّفِينَةِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ يَرْفَعُ الْقَدَمَ مِنَ الْأَرْضِ ، ثُمَّ يَضَعُهَا ، وَلَا يَمْسَحُ قَدَمَهُ عَلَى الْأَرْضِ كَمَشْيِ الْمُتَبَخْتِرِ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ، أَيْ يَرْفَعُ رِجْلَهُ عَنْ قُوَّةٍ وَجَلَادَةٍ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ تَكَفَّأَ بِمَعْنَى صَبَّ الشَّيْءَ دَفْعَةً ( وَقَالَ ) : ابْنُ جُرَيْجٍ فِي رِوَايَتِهِ ( عَصِيدَةً ) : وَهُوَ دَقِيقٌ يُلَتُّ بِالسَّمْنِ وَيُطْبَخُ ، يُقَالُ : عَصَدْتُ الْعَصِيدَةَ وَأَعْصَدْتُهَا اتَّخَذْتُهَا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، قال : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ فِيهِ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ . ( قَالَ فِيهِ ) : أَيْ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ( فَمَضْمِضْ ) : أَمْرٌ مِنَ الْمَضْمَضَةِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْمَضْمَضَةِ ، وَهَذَا مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وابن المنذر وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَحَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ مِنْ وُجُوبِ الْمَضْمَضَةِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَعْلَامِ . وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ : أَنَّ الِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبٌ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ فِيهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، قال : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ لَيْثًا يَذْكُرُ عَنْ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : دَخَلْتُ يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ وَالْمَاءُ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ عَلَى صَدْرِهِ ، فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ باب في الفرق ، إلخ ( يَسِيلُ ) : أَيْ يَقْطُرُ ( وَلِحْيَتِهِ ) : بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْحَاءِ ( فَرَأَيْتُهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ) : وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرَى الْفَصْلَ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عن جده كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْيَمَامِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ، يَأْخُذُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَاءً جَدِيدًا . الْحَدِيثَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا . وَتَقَدَّمَ رِوَايَةُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُثْمَانَ : أَنَّهُ رَآهُ دَعَا بِمَاءٍ فَأَتَى بِمِيضَأَةٍ فَأَصْغَاهَا عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي الْمَاءِ فَتَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا . الْحَدِيثَ . وَفِيهِ رَفَعَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْفَصْلِ . وَرَوَى أَبُو عَلِيٍّ فِي صِحَاحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّآ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَأَفْرَدَا الْمَضْمَضَةَ مِنَ الِاسْتِنْشَاقِ ، ثُمَّ قَالَا : هَكَذَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ . فَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْفَصْلِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا الْجَمْعُ ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيٍّ : أَنَّهُ دَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَتَمَضْمَضَ وَأَدْخَلَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فِي فِيهِ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا . بَلْ فِي ابْنِ مَاجَهْ أَصْرَحُ مِنْ هَذَا بِلَفْظِ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ . وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضُ الْمَبَاحِثِ فِي الْوَصْلِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ . وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْوَصْلَ وَالْفَصْلَ كِلَاهُمَا ثَابِتٌ ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْوَصْلِ قَوِيَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِوُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً باب الوضوء مرة مرة ( فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً ) : بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ كَالسَّابِقِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ طَرَفٌ مِنَ الذِي قَبْلَهُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مَرَّةً مَرَّةً ، وَمَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ ، وَأَفْضَلُهُ ثَلَاثٌ ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ ، وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بَعْضَ وُضُوئِهِ مَرَّةً وَبَعْضَهُ ثَلَاثًا . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ .
بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قال : حَدَّثَنَا زَيْدٌ ، يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَوْبَانَ ، قال : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ باب الوضوء مرتين ( تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ) : لِكُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَالنَّصْبُ فِيهِمَا عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلْكَمِّيَّةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً مَرَّةً وَعَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ سُنَّةٌ ، وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْغَسْلِ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وبَعْضِ الْأَعْضَاءِ ثَلَاثًا وَبَعْضِهَا مَرَّتَيْنِ ، وَالِاخْتِلَافُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، وَأَنَّ الثَّلَاثَ هِيَ الْكَمَالُ وَالْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ ، وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، قال : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، قال : حَدَّثَنَا زَيْدٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ، فَاغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَجَمَعَ بِهَا يَدَيْهِ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ الْمَاءِ ، ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنْ الْمَاءِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْلُ ، ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ يَدٍ فَوْقَ الْقَدَمِ ، وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ ، ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ( فَاغْتَرَفَ غَرْفَةً ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَبِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْمَغْرُوفِ ، وَهِيَ مِلْءُ الْكَفِّ ( فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ) : فِيهِ دَلِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ( ثُمَّ أَخَذَ ) : غَرْفَةً ( أُخْرَى فَجَمَعَ بِهَا ) : أَيْ بِالْغَرْفَةِ ( يَدَيْهِ ) : أَيْ جَعَلَ الْمَاءَ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ فِي الْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ قَدْ لَا تَسْتَوْعِبُ الْغَسْلَ ( ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ) : وَفِيهِ دَلِيلُ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا ( فَرَشَّ ) : أَيْ سَكَبَ الْمَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْغَسْلِ ( عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ حَتَّى غَسَلَهَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرَّشِّ ( وَفِيهَا ) : أَيِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى ( النَّعْلُ ) : قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : هُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ غَسْلِ أَسْفَلِهَا ( ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ ) : قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِالْمَسْحِ تَسْيِيلُ الْمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْعُضْوَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو فِيهِ أَنَّ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا . فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ وَهُمَا فِي نَعْلَيْهِ ، وَهَذَا مَوْضِعُ اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّرْجَمَةِ . وَفِي التَّوَسُّطِ : مَسَحَهَا ، أَيْ دَلَّكَهَا ( يَدٍ ) : بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَبِالرَّفْعِ ( وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ ) : قَالَ الْحَافِظُ : أَمَّا قَوْلُهُ : تَحْتَ النَّعْلِ ، فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّجَوُّزِ عَنِ الْقَدَمِ ، وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ ، وَرَاوِيهَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِمَا تفَردَ بِهِ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ . وَفِي التَّوَسُّطِ أَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ . وَلَعَلَّهُ كَرَّرَ الْمَسْحَ حَتَّى صَارَ غَسْلًا ( ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ) : أَيْ رَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَفِيهَا النَّعْلُ ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ فَوْقَ الْقَدَمِ وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَرَّتَيْنِ فَلَا يُعْلَمُ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بِالْبَابِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُفَرَّقًا بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا . وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ : ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى . وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ : ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَذَلِكَ يُوَضِّحُ مَا أُبْهِمَ فِي لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ . وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَلَى طَرَفٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً خِلَافَ مَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، انْتَهَى .
بَابُ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : ثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قال : إنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ الطُّهُورُ ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ فِي إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا ، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ، وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا الْوُضُوءُ ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ باب الوضوء ثلاثا ثلاثا ( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبِ ) : بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّهْمِيِّ الْمَدَنِيِّ ، نَزِيلِ الطَّائِفِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا حَدَّثَ عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ فَهُوَ ثِقَةٌ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَالَ الْقَطَّانُ : إِذَا رَوَى عَنِ الثِّقَاتِ فَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ يُحْتَجُّ بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إِنَّمَا ضَعَّفَهُ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ صَحِيفَةِ جَدِّهِ ، كَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مِنْ جَدِّهِ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عِنْدَنَا وَاهٍ . انْتَهَى . وقَالَ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ يَأْتِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . فَعَمْرٌو لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْدَادٍ : مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ; فَمُحَمَّدٌ تَابِعِيٌّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَعَمْرٌو صَحَابِيَّانِ ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِجَدِّهِ مُحَمَّدًا فَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ عَمْرًا فَالْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يُدْرِكْ عَمْرًا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ فَيُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ سَمَاعِ شُعَيْبٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ . وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ جَامِعِهِ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : رَأَيْتُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ - وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا - يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : وَقَدْ سَمِعَ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . انْتَهَى . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِنْ سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ تَمِيمٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ : شُعَيْبٌ وَالِدُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ يَتَكَلَّمُ النَّاسُ فِيهِ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَالْحُمَيْدِيَّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَحْتَجُّونَ بِهِ . انْتَهَى وَيَدُلُّ عَلَى سَمَاعِ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ فِي إِفْسَادِ الْحَجِّ فَقَالُوا : عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَسْأَلُهُ عَنْ مُحْرِمٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ ، فَأَشَارَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ فَاسْأَلْهُ . قَالَ شُعَيْبٌ : فَلَمْ يَعْرِفْهُ الرَّجُلُ . فَذَهَبْتُ مَعَهُ ، فَسَأَلَ ابْنَ عَمْرٍو . قَالَ الْحَافِظُ قَالَ أَحْمَدُ : عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ لَهُ أَشْيَاءُ مَنَاكِيرُ وَإِنَّمَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ يُعْتَبَرُ بِهِ ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فَلَا . قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا ؟ قَالَ : يَقُولُ حَدَّثَنِي أَبِي ، قُلْتُ : فَأَبُوهُ سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : نَعَمْ ، أَرَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ : سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَقَالَ : أَنَا أَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَرُبَّمَا احْتَجَجْنَا بِهِ وَرُبَّمَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْتُ أَحْمَدَ وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَعَامَّةَ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، مَا تَرَكَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : فَمَنِ النَّاسُ بَعْدَهُمْ ! انْتَهَى . وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ : صَحَّ سَمَاعُ عَمْرٍو مِنْ أَبِيهِ ، وَصَحَّ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . وَفِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ لِلْمُصَنِّفِ : وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا حُجَّةٌ مُطْلَقًا إِذَا صَحَّ السَّنَدُ إِلَيْهِ . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ حَمْلًا لِلْجَدِّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الصَّحَابِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو دُونَ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَالِدِ شُعَيْبٍ لِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ إِطْلَاقِهِ ذَلِكَ ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا خَيْثَمَةَ وَعَامَّةَ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، مَا تَرَكَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَثَبَّتُوهُ ، فَمَنِ النَّاسُ بَعْدَهُمْ ! . وَقَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ : هِيَ مُنْقَطِعَةٌ لِأَنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَلْقَ عَبْدَ اللَّهِ ، مَرْدُودٌ فَقَدْ صَحَّ سَمَاعُ شُعَيْبٍ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَحْمَدُ ، وَكَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ ، وَأَنَّ أَبَاهُ كَفَلَ شُعَيْبًا وَرَبَّاهُ ، وَقِيلَ : لَا يُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا . انْتَهَى بِتَلْخِيصٍ . وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَعَلَى الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . ( عَنْ أَبِيهِ ) : شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ جَدِّهِ ، قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَثَبَتَ سَمَاعُهُ مِنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ ، فَالضَّمِيرُ فِي ( عَنْ جَدِّهِ ) : لِشُعَيْبٍ وَإِنْ عَادَ عَلَى عَمْرٍو ابْنِهِ حُمِلَ عَلَى جَدِّهِ الْأَعْلَى الصَّحَابِيِّ ، فَالْحَدِيثُ مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ ( قَالَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ( كَيْفَ الطُّهُورُ ) : الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ضَمَّ الطَّاءِ لِلْفِعْلِ وَفَتْحَ الطَّاءِ لِلْمَاءِ ، وَعَنْ بَعْضٍ عَكْسُهُ ( فَدَعَا ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( السَّبَّاحَتَيْنِ ) : بِمُهْمَلَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَأَلِفٍ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ : تَثْنِيَةُ سَبَّاحَةٍ ، وَأَرَادَ بِهِمَا مُسَبِّحَتَيِ الْيَدِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى ، وَسُمِّيَتْ سَبَّاحَةً لِأَنَّهُ يُشَارُ بِهَا عِنْدَ التَّسْبِيحِ ( ثُمَّ قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَكَذَا الْوُضُوءُ ) : أَيْ تَثْلِيثُ الْغَسْلِ هُوَ أَسْبَغُ الْوُضُوءِ وَأَكْمَلُهُ ، وَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ : هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ فِي كِتَابِهِ غَرَائِبِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( عَلَى هَذَا ) : أَيْ عَلَى الثَّلَاثِ ( أَوْ نَقَصَ ) : عَنِ الثَّلَاثِ ( فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ ) : أَيْ عَلَى نَفْسِهِ بِتَرْكِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِمُخَالَفَتِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَتْعَبَ نَفْسَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ ثَوَابٍ لَهُ أَوْ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَاءَ بِلَا فَائِدَةٍ . وَأَمَّا فِي النَّقْصِ فَأَسَاءَ الْأَدَبَ بِتَرْكِ السُّنَّةِ وَظَلَمَ نَفْسَهُ بِنَقْصِ ثَوَابِهَا بِتَزْدَادِ الْمَرَّاتِ فِي الْوُضُوءِ . وَاسْتُشْكِلَ بِالْإِسَاءَةِ وَالظُّلْمِ عَلَى مَنْ نَقَصَ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَمَرَّةً مَرَّةً . وَأَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ عَلَى جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدَةٍ . وَأُجِيبَ : بِأَنَّهُ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَالْإِسَاءَةُ تَتَعَلَّقُ بِالنَّقْصِ ، أَيْ أَسَاءَ مَنْ نَقَصَ عَنِ الثَّلَاثِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فَعَلَهَا ، لَا حَقِيقَةَ الْإِسَاءَةِ وَالظُّلْمِ بِالزِّيَادَةِ عَنِ الثَّلَاثِ لِفِعْلِهِ مَكْرُوهًا أَوْ حَرَامًا . وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : مَنْ نَقَصَ شَيْئًا مِنْ غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِأَنْ تَرَكَهُ لُمْعَةً فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ مَرْفُوعًا : الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً وَثَلَاثًا ، فَإِنْ نَقَصَ منْ وَاحِدَةٍ أَوْ زَادَ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَهُوَ مُرْسَلٌ لِأَنَّ الْمُطَّلِبَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، فَفِيهِ بَيَانُ مَا أُجْمِلَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، وَأُجِيبَ عَنِ الْحَدِيثِ أَيْضًا بِأَنَّ الرُّوَاةَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى ذِكْرِ النَّقْصِ فِيهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ فَمَنْ زَادَ فَقَطْ ، وَلِذَا ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَضْعِيفِ هَذَا اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِ أَوْ نَقَصَ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَالْقَسْطَلَانِيُّ : عَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي جُمْلَةِ مَا أَنْكَرُوهُ عَلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ ذَمُّ النَّقْصِ عَنِ الثَّلَاثَةِ ، وَالنَّقْصُ عَنْهَا جَائِزٌ ، وَفَعَلَهُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَسَاءَ وَظَلَمَ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ ابْنُ الْمَوَّاقِ : إِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي فَهُوَ مِنَ الْأَوْهَامِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي لَا خَفَاءَ لَهَا ، إِذِ الْوُضُوءُ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ ، وَالْآثَارُ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مِنْ أَبِي عَوَانَةَ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنَ الثِّقَاتِ ، فَإِنَّ الْوَهْمَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ إِلَّا مَنْ عُصِمَ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَكَذَا ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، وَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَوْ نَقَصَ فَقَوِيَ بِذَلِكَ أَنَّهَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ وَهْمٌ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَقَصَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ فَلَمْ يَغْسِلْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، وَزَادَ أَعْضَاءً أُخَرَ لَمْ يُشْرَعْ غَسْلُهَا ، وَهَذَا عِنْدِي أَرْجَحُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ تَثْلِيثًا ، انْتَهَى . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَائِينِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّقْصُ منِ الثَّلَاثِ ، كَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمَحْجُوجُ بِالْإِجْمَاعِ . وَحَكَى الدَّارِمِيُّ عَنْ قَوْمٍ : أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّلَاثِ تُبْطِلُ الْوُضُوءَ كَالزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا : لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : لَا آمَنُ أَنْ يَأْثَمَ مَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ . ( أَوْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ ) : هَذَا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ تَرَكَ الِاحْتِجَاجَ بِحَدِيثِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ . انْتَهَى .
بَابُ مَنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أَخَوَاتٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ ، قال : نا هِشَامٌ - يَعْنِي : الدَّسْتُوَائِيّ - عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : اشْتَكَيْتُ ، وَعِنْدِي سَبْعُ أَخَوَاتٍ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَفَخَ فِي وَجْهِي ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثِ ؟ قَالَ : أَحْسِنْ . قُلْتُ : الشَّطْرُ ؟ قَالَ : أَحْسِنْ ، ثُمَّ خَرَجَ ، وَتَرَكَنِي , فَقَالَ : يَا جَابِرُ لَا أُرَاكَ مَيِّتًا مِنْ وَجَعِكَ هَذَا ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فَبَيَّنَ الَّذِي لِأَخَوَاتِكَ ، فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ قَالَ : وَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ : أُنْزِلَتْ في هَذِهِ الْآيَةُ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ باب من كان ليس له ولد وله أخوات ( اشْتَكَيْتُ ) ؛ أَيْ مَرِضْتُ ( أَلَا أُوصِي لِأَخَوَاتِي ؟ ) ؛ أَيْ مِنْ مَالِي الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِي لِأَخَوَاتِي ، قَالَهُ مَوْلَانَا مُحَمَّدٌ إِسْحَاقُ الدَّهْلَوِيُّ . ( قَالَ : أَحْسِنْ ) ؛ أَيْ إِلَى أَخَوَاتِكَ ( الشَّطْرَ ) ؛ أَيِ النِّصْفُ ، ( لَا أُرَاكَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ؛ أَيْ لَا أَظُنُّكَ . ( مِنْ وَجَعِكَ ) ؛ أَيْ مِنْ مَرَضِكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْكَلَالَةِ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ( قَالَ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْكَلَالَةِ ) إِنْ قُلْتَ : كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةُ الرِّبَا ؟ قُلْتُ : يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا جَمِيعًا فَيَصْدُقُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِرُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَاهُمَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآخِرِيَّةُ فِي آيَةِ النِّسَاءِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَوَارِيثِ مَثَلًا بِخِلَافِ آيَةِ الْبَقَرَةِ ، وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِمَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مَعْنَى الْوَفَاةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِخَاتِمَةِ النُّزُولِ ؛ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ ، قال : نا أَبُو بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ ، فَمَا الْكَلَالَةُ ؟ قَالَ : تُجْزِئكَ آيَةُ الصَّيْفِ قُلْتُ : لِأَبِي إسحاق هُوَ مَنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا ، وَلَا وَالِدًا قَالَ : كَذَلِكَ ظَنُّوا أَنَّهُ كَذَلِكَ . ( جَاءَ رَجُلٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا لَمْ يُفْتِهِ عَنْ مَسْأَلَتِهِ ، وَوَكَّلَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَى بَيَانِ الْآيَةِ اعْتِمَادًا عَلَى عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . ( تُجْزِئُكَ ) ؛ أَيْ تَكْفِيكَ ( آيَةُ الصَّيْفِ ) وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَيَسْتَفْتُونَكَ الْآيَةَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْكَلَالَةِ آيَتَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا فِي الشِّتَاءِ وَهِيَ الْآيَةُ الَّتِي فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَفِيهَا إِجْمَالٌ وَإِبْهَامٌ لَا يَكَادُ يَتَبَيَّنُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ ظَاهِرِهَا ، ثُمَّ أَنْزَلَ الْآيَةَ الْأُخْرَى فِي الصَّيْفِ وَهِيَ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ وَفِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الْبَيَانِ مَا لَيْسَ فِي آيَةِ الشِّتَاءِ ، فَأَحَالَ السَّائِلَ عَلَيْهَا لِيَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ بِالْكَلَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا ، انْتَهَى . ( هُوَ مَنْ مَاتَ إِلَخْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلَالَةِ مَنْ هُوَ ؟ فَقَالَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ : هُوَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدٍ ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ، ورُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ ، وَيُقَالُ إِنَّ هَذَا آخِرُ قَوْلَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ .
بَابٌ : فِي الْكَلَالَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قال : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : مَرِضْتُ فَأَتَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مَاشِيَيْنِ ، وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ ، فَلَمْ أُكَلِّمْهُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّهُ عَلَيَّ ، فَأَفَقْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي ، وَلِي أَخَوَاتٌ ؟ قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ الميراث يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ باب في الكلالة قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : الْكَلَالَةُ الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدٍ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ ، وَقَالَ بِهِ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ . أَوِ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ فَقَطْ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ . أَوِ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ فَقَطْ ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ . أَوْ مَنْ لَا يَرِثُهُ أَبٌ وَلَا أُمٌّ . وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ ، وَقِيلَ : الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ مَا عَدَا الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ ؛ قَالَهُ قُطْرُبٌ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِذَهَابِ طَرَفَيْهِ تَكَلَّلَهُ الْوَرَثَةُ ؛ أَيْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ، انْتَهَى . ( يَعُودُنِي ) مِنَ الْعِيَادَةِ ( وَصَبَّهُ ) ؛ أَيْ صَبَّ مَاءَ وَضُوئِهِ ( فَأَفَقْتُ ) ؛ أَيْ مِنْ إِغْمَائِي ، ( وَلِي أَخَوَاتٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَكَانَ جَابِرٌ يَوْمَ نُزُولِ الْآيَةِ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٍ . قَالَ : وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ حَرَامٍ أَبَا جَابِرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَنَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ فِي آخِرِ عُمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ ) وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ الْآيَةَ . يَسْتَفْتُونَكَ ؛ أَيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي الْكَلالَةِ وَالِاسْتِفْتَاءُ طَلَبُ الْفَتْوَى . وَتَمَامُ الْآيَةِ : إِنِ امْرُؤٌ مَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرهُ هَلَكَ ؛ أَيْ مَاتَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ أَيْ وَلَا وَالِدٍ وَهُوَ الْكَلَالَةُ وَلَهُ أُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ أَوْ أَبٍ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ أَيِ الْأَخُ كَذَلِكَ يَرِثُهَا جَمِيعَ مَا تَرَكَتْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ ذَكَرٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ أُنْثَى فَلَهُ مَا فَضَلَ عَنْ نَصِيبِهَا ، وَلَوْ كَانَتِ الْأُخْتُ أَوِ الْأَخُ مِنْ أُمٍّ فَفَرْضُهُ السُّدُسُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ السُّورَةِ ، فَإِنْ كَانَتَا أَيِ الْأُخْتَانِ اثْنَتَيْنِ أَيْ فَصَاعِدًا لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَابِرٍ وَقَدْ مَاتَ عَنْ أَخَوَاتٍ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ أَيِ الْأَخُ ؛ كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، َنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ رُؤْبَةَ التَّغْلِبِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّصْرِيِّ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ : عَتِيقَهَا ، وَلَقِيطَهَا ، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَليْهُ بَاب مِيرَاثِ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ ( النَّصْرِيُّ ) : بِالنُّونِ ثُمَّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَدِّ ( الْمَرْأَةُ تُحْرِزُ ) : أَيْ تَجْمَعُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَحُوزُ ( عَتِيقَهَا ) : أَيْ مِيرَاثُ عَتِيقِهَا فَإِنَّهُ إِذَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا وَمَاتَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ تَرِثُ مَالَهُ بِالْوَلَاءِ ( وَلَقِيطُهَا ) : هُوَ طِفْلٌ يُوجَدُ مُلْقًى عَلَى الطَّرِيقِ لَا يُعْرَفُ أَبَوَاهُ . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ حُرٌّ ، فَإِذَا كَانَ حُرًّا فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ ، وَالْمِيرَاثُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَمُلْتَقِطِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا . وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ : وَلَاءُ اللَّقِيطِ لِمُلْتَقِطِهِ . وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ لَمْ يَلْزَمِ الْقَوْلُ بِهِ فَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى انْتَهَى ( لَاعَنَتْ عَلَيْهِ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْهُ أَيْ عَنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ . قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : وَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي نَفَاهُ الرَّجُلُ بِاللِّعَانِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَرِثُ الْآخَرَ ، لِأَنَّ التَّوَارُثَ بِسَبَبِ النَّسَبِ انْتَفَى بِاللِّعَانِ ، وَأَمَّا نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَثَابِتٌ وَيَتَوَارَثَانِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ رُوَيَّةَ التَّغْلِبِيُّ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ وَسُئِلَ عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فَقَالَ صَالِحُ الْحَدِيثِ ، قِيلَ : تَقُومُ بِه الْحُجَّةِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنْ صَالِحٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لَمْ يُثْبِتِ الْبُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثُ لِجَهَالَةِ بَعْضِ رُوَاتِهِ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ وَمُوسَى بْنُ عَامِرٍ ، قَالَا : َنَا الْوَلِيدُ ، نَا ابْنُ جَابِرٍ ، نَا مَكْحُولٌ قَالَ : جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ لِأُمِّهِ وَلِوَرَثَتِهَا مِنْ بَعْدِهَا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ ، َنَا الْوَلِيدُ ، أَخْبَرَنِي عِيسَى أَبُو مُحَمَّدٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . ( جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَ ابْنِ الْمُلَاعَنَةِ إِلَخْ ) : فِيهِ أَنَّ ابْنَ الْمُلَاعِنَةِ يَكُونُ مِيرَاثُهُ لِأُمِّهِ فَيَكُونُ لِلْأُمِّ سَهْمُهَا ثُمَّ لِعَصَبَتِهَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَهَذَا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْأُمِّ وَقَرَابَتِهَا مِنَ ابْنٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ زَوْجَةٍ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ أَوْ زَوْجَةٌ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا يَسْتَحِقّهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْمَوَارِيثِ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَدِيثُ مَكْحُولٍ مُرْسَلٌ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ احْتَجَّ بِرِوَايَةٍ لَيْسَتْ مِمَّا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَأَظُنُّهُ أَرَادَ حَدِيثَ مَكْحُولٍ . ( عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إِلَخْ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَفِي رُوَاتِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْقُرَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول كِتَابُ الْفَرَائِضِ بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ أول كتاب الفرائض : جَمْعُ فَرِيضَةٍ كَحَدِيقَةٍ وَحَدَائِقَ ، وَالْفَرِيضَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفَرْضِ وَهُوَ الْقَطْعُ ، يُقَالُ : فَرَضْتُ لِفُلَانٍ كَذَا ؛ أَيْ قَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِنَ الْمَالِ ؛ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . وَخُصَّتِ الْمَوَارِيثُ بِاسْمِ الْفَرَائِضِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : نَصِيبًا مَفْرُوضًا ؛ أَيْ مُقَدَّرًا أَوْ مَعْلُومًا أَوْ مَقْطُوعًا عَنْ غَيْرِهِمْ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قال : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَافِعٍ التَّنُوخِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ( الْعِلْمُ ) ؛ أَيِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ عُلُومِ الدِّينِ ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ . ( فَهُوَ فَضْلٌ ) ؛ أَيْ زَائِدٌ لَا ضَرُورَةَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ ( آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ) ؛ أَيْ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ أَوْ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا ؛ قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ) ؛ أَيْ ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَ( أَوْ ) لِلتَّنْوِيعِ . ( أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : الْمُرَادُ بِالْفَرِيضَةِ كُلُّ حُكْمٍ مِنَ الْأَحْكَامِ يَحْصُلُ بِهِ الْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْفَرِيضَةِ كُلُّ مَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَبِالْعَادِلَةِ الْمُسَاوِيَةُ لِمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ ، فَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ ، انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا حَثٌّ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ وَتَحْرِيضٌ عَلَيْهِ وَتَقْدِيمُ لِعِلْمِهِ ، وَالْآيَةُ الْمُحْكَمَةُ هِيَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَاشْتُرِطَ فِيهَا الْإِحْكَامُ لِأَنَّ مِنَ الْآيِ مَا هُوَ مَنْسُوخٌ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِنَاسِخِهِ . وَالسُّنَّةُ الْقَائِمَةُ هِيَ الثَّابِتَةُ مِمَّا جَاءَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ السُّنَنِ الْمَرْوِيَّةِ ، وَذَكَرَ فِي الْفَرِيضَةِ الْعَادِلَةِ قَرِيبًا مِمَّا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ بْنِ أَنْعَمَ الْإِفْرِيقِيِّ وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ . وَفِيهِ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَافِعٍ التَّنُوخِيُّ قَاضِي إِفْرِيقِيَّةَ ، وَقَدْ غَمَزَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
بَابٌ : فِي الْجَدَّةِ بَاب فِي الْجَدَّةِ : أَيْ أُمُّ الْأَبِ وَأُمُّ الْأُمِّ . حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إسحاق بْنِ خَرَشَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ : جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا ، فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ : مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ ، وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا ، وَأَيَّتُكُمَا ما خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ ) : بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مَفْتُوحَاتٌ ، ( عَنْ قَبِيصَةَ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( ابْنِ ذُؤَيْبٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( جَاءَتِ الْجَدَّةُ ) : أَيْ أُمُّ الْأُمِّ كَمَا فِي رِوَايَةٍ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( مَا لَكَ ) : أَيْ لَيْسَ لَكَ ( حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ) : أَيِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، ( فَأَنْفَذَهُ لَهَا ) : أَيْ فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ بِالسُّدُسِ لِلْجَدَّةِ ، وَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا ، ( ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الَّتِي تُخَالِفُهَا وَالْمُرَادُ أَنَّهَا عَلَى خِلَافِ صِفَةِ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهَا أُمُّ الْأَبِ ، وَهَذِهِ أُمُّ الْأُمِّ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، انْتَهَى . ( وَمَا ) : نَافِيَةٌ ( كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِهِ ) : أَيْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ ( إِلَّا لِغَيْرِكَ ) : الْخِطَابُ لِلْجَدَّةِ الْأُخْرَى ، وَغَيْرُهَا هِيَ الْجَدَّةُ الْأُولَى ، ( وَلَكِنْ هُوَ ) : أَيْ فَرْضُ الْجَدَّةِ ، ( وَأَيَّتُكُمَا مَا خَلَتْ بِهِ ) : مَا زَائِدَةٌ ، أَيِ انْفَرَدَتْ بِالسُّدُسِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْجَدَّةِ السُّدُسُ ، سَوَاءً كَانَتْ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيِّ : جَاءَتِ الْجَدَّةُ - أُمُّ الْأُمِّ أَوْ أُمُّ الْأَبِ - إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ : أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأَبِ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ ، قال : أخبرني أَبِي ، قال : نا عُبَيْدُ اللَّهِ أَبُو الْمُنِيبِ الْعَتَكِيِّ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ تكُنْ دُونَهَا أُمٌّ ( الْعَتَكِيُّ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ ( عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ) : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ( إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونِهَا أُمٌّ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : دُونَ هُنَا بِمَعْنَى قُدَّامَ لِأَنَّ الْحَاجِبَ كَالْحَاجِزِ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْمِيرَاثِ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى : إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أُمُّ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ أُمُّ الْمَيِّتِ لَا تَرِثُ الْجَدَّةُ ، لَا أُمَّ الْأُمِّ ، وَلَا أُمَّ الْأَبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ ، وَهُوَ أَبُو الْمُنِيبِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ الْمَرْوَزِيُّ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ .
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الْحَسَنِ أَنْ عُمَرَ قَالَ : أَيُّكُمْ يَعْلَمُ مَا وَرَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّ ؟ قَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ : أَنَا ، وَرَّثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّدُسَ قَالَ : مَعَ مَنْ ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي ، قَالَ : لَا دَرَيْتَ فَمَا تُغْنِي إِذًا ؟ ( عَنِ الْحَسَنِ ) : هُوَ الْبَصْرِيُّ ( قَالَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَا ) : أَيْ أَنَا أَعْلَمُ ( وَرَّثَهُ ) : أَيِ الْجَدُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ ، وَحَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقُتِلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمَاتَ فِيهَا . وَقِيلَ : مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيِّ : أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لِلْحَسَنِ سَمَاعٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِيهِمَا حَدِيثَ الْحَسَنِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ : أَيْ أَبُ الْأَبِ ، دُونَ أَبِ الْأُمِّ ، فَإِنَّهُ جَدٌّ فَاسِدٌ لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِ الْفَرَائِضِ وَلَا مِنَ الْعَصَبَاتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قال : أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنً أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ ؟ َقَالَ : لَكَ السُّدُسُ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ : لَكَ سُدُسٌ آخَرُ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ دَعَاهُ فَقَالَ : إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ قَالَ قَتَادَةُ : فَلَا يَدْرُونَ مَعَ أَيِّ شَيْءٍ وَرَّثَهُ ، قَالَ قَتَادَةُ : أَقَلُّ شَيْءٍ وَرِثَ الْجَدُّ السُّدُسُ . ( إِنَّ ابْنَ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيرَاثِهِ ) أَيْ : وَلَهُ بِنْتَانِ وَلَهُمَا الثُّلُثَانِ ، وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( لَكَ السُّدُسُ ) : أَيْ بِالْفَرْضِيَّةِ ( لَكَ سُدُسٌ آخَرُ ) : أَيْ بِالْعُصُوبَةِ ( إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ ) : ضُبِطَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِ الْخَاءِ . وَقَالَ الْقَارِيُّ فِي الْمِرْقَاةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْآخِرُ بِالْكَسْرِ ( طُعْمَةٌ ) : أَيْ لَكَ ، يَعْنِي رِزْقٌ لَكَ بِسَبَبِ عَدَمِ كَثْرَةِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ لَكَ ، فَإِنَّهُمْ إِنْ كَثُرُوا لَمْ يَبْقَ هَذَا السُّدُسُ الْأَخِيرُ لَكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَ بِنْتَيْنِ ، وَهَذَا السَّائِلُ ، فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ ، فَدَفَعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِلَى السَّائِلِ سُدُسًا بِالْفَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ جَدُّ الْمَيِّتِ ، وَتَرَكَهُ حَتَّى ذَهَبَ ، فَدَعَاهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ السُّدُسَ الْأَخِيرَ كَيْلَا يَظُنَّ أَنَّ فَرْضَهُ الثُّلُثُ ، وَمَعْنَى الطُّعْمَةِ هُنَا : التَّعْصِيبُ ، أَيْ رِزْقٌ لَكَ لَيْسَ بِفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي السُّدُسِ الْآخَرِ طُعْمَةٌ دُونَ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالْفَرْضُ لَا يَتَغَيَّرُ بِخِلَافِ التَّعْصِيبِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ التَّعْصِيبُ شَيْئًا مُسْتَقِرًّا ثَابِتًا سَمَّاهُ طُعْمَةً . انْتَهَى . ( فَلَا يَدْرُونَ ) : أَيِ الصَّحَابَةُ ( مَعَ أَيِّ شَيْءٍ ) : أَيْ مِنَ الْوَرَثَةِ ( أَقَلُّ شَيْءٍ ) : مُبْتَدَأٌ ( وَرِثَ ) : بِخِفَّةِ الرَّاءِ ( الْجَدُّ ) : فَاعِلُ وَرِثَ ، ( السُّدُسَ ) : مَفْعُولَهُ ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ وِرَاثَةَ السُّدُسِ الْوَاحِدِ لِلْجَدِّ هِيَ أَقَلُّ شَيْءٍ لَهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ للسُّدُسَيْنِ ، السُّدُسُ الْوَاحِدُ بِالْفَرْضِ ، وَالسُّدُسُ الْآخَرُ بِالْعُصُوبَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو حَاتِمِ الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِمَا : إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى ( لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى ) : بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ صِفَةُ أَهْلٍ أَيْ مُتَفَرِّقُونَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَا يَتَوَارَثُ أَيْ مُتَفَرِّقِينَ . وَقِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ الْمِلَّتَيْنِ أَيْ مِلَّتَيْنِ مُتَفَرِّقَتَيْنِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ شَيْئًا مَكَانَ شَتَّى . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ بِالْكُفْرِ أَوْ بِالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلَّتَيْنِ الْكُفْرُ وَالْإِسْلَامُ ، فَيَكُونُ كَحَدِيثِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ الْحَدِيثَ . قَالُوا : وَأَمَّا تَوْرِيثُ مِلَلِ الْكُفْرِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ وَلَمْ يَقُلْ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ لِلْمِلَلِ كُلِّهَا إِلَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا يَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَلَا عَكْسُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمِلَلِ . قَالَ فِي السُّبُلِ : وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَابْنُ أَبِي لَيْلَى هَذَا لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْوَاسِطِيِّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ أَنَّ أَخَوَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ ؛ فَوَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنْهُمَا ، وَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ، فَوَرَّثَ الْمُسْلِمَ . ( إِلَى يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ) : بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمِيمُ بَيْنَهُمَا مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ الْبَصْرِيُّ : نَزِيلُ مَرْوٍ وَقَاضِيهَا ثِقَةٌ فَصِيحٌ وَكَانَ يُرْسِلُ مِنَ الثَّالِثَةِ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ( يَهُودِيٌّ وَمُسْلِمٌ ) : أَيْ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ يَهُودِيٌّ ، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا مُسْلِمٌ ( الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ ) : أَيْ يَزِيدُ بِالدَّاخِلِينَ فِيهِ وَلَا يَنْقُصُ بِالْمُرْتَدِّينَ ، أَوْ يَزِيدُ بِمَا يُفْتَحُ مِنَ الْبِلَادِ وَلَا يَنْقُصُ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْكَفَرَةُ مِنْهَا ، أَوْ أَنَّ حُكْمَهُ يَغْلِبُ وَمِنْ تَغْلِيبِهِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ ، وَاسْتَدَلَّ مُعَاذٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يُورِثُ الْكَافِرَ وَلَا عَكْسَ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ لَكِنْ فِيهِ انْقِطَاعٌ انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ .
بَابُ هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ بَاب هَلْ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ ( لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ إِلَخْ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ مِنَ الْكَافِرِ فَفِيهِ خِلَافٌ ، فَالْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَيْضًا ، وَذَهَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَسْرُوقٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ مِنَ الْكَافِرِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ . وَالْمُرَادُ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ فَضْلُ الْإِسْلَامِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْمِيرَاثِ فَلَا يُتْرَكُ النَّصُّ الصَّرِيحُ . وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ بِالْإِجْمَاعِ . وَأَمَّا الْمُسْلِمُ مِنَ الْمُرْتَدِّ فَفِيهِ أَيْضًا الْخِلَافُ ، فَعِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا اكْتَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَا اكْتَسَبَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، َنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا ؟ فِي حِجَّتِهِ قَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا ، ثُمَّ قَالَ : نَحْنُ نَازِلُونَ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي : الْمُحَصَّبِ وَذَاكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا ، عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ ، وَلَا يُؤْوُوهُمْ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَالْخَيْفُ الْوَادِي . ( وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا ) : وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ : وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ ، فَكَانَ عُمَرُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَقُولُ : لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَوْضِعُ اسْتِدْلَالِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ أَنَّ عَقِيلًا لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ فَوَرِثَهُ ، وَكَانَ عَلِيٌّ وَجَعْفَرٌ مُسْلِمَيْنِ فَلَمْ يَرِثَاهُ ، وَلَمَّا مَلَكَ عَقِيلٌ رِبَاعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَاعَهَا ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مَنْزِلًا انْتَهَى ( بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ مَا ارْتَفَعَ عَنِ السَّيْلِ وَانْحَدَرَ عَنِ الْجَبَلِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُحَصَّبُ ( حَيْثُ قَاسَمَتْ ) : أَيْ حَالَفَتْ ( يَعْنِي الْمُحَصَّبَ ) : تَفْسِيرٌ لِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْمُحَصَّبُ هُوَ الشِّعْبُ الَّذِي مَخْرَجُهُ إِلَى الْأَبْطَحِ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى ( حَالَفَتْ قُرَيْشًا ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : تَحَالَفُوا عَلَى إِخْرَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى هَذَا الشِّعْبِ وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمُ الصَّحِيفَةَ الْمَسْطُورَةَ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْأَبَاطِلِ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ ، فَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ وَتَرَكَ مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَأَخْبَرَ جَبْرَئِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ فَأَخْبَرَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَه فَسَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَنَكَسُوا عَلَى رُؤوسِهِمْ . وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ . وَإِنَّمَا اخْتَارَ النُّزُولَ هُنَاكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ فِي دُخُولِهِ ظَاهِرًا وَنَقْضًا لِمَا تَعَاقَدُوهُ بَيْنَهُمْ كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْعَيْنِيِّ وَالْقَسْطَلَّانِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ : أَنَّ مُعَاذًا أُتِيَ بِمِيرَاثِ يَهُودِيٍّ وَارِثُهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( أَنَّ مُعَاذًا أُتِيَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِمِيرَاثِ يَهُودِيٍّ ) : مِيرَاثٌ مُضَافٌ إِلَى يَهُودِيٍّ ( وَارِثُهُ مُسْلِمٌ ) : صِفَةُ يَهُودِيٍّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ يَهُودِيًّا مَاتَ وَتَرَكَ وَارِثَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ ، وَالْآخَرُ يَهُودِيٌّ ، فَوَرَّثَ مُعَاذٌ مُسْلِمًا وَلَمْ يُوَرِّثْ يَهُودِيًّا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي سَمَاعِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ نَظَرٌ .
بَابٌ : فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ بَاب فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ : الْعَصَبَةُ : كُلُّ مَنْ يَأْخُذُ مِنَ التَّرِكَةِ مَا أَبْقَتْهُ أَصْحَابُ الْفَرَائِضِ ، وَعِنْدَ الِانْفِرَادِ يُحْرِزُ جَمِيعَ الْمَالِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ وَمَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، وَهَذَا حَدِيثُ مَخْلَدٍ وَهُوَ أَشْبَعُ ، قالا : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، َنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْسِمْ الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى ذَكَرٍ ( وَهُوَ أَشْبَعُ ) : أَيْ حَدِيثُ مَخْلَدٍ أَتَمُّ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ ( بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ ) : جَمْعُ فَرِيضَةٍ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، وَهِيَ الْأَنْصِبَاءُ الْمُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَهِيَ النِّصْفُ ، وَنِصْفُهُ ، وَنِصْفُ نِصْفِهِ ، وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِهَا : الْمُسْتَحِقُّونَ لَهَا بِنَصِّ الْقُرْآنِ ( عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ) : أَيْ عَلَى مَا فِيهِ ( فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ ) : الْمَعْنَى فَمَا بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الْفَرَائِضِ ، ( فَلِأَوْلَى ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَاللَّامِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ ، ( ذَكَرٍ ) : أَيْ لِأَقْرَبِ ذَكَرٍ مِنَ الْمَيِّتِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَلِيِّ وَهُوَ القرب ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ وَهِيَ الذُّكُورَةُ الَّتِي سَبَبُ الْعُصُوبَةِ . وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ : فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ ، قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : أَيْ أَقْرَبُ فِي النَّسَبِ إِلَى الْمَوْرُوثِ دُونَ الْأَبْعَدِ ، وَالْوَصْفِ بِالذُّكُورَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالْعُصُوبَةِ ، وَالتَّرْجِيحِ فِي الْإِرْثِ بِكَوْنِ الذَّكَرِ لَهُ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، لِأَنَّ الرِّجَالَ تَلْحَقُهُمْ مُؤَنٌ كَثِيرَةٌ بِالْقِتَالِ وَالْقِيَامِ بِالضِّيفَانِ وَالْعِيَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى . وَقَالَ فِي السُّبُلِ : الْمُرَادُ بِأَوْلَى رَجُلٍ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْعَصَبَةِ بَعْدَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ اسْتَحَقَّ دُونَ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ ، فَإِنِ اسْتَوَوُا اشْتَرَكُوا ، وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْأَخُ وَالْأُخْتُ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ ، فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ بِنَصِّ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ الْبَنُونَ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ، ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَإِنْ عَلَوْا . وَالْحَدِيثُ مَبْنِيُّ عَلَى وُجُودِ عَصَبَةٍ مِنَ الرِّجَالِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَصَبَةٌ مِنَ الرِّجَالِ أُعْطِيَ بَقِيَّةُ الْمِيرَاثِ مَنْ لَا فَرْضَ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَوْلَى هَاهُنَا أَقْرَبُ ، وَالْوَلِيُّ الْقَرِيبُ ، يُرِيدُ أَقْرَبَ الْعَصَبَةِ إِلَى الْمَيِّتِ كَالْأَخِ وَالْعَمِّ ، فَإِنَّ الْأَخَ أَقْرَبُ مِنَ الْعَمِّ ، وَكَالْعَمِّ وَابْنِ الْعَمِّ ، فَإِنَّ الْعَمَّ أَقْرَبُ مِنَ ابْنِ الْعَمِّ ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْلَى بِمَعْنَى أَحَقُّ لَبَقِيَ الْكَلَامُ مُبْهَمًا لَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ بَيَانُ الْحُكْمِ ، إِذْ كَانَ لَا يَدْرِي مَنِ الْأَحَقُّ مِمَّنْ لَيْسَ بِأَحَقِّ ، فَعُلِمَ أَنَّ مَعْنَاهُ قُرْبُ النَّسَبِ عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، قال : نا أَبَانُ ، قال : نا قَتَادَةُ ، قال : حَدَّثَنِي أَبُو حَسَّانَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَرَّثَ أُخْتًا وَابْنَةً ، فَجَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا النِّصْفَ ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ ، وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ( وَنَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُعَاذًا لَا يَقْضِي بِمِثْلِ هَذَا الْقَضَاءِ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا لِدَلِيلٍ يَعْرِفُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ دَلِيلٌ لَمْ يُعَجِّلْ بِالْقَضِيَّةِ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الصُّلْبِ باب ما جاء في ميراث الصلب : أَيِ : الْأَوْلَادُ كَالِابْنِ وَالْبِنْتِ وَابْنِ الِابْنِ وَبِنْتِ الِابْنِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ ، قال : نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيِّ ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْأَوْدِيِّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ ابْنَةٍ ، وَابْنَةِ ابْنٍ ، وَأُخْتٍ لِأَبٍّ وَأُمٍّ ؟ فَقَالَا : لِابْنَتِهِ النِّصْفُ ، وَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ النِّصْفُ ، وَلَمْ يُوَرِّثَا بنت الِابْنِ شَيْئًا ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا ، فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَسَأَلَهُ ، وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهِمَا ، فَقَالَ : لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ ، وَلَكِنِّي سَأَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنَتِهِ النِّصْفُ ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ سَهْمٌ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ( عَنْ هُزَيْلٍ ) بِالتَّصْغِيرِ ( ابْنِ شُرَحْبِيلَ ) بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ رَاءٍ وَسُكُونِ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ مُوَحَّدَةٍ وَتَرْكِ صَرْفٍ ( وَائتِ ابْنَ مَسْعُودٍ ) ؛ هَذَا مَقُولُ أَبِي مُوسَى . ( سَيُتَابِعُنَا ) ؛ أَيْ يُوَافِقُنَا ( لَقَدْ ضَلَلْتَ إِذًا ) ؛ أَيْ إِنْ وَافَقْتَهُمَا وَقُلْتَ بِحِرْمَانِ بِنْتِ الِابْنِ ( فِيهَا ) ؛ أَيْ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ، ( وَلِابْنَةِ الِابْنِ سَهْمٌ ) وَهُوَ السُّدُسُ ( تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ؛ أَيْ لِتَكْمِيلِ الثُّلُثَيْنِ ( وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ ) ؛ أَيْ لِكَوْنِهَا عَصَبَةً مَعَ الْبَنَاتِ ، وَبَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ وَقَدْ أَخَذَتِ الْبِنْتُ الْوَاحِدَةُ النِّصْفَ فَبَقِيَ سُدُسٌ مِنْ حَقِّ الْبَنَاتِ فَهُوَ لِبِنْتِ الِابْنِ تَكْمِلَةُ للثُّلُثَيْنِ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَوَامِّ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ قَدْ خَالَفَ عَامَّةَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَكَانَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَةً وَأُخْتًا لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ : إِنَّ النِّصْفَ لِلْبِنْتِ وَلَيْسَ لِلْأُخْتِ شَيْءٌ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ ذِكْرُ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِالْوَجْهَيْنِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قال : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جِئْنَا امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْأَسْوَاف ، فَجَاءَتْ الْمَرْأَةُ بِابْنَتَيْنِ لَهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ، قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَقَدْ اسْتَفَاءَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا ، وَمِيرَاثَهُمَا كُلَّهُ ، وَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا إِلَّا أَخَذَهُ ، فَمَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَوَاللَّهِ لَا تُنْكَحَانِ أَبَدًا إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ . قَالَ : وَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ الْآيَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْعُوا لِي الْمَرْأَةَ وَصَاحِبَهَا ، فَقَالَ لِعَمِّهِمَا : أَعْطِهِمَا الثُّلُثَيْنِ ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَمَا بَقِيَ فَلَكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَخْطَأَ بِشْرٌ فِيهِ ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، ( فِي الْأَسْوَافِ ) بِالْفَاءِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ اسْمٌ لِحَرَمِ الْمَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْقَافِ مَكَانَ الْفَاءِ . ( هَاتَانِ بِنْتَا ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، فَإِنَّمَا هِيَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهُمَا ابْنَتَاهُ وَقُتِلَ سَعْدٌ بِأُحُدٍ وَبَقِيَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ حَتَّى شَهِدَ الْيَمَامَةَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . ( قُتِلَ مَعَكَ ) ؛ أَيْ مُصَاحِبًا لَكَ . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مَعَكَ بِقُتِلَ . انْتَهَى ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِلٌّ لَا ظَرْفَ لَغْوٍ . ( وَقَدِ اسْتَفَاءَ عَمُّهُمَا مَالَهُمَا ) مَعْنَاهُ : اسْتَرَدَّ وَاسْتَرْجَعَ حَقَّهُمَا مِنَ الْمِيرَاثِ . وَأَصْلُهُ مِنَ الْفَيْءِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ رَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ ، انْتَهَى . وقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيِ اسْتَرْجَعَهُ وَجَعَلَهُ فَيْئًا لَهُ ، وَهُوَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الْفَيْءِ . ( فَوَاللَّهِ لَا تُنْكَحَانِ أَبَدًا إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ ) ؛ يَعْنِي أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَا يَرْغَبُونَ فِي نِكَاحِهِنَّ إِلَّا إِذَا كَانَ مَعَهُنَّ مَالٌ وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فِي الْعَرَبِ ؛ قَالَهُ فِي النَّيْلِ . ( يَقْضِي اللَّهُ ) ؛ أَيْ يَحْكُمُ ( وَصَاحِبَهَا ) ؛ يَعْنِي أَخَا زَوْجِهَا ( وَمَا بَقِيَ فَلَكَ ) ؛ أَيْ بِالْعُصُوبَةِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَلْ لِلثَّلَاثِ فَصَاعِدًا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وَحَدِيثُ الْبَابِ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ ؛ قَالَهُ فِي النَّيْلِ . ( أَخْطَأَ بِشْرٌ ) هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ ( فِيهِ ) ؛ أَيْ فِي الْحَدِيثِ ( يَوْمَ الْيَمَامَةِ ) اسْمُ بَلَدٍ وَقَعَ فِيهِ الْقِتَالُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَيْنَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي حَدِيثِهِمَا سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، قال : نا ابْنُ وَهْبٍ قال : أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ امْرَأَةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَعْدًا هَلَكَ ، وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ ، وَسَاقَ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا هُوَ أَصَحُّ . ( وَسَاقَ ) ؛ أَيْ دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ ( نَحْوَهُ ) ؛ أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ بِشْرٍ .
بَابٌ : فِي الْمَرْأَةِ تَرِثُ مَنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، قَالَ : كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ ، وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى قَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ : كَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ وَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ، فَرَجَعَ عُمَرُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ وَقَالَ فِيهِ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَعْرَابِ . آخر كتاب الفرائض بَاب فِي الْمَرْأَةِ تَرِثُ مَنْ دِيَةِ زَوْجِهَا ( الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ ) : قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْعَاقِلَةُ : الْعَصَبَةُ وَالْأَقَارِبُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ الَّذِينَ يُعْطُونَ دِيَةَ قَتِيلِ الْخَطَاء ، وَهِيَ صِفَةُ جَمَاعَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْعَقْلِ ( حَتَّى قَالَ لَهُ ) : أَيْ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( الضَّحَّاكُ ) : بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ( ابْنُ سُفْيَانَ ) : بِالتَّثْلِيثِ وَالضَّمِّ أَشْهَرُ . قَالَ مُؤَلِّفُ الْمِشْكَاةِ : وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ بِشَجَاعَتِهِ يُعَدُّ بِمِائَةِ فَارِسٍ ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ ، وَوَلَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ ( أَنْ ) : مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ تَفْسِيرِيَّةٌ ، فَإِنَّ الْكِتَابَةَ فِيهَا مَعْنَى الْقَوْلِ ( وَرِّثْ ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ : أَعْطِ الْمِيرَاثَ ، ( امْرَأَةَ أَشْيَمَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَسُكُونِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَكَانَ قُتِلَ خَطَأً . ( الضِّبَابِيِّ ) : بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى مَنْسُوبٌ إِلَى ضِبَابٍ قَلْعَةٍ بِالْكُوفَةِ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ فِي الصَّحَابَةِ ( فَرَجَعَ عُمَرُ ) : أَيْ عَنْ قَوْلِهِ : لَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا . فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْمَقْتُولِ أَوَّلًا ، ثُمَّ تَنْتَقِلُ مِنْهُ إِلَى وَرَثَتِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُوَرِّثُ الْإِخْوَةَ مِنَ الْأُمِّ ، وَلَا الزَّوْجَ وَلَا الْمَرْأَةَ مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِيِّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ يَذْهَبُ فِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ إِلَى ظَاهِرِ الْقِيَاسِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْتُولَ لَا تَجِبُ دِيَتُهُ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَإِذَا مَاتَ بَطَلَ مِلْكُهُ ، فَلَمَّا بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ تَرَكَ الرَّأْيَ ، وَصَارَ إِلَى السُّنَّةِ ، انْتَهَى . ( اسْتَعْمَلَهُ ) : أَيِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَيْ جَعَلَهُ عَامِلًا عَلَيْهِمْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، هَذَا آخِرُ كِتَابِ الْفَرَائِضِ .
بَابٌ : فِي الْحِلْفِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا مُحَمَّدُ ابْنُ بِشْرٍ ، وَابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً بَاب فِي الْحِلْفِ ( لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ الْمُعَاهَدَةُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا كَانَ يُفْعَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْمُعَاهَدَةِ عَلَى الْقِتَالِ وَالْغَارَاتِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَفَاسِدِ ( وَأَيّمَا حِلْفٍ ) : مَا فِيهِ زَائِدَةٌ ( كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) : الْمُرَادُ مِنْهُ مَا كَانَ مِنَ الْمُعَاهَدَةِ عَلَى الْخَيْرِ كَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ وَغَيْرِهِمَا ( لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ) : أَيْ تَأْكِيدًا وَحِفْظًا عَلَى ذَلِكَ . كَذَا فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِابْنِ الْمَلَكِ . قَالَ الْقَاضِي : قَالَ الطَّبَرِيُّ : لَا يَجُوزُ الْحِلْفُ الْيَوْمَ ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُوَارَثَةَ بِهِ وَبِالْمُؤَاخَاةِ كُلُّهُ مَنْسُوخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ التَّوَارُثُ بِالْحِلْفِ فَنُسِخَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ ، قُلْتُ : أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْثِ فَنُسِخَتْ فِيهِ الْمُحَالَفَةُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا الْمُؤَاخَاةُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْمُحَالَفَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّنَاصُرُ فِي الدِّينِ وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَإِقَامَةِ الْحَقِّ فَهَذَا بَاقٍ لَمْ يُنْسَخْ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، فَالْمُرَادُ بِهِ : حِلْفُ التَّوَارُثِ ، وَالْحِلْفُ عَلَى مَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . كَذَا فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَصْلُ الْحِلْفِ : الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالْاتفَاقِ ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَالْغَارَاتِ فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ كَحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ ، فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَيّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً ، يُرِيدُ مِنَ الْمُعَاقَدَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَنُصْرَةِ الْحَقِّ ، وَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ الْحَدِيثَانِ ، وَهَذَا هُوَ الْحِلْفُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْإِسْلَامُ ، وَالْمَمْنُوعُ مِنْهُ مَا خَالَفَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ : الْمُحَالَفَةُ كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ ، وَقَوْلُهُ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، قَالَهُ زَمَنَ الْفَتْحِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ : وَهَذَا نَصٌّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ الْيَوْمَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ أَيْ : وَرَثَةٌ مِنْ قَرَابَاتِهِ مِنْ أَبَوَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ ، وَهُمْ يَرِثُونَهُ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ : حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِنَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ( حَالَفَ ) : أَيْ آخَى ( فِي دَارِنَا ) : أَيْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالنُّصْرَةِ وَالْأَخْذِ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِلَّا النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَيُوصِي لَهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ ، ( لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ) : أَيْ لَا عَهْدَ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْقَسْطَلَّانِيِّ . ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) : أَيْ قَالَ أَنَسٌ قَوْلَهُ حَالَفَ إِلَخْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ ، قال : نا الْمُحَارِبِيُّ ، عَنْ جِبْرِيلَ بْنِ أَحْمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي مِيرَاثَ رَجُلٍ مِنْ الْأَزْدِ ، وَلَسْتُ أَجِدُ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : فاذْهَبْ فَالْتَمِسْ أَزْدِيًّا حَوْلًا . قَالَ : فَأَتَاهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَجِدْ أَزْدِيًّا أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ ، قَالَ : فَانْطَلِقْ فَانْظُرْ أَوَّلَ خُزَاعِيٍّ تَلْقَاهُ ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ : عَلَيَّ الرَّجُلُ ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ : انْظُرْ كُبْرَ خُزَاعَةَ ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ ( فَالْتَمِسْ أَزْدِيًّا ) : قَالَ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ : أَزْدُ بْنُ الْغَوْثِ أَبُو حَيٍّ بِالْيَمَنِ وَمِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْصَارُ كُلُّهُمْ ، وَخُزَاعَةُ حَيٌّ مِنَ الْأَزْدِ انْتَهَى ( حَوْلًا ) : أَيْ سَنَةً ( عَلَيَّ الرَّجُلَ ) : أَيْ رَدُّوهُ ( كُبْرَ خُزَاعَةَ ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ فُلَانٌ كُبْرُ قَوْمِهِ بِالضَّمِّ إِذَا كَانَ أَقْعَدَهُمْ فِي النَّسَبِ وَهُوَ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَى جَدِّهِ الْأَكْبَرِ بِآبَاءٍ أَقَلِّ عَدَدًا مِنْ بَاقِي عَشِيرَتِهِ ، وَقَوْلُهُ أَكْبَرُ رَجُلٍ أَيْ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا . وَقَالَ : جِبْرِيلُ بْنُ أَحْمَرَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَالْحَدِيثُ مُنْكَرٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ الْمُوصِلِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : شَيْخٌ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : كُوفِيٌّ ثِقَةٌ .
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَسْوَدَ الْعِجْلِيُّ ، َنَا يَحْيَى - يعني ابْنُ آدَمَ - قال : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ جِبْرِيلَ بْنِ أَحْمَرَ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِيرَاثِهِ ، فَقَالَ : الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا ، أَوْ ذَا رَحِمٍ ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا ، وَلَا ذَا رَحِمٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطُوهُ الْكُبْيرَ مِنْ خُزَاعَةَ . قَالَ يَحْيَى : قَدْ سَمِعْتُهُ مَرَّةً يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : انْظُرُوا أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ ( الْكَبِيرُ مِنْ خُزَاعَةَ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكُبْرُ : مِنْ خُزَاعَةَ ، وَالْمُرَادُ : مِنَ الْكَبِيرِ هُوَ الْكُبْرُ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ ( أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ ) : أَيْ كَبِيرُهُمْ وَهُوَ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، َنَا حَمَّادٌ ، أََنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عَوْسَجَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ ، وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَهُ أَحَدٌ ؟ قَالُوا : لَا إِلَّا غُلَامًا لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ لَهُ ( وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا ) : أَيْ لَمْ يَتْرُكُ أَحَدًا يَرِثُهُ ( إِلَّا غُلَامًا لَهُ ) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لَكِنْ تَرَكَ عَبْدًا ( هَلْ لَهُ أَحَدٌ ) : أَيْ يَرِثُهُ ( فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيرَاثَهُ ) : أَيْ مِيرَاثُ الرَّجُلِ ( لَهُ ) : أَيْ لِلْغُلَامِ . قَالَ الْقَارِيُّ : وَهَذَا الْجَعْلُ مِثْلُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ لِأَنَّهُ صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ : قَالَ الْمُظْهِرُ : قَالَ شُرَيْحٌ وَطَاوُسٌ : يَرِثُ الْعَتِيقُ مِنَ الْمُعْتِقِ كَمَا يَرِثُ الْمُعْتِقُ مِنَ الْعَتِيقِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : عَوْسَجَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيِّ ، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيِّ : لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : عَوْسَجَةُ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِي عَنْهُ غَيْرَ عَمْرٍو . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : ثِقَةٌ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا يَحْيَى ، قال : نا شُعْبَةُ . المعنى ( ح ) وَثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : نا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ سُفْيَانَ جَمِيعًا عَنْ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ مَوْلًى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا ، وَلَمْ يَدَعْ وَلَدًا ، وَلَا حَمِيمًا ، فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ سُفْيَانَ أَتَمُّ ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ : قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَاهُنَا أَحَدٌ مَنْ أَهْلِ أَرْضِهِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَأَعْطُوهُ مِيرَاثَهُ . ( أَنَّ مَوْلَى ) : أَيْ عَتِيقًا ( وَلَا حَمِيمًا ) : أَيْ قَرِيبًا ( أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ ) : أَيْ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا مِنْ قَرْيَتِهِ تَصَدُّقًا مِنْهُ أَوْ تَرَفُّعًا ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّ حَاجَاتِهِمْ فَوَضَعَهُ فِيهِمْ لِمَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَمَا لَا يُورَثُ عَنْهُمْ لَا يَرِثُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ . انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ صَرْفِ مِيرَاثِ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ مَعْلُومٌ إِلَى وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
بَابٌ : فِي مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَاب فِي مِيرَاثِ ذَي الْأَرْحَامِ : اعْلَمْ أَنَّ ذَا الرَّحِمِ هُوَ كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ ، فَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عَبَّاسٍ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي رِوَايَةِ عَنْهُ مَشْهُورَةٌ ، وَغَيْرُهُمْ ، يَرَوْنَ تَوْرِيثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَتَابَعَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ عَلْقَمَةُ وَالنَّخَعِيُّ وَشُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ وَزُفَرُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ : لَا مِيرَاثَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَيُوضَعُ الْمَالُ عِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْفَرْضِ وَالْعَصَبَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَتَابَعَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَذَوُو الْأَرْحَامِ هُمْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَإِنْ سَفَلُوا ، وَأَوْلَادُ بَنَاتِ الِابْنِ كَذَلِكَ ، وَالْأَجْدَادُ الْفَاسِدُونَ وَإِنْ عَلَوْا ، وَالْجَدَّاتُ الْفَاسِدَاتُ وَإِنْ عَلَوْنَ ، وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْعَمَّاتُ وَغَيْرُهُمْ كَمَا فِي كُتُبِ الْفَرَائِضِ . حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قال : نا شُعْبَةُ ، عَنْ بُدَيْلٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُحَيٍّ ، عَنْ الْمِقْدَامِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ وَرُبَّمَا قَالَ : إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ، وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ لَهُ وَأَرِثُهُ ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ ( مَنْ تَرَكَ كَلًّا ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وتشد اللَّامِ ، أَيْ ثِقَلًا ، وَهُوَ يَشْمَلُ الدَّيْنَ وَالْعِيَالَ ، وَالْمَعْنَى : إِنْ تَرَكَ الْأَوْلَادَ فَإِلَيَّ مَلْجَأهُمْ وَأَنَا كَافِلُهُمْ ، وَإِنْ تَرَكَ الدَّيْنَ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ( أَعْقِلُ لَهُ ) : أَيْ أُؤَدِّي عَنْهُ مَا يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي تَتَحَمَّلُهُ الْعَاقِلَةُ ( وَأَرِثُهُ ) : أَيْ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ . قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : يُرِيدُ بِهِ صَرْفَ مَالِهِ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ( وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ ) : فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ( يَعْقِلُ عَنْهُ ) : أَيْ إِذَا جَنَى ابْنُ أُخْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ يُؤَدِّي الْخَالُ عَنْهُ الدِّيَةَ كَالْعَصَبَةِ ( وَيَرِثُهُ ) : أَيِ الْخَالُ إِيَّاهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْمِقْدَامِ ، وَرُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ عَنِ الْمِقْدَامِ ، وَرُوِيَ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مُرْسَلًا . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَكَانَ ابْنُ مَعِينٍ يُضَعِّفُهُ وَيَقُولُ : لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ قَوِيٌّ ، وَقَالَ أَيْضًا : وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَالَ الَّذِي لَا يَكُونُ ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى لَا يَعْقِلُ إِلَّا بِالْخُؤُولَةِ فَخَالَفُوا الْحَدِيثَ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فِي الْعَقْلِ ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ كَانَ يَعْقِلُ الْخُؤُولَةَ ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ أَرَادَ خَالًا يَعْقِلُ بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ عَمٍّ أَوْ مَوْلًى أَوِ اخْتَارَ وَضْعَ مَالِهِ فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ سِوَاهُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ فِي آخَرِينَ قَالُوا : نَا حَمَّادٌ ، عَنْ بُدَيْلٍ يَعْنِي : ابْنَ مَيْسَرَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ ، عَنْ الْمِقْدَامِ الْكِنْدِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ ، أَرِثُ مَالَهُ وَأَفُكُّ عَانَهُ ، وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانَهُ . قال أبو داود : الضيعة : معناه عيال قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ ابْنِ عَائِذٍ ، عَنْ الْمِقْدَامِ ، وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ رَاشِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ ، ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : مَعْنَى الْأَوْلَوِيَّةِ النُّصْرَةُ وَالْتوْلِيَّةُ أَيْ أَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ ، وَأَنْصُرهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا ( أَوْ ضَيْعَةً ) : أَيْ عِيَالًا ( فَإِلَيَّ ) : أَيْ أَدَاءُ الدَّيْنِ وَكَفَالَةُ الضَّيْعَةِ ( وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ ) : أَيْ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( وَأَفُكُّ عَانَهُ ) : أَيْ أُخَلِّصُ أَسِيرَهُ بِالْفِدَاءِ عَنْهُ وَأَصْلُهُ عَانِيَهُ حَذَفَ الْيَاءَ تَخْفِيفًا كَمَا فِي يَدٍ يُقَالُ عَنَا يَعْنُو إِذْا خَضَعَ وَذَلَّ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْحُقُوقُ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ ) : بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَيُشِيرُ الْمُؤَلِّفُ بِكَلَامِهِ هَذَا إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَتِيقٍ الدِّمَشْقِيُّ ، قال : نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ ، قال : نا إسماعيل بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حُجْرٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَفُكُّ عنِيَهُ ، وَأَرِثُ مَالَهُ ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَفُكُّ عَنِيَهُ ، وَيَرِثُ مَالَهُ ( أَفُكُّ عُنِيَّهُ ) : بِضَمِّ عَيْنٍ وَكَسْرِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ يَاءٍ بِمَعْنَى الْأَسْرِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مَصْدَرُ عَنَا الرَّجُلُ يَعْنُو عُنُوًّا وَعُنِيًّا ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى عَنِيَ يَعْنِي . وَمَعْنَى الْأَسْرِ هَاهُنَا هُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ذِمَّتُهُ وَيَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي سَبِيلُهَا أَنْ تَتَحَمَّلَهَا الْعَاقِلَةُ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُ مَالَهُ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَتَأَوَّلَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِتَوْرِيثِهِمْ حَدِيثَ الْمِقْدَامِ عَلَى أَنَّهُ طُعْمَةٌ أَطْعَمَهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ الْخَالَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ لَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْخَالِ مِيرَاثٌ ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْلُفُ الْمَيِّتَ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَالِ سَمَّاهُ وَارِثًا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قِيلَ الصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ ، وَالْجُوعُ طَعَامُ مَنْ لَا طَعَامَ لَهُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ بَاب فِي مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ : أَيْ أَسْلَمَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ فَمَاذَا حُكْمُهُ . وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : بَابُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْإِسْلَامِ . انْتَهَى . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ : بَابُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَإِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ . انْتَهَى . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : أَيْ إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ الْمِيرَاثُ الْمُخَلَّفُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ فَلَا مِيرَاثَ لَهُ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْمَوْتِ لَا بِوَقْتِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . انْتَهَى . حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ ، نا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قُسِمَ ، وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ فَإنه عَلَى قَسْمِ الْإِسْلَامِ ( كُلُّ قَسْمٍ ) : مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْمَالُ الْمَقْسُومُ ( قُسِمَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى مَا قَسِمَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ بَيَانُ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَمْوَالِ وَالْأَسْبَابِ وَالْأَنْكِحَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَاضِيَةٌ عَلَى مَا وَقَعَ الْحُكْمُ مِنْهُمْ فِيهَا فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُرَدُّ مِنْهَا شَيْءٌ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ مَا حَدَثَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّهُ يُسْتَأْنَفُ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ بِمِيرَاثِ الرَّحِمِ بَاب نَسْخِ مِيرَاثِ الْعَقْدِ : قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمُعَاقَدَةُ : الْمُعَاهَدَةُ وَالْمِيثَاقُ ، ( بِمِيرَاثِ الرَّحِمِ ) : أَيْ بِمِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قال : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا نَسَبٌ ، فَيَرِثُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، فَنَسَخَ ذَلِكَ الْأَنْفَالُ فَقَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ( قَالَ ) : ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ ) وَقُرِئَ عَقَدَتْ بِغَيْرِ أَلِفٍ مَعَ التَّخْفِيفِ . قَالَ الْخَازِنُ : الْمُعَاقَدَةُ : الْمُحَالَفَةُ وَالْمُعَاهَدَةُ . وَالْأَيْمَانُ : جَمْعُ يَمِينٍ ، يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْقَسَمُ أَوِ الْيَدُ أَوْ هُمَا جَمِيعًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كانوا إِذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِ صَاحِبِهِ وَتَحَالَفُوا عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالتَّمَسُّكِ بِذَلِكَ الْعَقْدِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُعَاقِدُهُ فَيَقُولُ دَمِي دَمُكَ ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ ، وَثَأْرِي ثَأْرُكَ ، وَحَرْبِي حَرْبُكَ ، وَسِلْمِي سِلْمُكَ ، تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ ، وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ ، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَلِيفَيْنِ السُّدُسُ فِي مَالِ الْآخَرِ ، وَكَانَ الْحُكْمُ ثَابِتًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى : أَيِ الْحُلَفَاءُ الَّذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ ( فَآتُوهُمْ ) : أَيِ أعطوهم الْآنَ ( نَصِيبَهُمْ ) : أَيْ حَظَّهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ وَهُوَ السُّدُسُ ( كَانَ الرَّجُلُ يُحَالِفُ الرَّجُلَ ) : أَيْ يُعَاهِدُهُ عَلَى الْأُخُوَّةِ وَالنُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ ( فَنَسَخَ ذَلِكَ ) : فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ( الْأَنْفَالُ ) : بِالرَّفْعِ أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فَقَالَ وَأُولُو الأَرْحَامِ إِلَخْ : أَيْ وَأُولُو الْقَرَابَاتِ أَوْلَى بِالتَّوَارُثِ وَهُوَ نَسْخٌ لِلتَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ وَالنُّصْرَةِ . قَالَ الْخَازِنُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِخَاءِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ أَيْ فِي الْمِيرَاثِ فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سَبَبَ الْقَرَابَةِ أَقْوَى وَأَوْلَى مِنْ سَبَبِ الْهِجْرَةِ وَالْإِخَاءِ ، وَنُسِخَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ذَلِكَ التَّوَارُثُ . وَقَوْلُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَعْنِي فِي حُكْمِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ ، وَهِيَ أَنَّ قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ مَذْكُورَةٌ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ الْقُرْآنُ . وَتَمَسَّكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ وَافَقَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَانَ مَعْنَاهُ فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَإِعْطَاءِ أَهْلِ الْفُرُوضِ فُرُوضَهُمْ وَمَا بَقِيَ فَلِلْعَصَبَاتِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْمَعْنَى قَالَ أَحْمَدُ : نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ابْنِ إسحاق ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ : كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ الرَّبِيعِ ، وَكَانَتْ يَتِيمَةً فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَرَأْتُ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَقَالَتْ : لَا تَقْرَأْ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ أَبَى الْإِسْلَامَ ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَن لا يُوَرِّثَهُ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَمَرَه نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم أَنْ يُؤْتِيَهُ نَصِيبَهُ ، زَادَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : فَمَا أَسْلَمَ حَتَّى حُمِلَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالسَّيْفِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مَنْ قَالَ : عَقَدَتْ ، جَعَلَهُ حِلْفًا ، وَمَنْ قَالَ : عَاقَدَتْ جَعَلَهُ حَالِفًا . قَالَ : وَالصَّوَابُ حَدِيثُ طَلْحَةَ عَاقَدَتْ . ( عَلَى أُمِّ سَعْدِ بِنْتِ الرَّبِيعِ ) : هِيَ أُمُّ سَعْدٍ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيَّةِ صَحَابِيَّةٌ أَوْصَى بِهَا أَبُوهَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَكَانَتْ فِي حِجْرِهِ وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَهَا جَمِيلَةٌ ( لَا تَقْرَأْ ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ ) ) : أَيْ بِالْأَلِفِ وَلَكِنِ اقْرَأْ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْ بِغَيْرِ أَلِفٍ مَعَ التَّخْفِيفِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ قِرَاءَتَهَا ، مَعَ أَنَّهُ قُرِئَ فِي الْقُرْآنِ بِالْوَجْهَيْنِ ( حِينَ أَبَى الْإِسْلَامَ ) : فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى أَيَّامِ الْهُدْنَةِ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَقِيلَ إِنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَيُقَالُ إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ أَسَنُّ وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كَذَا فِي الْإِصَابَةِ ( فَمَا أَسْلَمَ ) : مَا نَافِيَةٌ أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ( حَتَّى حُمِلَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( عَلَى الْإِسْلَامِ ) : أَيْ عَلَى قَبُولِ الْإِسْلَامِ ( بِالسَّيْفِ ) : وَالْمَعْنَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَمْ يُسْلِمْ ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى أَنْ غَلَبَ الْإِسْلَامُ بِقُوَّةِ السَّيْفِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ( مَنْ قَالَ عَقَدَتْ جَعَلَهُ حِلْفًا ) : فَمَعْنَى قَوْلِهِ عَقَدَتْ : أَيْ عَقَدَتْ عُهُودُهُمْ أَيْدِيَكُمْ . وَمَعْنَى عَاقَدَتْ : أَيْ عَاقَدَتْهُمْ أَيْدِيكُمْ ، ( وَالصَّوَابُ حَدِيثُ طَلْحَةَ عَاقَدَتْ ) : أَيْ بِالْأَلِفِ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَابْنِ كَثِيرٍ وَأَبِي عَمْرٍو . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ : وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَأَنَّ هَذَا كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْحِلْفِ ثُمَّ نُسِخَ ، وَبَقِيَ تَأْثِيرُ الْحِلْفِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وإِنْ كَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يُوَفُّوا بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ وَالْحِلْفِ الَّذِي كَانُوا قَدْ تَعَاقَدُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا فَكَانَ الْأَعْرَابِيُّ لَا يَرِثُ الْمُهَاجِرَ ، وَلَا يَرِثُهُ الْمُهَاجِرُ فَنَسَخَتْهَا ؛ فَقَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا إِلَخْ ) : أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِي فِي الْأَنْفَالِ وَتَمَامِ الْآيَةِ هَكَذَا إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَعْنِي : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ ، وَهَاجَرُوا يَعْنِي : وَهَجَرُوا دِيَارَهُمْ وَقَوْمَهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا يَعْنِي آوَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَسْكَنُوهُمْ مَنَازِلَهُمْ ، وَنَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمُ الْأَنْصَارُ ( أُولَئِكَ ) : يَعْنِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَعْنِي فِي الْعَوْنِ وَالنَّصْرِ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ يَتَوَلَّى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمِيرَاثِ ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْهِجْرَةِ ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَوَارَثُونَ دُونَ أَقْرِبَائِهِمْ وَذَوِي أَرْحَامِهِمْ ، وَكَانَ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَا يَرِثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُهَاجِرِ حَتَّى كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ فَتَوَارَثُوا بِالْأَرْحَامِ حَيْثُمَا كَانُوا ، فَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَذَا فِي الْخَازِنِ ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا يَعْنِي آمَنُوا وَأَقَامُوا بِمَكَّةَ مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ أَيْ مِنْ تَوَلِّيهِمْ فِي الْمِيرَاثِ . قَالَهُ النَّسَفِيُّ . وَفِي - السَّمِينِ الْوَلَايَةُ بِالْفَتْحِ مَعْنَاهُ : الْمُوَالَاةُ فِي الدِّينِ وَهِيَ النُّصْرَةُ . انْتَهَى . وَفِي تَفْسِيرِ الْخَطِيبِ مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أَيْ فَلَا إِرْثِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَلَا نَصِيبَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَكَانَ لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَمْ يُهَاجِرْ مِمَّنْ آمَنَ وَهَاجَرَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، وَفِيهِ مَقَالٌ .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا أَبُو أُسَامَةَ ، حَدَّثَنِي إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ ، نا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ تُوَرَّثُ الْأَنْصَارَ ، دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ قَالَ : نَسَخَتْهَا وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنْ النَّصْرِ وَالنَّصِيحَةِ ، وَالرِّفَادَةِ ، وَيُوصِي لَهُ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ ( تُوَرَّثُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْمُهَاجِرُونَ وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ بِتَأْوِيلِ الْجَمَاعَةِ ( الْأَنْصَارَ ) : بِالنَّصْبِ ، وَالْمَعْنَى : أُعْطُوا الْمِيرَاثَ مِنَ الْأَنْصَارِ ( دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ ) : أَيْ أَقَارِبِهِ . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يرث الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ ( لِلْأُخُوَّةِ ) : مُتَعَلِّقٌ بِتُوَرَّثُ ( بَيْنَهُمْ ) : أَيْ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ( وَلِكُلٍّ ) : أَيْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ( جَعَلْنَا مَوَالِيَ ) : وُرَّاثًا يَلُونَهُ وَيُحْرِزُونَهُ . قَالَهُ النَّسَفِيُّ ، وَقَالَ الْخَازِنُ : يَعْنِي وَرَثَةً مِنْ بَنِي عَمِّ وَإِخْوَةٍ وَسَائِرِ الْعَصَبَاتِ مِمَّا تَرَكَ : يَعْنِي يَرِثُونَ مِمَّا تَرَكَ وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِنْ مِيرَاثِهِمْ فَعَلَى هَذَا الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ هُمُ الْمُوَرَّثُونَ انْتَهَى . ( قَالَ ) ابْنُ عَبَّاسٍ ( نَسَخَتْهَا ) كَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : قَالَ نَسَخَتْهَا ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ . وَالصَّوَابُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّ الْمَنْسُوخَةَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالنَّاسِخَةَ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْكَفَالَةِ وَالتَّفْسِيرُ مِنْ رِوَايَةِ الصَّلْتِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ نَسَخَتْهَا عَائِدٌ عَلَى الْمُؤَاخَاةِ لَا عَلَى الْآيَةِ ، وَالضَّمِيرُ فِي نَسَخَتْهَا وَهُوَ الْفَاعِلُ الْمُسْتَتِرُ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَقَوْلُهُ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانكُمْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ . وَأَصْلُ الْكَلَامِ : لَمَّا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نَسَخَتْ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَاعِلٌ نَسَخَتْهَا آيَةُ جَعَلْنَا وَالَّذِينَ عَقَدَتْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي . وَالْمُرَادُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا نَسَخَ حكمُ الْمِيرَاثِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ وَيَرَوْنَهَا دَاخِلَةً فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَسَخَ الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ، وَبَقِيَ النُّصْرَةُ وَالرِّفَادَةُ وَجَوَازُ الْوَصِيَّةِ لَهُمُ ، انْتَهَى . ( الرِّفَادَةُ ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُعَاوَنَةُ ( وَيُوصِي لَهُ ) : بِكَسْرِ الصَّادِ أَيْ لِلْحَلِيفِ ( وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ ) : أَيْ نُسِخَ حُكْمُ الْمِيرَاثِ بِالْمُؤَاخَاةِ . قَالَ الْخَازِنُ : فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ بَلْ حُكْمُهَا بَاقٍ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ الْحُلَفَاءُ ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يَعْنِي مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالْمُوَافَاةِ وَالْمُصَافَاةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ مَنْسُوخَةً . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا نَسْخَ أَيْضًا . فَمَنْ قَالَ إِنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ قَالَ : إِنَّمَا كَانَتِ الْمُعَاقَدَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النُّصْرَةِ لَا غَيْرُ وَالْإِسْلَامُ لَمْ يُغَيِّرْ ذَلِكَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَرْفُوعًا ثُمَّ ذَكَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ التَّالِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي الْوَلَاءِ بَاب فِي الْوَلَاءِ : بِفَتْحِ الْوَاوِ يَعْنِي وَلَاءَ الْعِتْقِ وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ أَوْ وَرَثَةُ مُعْتَقُهُ وَالْوَلَاءُ كَالنَّسَبِ فَلَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ . حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : قُرِئَ عَلَى مَالِكٍ وَأَنَا حَاضِرٌ قَالَ مَالِكٌ : عَرَضَ عَلَيَّ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ عَائِشَةَ أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَعْتِقُهَا فَقَالَ أَهْلُهَا : نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَاكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ( أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً ) : اسْمُهَا بَرِيرَةٌ ( لَا يَمْنَعُكَ ذَلِكَ ) : أَيِ الِاشْتِرَاطُ مِنْهُمْ بَقِيَ أَنَّهُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ عِنْدَ كَثِيرٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ لِمَصْلَحَةٍ وَيَجُوزُ لِلشَّارِعِ مِثْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ إِبْطَالُ مَا شَرَطُوهُ مِنَ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ . انْتَهَى . قَالَ المنذري : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ ، وَوَلِيَ النِّعْمَةَ ( وَوَلِيَ النِّعْمَةَ ) : أَيْ نِعْمَةُ الْعِتْقِ . قَالَ الْحَافِظُ : مَعْنَى قَوْلِهِ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ أَعْتَقَ . انْتَهَى . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَالْحَدِيثُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَاءَ لِكُلِّ مُعْتِقٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ خِلَافٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ جَرَّهُ إِلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقَ بِوِلَادَةٍ أَوْ عِتْقٍ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ أَبُو مَعْمَرٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رِئَابَ بْنَ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ، فَوَلَدَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ فَمَاتَتْ أُمُّهُمْ ، فَوَرَّثُوهَا رِبَاعَهَا وَوَلَاءَ مَوَالِيهَا ، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَصَبَةَ بَنِيهَا ، فَأَخْرَجَهُمْ إِلَى الشَّامِ فَمَاتُوا ، فَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَمَاتَ مَوْلًى لَهَا ، وَتَرَكَ مَالًا لَهُ فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ ، أَوْ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ . قَالَ : فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَرَجُلٍ آخَرَ ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عَبْدُ الْمَلِكِ اخْتَصَمُوا إِلَى هِشَامِ بْنِ إسماعيل ، أَوْ إِلَى إسماعيل بْنِ هِشَامٍ ، فَرَفَعَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ : هَذَا مِنْ الْقَضَاءِ الَّذِي مَا كُنْتُ أَرَاهُ ، قَالَ : فَقَضَى لَنَا بِكِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَنَحْنُ فِيهِ إِلَى السَّاعَةِ ( رِئَابُ بْنُ حُذَيْفَةَ ) : يَجِيءُ ضَبْطُهُ فِي كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ ( تَزَوَّجَ امْرَأَةً ) : اسْمُهَا أُمُّ وَائِلٍ بِنْتُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيَّةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ( ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ ) : جَمْعُ غُلَامٍ أَيْ ثَلَاثَةُ أَبْنَاءٍ ( فَوَرَّثُوهَا ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْغِلْمَةِ وَالْمُؤَنَّثُ لِلْمَرْأَةِ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ فَوَرِثَهَا بَنُوهَا ( رِبَاعَهَا ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَبْعٍ أَيْ دُورُهَا ( فَأَخْرَجَهُمْ ) : أَيْ أَخْرَجَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بَنِيهَا وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : فَخَرَجَ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ( فَمَاتُوا ) : أَيْ بَنُو الْمَرْأَةِ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ الَّذِي وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الشَّامِ وَمَاتَ فِيهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ( مَالًا لَهُ ) : أَيْ مَالًا كَانَ فِي مِلْكِهِ ( فَخَاصَمَهُ ) : أَيْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ . وَالْمَعْنَى وَرِثَ عَمْرُو مَالَ بَنِي الْمَرْأَةِ وَمَالَ مَوْلَاهَا فَخَاصَمَهُ إِخْوَتُهَا فِي وَلَاءِ أُخْتِهِمْ . وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : فَلَمَّا رَجَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَاءَ بَنُو مَعْمَرٍ يُخَاصِمُونَهُ فِي وَلَاءِ أُخْتِهِمْ إِلَى عُمَرَ ( مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ ) : أَيْ مِنْ إِرْثِ الْأَبِ أَوِ الْأُمِّ ( أَوِ الْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ ) : أَيِ الْوَلَدُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمُحْرِزَ ( مَنْ كَانَ ) : قَالَ فِي السُّبُلِ : الْمُرَادُ بِإِحْرَازِ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ مَا صَارَ مُسْتَحِقًّا لَهُمَا مِنَ الْحُقُوقِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَصَبَةِ مِيرَاثًا . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ وَفِيهِ خِلَافٌ ، وَتَظْهَرُ فِيهِ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَخَوَيْنِ أَوِ ابْنَيْنِ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ وَتَرَكَ ابْنًا أَوْ أَحَدَ الْأَخَوَيْنِ وَتَرَكَ ابْنًا ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْرِيثِ مِيرَاثُهُ بَيْنَ الِابْنِ وَابْنِ الِابْنِ أَوِ ابْنِ الْأَخِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِهِ يَكُونُ لِلِابْنِ وَحْدَهُ . انْتَهَى . ( فَكَتَبَ ) أَيْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( لَهُ ) : أَيْ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ( عَبْدُ الْمَلِكِ ) : أَيِ ابْنُ مَرْوَانَ ( اخْتَصَمُوا ) : أَيْ إِخْوَةُ الْمَرْأَةِ ( أَوْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( مَا كُنْتُ أَرَاهُ ) : مَا مَوْصُولَةٌ ( إِلَى السَّاعَةِ ) : أَيْ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ . وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : فَقَالَ عُمَرُ : أَقْضِي بَيْنكُمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَا أَحْرَزَ الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ فَهُوَ لِعَصَبَتِهِ مَنْ كَانَ قَالَ فَقَضَى لَنَا بِهِ ، وَكَتَبَ لَنَا بِهِ كِتَابًا فِيهِ شَهَادَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَآخَرَ ، حَتَّى إِذَا اسْتَخْلَفَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ تُوُفِّيَ مَوْلًى لَهَا ، وَتَرَكَ أَلْفَيْ دِينَارٍ فَبَلَغَنِي أَنَّ ذَلِكَ الْقَضَاءَ قَدْ غُيِّرَ فَخَاصَمَوا إِلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فَرَفَعَنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَتَيْنَاهُ بِكِتَابِ عُمَرَ فَقَالَ : إِنْ كُنْتُ لَأَرَى أَنَّ هَذَا مِنَ الْقَضَاءِ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ وَمَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَمْرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَلَغَ هَذَا أَنْ يَشُكُّوا فِي هَذَا الْقَضَاءِ فَقَضَى لَنَا فِيهِ فَلَمْ نَزَلْ فِيهِ بَعْدُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مُرْسَلًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَرِيَابٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ بِوَاحِدَةٍ . انْتَهَى . ( حَدَّثَنَا أَبُو دَاودَ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو سَلَمَةَ إِلَى قَولِهِ بِمِثْلِ هَذَا ) : هِذِهِ الْعَبَارَةُ إِنَّمَا وُجِدَتْ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ وَعَامَّةُ النُسَخِ خَالِيَةٌ عَنْهَا .
بَابٌ : فِي الْمَوْلُودِ يَسْتَهِلُّ ، ثُمَّ يَمُوتُ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُعَاذٍ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، نا مُحَمَّدٌ يَعْنِي : ابْنَ إسحاق ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وُرِّثَ بَاب فِي الْمَوْلُودِ يَسْتَهِلُّ ثُمَّ يَمُوتُ ( إِذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ ) : أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ يَعْنِي عُلِمَ حَيَاتُهُ ( وُرِّثَ ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدِ رَاءٍ مَكْسُورٍ ، أَيْ جُعِلَ وَارِثًا . قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : لَوْ مَاتَ إِنْسَانٌ وَوَارِثُهُ حَمْلٌ فِي الْبَطْنِ يُوقَفُ لَهُ الْمِيرَاثُ . فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا كَانَ لَهُ ، وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَلَا يُوَرَّثُ مِنْهُ بَلْ لِسَائِرِ وَرَثَةِ الْأَوَّلِ ، فَإِنْ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ يُوَرَّثُ مِنْهُ ؛ سَوَاءً اسْتَهَلَّ أَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ بَعْدَ أَنْ وُجِدَتْ فِيهِ أَمَارَةُ الْحَيَاةِ مِنْ عُطَاسٍ أَوْ تَنَفُّسٍ أَوْ حَرَكَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْحَيَاةِ سِوَى اخْتِلَاجِ الْخَارِجِ عَنِ الْمَضِيقِ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُوَرَّثُ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْتَهِلَّ ، وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ . وَالِاسْتِهْلَالُ رَفْعُ الصَّوْتِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ عِنْدَ الْآخَرِينَ وُجُودُ أَمَارَةِ الْحَيَاةِ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالِاسْتِهْلَالِ لِأَنَّهُ يَسْتَهِلُّ حَالَةَ الِانْفِصَالِ فِي الْأَغْلَبِ وَبِهِ يُعْرَفُ حَيَاتُهُ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : أَرَى الْعُطَاسَ اسْتِهْلَالًا . انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ : رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجَزَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَزَادَ مَوْصُولًا بِالْحَدِيثِ تِلْكَ طَعْنَةُ الشَّيْطَانِ ، كُلُّ بَنِي آدَمَ نَائِلٌ مِنْهُ تِلْكَ الطَّعْنَةَ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ وَابْنِهَا فَإِنَّهَا لَمَّا وَضَعَتْهَا أُمُّهَا قَالَتْ إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَضُرِبَ دُونَهُمَا حِجَابٌ فَطَعَنَ فِيهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
بَابٌ : فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ ، وَعَنْ هِبَتِهِ بَاب فِي بَيْعِ الْوَلَاءِ ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَبِيعُ وَلَاءَ مَوَالِيهَا ، وَتَأْخُذُ عَلَيْهِ الْمَالَ ، وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ : فَبَاعُوهُ مَمْلُوكًا وَبَاعُوهُ مُعْتَقًا فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْمَمَاتِ خَلَاصٌ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ : وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّهَا وَهَبَتْ وَلَاءَ مَوَالِيهَا مِنَ الْعَبَّاسِ أَوْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَسَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ حَسَّانَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَذْكُرُ أَنَّ الَّذِي وَهَبَتْ مَيْمُونَةُ مِنَ الْوَلَاءِ كَانَ وَلَاءَ السَّائِبَةِ ، وَوَلَاءُ السَّائِبَةِ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ، يَعْنِي : وَلَاءَ الْعِتْقِ ، وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ مُعْتِقُهُ أَوْ وَرَثَةُ مُعْتِقِهِ كَانَتِ الْعَرَبُ تَبِيعُهُ وَتَهَبُهُ فَنُهِيَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ فَلَا يَزُولُ بِالْإِزَالَةِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَا : نا يَحْيَى ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُوَ ابْنُ حَمْزَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَوْهَبٍ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ هِشَامٌ ، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَالَ يَزِيدُ : إِنَّ تَمِيمًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ بَاب فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ ( مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ ) : أَيْ مَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي الرَّجُلِ الْكَافِرِ ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هُوَ ) : أَيِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ الْكَافِرُ ( بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ) : أَيْ بِمَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَوْرِيثَ الرَّجُلِ مِمَّنْ يُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ شَرْطًا وَهُوَ أَنْ يُعَاقِدَهُ وَيُوَالِيَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يُعَاقِدْهُ وَلَمْ يُوَالِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ كَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمُوَالَاةَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ مُبْهَمَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ ، فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي رَعْيِ الذِّمَامِ وَالْإِيثَارِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأُمُورِ ، وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : لَا يَرِثُهُ . وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ هَذَا وَقَالَ : عَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ . انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْبَرَكَاتِ النَّسَفِيُّ الْحَنَفِيُّ : وَعَقْدُ الْمُوَالَاةِ مَشْرُوعَةٌ وَالْوِرَاثَةُ بِهَا ثَابِتَةٌ عِنْدَ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَتَفْسِيرُهُ إِذَا أَسْلَمَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لَا وَارِثَ لَهُ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ وَلَا مُعْتَقٍ فَيَقُولُ الْآخَرُ : وَالَيْتُكَ عَلَى أَنْ تَعْقِلَنِي إِذَا جَنَيْتُ وَتَرِثَ مِنِّي إِذَا مُتُّ ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : قَبِلْتُ ، انْعَقَدَ ذَلِكَ وَيَرِثُ الْأَعْلَى مِنَ الْأَسْفَلِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ وَيُقَالُ : ابْنُ وَهْبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ وَبَيْنَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ مَوْهِبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، وَابْنِ مَوْهِبٍ لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا وَلَا نَعْلَمُهُ لَقِيَ تَمِيمًا ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَثْبُتُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَا أَعْلَمُهُ مُتَّصِلًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ هَذَا ، وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : رَاوِيهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ : وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ : عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ قُلْتُ : احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِحَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذَا وَأَخْرَجَ لَهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ حَدِيثًا وَاحِدًا ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا أَخْرَجَا لَهُ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِقَةٌ ، لَيْسَ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ اخْتِلَافٌ . هَكَذَا قَالَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْخِلَافَ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، نا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نا مُعَاوِيَةُ بِمَعْنَى إِسْنَادِ أَبِي تَوْبَةَ وَحَدِيثِهِ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ : مَا يَقْضِي عَنِّي فَسَكَتَ عَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاغْتَمَزْتُهَا ( فَاغْتَمَزْتُهَا ) : أَيْ مَا ارْتَضَيْتُ تِلْكَ الْحَالَةَ وَكَرِهْتُهَا وَثَقُلَتْ عَلَيَّ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ .
بَابٌ : فِي الْإِمَامِ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، نا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي : ابْنَ سَلَّامٍ ، عَنْ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ قَالَ : لَقِيتُ بِلَالًا مُؤَذِّنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَلَبَ ، فَقُلْتُ : يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : مَا كَانَ لَهُ شَيْءٌ كُنْتُ أَنَا الَّذِي أَلِي ذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ تعالى حتى تُوُفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ الْإِنْسَانُ مُسْلِمًا ، فَرَآهُ عَارِيًا يَأْمُرُنِي فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَقْرِضُ ، فَأَشْتَرِي لَهُ الْبُرْدَةَ فَأَكْسُوهُ ، وَأُطْعِمُهُ حَتَّى اعْتَرَضَنِي رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : يَا بِلَالُ إِنَّ عِنْدِي سَعَةً ، فَلَا تَسْتَقْرِضْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مِنِّي فَفَعَلْتُ . فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ تَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ قُمْتُ لِأُؤَذِّنَ بِالصَّلَاةِ ، فَإِذَا الْمُشْرِكُ قَدْ أَقْبَلَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ التُّجَّارِ ، فَلَمَّا أَنْ رَآنِي قَالَ : يَا حَبَشِيُّ قُلْتُ : يَا لَبَّاهُ فَتَجَهَّمَنِي ، وَقَالَ لِي قَوْلًا غَلِيظًا ، وَقَالَ لِي : أَتَدْرِي كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَرِيبٌ قَالَ : إِنَّمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعٌ فَآخُذُكَ بِالَّذِي عَلَيْكَ ، فَأَرُدُّكَ تَرْعَى الْغَنَمَ كَمَا كُنْتَ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَأَخَذَ فِي نَفْسِي مَا يَأْخُذُ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الْعَتَمَةَ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ الْمُشْرِكَ الَّذِي كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا ، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا تَقْضِي عَنِّي وَلَا عِنْدِي ، وَهُوَ فَاضِحِي ، فَأْذَنْ لِي أَنْ آبَقَ إِلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ قَدْ أَسْلَمُوا حَتَّى يَرْزُقَ اللَّهُ تعالى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَقْضِي عَنِّي ، فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا أَتَيْتُ مَنْزِلِي ، فَجَعَلْتُ سَيْفِي وَجِرَابِي وَنَعْلِي وَمِجَنِّي عِنْدَ رَأْسِي حَتَّى إِذَا انْشَقَّ عَمُودُ الصُّبْحِ الْأَوَّلِ أَرَدْتُ أَنْ أَنْطَلِقَ ، فَإِذَا إِنْسَانٌ يَسْعَى يَدْعُو يَا بِلَالُ أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ ، فَإِذَا أَرْبَعُ رَكَائِبَ مُنَاخَاتٌ عَلَيْهِنَّ أَحْمَالُهُنَّ فَاسْتَأْذَنْتُ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْشِرْ فَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ تعالى بِقَضَائِكَ ثُمَّ قَالَ : أَلَمْ تَرَ الرَّكَائِبَ الْمُنَاخَاتِ الْأَرْبَعَ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى فَقَالَ : إِنَّ لَكَ رِقَابَهُنَّ ، وَمَا عَلَيْهِنَّ ، فَإِنَّ عَلَيْهِنَّ كِسْوَةً ، وَطَعَامًا أَهْدَاهُنَّ إِلَيَّ عَظِيمُ فَدَكَ ، فَاقْبِضْهُنَّ وَاقْضِ دَيْنَكَ فَفَعَلْتُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . ثُمَّ انْطَلَقْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ : مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ ؟ قُلْتُ : قَدْ قَضَى اللَّهُ تعالى كُلَّ شَيْءٍ كَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ قَالَ : أَفَضَلَ شَيْءٌ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : انْظُرْ أَنْ تُرِيحَنِي مِنْهُ ، فَإِنِّي لَسْتُ بِدَاخِلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِي حَتَّى تُرِيحَنِي مِنْهُ . فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَتَمَةَ دَعَانِي فَقَالَ : مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : هُوَ مَعِي لَمْ يَأْتِنَا أَحَدٌ ، فَبَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَقَصَّ الْحَدِيثَ حَتَّى إِذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ يَعْنِي مِنْ الْغَدِ دَعَانِي قَالَ : مَا فَعَلَ الَّذِي قِبَلَكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : قَدْ أَرَاحَكَ اللَّهُ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ شَفَقًا مِنْ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَوْتُ وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَزْوَاجَهُ فَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ حَتَّى أَتَى مَبِيتَهُ فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ بَاب فِي الْإِمَامِ يَقْبَلُ إلخ ( بِحَلَبَ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاللَّامِ اسْمُ بَلْدَةٍ ( أَنَا الَّذِي أَلِي ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْوِلَايَةِ أَيْ أَتَوَلَّى ( ذَلِكَ ) : أَيْ أَمْرَ النَّفَقَةِ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَإِذَا الْمُشْرِكُ ) : أَيْ ذَلِكَ الْمُشْرِكُ الَّذِي قَالَ لِبِلَالٍ : لَا تَسْتَقْرِضُ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا مِنِّي ( فِي عِصَابَةٍ ) : أَيْ جَمَاعَةٍ ( يَا لَبَّاهُ ) : أَيْ لَبَّيْكَ ( فَتَجَهَّمَنِي ) : أَيْ تَلَقَّانِي بِوَجْهٍ كَرِيهٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : جَهَمَهُ كَمَنَعَهُ وَسَمِعَهُ اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهٍ كَرِيهٍ كَتَجَهُّمِهِ ( فَآخُذُكَ بِالَّذِي عَلَيْكَ ) : أَيْ آخُذُكَ عَلَى رَأْسِ الشَّهْرِ فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَيْكَ مِنَ الْمَالِ ، وَأَتَّخِذكَ عَبْدًا فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْمَالِ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَأَخَذَ فِي نَفْسِي ) : أَيْ مِنَ الْهَمِّ ( الْعَتَمَةَ ) : أَيِ الْعِشَاءَ ( كُنْتُ أَتَدَيَّنُ مِنْهُ ) : أَيْ آخُذُ الدَّيْنَ مِنْهُ ( وَهُوَ فَاضِحِي ) اسْمُ فَاعِلٍ مُضَافٌ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : فَضَحَهُ كَمَنَعَهُ كَشَفَ مَسَاوِيَهُ ( أَنْ آبَقَ ) : أَيْ أَذْهَبَ وَأَفِرَّ ( إِلَى بَعْضِ هَؤُلَاءِ الْأَحْيَاءِ ) : جَمْعُ حَيٍّ بِمَعْنَى قَبِيلَةٍ ( مَا يَقْضِي عَنِّي ) : أَيِ الدَّيْنَ ( جِرَابِي ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وِعَاءٌ مِنْ إِهَابِ الشَّاءِ وَنَحْوِهِ وَقِرَابِ السَّيْفِ ( وَمِجَنِّي ) : الْمِجَنُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ التُّرْسُ ( حَتَّى إِذَا انْشَقَّ ) : أَيِ انْصَدَعَ وَطَلَعَ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : فَلَمَّا شَقَّ الْفَجْرَانِ أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، يُقَالُ : شَقَّ الْفَجْرَ وَانْشَقَّ إِذَا طَلَعَ كَأَنَّهُ شَقَّ مَوْضِعَ طُلُوعِهِ وَخَرَجَ مِنْهُ ، انْتَهَى . ( عَمُودُ الصُّبْحِ الْأَوَّلِ ) : أَيِ الْعَمُودُ الْمُسْتَطِيلُ الْمُرْتَفِعُ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ الصُّبْحُ الْكَاذِبُ دُونَ الْفَجْرِ الْأَحْمَرِ الْمُنْتَشِرِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ فَإِنَّهُ الصُّبْحُ الصَّادِقُ وَالْمُسْتَطِيرُ . فَبَيْنَ الصُّبْحَيْنِ سَاعَةً لَطِيفَةً فَإِنَّهُ يَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَبَعْدَ ظُهُورِهِ يَظْهَرُ الثَّانِي ظُهُورًا بَيِّنًا . فَالْفَجْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ هُوَ الْفَجْرُ الثَّانِي فَيَدْخُلُ وَقْتَ الصَّوْمِ وَوَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ واستناره وإضائه وَهُوَ انْصِدَاعُ الْفَجْرِ الثَّانِي الْمُعْتَرِضِ بِالضِّيَاءِ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ ذَاهِبًا مِنَ الْقِبْلَةِ إِلَى دُبُرِهَا حَتَّى يَرْتَفِعَ فَيَعُمَّ الْأُفُقَ وَيَنْتَشِرُ عَلَى رُؤوسِ الْجِبَالِ وَالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ . وَالْمَعْنَى : أَنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَسِيرَ فِي الصُّبْحِ الْكَاذِبِ لِكَيْلَا يَعْرِفَنِي أَحَدٌ لِظُلْمَةِ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( رَكَائِبَ ) : جَمْعُ رُكُوبةٍ وَهُوَ مَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ( بِقَضَائِكَ ) : أَيْ مَا تَقْضِي بِهِ الدَّيْنَ ( مَا فَعَلَ مَا قِبَلَكَ ) : أَيْ مَا حَالُ مَا عِنْدَكَ مِنَ الْمَالِ هَلْ قُضِيَ الدَّيْنُ أَمْ لَا ( قَالَ انْظُرْ ) : أَيِ اسْعَ فِي إِرَاحَتِي مِنْهُ وَانْظُرْ فِي أَسْبَابِهِ ( حَتَّى تُرِيحَنِي مِنْهُ ) : أَيْ تُفْرِغَ قَلْبِي مِنْهُ بِأَنْ تُنَفِّقَهُ عَلَى مَصَارِفِهِ ( شَفَقًا ) : أَيْ خَوْفًا ( وَعِنْدَهُ ذَلِكَ ) : أَيْ ذَلِكَ الْمَالُ ( فَهَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي عَنْهُ ) : الْمُخَاطَبُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْهَوْزَنِيُّ الَّذِي سَأَلَ بِلَالًا عَنْ نَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكِ ، وَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْآتِي ، وَسَيَأْتِي وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَفِي النَّيْلِ رِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، نا عِمْرَانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ : أَهْدَيْتُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً فَقَالَ : أَسْلَمْتَ ؟ قُلْتُ : لَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ ( إِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ ) : بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْعَطَاءُ وَالرِّفْدَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي رَدِّ هَدِيَّتِهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَغِيظَهُ بِرَدِّ الْهَدِيَّةِ فَيَمْتَغِصُ مِنْهُ فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَالْآخَرُ أَنَّ لِلْهَدِيَّةِ مَوْضِعًا مِنَ الْقَلْبِ ، وَقَدْ رُوِيَ : تَهَادَوْا تَحَابُّوا ، وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَمِيلَ بِقَلْبِهِ إِلَى مُشْرِكٍ فَرَدَّ الْهَدِيَّةَ قَطْعًا لِسَبَبِ الْمَيْلِ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ هَدِيَّةَ النَّجَاشِيِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِخِلَافٍ لِقَوْلِهِ : نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ ، وَقَدْ أُبِيحَ لَنَا طَعَامُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَنِكَاحُهُمْ ، وَذَلِكَ خِلَافُ حُكْمِ أَهْلِ الشِّرْكِ . انْتَهَى . وَقَدْ ذُكِرَ وُجُوهُ أُخَرُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ لِجَوَازِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَبَيْنَ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ ، وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهَا فَعَلَيْكَ بِالْفَتْحِ وَالنَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابٌ : فِي اتِّخَاذِ الْوَزِيرِ بَاب فِي اتِّخَاذِ الْوَزِيرِ : وَهُوَ مَنْ يُؤَازِرُ الْأَمِيرَ فَيَحْمِلُ عَنْهُ مَا حَمَلَهُ مِنَ الْأَثْقَالِ ، وَمَنْ يَلْتَجِئُ الْأَمِيرُ إِلَى رَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، فَهُوَ مَلْجَأٌ لَهُ وَمَفْزَعٌ . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ الْمُرِّيُّ ، نا الْوَلِيدُ ، نا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالْأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ ، وَزِيرَ صِدْقٍ : إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ : إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ ( الْمُرِّيُّ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمُزَنِيُّ وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ ( بِالْأَمِيرِ ) : أَيْ بِمَنْ يَكُونُ أَمِيرًا ( خَيْرًا ) : أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالْعُقْبَى ( وَزِيرَ صِدْقٍ ) : أَيْ صَادِقًا فِي النُّصْحِ لَهُ وَلِرَعِيَّتِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَزِيرًا صَالِحًا لِرِوَايَةِ النَّسَائِيِّ جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا وَلَمْ يُرِدْ بِالصِّدْقِ الِاخْتِصَاصَ بِالْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ . قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ ( إِنْ نَسِيَ ) : أَيِ الْأَمِيرُ حُكْمَ اللَّهِ ( ذَكَّرَهُ ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ أَخْبَرَ الْأَمِيرَ بِهِ ( وَإِنْ ذَكَرَ ) : بِالتَّخْفِيفِ أَيْ وَإِنْ تَذَكَّرَهُ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ ( أَعَانَهُ ) : أَيِ الْوَزِيرُ الْأَمِيرَ ( بِهِ ) : أَيْ بِالْأَمِيرِ ( غَيْرَ ذَلِكَ ) : أَيْ شَرًّا ( وَزِيرَ سَوْءٍ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهِ قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ الْيَمَنِ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ لِي هَمْدَانُ : هَلْ أَنْتَ آتٍ هَذَا الرَّجُلَ وَمُرْتَادٌ لَنَا ؟ فَإِنْ رَضِيتَ لَنَا شَيْئًا قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَ شَيْئًا كَرِهْنَاهُ . قُلْتُ : نَعَمْ . فَجِئْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَضِيتُ أَمْرَهُ ، وَأَسْلَمَ قَوْمِي ، وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكِتَابَ إِلَى عُمَيْرٍ ذِي مَرَّانٍ قَالَ : وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ مِرَارَةَ الرَّهَاوِيَّ إِلَى الْيَمَنِ جَمِيعًا ، فَأَسْلَمَ عَكٌّ ذُو خَيْوَانَ ، قَالَ : فَقِيلَ لِعَكٍّ : انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَخُذْ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى قَرْيَتِكَ وَمَالِكَ ، فَقَدِمَ فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِعَكٍّ ذِي خَيْوَانَ ، إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي أَرْضِهِ وَمَالِهِ وَرَقِيقِهِ فَلَهُ الْأَمَانُ ، وَذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بَاب مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ الْيَمَنِ هَلْ هِيَ خَرَاجِيَّةٌ أَوْ عُشْرِيَّةٌ ، فَثَبَتَ بِحَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهَا عُشْرِيَّةٌ ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ : الْأَرَاضِي الْعُشْرِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَرْضِ خَرَاجٍ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا : أَرْضٌ أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا فَهُمْ مَالِكُونَ لَهَا كَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَنِ وَالْبَحْرَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَكَّةُ إِلَّا أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَّ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : كُلُّ أَرْضٍ أُخِذَتْ عَنْوَةً ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَرَ أَنْ يَجْعَلَهَا فَيْئًا مَوْقُوفًا ، وَلَكِنَّهُ رَأَى أَنْ يَجْعَلَهَا غنيمة فَخَمَّسَهَا فَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا خَاصَّةً كَفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ ، فَهِيَ أَيْضًا مِلْكُهُمْ لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْعُشْرِ ، وَكَذَلِكَ الثُّغُورُ كُلُّهَا إِذْ قُسِّمَتْ بَيْنَ الَّذِينَ افْتَتَحُوهَا خَاصَّةً وَعَزَلَ عَنْهَا الْخُمُسَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ . وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ : كُلُّ أَرْضٍ عَارِيَةٍ لَا رَبَّ لَهَا وَلَا عَامِرَ ، أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ رَجُلًا إِقْطَاعًا مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَوْ غَيْرِهَا ، كَفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ فِيمَا أَقَطَعُوا مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ وَالْبَصْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا . وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ : كُلُّ أَرْضٍ مَيْتَةٍ اسْتَخْرَجَهَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْيَاهَا بِالنَّبَاتِ وَالْمَاءِ ، فَهَذِهِ الْأَرْضُونَ الَّتِي جَاءَتْ فِيهَا السُّنَّةُ بِالْعُشْرِ أَوْ نِصْفِ الْعُشْرِ وَكُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ ، فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا كَزَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالصَّامِتِ يُوضَعُ فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ ، وَمَا سِوَى هَذِهِ مِنَ الْبِلَادِ فَلَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ أَرْضَ عَنْوَةٍ صُيِّرَتْ فَيْئًا كَأَرْضِ السَّوَادِ وَالْجِبَالِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسٍ وَكَرْمَانَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ وَأَرْضِ الشَّامِ سِوَى مُدُنِهَا وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ ، أَوْ يَكُونَ أَرْضَ صُلْحٍ مِثْلَ نَجْرَانَ وَأَيْلَةَ وَأَدْرَجَ وَدَوْمَةَ الْجَنْدَلِ وَفَدَكَ وَمَا أَشْبَهَهَا ، مَا صَالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُلْحًا أَوْ فَعَلَتْهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ وَكَبِلَادِ الْجَزِيرَةِ وَبَعْضِ أَرْمِينِيَّةَ وَكَثِيرٍ مِنْ كُوَرِ خُرَاسَانَ ، فَهَذَانِ النَّوْعَانِ مِنَ الْأَرْضِينَ الصُّلْحُ وَالْعَنْوَةُ الَّتِي تَصِيرُ فَيْئًا يَكُونَانِ عَامًّا لِلنَّاسِ فِي الْأَعْطِيَةِ وَأَرْزَاقِ الذُّرِّيَّةِ وَمَا يَنُوبُ الْإِمَامَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الْأَرْضُ الْمُفَتَّحَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : أَحَدُهَا : الْأَرَاضِي الَّتِي أَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَهِيَ لَهُمْ مِلْكٌ وَهِيَ أَرْضُ عُشْرٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ ، وَأَرْض افْتُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى خَرَاجِ مَعْلُومٍ فَهُمْ عَلَى مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُمْ أَكْثَرَ مِنْهُ وَأَرْضٌ أُخِذَتْ عَنْوَةً فَهِيَ مِمَّا اخْتُلِفَ فِيهَا فَقِيلَ : سَبِيلُهَا سَبِيلُ الْغَنِيمَةِ تُخَمَّسُ وَيُقَسَّمُ فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَالْخُمُسُ الْبَاقِي لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ، وَقِيلَ : النَّظَرُ فِيهَا لِلْإِمَامِ إِنْ شَاءَ جَعَلَهَا غَنِيمَةً فَيُخَمِّسُهَا وَيُقَسِّمُهَا ، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا بَقُوا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسَّوَادِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ مُحَرَّرًا . كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ لِلْإِمَامِ الزَّيْلَعِيِّ . ( عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ ) : الْهَمْدَانِيِّ وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَكَانَ أَحَدَ عُمَّالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْيَمَنِ ( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ ظَهَرَ نُبُوَّتِهِ ( فَقَالَتْ لِي هَمْدَانُ ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَبَعْدهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ قَبِيلَةٌ بِالْيَمَنِ ( هَلْ أَنْتَ آتٍ ) : اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَتَى يَأْتِي ( هَذَا الرَّجُلَ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمُرْتَادٍ ) : أَيْ طَالِبٍ . فِي الْقَامُوسِ : الرَّوْدُ الطَّلَبُ كَالرِّيَادِ وَالِارْتِيَادِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مُطَوَّلًا وَلَفْظُهُ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ ، قَالَ : كَانَتْ هَمْدَانُ قَدْ تَحَصَّنَتْ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ الْحَقْلُ مِنَ الجبش قَدْ مَنَعَهُمُ اللَّهُ بِهِ حَتَّى جَاءَ أَهْلُ فَارِسٍ فَلَمْ يَزَالُوا مُحَارَبِينَ حَتَّى هَمَّ الْقَوْمُ الْحَرْبَ وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لِي هَمْدَانُ : يَا عَامِرَ بْنَ شَهْرٍ ، إِنَّكَ قد كُنْتَ نَدِيمًا لِلْمُلُوكِ مُذْ كُنْتُ فَهَلْ أَنْتَ آتٍ هَذَا الرَّجُلَ وَمُرْتَادٍ لَنَا فَإِنْ رَضِيتَ لَنَا شَيْئًا فَعَلْنَاهُ ، وَإِنْ كَرِهْتَ شَيْئًا كَرِهْنَاهُ ، قُلْتُ : نَعَمْ ، وَقَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْتُ عِنْدَهُ فَجَاءَ رَهْطٌ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَوْصِنَا ، فَقَالَ : أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ أَنْ تَسْمَعُوا مِنْ قَوْلِ قُرَيْشٍ وَتَدْعُوَا فِعْلَهُمْ ، فَاجْتَزَأْتُ بِذَلِكَ وَاللَّهِ مِنْ مَسْأَلَتِهِ وَرَضِيتُ أَمْرَهُ ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَى قَوْمِي حَتَّى أَمُرَّ بِالنَّجَاشِيِّ ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدِيقًا ، فَمَرَرْتُ بِهِ ، قَالَ : فَرَجَعْتُ وَأَسْلَمَ قَوْمِي ( وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْكِتَابَ ) : لَمْ يَسُقِ الرَّاوِي الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكِتَابَ وَإِنِّي سَأَذْكُرُهُ ( إِلَى عُمَيْرِ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ذِي مَرَّانِ ) الْهَمْدَانِيِّ لَقَبُ عُمَيْرٍ وَهُوَ جَدُّ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ : عُمَيْرُ ذُو مَرَّانِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ ابْنُ الْأَثِيرِ وَالذَّهَبِيُّ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ عُمَيْرٍ ذِي مَرَّانِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُمَيْرٍ قَالَ : جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى عُمَيْرٍ ذِي مَرَّانِ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَمْدَانَ ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّنَا بَلَغَنَا إِسْلَامُكُمْ مَقْدَمَنَا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فَأَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ هَدَاكُمْ بِهِدَايَته ، وَإِنَّكُمْ إِذَا شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ وَأَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَأَدَّيْتُمُ الزَّكَاةَ فَإِنَّ لَكُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَعَلَى أَرْضِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَسْلَمْتُمْ عَلَيْهَا سَهْلِهَا وَجِبَالِهَا غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُضَيَّقٍ عَلَيْهم ، وَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ ، وَإِنَّ مَالِكَ بْنَ مِرَارَةَ الرَّهَاوِيَّ قَدْ حَفِظَ الْغَيْبَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ فَآمُركَ بِهِ خَيْرًا فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ إِلَيْهِ فِي قَوْمِهِ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ ( وَبَعَثَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَالِكَ بْنَ مِرَارَةَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ( الرَّهَاوِيَّ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ كَذَا ضَبَطَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَابْنُ مَاكُولَا صَحَابِيٌّ سَكَنَ الشَّامَ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : لَهُ صُحْبَةٌ وَحَدِيثٌ ، ( إِلَى الْيَمَنِ جَمِيعًا ) : أَيْ إِلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْيَمَنِ ( عَكٌّ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ ( ذُو خَيْوَانٍ ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لَقَبُ عَكٍّ الْهَمْدَانِيِّ ، فَكَتَبَ لَهُ أي لِعَكٍّ : أَيْ أَمَرَ بِالْكِتَابَةِ ، وَالْكَاتِبِ هُوَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ كَمَا فِي آخِرِ الْحَدِيثِ . وَلَفْظُ الْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ قَالَ : أَسْلَمَ عَكٌّ ذُو خَيْوَانٍ ، فَقِيلَ لِعَكٍّ : انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخُذْ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى مَنْ قِبَلَكَ وَمَالَكَ وَكَانَتْ لَهُ قَرْيَةٌ بِهَا رَقِيقٌ ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ مَالِكَ بْنَ مِرَارَةَ الرَّهَاوِيَّ قَدِمَ عَلَيْنَا يَدْعُو إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمْنَا وَلِي أَرْضٌ بِهَا رَقِيقٌ فَاكْتُبْ لِي كِتَابًا فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ كَمَا عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُجَالِدٌ وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَعَامِرُ بْنُ شَهْرٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرَ الشَّعْبِيِّ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيُّ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُمْ ، قال : نا فَرَجُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدٍ يَعْنِي : ابْنَ أَبْيَضَ عَنْ جَدِّهِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَخَا سَبَاء لَا بُدَّ مِنْ صَدَقَةٍ ، فَقَالَ : إِنَّمَا زَرَعْنَا الْقُطْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَقَدْ تَبَدَّدَتْ سَبَاء ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ بِمَأْرِبَ ، فَصَالَحَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبْعِينَ حُلَّةً بَزٍّ مِنْ قِيمَةِ وَفَاءِ بَزِّ الْمَعَافِرِ كُلَّ سَنَةٍ عَمَّنْ بَقِيَ مِنْ سَباء بِمَأْرِبَ ، فَلَمْ يَزَالُوا يَؤُدُّونَهَا حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِنَّ الْعُمَّالَ انْتَقَضُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ قَبْضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا صَالَحَ أَبْيَضُ بْنُ حَمَّالٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُلَلِ السَّبْعِينَ ، فَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَاتَ أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ انْتَقَضَ ذَلِكَ ، وَصَارَتْ عَلَى الصَّدَقَةِ ( أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ) : الْحُمَيْدِيِّ الْمَكِّيِّ ( نَا فَرَجُ بْنُ سَعِيدِ ) : ابْنِ عَلْقَمَةَ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ . هَكَذَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ فِي بَابِ إِقْطَاعِ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَكَذَا فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ وَالتَّقْرِيبِ وَالْخُلَاصَةِ ( حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدِ ) : ابْنِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ كَذَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ . وَقَوْلُهُ : عَمِّي فِيهِ تَجَوُّزٌ فَإِنَّ ثَابِتًا هُوَ عَمِّ أَبِيهِ سَعِيدٍ وَلَيْسَ ثَابِتٌ عَمًّا لِفَرَجِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( عَنْ أَبِيهِ ) : الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى ثَابِتٍ ( عَنْ جَدِّهِ ) : أَيْ جَدِّ ثَابِتٍ ( أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ ) : بَدَلٌ مِنْ جَدِّهِ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِيهِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ أَبْيَضِ بْنِ حَمَّالٍ وَحَمَّالٌ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ هُوَ الْمَأْرِبِيُّ السَّبَائِيُّ ( أَنَّهُ ) : أَيْ أَبْيَضُ ( كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّدَقَةِ ) : أَيْ فِي زَكَاةِ الْعُشْرِ أَنْ لَا تُؤْخَذَ مِنْهُ ( حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ ) : أَيْ وَرَدَ عَلَيْهِ وَفْدًا ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَا أَخَا سَبَاءٍ ) : بِالْمَدِّ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَبَأٍ بِالْهَمْزِ بِغَيْرِ الْمَدِّ . وَفِي الْقَامُوسِ : سَبَأٌ كَجَبَلٍ وَيُمْنَعُ بَلْدَةُ بِلْقِيسَ وَلَقَبُ ابْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ وَاسْمُهُ عَبْدُ شَمْسٍ يَجْمَعُ قَبَائِلَ الْيَمَنِ عَامَّةً ( لَا بُدَّ مِنْ صَدَقَةِ ) : الْعُشْرِ ( وَقَدْ تَبَدَّدَتْ ) : أَيْ تَفَرَّقَتْ ( وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ ) : أَيْ مِنْ أَهْلِ سَبَأٍ ( بِمَأْرِبَ ) : فِي الْقَامُوسِ مَأْرِبُ كَمَنْزِلٍ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ انْتَهَى ، وَفِي الْمَرَاصِدِ : مَأْرِبُ بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِلَادُ الْأَزْدِ بِالْيَمَنِ وَقِيلَ هُوَ اسْمُ قَصْرٍ كَانَ لَهُمْ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ لِمَلِكِ سَبَأٍ وَهِيَ كُورَةٌ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وَصَنْعَاءَ ، انْتَهَى . ( سَبْعِينَ حُلَّةٍ بَزٍّ ) : حُلَّةٌ بِضَمِّ الْحَاءِ وَاحِدَةُ الْحُلَلِ وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا تُسَمَّى حُلَّةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسِ وَاحِدٍ كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَبَزٌّ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ الثِّيَابُ . وَقِيلَ : ضَرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ كَذَا فِي اللِّسَانِ ( مِنْ قِيمَةِ وَفَاءِ بَزِّ الْمَعَافِرِ ) : قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : مَعَافِرُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَآخِرِهِ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ اسْمُ قَبِيلَةٍ بِالْيَمَنِ لَهُمْ مِخْلَافٌ تُنْسَبُ إِلَيْهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : ثَوْبٌ مَعَافِرُ وغَيْرُ مَنْسُوبٍ وَمَنْ نَسَبَهُ فَهُوَ عِنْدَهُ خَطَأٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الرَّجَزِ الْفَصِيحِ مَنْسُوبًا . انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ الْمَعَافِرِيُّ هِيَ بُرُودٌ بِالْيَمَنِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى مَعَافِرَ وَهِيَ قَبِيلَةٌ بِالْيَمَنِ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ . انْتَهَى . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَعَافِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى مِثَالِ مَا لَا يَنْصَرِفُ مِنَ الْجَمْعِ وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ ، تَقُولُ : ثَوْبٌ مَعَافِرِيُّ فَتَصْرِفهُ لِأَنَّكَ أَدْخَلْتَ عَلَيْهِ يَاءَ النِّسْبَةِ وَلَمْ تَكُنْ فِي الْوَاحِدِ ، انْتَهَى . ( يُؤَدُّونَهَا ) : أَيِ الْحُلَلِ ( انْتَقَضُوا ) : ذَلِكَ الصُّلْحَ وَالْعَهْدَ ( فَرَدَّ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ ) : وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ أَبْيَضَ وَفَدَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ لَمَّا انْتَقَضَ عَلَيْهِ عُمَّالُ الْيَمَنِ فَأَقَرَّهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى مَا صَالَحَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الصَّدَقَةِ ثُمَّ انْتُقِضَ ذَلِكَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَصَارَ إِلَى الصَّدَقَةِ ، انْتَهَى . ( وَصَارَتْ عَلَى الصَّدَقَةِ ) : أَيْ عَلَى الْعُشْرِ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ كَمَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرَاضِيهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ بَاب فِي هَدَايَا الْعُمَّالِ : هَدَايَا : جَمْعُ هَدِيَّةٍ . حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ لَفْظَهُ قَالَا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ : ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ السَّرْحِ : ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَجَاءَ فَقَالَ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ : هَذَا لَكُمْ ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي ، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ ، أَوْ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا ، لَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنْكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا فَلَهُ رُغَاءٌ ، أَوْ بَقَرَةً فَلَهَا خُوَارٌ ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبِطَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ( لَفْظُهُ ) : أَيْ لَفْظُ الْحَدِيثِ لَفْظُ ابْنِ أَبِي خَلَفٍ لَا لَفْظَ ابْنِ السَّرْحِ ( ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ التَّاءِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي لُتْبٍ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ : اسْمُ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ عَبْدُ اللَّهِ ، وَاللُّتْبِيَّةُ أُمُّهُ لَمْ نَقِفْ عَلَى اسْمِهَا . ( قَالَ ابْنُ السَّرْحِ : ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ ) : أَيْ بِالْهَمْزَةِ مَكَانَ اللَّامِ ، ( عَلَى الصَّدَقَةِ ) : مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَعْمَلَ ( نَبْعَثُهُ ) : أَيْ عَلَى الْعَمَلِ ( أَلَّا ) : حَرْفُ تَحْضِيضٍ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : هَلَّا ، ( بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ) : أَيْ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ يَحُوزُهُ لِنَفْسِهِ ، ( إِنْ كَانَ ) : أَيِ الشَّيْءُ الَّذِي أَتَى بِهِ حَازَهُ لِنَفْسِهِ ( فَلَهُ رُغَاءٌ ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ الْمَدِّ : هُوَ صَوْتُ الْبَعِيرِ ( خُوَارٌ ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ : هُوَ صَوْتُ الْبَقَرَةِ ، ( تَيْعَرُ ) : عَلَى وَزْنِ تَسْمَعُ وَتَضْرِبُ ، أَيْ تَصِيحُ وَتُصَوِّتُ صَوْتًا شَدِيدًا . ( عُفْرَةُ إِبْطَيْهِ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ : أَيْ بَيَاضُهُمَا الْمَشُوبُ بِالسُّمْرَةِ . ( ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالْمُرَادُ : بَلَّغْتُ حُكْمَ اللَّهِ إِلَيْكُمُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى لَهُ ( بَلِّغْ ) : وَإِشَارَةً إِلَى مَا يَقَعُ فِي الْقِيَامَةِ مِنْ سُؤَالِ الْأُمَمِ هَلْ بَلَّغَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْهِمْ . قَالَهُ الْحَافِظُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّالِ حَرَامٌ وَغُلُولٌ ؛ لِأَنَّهُ خَانَ فِي وِلَايَتِهِ وَأَمَانَتِهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْلِهِ : أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَتَذَرَّعُ بِهِ إِلَى مَحْظُورٍ فَهُوَ مَحْظُورٌ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْقَرْضُ يَجُرُّ الْمَنْفَعَةَ ، وَالدَّارُ الْمَرْهُونَةُ يَسْكُنُهَا الْمُرْتَهِنُ بِلَا أُجْرَةٍ ، وَالدَّابَّةُ الْمَرْهُونَةُ يَرْكَبُهَا وَيَرْتَفِقُ بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ يَعْنِي : مُحْتَلِمًا دِينَارًا ، أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الْمُعَافِرِيِّ - ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ - حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ مُعَاذٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . ( لَمَّا وَجَّهَهُ ) : أَيْ أَرْسَلَهُ ( مِنْ كُلِّ حَالِمٍ ) : أَيْ بَالِغٍ ( يَعْنِي مُحْتَلِمًا ) : تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ ( أَوْ عِدْلَهُ ) : أَيْ مِثْلَهُ . قَالَ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ : الْعِدْلُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْمِثْلُ ، وَقِيلَ : بِالْفَتْحِ مَا عَادَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ ( مِنَ الْمَعَافِرِيِّ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ نِسْبَةً إِلَى مَعَافِرَ عَلَمُ قَبِيلَةٍ مِنْ هَمْدَانَ وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ ( ثِيَابٌ ) : هَذَا تَفْسِيرُ أي هي ثياب ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : ثِيَابًا بِالنَّصْبِ بِتَقْدِيرِ يَعْنِي . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْلِهِ : مِنْ كُلِّ حَالِمٍ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ لِأَنَّ الْحَالِمَ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّجُلِ فَلَا وُجُوبَ لَهَا عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى الْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ . وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْجَمِيعِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ لِلْعُمُومِ . وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الدِّينَارَ مَقْبُولٌ مِنْ جَمَاعَتِهِمْ أَغْنِيَائِهِمْ وَأَوْسَاطِهِمْ سَوَاءً فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَأَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ إِذَا أَعْطَوْا دِينَارًا ، وَجَعَلَ بَذْلَ الدِّينَارِ حَاقِنًا لِدِمَائِهِمْ ، فَكُلُّ مَنْ أَعْطَاهُ فَقَدْ حَقَنَ دَمَهُ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ : يُوضَعُ عَلَى الْمُوسِرِ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَاثْنَا عَشَرَ . وَقَالَ أَحْمَدُ : عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَ ، قِيلَ لَهُ : فَيُزَادُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَيَنْقُصُ ؟ قَالَ : نَعَمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ وَعَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ . وَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي إِلْزَامِ الْفَقِيرِ الْجِزْيَةَ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ فِي الْإِمَارَةِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُؤوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا فُتِحَ مِنَ الْبِلَادِ ، فَوَضَعَ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا . وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مُرْسَلًا وَأَنَّ الْمُرْسَلَ أَصَحُّ .
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هَانِئٍ أَبُو نُعَيْمٍ النَّخَعِيُّ ، نا شَرِيكٌ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : لَئِنْ بَقِيتُ لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ، لَأَقْتُلَنَّ الْمُقَاتِلَةَ ، وَلَأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ ، فَإِنِّي كَتَبْتُ الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إِنْكَارًا شَدِيدًا ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : وَلَمْ يَقْرَأْهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْعَرْضَةِ الثَّانِيَةِ . ( عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ ) : بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا ( لَئِنْ بَقِيتُ ) : وَطَالَ عُمْرِي ( لِنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ ) : أَيْ لِقِتَالِهِمْ ( فَإِنِّي كَتَبْتُ الْكِتَابَ ) : أَيْ كِتَابَ الْعَهْدِ الَّذِي كَانَ ( بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فَنَقَضُوا الْمُعَاهَدَةَ ( عَلَى ) : مُتَعَلِّقٌ كتبت ( أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَبْنَاءَهُمْ ) : أَيْ لَا يَجْعَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نَصَارَى ، وَلَا يُعَلِّمُونَ أَبْنَاءَهُمْ دِينَ النَّصَارَى . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَأْتِي مِنَ الرِّوَايَاتِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ) : أَيْ رُفِعَ هَذَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَوْنُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُنْكَرٌ . وَالْمَعْرُوفُ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ . فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي آخِرِ كِتَابِ الزَّكَاةِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ السَّفَّاحِ بْنِ مَطَرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ صَالَحَ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ تُضَعَّفَ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ مَرَّتَيْنِ ، وَعَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا صغيرا وَعَلَى أَنْ لَا يُكْرَهُوا عَلَى دِينِ غَيْرِهِمْ . قَالَ دَاوُدُ : لَيْسَتْ لَهُمْ ذِمَّةٌ قَدْ نُصِرُوا . وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِ السَّفَّاحِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ زُرْعَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَكَلَّمَهُ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ قَالَ : وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ هَمَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ ، فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ زُرْعَةَ لِعُمَرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ قَوْمٌ عَرَبٌ يَأْنَفُونَ مِنَ الْجِزْيَةِ وَلَيْسَتْ لَهُمْ أَمْوَالٌ ، إِنَّمَا هُمْ أَصْحَابُ حُرُوثٍ وَمَوَاشٍ ، قَالَ : فَصَالَحَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنْ تُضَعَّفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَبُو أَحْمَدَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ بِلَفْظِ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ الْجِزْيَةَ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا صَالَحَهُمْ يَعْنِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبٍ عَلَى تضعف الصَّدَقَةِ قَالُوا : نَحْنُ عَرَبٌ لَا يؤدي مَا يُؤَدِّي الْعَجَمُ وَلَكِنْ خُذْ مِنَّا كَمَا يَأْخُذُ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ، يَعْنُونَ الصَّدَقَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا هَذِهِ فَرْضُ الْمُسْلِمِينَ ! قَالُوا : زِدْ مَا شِئْتَ بِهَذَا الِاسْمِ لَا بِاسْمِ الْجِزْيَةِ ، فَفَعَلَ فَتَرَاضَى هُوَ وَهُمْ عَلَى تَضْعِيفِ عليهم الصَّدَقَةِ . وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ : سَمُّوهَا مَا شِئْتُمْ . وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ كُرْدُوسٍ قَالَ : صَالَحَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُضَاعِفَ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةَ وَلَا يَمْنَعُوا فِيهَا أَحَدًا أَنْ يُسْلَمَ وَلَا أَنْ يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ ، انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو عَلِيٍّ ) : هُوَ اللُّؤْلُؤِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ أَبِي دَاوُدَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَفِي إِسْنَادِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِمَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَفِيهِ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هاني النَّخَعِيُّ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ كَذَلِكَ .
بَابٌ : فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، نا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ ، فَأخِذَوه فَأَتَوْهُ بِهِ ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ . بَاب فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهِيَ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِإِسْكَانِنَا إِيَّاهُمْ فِي دَارِنَا ، أَوْ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، أَوْ لِكَفِّنَا عَنْ قِتَالِهِمْ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ) : بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُتَّصِلًا من طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ ، وَمُرْسَلًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْ عُثْمَانَ . قَالَهُ الْمِزِّيُّ ( إِلَى أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَدَالٍ مَكْسُورَةٍ مُهْمَلَةٍ فَرَاءٍ ابْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكِنْدِيِّ اسْمُ مَلِكِ دَوْمَةَ بِضَمِّ الدَّالِ وَقَدْ يُفْتَحُ بَلَدٌ أَوْ قَلْعَةٌ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ قَرِيبَ تَبُوكَ أُضِيفَ إِلَيْهَا كَمَا أُضِيفَ زَيْدٌ إِلَى الْخَيْلِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( فَأَخَذُوهُ ) : أَيْ أُكَيْدِرَ ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِخَالِدٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ بُعِثُوا مَعَهُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَأُخِذَ بِالْإِفْرَادِ ( فَأَتَوْهُ بِهِ ) : أَيْ أَتَوْا بِأُكَيْدِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ وَقَالَ ابْعَثُوهُ إِلَيَّ فَبَعَثُوهُ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَحَقَنَ لَهُ دَمُهُ ) : أَيْ وَهَبَهُ ، قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : حَقَنَ دَمَهُ إِذَا مَنَعَهُ أَنْ يُسْفَكَ ، وَذَلِكَ إِذَا حَلَّ بِهِ الْقَتْلُ فَأَنْقَذَهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أُكَيْدِرُ دَوْمَةَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالُ : إِنَّهُ غَسَّانُ . فَفِي هَذَا مِنْ أَمْرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْعَرَبِ كَجَوَازِهِ مِنَ الْعَجَمِ . وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ عَرَبِيٍّ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيٌّ : الْعَرَبِيٌّ وَالْعَجَمِيٌّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ . وَالْحَدِيثٌ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْيَامِيُّ ، نا يُونُسُ يَعْنِي : ابْنَ بُكَيْرٍ ، نا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ إسماعيل بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ، النِّصْفُ فِي صَفَرٍ ، وَالنصف فِي رَجَبٍ ، يُؤَدُّونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَعَاريةِ ثَلَاثِينَ دِرْعًا ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا ، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا ، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا ، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوهَا عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ ذات غَدْرَ عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بَيْعَةٌ ، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ ، وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا ، أَوْ يَأْكُلُوا الرِّبَا . قَالَ إسماعيل : فَقَدْ أَكَلُوا الرِّبَا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِذَا أنَقَضُوا بَعْضَ مَا اشْتُرِطَ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَحْدَثُوا . ( عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ) : تَثْنِيَةُ أَلْفٍ ( وَعَارِيَةٍ ) : مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَهُ ( وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : أَيْ وَضَعَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُعْطُونَ السِّلَاحَ الْمَذْكُورَ عَارِيَةً وَالْمُسْلِمُونَ يَرُدُّونَ تِلْكَ الْعَارِيَةَ عَلَيْهِمْ لَكِنْ إِعَارَةُ السِّلَاحِ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ أَيْ حَرْبٌ وَلِذَا أَنَّثَ صِفَتَهُ ، فَقَالَ : ذَاتُ غَدْرٍ . انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ إِنْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ ، فَيُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ هَذَا السِّلَاحَ الْمَذْكُورَ عَارِيَةً لِأَجْلِ قِتَالِ الْغَادِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ( كَيْدٌ ذَاتُ غَدْرٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْكَيْدُ الْحَرْبُ وَمِنْهُ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا أَيْ حَرْبًا . انْتَهَى . وَفِي بَعْضِ ، النُّسَخِ كَيْدًا وَغَدْرَةً ( عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِيعَةٌ ) : بِالْكَسْرِ مَعْبَدُ النَّصَارَى ( قَسٌّ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا هُوَ رَئِيسُ النَّصَارَى فِي الْعِلْمِ ( وَلَا يُفْتَنُوا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مَا لَمْ يُحْدِثُوا ) : مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ . قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ : هَذَا الْمَالُ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمُصَالَحَةُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ جِزْيَةٌ وَلَكِنْ مَا كَانَ مَأْخُوذًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يَخْتَصُّ بِذَوِي الشَّوْكَةِ فَيُؤْخَذُ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَا يَضْرِبهُ الْإِمَامُ عَلَى رُؤوسِهِمْ . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَزِيدَ وَيُنْقِصَ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الصُّلْحُ مِنْ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ وَوُقُوعِ الرِّضَى مِنْهُمْ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي سَمَاعِ السُّدِّيِّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ نَظَرٌ ، وَإِنَّمَا قِيلَ إِنَّهُ رَآهُ وَرَأَى ابْنَ عُمَرَ وَسَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
بَابٌ : فِي غُلُولِ الصَّدَقَةِ بَاب فِي غُلُولِ الصَّدَقَةِ : أَيِ الْخِيَانَةُ فِيهَا . وَالْغُلُولُ : الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ . وَكُلُّ مَنْ خَانَ فِي شَيْءٍ خُفْيَةً فَقَدْ غَلَّ ، قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعِيًا ، ثُمَّ قَالَ : انْطَلِقْ أَبَا مَسْعُودٍ ، َلَا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ قَالَ : إِذًا لَا أَنْطَلِقُ قَالَ : إِذًا لَا أُكْرِهُكَ ( أَبَا مَسْعُودٍ ) : أَيْ يَا أَبَا مَسْعُودٍ : لَا أُلْفِيَنَّكَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ لَا أَجِدَنَّ ، ( تَجِيءُ ) حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ ( وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ ) : فَاعِلُ الظَّرْفِ وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تَجِيءُ ، ( قَالَ ) : أَيْ أَبُو مَسْعُودٍ ( لَا أَنْطَلِقُ ) : أَيْ عَلَى الْعَمَلِ ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا أُكْرِهُكَ ) : أَيْ عَلَى الْعَمَلِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الضَّرِيرِ يُوَلَّى باب في الضرير يولى : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّوْلِيَةِ : أَيْ يُجْعَلُ وَالِيًا وَحَاكِمًا ، وَالضَّرِيرُ الْأَعْمَى . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُخَرَّمِيُّ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ مَهْدِيٍّ ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ ( الْمَخَرِّمِيُّ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ : نِسْبَةً إِلَى الْمَخَرِّمِ مَوْضِعٌ بِبَغْدَادَ . كَذَا فِي الْمُغْنِي ( اسْتَخْلَفَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومِ ) : وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى ( مَرَّتَيْنِ ) : قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالسِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي غَزَوَاتِهِ مِنْهَا غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ وَبُوَاطٌ ، وَذُو الْعَسِيرَةِ وَخُرُوجُهُ إِلَى جُهَيْنَةَ فِي طَلَبِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ ، وَغَزْوَةُ السَّوِيقِ ، وَغَطَفَانُ وَأُحُدٌ ، وَحَمْرَاءُ الْأَسَدِ ، وَنَجْرَانُ ، وَذَاتُ الرِّقَاعِ ، وَاسْتَخْلَفَهُ حِينَ سَارَ إِلَى بَدْرٍ ، ثُمَّ رَدَّ إِلَيْهَا أَبَا لُبَابَةَ ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ أَيْضًا فِي مَسِيرَتِهِ إِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمَّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَبْلُغْهُ مَا بَلَغَ غَيْرُهُ . قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَابْنُ حَجَرٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ عِمْرَانُ بْنُ دَاوُدَ الْقَطَّانُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا وَلَّاهُ لِلصَّلَاةِ بِالْمَدِينَةِ دُونَ الْقَضَاءِ ، فَإِنَّ الضَّرِيرَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ ، لِأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ الْأَشْخَاصَ ، وَلَا يُثْبِتُ الْأَعْيَانَ ، وَلَا يَدْرِي لِمَنْ يَحْكُمُ ، وَهُوَ مُقَلَّدٌ فِي كُلِّ مَا يَلِيهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ، وَالْحُكْمُ بِالتَّقْلِيدِ غَيْرُ جَائِزٍ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَلَّاهُ الْإِمَامَةَ بِالْمَدِينَةِ إِكْرَامًا لَهُ وَأَخْذًا بِالْأَدَبِ فِيمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ فِي قَوْلِهِ : عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِمَامَةَ الضَّرِيرِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِيمَا يَلْزَمُ الْإِمَامُ مِنْ أَمْرِ الرَّعِيَّةِ وَالْحَجَبَةِ عَنْهُمْ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ ، نا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ ، قال : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا مَرْيَمَ الْأَزْدِيَّ ، أَخْبَرَهُ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ : مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلَانٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ فَقُلْتُ : حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ قَالَ : فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ . بَاب فِيمَا يَلْزَمُ الْإِمَامُ إلخ ( أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمَرَةَ ) : بِالْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ( قَالَ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَقَالَ ( مَا أَنْعَمَنَا بِكَ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : صِيغَةُ تَعَجُّبٍ وَالْمَقْصُودُ إِظْهَارُ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بِقُدُومِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيْ مَا الَّذِي أَنْعَمَكَ إِلَيْنَا وَأَقْدَمَكَ عَلَيْنَا ، يُقَالُ ذَلِكَ لِمَنْ يُفْرَحُ بِلِقَائِهِ : أَيْ مَا الَّذِي أَفْرَحَنَا وَأَسَرَّنَا وَأَقَرَّ أَعْيُنَنَا بِلِقَائِكَ وَرُؤْيَتِكَ ، ( فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ ) : أَيِ امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ أَوْ مِنَ الْإِمْضَاءِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ . ( وَخَلَّتِهِمْ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ : الْحَاجَةُ الشَّدِيدَةُ . وَالْمَعْنَى : مَنَعَ أَرْبَابَ الْحَوَائِجِ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَيَعْرِضُوا حَوَائِجَهُمْ ، قِيلَ : الْحَاجَةُ وَالْفَقْرُ وَالْخَلَّةُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى ، كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ . ( احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ) : أَيْ أَبْعَدَهُ وَمَنَعَهُ عَمَّا يَبْتَغِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ أَوِ الدُّنْيَوِيَّةِ ، فَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَى حَاجَةٍ مِنْ حَاجَاتِهِ الضَّرُورِيَّةِ . وَقَالَ الْقَاضِي : الْمُرَادُ بِاحْتِجَابِ اللَّهِ عَنْهُ أَنْ لَا يُجِيبَ دَعْوَتَهُ وَيُخَيِّبَ آمَالَهُ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( فَجَعَلَ ) : أَيْ مُعَاوِيَةُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا مَرْيَمَ هَذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ من حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، وَقَالَ : غَرِيبٌ . وَقَالَ : وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ يُكَنَّى أَبَا مَرْيَمَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَرْيَمَ كَمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ .
حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أُوتِيكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، وَمَا أَمْنَعُكُمُوهُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا خَازِنٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ ( مَا أُوتِيكُمْ ) : مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ ، وَمَفْعُولُهُ الثَّانِي ( مِنْ شَيْءٍ ) : مَجْرُورٌ بِمِنَ الزَّائِدَةِ ، أَيْ مَا أُعْطِيكُمْ شَيْئًا . ( وَمَا أَمْنَعُكُمُوهُ ) : بَلِ الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ( إِنْ ) : نَافِيَةٌ أَيْ مَا ( أَضَعُ ) : أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ ( حَيْثُ أُمِرْتُ ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ : أَيْ حَيْثُ أَمَرَنِي اللَّهُ . قَالَهُ حِينَ قَسَمَ الْأَمْوَالَ لِئَلَّا يَقَعَ شَيْءٌ فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهِ مِنْ أَجْلِ التَّفَاضُلِ فِي الْقِسْمَةِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ : مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ ، وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَسْمِ رَسُولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ ( مَا أَنَا بِأَحَقَّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ كَسَائِرِ النَّاسِ لَا فَضْلَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي تَقْدِيمِ وَلَا تَوْفِيرِ نَصِيبٍ ، قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . ( إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ) : أَيْ لَكِنْ نَحْنُ عَلَى مَنَازِلِنَا وَمَرَاتِبِنَا الْمُبَيَّنَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الْآيَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَفَاوُتِ مَنَازِلِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( وَقَسْمِ رَسُولِهِ ) : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، أَيْ وَمِنْ قَسْمِهِ مِمَّا كَانَ يَسْلُكُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَصْحَابِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ وَذَوِي الْمَشَاهِدِ الَّذِينَ شَهِدُوا الْحُرُوبَ ، وَبَيْنَ الْمُعِيلِ وَغَيْرِهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ ( فَالرَّجُلُ ) : بِالرَّفْعِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَقِدَمِهِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ سَبْقُهُ فِي الْإِسْلَامِ . قِيلَ : تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَالرَّجُلُ يُقْسَمُ لَهُ وَيُرَاعِي قِدَمُهُ فِي الْقَسْمِ ، أَوِ الرَّجُلُ وَنَصِيبُهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيِهِ قِدَمُهُ ، أَوِ الرَّجُلُ وَقِدَمُهُ يُعْتَبَرَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَقَبُولِ التَّفَاضُلِ كَقَوْلِهِمُ الرَّجُلُ وَضَيْعَتُهُ ، وَكَذَا قَوْلُهُ ( وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ ) : أَيْ شَجَاعَتُهُ وَجَبَانُهُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ : مَشَقَّتُهُ وَسَعْيُهُ . ( وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ ) : أَيْ مِمَّنْ يُمَوِّنُهُ ( وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ ) : أَيْ مِقْدَارُ حَاجَتِهِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : كَانَ رَأْيُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ وَأَنَّ جُمْلَتَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِمْ ، لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى آخَرٍ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ ، وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي التَّفَاضُلِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَرَاتِبِ وَالْمَنَازِلِ ، وَذَلِكَ إِمَّا بِتَنْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى اسْتِحْقَاقِهِمْ كَالْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ خُصُوصًا مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أَوْ بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَفْضِيلِهِ ، إِمَّا لِسَبْقِ إِسْلَامِهِ ، وَإِمَّا بِحُسْنِ بَلَائِهِ ، وَإِمَّا لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ .
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، نا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ يَهُودَ نَجْرَانَ ، وَفَدَكَ ( وَفَدَكَ ) : بِالتَّحْرِيكِ قَرْيَةٌ بِالْحِجَازِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ ، وَقِيلَ : ثَلَاثَةٌ أَفَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صُلْحًا . فِيهَا عَيْنٌ فَوَّارَةٌ وَنَخْلٌ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، وَأَنَا شَاهِدٌ أَخْبَرَكَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : عُمَرُ أَجْلَى أَهْلَ نَجْرَانَ ، وَلَمْ يُجْلَوْا مِنْ تَيْمَاءَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ ، فَأَمَّا الْوَادِي ، فَإِنِّي أَرَى أَنَّمَا لَمْ يُجْلَ مَنْ فِيهَا مِنْ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ ( عُمَرُ ) : مُبْتَدَأٌ ( أَجْلَى ) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ أَيْ أَخْرَجَ أَهْلَ نَجْرَانَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ مَوْضِعٌ بَيْنَ الشَّامِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ ، قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : نَجْرَانُ بِالْفَتْحِ ثُمَّ السُّكُونِ وَآخِرُهُ نُونٌ ، وَهُوَ في عِدَّةُ مَوَاضِعٍ مِنْهَا نَجْرَانُ مِنْ مَخَالِيفِ الْيَمَنِ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ وَبِهَا كَانَ خَبَرُ الْأُخْدُودِ وَكَانَ فِيهَا أَسَاقِفَةٌ مُقِيمُونَ مِنْهُمُ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ الَّذِينَ جَاءُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِمَا ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَبَقُوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا . ( وَلَمْ يَجْلُوا ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ يَجْلِ بِالْإِفْرَادِ ( مِنْ تَيْمَاءَ ) : كَحَمْرَاءَ بِتَقْدِيمِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى التَّحْتِيَّةِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْقُرَى عَلَى الْبَحْرِ وَهِيَ بِلَادُ طي وَمِنْهَا يُخْرَجُ إِلَى الشَّامِ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( أَنَّهُمْ ) : أَيِ الصَّحَابَةَ ( لَمْ يَرَوْهَا ) : أَيِ الْوَادِي . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، نا عُمَرُ يَعْنِي : ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ : قَالَ سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا بَيْنَ الْوَادِي إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ إِلَى تُخُومِ الْعِرَاقِ إِلَى الْبَحْرِ ( جَزِيرَةُ الْعَرَبِ ) : مُبْتَدَأٌ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَقَالَ فِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِهَا ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ جَزِيرَةٌ لِإِحَاطَةِ بها الْبِحَارِ مِنْ جَوَانِبِهَا وَالْأَنْهَار وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفُرَاتَ مِنْ جِهَةِ شَرْقِهَا ، وَبَحْرَ الْبَصْرَةِ وعبادان ثُمَّ الْبَحْرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي جَنُوبَيْهَا إِلَى عَدَنٍ ثُمَّ انْعَطَفَ مَغْرِبًا إِلَى جُدَّةَ وَسَاحِلِ مَكَّةَ وَالْجَارِ سَاحِلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ إِلَى أَيْلَةَ حَتَّى صَارَ إِلَى الْقَلْزَمِ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ ثُمَّ صَارَ إِلَى بَحْرِ الرُّومِ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ فَأَتَى عَلَى سَوَاحِلِ الْأُرْدُنِّ وَسَوَاحِلِ حِمْصٍ وَدِمَشْقَ وَقِنَّسْرِينَ حَتَّى خَالَطَ النَّاحِيَةَ الَّتِي أَقْبَلَتْ مِنْهَا الْفُرَاتُ ، فَدَخَلَ فِي هَذِهِ الْحُدُودِ الشَّامَاتِ كُلُّهَا إِلَّا أَنَّهَا جُزْءٌ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّتِهَا إِذْ هِيَ مِنْهَا فِي طُولِهَا كَالْجُزْءِ مِنْهُ ، وَهُوَ عَرْضُ الشَّامَاتِ مِنَ الْجَزِيرَةِ إِلَى الْبَحْرِ ، وَذَلِكَ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّةِ الْجَزِيرَةِ الَّذِي هُوَ مِنْهَا إِلَى بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ فَالشَّامُ سَاحِلٌ مِنْ سَوَاحِلِهَا ، فَنَزَلَتِ الْعَرَبُ هَذِهِ الْجَزِيرَةَ وَتَوَالَدُوا فِيهَا . وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجَزِيرَةَ قُسِّمَتْ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ تِهَامَةُ وَالْحِجَازُ وَنَجْدٌ وَالْعَرُوضُ وَالْيَمَنُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . ( مَا بَيْنَ الْوَادِي ) : أَيْ وَادِي الْقُرَى وَهُوَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ . قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : وَادِي الْقُرَى وَادٍ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ كَثِيرُ الْقُرَى ، انْتَهَى . ( إِلَى تُخُومِ الْعِرَاقِ ) : أَيْ حُدُودِهِ وَمَعَالِمِهِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : التُّخُومُ بِالضَّمِّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ مِنَ الْمَعَالِمِ وَالْحُدُودِ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ( لَا تَكُونُ قِبْلَتَانِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، وَالْمُرَادُ نَهْيُ الْمُؤْمِنِ عَنِ الْإِقَامَةِ بِأَرْضِ الْكُفْرِ وَنَهْيُ الْحُكَّامِ عَنْ أَنْ يُمَكِّنُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ إِظْهَارِ شِعَارِ الْكُفْرِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ فَقَطْ وَهُوَ بَعِيدٌ لَا يُنَاسِبُهُ عُمُومُ الْبَلَدِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مُرْسَلًا .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ . ( وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ ) : أَيِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَبْلَ هَذَا أَتَمُّ مِنْ هَذَا .
بَابٌ : فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ فَقَالَ : أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَسَكَتَ عَنْ الثَّالِثَةِ ، أَوْ قَالَ : فَأُنْسِيتُهَا وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ سُلَيْمَانُ : لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيدٌ الثَّالِثَةَ فَنَسِيتُهَا ، أَوْ سَكَتَ عَنْهَا بَاب فِي إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فِي النِّهَايَةِ : الْجَزِيرَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ مَا بَيْنَ حَفْرِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ فِي الطُّولِ ، وَمَا بَيْنَ رَمْلِ يَبْرِينَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ فِي الْعَرْضِ . قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : مِنْ أَقْصَى عَدَنٍ إِلَى رِيفِ الْعِرَاقِ طُولًا ، وَمِنْ جُدَّةٍ وَسَاحِلِ الْبَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ عَرْضًا . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : سُمِّيَتْ جَزِيرَةً لِأَنَّ بَحْرَ فَارِسٍ وَبَحْرَ السُّودَانِ أَحَاطَا بِجَانِبَيْهَا ، وَأَحَاطَ بِالْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ . انْتَهَى . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : أَرَادَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا وَإِذَا أُطْلِقَتِ الْجَزِيرَةُ فِي الْحَدِيثِ وَلَمْ تُضَفْ إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهَا مَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ . انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : جَزِيرَةُ الْعَرَبِ مَا أَحَاطَ بِهِ بَحْرُ الْهِنْدِ وَبَحْرُ الشَّامِ ثُمَّ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ . ( أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ إِخْرَاجَ كُلِّ مُشْرِكٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ سَوَاءً كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا ( وَأَجِيزُوا ) : مِنَ الْإِجَازَةِ بِالزَّايِ إِعْطَاءَ الْأَمِيرِ ( الْوَفْدَ ) : هُمُ الذِينَ يَقْصِدُونَ الْأُمَرَاءَ لِزِيَارَةٍ أَوِ اسْتِرْفَادٍ أَوْ رِسَالَةٍ وَغَيْرِهَا وَالْمَعْنَى أَعْطُوهُمْ مُدَّةَ إِقَامَتِهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : وَإِنَّمَا أَخْرَجَ ذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ عَنْ عُمُومِ الْمَصَالِحِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَافِدَ سَفِيرُ قَوْمِهِ وَإِذَا لَمْ يُكَرَّمْ رَجَعَ إِلَيْهِمْ بِمَا يُنَفِّرُ دُونَهُمْ رَغْبَةَ الْقَوْمِ فِي الطَّاعَةِ وَالدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ سَفِيرُهُمْ ، فَفِي ترغيبه تَرْغِيبِهِمْ وَبِالْعَكْسِ . ثُمَّ إِنَّ الْوَافِدَ إِنَّمَا يَفِدُ عَلَى الْإِمَامِ فَيَجِبُ رِعَايَتَهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي أُقِيمَ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَإِضَاعَتِهِ تُفْضِي إِلَى الدَّنَاءَةِ الَّتِي أَجَارَ اللَّهُ عَنْهَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَكَتَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَوْ قَالَ ) : أَيْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّالِثَةَ ( فَأُنْسِيتُهَا ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِنْسَاءِ ( وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ سُلَيْمَانُ : لَا أَدْرِي أَذَكَرَ سَعِيدٌ إِلَخْ ) : وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَاعِلُ سَكَتَ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ سُفْيَانَ الْمُتَقَدِّمَةِ فَفَاعِلُ سَكَتَ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا ، وَالثَّالِثَةُ : قِيلَ هِيَ تَجْهِيزُ أُسَامَةَ ، وَقِيلَ : يَحْتَمِلُ أَنَّهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا ، وَفِي الْمُوَطَّأِ مَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا أَبُو عَاصِمٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَا : أنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَنِا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : أَخْبَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، فَلَا أَتْرُكُ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا ( لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ) : أَيْ لَأَنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ قَيْسٍ الْمَأْرِبِيَّ حَدَّثَهُمْ قال : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ ، عَنْ سُمَيِّ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ شُمَيْرٍ قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ ابْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ : عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ ، قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ : الَّذِي بِمَأْرِبَ فَقَطَعَهُ لَهُ ، فَلَمَّا أَنْ وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمَجْلِسِ : أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ ؟ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ قَالَ : فَانْتَزَعَ مِنْهُ قَالَ : وَسَأَلَهُ عَمَّا يُحْمَى مِنْ الْأَرَاكِ قَالَ : مَا لَمْ تَنَلْهُ خِفَافٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ : أَخْفَافُ الْإِبِلِ حَدَّثَنِا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ : مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ يَعْنِي : أَنَّ الْإِبِلَ تَأْكُلُ مُنْتَهَى رُءُوسِهَا ، وَيُحْمَى مَا فَوْقَهُ . ( الْمَأْرِبِيُّ ) : نِسْبَةً إِلَى مَأْرِبَ كَمَنْزِلٍ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ ( عَنْ شَمِيرٍ ) : كَعَظِيمٍ ( قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ ابْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ ) : أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شَمِيرِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ ، وَأَمَّا قُتَيْبَةُ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شَمِيرٍ فَقَطْ بِغَيْرِ نِسْبَتِهِ إِلَى أَبِيهِ ( عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ ) : بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَكَانَ اسْمُهُ أَسْوَدَ وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( أَنَّهُ وَفَدَ ) : قَالَ السُّبْكِيُّ : وَفَدَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ ، وَقِيلَ : بَلْ لَقِيَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَالَهُ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ ( فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحُ ) أَيْ مَعْدِنُ الْمِلْحِ أَيْ سَأَلَهُ أَنْ يُقْطِعَهُ إِيَّاهُ ( قَالَ ابْنُ الْمُتَوَكِّلِ الَّذِي بِمَأْرِبَ ) : أَيْ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ ، وَمَأْرِبُ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ غَيْرُ مَصْرُوفٍ ( فَقَطَعَهُ ) : الْمِلْحَ ( لَهُ ) : أَيْ لِأَبْيَضَ ( وَلَّى ) : أَيْ أَدْبَرَ ( قَالَ رَجُلٌ ) : وَهُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ : إِنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ ( الْمَاءَ الْعِدَّ ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ الدَّائِمَ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمَاءُ الَّذِي لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ كَمَاءِ الْعَيْنِ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمِلْحَ الَّذِي قُطِعَتْ لَهُ هُوَ كَالْمَاءِ الْعِدِّ فِي حُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ وَكَدٍّ ( فَانْتَزَعَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْمِلْحَ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنْ أَبْيَضَ . قَالَ الْقَارِيُّ : وَمِنْ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ إِقْطَاعَ الْمَعَادِنِ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا كَانَتْ بَاطِنَةً لَا يُنَالُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا بِتَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ كَالْمِلْحِ وَالنِّفْطِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْكِبْرِيتِ وَنَحْوِهَا وَمَا كَانَتْ ظَاهِرَةً يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَصَنْعَةٍ لَا يَجُوزُ إِقْطَاعُهَا ، بَلِ النَّاسُ فِيهَا شُرَكَاءُ كَالْكَلَأِ وَمِيَاهِ الْأَوْدِيَةِ ، وَأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا حَكَمَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ يُنْقَضُ حُكْمُهُ وَيُرْجَعُ عَنْهُ . انْتَهَى . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ : إِنَّمَا أَقْطَعَهُ عَلَى ظَاهِرِ مَا سَمِعَهُ مِنْهُ كَمَنِ اسْتُفْتِيَ فِي مَسْأَلَةٍ فَصُوِّرَتْ لَهُ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ فَأَفْتَى فَبَانَ لَهُ أَنَّهَا بِخِلَافِهِ فَأَفْتَى بِمَا ظَهَرَ لَهُ ثَانِيًا فَلَا يَكُونُ مُخْطِئًا ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ تَرَتَّبَ عَلَى حُجَّةِ الْخَصْمِ فَتَبَيَّنَ خِلَافُهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ فِي شَيْءٍ . قَالَ السُّبْكِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنَّ إِنْشَاءَ تَحْرِيمِ إِقْطَاعِ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ إِنَّمَا كَانَ لَمَّا رَدَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ إِقْطَاعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ إِمَّا جَائِزًا وَإِمَّا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ أَوْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ كَانَ مَشْرُوطًا بِصِفَةٍ ، وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَلَا آذَنُ ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْإِقْطَاعِ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقَالَهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اسْتِقَالَتَهُ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ تَكَرُّمًا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ : أَنَّ أَبْيَضَ قَالَ : قَدْ أَقَلْتُهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهُ مِنِّي صَدَقَةً ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ مِنْكِ صَدَقَةً ، فَهَذَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَالَغَةً فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، انْتَهَى . ( عَمَّا يُحْمَى ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ ( مِنَ الْأَرَاكِ ) : بَيَانٌ لِمَا هُوَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا الْأَرَاكُ . قَالَ الْمُظْهِرُ : الْمُرَادُ مِنَ الْحِمَى هُنَا الْإِحْيَاءُ إِذِ الْحِمَى الْمُتَعَارَفُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَخُصَّهُ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : الْأَرَاكُ بِالْفَتْحِ شَجَرٌ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْأَرَاكِ الَّذِي يُحْمَى كَأَنَّهُ قَالَ : أَيُّ الْأَرَاكِ يَجُوزُ أَنْ يُحْمَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : وَأَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُمْ كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا مُخَصَّبًا اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَانِ عَالٍ فَإِلَى حَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ ، وَيَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ . وَالْحِمَى هُوَ الْمَكَانُ الْمَحْمِيُّ وَهُوَ خِلَافُ الْمُبَاحِ ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ الْإِحْيَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَوَاتِ لِيَتَوَفَّرَ فِيهِ الْكَلَأُ وَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٍ وَيَمْنَعُ غَيْرَهَا . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِقْطَاعَ الْمَعَادِنِ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِقْطَاعِ جَعْلُ بَعْضِ الْأَرَاضِي الْمَوَاتِ مُخْتَصَّةً بِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ مَعْدِنًا أَوْ أَرْضًا فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا يَخْتَصُّ بِهَا أَحَدٌ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : إِنَّهُ إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنَ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ . وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكًا وَغَيْرُ تَمْلِيكٍ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ إِقْطَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ . انْتَهَى . ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا لَمْ تَنَلْهُ ) : بِفَتْحِ النُّونِ أَيْ لَمْ تَصِلْهُ ( أَخْفَافُ الْإِبِلِ ) : أَيْ مَا كَانَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الْمَرَاعِي وَالْعِمَارَاتِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْيَاءَ لَا يَجُوزُ بِقُرْبِ الْعِمَارَةِ لِاحْتِيَاجِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ لِمَرْعَى مَوَاشِيهِمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافَ الْإِبِلِ أَيْ لِيَكُنِ الْإِحْيَاءُ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْإِبِلُ السَّارِحَةُ . وَفِي الْفَائِقِ : قِيلَ الْأَخْفَافُ مَسَانُّ الْإِبِلِ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْخُفُّ الْجَمَلُ الْمُسِنُّ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنَ الْمَرْعَى لَا يُحْمَى بَلْ يُتْرَكُ لِمَسَانِّ الْإِبِلِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الضِّعَافِ الَّتِي لَا تَقْوَى عَلَى الْإِمْعَانِ فِي طَلَبِ الْمَرْعَى . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ قَيْسٍ السبئي الْمَأْرِبِيُّ . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : أَحَادِيثُهُ مُظْلِمَةٌ مُنْكَرَةٌ ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ : مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ يَعْنِي أَنَّ الْإِبِلَ تَأْكُلُ مُنْتَهَى رُؤوسِهَا وَيَحْمِي مَا فَوْقَهُ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَحْمِي مِنَ الْأَرَاكِ مَا بَعُدَ مِنْ حَضْرَةِ الْعِمَارَةِ فَلَا تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ الرَّائِحَةُ . إِذَا أُرْسِلَتْ فِي الرَّعْيِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . ( يَعْنِي أَنَّ الْإِبِلَ تَأْكُلُ إِلَخْ ) : حَاصِلُهُ أَنَّ ذَاكَ هُوَ مَا لَمْ تَنَلْهُ أَفْوَاهُهَا حَالَ مَشْيِهَا عَلَى أَخْفَافِهَا . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْحُنَيْنِيَّ ، قَالَ : قَرَأْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ يَعْنِي : كِتَابَ قَطِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدَّثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قال : أنا أَبُو أُوَيْسٍ ، قال : حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ ْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ ، جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا ، قَالَ ابْنُ النَّضْرِ : وَجَرْسَهَا وَذَاتَ النُّصُبِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا : وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ ، وَلَمْ يُعْطِ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ حَقَّ مُسْلِمٍ . وَكَتَبَ لَهُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا مَا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ ، أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ ، جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا ، وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ : وَحَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، زَادَ ابْنُ النَّضْرِ ، وَكَتَبَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( الْحُنَيْنِيَّ ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ مُصَغَّرًا هُوَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ( يَعْنِي كِتَابَ قَطِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : الْقَطِيعَةُ قِطْعَةُ أَرْضٍ يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ لِأَحَدٍ ( وَجَرْسَهَا وَذَاتَ النُّصُبِ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : ضُبِطَ بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ . وَالنُّصُبُ بِضَمَّتَيْنِ وَمَا اطَّلَعْتُ عَلَى تَعْيِينِ الْمُرَادِ بِذَلِكَ . نَعَمِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِسْمَانِ مِنَ الْأَرْضِ . انْتَهَى . قُلْتُ : قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : ذَاتَ النُّصُبِ مَوْضِعٌ عَلَى أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَقَالَ فِيهِ فِي مَادَّةِ جَرَسَ : الْجَرْسَةُ الَّتِي تُصَوِّتُ إِذَا حُرِّكَتْ وَقُلِّبَتِ ، انْتَهَى ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) : أَيْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ وَحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ( زَادَ ابْنُ النَّضْرِ ) : هُوَ مُحَمَّدٌ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ ( وَكَتَبَ ) : هَذَا كِتَابُ الْقَطِيعَةِ ( أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ) : أَيْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ أَبُو عَمْرٍو : وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ ثَوْرٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَأَبُو أُوَيْسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الشَّوَاهِدِ وَضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ .
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ إسماعيل الْمَعْنَى وَاحِدٌ قَالَا : نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْبَرِيُّ ، قال : حَدَّثَتْنِي جَدَّتَايَ صَفِيَّةُ وَدُحَيْبَةُ ابْنَتَا عُلَيْبَةَ ، وَكَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ ، وَكَانَتْ جَدَّةَ أَبِيهِمَا أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُمَا قَالَتْ : قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : تَقَدَّمَ صَاحِبِي تَعْنِي : حُرَيْثَ بْنَ حَسَّانَ وَافِدَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ بِالدَّهْنَاءِ أَنْ لَا يُجَاوِزَهَا إِلَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا مُسَافِرٌ أَوْ مُجَاوِز ، فَقَالَ : اكْتُبْ لَهُ يَا غُلَامُ بِالدَّهْنَاءِ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ قَدْ أَمَرَ لَهُ بِهَا شُخِصَ بِي وَهِيَ وَطَنِي وَدَارِي فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْكَ السَّوِيَّةَ مِنْ الْأَرْضِ إِذْ سَأَلَكَ إِنَّمَا هَذِهِ الدَّهْنَاءُ عِنْدَكَ مُقَيَّدُ الْجَمَلِ وَمَرْعَى الْغَنَمِ ، وَنِسَاءُ بَنِي تَمِيمٍ وَأَبْنَاؤُهَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَالَ : أَمْسِكْ يَا غُلَامُ صَدَقَتْ الْمِسْكِينَةُ ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ يَسَعُهُمَ الْمَاءُ وَالشَّجَرُ ، وَيَتَعَاوَنَونِ عَلَى الْفَتَّانِ ( وَدُحَيْبَةُ ) : بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرَةٌ الْعَنْبَرِيَّةُ مَقْبُولَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ( كَانَتَا رَبِيبَتَيْ قَيْلَةَ ) : بِالتَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ طَوِيلٌ . كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( وَكَانَتْ ) أَيْ قَيْلَةُ : جَدَّةُ ( أَبِيهِمَا ) : الضَّمِيرُ لِصَفِيَّةَ وَدُحَيْبَةَ ( أَنَّهَا ) : أَيْ قَيْلَةُ ( صَاحِبِي ) : يَعْنِي : رَفِيقِي ( فَبَايَعَهُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَلَيْهِ وَعَلَى قَوْمِهِ ) : الضَّمِيرُ فِيهِمَا لِحُرَيْثٍ ( بِالدَّهْنَاءِ ) مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِبِلَادِ تَمِيمٍ . قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : بِالْفَتْحِ ثُمَّ السُّكُونِ وَنُونٍ وَأَلِفٍ مَمْدُودَةٍ وَهِيَ مِنْ دِيَارِ بَنِي تَمِيمٍ ، وَهِيَ مِنْ أَكْثَرِ بِلَادِ اللَّهِ كَلَأً مَعَ قِلَّةِ أَعْدَادِ مِيَاهٍ ، انْتَهَى ( لَا يُجَاوِزُهَا ) : أَيِ الدَّهْنَاءَ ، يَعْنِي : بِالتَّصَرُّفِ عَلَيْهَا ( إِلَّا مُسَافِرٍ أَوْ مُجَاوِزٍ ) : يَعْنِي لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَتِهِمَا لَكِنْ لَا تَصَرُّفًا بَلْ مُرُورًا ( فَقَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اكْتُبْ لَهُ ) : أَيْ لِحُرَيْثٍ ( فَلَمَّا رَأَيْتُهُ ) : هَذَا مقَوْلُ قَيْلَةَ ( قَدْ أَمَرَ لَهُ ) : أَيْ لِحُرَيْثٍ ( بِهَا ) : أَيْ بِالدَّهْنَاءِ ( شُخِصَ بِي ) : عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَتَاهُ مَا يُقْلِقُهُ قَدْ شُخِصَ كَأَنَّهُ رُفِعَ مِنَ الْأَرْضِ لِقَلَقِهِ وَانْزِعَاجِهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( وَهِيَ ) : أَيِ الدَّهْنَاءُ ( السَّوِيَّةَ مِنَ الْأَرْضِ ) : سَوَاءُ الشَّيْءِ وَسَطُهُ وَأَرْضٌ سَوَاءٌ سَهْلَةٌ ، أَيْ : مُسْتَوِيَةٌ ، يُقَالُ : مَكَانٌ سَوَاءٌ ، أَيْ : مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْمَكَانَيْنِ ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالنِّهَايَةِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ حُرَيْثًا لَمْ يَسْأَلْكَ الْأَرْضَ الْمُتَوَسِّطَةَ بَيْنَ الْأَنْفَعِ وَغَيْرِ الْأَنْفَعِ بَلْ إِنَّمَا سَأَلَكَ الدَّهْنَاءَ وَهِيَ أَرْضٌ جَيِّدَةٌ وَمَرْعَى الْجَمَلِ ، وَلَا يُسْتَغْنَى عَنِ الدَّهْنَاءِ لِمَنْ سَكَنَ فِيهَا لِشِدَّةِ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهَا ، فَكَيْفَ تَقْطَعُهَا لِحُرَيْثٍ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا فِيهَا مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ لِسُكَّانِهَا ( مُقَيَّدُ الْجَمَلِ ) : عَلَى وَزْنِ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ مَرْعَى الْجَمَلِ وَمَسْرَحُهُ فَهُوَ لَا يَبْرَحُ مِنْهُ وَلَا يَتَجَاوَزُهُ فِي طَلَبِ الْمَرْعَى ، فَكَأَنَّهُ مُقَيَّدٌ هُنَاكَ . وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْمَرْعَى لَا يَجُوزُ اقْتِطَاعُهُ وَأَنَّ الْكَلَأَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ لَا يُمْنَعُ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ( الْمِسْكِينَةُ ) : هِيَ قَيْلَةُ ( يَسَعُهُمُ الْمَاءُ وَالشَّجَرُ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَسَعُهُمَا بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يَأْمُرهُمَا بِحُسْنِ الْمُجَاوَرَةِ وَيَنْهَاهُمَا عَنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ ( يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْفُتَّانِ ) : يُرْوَى بِالْفَتْحِ مُبَالَغَةً مِنَ الْفِتْنَةِ وَبِضَمِّ الْفَاءِ جَمْعُ فَاتِنٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُقَالُ : مَعْنَاهُ الشَّيْطَانُ الَّذِي يَفْتِنُ النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ وَيُضِلُّهُمْ ، وَيُرْوَى الْفُتَّانُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَهُوَ جَمَاعَةُ الْفَاتِنِ كَمَا يُقَالُ : كَاهِنٌ وَكُهَّانٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ : حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَّانَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرَشِيُّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، نا فَرَجُ بْنُ سَعِيدٍ قال : حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ , عن أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حِمَى الْأَرَاكِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ فَقَالَ : أَرَاكَةٌ فِي حِظَارِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ قَالَ فَرَجٌ : يَعْنِي بِحِظَارِي الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ الْمُحَاطُ عَلَيْهَا ( عَنْ حِمَى الْأَرَاكِ ) : الْأَرَاكُ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّوَاكُ وَيُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ درخت بيلو ( أَرَاكَةً فِي حِظَارِي ) : أَرَادَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ الْمُحَاطُ عَلَيْهَا كَالْحَظِيرَةِ وَيُفْتَحُ الْحَاءُ وَتُكْسَرُ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْأَرَاكَةُ فِي أَرْضٍ أَحْيَاهَا فَلَمْ يَمْلِكْهَا وَمَلَكَ الْأَرْضَ دُونَهَا إِذْ كَانَتْ مَرْعًى لِلسَّارِحَةِ . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ ، وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَزَادَ : فَأَمَّا الْأَرَاكَةُ إِذَا نَبَتَ فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَإِنَّهُ مَحْمِيٌّ لِصَاحِبِهِ غَيْرُ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ تَمَلُّكُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الشَّجَرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النَّاسُ فِي أَرَاضِيهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . ( قَالَ فَرَجٌ ) : هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَحْيَى يَعْنِي : ابْنَ آدَمَ ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلًا ( أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ نَخْلًا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : النَّخْلُ مَالٌ ظَاهِرُ الْعَيْنِ ظَاهِرُ النَّفْعِ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْخُمُسِ الَّذِي هُوَ سَهْمُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ يَتَأَوَّلُ إِقْطَاعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الْمُهَاجِرِينَ الدُّورَ عَلَى مَعْنَى الْعَارِيَةِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ ، وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ ( مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ ) : قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى قَبَلٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ وَهِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ سَاحِلِ الْبَحْرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ ، وَقِيلَ : هُوَ بِكَسْرِ قَافٍ ثُمَّ لَامٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ . انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ نِسْبَةً إِلَى قَبَلٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْبَاءِ ، هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ فِي الْحَدِيثِ . وَفِي كِتَابِ الْأَمْكِنَةِ : الْقِلَبَةُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ بَاءٌ ، انْتَهَى . ( وَهِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ ) : بِضَمِّ فَاءٍ وَسُكُونِ رَاءٍ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : الْفُرْعُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ كَمَا جَزَمَ بِهِ السُّهَيْلِيُّ وَعِيَاضُ فِي الْمَشَارِقِ . وَقَالَ فِي كِتَابِهِ التَّنْبِيهَاتُ : هَكَذَا قَيَّدَهُ النَّاسُ ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ . وَحَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنِ الْأَحْوَلِ إِسْكَانَ الرَّاءِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ . انْتَهَى . فَاقْتِصَارُ النِّهَايَةِ وَالنَّوَوِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ عَلَى الْإِسْكَانِ مَرْجُوحٌ . قَالَ فِي الرَّوْضِ : بِضَمَّتَيْنِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ ( لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ ) : أَيْ لَا الْخُمُسُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ . قَالَ مَالِكٌ : أَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا قَدْرَ عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْنًا أَيْ ذَهَبًا وَقَدْرِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فِضَّةً وَهِيَ خَمْسُ أَوَاقٍ ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا : الْمَعْدِنُ كَالرِّكَازِ وَفِيهِ الْخُمُسُ يُؤْخَذُ مِنْ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ . وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ مُرْسَلٌ عِنْدَ جَمِيعِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَوَصَلَهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ . وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ الدِّيلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا وَلَفْظُهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : هَكَذَا فِي الْمُوَطَّأِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ مُرْسَلًا وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَذَكَرَ أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ رَوَاهُ عَنْ رَبِيعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ . وَقَالَ أَيْضًا : وَإِسْنَادُ رَبِيعَةَ فِيهِ صَالِحٌ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ فِطْرٍ ، قال : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ : خَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ بِقَوْسٍ ، وَقَالَ : أَزِيدُكَ ، أَزِيدُكَ ( بِقَوْسٍ ) : أَيْ جَعَلَهُ آلَةَ الْخَطِّ ( وَقَالَ : أَزِيدُكَ أَزِيدُكَ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ أَيْ أَيَكْفِيكَ هَذَا الْقَدْرُ أَمْ أَزِيدُكَ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى قَدْ زِدْتُكَ ، أَيْ فَلَا تَطْلُبُ الزِّيَادَةَ . انْتَهَى . وَقَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا مَوْلَانَا مُحَمَّدُ إِسْحَاقُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنِّي أَزِيدُكَ بَعْدَ هَذَا أَمَّا الْآنَ فَخُذْ هَذَا الْقَدْرَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ جَنُوبٍ بِنْتُ نُمَيْلَةَ عَنْ أُمِّهَا سُوَيْدَةَ بِنْتِ جَابِرٍ ، عَنْ أُمِّهَا عَقِيلَةَ بِنْتِ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ ، عَنْ أَبِيهَا أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْتُهُ فَقَالَ : مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ قَالَ : فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَعَادَوْنَ يَتَخَاطُّونَ ( أُمُّ جَنُوبٍ بِنْتُ نُمَيْلَةَ ) : قَالَ الْحَافِظُ : لَا يُعْرَفُ حَالُهَا مِنَ السَّابِعَةِ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : نُمَيْلَةُ بِضَمِّ النُّونِ ( عَنْ أُمِّهَا ) : الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى أُمِّ جَنُوبٍ ( سُوَيْدَةَ بِنْتِ جَابِرٍ ) : بَدَلٌ مِنْ أُمِّهَا . قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : لَا تُعْرَفُ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَقِيلَةَ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مُكَبَّرًا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ ( أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ صَحَابِيٌّ ( إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ ) : الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِمَنْ وَمَا مَوْصُولَةٌ ، أَيْ : مِنَ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالْحَطَبِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمُبَاحَاتِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَاءٌ ( فَهُوَ لَهُ ) : أَيْ مَا أَخَذَ صَارَ مِلْكًا له دُونَ مَا بَقِيَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ ( يَتَعَادَوْنَ ) : أَيْ يُسْرِعُونَ ، وَالْمُعَادَاةُ الْإِسْرَاعُ بِالسَّيْرِ ( يُتَخَاطَّوْنَ ) : أَيْ كُلٌّ مِنْهُمْ يَسْبِقُ صَاحِبَهُ فِي الْخَطِّ وَإِعْلَامِ مَا لَهُ بِعَلَامَةٍ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَقَالَ فِي النَّيْلِ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يُتَخَاطَّوْنَ يَعْمَلُونَ عَلَى الْأَرْضِ عَلَامَاتٌ بِالْخُطُوطِ وَهِيَ تُسَمَّى الْخِطَطَ وَاحِدَتُهَا خِطَّةٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ . وَأَصْلُ الْفِعْلِ يَتَخَاطَطُونَ فَأُدْغِمَتِ الطَّاءُ فِي الطَّاءِ . انْتَهَى . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْخِطَطُ جَمْعُ خِطَّةٍ بِالْكَسْرِ ، وَهِيَ الْأَرْضُ يَخْتَطُّهَا الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يُعَلِّمَ عَلَيْهَا عَلَامَةً وَيَخُطُّ عَلَيْهَا خَطًّا لَيُعْلِمَ أَنَّهُ قَدِ احْتَازَهَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : غَرِيبٌ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ ، فَأَجْرَى فَرَسَهُ حَتَّى قَامَ ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ فَقَالَ : أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ ( حُضْرَ فَرَسِهِ ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ أَيْ عَدْوَهَا ، وَنَصْبُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، أَيْ : قَدْرَ مَا تَعْدُو عَدْوَةً وَاحِدَةً ( حَتَّى قَامَ ) : أَيْ وَقَفَ فَرَسُهُ وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمْشِيَ ( ثُمَّ رَمَى ) : أَيِ الزُّبَيْرُ ( بِسَوْطِهِ ) : الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ حَذَفَهُ ( فَقَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَعْطُوهُ ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِعْطَاءِ . وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِقْطَاعُ الْمَعَادِنِ وَالْأَرَاضِي وَتَخْصِيصُ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَهُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ .
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ ، قال : نا الْفِرْيَابِيُّ ، قال : نا أَبَانُ قَالَ عُمَرُ : وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ صَخْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا ثَقِيفًا ، فَلَمَّا أَنْ سَمِعَ ذَلِكَ صَخْرٌ رَكِبَ فِي خَيْلٍ يُمِدُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ انْصَرَفَ ، وَلَمْ يَفْتَحْ ، فَجَعَلَ صَخْرٌ حينَئِذٍ عَهْدَ اللَّهِ وَذِمَّتَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَ هَذَا الْقَصْرَ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يُفَارِقْهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَخْرٌ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ ثَقِيفًا قَدْ نَزَلَتْ عَلَى حُكْمِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا مُقْبِلٌ إِلَيْهِمْ ، وَهُمْ فِي خَيْلٍ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً ، فَدَعَا لِأَحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَحْمَسَ فِي خَيْلِهَا وَرِجَالِهَا وَأَتَاهُ الْقَوْمُ فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنَّ صَخْرًا أَخَذَ عَمَّتِي ، وَدَخَلَتْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ ، فَدَعَاهُ فَقَالَ : يَا صَخْرُ ، إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ فَادْفَعْ إِلَى الْمُغِيرَةِ عَمَّتَهُ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ ، وَسَأَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لِبَنِي سُلَيْمٍ قَدْ هَرَبُوا عَنْ الْإِسْلَامِ ، وَتَرَكُوا ذَلِكَ الْمَاءَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَنْزِلْنِيهِ أَنَا وَقَوْمِي قَالَ : نَعَمْ فَأَنْزَلَهُ ، وَأَسْلَمَ يَعْنِي : السُّلَمِيِّينَ فَأَتَوْا صَخْرًا ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ الْمَاءَ ، فَأَبَى فَأَتَوْا نَبِيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَسْلَمْنَا ، وَأَتَيْنَا صَخْرًا لِيَدْفَعَ إِلَيْنَا مَاءَنَا ، فَأَبَى عَلَيْنَا فَدعَاهُ فَقَالَ : يَا صَخْرُ إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ ، فَادْفَعْ إِلَى الْقَوْمِ مَاءَهُمْ قَالَ : نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَغَيَّرُ عِنْدَ ذَلِكَ حُمْرَةً حَيَاءً مِنْ أَخْذِهِ الْجَارِيَةَ ، وَأَخْذِهِ الْمَاءَ ( قَالَ عُمَرُ ) : أَيِ ابْنُ الْخَطَّابِ أَبُو حَفْصٍ الْمَذْكُورُ ( وَهُوَ ) : أَيْ أَبَانُ ( غَزَا ثَقِيفًا ) : أَيْ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ ( يُمِدُّ ) : مِنَ الْإِمْدَادِ أَيْ يُعِينُ ( عَهْدَ اللَّهِ ) : بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ جَعَلَ ( هَذَا الْقَصْرَ ) : أَيْ قَصْرَ ثَقِيفٍ ( فَلَمْ يُفَارِقْهُمْ ) : أَيْ لَمْ يُفَارِقْ صَخْرٌ ثَقِيفًا ( فَدَعَا لِأَحْمَسَ عَشْرَ دَعَوَاتٍ ) : وَكَانَ صَخْرٌ أَحْمَسِيًّا ( فِي خَيْلِهَا ) : أَيْ فِي فُرْسَانِ أَحْمَسَ وَهُوَ رِكَابُ الْخَيْلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أَيْ : بِفُرْسَانِكَ وَمُشَاتِكَ ( وَرِجَالِهَا ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ الرَّاجِلِ ، وَهُوَ مَنْ لَيْسَ لَهُ ظَهْرٌ يَرْكَبُهُ بِخِلَافِ الْفَارِسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا ( وَأَتَاهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْقَوْمُ ) : أَيْ قَوْمُ ثَقِيفٍ ( فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ) : وَهُوَ ثَقَفِيٌّ ( وَدَخَلَتْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ ) : أَيْ دَخَلْتْ فِي الْإِسْلَامِ ( وَسَأَلَ ) : أَيْ صَخْرٌ ( مَا لِبَنِي سُلَيْمٍ ) : كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَفِي بَعْضِهَا مَاءٌ بِالْهَمْزَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ( فَأَبَوْا إِلَخْ ) : يَعْنِي صَخْرًا وَقَوْمَهُ ، أَيِ : امْتَنَعُوا مِنْ دَفْعِ الْمَاءِ إِلَيْهِمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِرَدِّهِ الْمَاءَ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ عَنْهُ ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَظْهَرُ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْحَيَاءِ ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا هَرَبَ عَنْ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فَيْئًا ، فَإِذَا صَارَ فَيْئًا وَقَدْ مَلَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَعَلَهُ لِصَخْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ مِلْكُهُ عَنْهُ إِلَيْهِمْ بِإِسْلَامِهِمْ فِيمَا بَعْدُ ، وَلَكِنَّهُ اسْتَطَابَ نَفْسَ صَخْرٍ عَنْهُ ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ تَأَلُّفًا لَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الدِّينِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا رَدُّ الْمَرْأَةِ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي سَبْيِ هَوَازِنَ بَعْدَ أَنِ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ عَنْهَا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهَا بِخِلَافِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ السَّبْيُ وَالْمَالُ وَالدِّمَاءُ مَوْقُوفَةً عَلَى مَا يُرِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرُدَّ الْمَرْأَةَ وَأَنْ لَا تُسْبَى . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : صَخْرٌ هَذَا هُوَ أَبُو حَازِمٍ صَخْرُ ابْنُ الْعَيْلَةِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ بَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ الْبَجَلِيُّ الْأَحْمَسِيُّ عِدَادُهُ فِي الْكُوفِيِّينَ ، لَهُ صُحْبَةٌ ، الْعَيْلَةُ اسْمُ أُمِّهِ . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ : وَلَيْسَ لِصَخْرِ ابْنِ الْعَيْلَةِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ فِيمَا أَعْلَمُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ أَبَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَازِمِ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : صَدُوقٌ صَالِحُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ : وَكَانَ مِمَّنْ فَحُشَ خَطَؤُهُ وَانْفَرَدَ بِالْمَنَاكِيرِ .
حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ قَالَ الْعَبَّاسُ : نا ْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قال : أنا أَبُو أُوَيْسٍ ، قال : حَدَّثَنَي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا ، وَغَوْرِيَّهَا وَقَالَ غير العباس : جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ ، وَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا أَعْطَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بِلَالَ بْنَ حَارِثِ الْمُزَنِيَّ ، أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا وَقَالَ غَيْرُهُ : جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ ، وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ قَالَ أَبُو أُوَيْسٍ : وَحَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَى بَنِي الدِّيْلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ . ( جَلْسِيَّهَا ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ نِسْبَةً إِلَى جَلْسٍ بِمَعْنَى الْمُرْتَفِعِ . وَقَوْلُهُ : غَوْرِيَّهَا بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ نِسْبَةً إِلَى غَوْرٍ بِمَعْنَى الْمُنْخَفِضِ ، وَالْمُرَادُ أَعْطَاها مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا وَمَا انْخَفَضَ ، وَالْأَقْرَبُ تَرْكُ النِّسْبَةِ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( قَالَ غَيْرُ الْعَبَّاسِ جَلْسُهَا وَغَوْرُهَا ) : أَيْ قَالَ غَيْرُهُ بِتَرْكِ النِّسْبَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْجَلْسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ بِمَعْنَى النَّجْدُ أَيِ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ وَالْغَوْرُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ مَا انْخَفَضَ مِنَ الْأَرْضِ ( مِنْ قُدْسٍ ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ جَبَلٌ عَظِيمٌ بِنَجْدٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ، وَقِيلَ : الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي إِقْطَاعِ الْأَرَضِينَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمُوتَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا جَامِعُ بْنُ مَطَرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . بَاب فِي إِقْطَاعِ الْأَرَضِينَ أَيْ إِعْطَائِهَا . قَالَ الْقَاضِي : الْإِقْطَاعُ تَعْيِينُ قِطْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ لِغَيْرِهِ ذَكَرَهُ الْقَارِيُّ . ( أَقْطَعَهُ ) : أَيْ أَعْطَى وَائِلًا ( بِحَضْرَمَوْتَ ) اسْمُ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ بِالتَّرْكِيبِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ . وَفِي الْقَامُوسِ : بِضَمِّ الْمِيمِ بَلَدٌ وَقَبِيلَةٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ وَبَعَثَ مَعَهُ مُعَاوِيَةُ لِيُقْطِعَهَا إِيَّاهُ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، أنا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي سَبْرَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ تَحْتَ دَوْمَةٍ ، فَأَقَامَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ وَإِنَّ جُهَيْنَةَ لَحِقُوهُ بِالرَّحْبَةِ فَقَالَ لَهُمْ : مَنْ أَهْلُ ذِي الْمَرْوَةِ ؟ فَقَالُوا : بَنُو رِفَاعَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَقَالَ : قَدْ أَقْطَعْتُهَا لِبَنِي رِفَاعَةَ فَاقْتَسَمُوهَا : فَمِنْهُمْ مَنْ بَاعَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَمْسَكَ فَعَمِلَ ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَحَدَّثَنِي بِبَعْضِهِ ، وَلَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ كُلِّهِ . ( حَدَّثَنِي سَبْرَةُ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ( فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ ) : أَيْ مِنْ بِلَادِ جُهَيْنَةَ ( تَحْتَ دَوْمَةٍ ) . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الدَّوْمُ شَجَرُ الْمُقْلِ وَالنَّبْقِ وَضِخَامُ الشَّجَرِ ، انْتَهَى . ( وَإِنَّ جُهَيْنَةَ ) : بِالتَّصْغِيرِ قَبِيلَةٌ ( لَحِقُوهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِالرَّحْبَةِ ) : أَيِ الْأَرْضِ الْوَاسِعَةِ ( مِنْ أَهْلِ ذِي الْمَرْوَةِ ) : أَيْ أَيِّهُمْ مِنْ سُكَّانِ ذِي الْمَرْوَةِ . قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : ذُو الْمَرْوَةِ قَرْيَةٌ بِوَادِي الْقُرَى . قَالَ : وَوَادِي الْقُرَى وَادٍ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَدِينَةِ كَثِيرُ الْقُرَى ، انْتَهَى . ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَدْ أَقَطَعْتُهَا ) : أَيْ قَرْيَةَ ذِي الْمَرْوَةِ ( ثُمَّ سَأَلْتُ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَقُولُ ابن وَهْبٍ ( أَبَاهُ ) : أَيْ أَبَا سَبْرَةَ ( عَبْدَ الْعَزِيزِ ) : بَدَلٌ مِنْ أَبَاهُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّكَازِ وَمَا فِيهِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ بَاب مَا جَاءَ فِي الرِّكَازِ وَمَا فِيهِ لَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ وَمَا فِيهِ . ( فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ) : كَذَا أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا بِلَفْظِ الْعَجْمَاءِ جُرْحهَا جُبَارٌ ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ، الرِّكَازُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرِهِ زَايٌ الْمَالُ الْمَدْفُونُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّكْزِ يُقَالُ : رَكَزَهُ يَرْكُزُهُ إِذَا دَفَنَهُ فَهُوَ مَرْكُوزٌ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : الرِّكَازُ دَفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا : إِنَّ الْمَعْدِنَ رِكَازٌ ، وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِ الْعَرَبِ أَرْكَزَ الرَّجُلُ إِذَا أَصَابَ رِكَازًا وَهِيَ قِطَعٌ مِنَ الذَّهَبِ تَخْرُجُ مِنَ الْمَعَادِنِ ، وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الْجُمْهُورُ ، فَقَالُوا : لَا يُقَالُ لِلْمَعْدِنِ : رِكَازٌ ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا بِالْعَطْفِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُغَايَرَةِ . وَخَصَّ الشَّافِعِيُّ الرِّكَازَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يَخْتَصُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ عَطَفَ الرِّكَازَ عَلَى الْمَعْدِنِ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَعْدِنَ لَيْسَ بِرِكَازٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هُمَا شَيْئَانِ مُتَغَايِرَانِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْدِنُ رِكَازًا عِنْدَهُ لَقَالَ الْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرَهُ ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَدُلُّ عَلَى الْمُغَايَرَةِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ، وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ التَّفْرِقَةُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِوَاوِ الْعَطْفِ فَصَحَّ أَنَّهُ غَيْرُهُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الرِّكَازُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، فَالْمَالُ الَّذِي يُوجَدُ مَدْفُونًا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ رِكَازٌ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ كَانَ رَكَزَهُ فِي الْأَرْضِ أَيْ أَثْبَتَهُ فِيهَا ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الرِّكَازَ عُرُوقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَتُسْتَخْرَجُ بِالْعِلَاجِ ، رَكَزَهَا اللَّهُ فِي الْأَرْضِ رَكْزًا وَالْعَرَبُ تَقُولُ : أَرَكَزَ الْمَعْدِنَ إِذَا أَنَالَ الرِّكَازَ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا جَاءَ فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا وَهُوَ الْكَنْزُ الْجَاهِلِيُّ عَلَى مَا فَسَّرَ الْحَسَنُ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ وَسُهُولَةِ نَيْلِهِ . وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا خَفَّتْ مُؤْنَتُهُ كَثُرَ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ فِيهِ ، وَمَا كَثُرَتْ مُؤْنَتُهُ قَلَّ مِقْدَارُ الْوَاجِبِ فِيهِ ، كَالْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى بِالْأَنْهَارِ ، وَنِصْفِ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِيبِ . انْتَهَى . وَقَدِ اعْتَرَضَ الْإِمَامُ الْحُجَّةُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى الْإِمَامِ الْقُدْوَةِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَيْفَ تَرَكَ الْمَنْطُوقَ مِنَ الشَّارِعِ وَأَدْخَلَ الْمَعْدِنَ فِي الرِّكَازِ وَحَكَمَ بِأَخْذِ الْخُمُسِ ، مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ مُصَرِّحٌ بِخِلَافِهِ وَتَعَامُلُ السَّلَفِ يَكْفِي لِتَعْيِينِ مُرَادِهِ . وَلَوْ قِيلَ مِنْ قِبَلِ الْحَنَفِيَّةِ إِنَّ التَّنَاوُلَ اللُّغَوِيَّ يُسَاعِدُهُ ، يُقَالُ لَهُ : إِنَّ التَّنَاوُلَ اللُّغَوِيَّ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ كَمَا سَلَفَ قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الرِّكَازُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ كُنُوزُ الْجَاهِلِيَّةِ الْمَدْفُونَةُ فِي الْأَرْضِ ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْمَعَادِنُ تَحْتَمِلُهُمَا اللُّغَةُ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ أَيْ ثَابِتٌ ، يُقَالُ : رَكَزَهُ يَرْكُزُهُ رَكْزًا إِذَا دَفَنَهُ وَأَرْكَزَ الرَّجُلَ إِذَا وَجَدَ الرِّكَازَ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَنْزُ الْجَاهِلِيّ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ وَسُهُولَةِ أَخْذِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبِ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ فِي تَفْسِيرِهِ ، قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ : هُوَ الْمَعَادِنُ ، وَقَالَ أَهْلُ الْحِجَازِ : هُوَ كُنُوزُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكُلُّ مُحْتَمَلٍ فِي اللُّغَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ الزَّرَكَشِيُّ فِي التَّنْقِيحِ : الرِّكَازُ هُوَ الْمَالُ الْعَادِيُّ الْمَدْفُونُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الرِّكَازُ دَفِينُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ رُكِزَ فِي الْأَرْضِ رَكْزًا ، وَفِي الْحَدِيثِ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ ، تَقُولُ مِنْهُ أَرَكَزَ الرَّجُلُ إِذَا وَجَدَهُ . انْتَهَى . وَفِي الْمِصْبَاحِ : الرِّكَازُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْبِسَاطِ بِمَعْنَى الْمَبْسُوطِ وَالْكِتَابِ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ ، وَيُقَالُ : هُوَ الْمَعْدِنُ ، وَأَرْكَزَ الرَّجُلُ إِرْكَازًا وَجَدَ رِكَازًا . انْتَهَى . فَظَهَرَ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ التَّنَاوُلَ اللُّغَوِيَّ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ الرِّكَازَ عَلَى الْمَعَادِنِ وَلَا شُبْهَةَ أَنَّ النَّبِيَّ الْحِجَازِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَرَادَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ مِنْهُ ، وَلِذَا قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ : إِنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الشَّارِعِ ، وَصَرَّحَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ لُغَةَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَلِذَا اقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ عَلَى تَفْسِيرِ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَلِذَا مَرَّضَ أَيْضًا صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ التَّفْسِيرَ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَافِقُ لُغَةَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، فَمَنِ اسْتَدَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّنَاوُلِ اللُّغَوِيِّ فَقَدْ أَخْطَأَ . وَلَوْ سَلِمَ التَّنَاوُلُ اللُّغَوِيُّ وَأُغْمِضَ النَّظَرُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، فَالتَّنَاوُلُ اللُّغَوِيُّ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّنَاوُلَ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إِذَا نَطَقَ الشَّارِعُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا . وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِي رَفْعِ الِالْتِبَاسِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَاخْتَلَفُوا فِي مَصْرِفهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ : مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ خُمُسِ الْفَيْءِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ : مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بَلْ يَجِبُ إِخْرَاجُ الْخُمُسِ فِي الْحَالِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ ، نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، نا الزَّمْعِيُّ عَنْ عَمَّتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أُمِّهَا كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا قَالَتْ : ذَهَبَ الْمِقْدَادُ لِحَاجَتِهِ بِبَقِيعِ الْخَبْخَبَةِ ، فَإِذَا جُرَذٌ يُخْرِجُ مِنْ جُحْرٍ دِينَارًا ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُخْرِجُ دِينَارًا دِينَارًا حَتَّى أَخْرَجَ سَبْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا ، ثُمَّ أَخْرَجَ خِرْقَةً حَمْرَاءَ يَعْنِي : فِيهَا دِينَارٌ ، فَكَانَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا ، فَذَهَبَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ ، وَقَالَ لَهُ : خُذْ صَدَقَتَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ هَوَيْتَ إِلَى الْجُحْرِ ؟ قَالَ : لَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ( قُرَيْبَةَ ) : بِالْقَافِ مُصَغَّرًا مَقْبُولَةٌ ( عَنْ ضُبَاعَةَ ) : قَالَ فِي الْمُغْنِي : بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ هِيَ بِنْتُ الزُّبَيْرِ ابْنَةَ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِبَقِيعِ الْخَبْخَبَةِ ) : بِفَتْحِ الْخَاءيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْأُولَى مَوْضِعٌ بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( فَإِذَا جُرَذٌ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ نَوْعٌ مِنَ الْفَأْرِ ، وَقِيلَ : الذَّكَرُ الْكَبِيرُ مِنَ الْفَأْرِ ( مِنْ جُحْرٍ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ ثُقْبَةٍ ( هَلْ هَوَيْتَ إِلَى الْجُحْرِ ) : كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ . وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ : هَلْ أَهْوَيْتَ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : وَهَلْ أَهْوَيْتَ إِلَى الْجُحْرِ أَيْ مَدَدْتَ إِلَيْهِ يَدكَ يَعْنِي لَوْ فَعَلَهُ صَارَ رِكَازًا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَخَذَهُ بِشَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ ، فَيَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ فِي حُكْمِ اللُّقَطَةِ لَمَّا لَمْ يُبَاشِرِ الْجُحْرُ . انْتَهَى . وَرِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ لَعَلَّكَ اتْبَعْتَ يَدَكَ فِي الْجُحْرِ ( بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَهَا لَهُ فِي الْحَالِ ، وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْأَمْرِ فِي اللُّقَطَةِ الَّتِي إِذَا عُرِّفَتْ سَنَةً فَلَمْ تُعْرَفْ كَانَتْ لِآخِذِهَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ وَهُوَ عِنْدِي لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ الْحَسَنِ قَالَ : الرِّكَازُ الْكَنْزُ الْعَادِيُّ ( عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الرِّكَازُ الْكَنْزُ الْعَادِيُّ ) : أَيِ الْجَاهِلِيُّ ، وَيُقَالُ لِكُلِّ قَدِيمٍ عَادِيٌّ يَنْسُبُونَهُ إِلَى عَادٍ ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ . وَتَفْسِيرُ الْحَسَنِ هَذَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : قَوْلُ الْحَسَنِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَامِّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ الْفِرْدَوْسِيِّ وَهُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أخبرنا عِيسَى ، نا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَزٌ ، فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ ، وَالْأَمَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ : كَانَ أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ . ( أُتِيَ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ( بِظَبْيَةٍ ) : بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ . فِي النِّهَايَةِ ، هِيَ جِرَابٌ صَغِيرٌ عَلَيْهِ شَعْرٌ . وَقِيلَ : هِيَ شِبْهُ الْخَرِيطَةِ وَالْكِيسِ ( فِيهَا خَرَزٌ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ فَزَايٍ فِي الْقَامُوسِ : الْخَرَزَةُ مُحَرَّكَةٌ الْجَوْهَرُ وَمَا يَنْتَظِمُ ( لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ ) : خَصَّ النِّسَاءَ لِأَنَّ الْخَرَزَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ لَا أَنَّهُ حَقٌّ لَهُنَّ خَاصَّةً ، وَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُهَا لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ . وَقِيلَ : مَعْنَى كَانَ أَبِي يَقْسِمُ أَيِ الْفَيْءَ وَلَا خُصُوصَ لِلْخَرَزِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . ( يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ ) : قَالَ الْقَارِيُّ : أَيْ يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنَ الْفَيْءِ ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ العبد وَالْأَمَةِ الْمَعْتُوقَيْنِ أَوِ الْمُكَاتَبَيْنِ إِذِ الْمَمْلُوكُ لَا يَمْلِكُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُصَفَّى ، قال : حدثنا أَبُو الْمُغِيرَةِ جَمِيعًا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ ، فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ ، وَأَعْطَى الْعَزَبَ حَظًّا ، زَادَ ابْنُ الْمُصَفَّى : فَدُعِينَا ، وَكُنْتُ أُدْعَى قَبْلَ عَمَّارٍ ، فَدُعِيتُ فَأَعْطَانِي حَظَّيْنِ وَكَانَ لِي أَهْلٌ ، ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، فَأَعْطَى حَظًّا وَاحِدًا . ( فَأَعْطَى الْآهِلَ ) : بِالْمَدِّ وَكَسْرِ الْهَاءِ أَيِ الْمُتَأَهِّلَ الَّذِي لَهُ زَوْجَةٌ ، قَالَ فِي النَّيْلِ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَطَاءُ عَلَى مِقْدَارِ أَتْبَاعِ الرَّجُلِ الَّذِي يَلْزَمُ نَفَقَتُهُمْ مِنَ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ إِذَ غَيْرُ الزَّوْجَةِ مِثْلُهَا فِي الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُؤْنَةِ ( حَظَّيْنِ ) : أَيْ نَصِيبَيْنِ ( وَأَعْطَى الْعَزَبَ ) : بِفَتْحَتَيْنِ مَنْ لَا زَوْجَةَ لَهُ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأَعْزَبَ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي قَسْمِ الْفَيْءِ باب في قسم الفيء : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ : أَيْ تَقْسِيمِ الْفَيْءِ . وَالْفَيْءُ : هُوَ مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا جِهَادٍ . وَأَصْلُ الْفَيْءِ : الرُّجُوعُ ، كَأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَصْلِ لَهُمْ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ . حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، أخبرني أَبِي ، نا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ : حَاجَتَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ : عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَ مَا جَاءَهُ شَيْءٌ بَدَأَ بِالْمُحَرَّرِينَ ( فَقَالَ ) : أَيْ مُعَاوِيَةُ ( حَاجَتَكَ ) : بِالنَّصْبِ أَيْ اذكر حَاجَتَكَ مَا هِيَ ( يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) : كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( عَطَاءُ الْمُحَرَّرِينَ ) : جَمْعُ مُحَرَّرٍ وَهُوَ الَّذِي صَارَ حُرًّا بَعْدَ أَنْ كَانَ عَبْدًا . وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ نَصِيبٍ لَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي تَأْتِي إِلَى الْأَئِمَّةِ . كَذَا فِي النَّيْلِ ( أَوَّلَ مَا جَاءَهُ شَيْءٌ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : أَوَّلَ مَنْصُوبٌ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ ( بَدَأَ ) : وَهُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِرَأَيْتُ ( بِالْمُحَرَّرِينَ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِالْمُحَرَّرِينَ الْمُعْتَقِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا دِيوَانَ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَدْخُلُونَ تَبَعًا فِي جُمْلَةِ مَوَالِيهِمْ . انْتَهَى . قَالَ الْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْبُدَاءَةِ بِهِمْ وَتَقْدِيمِهِمْ عِنْدَ الْقِسْمَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْمُرَادُ بِالْمُحَرَّرِينَ الْمُكَاتَبُونَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ ، نا هُشَيْمٌ ، أنا يُونُسُ وَمَنْصُورٌ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ لِي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إن أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ فِيهَا إِلَى نَفْسِكَ ، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا بَاب مَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْإِمَارَةِ ( عَنْ مَسْأَلَةٍ ) : أَيْ سُؤَالٌ ( وُكِلْتَ فِيهَا ) : أَيْ فِي الْإِمَارَةِ ( إِلَى نَفْسِكَ ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : وُكِلْتَ إِلَيْهَا ، قَالَ فِي الْفَتْحِ : بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْكَافِ مُخَفَّفًا وَمُشَدَّدًا وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَمَعْنَى الْمُخَفَّفِ : أَيْ صُرِفْتَ إِلَيْهَا ، وَمَنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ هَلَكَ ، وَمِنْهُ فِي الدُّعَاءِ : وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي ، وَوَكَلَ أَمْرَهُ إِلَى فُلَانٍ : صَرَفَهُ إِلَيْهِ ، وَوَكَّلَهُ بِالتَّشْدِيدِ : اسْتَحْفَظَهُ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ مَنْ طَلَبَ الْإِمَارَةَ فَأُعْطِيهَا تُرِكَتْ إِعَانَتُهُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حِرْصِهِ . وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَنَّ طَلَبَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكْمِ مَكْرُوهٌ ، فَيَدْخُلُ فِي الْإِمَارَةِ الْقَضَاءُ وَالْحِسْبَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، نا خَالِدٌ ، عَنْ إسماعيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَخِيهِ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ قُرَّةَ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ : انْطَلَقْتُ مَعَ رَجُلَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَشَهَّدَ أَحَدُهُمَا ، ثُمَّ قَالَ : جِئْنَا لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلِكَ ، فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ صَاحِبِهِ فَقَالَ : إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ طَلَبَهُ ، فَاعْتَذَرَ أَبُو مُوسَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ لِمَا جَاءَا لَهُ ، فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا عَلَى شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ ( الْكَلْبِيِّ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْكِنْدِيُّ . قَالَ فِي الْأَطْرَافِ : بِشْرُ بْنُ قُرَّةَ وَيُقَالُ : قُرَّةُ بْنُ بِشْرٍ الْكَلْبِيُّ انْتَهَى ، وَكَذَلِكَ فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : بِشْرُ بْنُ قُرَّةَ الْكَلْبِيُّ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) : هُوَ الْأَشْعَرِيُّ ( فَتَشَهَّدَ ) : أَيْ خَطَبَ ( إِنَّ أَخْوَنَكُمْ ) : أَيْ أَكْثَرُكُمْ وَأَشَدُّكُمْ خِيَانَةً ( مَنْ طَلَبَهُ ) : أَيِ الْعَمَلُ ( لِمَا جَاءَا ) : بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ ، أَيِ الرَّجُلَانِ . ( فَلَمْ يَسْتَعِنْ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( حَتَّى مَاتَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَخِيهِ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ ، وَقَالَ : وَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ ؛ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي ، وَكِلَاهُمَا يَسْأَلُ الْعَمَلَ ، وَفِيهِ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا . وَفِيهِ : لَنْ نَسْتَعْمِلَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ . قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَعَاطَى أَمْرًا وَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّهُ قَائِمٌ بِذَلِكَ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُخْذَلُ فِيهِ فِي أَغْلِبِ الْأَحْوَالِ ، لِأَنَّ مَنْ سَأَلَ الْإِمَارَةَ لَا يَسْأَلُهَا إِلَّا وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لَهَا . وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وُكِلَ إِلَيْهَا بِمَعْنَى لَمْ يُعَنْ عَلَى مَا تَعَاطَاهُ ، وَالتَّعَاطِي أَبَدًا مَقْرُونٌ بِالْخِذْلَانِ ، وَإِنَّ مَنْ دُعِيَ إِلَى عَمَلٍ أَوْ إِمَامَةٍ فِي الدِّينِ فَقَصَرَ نَفْسَهُ عَنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ، وَهَابَ أَمْرَ اللَّهِ رَزَقَهُ اللَّهُ الْمَعُونَةَ . وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي طَلَبِ الْوِلَايَةِ مُجَرَّدًا هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُمْنَعُ ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ لِرِزْقٍ يَرْزُقُهُ اللَّهُ أَوْ لِتَضْيِيعِ الْقَائِمِ بِهَا أَوْ خَوْفِهِ حُصُولُهَا فِي غَيْرِ مُسْتَوْجِبِهَا وَنِيَّتِهِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهَا ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِي التَّشْدِيدِ فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، أََنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنْ الْقِبْطِ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ : مَا هَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عز وجل يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا بَاب فِي التَّشْدِيدِ فِي جِبَايَةِ الْجِزْيَةِ أَيْ جَمْعِهَا وَأَخْذِهَا . ( وَهُوَ عَلَى حِمْصَ ) : فِي الْقَامُوسِ حِمْصُ كُورَةٌ بِالشَّامِ أَهْلُهَا يَمَانِيُّونَ وَفِيهِ وَحِمْصُ بَلَدٌ بِالْأَنْدَلُسِ أَيْ كَانَ هُوَ أَمِيرًا عَلَيْهِ ( يُشَمِّسُ ) : فِي الْقَامُوسِ : التَّشْمِيسُ بَسْطُ الشَّيْءِ فِي الشَّمْسِ ( مِنَ الْقِبْطِ ) : وَهُوَ أهل مِصْرَ ( مَا هَذَا ) : أَيْ مَا هَذَا التَّعْذِيبُ . قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَدَبِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْجِزْيَةِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السِّيَرِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ى .
بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّةَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، نا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرِ ، فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ بَاب مَا جَاءَ فِي خَبَرِ مَكَّةَ وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ مِنْ بَقِيَّةِ الْفُتُوحَاتِ قَبْلَهُ كَخَيْبَرَ وَفَدَكَ وَالْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ . وَأَمَّا فَتْحُهَا فَهُوَ عَنْوَةٌ وَقَهْرا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، وَلَمْ يُقَسِّمْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَشْكَلَ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْجَمْعُ بَيْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً وَتَرْكِ قِسْمَتِهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لِأَنَّهَا دَارُ الْمَنَاسِكِ وَهِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ بَيْعَ رِبَاعِهَا وَمَنَعَ إِجَارَتَهَا . وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعَنْوَةِ وَبَيْنَ عَدَمِ الْقِسْمَةِ قَالَ : إِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْسَمْ ، قَالَ : وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَكَانَتْ غَنِيمَةً فَيَجِبُ قِسْمَتُهَا كَمَا تَجِبُ قِسْمَةُ الْحَيَوَانِ وَالْمَنْقُولِ ، وَلَمْ يَرَ مَنْعَ بَيْعِ رِبَاعِ مَكَّةَ وَإِجَارَتِهَا ، وَاحْتَجَّ [ بِأَنَّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا تُورَثُ عَنْهُمْ وَتُوهَبُ ، وَأَضَافَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ إِضَافَةَ الْمِلْكِ إِلَى مَالِكِهِ ، وَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ دَارًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ ؟ فَقَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعِ فَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ . فَلَمَّا كَانَ أَصْلُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْأَرْضَ مِنَ الْغَنَائِمِ ، وَأَنَّ الْغَنَائِمَ تَجِبُ قِسْمَتُهَا ، وَأَنَّ مَكَّةَ تُمْلَكُ وَتُبَاعُ دُورُهَا وَرِبَاعُهَا ، وَلَمْ تُقْسَمْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ كَوْنِهَا فُتِحَتْ صُلْحًا . لَكِنْ مَنْ تَأَمَّلَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَجَدَهَا كُلَّهَا دَالَّةً عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . ثُمَّ اخْتَلَفُوا لِأَيِّ شَيْءٍ لَمْ يَقْسِمْهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِأَنَّهَا دَارُ النُّسُكِ وَمَحَلُّ الْعِبَادَةِ ، فَهِيَ وَقْفٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَبَيْنَ وَقْفِهَا ، وَالنَّبِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ خَيْبَرَ وَلَمْ يُقَسِّمْ مَكَّةَ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ . قَالُوا : وَالْأَرْضُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ والْمَأْمُورِ بِقِسْمَتِهَا بَلِ الْغَنَائِمُ هِيَ الْحَيَوَانُ وَالْمَنْقُولُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحِلَّ الْغَنَائِمَ لِأُمَّةٍ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَحَلَّ لَهُمْ دِيَارَ الْكُفْرِ وَأَرْضِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ - يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَقَالَ فِي دِيَارِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَرْضِهِمْ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ ، وَعُمَرُ لَمْ يُقَسِّمْ بَلْ أَقَرَّهَا عَلَى حَالِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا فِي رَقَبَتِهَا تَكُونُ لِلْمُقَاتِلَةِ ، فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا ، لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفُ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ ، بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُورَثُ وَالْوَقْفُ لَا يُورَثُ . كَذَا فِي زَادِ الْمَعَادِ . ( عَامَ الْفَتْحِ ) : ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ جَاءَهُ ( فَأَسْلَمَ ) : أَيْ أَبُو سُفْيَانَ ( بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَبِالرَّاءِ وَالنُّونِ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ ( فَقَالَ لَهُ ) : أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ ) : أَيْ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ السَّمَاعَ ، يَعْنِي الشَّرَفَ ، فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، فَقَالَ : وَمَا تَسَعُ دَارِي ، زَادَ ابْنُ عُقْبَةَ : وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمٍ فَهُوَ آمِنٌ ، وَهِيَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَاهَا ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، قَالَ : وَمَا يَسَعُ الْمَسْجِدُ ، قَالَ : وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : هَذِهِ وَاسِعَةٌ . انْتَهَى . كَذَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ . ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَخْ ) : اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ عَلَى أَنَّ دُورَ مَكَّةَ مَمْلُوكَةٌ يَصِحُّ بَيْعُهَا وَإِجَارَتُهَا لِأَنَّ أَصْلَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْآدَمِيِّينَ يَقْتَضِي ذَلِكَ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مَجَازٌ ، وَفِيهِ تَأْلِيفٌ لِأَبِي سُفْيَانَ وَإِظْهَارٌ لِشَرَفِهِ ، قَالَهُ النَّوويُّ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، نا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ سَرَّحَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْخَيْلِ ، وَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ قَالَ : اسْلُكُوا هَذَا الطَّرِيقَ فَلَا يَشْرُفَنَّ لَكُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَمْتُمُوهُ ، فَنَادَى مُنَادي : لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دَخَلَ دَارًا فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ . وَعَمَدَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ ، فَدَخَلُوا الْكَعْبَةَ فَغَصَّ بِهِمْ ، وَطَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ ، ثُمَّ أَخَذَ بِجَنْبَتَيْ الْبَابِ فَخَرَجُوا فَبَايَعُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ : مَكَّةُ عَنْوَةً هِيَ ؟ قَالَ : أيشْ يَضُرُّكَ مَا كَانَتْ ؟ قَالَ : فَصُلْحٌ ؟ قَالَ : لَا . ( سَرَّحَ ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ التَّفْعِيلِ أَيْ ترك وَجَعَلَ ( عَلَى الْخَيْلِ ) : أَيْ رِكَابِ الْخَيْلِ وَهُوَ الْفُرْسَانُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أَيْ بِفُرْسَانِكَ وَمُشَاتِكَ . وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : فَبَعَثَ الزُّبَيْرُ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْأُخْرَى ، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتِيبَةٍ . وَفِي لَفْظٍ لَهُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَجَعَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُمْنَى ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرُ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُسْرَى ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنِ الْوَادِي . وَقَوْلُهُ وَالْمُجَنَّبَتَيْنِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ : مُجَنَّبَةُ الْجَيْشِ هِيَ الَّتِي فِي الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ ، وَقِيلَ : الْكَتِيبَةُ تَأْخُذُ إِحْدَى نَاحِيَةِ الطَّرِيقِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ . وَالْحُسَّرُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيِ الرَّجَّالَةُ الَّذِينَ لَا دُرُوعَ لَهُمْ . وَالْبَيَاذِقَةُ هُمُ الرَّجَّالَةُ وَهُوَ فَارِسِيٌّ معرب ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْحَلَبِيُّ : وَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ أَيْ وَهُمَا الْكَتِيبَتَانِ تَأْخُذُ إِحْدَاهُمَا الْيَمِينَ وَالْأُخْرَى الْيَسَارَ وَالْقَلْبُ بَيْنَهُمَا ، وَخَالِدٌ أَعْلَى الْأُخْرَى ، وَأَبَا عُبَيْدٍ عَلَى الرَّجَّالَةِ ، وَقَدْ أَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى مَكَّةَ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الزُّبَيْرَ رَايَةً وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَهَا بِالْحَجُونِ لَا يَبْرَحُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ ، وَفِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ بُنِيَ مَسْجِدٌ يُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ الرَّايَةِ . انْتَهَى . وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ قَالَ عُرْوَةُ : وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءَ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُدًى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَمُرْسَلُ عُرْوَةَ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْنَدَةِ فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ أَيِ الَّذِي هُوَ كُدًى بِالْقَصْرِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا أَيِ الَّذِي هُوَ بِالْمَدِّ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فَلَا شَكَّ فِي رُجْحَانِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَقَدْ سَاقَ دُخُولَ خَالِدٍ وَالزُّبَيْرِ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سِيَاقًا وَاضِحَةً فَقَالَ : وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَيْلِهِمْ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَا أَيْ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ بِأَعْلَى مَكَّةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرَكِّزَ رَايَتَهُ بِالْحَجُونِ وَلَا يَبْرَحَ حَتَّى يَأْتِيَهُ ، وَبَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي قَبَائِلِ قُضَاعَةَ وَسُلَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ وَأَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ عِنْدَ أَدْنَى الْبُيُوتِ ، وَانْدَفَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ( اهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ ) : أَيْ صِحْ بِالْأَنْصَارِ وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ ، فَأَطَافُوا بِهِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ادْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاؤوا يُهَرْوِلُونَ ، وَحِكْمَةُ تَخْصِيصِهِمْ عَدَمُ قَرَابَتِهِمْ لِقُرَيْشٍ فَلَا تَأْخُذُهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ ( اسْلُكُوا هَذَا الطَّرِيقَ ) : أَيْ طَرِيقَ أَعْلَى مَكَّةَ لِأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ أَخَذُوا أَسْفَلَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي ، وَأَخَذَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ أَعْلَى مَكَّةَ . وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : وَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا ( فَلَا يَشْرُفَنَّ ) : مِنْ أَشْرَفَ أَيْ لَا يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ ( أَحَدٌ ) : مِنْ أَتْبَاعِ قُرَيْشٍ مِمَّنْ قَدَّمَهُمْ قريش ، فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا أَتْبَاعًا وَقَالُوا نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ . وَالْمَعْنَى أَنَّ قُرَيْشًا جَمَعَتْ جُمُوعًا مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَقَالُوا : نُقَدِّمُ أَتْبَاعَنَا إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ وَمُقَابَلَتِهِمْ ، فَإِنْ كَانَ لِلْأَتْبَاعِ شَيْءٌ مِنَ الْفَتْحِ أَوْ حُصُولِ الْمَالِ كُنَّا شَرِيكَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ أُصِيبُوا هَؤُلَاءِ بِالْقَتْلِ وَالْأَخْذِ وَالذِّلَّةِ أَعْطَيْنَا الْمُسْلِمِينَ الَّذِي سُئِلْنَا مِنَ الْخَرَاجِ أَوِ الْعَهْدِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ( إِلَّا أَنَمْتُمُوهُ ) : مِنْ أَنَامَ أَيْ قَتَلْتُمُوهُ . وَقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةُ . فَفِي مُسْلِمٍ فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَامُوهُ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ إِلَّا أَنَامُوهُ أَيْ مَا ظَهَرَ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلُوهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ أَوْ يَكُونُ بِمَعْنَى أَسْكَنُوهُ بِالْقَتْلِ كَالنَّائِمِ ، يُقَالُ : نَامَتِ الرِّيحُ إذا سَكَنَتْ ، وَضَرَبَهُ حَتَّى سَكَنَ أَيْ مَاتَ ، وَنَامَتِ الشَّاةُ أَوْ غَيْرُهَا مَاتَتْ . قَالَ الْفَرَّاءُ : النَّائِمَةُ الْمَيْتَةُ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا جَاءَ مِنْ تَأْمِينِهِ لَهُمْ أَنَّ التَّأْمِينَ عُلِّقَ بِشَرْطٍ وَهُوَ تَرْكُ قُرَيْشٍ الْمُجَاهَرَةَ بِالْقِتَالِ ، فَلَمَّا جَاهَرُوا بِهِ وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ انْتَفَى التَّأْمِينُ ( فَنَادَى مُنَادِي ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُنَادٍ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ( لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ ) : وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ أَثْخَنُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ بِكَثْرَةٍ فَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ خَالِدًا قَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ ( مَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ ) : فَأَلْقَى النَّاسُ سِلَاحَهُمْ وَغَلَّقُوا أَبْوَابَهُمْ ( وَعَمَدَ ) : مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ قَصَدَ ( صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ ) : أَيْ أَشْرَافُهُمْ وَأَعْضَادُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَالْوَاحِدُ صِنْدِيدٌ ( فَغَصَّ بِهِمْ ) : أَيِ امْتَلَأَ الْبَيْتُ بِهِمْ وَازْدَحَمُوا حَتَّى صَارُوا كَأَنَّهُمُ احْتَبَسُوا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ لَا يَشْرُفَنَّ لَكُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَنَمْتُمُوهُ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَقَدَ لَهُمُ الْأَمَانَ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَكُفُّوا عَنِ الْقِتَالِ وَأَنْ يُلْقُوا السِّلَاحَ ، فَإِنْ تَعَرَّضُوا لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ زَالَ الْأَمَانُ وَحَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ . وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ فِي قِصَّةِ فَتْحِ مَكَّةَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُنْبَرِمًا فِي أَوَّلِ مَا بَذَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَظْنُونًا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَنْ يَقْبَلُوا الْأَمَانَ وَيَمْضُوا عَلَى الصُّلْحِ وَبَيْنَ أَنْ يُحَارَبُوا ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أُهْبَةَ الْقِتَالِ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَمْرِهِمْ عَلَى يَقِينٍ ، وَلَا مِنْ وَفَائِهِمْ عَلَى ثِقَةٍ ، فَلِذَلِكَ عَرَضَ الِالْتِبَاسُ فِي أَمْرِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِلْكِ دُورِ مَكَّةَ وَرِبَاعِهَا وَكِرَاءِ بُيُوتِهَا ، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ابْتَاعَ دَارَ السِّجْنِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَأَبَاحَ طَاوسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ بَيْعَ رِبَاعِ مَكَّةَ وَكِرَاءِ مَنَازِلِهَا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَحِلُّ بَيْعُ دُورِ مَكَّةَ وَلَا كِرَاؤُهَا انْتَهَى مُخْتَصَرًا ( بِجَنْبَتَيِ الْبَابِ ) الْجَنْبَةُ النَّاحِيَةُ أَيْ بِنَاحِيَتَيِ الْبَابِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ مُطَوَّلًا .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، نا إسماعيل يَعْنِي : ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مَعْقِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرًا هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا ؟ قَالَ : لَا ( نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلٍ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ ( هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ ) : أَيْ فَتْحِ مَكَّةَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ ، نا سَلَمَةُ يَعْنِي : ابْنَ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْيدٍ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمَرَّ الظَّهْرَانِ قَالَ الْعَبَّاسُ : قُلْتُ : وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ عَنْوَةً قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ ، فَيَسْتَأْمِنُوهُ ، إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ ، فَجَلَسْتُ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَعَلِّي : أَجِدُ ذَا حَاجَةٍ يَأْتِي أَهْلَ مَكَّةَ ، فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ ، فَإِنِّي لَأَسِيرُ إِذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا حَنْظَلَةَ فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ : أَبُو الْفَضْلِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : مَا لَكَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ؟ قُلْتُ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ . قَالَ : فَمَا الْحِيلَةُ ؟ قَالَ : فَرَكِبَ خَلْفِي ، وَرَجَعَ صَاحِبُهُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا قَالَ : نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ قَالَ : فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ ( عَنْوَةً ) : أَيْ قَهْرًا وَغَلَبَةً ( قَبْلَ أَنْ يَأْتُوهُ ) : أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَيَسْتَأْمِنُوهُ ) : أَيْ يَطْلُبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ ( إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ ) : جَوَابُ الشَّرْطِ ( أَجِدُ ذَا حَاجَةٍ ) : فِي الْأُمُورِ خَرَجَ لِإِنْجَاحِهَا ( لَأَسِيرُ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ أَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ وَأَدُورُ لِكَيْ أَجِدُ مَنْ يُخْبِرُ أَهْلَ مَكَّةَ بِحَالِ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْغِيبِهِمْ لِأَجْلِ طَلَبِ الْأَمَانِ ( وَبُدَيْلَ ) : بِالتَّصْغِيرِ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ : كُنْيَةُ أَبِي سُفْيَانَ ( فَعَرَفَ ) : أَيْ أَبُو سُفْيَانَ ( فَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ ) : هُوَ كُنْيَةُ الْعَبَّاسِ أَيْ فَقَالَ لِي أَبُو سُفْيَانَ : أَنْتَ أَبُو الْفَضْلِ ( وَالنَّاسُ ) : أَيِ الْمُسْلِمُونَ ( فَرَكِبَ ) : أَيْ أَبُو سُفْيَانَ ( وَرَجَعَ صَاحِبُهُ ) : هُوَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ ( فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ ) : وَتَمَامُ الْقِصَّةِ كَمَا فِي زَادِ الْمَعَادِ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَخَلَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ ، فَدَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لَا يُنَاجِيهِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ دُونِي ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ قُلْتُ : مَهْلًا يَا عُمَرُ ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ رَجُلِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْتُ مِثْلَ هَذَا ، قَالَ : مَهْلًا يَا عَبَّاسُ ، وَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ ، وَمَا بِي إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ ، فَإِذَا أَصْبَحَ فَأْتِنِي بِهِ ، فَذَهَبْتُ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ ، لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ إِلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى شَيْئًا بَعْدُ ، قَالَ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ ، أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ حَتَّى الْآنَ مِنْهَا شَيْئًا ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : وَيْحَكَ ، أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَكَ ، فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ . ( إِلَى دُورِهِمْ ) : جَمْعُ دَارٍ ( وَإِلَى الْمَسْجِدِ ) : أَيِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ : إِنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا لَا عَنْوَةً . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلُ السِّيَرِ : فُتِحَتْ عَنْوَةً . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فُتِحَتْ صُلْحًا . وَادَّعَى الْمَاذِرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ انْفَرَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى تَفَاصِيلِ دَلَائِلِ الْفَرِيقَيْنِ فَعَلَيْكَ بِفَتْحِ الْبَارِي لِلْحَافِظِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ ، وَتَرَكَ دَيْنًا فَإِلَيَّ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ إِلَخْ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَا قَائِمٌ بِمَصَالِحِكُمْ فِي حَيَاةِ أَحَدِكُمْ وَمَوْتِهِ وَأَنَا وَلِيُّهُ فِي الْحَالَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَضَيْتُهُ مِنْ عِنْدِي إِنْ لَمْ يَخْلُفْ وَفَاءً ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ لَا آخُذُ مِنْهُ شَيْئًا ، وَإِنْ خَلَفَ عِيَالًا مُحْتَاجِينَ ضَائِعِينَ فَعَلَيَّ نَفَقَتُهُمْ وَمُؤْنَتُهُمْ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا ( وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَصْلُهُ الثِّقَلُ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْعِيَالُ . قَالَهُ الْحَافِظُ ( فَإِلَيْنَا ) : أَيْ نَصْرُهُمْ وَمُؤْنَاتُهُمْ بِقَدْرِ مَعَاشِ مِثْلِهِمْ فِي بُلْدَانِهِمْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
بَابٌ : فِي أَرْزَاقِ الذُّرِّيَّةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أخبرنا سُفْيَانُ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا ، أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ بَاب فِي أَرْزَاقِ الذُّرِّيَّةِ ( أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ ) : أَيْ أَحَقُّ بِهِمْ وَأَقْرَبُ إِلَيْهِمْ . وَقِيلَ مَعْنَى الْأَوْلَوِيَّةِ : النُّصْرَةُ وَالتَّوْلِيَةُ ، أَيْ أَنَا أَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَأَنْصُرُهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَلِأَهْلِهِ ) : أَيْ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ( وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الضَّيَاعُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا هُوَ يعرض أَنْ يُضَيَّعَ إِنْ لَمْ يُتَعَهَّدْ كَالذُّرِّيَّةِ الصِّغَارِ وَالْأَطْفَالِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِكَلِّ أَنْفُسِهِمْ وَسَائِرِ مَنْ يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُمْ ( فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا فِي مَنْ تَرَكَ دَيْنًا لَا وَفَاءَ لَهُ فِي مَالِهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى دَيْنَهُ مِنَ الْفَيْءِ ، فَأَمَّا مَنْ تَرَكَ وَفَاءً فَإِنَّ دَيْنَهُ يُقْضَى عَنْهُ ثُمَّ بَقِيَّةُ مَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَقْسُومٌ بَيْنَ وَرَثَتِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ وَالْإِمَارَةِ بَابُ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ مِنْ حَقِّ الرَّعِيَّةِ أول كِتَاب الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ والإمارة : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ الْإِمْرَةُ ، وَقَدْ أَمَّرَهُ إِذَا جَعَلَهُ أَمِيرًا . وَالْفَيْءُ بِالْهَمْزَةِ : مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا جِهَادٍ . وَالْخَرَاجُ : مَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّةِ الْأَرْضِ ، وَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَى الْجِزْيَةِ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . باب ما يلزم الإمام إلخ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ( أَلَا ) : لِلتَّنْبِيهِ ( كُلُّكُمْ رَاعٍ ) : قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا اؤْتُمِنَ عَلَى حِفْظِهِ ، فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ ، وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ ( وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) : أَيْ فِي الْآخِرَةِ ، فَإِنْ وَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنَ الرِّعَايَةِ حَصَلَ لَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ ، وَإِلَّا طَالَبَهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِحَقِّهِ . ( فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ ) : مُبْتَدَأٌ ( رَاعٍ عَلَيْهِمْ ) : خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ ( عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ) : أَيْ زَوْجَتُهُ وَغَيْرُهَا ، ( وَهُوَ ) : أَيِ الرَّجُلُ ( مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ) : أَيْ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، هَلْ وَفَّاهُمْ حُقُوقَهُمْ مِنْ كِسْوَةٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا ، كَحُسْنِ عِشْرَةٍ أَوْ لَا ، ( عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا ) : أَيْ زَوْجِهَا بِحُسْنِ تَدْبِيرِ الْمَعِيشَةِ وَالْأَمَانَةِ فِي مَالِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( وَوَلَدِهِ ) : أَيْ وَلَدُ بَعْلِهَا . ( وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ ) : أَيْ عَنْ حَقِّ زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ ، وَغَلَبَ الْعُقَلَاءُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِمْ ( فَكُلّكُمْ رَاعٍ إِلَخْ ) : قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَكُلُّكُمْ ، جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ ، وَدَخَلَ فِي هَذَا الْعُمُومِ الْمُنْفَرِدِ الَّذِي لَا زَوْجَ لَهُ وَلَا خَادِمَ ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَاعٍ فِي جَوَارِحِهِ حَتَّى يَعْمَلَ الْمَأْمُورَاتِ وَيَتَجَنَّبُ الْمَنْهِيَّاتِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، نا الْمُعَافَى ، نا الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا قَالَ : قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ . ( مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ ، إِلَخْ ) : أَيْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا فِي تَصَرُّفِهِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ قَدْرِ مَهْرِ زَوْجَةٍ وَنَفَقَتِهَا وَكِسْوَتِهَا ، وَكَذَلِكَ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَتَنَعُّمٍ ، فَإِنْ أَخَذَ أَكْثَرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ضَرُورَةً ، فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ . ذَكَرَهُ الْقَارِيُّ نَقْلًا عَنِ الْمُظْهِرِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا يَتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إِنَّمَا أَبَاحَ اكْتِسَابَ الْخَادِمِ وَالْمَسْكَنِ مِنْ عُمَالَتِهِ الَّتِي هِيَ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَفِقَ بِشَيْءٍ سِوَاهَا ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ لِلْعَامِلِ السُّكْنَى وَالْخِدْمَةَ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ اسْتُؤْجِرَ لَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ فَيَكْفِيهِ مِهْنَةَ مِثْلِهِ ، وَيُكْتَرَى لَهُ مَسْكَنٌ يَسْكُنُهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي عَمَلِهِ ، انْتَهَى . ( قَالَ ) : أَيِ الْمُسْتَوْرِدُ ( قَالَ أَبُو بَكْرٍ ) : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أُخْبِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ . وَأَوْرَدَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ ، أَيْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، فَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ ، فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا ، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ ، أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا ، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً ، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ . انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ لَهُ : فَهُوَ غَالٌّ أَوْ سَارِقٌ ، انْتَهَى . ( غَيْرَ ذَلِكَ ) : أَيْ غَيْرَ مَا ذُكِرَ ( فَهُوَ غَالٌّ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ خَائِنٌ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي أَرْزَاقِ الْعُمَّالِ بَاب فِي أَرْزَاقِ الْعُمَّالِ : جَمْعُ عَامِلٍ . حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ أَبُو طَالِبٍ ، نا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا ، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ ( مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ ) : أَيْ جَعَلْنَاهُ عَامِلًا ( عَلَى عَمَلٍ ) : أَيْ مِنْ أَعْمَالِ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ ( فَرَزَقْنَاهُ ) : أَيْ فَأَعْطَيْنَاهُ ( رِزْقًا ) : أَيْ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا ( فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ ) : جَزَاءُ الشَّرْطِ وَمَا مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ، وَقَوْلُهُ ( فَهُوَ غُلُولٌ ) : خَبَرُهُ جيء بِالْفَاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الشَّرْطِ . وَالْغُلُولُ بِضَمَّتَيْنِ : الْخِيَانَةُ فِي الْغَنِيمَةِ وَفِي مَالِ الْفَيْءِ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا لَيْثٌ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ ابْنِ السَّاعِدِيِّ قَالَ : اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ : إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ قَالَ : خُذْ مَا أُعْطِيتَ فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَمَّلَنِي ( اسْتَعْمَلَنِي ) : أَيْ جَعَلَنِي عَامِلًا ( بِعُمَالَةٍ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ مِنَ الْأُجْرَةِ ( مَا أُعْطِيتَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ ) : أَيْ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْإِمَارَةِ ( فَعَمَّلَنِي ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ أَعْطَانِي الْعُمَالَةَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ بَيَانُ جَوَازِ أَخْذِ الْعَامِلِ الْأُجْرَةَ بِقَدْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا يَتَوَلَّاهُ مِنَ الْأَمْرِ . وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى لِلْعَامِلِينَ سَهْمًا فِي الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا فَرَأَى الْعُلَمَاءُ أَنْ يُعْطَوْا عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِمْ وَسَعْيِهِمْ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَتَمُّ مِنْهُ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اجْتَمَعَ فِي إِسْنَادِهَا أَرْبَعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ، يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي خَبَرِ الطَّائِفِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، نا إسماعيل يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي : ابْنَ عَقِيلِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَهْبٍ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ ، قَالَ : اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا ، وَلَا جِهَادَ ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ : سَيَتَصَدَّقُونَ ، وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا بَاب مَا جَاءَ فِي خَبَرِ الطَّائِفِ هُوَ بَلَدٌ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ كَثِيرُ الْأَعْنَابِ وَالنَّخِيلِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ أَوْ ثِنْتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ . ( عَقِيلِ بْنِ مُنَبِّهٍ ) : هُوَ عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلِ بْنِ مُنَبِّهٍ كَذَا نَسَبَهُ فِي الْأَطْرَافِ وَالتَّقْرِيبِ ( عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ ) أَيْ عَنْ حَالِهِمْ ، وَثَقِيفٌ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنْ هَوَازِنَ وَاسْمُهُ قُسَيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرٍ بْنِ هَوَازِنَ . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الطَّائِفِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ حِينَ خَرَجَ مِنْ حُنَيْنٍ ، وَحَبَسَ الْغَنَائِمَ بِالْجِعِرَّانَةِ . وَكَانَتْ ثَقِيفٌ لَمَّا انْهَزَمُوا مِنْ أَوْطَاسٍ دَخَلُوا حِصْنَهُمْ بِالطَّائِفِ وَأَغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ دَخَّلُوا فِيهِ مَا يُصْلِحُهُمْ مِنَ الْقُوتِ لِسَنَةٍ وَتَهَيُّؤًا لِلْقِتَالِ ، فَدَنَا خَالِدٌ فَدَارَ بِالْحِصْنِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَنْزِلُ إِلَيَّ أَحَدكُمْ أُكَلِّمُهُ وَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَرْجِعَ ، فَلَمْ يَنْزِلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، وَقَالُوا لَا نُفَارِقُ دِينَنَا ، وَأَشْرَفَتْ ثَقِيفٌ وَأَقَامُوا رُمَاتِهِمْ وَهُمْ مِائَةً فَرَمَوُا الْمُسْلِمِينَ بِالنَّبْلِ رَمْيًا شَدِيدًا فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً شَدِيدَةً ، وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَتْحِ الطَّائِفِ ذَلِكَ الْعَامَ لِئَلَّا يَسْتَأْصِلُوا أَهْلَهُ قَتْلًا . رَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ اسْتَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : يَا نَوْفَلُ مَا تَرَى فِي الْمَقَامِ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ثَعْلَبُ فِي جُحْرٍ إِنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرَّكَ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ أَيِ امْرَأَةَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطِنِي إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الطَّائِفَ حُلِيَّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ أَوْ حُلِيِّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ ، وَكَانَتَا مِنْ أَحْلَى نِسَاءِ ثَقِيفٍ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْذَنُ لَنَا فِي ثَقِيفٍ يَا خَوْلَةُ ، فَذَكَرَتْهُ لِعُمَرَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِيهِ خَوْلَةُ زَعَمَتْ أَنَّكَ قُلْتُهُ ، قَالَ : قُلْتُهُ ، قَالَ : أَوَمَا أَذِنْتَ فِيهِمْ ؟ فَقَالَ : لَا ، قَالَ : أَفَلَا أُؤْذِنُ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ ؟ قَالَ : بَلَى ، فَأَذَّنَ عُمَرُ بِالرَّحِيلِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الطَّائِفِ وَتَرَكَ مُحَاصَرَتَهُ وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ ، قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ عَلَى ثَقِيفٍ فَقَدْ أَحْرَقَتْنَا نِبَالُهُمْ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا إِلَى الْإِسْلَامِ وَأْتِ بِهِمْ مُسْلِمِينَ . كَذَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ مِنْ مَوَاضِعَ شَتَّى . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ . فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا وَأْتِ بِهِمْ . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ عُرْوَةَ : وَدَعَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَكِبَ قَافِلًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ اهْدِهِمْ وَاكْفِنَا مُؤْنَتَهُمْ . ( إِذْ بَايَعَتْ ) : أَيْ قَبِيلَةُ ثَقِيفٍ ( أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ ) : مَفْعُولُ اشْتَرَطَتْ ( سَيَتَصَدَّقُونَ ) : أَيْ ثَقِيفٌ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ يَعْنِي : ابْنَ مَنْجُوفٍ ، نا أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا ، وَلَا يُعْشَرُوا ، وَلَا يُجَبَّوْا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا ، وَلَا تُعْشَرُوا ، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ ( يَعْنِي ابْنَ مَنْجُوفٍ ) : بِنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ جِيمٍ وَآخِرُهُ فَاءٌ ( أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا ) : فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ بَعْدَ قُدُومِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ سَعِدٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ . وَأَمَّا خُرُوجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى تَبُوكَ فَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ اتِّفَاقًا ، انْتَهَى . ( لِيَكُونَ ) : أَيْ ذَلِكَ الْإِنْزَالُ ( أَرَقُّ لِقُلُوبِهِمْ ) : أَرَقُّ هَاهُنَا اسْمُ التَّفْضِيلِ مِنْ أَرَّقَهُ إِرْقَاقًا بِمَعْنَى أَلَانَهُ إِلَانَةً وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِيَاسٌ مِنْ بَابِ أَفْعَلَ مَعَ كَوْنِهِ ذَا زِيَادَةٍ ، وَيُؤَيِّدهُ كَثْرَةُ السَّمَاعِ كَقَوْلِهِمْ هُوَ أَعْطَاهُمْ لِلدِّينَارِ وَأَوْلَاهُمْ لِلْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ عِنْدَ غَيْرِهِ سَمَاعٌ مَعَ كَثْرَتِهِ ، قَالَهُ الرَّضِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ . فَالْمَعْنَى : أَيْ لِيَكُونَ إِنْزَالُهُمُ الْمَسْجِدَ أَكْثَرَ وَأَشَدَّ إِلَانَةً وَتَرْقِيقًا لِقُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ رُؤْيَتِهِمْ حَالَ الْمُسْلِمِينَ وَخُشُوعِهِمْ وَخُضُوعِهِمْ وَاجْتِمَاعِهِمْ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَفِي عِبَادَاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( أَنْ لَا يُحْشَرُوا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُنْدَبُونَ إِلَى الْغَزْوِ وَلَا تُضْرَبُ عَلَيْهِمُ الْبُعُوثُ ، وَقِيلَ : لَا يُحْشَرُونَ إِلَى عَامِلِ الزَّكَاةِ بَلْ يَأْخُذُ صَدَقَاتُهُمْ فِي أَمَاكِنِهِمْ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الْحَشْرُ فِي الْجِهَادِ وَالنَّفِيرِ لَهُ ( وَلَا يُعْشَرُوا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا يُؤْخَذُ عُشْرُ أَمْوَالِهِمْ ، وَقِيلَ : أَرَادُوا الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ ، قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ ( وَلَا يُجَبَّوْا ) : بِالْجِيمِ وَشِدَّةِ الْمُوَحَّدَةِ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ فِي مَادَّةِ جَبَوَ : وَفِي حَدِيثِ ثَقِيفٍ وَلَا يُجَبَّوْا أَصْلُ التَّجْبِيَةِ أَنْ يَقُومَ قِيَامَ الرَّاكِعِ ، وَقِيلَ : أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ ، وَقِيلَ : السُّجُودُ وَأَرَادُوا أَنْ لَا يُصَلُّوا ، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ لِقَوْلِهِ : لَا خَيْرَ إِلَخْ ، وَأُرِيدَ بِهِ الصَّلَاةُ مَجَازًا . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ لَا يُجَبَّوْا أَيْ لَا يُصَلُّوا ، وَأَصْلُ التَّجْبِيَةِ أَنْ يَكُبَّ الْإِنْسَانُ عَلَى مُقَدَّمِهِ وَيَرْفَعَ مُؤَخَّرَهُ . قَالَ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا سَمَحَ لَهُمْ بِالْجِهَادِ وَالصَّدَقَةِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ فِي الْعَاجِلِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِحَوْلِ الْحَوْلِ ، وَالْجِهَادُ إِنَّمَا يَجِبُ بِحُضُورِ الْعَدُوِّ ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي أَوْقَاتِهَا الموقتة فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطُوا تَرْكَهَا . وَقَدْ سُئِلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ اشْتِرَاطِ ثَقِيفٍ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ ، فَقَالَ : عَلِمَ أَنَّهُمْ سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ الْكَافِرَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ لِحَاجَةٍ لَهُ فِيهِ أَوْ لِحَاجَةِ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ .
بَابُ مَتَى يُفْرَضُ لِلرَّجُلِ فِي الْمُقَاتَلَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَحْيَى ، نا عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْهُ ، وَعُرِضَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَأَجَازَهُ باب متى يفرض للرجل أَصْلُ الْفَرْضِ : الْقَطْعُ ، أَيْ مَتَى يُقْطَعُ لَهُ الْعَطَاءُ وَيُقَرَّرُ رِزْقُهُ فِي الْمُقَاتِلَةِ بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ : فِي الْمُقَاتِلِينَ ، وَالتَّاءِ بِاعْتِبَارِ الْجَمَاعَةِ . ( عُرِضَهُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَالْمَنْصُوبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ عَرَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْقِتَالِ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي ، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي . قَالَ نَافِعٌ : فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْحَدَّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ . انْتَهَى . ( فَأَجَازَهُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ جَعْلَهُ رَجُلًا لَهُ حُكْمُ الرِّجَالِ الْمُقَاتِلِينَ . انْتَهَى . قَالَ الْقَارِيُّ : وَقِيلَ كَتَبَ الْجَائِزَةَ لَهُ وَهِيَ رِزْقُ الْغُزَاةِ . قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالُوا : إِذَا اسْتَكْمَلَ الْغُلَامُ أَوِ الْجَارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَ بَالِغًا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا ، وَإِذَا احْتَلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا حَاضَتِ الْجَارِيَةُ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ وَلَا حَيْضَ وَلَا احْتِلَامَ قَبْلَ بُلُوغِ التِّسْعِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً دَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْمُقَاتِلَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي الْعِرَافَةِ بَاب فِي الْعِرَافَةِ : بِكَسْرِ الْعَيْنِ ، وَمِنْهُ الْعَرِيفُ وَهُوَ الْقَيِّمُ بِأُمُورِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْجَمَاعَةِ مِنَ النَّاسِ يَلِي أُمُورَهُمْ وَيَتَعَرَّفُ الْأَمِيرُ مِنْهُ أَحْوَالَهُمْ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَالْعِرَافَةُ عَمَلُهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَفِي الْمِصْبَاحِ : عِرَافَةٌ بِالْكَسْرِ فَأَنَا عَارِفٌ أَيْ مُدَبِّرٌ أَمْرَهُمْ وَقَائِمٌ بِسِيَاسَتِهِمْ وَالْجَمْعُ عُرَفَاءُ . قِيلَ : الْعَرِيفُ يَكُونُ عَلَى نَفِيرٍ ، وَالْمَنْكِبُ يَكُونُ عَلَى خَمْسَةِ عُرَفَاءَ وَنَحْوَهَا ثُمَّ الْأَمِيرُ فَوْقَ هَؤُلَاءِ . انْتَهَى . حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ عَنْ جَدِّهِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إِنْ مُتَّ ، وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا ، وَلَا كَاتِبًا وَلَا عَرِيفًا ( سُلَيْمَانَ بْنَ سُلَيْمٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( ضَرَبَ ) : أَيْ يَدَيْهِ إِظْهَارًا لِلشَّفَقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ عَنْ حَالَةِ الْغَفْلَةِ ( عَلَى مَنْكِبِهِ ) : الضَّمِيرُ لِلْمِقْدَامِ ( يَا قُدَيْمُ ) : تَصْغِيرُ مِقْدَامٍ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ وَهُوَ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ ( إِنْ مُتَّ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا ( وَلَا كَاتِبًا ) : أَيْ لَهُ ( وَلَا عَرِيفًا ) : فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَاحِدُ الْعُرَفَاءِ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ . قَالَ الْقَارِيُّ : أَوْ وَلَا مَعْرُوفًا يَعْرِفُكَ النَّاسُ ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْخُمُولَ رَاحَةٌ وَالشُّهْرَةُ آفَةٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : صَالِحُ بْنُ يَحْيَى قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَافِظُ : لَا يُعْرَفُ صَالِحٌ وَلَا أَبُوهُ إِلَّا بِجَدِّهِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، نا غَالِبٌ الْقَطَّانُ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَنْهَلٍ مِنْ الْمَنَاهِلِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ الْإِسْلَامُ جَعَلَ صَاحِبُ الْمَاءِ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا ، وَقَسَمَ الْإِبِلَ بَيْنَهُمْ ، وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : ائْتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْ لَهُ : إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ ، وَإِنَّهُ جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا ، وَقَسَمَ الْإِبِلَ بَيْنَهُمْ ، وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ أَفَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَمْ هُمْ ؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ : نَعَمْ ، أَوْ لَا فَقُلْ لَهُ : إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَهُوَ عَرِيفُ الْمَاءِ ، وَإِنَّهُ يَسْأَلُكَ أَنْ تَجْعَلَ لِي الْعِرَافَةَ بَعْدَهُ . فَأَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ فَقَالَ : وَعَلَيْكَ ، وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ فَقَالَ : إِنَّ أَبِي جَعَلَ لِقَوْمِهِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا فَأَسْلَمُوا ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا مِنْهُمْ أَفَهُوَ أَحَقُّ بِهَا أَمْ هُمْ ؟ فَقَالَ : إِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُسْلِمَهَا لَهُمْ فَلْيُسْلِمْهَا ، وَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْهُمْ ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلَهُمْ إِسْلَامُهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُوتِلُوا عَلَى الْإِسْلَامِ . وَقَالَ : إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ ، وَهُوَ عَرِيفُ الْمَاءِ ، وَإِنَّهُ يَسْأَلُ أَنْ تَجْعَلَ لِي الْعِرَافَةَ بَعْدَهُ فَقَالَ : إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ الْعُرَفَاءِ ، وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ ( عَلَى مَنْهَلٍ ) : هُوَ كُلُّ مَاءٍ يَكُونُ عَلَى الطَّرِيقِ ، وَيُقَالُ : مَنْهَلُ بَنِي فُلَانٍ : أَيْ مَشْرَبُهُمْ ( وَبَدَا لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا ) : أَيْ ظَهَرَ لِصَاحِبِ الْمَاءِ أَنْ يُرْجِعَ الْإِبِلَ مِنْ قَوْمَهَ ( نَعَمْ ) : أَيْ لِأَبِيكَ حَقُّ الرُّجُوعِ ( أَوْ لَا ) : أَيْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ ( أَنْ يُسْلِمَهَا ) : أَيِ الْإِبِلُ ( لَهُمْ ) : لِقَوْمِهِ الْمُسْلِمِينَ ( فَهُوَ ) : أَيْ عَرِيفُ الْمَاءِ الَّذِي قَسَمَ الْإِبِلَ بَيْنَ قَوْمِهِ ( أَحَقُّ بِهَا ) : أَيْ بِالْإِبِلِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ رُجُوعِ الْعَطَايَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ لَكِنِ الْحَدِيثُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ ( إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ ) : أَيْ عَمَلُهَا حَقٌّ لَيْسَ بِبَاطِلٍ لِأَنَّ فِيهَا مَصْلَحَةٌ لِلنَّاسِ وَرِفْقًا بِهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ وَأُمُورِهِمْ لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ . وَالْعِرَافَةُ تَدْبِيرُ أُمُورِ الْقَوْمِ وَالْقِيَامِ بِسِيَاسَتِهِمْ ( وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الْعُرَفَاءِ ) : لِيَتَعَرَّفَ أَحْوَالُهُمْ فِي تَرْتِيبِ الْبُعُوثِ وَالْأَجْنَادِ وَالْعَطَايَا وَالسِّهَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( وَلَكِنَّ الْعُرَفَاءَ فِي النَّارِ ) : وَهَذَا قَالَهُ تَحْذِيرًا مِنْ التَّعَرُّضِ لِلرِّيَاسَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِحَقِّهَا أَثِمَ وَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ الْعَاجِلَةَ وَالْآجِلَةَ . كَذَا فِي السِّرَاجِ الْمُنِيرِ . وَفِي اللمعات : الْعُرَفَاءُ فِي النَّارِ أَيْ عَلَى خَطَرٍ وَفِي وَرْطَةِ الْهَلَاكِ وَالْعَذَابِ لِتَعَذُّرِ الْقِيَامِ بِشَرَائِطِ ذَلِكَ ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُرَاعُوا الْحَقَّ وَالصَّوَابَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلٌ وَغَالِبُ الْقَطَّانُ قَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا . وَذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ فِي تَرْجَمَةِ غَالِبٍ الْقَطَّانِ مُخْتَصَرًا . وَقَالَ : وَلِغَالِبٍ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُ ، وَفِي حَدِيثِهِ النَّكِرَةُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَدِيثَ يَشْهَدُ اللَّهُ حَدِيثٌ مُعْضَلٌ . وَقَالَ أَيْضًا : وَغَالِبُ الضَّعْفِ عَلَى حَدِيثِهِ بَيِّنٌ .
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، نا سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَمَرَ النَّاسَ وَنَهَاهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : اللَّهُمَّ نَعَمْ ، ثُمَّ قَالَ : إِذَا تَجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمُلْكِ فِيمَا بَيْنَهَا ، وَعَادَ الْعَطَاءُ ، أَوْ كَانَ رِشًا فَدَعُوهُ . فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا ذُو الزَّوَائِدِ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَّهُ حَدَّثَهُ ) : أَيْ مُطَيْرٌ حَدَّثَ سُلَيْمًا ، وَقَوْلُهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ كَذَا : أَوْرَدَهُ فِي الْأَطْرَافِ ثُمَّ قَالَ : وَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا وَهُوَ الصَّوَابُ . انْتَهَى . أَيْ بِحَذْفِ جُمْلَةٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ ، وَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا ( اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى ( وَعَادَ الْعَطَاءُ رُشًى أَوْ كَانَ الْعَطَاءُ رُشًى ) : الشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي . وَرُشًى بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ رِشْوَةٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ أَنْ يَصْرِفَ عَنِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَيُعْطِي مَنْ لَهُ الْجَاهُ وَالْمَنْزِلَةُ . انْتَهَى . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَصَارَ الْعَطَاءُ رُشًا عَنْ دِينِكُمْ ، وَالْمَعْنَى : أَيْ صَارَ الْعَطَاءُ الَّذِي يُعْطِيهِ الْمَلِكُ مِنْهُمْ رُشًا عَنْ دِينِكُمْ أَيْ مُجَاوِزًا لِدِينِ أَحَدِكُمْ مُبَاعِدًا لَهُ بِأَنْ يُعْطِي الْعَطَاءَ حَمْلًا لَكُمْ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ شَرْعًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ مُعَاذٍ ، وَزَادَ فِيهِ : وَلَسْتُمْ بِتَارِكِيهِ يَمْنَعُكُمُ الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ . انْتَهَى . ( ذُو الزَّوَائِدِ ) : الْجُهَنِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ عِدَادُهُ فِي الْمَدَنِيِّينَ ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الصَّحَابَةِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّهْذِيبِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : أَوَّلُ مَنْ صَلَّى الضحى رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُقَالُ لَهُ : ذُو الزَّوَائِدِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : ذُو الزَّوَائِدِ لَهُ صُحْبَةٌ وَيُعْرَفُ اسْمُهُ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
بَابٌ : فِي كَرَاهِيَةِ الِافْتِرَاضِ فِي آخَرِ الزَّمَانِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ ، نَا سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي مُطَيْرٌ أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كَانَ بِالسُّوَيْدَاءِ ، إِذَا أنا بِرَجُلٍ قَدْ جَاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ دَوَاءً أو حُضُضًا ، وَقَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَعِظُ النَّاسَ وَيَأْمُرُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا الْعَطَاءَ مَا كَانَ عَطَاءً ، فَإِذَا تَجَاحَفَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمُلْكِ ، وَكَانَ عَنْ دِينِ أَحَدِكُمْ فَدَعُوهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : َرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ مُطَيْرٍ بَاب فِي كَرَاهِيَةِ الِافتِرَاضِ فِي آخَرِ الزَّمَانِ وَالْفَرْضُ بِالْفَاءِ وَهُوَ الْعَطِيَّةُ الْمَوْسُومَةُ ، يُقَالُ : مَا أَصَبْتُ مِنْهُ فَرْضًا وَفَرَضْتُ الرَّجُلَ وَأَفْرَضْتُهُ : إِذَا أَعْطَيْتُهُ ، وَقَدْ فَرَضْتُ لَهُ فِي الْعَطَاءِ وَفَرَضْتُ لَهُ فِي الدِّيوَانِ ، كَذَا فِي الصِّحَاحِ . وَفِي الْقَامُوسِ : افْتَرَضَ الْجُنْدُ : أَخَذُوا عَطَايَاهُمْ . ( سُلَيْمُ بْنُ مُطَيْرٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا . قَالَهُ الْعَلْقَمِيُّ ( شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى ) : قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : مَوْضِعٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ أَعْرَابِيٌّ مَحَلُّهُ الصِّدْقُ ، وَرَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَطْ . وَقَالَ الْحَافِظُ : هُوَ لَيِّنُ الْحَدِيثِ ( أَبِي مُطَيْرٌ ) : بَدَلٌ مِنْ أَبِي ( أَنَّهُ ) : أَيْ مُطَيْرٌ ( بِالسُّوَيْدَاءِ ) : بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى لَفْظِ التَّصْغِيرِ اسْمُ مَوْضِعٍ ، وَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ ( إِذَا أَنَا بِرَجُلٍ ) : قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : هُوَ ذُو الزَّوَائِدِ ( أَوْ حُضَضًا ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُرْوَى بِضَمِّ الضَّادِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا ، وَقِيلَ : هُوَ بِظَاءَيْنِ ، وَقِيلَ بِضَادٍ ثُمَّ ظَاءٍ وَهُوَ دَوَاءٌ مَعْرُوفٌ ، وَقِيلَ إِنَّهُ يُعْقَدُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ ، وَقِيلَ هُوَ عَقَارٌ مِنْهُ مَكِّيٌّ وَمِنْهُ هِنْدِيٌّ وَهُوَ عُصَارَةُ شَجَرٍ مَعْرُوفٍ لَهُ ثَمَرٌ كَالْفُلْفُلِ وَتُسَمَّى ثَمَرَتُهُ الْحُضَضُ ، انْتَهَى . ( يَأْمُرهُمْ وَيَنْهَاهُمْ ) : أَيْ يَأْمُرُهُمْ بِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَينهَاهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ( خُذُوا الْعَطَاءَ ) : مِنَ السُّلْطَانِ أَيِ الشَّيْءَ الْمُعْطَى مِنْ جِهَتِهِ ( مَا كَانَ ) : أَيْ مَا دَامَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ ( عَطَاءً ) : أَيْ عَطَاءَ الْمُلُوكِ فِيهِ عَطَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فِيهَا فَسَادٌ دِينِ الْآخِذِ . وَمِنْ هَذَا قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ لْأَحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ : خُذِ الْعَطَاءَ مَا كَانَ مَحَلَّهُ ، فَإِذَا كَانَ أَثْمَانَ دِينِكُمْ فَدَعُوهُ ( فَإِذَا تَجَاحَفَتْ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْحَاءِ وَالْفَاءِ الْمُخَفَّفَاتِ أَيْ تَنَازَعَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمُلْكِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ تَجَاحَفَتِ الْقَوْمُ فِي الْقِتَالِ إِذَا تَنَاوَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بالسُّيُوفِ ، يُرِيدُ : إِذَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا تَخَاصَمُوا عَلَى الْمُلْكِ وَتَقَاتَلُوا عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَا أَحَقُّ بِالْمُلْكِ أَوْ بِالْخِلَافَةِ مِنْكَ وَتَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ قَالَهُ الْعَلْقَمِيُّ ( وَكَانَ ) : الْعَطَاءُ ( عَنْ دِينِ أَحَدِكُمْ ) : أَيِ الْعَطَاءُ الَّذِي يُعْطِيهِ الْمَلِكُ عِوَضًا عَنْ دِينِكُمْ بِأَنْ يُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ وَيَحْمِلَهُ عَلَى فِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ قِتَالِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قِتَالُهُ ، وَفِعْلُ مَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي دِينِهِ ( فَدَعُوهُ ) : أَيِ اتْرُكُوا أَخْذَهُ لِحَمْلِهِ عَلَى اقْتِحَامِ الْحَرَامِ فَأَفَادَ أَنَّ عَطَاءَ السُّلْطَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَحِلُّ أَخْذُهُ ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَا يَزَالُ الْعَطَاءُ بِأَهْلِ الْعَطَاءِ حَتَّى يُدْخِلَهُمُ النَّارَ أَيْ يَحْمِلَهُمْ إِعْطَاءُ الْمَلِكِ وَإِحْسَانُهُ إِلَيْهِمْ عَلَى ارْتِكَابِ الْحَرَامِ لَا أَنَّ الْعَطَاءَ فِي نَفْسِهِ حَرَامٌ . قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْعَطَاءِ مِنْ مَالِ السُّلْطَانِ : فَقَالَ كُلُّ مَا لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ حَرَامٌ : فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ حَلَالٌ . وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ جَوَّزَ الْأَخْذَ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ حَرَامٌ وَحَلَالٌ إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ عَمَلَ الْمَأْخُوذِ حَرَامٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا الظَّلَمَةَ وَأَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَأَخَذَ كَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَلْفَ دِينَارٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً . قَالَ : وَأَخَذَ مَالِكٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ أَمْوَالًا جَمَّةً ، وَإِنَّمَا ترك من تَرْكَ الْعَطَاءُ مِنْهُمْ تَوَرُّعًا خَوْفًا عَلَى دِينِهِ . قَالَ : وَأَغْلَبُ أَمْوَالِ السَّلَاطِينِ حَرَامٌ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ ، وَالْحَلَالُ فِي أَيْدِيهِمْ مَعْدُومٌ ، أَوْ عَزِيزٌ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ : وَهَذَا فِي زَمَانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فَكَيْفَ بِمَالِهِمُ الْيَوْمَ ، وَكَانَ السَّلَاطِينُ فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِزَمَانِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ يَسْتَمِيلُونَ قُلُوبَ الْعُلَمَاءِ ؛ حَرِيصِينَ عَلَى قَبُولِهِمْ عَطَايَاهُمْ ، وَيَبْعَثُونَ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِقْبَالٍ ، بَلْ كَانُوا يَتَقَلَّدُونَ الْمِنَّةَ لَهُمْ وَيَفْرَحُونَ بِهِ ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ وَيُفَرِّقُونَهُ وَلَا يُطِيعُونَهُمْ فِي أَغْرَاضِهِمْ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالسُّوَيْدَاءُ هَذِهِ عَنْ لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ نَحْوَ الشَّامِ ، وَالسُّوَيْدَاءُ أَيْضًا : بَلْدَةٌ مَشْهُورَةٌ قُرْبَ حَرَّانَ ، وَقَدْ دَخَلْتُهَا وَسَمِعْتُ بِهَا ، وَالسُّوَيْدَاءُ أَيْضًا مِنْ قُرَى حَوْرَانَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، قال : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، نا أَبُو عَقِيلٍ زَهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ ، قال : وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ صَغِيرٌ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ( نَا أَبُو عَقِيلٍ ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الْقَافِ ( زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ ) : بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بَدَلٌ مِنْ أَبُو عَقِيلٍ ( عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ ) : بَدَلٌ مِنْ جَدِّهِ ( وَكَانَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ ( زَيْنَبُ ) : بَدَلٌ مِنْ أُمِّهِ ( بِنْتُ حُمَيْدٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( بَايِعْهُ ) بِكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ ( هُوَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ ( صَغِيرٌ ) : أَيْ لَا تَلْزَمُهُ الْبَيْعَةُ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَدَعَا لَهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنَّا نُبَايِعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، وَيُلَقِّنَُا فِيمَا اسْتَطَعْتَم بَاب مَا جَاءَ فِي الْبَيْعَةِ ( عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ) : أَيْ عَلَى أَنْ نَسْمَعَ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ وَنُطِيعَهُ فِي ذَلِكَ ( وَيُلَقِّنَّا ) : بِالْإِدْغَامِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : يُلَقِّنُنَا بِالْفَكِّ . ( فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِيمَا اسْتَطَعْتَ بِالْإِفْرَادِ ، وَكَذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ فِيمَا اسْتَطَعْتَ أَيْ قُلْ فِيمَا اسْتَطَعْتَ ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ شَفَقَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأْفَتِهِ بِأُمَّتِهِ ، يُلَقِّنُهُمْ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فِيمَا اسْتَطَعْتَ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي عُمُومِ بَيْعَتِهِ مَا لَا يُطِيقُ ، انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْإِكْرَاهِ سَاقِطٌ عَنْهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ بَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ قَالَتْ : مَا مَسَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده امْرَأَةٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا ، فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ قَالَ : اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ ( إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا ) : الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُنقَطِّعٌ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : مَا مَسَّ امْرَأَةً قَطُّ لَكِنْ يَأْخُذُ عَلَيْهَا الْبَيْعَةَ بِالْكَلَامِ ، فَإِذَا أَخَذَهَا بِالْكَلَامِ ، قَالَ : اذْهَبِي فَقَدْ بَايَعْتُكِ ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلَا بُدَّ مِنْهُ ( فَإِذَا أَخَذَ عَلَيْهَا ) : الْعَهْدَ ( فَأَعْطَتْهُ ) أَيْ أَعْطَتِ الْمَرْأَةُ الْمِيثَاقَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النِّسَاءَ بِالْكَلَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا قَالَتْ : وَمَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةً إِلَّا امْرَأَةً يَمْلِكُهَا . انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَةَ النِّسَاءِ بِالْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ أَخْذِ كَفٍّ وَفِيهِ أَنَّ بَيْعَةَ الرِّجَالِ بِأَخْذِ الْكَفِّ مَعَ الْكَلَامِ ، وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْأَجْنَبِيَّةِ يُبَاحُ سَمَاعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَأَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ، وَأَنَّهُ لَا يَلْمِسُ بَشَرَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَتَطْبِبٍ وَفَصْدٍ وَحِجَامَةُ وَقَلْعِ ضِرْسٍ وَكَحْلِ عَيْنٍ وَنَحْوِهَما مِمَّا لَا تُوجَدُ امْرَأَةٌ تَفْعَلُهُ جَازَ لِلرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فِعْلُهُ لِلضَّرُورَةِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ نَبْشِ الْقُبُورِ الْعَادِيَّةِ يَكُونُ فِيهَا الْمَالُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، نا أَبِي قال : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسحاق يُحَدِّثُ عَنْ إسماعيل بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ بُجَيْرِ بْنِ أَبِي بُجَيْرٍ قَالَت : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ ، فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ ، وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ ، إِنْ أَنْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ بَاب نَبْشِ الْقُبُورِ الْعَادِيَّةِ الخ مَعْنَى الْعَادِيَّةِ الْقَدِيمَةُ ، وَمِنْ عَادَتِهُمْ أَنَّهُمْ يَنْسِبُونَ الشَّيْءَ الْقَدِيمَ إِلَى عَادٍ قَوْمِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالنَّبْشُ إِبْرَازُ الْمَسْتُورِ وَكَشْفُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ، وَمِنْهُ النَّبَّاشُ . ( عَنْ بُجَيْرٍ ) : بِجِيمٍ مُصَغَّرًا ( ابْنِ أَبِي بُجَيْرٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ . قَالَ الْحَافِظُ : مَجْهُولٌ ( هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَبُو رِغَالٍ كَكِتَابِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ ، فَقَالَ : هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ ، وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ ، وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الْحَدِيثَ . وَقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ : كَانَ دَلِيلًا لِلْحَبَشَةِ حِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ غَيْرُ جَيِّدٍ ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ سِيدَهْ : كَانَ عَبْدًا لِشُعَيْبٍ وَكَانَ عَشَّارًا جَائِرًا ، انْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ الْقَامُوسِ ( يَدْفَعُ عَنْهُ ) : أَيِ الْعُقُوبَةَ ( فَلَمَّا خَرَجَ ) : أَيْ عَنِ الْحَرَمِ ( أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ ) : بِكَسْرِ النُّونِ أَيِ الْعُقُوبَةُ ( وَآيَةُ ذَلِكَ ) : أَيْ عَلَامَتُهُ ( أَنَّهُ ) : أَيِ الشَّأْنُ ( دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ ) : لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ قِطْعَةٌ مِنْ ذَهَبٍ كَالْغُصْنِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ، وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ غُصْنٌ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَاحِدُ الْأَغْصَانِ وَهِيَ أَطْرَافُ الشَّجَرِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا قَضِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ وَكَانَ نَحْوَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ رِطْلًا فِيمَا قِيلَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا سَبِيلُهُ سَبِيلُ الرِّكَازِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهُ ، وَكَانَ أَبُو رِغَالٍ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمٍ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ نَسْلٌ وَلَا عَقِبٌ فَصَارَ حُكْمُ ذَلِكَ الْمَالِ حُكْمُ الرِّكَازِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نَبْشِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا كَانَ فِيهِمْ إِرْبٌ أَوْ نَفْعٌ لِمُسْلِمٍ وَأَنْ لَيْسَتْ حُرْمَتُهُمْ كَحُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ . وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ شَرْحِ الْقَامُوسِ قَالَ ابْنُ الْمُكَرَّمِ : وَرَأَيْتُ فِي هَامِشِ الصِّحَاحِ أَبُو رِغَالٍ اسْمُهُ زَيْدُ بْنُ مُخَلِّفٍ عَبْدٌ كَانَ لِصَالِحٍ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا وَأَنَّهُ أَتَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُمْ لَبَنٌ إِلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَلَهُمْ صَبِيٌّ قَدْ مَاتَتْ أُمُّهُ فَهُمْ يُعَاجُونَهُ بِلَبَنِ تِلْكَ الشَّاةِ يَعْنِي يُغَذُّونَهُ ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَهَا ، فَقَالُوا : دَعْهَا نُحَايِي بِهَا هَذَا الصَّبِيَّ فَأَبَى ، فَيُقَالُ : إِنَّهُ نَزَلَتْ قَارِعَةٌ مِنَ السَّمَاءِ ، وَيُقَالُ : بَلْ قَتَلَهُ رَبُّ الشَّاةِ ، فَلَمَّا فَقَدَهُ صَالِحٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي الْمَوْسِمِ يَنْشُدُ النَّاسَ فَأُخْبِرَ بِصَنِيعِهِ فَلَعَنَهُ فَقَبْرُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ يَرْجُمُهُ النَّاسُ . انْتَهَى . وَفِي إِنْسَانِ الْعُيُونِ فِي سِيرَةِ الْأَمِينِ الْمَأْمُونِ : وَمَرَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرٍ ، فَقَالَ : هذا قبر أَبِي رِغَالٍ ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ أَيْ وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ قَوْمُ صَالِحٍ وَقَدْ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ ثُمَّ دُفِنَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِالْحَرَمِ وَلَمْ تُصِبْهُ تِلْكَ النِّقْمَةُ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ . وَفِي الْعَرَائِسِ عَنْ مُجَاهِدٍ قِيلَ لَهُ : هَلْ بَقِيَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ أَحَدٌ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا رَجُلٌ بَقِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ بِالْحَرَمِ فَجَاءَهُ حَجَرٌ لِيُصِيبَهُ فِي الْحَرَمِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةُ الْحَرَمِ ، فَقَالُوا لِلْحَجَرِ : ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَرَجَعَ فَوَقَفَ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى قَضَى الرَّجُلُ حَاجَتَهُ وَخَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى هَذَا الْمَحَلِّ أَصَابَهُ الْحَجَرُ فَقَتَلَهُ فَدُفِنَ فِيهِ . انْتَهَى . وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ : أَبُو رِغَالٍ كُنْيَةٌ ، وَقِيلَ : كَانَ رَجُلًا عَشَّارًا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ جَائِرًا ، فَقَبْرُهُ يُرْجَمُ إِلَى الْيَوْمِ وَقَبْرُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ ، وَكَانَ عَبْدًا لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ . قَالَ جَرِيرٌ : إِذَا مَاتَ الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ كَمَا تَرْمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالِ . انْتَهَى . وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ : يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الظُّلْمِ وَالشُّؤْمِ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْجُمُ الْحَاجُّ قَبْرُهُ إِلَى الْآنِ . انْتَهَى . وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ أَوْ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَكَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . هَذَا آخِرُ كِتَابِ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ .
بَابٌ : فِي تَدْوِينِ الْعَطَاءِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي : ابْنَ سَعْدٍ ، أخبرنا ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ جَيْشًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا بِأَرْضِ فَارِسَ مَعَ أَمِيرِهِمْ ، وَكَانَ عُمَرُ يُعْقِبُ الْجُيُوشَ فِي كُلِّ عَامٍ ، فَشُغِلَ عَنْهُمْ عُمَرُ ، فَلَمَّا مَرَّ الْأَجَلُ قَفَلَ أَهْلُ ذَلِكَ الثَّغْرِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ، وَتَوَاعَدَهُمْ ، وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا عُمَرُ إِنَّكَ غَفَلْتَ عَنَّا ، وَتَرَكْتَ فِينَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِعْقَابِ بَعْضِ الْغَزِيَّةِ بَعْضًا بَاب فِي تَدْوِينِ الْعَطَاءِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الدِّيوَانُ وَيُفْتَحُ مُجْتَمَعُ الصُّحُفِ وَالْكِتَابُ يُكْتَبُ فِيهِ أَهْلُ الْجَيْشِ وَأَهْلُ الْعَطِيَّةِ ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، جَمْعُهُ دَوَاوِينُ وَدَيَاوِينُ وَقَدْ دَوَّنَهُ . ( وَكَانَ عُمَرُ يُعْقِبُ الْجُيُوشَ فِي كُلِّ عَامٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْإِعْقَابُ أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ فِي أَثَرِ الْمُقِيمِينَ فِي الثَّغْرِ جَيْشًا يُقِيمُونَ مَكَانَهُمْ وَيَنْصَرِفُ أُولَئِكَ ، فَإِنَّهُ إِذَا طَالَتْ عَلَيْهِمُ الْغَيْبَةُ وَالْغُرْبَةُ تَضَرَّرُوا بِهِ وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِأَهْلِيهِمْ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ لَا تُجَمِّرُوا الْجُيُوشَ فَتَفْتِنُوهُمْ يُرِيدُ لَا تُطِيلُوا حَبْسَهُمْ فِي الثُّغُورِ ، انْتَهَى . ( فَشُغِلَ عَنْهُمْ ) : أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ الْمُقِيمِينَ ( عُمَرُ ) : فَلَمْ يَبْعَثْ جَيْشًا آخَرَ مَكَانِهِمْ وَلَمْ يَطْلُبْهُمْ . قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : لَعَلَّ شَغْلُهُ كَانَ بِجِهَةِ تَدْوِينِ الْعَطَايَا وَنَحْوِهِ ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبَابِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قُلْتُ : بَلْ قَوْلُهُ يُعْقِبُ الْجُيُوشَ فِي كُلِّ عَامٍ هُوَ مَوْضِعُ تَرْجَمَةِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّ بَعْثَ الْجُيُوشِ الْمُتَأَخِّرَةِ وَطَلَبِ الْجُيُوشِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَنَّ أَسْمَاءَهُمْ كَانَ مَحْفُوظَا فِي الدَّفَاتِرِ لِأَجْلِ تَرْتِيبِهِمْ لِلْغَزْوِ ، ورَدِّ بَعْضِ الْجُيُوشِ مَكَانَ بَعْضٍ وَتَبْدِيلِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، وَلِأَجْلِ الْعَطَاءِ وَالْفَرْضِ ( فَلَمَّا مَرَّ ) : أَيْ مَضَى ( الْأَجَلُ ) : الْمُعَيَّنُ لَهُمْ ( قَفَلَ ) : أَيْ رَجَعَ ( أَهْلُ ذَلِكَ الثَّغْرِ ) : يَعْنِي ذَلِكَ الْجَيْشَ . وَالثَّغْرَ بِفَتْحِ مُثَلَّثَةٍ وَسُكُونِ مُعْجَمَةٍ : هُوَ مَوْضِعٌ يَكُونُ حَدًّا فَاصِلَا بَيْنَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْمَخَافَةِ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ ( فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ ) : الْخَوْفُ لِكَوْنِهِمْ جَاؤوا بِغَيْرِ الْإِذْنِ ( وَتَوَاعَدَهُمْ ) : كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ، يُقَالُ : تَوَاعَدُوا تَوَاعُدًا ، وَاتَّعَدُوا اتِّعَادًا ، أَيْ : وَعَدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . وَالْمَعْنَى : أَيْ وَعَدَهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالنَّكَالِ وَالْعُقُوبَةِ . وَفِي بَعْضِهَا : وَاعَدَهُمْ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ ، يُقَالُ : وَاعَدَ رَجُلٌ رَجُلًا ، أَيْ وَعَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، وَفِي بَعْضِهَا : أَوْعَدَهُمْ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ؛ لِأَنَّ الْإِيعَادَ بِمَعْنَى التَّهْدِيدِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا كَمَا لَا يَخْفَى ، يُقَالُ : أَوْعَدَهُ إِيعَادًا تَهَدَّدَهُ ، أَوْعَدَنِي بِالسِّجْنِ أَيْ تَهَدَّدَنِي بِالسِّجْنِ ( الَّذِي أَمَرَ بِهِ ) : أَيِ الْأَمْرُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ ( مِنْ إِعْقَابِ بَعْضِ الْغَزِيَّةِ بَعْضًا ) : بَيَانٌ لِلَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي : إِرْسَالُ بَعْضٍ فِي عَقِبِ بَعْضٍ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق ، عَنْ مَكْحُولٍ ، عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ تعالى وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ ( عَنْ غُضَيْفٍ ) : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ، وَيُقَالُ : بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، يُكَنَّى أَبَا أَسْمَاءَ حِمْصِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ ( يَقُولُ ) : أَيْ عُمَرُ ( بِهِ ) : أَيْ بِالْحَقِّ ، أَوِ التَّقْدِيرُ يَقُولُ الْحَقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْوَضْعِ ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ أَوْ حَالُ عِيَانٍ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقِ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ ، نا الْوَلِيدُ ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنِي فِيمَا حَدَّثَهُ ابْنٌ لِعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ أنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ فَهُوَ مَا حَكَمَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - فَرَآهُ الْمُؤْمِنُونَ عَدْلًا مُوَافِقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ، وَقَلْبِهِ فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ذِمَّةً بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ لَمْ يَضْرِبْ فِيهَا بِخُمُسٍ ، وَلَا مَغْنَمٍ ( حَدَّثَنِي فِيمَا حَدَّثَهُ ) يَقُولُ عِيسَى : إِنَّ ابْنًا لِعَدِيٍّ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي جُمْلَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي حَدَّثَ بِهَا ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) : أَيِ ابْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الْأُمَوِيَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ لِلْوَلِيدِ ، وَكَانَ مَعَ سُلَيْمَانَ كَالْوَزِيرِ ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ، فَعُدَّ مَعَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنَ الرَّابِعَةِ ، مَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( كَتَبَ ) : فِي الْآفَاقِ إِلَى عُمَّالِهِ ( إِنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ مَوَاضِعِ الْفَيْءِ ) : أَيْ عَمَّنْ يُعْطَى الْفَيْءَ وَعَلَى مَنْ يُنْفِقُ وَيَصْرِفُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ ( فَهُوَ ) : أَيْ مَوْضِعُ الْفَيْءِ وَمَحَلُّهُ ( فَرَآهُ ) : أَيْ ذَلِكَ الْحُكْمَ ( عَدْلًا ) : أَيْ حَقًّا ( جَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ ) : أَيْ أَظْهَرَهُ وَوَضَعَهُ ( عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : ضَمَّنَ جَعَلَ مَعْنَى أَجْرَى ، فَعَدَّاهُ بِعَلَى وَفِيهِ مَعْنَى ظُهُورِ الْحَقِّ وَاسْتِعْلَائِهِ عَلَى لِسَانِهِ . وَفِي وَضْعِ الْجَعْلِ مَوْضِعِ أَجْرَى إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ خُلُقِيًّا ثَابِتًا مُسْتَقِرًّا ( فَرَضَ الْأَعْطِيَةَ ) : جَمْعُ عَطَاءٍ ( لِلْمُسْلِمِينَ ) : هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ ؛ لِأَنَّ إِعْطَاءَ الْفَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِ تَدْوِينِ الْكِتَابِ ( وَعَقَدَ لِأَهْلِ الْأَدْيَانِ ) : كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ( ذِمَّةً ) : أَيْ عَهْدًا وَأَمَانًا ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَنْقُضَ عَلَيْهِ عَهْدَهُ ( بِمَا فُرِضَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَقَدَ ( مِنَ الْجِزْيَةِ ) : وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ الَّذِي يُعْقَدُ لِلْكِتَابِيِّ عَلَيْهِ الذِّمَّةُ وَهِيَ فِعْلَةٌ مِنَ الْجَزَاءِ ، كَأَنَّهَا جَزَتْ عَنْ قَتْلِهِ ( لَمْ يَضْرِبْ ) : عُمَرُ ( فِيهَا ) : فِي الْجِزْيَةِ ( بِخُمُسٍ وَلَا مَغْنَمٍ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْجِزْيَةِ ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي الْفِقْهِ . وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْبِنَايَةِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ كُتُبِ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ قِتَالٍ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا يُصْرَفُ الْخَرَاجُ وَالْجِزْيَةُ كَعِمَارَةِ الرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْجُسُورِ وَسَدِّ الثُّغُورِ وَكَرْيِ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ ، الَّتِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا كَجَيْحُونَ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ ، وَإِلَى أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِينَ وَالْمُعَلِّمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَحِفْظِ الطَّرِيقِ مِنَ اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ . قَالُوا : وَمَا أَوْجَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ هُوَ مِثْلُ الْأَرَاضِي الَّتِي أَجْلَوْا أَهْلَهَا عَنْهَا وَمِثْلُ الْجِزْيَةِ وَلَا خُمُسَ فِي ذَلِكَ . وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ كُلَّ مَالٍ أُخِذَ مِنَ الْكُفَّارِ بِلَا قِتَالٍ عَنْ خَوْفٍ أَوْ أُخِذَ مِنْهُمْ لِلْكَفِّ عَنْهُمْ يُخَمَّسُ ، وَمَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ التِّجَارَةِ وَمَالِ مَنْ مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَفِي الْقَدِيمِ لَا يُخَمَّسُ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَفِي الْجَدِيدِ يُخَمَّسُ ، وَلِأَحْمَدَ فِي الْفَيْءِ رِوَايَتَانِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا لَا يُخَمَّسُ ، ثُمَّ هَذَا الْخُمُسُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُصْرَفُ إِلَى مَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ عِنْدَهُ . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِعَمَلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ وَفَرَضَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا ، وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ خَمَّسَهُ بَلْ كَانَ بَيْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ لَنَقَلَهُ وَلَوْ بِطَرِيقٍ ضَعِيفٍ عَلَى مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، وَمُخَالَفَةُ مَا قَضَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَاطِلَةٌ ، فَوُقُوعُهُ بَاطِلٌ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ خِلَافُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ ، ثُمَّ أَوْرَدَ رِوَايَةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هَذِهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ رِوَايَةُ مَجْهُولٍ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَالْمَرْفُوعُ مِنْهُ مُرْسَلٌ . الِافْتِرَاضُ بِالْفَاءِ : الْفَرْضُ وَهُوَ مَا يُقْطَعُ مِنَ الْعَطَاءِ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِي الذِّمِّيِّ يُسْلِمُ فِي بَعْضِ السَّنَةِ هَلْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ عَلَى مُسْلِمِ جِزْيَةٌ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ : سُئِلَ سُفْيَانُ يعني : عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا فَقَالَ : إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ . بَاب فِي الذِّمِّيِّ إلخ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الَّذِي مَكَانَ الذِّمِّيِّ . وَقَوْلُهُ : فِي بَعْضِ السَّنَةِ أَيْ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ . ( عَنْ قَابُوسَ ) : هُوَ ابْنُ أَبِي ظَبْيَانَ ( لَيْسَ عَلَى مُسْلِم جِزْيَةٌ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ مَعْنَى الْجِزْيَةِ الْخَرَاجُ ، فَلَوْ أَنَّ يَهُودِيًّا أَسْلَمَ فَكَانَ فِي يَدِهِ أَرْضٌ صُولِحَ عَلَيْهَا وُضِعَتْ عَنْ رَقَبَتِهِ الْجِزْيَةُ وَعَنْ أَرْضِهِ الْخَرَاجُ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ . قَالَ سُفْيَانُ : وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ مِمَّا أُخِذَتْ عَنْوَةً ثُمَّ أَسْلَمَ صَاحِبُهَا وُضِعَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَأُقِرَّ عَلَى أَرْضِهِ الْخَرَاجُ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنَّ الذِّمِّيَّ إِذَا أَسْلَمَ وَقَدِمَ بَعْضَ الْحَوْلِ لَمْ يُطَالَبْ بِحِصَّةِ مَا مَضَى مِنَ السَّنَةِ كَمَا لَا يُطَالَبُ الْمُسْلِمُ بِالصَّدَقَةِ إِذَا بَاعَ الْمَاشِيَةَ قَبْلَ مُضِيِّ الْحَوْلِ لِأَنَّهَا حَقٌّ تَجِبُ بِاسْتِكْمَالِ الْحَوْلِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ سُفْيَانَ يَعْنِي الثَّوْرِيَّ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا فَقَالَ : إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ ، ظَبْيَانُ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ : بِكَسْرِهَا وَبَعْدَ الظَّاءِ بَاءٌ بواحدة وَيَاءٌ آخِرَ الْحُرُوفِ مَفْتُوحَةً وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ . وَقَابُوسُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
بَابٌ : فِي الْخَلِيفَةِ يَسْتَخْلِفُ باب في الخليفة يستخلف : وَالِاسْتِخْلَافُ هُوَ تَعْيِينُ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ مَوْتِهِ خَلِيفَةً بَعْدَهُ أَوْ يُعَيِّنُ جَمَاعَةً لِيَتَخَيَّرُوا مِنْهُمْ وَاحِدًا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ وَسَلَمَةُ ، قَالَا : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أََنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : إِنِّي إِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ اسْتَخْلَفَ قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ( قَالَ عُمَرُ ) : أَيْ قِيلَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا أُصِيبَ أَلَا تَسْتَخْلِفُ خَلِيفَةً بَعْدَكَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ عُمَرُ فِي جَوَابِهِ ( إِنْ لَا أَسْتَخْلِفُ ) : أَيْ أَنْ أَتْرُكَ الِاسْتِخْلَافَ ( فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ) : أَيْ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا بِعَيْنِهِ خَلِيفَةً نَصًّا ( وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ ) : أَنَا أَحَدًا بِالتَّعْيِينِ ( فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ ) : أَيْ جَعَلَ عُمَرَ خَلِيفَةً وَقْتَ وَفَاتِهِ ، فَأَخَذَ عُمَرُ وَسَطًا مِنَ الْأَمْرَيْنِ فَلَمْ يَتْرُكِ التَّعْيِينَ بِمَرَّةٍ وَلَا فَعَلَهُ مَنْصُوصًا فِيهِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُسْتَخْلَفِ ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ شُورَى بَيْنَ مَنْ قُطِعَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَأَبْقَى النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي تَعْيِينِ مَنِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ جُعِلَتِ الشُّورَى فِيهِمْ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ : قَالَ النَّوَوِيُّ : حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا حَضَرَهُ مُقَدِّمَاتُ الْمَوْتِ وَقَبْلَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ ، فَإِنْ تَرَكَهُ فَقَدِ اقْتَدَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ، وَإِلَّا فَقَدِ اقْتَدَى بِأَبِي بَكْرٍ . وَأَجْمَعُوا عَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ بِالِاسْتِخْلَافِ وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفِ الْخَلِيفَةُ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِالسِّتَّةِ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَصْبُ خَلِيفَةٍ وَوُجُوبِهِ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ ، انْتَهَى . ( قَالَ ) : أَيِ ابْنُ عُمَرَ مَا هُوَ أَيْ عُمَرُ ( إِلَّا أَنْ ذَكَرَ ) : أَيْ عُمَرُ ( رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ) : أَيْ قِصَّةُ عَدَمِ الِاسْتِخْلَافِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِصَّةِ الِاسْتِخْلَافِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه ( لَا يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَدَلَ فُلَانًا بِفُلَانٍ سَوَّى بَيْنَهُمَا ، انْتَهَى . ( وَأَنَّهُ ) : أَيْ عُمَرُ ( غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ) : أَحَدًا كَمَا لَمْ يَسْتَخْلِفْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .
بَابٌ : فِي السِّعَايَةِ عَلَى الصَّدَقَةِ باب في السعاية على الصدقة : بِكَسْرِ السِّينِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : سَعَى سِعَايَةً بَاشَرَ عَمَلَ الصَّدَقَاتِ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَسْبَاطِيُّ ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ ، كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ ( بِالْحَقِّ ) : مُتَعَلِّقٌ بِالْعَامِلِ أَيْ عَمَلًا بِالصِّدْقِ وَالثَّوَابِ وَبِالْإِخْلَاصِ وَالِاحْتِسَابِ ( كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) : أَيْ فِي حُصُولِ الْأَجْرِ ( حَتَّى يَرْجِعَ ) : أَيِ الْعَامِلُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ ، عَنْ ابْنِ مَغْرَاءَ ، عَنْ ابْنِ إسحاق قَالَ : الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ يَعْنِي : صَاحِبَ الْمَكْسِ ( عَنِ ابْنِ مَغْرَاءَ ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهَا رَاءٌ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي حَمَّادٍ الْقَطَّانُ الطُّرْسُوسِيُّ ( الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ إِلَخْ ) : أَيْ الْمُرَادُ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ وَيُقَالُ عَشَرْتُ الْمَالَ عَشْرًا مِنْ بَابِ قَتَلَ وَعُشُورًا أَخَذْتُ عُشْرَهُ ، وَعَشَرْتُ الْقَوْمَ عَشْرًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ صِرْتُ عَاشِرَهُمْ ذَكَرَهُ الْقَارِيُّ عَنِ الْمَصَابِيحِ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ لِأَنَسٍ تَسْتَعْمِلُنِي عَلَى الْمَكْسِ أَيْ عَلَى عُشُورِ النَّاسِ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ ) : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ( صَاحِبُ مَكْسٍ ) : فِي الْقَامُوسِ : الْمَكْسُ النَّقْصُ وَالظُّلْمُ وَدَرَاهِمُ كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْ بَائِعِي السِّلَعِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، أَوْ دِرْهَمٌ كَانَ يَأْخُذُهُ الْمُصَّدِّقُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : هُوَ الضَّرِيبَةُ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمَاكِسُ وَهُوَ الْعَشَّارُ . انْتَهَى . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : أَرَادَ بِصَاحِبِ الْمَكْسِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنَ التُّجَّارِ إِذَا مَرُّوا مَكْسًا بِاسْمِ الْعُشْرِ ، فَأَمَّا السَّاعِي الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ وَمَنْ يَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْعُشْرَ الَّذِي صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ مُحْتَسِبٌ مَا لَمْ يَتَعَدَّ فَيَأْثَمُ بِالتَّعَدِّي وَالظُّلْمِ . انْتَهَى . وَكَذَلِكَ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حدثنا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْحِمْصِيُّ ، نا أَبِي ، نا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قال : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : وَفَاطِمَةُ حِينَئِذٍ تَطْلُبُ صَدَقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ ، وَفَدَكَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَالِ يَعْنِي مَالَ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى الْمَأْكَلِ . ( وَفَدَكَ ) : بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ ( لَيْسَ لَهُمْ ) : أَيْ لِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَلَى الْمَآكِلِ ) : بِالمد وفتح الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِ جَمْعُ مَأْكَلٍ ، مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ ، يُقَالُ : أَكَلَ الطَّعَامَ أَكْلًا وَمَأْكَلًا ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ الْهَمْدَانِيُّ ، نا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ ، وَفَدَكَ ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ مِنْهَا شَيْئًا ( أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) : أَيْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِالْمَدِينَةِ ) : أَيْ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ كَالنَّخْلِ ، وَكَانَتْ قَرِيبَةً مِنَ الْمَدِينَةِ ( لَا نُورَثُ ) : وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْرِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ أَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَتَمَنَّى مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ ، وَلِئَلَّا يُظَنَّ بِهِمُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا لِوَارِثِهِمْ فَيَهْلِكَ الظَّانُّ وَيَنْفِرُ النَّاسُ عَنْهُمُ انْتَهَى ( مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) : أَيِ الَّذِي تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ ( مِنْ هَذَا الْمَالِ ) : أَشَارَ بِهِ إِلَى الْمَالِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ : فِي هَذَا الْمَالِ يَعْنِي مَالَ اللَّهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، نا حَاتِمُ بْنُ إسماعيل . ( ح ) وََنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، قال : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ . ( ح ) وَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، قال : أنا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ كُلُّهُمْ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثُ صَفَايَا بَنُو النَّضِيرِ ، وَخَيْبَرُ ، وَفَدَكُ ، فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبُسًا لِنَوَائِبِهِ ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حُبُسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَجُزْءًا نَفَقَةً أَهْلِهِ فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ ، جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ( كُلُّهُمْ ) : أَيْ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَصَفْوَانُ بْنُ عِيسَى كُلُّهُمْ يَرْوِي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ( كَانَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ ) : أَيِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُقْسَمُ ، وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ ( ثَلَاثُ صَفَايَا ) : بِالْإِضَافَةِ ، وَهِيَ جَمْعُ صَفِيَّةٍ ، وَهِيَ مَا يَصْطَفِي وَيَخْتَارُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الصَّفِيُّ مَا يَصْطَفِيهِ الْإِمَامُ عَنْ أَرْضِ الْغَنِيمَةِ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ مِنْ عَبْدٍ أَوْ جَارِيَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ غَيْرِهَا . وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ مَعَ الْخُمُسِ لَهُ خَاصَّةً ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ ، أَيْ مِنْ صَفِيِّ الْمَغْنَمِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( بَنُو النَّضِيرِ ) : أَيْ أَرَاضِيهُمْ ( وَخَيْبَرُ وَفَدَكُ ) : بِفَتْحَتَيْنِ بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثُ مَرَاحِلٍ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَفِي الْقَامُوسِ : فَدَكُ مُحَرَّكَةٌ قَرْيَةٌ بِخَيْبَرَ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الثَّلَاثَةَ ( فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ ) : أَيِ الْأَمْوَالُ الْحَاصِلَةُ مِنْ عَقَارِهِمْ ( فَكَانَتْ حُبْسًا ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مَحْبُوسَةً ( لِنَوَائِبِهِ ) : أَيْ لِحَوَائِجِهِ وَحَوَادِثِهِ مِنَ الضِّيفَانِ وَالرُّسُلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : هِيَ جَمْعُ نَائِبَةٍ ، وَهِيَ مَا يَنُوبُ الْإِنْسَانَ ، أَيْ يَنْزِلُ بِهِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ وَالْحَوَائِجِ ( لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ ، أَوْ مُعَدَّةً لِوَقْتِ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا وَقْفًا شَرْعِيًّا ( فَجَزَّأَهَا ) : بِتَشْدِيدِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزٌ ، أَيْ قَسَّمَهَا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً ، فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ ( طُعْمَةً ) : بِضَمِّ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ أَيْ مَأْكَلَةً ، وَالْمُرَادُ الْفَيْءُ وَنَحْوُهُ . قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ ( فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ ) : أَيْ بِالْخِلَافَةِ ، أَيْ يَعْمَلُ فِيهَا مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ ، لَا أَنَّهَا تَكُونُ لَهُ مِلْكًا . قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَفِيهِ مَقَالٌ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الْمَعْنَى أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِصًا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ : يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ ، فَمَا بَقِيَ جَعَلَ فِي الْكُرَاعِ وَعُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ : فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ . ( مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) : مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ( مِمَّا لَمْ يُوجِفْ ) خَبَرُ كَانَتْ ( كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِصًا ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا يُؤَيِّدُ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا خُمُسَ فِي الْفَيْءِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَخُمُسُ خُمُسِ الْبَاقِي ، فَكَانَ لَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ لِذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ انْتَهَى . ( عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ ) : أَيْ نِسَائِهِ وَبَنَاتِهِ ( قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ ) : هُوَ أَحْمَدُ ( فِي الْكُرَاعِ ) : بِضَمِّ الْكَافِ أَيِ الْخَيْلِ ( وَعُدَّةٍ ) : بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : الْعُدَّةُ بِالضَّمِّ الِاسْتِعْدَادُ وَالتَّأَهُّبُ ، وَالْعُدَّةُ مَا أَعْدَدْتَهُ مِنْ مَالٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْجَمْعُ عُدَدٌ مِثْلُ غُرْفَةٌ وَغُرَفٌ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : الْفَيْءُ وَالْخُمُسُ سَوَاءٌ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُعْطِي الْإِمَامُ أَقَارِبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ ، وَفَرَّقَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ ، فَقَالُوا : الْخُمُسُ مَوْضُوعٌ فِيمَا عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْفَالِ ، لَا يَتَعَدَّى بِهِ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَأَمَّا الْفَيْءُ فَهُوَ الَّذِي يُرْجَعُ فِي تَصَرُّفِهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ فَكَانَتْ هَذِهِ خَاصَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِيُّ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ ، وَأَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَهُ خُمُسُ الْخُمُسِ كَمَا فِي الْغَنِيمَةِ ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ لِمُسْتَحِقِّ نَظِيرِهَا مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ عُمَرَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ يُرِيدُ الْأَخْمَاسَ الْأَرْبَعَةَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، قال : نا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : وَهُمَا يَعْنِي عَلِيًّا وَالْعَبَّاسَ يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُوقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قَسْمٍ . ( أَرَادَ ) : أَيْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( أَنْ لَا يُوقَعَ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اسْمُ قَسْمٍ ) : أَيْ قِسْمَةٌ ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي الْمِلْكِ .
بَابٌ : فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَمْوَالِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ الْمَعْنَى قَالَا : نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ قال : حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ ، فَجِئْتُهُ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِهِ ؛ فَقَالَ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ : يَا مَالِ ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ ، وَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ ، فَاقْسِمْ فِيهِمْ قُلْتُ : لَوْ أَمَرْتَ غَيْرِي بِذَلِكَ فَقَالَ : خُذْهُ ، فَجَاءَهُ يَرْفَأُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا ، ثُمَّ جَاءَهُ يَرْفَأُ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا . قَالَ الْعَبَّاسُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا يَعْنِي عَلِيًّا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا وَأَرِحْهُمَا . قَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ : خُيِّلَ إِلَيَّ أَنَّهُمَا قَدَّمَا أُولَئِكَ النَّفَرَ لِذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ : اتَّئِدَا ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ ، فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ - رضي الله عنه - فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ؟ فَقَالَا نَعَمْ . قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ خَصَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَاصَّةٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنْ النَّاسِ . فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فَكَانَ اللَّهُ تعالى أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ بَنِي النَّضِيرِ ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ ، وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَةٍ ، أَوْ نَفَقَتَهُ ، وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ فَقَالَ : أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ : أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ قَالَا : نَعَمْ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه تَطْلُبُ أَنْتَ مِيرَاثَكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أِنَّهُ َصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ : أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ ، فَوَلِيتُهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلِيَهَا فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ فَسَأَلْتُمَانِيهَا فَقُلْتُ : إِنْ شِئْتُمَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ أَنْ تَلِيَاهَا بِالَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلِيهَا فَأَخَذْتُمَاهَا مِنِّي عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي لِأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَاللَّهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَرُدَّاهَا إِلَيَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِنَّمَا سَأَلَاهُ أَنْ يَكُونَ يُصَيِّرُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَا أَنَّهُمَا جَهِلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ فَإِنَّهُمَا كَانَا لَا يَطْلُبَانِ إِلَّا الصَّوَابَ فَقَالَ عُمَرُ : لَا أُوقِعُ عَلَيْهِ اسْمَ الْقَسْمِ أَدَعُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ، بَاب فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَمْوَالِ جَمْعُ صَفِيَّةٍ ، قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الصَّفِيُّ : مَا يَأْخُذُهُ رَئِيسُ الْجَيْشِ لِنَفْسِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَالصَّفِيَّةُ مِثْلُهُ ، وَجَمْعُهُ : الصَّفَايَا . قَالَ الطِّيبِيُّ : الصَّفِيُّ مَخْصُوصٌ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ . انْتَهَى . وَفِي الْهِدَايَةِ : الصَّفِيُّ شَيْءٌ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَصْطَفِيهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِثْلَ دِرْعٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ جَارِيَةٍ ، وَسَقَطَ بِمَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْتَحِقُّهُ بِرِسَالَتِهِ ، وَلَا رَسُولَ بَعْدَهُ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ . انْتَهَى . ( عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ ( ابْنِ الْحَدَثَانِ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( تَعَالَى النَّهَارُ ) : أَيِ ارْتَفَعَ ( مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِهِ ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَقَدْ تُضَمُّ ، وَهُوَ مَا يُنْسَجُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ ، يَعْنِي : لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِمَالِهِ شَيْءٌ ، وَالْإِفْضَاءُ إِلَى الشَّيْءِ لَا يَكُونُ بِحَائِلٍ . قَالَ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ الرِّمَالِ فِرَاشٌ أَوْ غَيْرُهُ ، أَيْ أَنَّ عُمَرَ قَاعِدٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ فِرَاشٍ ( يَا مَالِ ) : بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، أَيْ يَا مَالِكُ ، عَلَى التَّرْخِيمِ ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ عَلَى أَنَّهُ صَارَ اسْمًا مُسْتَقِلًّا ، فَيُعْرَبُ إِعْرَابَ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ . ( إِنَّهُ ) : أَيِ الشَّأْنُ ( قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ ) : قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ وَرَدَ جَمَاعَةٌ بِأَهْلِيهِمْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ يَسِيرُونَ قَلِيلًا قَلِيلًا ، وَالدَّفِيفُ : السَّيْرُ اللَّيِّنُ ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَصَابَهُمْ جَدْبٌ فِي بِلَادِهِمْ فَانْتَجَعُوا الْمَدِينَةَ ، انْتَهَى . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : أَقْبَلُوا مُسْرِعِينَ ، وَالدَّفُّ : الْمَشْيُ بِسُرْعَةٍ . ( لَوْ أَمَرْتَ غَيْرِي بِذَلِكَ ) : أَيْ لَكَانَ خَيْرًا ، وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَحَرُّجًا مِنْ قَبُولِ الْأَمَانَةِ . ( فَقَالَ خُذْهُ ) : لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَخَذَهُ أَمْ لَا ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِعَزْمِ عُمَرَ عَلَيْهِ . ( يَرْفَأُ ) : بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ ، وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَبِالْفَاءِ غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، هَكَذَا ذَكَرَ الْجُمْهُورُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَمَزَهُ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ عَلَمُ حَاجِبِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ( هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ إِلَخْ ) : أَيْ هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ فِي دُخُولِهِمْ ( فَقَالَ بَعْضُهُمْ ) : أَيْ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ ( وَأَرِحْهُمَا ) : مِنَ الْإِرَاحَةِ ( خُيِّلَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ( أَنَّهُمَا ) : أَيِ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا ( قَدَّمَا ) : مِنَ التَّقْدِيمِ ( أُولَئِكَ النَّفَرَ ) : أَيْ عُثْمَانَ وَأَصْحَابَهُ ( اتَّئِدَا ) : أَمْرٌ مِنَ التُّؤَدَةِ ، أَيِ اصْبِرَا وَأَمْهِلَا وَلَا تَعْجَلَا ( أَنْشُدكُمْ بِاللَّهِ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الشِّينِ ، أَيْ أَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ لَا ( نُورَثُ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا يَرِثُنَا أَحَدٌ ( مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ) : بِالرَّفْعِ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ مَا المَوْصُولَةٌ وَتَرَكْنَا صِلَتُهُ ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ، أَيِ الَّذِي تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ ( فَإِنَّ اللَّهَ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : ذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَعْنَى هَذَا احْتِمَالَيْنِ أَحَدُهُمَا تَحْلِيلُ الْغَنِيمَةِ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ ، وَالثَّانِي تَخْصِيصُهُ بِالْفَيْءِ إِمَّا كُلّهُ أَوْ بَعْضُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ : وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَرُ لِاسْتِشْهَادِ عُمَرَ عَلَى هَذَا بِالْآيَةِ انْتَهَى ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ ) : أَيْ رَدَّ ( فَمَا أَوْجَفْتُمْ ) : أَيْ أَسْرَعْتُمْ أَوْجَفَ دَابَّتَهُ حَثَّهَا عَلَى السَّيْرِ ( مِنْ خَيْلٍ ) من زَائِدَةٌ ( وَلَا رِكَابٍ ) : أَيْ إِبِلٍ ، أَيْ لَمْ تُقَاسُوا فِيهِ مَشَقَّةً ( مَا اسْتَأْثَرَ بِهَا ) : الِاسْتِئْثَارُ الِانْفِرَادُ بِالشَّيْءِ . وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَضَّلَ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ عَلَيْكُمْ فِي نَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ ( أَوْ نَفَقَتَهُ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ سَنَةً ) : أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ( أُسْوَةَ الْمَالِ ) : أَيْ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ مُسَاوِيًا لِلْمَالِ الْآخَرِ الَّذِي يُصْرَفُ لِوَجْهِ اللَّهِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْأُسْوَةِ وَالْمُوَاسَاةِ وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا الْقُدْوَةُ ، وَالْمُوَاسَاةُ الْمُشَارَكَةُ وَالْمُسَاهَمَةُ فِي الْمَعَاشِ وَالرِّزْقِ ، وَأَصْلُهُ الْهَمْزَةُ ، فَقُلِبَتْ وَاوًا تَخْفِيفًا ، وَمِنَ الْقَلْبِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ وَاسَوْنَا عَلَى الصُّلْحِ ، وَعَلَى الْأَصْلِ فِي الصَّدِيقِ آسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ . انْتَهَى . وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ أَيْ أَنَّهُمْ مُسَاويا وَمُشَارِكا فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ لِلْمُفْلِسِ . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ وَهَذَا أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ ، أَيْ يَجْعَلُهُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَمَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ ( فَجِئْتَ أَنْتَ وَهَذَا ) : يَعْنِي عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( مِنَ ابْنِ أَخِيكَ ) : يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ ) : أَيْ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ ) : أَيْ أَبَا بَكْرٍ ( بَارٌّ ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ( فَقُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكُمَا ) جَوَابُ إِنْ مَحْذُوفٌ ، أَيْ دَفَعْتُهَا ( عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللَّهِ إِلَخْ ) : أَيْ لِتَتَصَرَّفَا فِيهَا ، وَتَنْتَفِعَا مِنْهَا بِقَدْرِ حَقِّكُمَا كَمَا تَصَرَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَلَى جِهَةِ التَّمْلِيكِ ، إِذْ هِيَ صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةُ التَّمْلِيكِ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : إِنَّمَا سَأَلَاهُ أَنْ يَكُونَ يُصَيِّرُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إِلَخْ ) : هَذَا جَوَابٌ عَمَّا اسْتَشْكَلَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ أَنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا تَرَدَّدَا إِلَى الْخَلِيفَتَيْنِ وَطَلَبَا الْمِيرَاثَ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَتَقْرِيرُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا يَعْلَمَانِ ذَلِكَ . وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُمَا إِنَّمَا سَأَلَاهُ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِيَنْفَرِدَ كُلُّ مِنْهُمَا بِنَظَرِ مَا يَتَوَلَّاهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : لَا أُوقِعُ عَلَيْهِ اسْمَ الْقَسْمِ ، أَدَعُهُ أَيْ أَتْرُكُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَنْ يُوقِعَ عَلَيْهِ اسْمَ الْقَسْمِ لِئَلَّا يُظَنَّ لِذَلِكَ مَعَ تَطَاوُلِ الْأَزْمَانِ أَنَّهُ مِيرَاثٌ ، وَأَنَّهُمَا وَرِثَاهُ لَا سِيَّمَا وَقِسْمَةُ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْبِنْتِ وَالْعَمِّ نِصْفَانِ ، فَيَلْتَبِسُ ذَلِكَ وَيُظَنُّ أَنَّهُمْ تَمَلَّكوا ذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : فِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ شَدِيدٌ ، وَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْقِصَّةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعَبَّاسَ وَعَلِيًّا قَدْ عَلِمَا بِأَنَّهُ قَالَ لَا نُورَثُ ، فَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ؟ وَإِنْ كَانَا سَمِعَاهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ فِي زَمَنِهِ بِحَيْثُ أَفَادَ عِنْدَهُمَا الْعِلْمَ بِذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَطْلُبَانِهِ مِنْ عُمَرَ ؟ وَالَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمَا اعْتَقَدَا أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ لَا نُورَثُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ مَا يَخْلُفُهُ دُونَ بَعْضٍ ، وَأَمَّا مُخَاصَمَةُ عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ بَعْدَ ذَلِكَ ثَانِيًا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : لَمْ يَكُنْ فِي الْمِيرَاثِ ، إِنَّمَا تَنَازَعَا فِي وِلَايَةِ الصَّدَقَةِ ، وَفِي صَرْفِهَا كَيْفَ تُصْرَفُ ، كَذَا قَالَ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا أَرَادَا أَنْ يُقْسَمَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُلَخَّصًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَرَادَ أَنْ لَا يُوقِعَ عَلَيْهَا اسْمَ قَسْمٍ ، وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ أَنَا أَكْفِيكُمَاهَا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، نا حَاتِمُ بْنُ إسماعيل ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ قُلْتُ : أَلَا تَتَّقِينَ اللَّهَ ؟ أَلَمْ تَسْمَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ ، وَإِنَّمَا هَذَا الْمَالُ لِآلِ مُحَمَّدٍ لِنَائِبَتِهِمْ ، وَلِضَيْفِهِمْ ، فَإِذَا مُتُّ فَهُوَ إِلَى من وَلِي الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِي ؟ ( لِنَائِبَتِهِمْ ) : أَيْ مَا يَنُوبُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْمُهِمَّاتِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَدْنَ أَنْ يَبْعَثْنَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، فَيَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ لَهُنَّ عَائِشَةُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ ( فَيَسْأَلْنَهُ ثَمَنَهُنَّ ) : وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَيَسْأَلْنَهُ مِيرَاثَهُنَّ ، وَمَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ وَاحِدٌ ؛ لِأَنَّ مِيرَاثَ الزَّوْجَاتِ الثَّمَنُ إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ ، حَدَّثَنَي يَعْقُوبُ - يعني ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَني أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ : فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ ، وَقَالَ : لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَةِ ، فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَغَلَبَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا خَيْبَرُ ، وَفَدَكُ فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ ، وَقَالَ : هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ وَنَوَائِبِهِ ، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ قَالَ : فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ . ( فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ ) : أَيْ أَنْكَرَ وَامْتَنَعَ ( عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( إِنْ تَرَكْتُ ) : إِنْ شَرْطِيَّةٌ ( أَنْ أَزِيغَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَبَعْدَ التَّحْتِيَّةِ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ ، أَيْ أَنْ أَمِيلَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى غَيْرِهِ ( فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ ) : أَيْ لَمْ يَدْفَعْهُمَا لِغَيْرِهِ ، وَبَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ ( لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ ) : أَيِ الَّتِي تَنْزِلُهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ تَغْشَاهُ وَتَنْتَابُهُ ، يُقَالُ : عَرَانِي ضَيْفٌ أَيْ نَزَلَ بِي ( وَنَوَائِبِهِ ) : أَيْ حَوَادِثِهِ الَّتِي تُصِيبُهُ ( وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ ) : أَيْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : أَيِ الزُّهْرِيُّ حِينَ حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ ( فَهُمَا ) : أَيْ خَيْبَرُ وَفَدَكُ ( عَلَى ذَلِكَ ) : أَيْ يَتَصَرَّفُ فِيهِمَا مَنْ وَلِيَ الْأَمْرَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ حَدِيثًا مِنْ رَجُلٍ ، فَأَعْجَبَنِي فَقُلْتُ : اكْتُبْهُ لِي ، فَأَتَى بِهِ مَكْتُوبًا مُذَبَّرًا : دَخَلَ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ عَلَى عُمَرَ ، وَعِنْدَهُ طَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ ، وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فَقَالَ عُمَرُ لِطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كُلُّ مَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَةٌ إِلَّا مَا أَطْعَمَهُ أَهْلَهُ وَكَسَاهُمْ إِنَّا لَا نُورَثُ ؟ قَالُوا : بَلَى قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ ، فَكَانَ يَصْنَعُ الَّذِي كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ 3726 ( مِنْ رَجُلٍ ) : قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : لَعَلَّهُ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ بْنِ الْحَدَثَانِ ( مَكْتُوبًا مُذَبَّرًا ) : أَيْ مَكْتُوبًا مَنْقُوطًا لِيَسْهُلَ قِرَاءَتُهُ ، فَفِي الْقَامُوسِ : الذَّبْرُ الْكِتَابَةُ ، يَذْبُرُ وَيَذْبِرُ كَالتَّذْبِيرِ وَالنَّقْطِ ، وَفِيهِ فِي مَادَّةِ النَّقْطِ نَقَطَ الْحَرْفَ وَنَقَطَهُ أَعْجَمَهُ ، أَوِ الْمَعْنَى مَكْتُوبًا سَهْلَ الْقِرَاءَةِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : كِتَابُ ذَبِرٍ كَكَتِفٍ سَهْلُ الْقِرَاءَةِ ( يُنْفِقُ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَهْلِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِفَضْلِهِ ) : هَذَا لَا يُعَارِضُ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عَلَى شَعِيرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ كَانَ يَدَّخِرُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ، ثُمَّ فِي طُولِ السَّنَةِ يَحْتَاجُ لِمَنْ يَطْرُقُهُ إِلَى إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهُ فَيُخْرِجُهُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَوِّضَ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهَا عِوَضَهُ ؛ فَلِذَلِكَ اسْتَدَانَ . ذَكَرَهُ الْحَافِظُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ شَوَاهِدَ صَحِيحَةً .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا إسماعيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أنا أَيُّوبُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ : قَالَ عُمَرُ : هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً قُرَى عُرَيْنَةَ فَدَكَ وَكَذَا وَكَذَا مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ و لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ النَّاسَ ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا لَهُ فِيهَا حَقٌّ . قَالَ أَيُّوبُ : أَوْ قَالَ : حَظٌّ إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ . ( قَالَ عُمَرُ ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ : أَيْ مَا رَدَّ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ( مِنْهُمْ ) : أَيْ مِنْ يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ : يَعْنِي أَوْضَعْتُمْ وَهُوَ سُرْعَةُ السَّيْرِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ : يَعْنِي الْإِبِلَ الَّتِي تَحْمِلُ الْقَوْمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا تَرَكُوا رِبَاعَهُمْ وَضِيَاعَهُمْ طَلَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَهُمْ كَمَا فَعَلَ بِغَنَائِمِ خَيْبَرَ ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا خَيْلًا وَلَا رِكَابًا ، وَلَمْ يَقْطَعُوا إِلَيْهَا شُقَّةً ، وَلَا نَالُوا مَشَقَّةً ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، فَمَشَوْا إِلَيْهَا مَشْيًا ، وَلَمْ يَرْكَبْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى جَمَلٍ . وَتَمَامُ الْآيَةِ : وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَعْدَائِهِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَيْ فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً يَضَعُهَا حَيْثُ يَشَاءُ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ كَانَتْ بِهِمْ حَاجَةً وَهُمْ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصِّمَّةِ . كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ ( قُرَى عُرَيْنَةَ ) : بِإِضَافَةِ قُرَى إِلَى عُرَيْنَةَ ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعُرَيْنَةُ بِالنُّونِ بَعْدَ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ تَصْغِيرُ عُرَنَةَ مَوْضِعٌ بِهِ قُرًى كَأَنَّهُ بِنَوَاحِي الشَّامِ ، كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ ( فَدَكَ ) : بِحَذْفِ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ ، أَيْ وَفَدَكٍ وَهُوَ بِالتَّحْرِيكِ وَآخِرُهُ كَافٌ قَرْيَةٌ بِالْحِجَازِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ ، أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُلْحًا فِيهَا عَيْنٌ فَوَّارَةٌ وَنَخْلٌ . كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ ( وَكَذَا وَكَذَا ) : أَيْ مِثْلَ أَمْوَالِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى : يَعْنِي مِنْ أَمْوَالِ كُفَّارِ أَهْلِ الْقُرَى . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَفَدَكُ وَخَيْبَرُ وَقُرَى عُرَيْنَةَ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى : يَعْنِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ : وَتَمَامُ الْآيَةِ كَيْلَا يَكُونَ : الْفَيْءُ دُولَةً : وَالدُّولَةُ اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يَتَدَاوَلُهُ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ يَعْنِي بَيْنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَقْوِيَاءِ ، فَيَغْلِبُوا عَلَيْهِ الْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إِذَا غَنِمُوا غَنِيمَةً أَخَذَ الرَّئِيسُ رُبْعَهَا لِنَفْسِهِ وَهُوَ الْمِرْبَاعُ ، ثُمَّ يَصْطَفِي بَعْدَهُ مَا شَاءَ ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُهُ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ ( وَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ ) : يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ يَعْنِي فَلَهُمُ الْحَقُّ مِنَ الْفَيْءِ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ : يَعْنِي الْأَنْصَارَ تَوَطَّنُوا الدَّارَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ وَاتَّخَذُوهَا سَكَنًا ( مِنْ قَبْلِهِمْ ) : يَعْنِي أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا فِي دِيَارِهِمْ وَآثَرُوا الْإِيمَانَ ، وَابْتَنَوُا الْمَسَاجِدَ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ . وَالْمَعْنَى : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ مِنْ قَبْلِ الْمُهَاجِرِينَ وَقَدْ آمَنُوا ، وَتَمَامُ الْآيَةِ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ يَعْنِي : فَلَهُمُ الْحَقُّ مِنَ الْفَيْءِ ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ) : يَعْنِي مِنْ بَعْدِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمُ التَّابِعُونَ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَتَمَامُ الْآيَةِ : يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( فَاسْتَوْعَبَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ) : أَيْ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ وَأَحَاطَتْ عَامَّةَ الْمُسْلِمِينَ ( قَالَ أَيُّوبُ ) : السِّخْتِيَانِيُّ ( أَوْ قَالَ حَظٌّ ) مَكَانَ قَوْلِهِ حَقٌّ ( إِلَّا بَعْضَ مَنْ تَمْلِكُونَ مِنْ أَرِقَّائِكُمْ ) : جَمْعُ رَقِيقٍ أَيْ إِلَّا عَبِيدِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ حَقٌّ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ ؛ لِأَنَّهُمْ تَحْتَ سَيِّدِهِمْ وَفِي مِلْكِهِمْ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى أَنَّ الْفَيْءَ لَا يُخَمَّسُ بَلْ مَصْرِفُ جَمِيعِهِ وَاحِدٌ ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ ، وَقَرَأَ عُمَرُ : مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى حَتَّى بَلَغَ : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً قَالَ : وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُسْلِمٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْفَيْءُ حَقٌّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ إِيمَانُكُمْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا مُنْقَطِعٌ ، الزُّهْرِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي قَوْلِهِ : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ قَالَ : صَالَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ فَدَكَ ، وَقُرًى قَدْ سَمَّاهَا لَا أَحْفَظُهَا ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ قَوْمًا آخَرِينَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ بِالصُّلْحِ قَالَ : فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ يَقُولُ : بِغَيْرِ قِتَالٍ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَكَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِصًا لَمْ يَفْتَحُوهَا عَنْوَةً ، افْتَتَحُوهَا عَلَى صُلْحٍ ، فَقَسَمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ ، لَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا رَجُلَيْنِ كَانَتْ بِهِمَا حَاجَةٌ 3722 ( نَا ابْنُ ثَوْرٍ ) : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ( وَقُرًى ) : جَمْعُ قَرْيَةٍ ( قَدْ سَمَّاهَا ) : أَيْ تِلْكَ الْقُرَى ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَاعِلَ سَمَّى هُوَ الزُّهْرِيُّ ، وَالْقَائِلُ مَعْمَرُ ( وَهُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مُحَاصِرٌ ) : بِكَسْرِ الصَّادِ ( قَوْمًا آخَرِينَ ) : يَعْنِي بَقِيَّةَ أَهْلِ خَيْبَرَ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي ( فَأَرْسَلُوا ) : أَيِ الْقَوْمُ الْمُحَاصَرُونَ ( إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَقُولُ بِغَيْرِ قِتَالٍ ) : تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ : فَمَا أَوْجَفْتُمْ إِلَخْ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ( عَنْوَةً ) : أَيْ قَهْرًا وَغَلَبَةً ( افْتَتَحُوهَا عَلَى صُلْحٍ ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَفْسِيرِ صَدَقَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ قَالَ : صَارَتْ إِلَيْهِ بِثَلَاثَةِ حُقُوقٍ أَحَدُهَا : مَا وُهِبَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ وَصِيَّةُ مُخَيْرِيقَ الْيَهُودِيِّ لَهُ عِنْدَ إِسْلَامِهِ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطٍ فِي بَنِي النَّضِيرِ ، وَمَا أَعْطَاهُ الْأَنْصَارُ مِنْ أَرْضِهِمْ ، وَهُوَ مَا لَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ ، وَكَانَ هَذَا مِلْكًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الثَّانِي : حَقُّهُ مِنَ الْفَيْءِ مِنْ أَرْضِ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أَجْلَاهُمْ كَانَتْ لَهُ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَأَمَّا مَنْقُولَاتُ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ فَحَمَلُوا مِنْهَا مَا حَمَلَتْهُ الْإِبِلُ غَيْرَ السِّلَاحِ ، كَمَا صَالَحَهُمْ ، ثُمَّ قَسَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَاقِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَتِ الْأَرْضُ لِنَفْسِهِ ، وَيُخْرِجُهَا فِي نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ نِصْفُ أَرْضِ فَدَكَ صَالَحَ أَهْلَهَا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ أَرْضِهَا وَكَانَ خَالِصًا لَهُ ، وَكَذَلِكَ ثُلُثُ أَرْضِ وَادِي الْقُرَى ، أَخَذَهُ فِي الصُّلْحِ حِينَ صَالَحَ أَهْلَهَا الْيَهُودَ ، وَكَذَلِكَ حِصْنَانِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ الْوَطِيحُ وَالسَّلَالِمُ أَخَذَهُمَا صُلْحًا . الثَّالِثُ : سَهْمُهُ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ وَمَا افْتُتِحَ فِيهَا عَنْوَةً ، فَكَانَتْ هَذِهِ كُلُّهَا مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، لَا حَقَّ فِيهَا لِأَحَدٍ غَيْرَهُ . لَكِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَسْتَأْثِرُ بِهَا ، بَلْ يُنْفِقُهَا عَلَى أَهْلِهِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ، وَكُلُّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ مُحَرَّمَاتُ التَّمَلُّكِ بَعْدَهُ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ قَالَ : جَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَهُ فَدَكُ ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا ، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ، فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ، فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ، وَأَني أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ يَعْنِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ ، وَغَلَّتُهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَتُوُفِّيَ وَغَلَّتُهُ أَرْبَعُ مِائَةِ دِينَارٍ ، وَلَوْ بَقِيَ لَكَانَ أَقَلَّ . ( حِينَ اسْتُخْلِفَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ جُعِلَ خَلِيفَةً ( كَانَتْ لَهُ فَدَكُ ) : أَيْ خَاصَّةً ( وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ ) : أَيْ يُحْسِنُ مِنْهَا عَلَى صِغَارِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا فَرَغَ نَفَقَتُهُمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ وَعَادَ إِلَيْهِمْ بِنَفَقَةٍ أُخْرَى . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( أَيِّمَهُمْ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَكْسُورَةِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : أَيِّمٌ كَكَيِّسٍ مَنْ لَا زَوْجَ لَهَا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، وَمَنْ لَا امْرَأَةَ لَهُ ( حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ) : كِنَايَةٌ عَنْ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ ) : بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ مَكْسُورٍ أَيْ تَوَلَّى . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ ) : أَيْ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَالْمَعْنَى جَعَلَهَا قَطِيعَةً لِنَفْسِهِ وَتَوَابِعِهِ ، وَالْقَطِيعَةُ الطَّائِفَةُ مِنْ أَرْضِ الْخَرَاجِ يَقْطَعُهَا السُّلْطَانُ مَنْ يُرِيدُ . وَمَرْوَانُ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ جَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ( ثُمَّ صَارَتْ ) : أَيِ الْوِلَايَةُ أَوْ فَدَكُ ( لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ) : وُضِعَ مَوْضِعَ لِي مُلْتَفِتًا لِيُشْعِرَ بِأَنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ رَاضِيَةٍ بِهَذَا ( لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) : أَيْ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا اسْتِحْقَاقٌ ، وَلَوْ كَانَ خَلِيفَةً فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ ( أَنِّي قَدْ رَدَدْتُهَا ) : أَيْ فَدَكَ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَخْ ) : هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا عَابُوهُ وَتَعَلَّقُوا بِهِ عَلَيْهِ ، وَكَانَ تَأْوِيلُهُ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا بَلَغَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ إِذَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً فَهِيَ لِلَّذِي يَقُومُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْهَا وَيُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ ، وَيَصْرِفُ الْبَاقِي مَصْرِفَ الْفَيْءِ . فَاسْتَغْنَى عَنْهَا عُثْمَانُ بِمَالِهِ ، فَجَعَلَهَا لِأَقَارِبِهِ ، وَوَصَلَ بِهَا أَرْحَامَهُمْ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُعْمَةً ، ثُمَّ هِيَ لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي ، وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مُؤْنَةُ عَامِلِي يَعْنِي : أَكَرَةَ الْأَرْضِ . ( لَا يَقْتَسِمُ ) : مِنَ الِاقْتِسَامِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ ، وَلَا نَافِيَةٌ وَلَيْسَتْ نَاهِيَةً ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : لَا تَقْتَسِمُ ، وَفِي بَعْضِهَا : لَا تَقْسِمُ ( دِينَارًا ) : التَّقْيِيدُ بِالدِّينَارِ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ( نِسَائِي ) : أَيْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ( وَمُؤْنَةِ عَامِلِي ) : قَالَ الْحَافِظُ : اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ عَامِلِي ؛ فَقِيلَ : الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَقِيلَ : يُرِيدُ بِذَلِكَ الْعَامِلَ عَلَى النَّخْلِ ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَابْنُ بَطَّالٍ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ خَادِمُهُ ، وَقِيلَ : الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَقِيلَ : الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَخْ ) : لَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ( يَعْنِي أَكَرَةَ الْأَرْضِ ) : أَيِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَامِلِي أَكَرَةِ الْأَرْضِ . قَالَ فِي الصُّرَاحِ : أَكَرَةٌ بِفَتْحَتَيْنِ كَشَازَرُوَانَ ، كَأَنَّهُ جَمْعُ آكِرٍ فِي التَّقْدِيرِ وَوَاحِدُهَا أَكَّارٌ . وَفِي الْقَامُوسِ : الْأَكْرُ وَالتَّأَكُّرُ حَفْرُ الْأَرْضِ ، وَمِنْهُ الْأَكَّارُ لِلْحَرَّاثِ ، جَمْعُهُ أَكَرَةٌ كَأَنَّهُ جَمْعُ آكِرٍ فِي التَّقْدِيرِ ، وَالْمُؤَاكَرَةُ الْمُخَابَرَةُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ بِلَالٍ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى يَعْنِي : ابْنَ سُمَيْعٍ ، قال : نا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ عَقَدَ الْجِزْيَةَ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّخُولِ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ ( عَنْ مُعَاذٍ ) : هُوَ ابْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( مَنْ عَقَدَ الْجِزْيَةَ إِلَخْ ) : أَيْ إِذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً مِنْ كَافِرٍ لَزِمَهُ خَرَاجُهَا ، وَالْخَرَاجُ قِسْمٌ مِنَ الْجِزْيَةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ عَقَدَ الْجِزْيَةَ فِي عُنُقِهِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إِلْزَامَ الْجِزْيَةِ لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُعْنَى بِالْبَرَاءَةِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَمْ يُنْسَبْ . انْتَهَى . قَالَ الْمِزِّيُّ : وَهُوَ الْأَشْعَرِيُّ . انْتَهَى . قُلْتُ : هُوَ الْأَشْعَرِيُّ الدِّمَشْقِيُّ رَوَى عَنْهُ أَبُو صَالِحٍ الْأَشْعَرِيُّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَمْ أَجِدْ أَحَدًا أَسْمَاهُ . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ اسْمَهُ مُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ ، نا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنَي عُمَارَةُ ابْنُ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ قَيْسٍ ، حَدَّثَنِي شَبِيبُ بْنُ نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدْ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ ، وَمَنْ نَزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ وَلَّى الْإِسْلَامَ ظَهْرَهُ قَالَ : فَسَمِعَ مِنِّي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ لِي : أَشُبَيْبٌ حَدَّثَكَ ؟ فقُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : فَإِذَا قَدِمْتَ ، فَسَلْهُ فَلْيَكْتُبْ إِلَيَّ بِالْحَدِيثِ قَالَ : فَكَتَبَهُ لَهُ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ سَأَلَنِي خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ الْقِرْطَاسَ فَأَعْطَيْتُهُ ، فَلَمَّا قَرَأَهُ تَرَكَ مَا فِي يَدِيهِ مِنْ الْأَرْضِ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ الْيَزَنِيُّ لَيْسَ هُوَ صَاحِبَ شُعْبَةَ ( يَزِيدُ بْنُ خَمِيرٍ ) : بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ( بِجِزْيَتِهَا ) : أَيْ بِخَرَاجِهَا ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ يَلْزَمُ بِشِرَاءِ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْجِزْيَةِ هَاهُنَا الْخَرَاجُ . وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا اشْتَرَى أَرْضًا خَرَاجِيَّةً مِنْ كَافِرٍ فَإِنَّ الْخَرَاجَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِيمَا أَخْرَجَتْ مِنْ حَبٍّ عُشْرًا ، وَقَالُوا : لَا يَجْتَمِعُ الْخَرَاجُ وَالْعُشْرُ . وَقَالَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الْعُشْرُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ فِيمَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِنَ الْحَبِّ إِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ . انْتَهَى . وَالْخَرَاجُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهُمَا : جِزْيَةٌ ، وَالْآخَرُ كِرَاءٌ وَأُجْرَةٌ ، فَإِذَا فُتِحَتِ الْأَرْضُ صُلْحًا عَلَى أَنَّ أَرْضَهَا لِأَهْلِهَا فَمَا وُضِعَ عَلَيْهَا مِنْ خَرَاجٍ فَمَجْرَاهُ مَجْرَى الْجِزْيَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ رُءوسِهِمْ ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ كَمَا يَسْقُطُ مَا عَلَى رَقَبَتِهِ مِنَ الْجِزْيَةِ وَلَزِمَهُ الْعُشْرُ فِيمَا أَخْرَجَتْ أَرْضُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَيُؤَدُّوا فِي كُلِّ سَنَةٍ عَنْهَا شَيْئًا وَالْأَرْضُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَنْهَا فَهُوَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ سَوَاءٌ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ أَوْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ فَعَلَيْهِ إِذَا مَا اشْتُرِطَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِينَ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ ، وَهَذَا سَبِيلُ أَرْضِ السَّوَادِ عِنْدَهُ ، انْتَهَى . ( فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ ) : أَيْ أَقْرَبَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِقَالَةِ الْهِجْرَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَخْذَ الْأَرْضَ الْخَرَاجِيَّةَ مِنَ الذِّمِّيِّ بَيْعًا أَوْ إِجَارَةً مَثَلًا يَلْزَمُهُ خَرَاجُ تِلْكَ الْأَرْضِ وَيَكُونُ قَائِمًا مَقَامَ الذِّمِّيِّ فِي الْأَدَاءِ وَرَاجِعًا إِلَى تِلْكَ الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَارِكًا لَهَا فَيَكُونُ كَالْمُسْتَقِلِّ بِهِجْرَتِهِ ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ أَرَاضِي الْكُفْرِ ( صَغَارَ كَافِرٍ ) : بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ ذُلُّهُ وَهَوَانُهُ ( ظَهْرَهُ ) : الضَّمِيرُ لِمَنْ . وَالْمَعْنَى : أَيْ قَرُبَ مِنْ أَنْ يُوَلِّيَ ظَهْرَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ ذَلِيلٌ بِأَدَاءِ الْخَرَاجِ ، وَإِذَا أَخَذَ الْمُسْلِمُ تِلْكَ الْأَرْضَ مِنْهُ رَجَعَ الذُّلُّ إِلَيْهِ فَيَكُونُ كَمَا لَوْ نَزَعَ الذُّلُّ مِنْ عُنُقِهِ ، ثُمَّ جَعَلَهُ فِي عُنُقِ نَفْسِهِ ، وَالْإِسْلَامُ عَزِيزٌ وَالْكُفْرُ ذَلِيلٌ ، وَإِذَا اخْتَارَ الْمُسْلِمُ الذُّلَّ فَقَدْ وَلَّى ظَهْرَهُ الْإِسْلَامِ . قَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ الْأَرْدَبِيلِيُّ فِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ : الْحَدِيثُ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ شِرَى أَرْضِ الْخَرَاجِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَذَلَّةِ ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يُذِلُّ نَفْسَهُ ، وَكَذَا الِاسْتِيجَارُ . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ أَنْوَاعٌ : أَحَدُهَا : أَنْ يَفْتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً قَهْرًا وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ ثُمَّ يُعَوِّضُهُمْ ثَمَنَهَا وَيَقِفُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَفْتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً صُلْحًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرَاضِي لَنَا وَيَسْكُنُهَا الْكُفَّارُ بِالْخَرَاجِ ، فَالْأَرْضُ فَيْءٌ وَالْخَرَاجُ أُجْرَةٌ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَفْتَحَهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرَاضِي لَهُمْ وَيَسْكُنُونَهَا بِالْخَرَاجِ ، فَهَذَا الْخَرَاجُ جِزْيَةٌ فَيَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مَشْرُوحٌ بِهَذَا النَّوْعِ وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ . انْتَهَى . وَفِي الْهِدَايَةِ : وَقَدْ صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ اشْتَرَوْا أَرَاضِيَ الْخَرَاجِ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ خَرَاجَهَا . انْتَهَى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : وَكَانَ لِابْنِ مَسْعُودٍ وَلِخَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَلِحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَلِشُرَيْحٍ أَرْضُ الْخَرَاجِ . ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرَقْدَ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِنِّي اشْتَرَيْتُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَنْتَ فِيهَا مِثْلُ صَاحِبِهَا . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ بَهْزٍ الْمَلِكِ ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِنِ اخْتَارَتْ أَرْضَهَا وَأَدَّتْ مَا عَلَى أَرْضِهَا فَخَلُّوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْضِهَا ، وَإِلَّا فَخَلُّوا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَرْضِهِمْ . وَلَفْظُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ دِهْقَانَةً مِنْ أَهْلِ بَهْزِ الْمَلِكِ أَسْلَمَتْ ، فَقَالَ عُمَرُ : ادْفَعُوا إِلَيْهَا أَرْضَهَا يُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ ، وَأَخْرَجَا أَيْضًا عَنْ زُبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ أَنَّ دِهْقَانًا أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ عَلِيٍّ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : إِنْ أَقَمْتَ فِي أَرْضِكَ رَفَعْنَا الْجِزْيَةَ عَنْ رَأْسِكَ وَأَخَذْنَاهَا مِنْ أَرْضِكَ ، وَإِنْ تَحَوَّلْتَ عَنْهَا فَنَحْنُ أَحَقُّ بِهَا . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا : إِذَا أَسْلَمَ وَلَهُ أَرْضٌ وَضَعْنَا عَنْهُ الْجِزْيَةَ وَأَخَذْنَا خَرَاجَهَا ، انْتَهَى . ( قَالَ ) : أَيْ سِنَانُ بْنُ قَيْسٍ ( فَإِذَا قَدِمْتُ ) : أَيْ إِلَى شَبِيبٍ ( فَسَلْهُ ) : أَيْ سَلْ شَبِيبًا لهَذَا الْحَدِيثِ ( فَلْيَكْتُبْ ) : أَيْ شَبِيبٌ ( فَكَتَبَه لَهُ ) : أَيْ فَكَتَبَ شَبِيبٌ الْحَدِيثَ لِخَالِدٍ ( فَلَمَّا قَدِمْتُ ) : أَيْ إِلَى خَالِدٍ ( الْقِرْطَاسَ ) : أَيِ الْمَكْتُوبَ ( هَذَا يَزِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ إِلَخْ ) حَاصِلُهُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ خُمَيْرٍ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا الْيَزَنِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّاي ثُمَّ نُونٍ الرَّاوِي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَالثَّانِي الْهَمْدَانِيُّ الزِّيَادِيُّ صَاحِبُ شُعْبَةَ ، فَالْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَفِيهِ مَقَالٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الْآمُلِيُّ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، أَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الْأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ ، وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِا ، جَاءَنَا بِهَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ ( فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ) : أَيْ بِالْمَوَاتِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِهِ ، وَتَأْنِيثِ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ وَتَذْكِيرُهُ بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ : ( الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ ) : فَاعِلُ جَاءَنَا ( عَنْهُ ) : أَيْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، نا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ فَهِيَ لَهُ ( مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا ) : أَيْ جَعَلَ وَأَدَارَ حَائِطًا أَيْ جِدَارًا ( عَلَى أَرْضٍ ) : أَيْ حَوْلَ أَرْضٍ مَوَاتٍ ( فَهِيَ ) : أَيْ فَصَارَتْ تِلْكَ الْأَرْضُ الْمَحُوطَةُ ( لَهُ ) : أَيْ مِلْكًا لَهُ أَيْ مَا دَامَ فِيهِ كَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُبَاحٍ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى التَّمْلِيكَ بِالتَّحْجِيرِ ، وَلَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ إِنَّمَا هُوَ بِالْإِحْيَاءِ ، وَتَحْجِيرُ الْأَرْضِ وَإِحَاطَتُهُ بِالْحَائِطِ لَيْسَ مِنَ الْإِحْيَاءِ فِي شَيْءٍ ، ثُمَّ إِنَّ فِي قَوْلِهِ عَلَى أَرْضٍ مُفْتَقِرٌ إِلَى الْبَيَانِ إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَرْضٍ تُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : كَفَى بِهِ بَيَانًا قَوْلُهُ أَحَاطَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَنَى حَائِطًا مَانِعًا مُحِيطًا بِمَا يَتَوَسَّطُهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ نَحْوَ أَنْ يَبْنِيَ حَائِطًا لِحَظِيرَةِ غَنَمٍ أَوْ زَرِيبَةً لِلدَّوَابِّ . قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إِذَا أَرَادَ زَرِيبَةً لِلدَّوَابِّ أَوْ حَظِيرَةً يُجَفِّفُ فِيهَا الثِّمَارَ أَوْ يَجْمَعُ فِيهَا الْحَطَبَ وَالْحَشِيشَ اشْتَرَطَ التَّحْوِيطَ ، وَلَا يَكْفِي نَصْبُ سَعَفٍ وَأَحْجَارٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو ابْنِ السَّرْحِ ، أنا ابْنُ وَهْبٍ ، أخبرني مَالِكٌ قَالَ هِشَامٌ : الْعِرْقُ الظَّالِمُ أَنْ يَغْرِسَ الرَّجُلُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، فَيَسْتَحِقَّهَا بِذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَالْعِرْقُ الظَّالِمُ كُلُّ مَا أُخِذَ ، وَاحْتُفِرَ ، وَغُرِسَ بِغَيْرِ حَقٍّ . ( قَالَ هِشَامٌ ) : وَهُوَ ابْنُ عُرْوَةَ ( الْعِرْقُ الظَّالِمُ أَنْ يَغْرِسَ إِلَخْ ) : أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ : الْعِرْقُ الظَّالِمُ هُوَ أَنْ يَغْرِسَ إِلَخْ ( مَا أُخِذَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ ( وَاحْتُفِرَ ) : الِاحْتِفَارُ زمين كندن ( وَغُرِسَ ) : فِي الْقَامُوسِ : غَرَسَ الشَّجَرَ يَغْرِسُهُ أَثْبَتَهُ فِي الْأَرْضِ كَأَغْرَسَهُ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ تَحْتَ قَوْلِ مَالِكٍ : وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الرِّوَايَةَ بِالتَّنْوِينِ ، وَبِهِ جَزَمَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ ، فَقَالَ : وَاخْتَارَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَنْوِينَ عِرْقٍ ، وَذَكَرَ نَصَّهُ هَذَا ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ بِنَحْوِهِ ، وَبِالتَّنْوِينِ جَزَمَ الْأَزْهَرِيُّ وَابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَبَالَغَ الْخَطَّابِيُّ فَغَلِطَ مَنْ رَوَاهُ بِالْإِضَافَةِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَقَدْ ثَبَتَتْ وَوَجْهُهَا ظَاهِرٌ فَلَا يَكُونُ غَلَطًا ، فَالْحَدِيثُ يُرْوَى بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَصْلُ الْعِرْقِ الظَّالِمِ فِي الْغَرْسِ يَغْرِسُهُ فِي الْأَرْضِ غَيْرُ رَبِّهَا لِيَسْتَوْجِبَهَا بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ بِنَاءٍ أَوِ اسْتِنْبَاطِ مَاءٍ أَوِ اسْتِخْرَاجِ مَعْدِنٍ ، سُمِّيَتْ عِرْقًا لِشَبَهِهَا فِي الْإِحْيَاءِ بِعِرْقِ الْغَرْسِ . وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ عُرْوَةُ وَرَبِيعَةُ : الْعُرُوقُ أَرْبَعَةٌ ، عِرْقَانِ ظَاهِرَانِ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ ، وَعِرْقَانِ بَاطِنَانِ الْمِيَاهُ وَالْمَعَادِنُ ، فَلَيْسَ لِلظَّالِمِ فِي ذَلِكَ حَقٌّ فِي بَقَاءٍ أَوِ انْتِفَاعٍ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ ظُلْمًا فَلِرَبِّهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يُخْرِجَهُ مِنْهُ وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ بَقِيَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى حَالِهِ بِلَا عِوَضٍ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، نا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى ، عَنْ الْعَبَّاسِ السَّاعِدِيِّ يَعْنِي ابْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ ، فَلَمَّا أَتَى وَادِي الْقُرَى إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : اخْرُصُوا فَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ : أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَيْنَا تَبُوكَ ، فَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ ، وَكَسَاهُ بُرْدَةً ، وَكَتَبَ لَهُ يَعْنِي بِبَحْرِهِ قَالَ : فَلَمَّا أَتَيْنَا وَادِي الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ : كَمْ كَانَ فِي حَدِيقَتِكِ ؟ قَالَتْ : عَشْرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ ( تَبُوكَ ) : بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ آخِرُهُ كَافٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَ عَشْرةَ مَرْحَلَةً مِنْ طَرَفِ الشَّامِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَبُوكًا بِالصَّرْفِ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ ( وَادِي الْقُرَى ) : بِضَمِّ الْقَافِ مَدِينَةً قَدِيمَةً بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ ( اخْرُصُوا ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْخَرْصِ حزر كردن ميوه بردرخت وكشت برزمين . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فَخَرَصْنَا ( أَحْصِي ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِحْصَاءِ وَهُوَ الْعَدُّ أَيِ احْفَظِي قَدْرَ ( مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ) : كَيْلًا ( فَأَهْدَى ) : يُوحَنَّا بْنُ رَوْبَةَ ( مَلِكُ أَيْلَةَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا لَامٌ مَفْتُوحَةٌ بَلْدَةٌ قَدِيمَةٌ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ ( وَكَسَاهُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بُرْدَةً ) : الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ عَائِدٌ عَلَى مَلِكِ أَيْلَةَ وَهُوَ الْمَكْسُوُّ وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَكَتَبَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَهُ ) : أَيْ لِمَلِكِ أَيْلَةَ ( بِبَحْرِهِ ) : بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِبَحْرِهِمْ أَيْ بِأَرْضِهِمْ وَبَلَدِهِمْ ، وَالْمُرَادُ أَهْلُ بَحْرِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا سَكَّانَا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَقَرَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا الْتَزَمَهُ مِنَ الْجِزْيَةِ . وَلَفْظُ الْكِتَابِ كَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ لِيُوحَنَّا بْنِ رَوْبَةَ ، وَأَهْلِ أَيْلَةَ أَسَاقِفَتِهِمْ وَسَائِرِهِمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ النَّبِيِّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ ، فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ ، وَأَنَّهُ طَيِّبٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَمْنَعُوهُ مَاءً يَرِدُونَهُ مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ . هَذَا كِتَابُ جُهَيْمِ بْنِ الصَّلْتِ وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَمْ كَانَ فِي حَدِيقَتِكِ ) : أَيْ ثَمَرُهَا . وَلِمُسْلِمٍ فَسَأَلَ الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا ( عَشَرَةَ أَوْسُقٍ ) : بِنَصَبِ عَشَرَةَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ ( خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : مَصْدَرٌ مَنْصُوبٌ بَدَلٌ مِنْ عَشْرَةَ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لَهَا ( فَلْيَتَعَجَّلْ ) : وَفِي فَوَائِدِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ : أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَخْذَ طَرِيقَ غُرَابٍ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَرَكَ الْأُخْرَى . قَالَ فِي الْفَتْحِ : فَفِيهِ بَيَانُ قَوْلِهِ : إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ، أَيْ : إِنِّي سَالِكٌ الطَّرِيقَ الْقَرِيبَةَ ، فَمَنْ أَرَادَ فَلْيَأْتِ مَعِي ، يَعْنِي : مِمَّنْ لَهُ اقْتِدَارٌ عَلَى ذَلِكَ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ . كَذَا فِي إِرْشَادِ السَّارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْقَسْطَلَّانِيِّ ، وَأَوْسُقٍ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ وَسْقٍ وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْمَغَازِي وَفِي فَضْلِ الْأَنْصَارِ بِبَعْضِهِ ، وَمُسْلِمٌ فِي فَضْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْحَجِّ . وَأَمَّا مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ مِنَ الْبَابِ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الْمَرْأَةَ عَلَى حَدِيقَتِهَا وَلَمْ يَنْتَزِعْ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَالْمَرْأَةُ أَحْيَتِ الْأَرْضَ بِغَرْسِ النَّخْلِ وَالْأَشْجَارِ فَثَبَتَ لَهَا الْحَقُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ ، نا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ كُلْثُومٍ ، عَنْ زَيْنَبَ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْلِي رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِنْدَهُ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَنِسَاءٌ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ ، وَهُنَّ يَشْتَكِينَ مَنَازِلَهُنَّ أَنَّهَا تَضِيقُ عَلَيْهِنَّ ، وَيُخْرَجْنَ مِنْهَا ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُوَرَّثَ دُورَ الْمُهَاجِرِينَ النِّسَاءُ ، فَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، فَوُرِّثَتْهُ امْرَأَتُهُ دَارًا بِالْمَدِينَةِ ( أَنَّهَا كَانَتْ تُفْلِي ) : فِي الْقَامُوسِ : فَلَى رَأْسُهُ بَحَثَهُ عَنِ الْقَمْلِ ( أَنَّهَا تَضِيِقُ عَلَيْهِنَّ وَيُخْرَجْنَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مِنْهَا ) : أَيْ مِنَ الْمَنَازِلِ . قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : إِذَا مَاتَ زَوْجُ وَاحِدَةٍ فَالدَّارُ يَأْخُذُهَا الْوَرَثَةُ وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ وَهِيَ غَرِيبَةٌ فِي دَارِ الْغُرْبَةِ فَلَا تَجِدُ مَكَانًا آخَرَ فَتَتْعَبَ لِذَلِكَ انْتَهَى . ( فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُوَرَّثَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ بِشِدَّةِ الرَّاءِ مِنْ بَابِ تَفَعَِّلِ ( دُورُ الْمُهَاجِرِينَ ) جَمْعُ دَارٍ فْاعِلُ تُوَرَّثُ ( النِّسَاءَ ) : مفعوله أَيْ نِسَاءَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَلَا تَخْرُجُ نِسَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ دَارِ أَزْوَاجِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بَلْ تَسْكُنُ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْرِيثِ وَالتَّمْلِيكِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَقْطَعَ الْمُهَاجِرِينَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ فَتَأَوَّلُوهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ أَقْطَعُهُمُ الْعَرْصَةَ لِيَبْنُوا فِيهَا الدُّورَ ، فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصِحُّ مِلْكُهُمْ فِي الْبِنَاءِ الَّذِي أَحْدَثُوهُ فِي الْعَرْصَةِ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنَّهُمْ إِنَّمَا أَقَطَعُوا الدُّورَ عَارِيَةً ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرُوزِيُّ ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِحُّ الْمِلْكُ فِيهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَجْرِي إِلَّا فِي مَا كَانَ الْمَوْرُوثُ مَالِكًا لَهُ ، وَقَدْ وَضَعَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي بَابِ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا إِنَّمَا أَحْيَوْا تِلْكَ الْبِقَاعَ بِالْبِنَاءِ فِيهَا إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ قَبْلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يَكُونُ نَوْعٌ مِنَ الْإِقْطَاعِ إِرْفَاقًا مِنْ غَيْرِ تَمْلِيكٍ ، وَذَلِكَ كَالْمَقَاعِدِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَنَازِلِ فِي الْأَسْفَارِ فَإِنَّمَا يُرْتَفَقُ بِهَا وَلَا تُمْلَكُ ، فَأَمَّا تَوْرِيثُهُ الدُّورَ لِنِسَاءِ الْمُهَاجِرِينَ خُصُوصًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُنَّ بِالدُّورِ ؛ لِأَنَّهُنَّ بِالْمَدِينَةِ غَرَائِبَ لَا عَشِيرَةَ لَهُنَّ بِهَا ، فَحَازَ لَهُنَّ الدُّورَ لِمَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ : وَهُوَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدُّورُ فِي أَيْدِيهِنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِنَّ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْفَاقِ بِالسُّكْنَى دُونَ الْمِلْكِ كَمَا كَانَتْ دُورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَحُجَرِهِ فِي أَيْدِي نِسَائِهِ بَعْدَهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : نَحْنُ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَحَكَى صَاحِبُ الْفَتْحِ عَنِ ابْنِ التِّينِ أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَمَّى إِقْطَاعًا إِذَا كَانَ مِنْ أَرْضٍ أَوْ عَقَارٍ ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ مِنَ الْفَيْءِ وَلَا يُقْطَعُ مِنْ حَقِّ مُسْلِمٍ وَلَا مَعَاهِدٍ . قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ الْإِقْطَاعُ تَمْلِيكًا وَغَيْرُ تَمْلِيكٍ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ إِقْطَاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ . قَالَ الْحَافِظُ : كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَقْطَعَ الدُّورَ ، يَعْنِي أَنْزَلَ الْمُهَاجِرِينَ فِي دُورِ الْأَنْصَارِ بِرِضَاهُمْ . انْتَهَى .
بَابٌ : فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، نا أَيُّوبُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ بَابٌ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ بِفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ أَرْضٌ لَمْ تُزْرَعْ وَلَمْ تُعَمَّرْ وَلَا جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُ أَحَدٍ ، وَإِحْيَاؤُهَا مُبَاشَرَةُ عِمَارَتِهَا وَتَأْثِيرُ شَيْءٍ فِيهَا . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . ( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ) : الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ ، شُبِّهَتْ عِمَارَتُهَا بِالْحَيَاةِ وَتَعْطِيلُهَا بِالْمَوْتِ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : مَيِّتَةٌ بِالتَّشْدِيدِ . قَالَ الْعِرَاقِيُّ : وَلَا يُقَالُ : بِالتَّخْفِيفِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا خُفِّفَ تُحْذَفُ مِنْهُ تَاءُ التَّأْنِيثِ . وَالْمَيِّتَةُ وَالْمَوَاتُ وَالْمَوَتَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الَّتِي لَمْ تُعَمَّرْ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا لَهَا بِالْمَيِّتَةِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِزَرْعٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ بِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهَا . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ إِنَّمَا يَكُونُ بِحْفَرُهُ وَتَحْجِيرُهُ وَإِجْرَاءُ الْمَاءِ إِلَيْهِ وَنَحْوُهَا مِنْ وُجُوهِ الْعِمَارَةِ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ مَلَكَ بِهِ الْأَرْضَ ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ كَلِمَةَ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ ، فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى عَيْنٍ دُونَ عَيْنٍ ، وَلَا عَلَى زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْيَاءِ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ ، فَقَالَا بِقَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ ، انْتَهَى . ( لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ أَنْ يَغْرِسَ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ أَرْضِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا أَوْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الْأَرْضِ بِتَرْكِهِ . انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : هُوَ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ إِلَى أَرْضٍ قَدْ أَحْيَاهَا رَجُلٌ قَبْلَهُ فَيَغْرِسَ فِيهَا غَرْسًا غَصْبًا لِيَسْتَوْجِبَ بِهِ الْأَرْضَ . وَالرِّوَايَةُ لِعِرْقٍ بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ عَلَى حَذَفِ الْمُضَافِ ، أَيْ : لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ ، فَجَعَلَ الْعِرْقَ نَفْسَهُ ظَالِمًا وَالْحَقُّ لِصَاحِبِهِ ، أَوْ يَكُونُ الظَّالِمُ مِنْ صِفَةِ صَاحِبِ الْعِرْقِ وَإِنْ رُوِي عِرْقِ بِالْإِضَافَةِ فَيَكُونُ الظَّالِمُ صَاحِبَ الْعِرْقِ وَالْحَقُّ لِلْعِرْقِ . انْتَهَى . وَفِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ فَالظَّالِمُ صَاحِبُ الْعِرْقِ وَهُوَ الْغَارِسُ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ . انْتَهَى . وَالْعِرْقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : وَالْعِرْقُ أَحَدُ عُرُوقِ الشَّجَرَةِ ، وَرَوَى بِتَنْوِينِهِ بِمَعْنَى لِذِي عِرْقٍ ظَالِمٍ ، وَظَالِمٌ صِفَةُ عِرْقٍ مَجَازًا أَوْ صِفَةُ ذِي حَقِيقَةٍ ، وَإِنْ رَوَى عِرْقِ بِالْإِضَافَةِ يَكُونُ الظَّالِمُ صَاحِبَ الْعِرْقِ ، وَالْحَقُّ لِلْعِرْقِ ، أَيْ : مَجَازًا ، انْتَهَى . ( حَقٌّ ) : أَيْ فِي الْإِبْقَاءِ فِيهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ مُرْسَلًا ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مُرْسَلًا ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَفْظُهُ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ وَمَا أَكَلَتِ الْعَوَافِي مِنْهَا فَهُوَ صَدَقَةٌ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، نا عَبْدَةُ ، عَنْ مُحَمَّدٍ يَعْنِي : ابْنَ إسحاق ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ وَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ : فَلَقَدْ خَبَّرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، غَرَسَ أَحَدُهُمَا نَخْلًا فِي أَرْضِ الْآخَرِ ، فَقَضَى لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِأَرْضِهِ ، وَأَمَرَ صَاحِبَ النَّخْلِ أَنْ يُخْرِجَ نَخْلَهُ مِنْهَا . قَالَ : فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا ، وَإِنَّهَا لَتُضْرَبُ أُصُولُهَا بِالْفُؤُوسِ ، وَإِنَّهَا لَنَخْلٌ عُمٌّ حَتَّى أُخْرِجَتْ مِنْهَا . ( وَذَكَرَ مِثْلَهُ ) : أَيْ مِثْلَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ ( قَالَ ) : أَيْ عُرْوَةُ ( فَلَقَدْ خَبَّرَنِي ) : مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ( غَرَسَ ) : الْغَرْسُ بِالْفَتْحِ نشاندن درخت مِنْ بَابِ ضَرَبَ ( فَقَضَى ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَتُضْرَبُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( أُصُولُهَا ) : أَيْ أُصُولُ النَّخْلِ ( بِالْفُئوسِ ) : جَمْعُ فَأْسٍ ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ تبر ( لَنَخْلٌ عُمٌّ ) : بِضَمِّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ طِوَالٌ ، وَاحِدُهَا عَمِيمٌ ، وَرَجُلٌ عَمِيمٌ إِذَا كَانَ تَامَّ الْخَلْقِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيْ تَامَّةً فِي طُولِهَا وَالْتِفَافِهَا جَمْعُ عَمِيمَةٍ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ، نا وَهْبٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ إسحاق بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ مَكَانَ : الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَكْثَرُ ظَنِّي : أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ : فَأَنَا رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَضْرِبُ فِي أُصُولِ النَّخْلِ . ( مَكَانَ الَّذِي حَدَّثَنِي ) : أَيْ فِي مَوْضِعِ لَفْظِ الَّذِي حَدَّثَنِي الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ ( هَذَا ) : أَيْ هَذَا الْكَلَامُ الْآتِي . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ لَفْظُ فَلَقَدْ خَبَّرَنِي الَّذِي حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّ رَجُلَيْنِ إِلَخْ . وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، هَذِهِ عِوَضُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لَفْظُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَجُلَيْنِ إِلَخْ . ( فَأَنَا رَأَيْتُ الرَّجُلَ ) : يَعْنِي صَاحِبَ النَّخْلِ .
بَابٌ : فِي الْأَرْضِ يَحْمِيهَا الْإِمَامُ أَوْ الرَّجُلُ حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، أنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى النَّقِيعَ بَاب فِي الْأَرْضِ يَحْمِيهَا الْإِمَامُ أَوْ الرَّجُلُ ( عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ ( لَا حِمَى ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ ، وَهُوَ مَكَانٌ يُحْمَى مِنَ النَّاسِ وَالْمَاشِيَةِ لِيَكْثُرَ كَلَؤُهُ ( إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْتَمِلُ مَعْنَى الْحَدِيثِ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِيَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَا حَمَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَالْآخَرُ : مَعْنَاهُ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا حَمَاهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْوُلَاةِ بَعْدَهُ أَنْ يَحْمِيَ ، وَعَلَى الثَّانِي يَخْتَصُّ الْحِمَى بِمَنْ قَامَ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ خَاصَّةً . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَأَخَذَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا أَنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَالرَّاجِحُ عِنْدهُمُ الثَّانِي ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ إِلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ . انْتَهَى . وَمِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَنْ أَلْحَقَ بِالْخَلِيفَةِ وُلَاةَ الْأَقَالِيمِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَمَحَلُّ الْجَوَازِ مُطْلَقًا أَنْ لَا يَضُرَّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ . انْتَهَى . كَذَا فِي النَّيْلِ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : قِيلَ : كَانَ الشَّرِيفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا نَزَلَ أَرْضًا فِي حَيِّهِ اسْتَعْوَى كَلْبًا فَحَمَى مَدَى عِوَاءَ الْكَلْبِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَهُوَ يُشَارِكُ الْقَوْمَ فِي سَائِرِ مَا يَرْعَوْنَ فِيهِ ، فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَأَضَافَ الْحِمَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ، أَيْ : إِلَّا مَا يُحْمَى لِلْخَيْلِ الَّتِي تُرْصَدُ لِلْجِهَادِ ، وَالْإِبِلُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَإِبِلُ الزَّكَاةِ وَغَيْرُهَا ، كَمَا حَمَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّقِيعَ لِنَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، انْتَهَى . ( حِمَى النَّقِيعِ ) : قَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : هُوَ بِالنُّونِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ كَانَ يَسْتَنْقِعُ فِيهِ الْمَاءَ ، أَيْ : يَجْتَمِعُ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَى النَّقِيعَ وَقَالَ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) : تَقَدَّمَ شَرْحُهُ ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْحِمَى وَالْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِجَوَازِ الْإِحْيَاءِ مُعَارَضَةً وَمَنْشَأُ هَذَا الظَّنِّ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ فَاسِدٌ ، فَإِنَّ الْحِمَى أَخَصُّ مِنَ الْإِحْيَاءِ مُطْلَقًا . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مُعَارَضَةٌ فَالْحِمَى الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَا يَحْمِي مِنَ الْمَوَاتِ الْكَثِيرَةِ الْعُشْبِ لِنَفْسِهِ خَاصَّةً كَفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَالْإِحْيَاءُ الْمُبَاحُ مَا لَا مَنْفَعَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ شَامِلَةً فَافْتَرَقَا . قَالَ : وَإِنَّمَا تُعَدُّ أَرْضُ الْحِمَى مَوَاتًا لِكَوْنِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا مِلْكٌ لِأَحَدٍ لَكِنَّهَا تُشْبِهُ الْعَامِرَةَ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ الْعَامَّةِ . كَذَا فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرِ النَّقِيعُ .
بَابٌ : فِي اتِّخَاذِ الْكَاتِبِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : السِّجِلُّ كَاتِبٌ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب فِي اتِّخَاذِ الْكَاتِبِ ( السِّجِلُّ ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَالْجِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ اسْمُ كَاتِبٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ : الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيهَا الْكِتَابُ أَوْ مَلَكٌ أَوْ كَاتِبٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : سِجِلٌّ كَاتِبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْهُولٌ . انْتَهَى . وَفِي الْإِصَابَةِ : سِجِلُّ كَاتِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ قَالَ : السِّجِلُّ هُوَ الرَّجُلُ : زَادَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : وَالسِّجِلُّ هُوَ الرَّجُلُ بِالْحَبَشَةِ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ حَمْدَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِبٌ يُقَالُ لَهُ السِّجِلُّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ قَالَ : لَا مِنَ السِّجِلِّ هُوَ الرَّجُلُ بِالْحَبَشَةِ وَنَقَلَ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ السِّجِلُّ الصَّحِيفَةُ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ ، نا أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ عُمَيْرٍ أَبَا الْأَحْوَصِ يُحَدِّثُ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ : نَزَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، وَمَعَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ صَاحِبُ خَيْبَرَ رَجُلًا مَارِدًا مُنْكَرًا ، فَأَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ أَلَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا حُمُرَنَا ، وَتَأْكُلُوا ثَمَرَنَا ، وَتَضْرِبُوا نِسَاءَنَا ؟ فَغَضِبَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : يَا ابْنَ عَوْفٍ ارْكَبْ فَرَسَكَ ، ثُمَّ نَادِ : أَلَا إِنَّ الْجَنَّةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ ، وَأَنْ اجْتَمِعُوا لِلصَّلَاةِ . قَالَ : فَاجْتَمَعُوا ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ : أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةِ ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ ، أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ ، وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ ، أَوْ أَكْثَرُ ، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ إِذَا أَعْطَوْكُمْ الَّذِي عَلَيْهِمْ ( سَمِعْتُ حَكِيمَ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ ( ابْنَ عُمَيْرٍ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرًا ( رَجُلًا مَارِدًا ) : أَيْ عَاتِيًا ( حُمُرَنَا ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ حِمَارٍ ( وَأَنِ اجْتَمِعُوا ) : بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ( مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى أَرِيكَتِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ أَيْ عَلَى سَرِيرِة أَشَارَ إِلَى أن مَنْشَأِ جَهْلِهِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى السُّنَنِ وَرَدَّهُ هُوَ قِلَّةُ نَظَرِهِ وَدَوَامُ غَفْلَتِهِ بِتَعَهُّدِ الِاتِّكَاءِ وَالرُّقَادِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَقَالَ الْقَارِيُّ : عَلَى أَرِيكَتِهِ أَيْ سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ بِالْحُلَلِ وَالْأَثْوَابِ فِي قُبَّةٍ أَوْ بَيْتٍ كَمَا لِلْعَرُوسِ ، يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ . قِيلَ : الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الترفه وَالدَّعَةِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ ، انْتَهَى . ( أَلَا ) : لِلتَّنْبِيهِ ( وَإِنِّي ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ ( عَنْ أَشْيَاءَ ) : مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ فَحَسْبُ وَمُتَعَلِّقُ الْوَعْظِ وَالْأَمْرِ مَحْذُوفٌ أَيْ بِأَشْيَاءَ ( إِنَّهَا ) : أَيِ الْأَشْيَاءُ الْمَأْمُورَةُ وَالْمَنْهِيَّةُ عَلَى لِسَانِي بِالْوَحْيِ الْخَفِيِّ . قَالَ تَعَالَى : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ( لَمِثْلِ الْقُرْآنِ ) : أَيْ فِي الْمِقْدَارِ ( أَوْ أَكْثَرُ ) : أَيْ بَلْ أَكْثَرُ . قَالَ الْمُظْهِرُ أَوْ فِي قَوْلِهِ : أَوْ أَكْثَرُ ، لَيْسَ لِلشَّكِّ ، بَلْ إِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَزَالُ يَزْدَادُ عِلْمًا طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ وإِلْهَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَمُكَاشَفَةً لَحْظَةً فَلَحْظَةً ، فَكُوشِفَ لَهُ أَنَّ مَا أُوتِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ غَيْرِ الْقُرْآنِ مِثْلُهُ ثُمَّ كُوشِفَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ متصلا بِهِ ذَكَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِيِّ ( لَمْ يُحِلَّ ) : مِنَ الْإِحْلَالِ ( بُيُوتِ أَهْلِ الْكِتَابِ ) : يَعْنِي أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ قَبِلُوا الْجِزْيَةَ ( إِلَّا بِإِذْنٍ ) : أَيْ إِلَّا أَنْ يَأْذَنُوا لَكُمْ بِالطَّوْعِ وَالرَّغْبَةِ ( إِذَا أَعْطَوْكُمُ الذِي عَلَيْهِمْ ) : أَيْ مِنَ الْجِزْيَةِ . وَالْحَاصِلُ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِإِيذَائِهِمْ فِي الْمَسْكَنِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ إِذَا أَعْطَوُا الْجِزْيَةَ ، وَإِذَا أَبَوْا عَنْهَا انْتَقَضَتْ ذِمَّتُهُمْ وَحَلَّ دَمُهُمْ وَمَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَصَارُوا كَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي قَوْلٍ صَحِيحٍ ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ ، قَالَ : خَرَاجٌ مَكَانَ الْعُشُورِ ( قَالَ خَرَاجٌ مَكَانَ الْعُشُورِ ) : أَيْ قَالَ : إِنَّمَا الْخَرَاجُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ خَرَاجٌ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، نا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ بَاب فِي تَعْشِيرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا اخْتَلَفُوا بِالتِّجَارَة قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَشَرَهُمْ يَعْشِرُهُمْ عَشْرًا وَعُشُورًا وَعَشَّرَهُمْ أَخَذَ عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ . ( أَبِي أُمِّهِ ) : تَفْسِيرُ جَدِّهِ أَيْ جَدِّهِ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ لَيْسَ هُوَ جَدُّهُ الصَّحِيحُ بَلْ هُوَ جَدُّهُ الْفَاسِدُ ( إِنَّمَا الْعُشُورُ ) : جَمْعُ عُشْرٍ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ وَلَيْسَ عَلَى ( الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ عُشُورُ التِّجَارَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ دُونَ عُشُورِ الصَّدَقَاتِ وَالَّذِي يَلْزَمُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنَ الْعُشُورِ هُوَ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَقْتَ الْعَقْدِ ، وَإِنْ لَمْ يُصَالِحُوا عَلَيْهِ فَلَا عُشُورَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ أَكْثَرَ مِنَ الْجِزْيَةِ فَأَمَّا عُشُورُ غَلَّاتِ أَرْضِهِمْ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إِنْ أَخَذُوا مِنَّا الْعُشُورَ فِي بِلَادِهِمْ إِذَا اخْتَلَفَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فِي التِّجَارَاتِ أَخَذْنَاهَا مِنْهُمْ وَإِلَّا فَلَا . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَا : نَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَلَّكُمْ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا ، فَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ ، فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ . قَالَ سَعِيدٌ فِي حَدِيثِهِ : فَيُصَالِحُونَكُمْ عَلَى صُلْحٍ - ثُمَّ اتَّفَقَا - فَلَا تُصِيبُوا مِنْهُمْ شَيْئًا فَوْقَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَكُمْ ( فَتَظْهَرُونَ ) : أَيْ تَغْلِبُونَ ( فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ ) : أَيْ يَجْعَلُونَ أَمْوَالَهُمْ وِقَايَةً لِأَنْفُسِهِمْ ( قَالَ سَعِيدٌ فِي حَدِيثهِ فَيُصَالِحُونَكُمْ عَلَى صُلْحٍ ) : أَيْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي رِوَايَتِهِ فَيُصَالِحُونَكُمْ عَلَى صُلْحٍ فِي مَوْضِعِ فَيَتَّقُونَكُمْ بِأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) : أَيْ مُسَدَّدٌ وَسَعِيدٌ ( لَا يَصْلُحُ لَكُمْ ) : أَيْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ . قَالَ فِي النَّيْلِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وُقُوعِ الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ عَلَى شَيْءٍ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُمْ زِيَادَةً عَلَيْهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَنَقْضِ الْعَقْدِ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، أََنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ الْمَدِينِيُّ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( عَنْ عِدَّةٍ ) : أَيْ جَمَاعَةٍ ( مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : يُحْتَمَلُ كَوْنُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ ( عَنْ آبَائِهِمْ ) : أَيِ الصَّحَابَةِ ( دِنْيَةً ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَأَعْرَبَهُ النُّحَاةُ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى لَاصِقِي النَّسَبِ ( أَلَا ) : لِلتَّنْبِيهِ ( مُعَاهِدًا ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا ( أَوِ انْتَقَصَهُ ) : أَيْ نَقَصَ حَقَّهُ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ عَابَهُ لِمَا فِي الْأَسَاسِ اسْتَنْقَصَهُ وَانْتَقَصَهُ عَابَهُ ، انْتَهَى . ( أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ ) : أَيْ فِي أَدَاءِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْخَرَاجِ بِأَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ أَوْ أَخَذَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُطِيقُ ( فَأَنَا حَجِيجُهُ ) أَيْ خَصْمُهُ وَمُحَاجُّهُ وَمُغَالِبُهُ بِإِظْهَارِ الْحِجَجِ عَلَيْهِ . وَالْحُجَّةُ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ ، يُقَالُ : حَاجَجَهُ حِجَاجًا وَمُحَاجَّةً فَأَنَا مُحَاجٍ وَحَجِيجٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِيهِ أَيْضًا مَجْهُولُونَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ خَالِهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُعَشِّرُ قَوْمِي ؟ قَالَ : إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ( أُعَشِّرُ قَوْمِي ) : أَيْ آَخُذُ عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ فِي إِسْنَادِهِ الرَّجُلُ الْبَكْرِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَخَالُهُ أَيْضًا مَجْهُولٌ وَلَكِنَّهُ صَحَابِيٌّ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ ، نا أَبُو نُعَيْمٍ ، نا عَبْدُ السَّلَامِ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ جَدِّهِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمْتُ ، وَعَلَّمَنِي الْإِسْلَامَ ، وَعَلَّمَنِي كَيْفَ آخُذُ الصَّدَقَةَ مِنْ قَوْمِي مِمَّنْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلّمَا عَلَّمْتَنِي قَدْ حَفِظْتُ إِلَّا الصَّدَقَةَ أَفَأُعَشِّرُهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، إِنَّمَا الْعُشُرُ عَلَى النَّصَارَى وَالْيَهُودِ ( رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ ) : بَدَلٌ مِنْ جَدِّهِ ( ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ وَسَاقَ اضْطِرَابَ الرُّوَاةِ فِيهِ وَقَالَ : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ : وَقَدْ فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُشُورَ فِيمَا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ فِي خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ : فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ وَلَا أَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ يُحْتَجُّ بِهِ . كَذَا فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ لِابْنِ الْقَيِّمِ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : بَعَثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْأَيْلَةِ فَأَخْرَجَ لِي كِتَابًا مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ ، وَمِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَمِمَّنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمٌ . وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ مُصَدِّقًا فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِذَا اخْتَلَفُوا بِهَا لِلتِّجَارَةِ رُبْعَ الْعُشْرِ ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ ، وَمِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ وَاللَّفْظُ لَهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَمْوَالِهِمُ الَّتِي يَخْتَلِفُونَ بِهَا فِي كُلِّ عِشْرِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَرَضِيَ وَأَجَازَهُ ، وَقَالَ لِعُمَرَ : كَمْ تَأْمُرُنا أَنْ نَأْخُذَ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، قَالَ : كَمْ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ إِذَا أَتَيْتُمْ بِلَادَهُمْ ، قَالُوا : الْعُشْرَ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ فَخُذُوا مِنْهُمْ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ : اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْعُشُورِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ ، وَمِنْ تُجَّارِ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ ، وَمِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ رُبْعَ الْعُشْرِ .
بَابٌ : فِي إِيقَافِ أَرْضِ السَّوَادِ ، وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنِ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنَعَتْ الْعِرَاقُ قَفِيزَهَا وَدِرْهَمَهَا ، وَمَنَعَتْ الشَّامُ مُدْيَهَا وَدِينَارَهَا ، وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا ، ثُمَّ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ . قَالَهَا زُهَيْرٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ لَحْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَدَمُهُ . بَاب فِي إِيقَافِ أَرْضِ السَّوَادِ قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : السَّوَادُ يُرَادُ بِهِ رُسْتَاقٌ مِنْ رَسَاتِيقِ الْعِرَاقِ وَضِيَاعِهَا الَّتِي افْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُمِّيَ سَوَادًا لِحَضْرَتِهِ بِالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ . وَحَدُّ السَّوَادِ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِهِ الْمَوْصِلُ طُولًا إِلَى عبادان وَمِنْ عُذَيْبِ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا ، فَيَكُونُ طُولُهُ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فَرْسَخًا ، فَطُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِ الْعِرَاقِ ، فَطُولُ الْعِرَاقِ ثَمَانُونَ فَرْسَخًا وَيَقْصُرُ عَنْ طُولِ السَّوَادِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ فَرْسَخًا . قَالَ صَاحِبُ الْمَرَاصِدِ : وَهَذَا التَّفَاوُتُ كَأَنَّهُ غَلَطٌ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا خَمْسُونَ فَرْسَخًا أَوْ أَكْثَرَ . وَعَرْضُ الْعِرَاقِ هُوَ عَرْضُ السَّوَادِ لَا يَخْتَلِفُ وَذَلِكَ ثَمَانُونَ فَرْسَخًا . انْتَهَى . ( وَأَرْضِ الْعَنْوَةِ ) : أَيْ إِيقَافِ الْأَرْضِ الَّتِي أُخِذَتْ قَهْرًا لَا صُلْحًا ، يُقَالُ : عَنَا يَعْنُو عَنْوَةً إِذَا أَخْذَ الشَّيْءَ قَهْرًا . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ، وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ ، وَعُمَرُ لَمْ يُقَسِّمْ بَلْ أَقَرَّهَا عَلَى حَالِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا فِي رَقَبَتِهَا تَكُونُ لِلْمُقَاتِلَةِ ، فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفُ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الرَّقَبَةِ بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا تُورَثُ وَالْوَقْفُ لَا يُورَثُ . وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ صَدَاقًا ، وَالْوَقْفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا ؛ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ إِنَّمَا امْتَنَعَ بَيْعُهُ وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبُطُونِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْفَعَتِهِ ، وَالْمُقَاتِلَةُ حَقُّهُمْ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ فَمَنِ اشْتَرَاهَا صَارَتْ عِنْدَهُ خَرَاجِيَّةً كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ سَوَاءً فَلَا يَبْطُلُ حَقُّ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْبَيْعِ كَمَا لَمْ يَبْطُلْ بِالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَاقِ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قُلْتُ : قَدِ اخْتُلِفَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي يَفْتَتِحُهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً . قَالَ ابْنِ الْمُنْذِرِ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ عُمَرَ اسْتَطَابَ أَنْفُسَ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ افْتَتَحُوا أَرْضَ السَّوَادِ وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ أَنْ تُقَسَّمَ كَمَا قَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْأَرْضَ الْمَغْنُومَةَ لَا تُقَسَّمُ بَلْ تَكُونُ وَقْفًا يُقَسَّمُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَبِيلِ الْخَيْرِ إِلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقَسِّمَ الْأَرْضَ . وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقَسِّمَ السَّوَادَ ، فَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : دَعْهُ يَكُونُ مَادَّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَتَرَكَهُ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ أَنَّ عُمَرَ أَرَادَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ : إِنْ قَسَمْتَهَا صَارَ الرِّيعُ الْعَظِيمُ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ يَبِيدُونَ فَيَصِيرُ إِلَى الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوِ الْمَرْأَةِ ، وَيَأْتِي قَوْمٌ يَسُدُّونَ مِنَ الْإِسْلَامِ مَسَدًّا وَلَا يَجِدُونَ شَيْئًا فَانْظُرْ أَمْرًا يَسَعُ أَوَّلَهُمْ وَآخِرَهُمْ فَاقْتَضَى رَأْيُ عُمَرَ تَأْخِيرَ قَسْمِ الْأَرْضِ وَضَرَبَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا لِلْغَانِمِينَ وَلِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ . انْتَهَى . ( مَنَعَتِ الْعِرَاقُ ) : أَيْ أَهْلُهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَحَدُهُمَا لِإِسْلَامِهِمْ فَتَسْقُطُ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ ، وَهَذَا قَدْ وُجِدَ . وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَجَمَ وَالرُّومَ يَسْتَوْلُونَ عَلَى الْبِلَادِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْنَعُونَ حُصُولَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يَجِيءَ إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ ، قُلْنَا : مِنْ أَيْنَ ذَلِكَ ؟ قَالَ : مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَلِكَ وَذَكَرَ فِي مَنْعِ الرُّومِ ذَلِكَ بِالشَّامِ مِثْلَهُ ، وَهَذَا قَدْ وُجِدَ فِي زَمَانِنَا فِي الْعِرَاقِ . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ يَرْتَدُّونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْنَعُونَ مَا لَزِمَهُمْ مِنَ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ تَقْوَى شَوْكَتُهُمْ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَمْتَنِعُونَ مِمَّا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ . انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ : وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا سَيَكُونُ مِنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ هَذِهِ الْأَقَالِيمَ وَوَضْعِهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ ثُمَّ بُطْلَانُ ذَلِكَ إِمَّا بِتَغَلُّبِهِمْ ، وَهُوَ أَصَحُّ التَّأْوِيلَيْنِ ، وَفِي الْبُخَارِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَفْظُ الْمَنْعِ يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ ، وَإِمَّا بِإِسْلَامِهِمُ ، انْتَهَى . ( قَفِيزَهَا ) : مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هُوَ ثَمَانِيَةُ مَكَاكِيكَ ، وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفٌ وَهُوَ خَمْسُ كَيْلَجَاتٍ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( مُدْيَهَا ) : الْمُدْيُ كَقُفْلٍ مِكْيَالٌ لِأَهْلِ الشَّامِ ، يُقَالُ : إِنَّهُ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . ( إِرْدَبّهَا ) : بِالرَّاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهُمَا مُوَحَّدَةٌ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْإِرْدَبُّ كَقِرْشَبٍّ ، مِكْيَالٌ ضَخْمٌ بِمِصْرَ ويَضُمُّ أَرْبَعَةً وَعِشْرينَ صَاعًا . انْتَهَى . ( ثُمَّ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ ) : أَيْ رَجَعْتُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ . وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ : وَحَدِيثِ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ هُوَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ : بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ ( قَالَهَا ) : أَيْ كَلِمَةٌ ثُمَّ عُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأْتُمْ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ وَأَنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ تُفْتَحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُوضَعُ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ شَيْئًا مُقَدَّرًا بِالْمَكَايِيلِ وَالْأَوْزَانِ وَأَنَّهَا سَتَمْنَعُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، وَخَرَجَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَرْضِ السَّوَادِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا ، وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِي مِقْدَارِ مَا وَضَعَهُ عَلَيْهَا وَفِيهَا مُسْتَدَلٌّ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الْخَرَاجِ لَا يَنْفِي وُجُوبَ الْعُشْرِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُشْرِ إِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْقُفْزَانِ وَالْخَرَاجِ نَقْدًا إِمَّا دَرَاهِمَ وَإِمَّا دَنَانِيرَ . انْتَهَى . وَفِي الْهِدَايَةِ : وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ فَتَحَ السَّوَادَ وَضَعَ الْخَرَاجَ عَلَيْهَا بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَوَضَعَ عَلَى مِصْرَ حِينَ افْتَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَكَذَا اجْتَمَعَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى الشَّامِ . انْتَهَى . وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ : لَمَّا افتتح الْمُسْلِمُونَ السَّوَادَ قَالُوا لِعُمَرَ : اقْسِمْهُ بَيْننَا فَإِنَّا فَتَحْنَاهُ عَنْوَةً ، قَالَ : فَأَبَى وَقَالَ : مَا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَكُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ : فَأَقَرَّ أَهْلَ السَّوَادِ فِي أَرْضِهِمْ وَضَرَبَ عَلَى رُؤوسِهِمُ الْجِزْيَةَ وَعَلَى أَرَاضِيهِمُ الْخَرَاجَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي أَوَاخِرِ الزَّكَاةِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ : وَضَعَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ يَبْلُغُهُ الْمَاءُ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا مِنْ طَعَامٍ ، وَعَلَى الْبَسَاتِينِ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَعَلَى الرِّطَابِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ طَعَامٍ ، وَعَلَى الْكُرُومِ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ أَرْضٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَعَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ ، وَلَمْ يَضَعْ عَلَى النَّخْلِ شَيْئًا جَعَلَهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ افْتَتَحَ مِصْرَ عَنْوَةً وَاسْتَبَاحَ مَا فِيهَا وَعَزَلَ مِنْهُ مَغَانِمَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ صَالَحَ بَعْدُ عَلَى وَضْعِ الْجِزْيَةِ فِي رِقَابِهِمْ وَوَضَعَ الْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِهِمْ ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَبْعَثُ لِجِزْيَةِ أَهْلِ مِصْرَ وَخَرَاجِهَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كُلَّ سَنَةٍ بَعْدَ حَبْسِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الْغَنَائِمِ ، وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ ، فَإِنَّ بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ لَمَّا طَلَبُوا مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُقَسِّمَ بَيْنَهُمُ الْأَرْضَ الَّتِي فَتَحُوهَا عَنْوَةً وَهِيَ الشَّامُ وَمَا حَوْلَهَا وَقَالُوا لَهُ : خُذْ خُمُسهَا وَاقْسِمْهَا ، فَقَالَ عُمَرُ : هَذَا فِي غَيْرِ الْمَالِ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ فِيمَا يَجْرِي عَلَيْكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ : اقْسِمْهَا بَيْنَنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ ، ثُمَّ وَافَقَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ جَرَى فِي فُتُوحِ مِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَأَرْضِ فَارِسٍ وَسَائِرِ الْبِلَادِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمْ يَقْسِمْ مِنْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ قَرْيَةً وَاحِدَةً ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ اسْتَطَابَ نُفُوسِهِمْ وَوَقَفَهَا بِرِضَاهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ نَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ وَدَعَا عَلَى بِلَالٍ وَأَصْحَابِهِ . وَكَانَ الَّذِي رَآهُ وَفَعَلَهُ عَيْنَ الصَّوَابِ وَمَحْضَ التَّوْفِيقِ ، إِذْ لَوْ قُسِّمَتْ لَتَوَارَثَهَا وَرَثَةُ أُولَئِكَ وَأَقَارِبهِمْ فَكَانَتِ الْقَرْيَةُ وَالْبَلَدُ تَصِيرُ إِلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ صَبِيٍّ صَغِيرٍ وَالْمُقَاتِلَةُ لَا شَيْءَ بِأَيْدِيهِمْ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمَ الْفَسَادِ وَأَكْبَرِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَافَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فوفقه اللَّهُ تَعَالَى لِتَرْكِ قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَجَعْلِهَا وَقْفًا عَلَى الْمُقَاتِلَةِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ فِيهَا حَتَّى يَغْزُوا مِنْهَا آخِرَ الْمُسْلِمِينَ ، وَظَهَرَتْ بَرَكَةُ رَأْيِهِ وَيُمْنِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَوَافَقَهُ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَأَمَّا وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُؤَلِّفِ الْإِمَامِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ مِنْ إِيقَافِ سَوَادِ الْأَرْضِ فَبِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الصَّحَابَةَ يَفْتَتِحُونَ تِلْكَ الْبِلَادَ وَيَضَعُونَ الْخَرَاجَ عَلَى أَرْضِهِمْ وَيَقِفُونَهَا عَلَى الْمُقَاتِلَةِ وَالْمُجَاهِدِينَ ، وَلَمْ يُرْشِدْهُمْ إِلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَلْ قَرَّرَهُ وَحَكَاهُ لَهُمْ ، لَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يَجْزِمْ عَلَى أَنَّ إِيقَافَهَا أَمْرٌ لَازِمٌ بَلْ تَبْوِيبِهِ كَأَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِفْهَامِ ، أَيْ مَاذَا يَفْعَلُ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ يُوقِفُ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ أَوْ يُقَسِّمُ لِلْغَانِمِينَ؟ وَمَا حُكْمُ إِيقَافِ أَرْضِ السَّوَادِ ، فَقَدْ عَلِمْتَ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأَرْضَ الْمَغْنُومَةَ تَكُونُ لِلْغَانِمِينَ وَحُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُغْنَمُ . فَطَرِيقُ الْجَمْعِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ مِنَ الصَّحِيحِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا وَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا ، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَّسُولِه ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ ( أَيّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا إِلَخْ ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَرْيَةِ الْأُولَى هِيَ الَّتِي لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بَلْ أُجْلِيَ عَنْهَا أَهْلُهَا وَصَالَحُوا فَيَكُونُ سَهْمُهُمْ فِيهَا أَيْ حَقُّهُمْ مِنَ الْعَطَاءِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْفَيْءِ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ مَا أُخِذَتْ عَنْوَةً فَيَكُونُ غَنِيمَةً يَخْرُجُ مِنْهَا الْخُمُسُ وَالْبَاقِي لِلْغَانِمِينَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : هِيَ لَكُمْ ، أَيْ بَاقِيهَا وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْخُمُسَ فِي الْفَيْءِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ قَالَ بِالْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ . كَذَا فِي السبل . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُغْنَمُ وَأَنَّ خُمُسَهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ فِي الْفَيْءِ مِمَّا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ أُجْلِيَ عَنْهُ أَهْلُهُ وَصَالَحُوا عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ حَقُّهُمْ فِيهَا أَيْ قَسْمُهُمْ فِي الْعَطَاءِ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بالثَّانِي مَا فِيهِ الْخُمُسُ مَا أُخِذَ عَنْوَةً ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ مُخْتَصَرًا . ( فَسَهْمكُمْ فِيهَا ) : أَيْ حَقُّكُمْ مِنَ الْعَطَاءِ كَمَا يُصْرَفُ الْفَيْءُ لَا كَمَا يُصْرَفُ الْغَنِيمَةُ . قَالَهُ السِّنْدِيُّ ( عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) : أَيْ أَخَذْتُمُوهَا عَنْوَةً ( ثُمَّ هِيَ ) : أَيِ الْقَرْيَةُ لَكُمْ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ خَيْبَرَ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، نا أَبِي ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَحْسَبُهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ ، فَغَلَبَ عَلَى َالْأَرْضِ والنَّخْلِ ، وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى قَصْرِهِمْ ، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ ، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا ، وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا ، فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ فَغَيَّبُوا مَسْكًا لِحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ، وَقَدْ كَانَ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتْ النَّضِيرُ فِيهِ حُلِيُّهُمْ . وقَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْيَةَ : أَيْنَ مَسْكُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ؟ قَالَ : أَذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ وَالنَّفَقَاتُ ، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ ، فَقَتَلَ ابْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ ، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ دَعْنَا نَعْمَلْ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَلَنَا الشَّطْرُ مَا بَدَا لَكَ ، وَلَكُمْ الشَّطْرُ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ بَاب مَا جَاءَ فِي حُكْمِ أَرْضِ خَيْبَرَ بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ وَمُوَحَّدَةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ، وَهِيَ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ ذَاتُ حُصُونٍ وَمَزَارِعَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى جِهَةِ الشَّامِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بَقِيَّةَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ ، فَأَقَامَ يُحَاصِرُهَا بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى أَنْ فَتَحَهَا فِي صَفَرٍ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي . ( وَأَلْجَأَهُمْ ) : أَيِ اضْطَرَّهُمْ ( الصَّفْرَاءَ ) : أَيِ الذَّهَبَ ( وَالْبَيْضَاءَ ) : أَيِ الْفِضَّةَ ( وَالْحَلْقَةَ ) : أَيِ السِّلَاحَ وَالدُّرُوعَ ( وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ ) : أَيْ جِمَالُهُمْ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ لَا الْأَرَاضِي وَالْبَسَاتِينِ ( فَغَيَّبُوا مَسْكًا ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمَسْكُ الْجِلْدُ أَوْ خَاصٌّ بِالسَّخْلَةِ ، الْجَمْعُ مُسُوكٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَسْكُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ذَخِيرَةٌ مِنْ صَامِتٍ وَحُلِيٌّ كَانَتْ تُدْعَى مَسْكُ الْجَمَلِ ، ذَكَرُوا أَنَّهَا قُوِّمَتْ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ ، وَكَانَتْ لَا تُزَفُّ امْرَأَةٌ إِلَّا اسْتَعَارُوا لَهَا ذَلِكَ الْحُلِيَّ ، وَكَانَ شَارَطَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْتُمُوا شَيْئًا مِنَ الصَّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ ، فَكَتَمُوهُ وَنَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِيهِمْ مَا كَانَ انْتَهَى ( لِحُيَيٍّ ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ تَصْغِيرُ حَيٍّ ( وَقَدْ كَانَ قُتِلَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ( احْتَمَلَهُ ) أَيِ الْمَسْكُ ( مَعَهُ ) : وَكَانَ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ ، فَحَمَلَهُ حُيَيٌّ لَمَّا أُجْلِيَ عَنِ الْمَدِينَةِ ( يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ ) : أَيْ زَمَنَ إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ ( حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ ) : أَيْ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ : يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَهُوَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَهَا بَعْدَ بَدْرٍ لِمَا رَوَى عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَبْلَ أُحُدٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُرْوَةَ : ثُمَّ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَنَخْلُهُمْ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ ، فَحَاصَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ ، وَعَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا أَقَلَّتِ الْإِبِلُ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ إِلَّا الْحَلْقَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : سَبَّحَ لِلَّهِ إِلَى قَوْلِهِ : لأَوَّلِ الْحَشْرِ وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى صَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ ، فَأَجْلَاهُمْ إِلَى الشَّامِ ، فَكَانَ جَلَاؤُهُمْ أَوَّلَ حَشْرِ حُشِرَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الشَّامِ ، وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ وَصَحَّحَهُ . انْتَهَى . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْـزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْ عَاوَنُوا الْأَحْزَابَ وَهُمْ قُرَيْظَةُ مِنْ صَيَاصِيهِمْ : أَيْ حُصُونُهُمْ ، نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَاهَرُوا الْأَحْزَابَ وَهِيَ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ بِلَا رَيْبٍ ، وَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَحْزَابِ ذِكْرٌ ، بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي جَمْعِ الْأَحْزَابِ مَا وَقَعَ مِنْ إِجْلَائِهِمْ ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ رُءُوسِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَهُوَ الَّذِي حَسَّنَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ الْغَدْرَ وَمُوَافَقَةَ الْأَحْزَابِ حَتَّى كَانَ مِنْ هَلَاكِهِمْ مَا كَانَ . وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُمْ حِينَ هَمُّوا بِغَدْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، وَنَهَضَ سَرِيعًا إِلَى الْمَدِينَةِ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَنِ اخْرُجُوا مِنْ بَلَدِي الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّ مَسَاكِنَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهَا ، فَكَأَنَّهَا مِنْهَا فَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا ، وَقَدْ هَمَمْتُمْ بما هممتم بِهِ مِنَ الْغَدْرِ ، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ عَشْرًا ، فَمَنْ رُئِيَ مِنْكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ ، وَاكْتَرَوْا مِنْ أُنَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ إِبِلًا ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ ، وَأَقِيمُوا فِي حُصُونِكُمْ ، فَإِنَّ مَعِيَ أَلْفَيْنِ مِنْ قَوْمِي مِنَ الْعَرَبِ يَدْخُلُونَ حُصُونَكُمْ ، وَتَمُدُّكُمْ قُرَيْظَةُ وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ ، فَطَمِعَ حُيَيٌّ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ أُبَيٍّ ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّا لَنْ نَخْرُجَ مِنْ دِيَارِنَا ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ ، فَأَظْهَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّكْبِيرَ ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِتَكْبِيرِهِ ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ ، فَحَاصَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ ، ثُمَّ أَجْلَاهُمْ عَنِ الْمَدِينَةِ ، وَحَمَلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَتَحَمَّلُوا أَمْتِعَتَهُمْ عَلَى سِتّمِائَةِ بَعِيرٍ ، فَلَحِقوا أَكْثَرُهُمْ بِخَيْبَرَ مِنْهُمْ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ، وَسَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ ، وَذَهَبَت طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى الشَّامِ كَمَا فِي سِيرَةِ الشَّامِيَّةِ . وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ : لَحِقَ أَكْثَرُهُمْ بِالشَّامِ لِجَوَازِ أَنَّ الْأَكْثَرَ نَزَلُوا أَوَّلًا بِخَيْبَرَ ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ إِلَى الشَّامِ ، لَكِنْ فِي مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ : فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى الشَّامِ ، فَكَانَ أَشْرَافُهُمْ مَنْ سَارَ إِلَى خَيْبَرَ سَلَّامٌ وَكِنَانَةُ وَحُيَيٌّ . وَفِي تَارِيخِ الْخَمِيسِ : ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الشَّامِ ، وَلَحِقَ أَهْلُ بَيْتَيْنِ وَهُمْ آلُ أَبِي الْحُقَيْقِ وَآلُ حُيَيٍّ بِخَيْبَرَ ، قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ . ( فِيهِ ) : أَيْ فِي الْمِسْكِ وَهُوَ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ حُلِيِّهِمْ ( لِسَعْيَةَ ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدهَا تَحْتِيَّةٌ ، هُوَ عَمُّ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ ( فَقُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ ) : بِمُهْمَلَةٍ وَقَافَيْنِ مُصَغَّرًا ، وَهُوَ رَأْسُ يَهُودِ خَيْبَرَ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ بِتَثْنِيَةِ لَفْظِ ابْنٍ . قَالَ فِي النَّيْلِ : إِنَّمَا قَتَلَهُمَا لِعَدَمِ وَفَائِهِمْ بِمَا شَرَطَهُ عَلَيْهِمْ ؛ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ : الْحَدِيثِ فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمَّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ ( دَعْنَا ) : أَيِ اتْرُكْنَا ( وَلَنَا الشَّطْرُ ) : أَيْ لَنَا نِصْفُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ( ثَمَانِينَ وَسْقًا ) : الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إسحاق ، قال : حَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَن نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ ، فَإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ فَأَخْرَجَهُمْ ( وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَلْيَلْحَقْ بِهِ ) : أَيْ مَنْ كَانَ لَهُ بُسْتَانٌ أَوْ زَرْعٌ بِخَيْبَرَ فِي أَيْدِي الْيَهُودِ فَلْيَأْخُذْهُ مِنْهُمْ وَيَحْفَظْهُ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَأَخْرَجَهُمْ ) : أَيْ أَخْرَجَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَهُودَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، أنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَأَلَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنْ يُقِرَّهُمْ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى النِّصْفِ مِمَّا خَرَجَ مِنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَكَانَ التَّمْرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ ، وَيَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُمُسَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَطْعَمَ كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ أَزْوَاجِهِ مِنْ الْخُمُسِ مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرًا وَعِشْرِينَ وَسْقًا من شَعِير . فَلَمَّا أَرَادَ عُمَرُ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ أَرْسَلَ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُنَّ : مَنْ أَحَبَّ مِنْكُنَّ أَنْ أَقْسِمَ لَهَا نَخْلًا بِخَرْصِهَا مِائَةَ وَسْقٍ ، فَيَكُونَ لَهَا أَصْلُهَا وَأَرْضُهَا وَمَاؤُهَا ، وَمِنْ الزَّرْعِ مَزْرَعَةَ خَرْصٍ عِشْرِينَ وَسْقًا فَعَلْنَا ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ نَعْزِلَ الَّذِي لَهَا فِي الْخُمُسِ كَمَا هُوَ فَعَلْنَا . ( أَنْ يُقِرَّهُمْ ) : مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ ، أَيْ يُسْكِنُهُمْ بِخَيْبَرَ ( مِمَّا خَرَجَ مِنْهَا ) : أَيْ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ ( وَكَانَ التَّمْرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ إِلَخْ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ؛ لِأَنَّ السُّهْمَانَ كَانَتْ لِلْغَانِمِينَ . وَقَوْلُهُ : يَأْخُذُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُمُسَ أَيْ يَدْفَعُهُ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ وَهُمْ خَمْسَةُ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ : فَيَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ خُمُسًا وَاحِدًا مِنَ الْخُمُسِ وَيُصْرَفُ الْأَخْمَاسَ الْبَاقِيَةَ مِنَ الْخُمُسِ إِلَى الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ الْبَاقِينَ . انْتَهَى . وَقَوْلُهُ : سُهْمَانِ بِضَمِّ السِّينِ وَسُكُونِ الْهَاءِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : سُمِّيَ كُلُّ نُصِيبٍ سَهْمًا وَيُجْمَعُ السَّهْمُ عَلَى أَسْهُمٍ وَسِهَامٍ وَسُهْمَانَ انْتَهَى ( مِائَةَ وَسْقٍ تَمْرًا ) : وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ : ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ ، قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : لَعَلَّ بَعْضُهُمْ قَالَ بِالتَّخْمِينِ وَالتَّقْرِيبِ فَحَصَلَ مِنْهُ الْخِلَافُ فِي التَّعْبِيرِ ، وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ مِنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ انْتَهَى ( فَعَلْنَا ) : جَوَابُ مَنْ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ قَسَّمَ خَيْبَرَ خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ الْأَرْضَ ، وَالْمَاءَ أَوْ يَضْمَنَ لَهُنَّ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ ، فَاخْتَلَفْنَ فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الْأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتَارَ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ . ( ح ) وَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَزِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ أَنَّ إسماعيل بْنَ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ ، فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً ، فَجُمِعَ السَّبْيُ ( فَأَصَبْنَاهَا ) : أَيْ خَيْبَرَ ( عَنْوَةً ) : أَيْ قَهْرًا وَغَلَبَةً . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَتَمُّ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا ، كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ . ( لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ ) : أَيْ لَوْ قُسِمَتْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى الْفَاتِحِينَ لَهَا لَمَا بَقِيَ شَيْءٌ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( مَا فَتَحْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ( إِلَّا قَسَمْتُهَا ) : أَيْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ ، لَكِنِ النَّظَرُ لِآخِرِ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي أَنْ لَا أَقْسِمَهَا بَلْ أَجْعَلَهَا وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً أَنَّهُ يَلْزَمُ قِسْمَتُهَا إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِوَقْفِيَّتِهَا مَنْ غَنِمَهَا . وَعَنْ مَالِكٍ تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْفَتْحِ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ بِتَخَيُّرِ الْإِمَامِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَوَقْفَتِهَا ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَتَقَدَّمَ آنِفًا الْكَلَامُ فِيهِ أَيْضًا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُؤَذِّنُ ، نا أَسَدُ بْنُ مُوسَى ، نا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ ، وَنِصْفًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا 3764 ( عَنْ بُشَيْرٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ ( نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ ) : جَمْعُ نَائِبهٍ وَهِيَ مَا يَنُوبُ الْإِنْسَانَ أَيْ يَنْزِلُ مِنَ الْمُهِمَّاتِ وَالْحَوَادِثِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْأَرْضَ إِذَا غُنِمَتْ قُسِّمَتْ كَمَا يُقَسَّمُ الْمَتَاعُ وَالْخُرْثِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ . وَالظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ خَيْبَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَتَحَهَا عَنْوَةً ، فَإِذَا كَانَتْ عَنْوَةً فَهِيَ مَغْنُومَةٌ ، وَإِذَا صَارَتْ غَنِيمَةً فَإِنَّمَا حِصَّتُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ خُمُسُ الْخُمُسِ ، وَهُوَ سَهْمُهُ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ النِّصْفُ مِنْهَا أَجْمَعُ حَتَّى يَصْرِفُهُ فِي حَوَائِجِهِ وَنَوَائِبِهِ عَلَى ظَاهِرِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ . قُلْتُ : وَإِنَّمَا يَشْكُلُ هَذَا عَلَى مَنْ لَا يَتَتَبَّعُ طُرُقَ الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي فَتُوحِ خَيْبَرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا وَيُرَتِّبَهَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ يُبَيِّنُ صِحَّةَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْكُلُ مَعْنَاهُ . وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ لَهَا قُرًى وَضِيَاعٌ خَارِجَةٌ عَنْهَا مِنْهَا الْوَطِيحَةُ وَالْكُتَيْبَةُ وَالشِّقُ وَالنَّطَاةُ وَالسَّلَالِيمُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ ، فَكَانَ بَعْضُهَا مَغْنُومًا وَهُوَ مَا غَلَبَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ سَبِيلَهَا الْقَسْمُ ، وَكَانَ بَعْضُهَا بَاقِيًا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَكَانَ خَاصًّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَاجَتِهِ وَنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، فَنَظَرُوا إِلَى مَبْلَغِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، فَاسْتَوَتِ الْقِسْمَةُ فِيهَا عَلَى النِّصْفِ وَالنِّصْفِ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ انْتَهَى : أَيْ حَيْثُ قَالَ إِنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا وَبَيَانُهُ سَيَأْتِي ( عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ) : وَهِيَ نِصْفُ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا وَهِيَ الْقِسْمَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ تَقْسِيمِ خَيْبَرَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، فَعَزَلَ نِصْفَهَا أَعْنِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ ، وَقَسَّمَ الْبَاقِي وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، ثُمَّ قَسَمَ سَائِرَهَا عَلَى مَنْ شَهِدَهَا ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ . ( خَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خَيْبَرَ قُسِمَتْ بَعْدَ أَخْذِ الْخُمُسِ ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَ نِصْفَ أَرْضِ خَيْبَرَ خَاصَّةً وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ لَقَسَّمَهَا كُلَّهَا بَعْدَ الْخُمُسِ ( ثُمَّ قَسَمَ سَائِرَهَا ) : أَيْ بَاقِيَهَا ( مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ) : قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى خَيْبَرَ ، وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَهُ إِيَّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَكَانَتِ الْحُدَيْبِيَةُ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا خَيْبَرَ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ خَيْبَرَ ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى سَارَ إِلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرَّمِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ ، نا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي : سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ ، فَعَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ الْوَطِيحَةَ ، وَالْكُتَيْبَةَ ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ، وَعَزَلَ نِّصْفَ الْآخَرَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الشِّقَّ ، وَالنَّطَاةَ ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا . ( لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ) : أَيْ أَعْطَاهَا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا جِهَادٍ ( جَمَعَ كُلَّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ ) : يَعْنِي أَعْطَى لِكُلِّ مِائَةِ رَجُلٍ سَهْمًا . قَالَهُ الْقَارِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ : قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، جَمَعَ كُلَّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ ، فَكَانَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتّمِائَةِ سَهْمٍ ، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَلْفُ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ ، لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْآخَرَ وَهُوَ أَلْفٌ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ لِنَوَائِبِهِ وَمَا نَزَلَ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِنَّمَا قُسِمَتْ عَلَى أَلْفِ وَثَمَانمِائَةِ سَهْمٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ طُعْمَةً مِنَ اللَّهِ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ ، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةٍ ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائَتَا فَارِسٍ لِكُلِّ فَرَسٍ سَهْمَانِ ، فَقُسِمَتْ عَلَى أَلْفِ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ ، وَلَمْ يَغِبْ عَنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَسَمَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا ، وَقَسَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ سِهَامٍ ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعمِائَةٍ ، وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّ خَيْبَرَ فُتِحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً وَشَطْرُهَا صُلْحًا ، فَقُسِمَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ وَالْغَانِمِينَ ، وَعُزِلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَهَذَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ قَسْمُ الْأَرْضِ الْمُفَتَّحَةِ عَنْوَةً كَمَا تُقَسَّمُ الْغَنَائِمُ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ قَسْمَ الشَّطْرِ مِنْ خَيْبَرَ قَالَ إِنَّهُ فُتِحَ صُلْحًا . وَمَنْ تَأَمَّلَ السِّيَرَ وَالْمَغَازِي حَقَ التَّأَمُّلِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ خَيْبَرَ إِنَّمَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهَا كُلِّهَا بِالسَّيْفِ كُلِّهَا عَنْوَةً ، وَلَوْ شَيْءٌ مِنْهَا فُتِحَ صُلْحًا لَمْ يُجْلِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا قَالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ مِنْكُمْ ، دَعُونَا نَكُونُ فِيهَا وَنَعْمُرُهَا لَكُمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ، وَهَذَا صَرِيحٌ جِدًّا فِي أَنَّهَا إِنَّمَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . وَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْحَرْبِ وَالْمُبَارَزَةِ وَالْقَتْلِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ ، وَلَكِن لَمَّا أُلْجِئُوا إِلَى حِصْنِهِمْ نَزَلُوا عَلَى الصُّلْحِ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ وَالسِّلَاحَ ، وَلَهُمْ رِقَابُهُمْ وَذُرِّيَّتُهُمْ وَيُجْلَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، فَهَذَا كَانَ الصُّلْحُ وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ لِلْيَهُودِ ، وَلَا جَرَى ذَلِكَ ألْبَتَّةَ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ نُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا ، فَكَيْفَ يُقِرُّهُمْ عَلَى أَرْضِهِمْ مَا شَاءَ أَوَّلًا ، وَكَانَ عُمَرُ أَجْلَاهُمْ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ ، وَلَمْ يُصَالِحْهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ ، هَذَا لَمْ يَقَعْ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ عَلَى خَيْبَرَ خَرَاجًا أَلْبَتَّةَ . فَالصَّوَابُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً ، وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا ، وَقَسْمِ بَعْضِهَا وَوَقْفِ الْبَعْضِ ، وَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ ، فَقَسَمَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ وَلَمْ يَقْسِمْ مَكَّةَ ، وَقَسَمَ شَطْرَ خَيْبَرَ وَتَرَكَ شَطْرَهَا . انْتَهَى . وَيَجِيءُ بَعْضُ الْكَلَامِ فِي آخِرِ الْبَابِ . ( الْوَطِيحَةَ ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الطَّاءِ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ حِصْنٌ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ . قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ ، وَزَادَ فِي الْمَرَاصِدِ سُمِّيَ بِالْوَطِيحِ بْنِ مَازِنٍ رَجُلٌ مِنْ ثَمُودَ ، وَكَانَ الْوَطِيحُ أَعْظَمَ حُصُونِ خَيْبَرَ وَأَحْصَنَهَا وَآخِرَهَا فَتْحًا هُوَ وَالسَّلَالِمُ ( وَالْكُتَيْبَةَ ) : بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ بَعْدَ الْكَافِ مُصَغَّرٌ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْكُتَيْبَةُ مُصَغَّرَةٌ اسْمٌ لِبَعْضِ قُرَى خَيْبَرَ . انْتَهَى . وَفِي الْمَرَاصِدِ : الْكَتِيبَةُ بِالْفَتْحِ ثُمَّ الْكَسْرِ بِلَفْظٍ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ حِصْنٌ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ ، وَهِيَ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ لِأَبِي عُبَيْدٍ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ انْتَهَى ( وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ) : أَيْ مَا ضُمَّ وَجُمِعَ مَعَهُمَا مِنْ تَوَابِعِهِمَا ( الشَّقَّ ) : قَالَ فِي الْمَرَاصِدِ : بِالْفَتْحِ وَيُرْوَى بِالْكَسْرِ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ . انْتَهَى . وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ . بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا . قَالَ الْبَكْرِيُّ : وَالْفَتْحُ أَعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَبِالْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَيَشْتَمِلُ عَلَى حُصُونٍ كَثِيرَةٍ . ( وَالنَّطَاةَ ) : بِالْفَتْحِ وَآخِرُهُ هَاءٌ اسْمٌ لِأَرْضِ خَيْبَرَ ، وَقِيلَ حِصْنٌ بِخَيْبَرَ ، وَقِيلَ عَيْنٌ بِهَا تَسْقِي بَعْضَ نَخِيلِ قُرَاهَا . كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ . وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ : هِيَ بِوَزْنِ حَصَاةٍ اسْمٌ لِثَلَاثَةِ حُصُونٍ : حِصْنُ الصَّعْبِ وَحِصْنُ نَاعِمٍ وَحِصْنُ قِلَّةٍ وَهُوَ قَلْعَةُ الزُّبَيْرِ ، قَالَهُ الشَّامِيُّ ، وَقِصَّةُ فَتْحِ هَذِهِ الْحُصُونِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دِرْعَهُ الْحَدِيدَ ، وَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ ، وَوَجَّهَهُ إِلَى الْحِصْنِ ، فَلَمَّا انْتَهَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى بَابِ الْحِصْنِ اجْتَذَبَ أَحَدَ أَبْوَابِهِ فَأَلْقَاهُ بِالْأَرْضِ ، فَفَتَحَ اللَّهُ ذَلِكَ الْحِصْنَ الَّذِي هُوَ حِصْنُ نَاعِمٍ ، وَهُوَ أَوَّلُ حِصْنٍ فُتِحَ مِنْ حُصُونِ النَّطَاةِ عَلَى يَدِهِ رضي الله عنه وَكَانَ مَنْ سَلِمَ مِنْ يَهُودِ حِصْنِ نَاعِمٍ انْتَقَلَ إِلَى حِصْنِ الصَّعْبِ مِنْ حُصُونِ النَّطَاةِ ، فَفَتَحَ اللَّهُ حِصْنَ الصَّعْبِ قَبْلَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَلَمَّا فُتِحَ ذَلِكَ الْحِصْنُ تَحَوَّلَ مَنْ سَلِمَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى حِصْنِ قِلَّةٍ ، وَهُوَ حِصْنٌ بِقِلَّةِ جَبَلٍ ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِقَلْعَةِ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ الَّذِي صَارَ فِي سَهْمِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ آخِرُ حُصُونِ النَّطَاةِ . فَحُصُونُ النَّطَاةِ ثَلَاثَةٌ ، حِصْنُ نَاعِمٍ ، وَحِصْنُ الصَّعْبِ ، وَحِصْنُ قِلَّةٍ . ثُمَّ صَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِصَارِ حُصُونِ الشِّقِّ ، فَكَانَ أَوَّلَ حِصْنٍ بَدَأَ بِهِ مِنْ حِصْنَيِ الشِّقِّ حِصْنُ أُبَيٍّ ، فَقَاتَلَ أَهْلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا ، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ فِيهِ ، وَلَحِقَ بِحِصْنٍ يُقَالُ لَهُ حِصْنُ الْبَرِيءِ وَهُوَ الْحِصْنُ الثَّانِي مِنْ حِصْنَيِ الشِّقِّ . فَحُصُونُ الشِّقِّ اثْنَانِ : حِصْنُ أُبَيٍّ وَحِصْنُ الْبَرِيءِ . ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا أَخَذُوا حُصُونَ النَّطَاةِ وَحُصُونَ الشِّقِّ انْهَزَمَ مَنْ سَلِمَ مِنْ يَهُودِ تِلْكَ الْحُصُونِ إِلَى حُصُونِ الْكُتَيْبَةِ ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ حُصُونٍ الْقَمُوصُ وَالْوَطِيحُ وَسُلَالِمٌ ، وَكَانَ أَعْظَمُ حُصُونِ خَيْبَرَ الْقَمُوصَ ، وَانْتَهَى الْمُسْلِمُونَ إِلَى حِصَارِ الْوَطِيحِ وَحِصْنِ سُلَالِمٍ ، وَيُقَالُ لَهُ السَّلَالِيمُ ، وَهُوَ حِصْنُ بَنِي الْحُقَيْقِ آخِرُ حُصُونِ خَيْبَرَ ، وَمَكَثُوا عَلَى حِصَارِهِمَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْهُمَا ، وَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّلْحَ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَتَرْكِ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا بِذَرَارِيِّهِمْ ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا مِنْ إِنْسَانِ الْعُيُونِ فِي سِيرَةِ الْأَمِينِ الْمَأْمُونِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ آدَمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي شِهَابٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ : فَكَانَ النِّصْفُ سِهَامَ الْمُسْلِمِينَ ، وَسَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَزَلَ النِّصْفَ لِلْمُسْلِمِينَ لِمَا يَنُوبُهُ مِنْ الْأُمُورِ وَالنَّوَائِبِ ( عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ نَفَرًا ) : وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى الْأَنْصَارِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ ، قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ ، فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنْ الْوُفُودِ ، وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ . ( لَمَّا ظَهَرَ ) : أَيْ غَلَبَ عَلَى خَيْبَرَ ( مِنَ الْوُفُودِ ) : جَمْعُ وَفْدٍ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : الْوَفْدُ : قَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ ، الْوَاحِدُ وَافِدٌ ، وَكَذَا مَنْ يَقْصِدُ الْأُمَرَاءَ بِالزِّيَارَةِ أَوِ الِاسْتِرْفَادِ وَالِانْتِجَاعِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ ، نا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، نا سُلَيْمَانُ يَعْنِي : ابْنَ بِلَالٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ قَسَمَهَا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمْعا ، فَعَزَلَ لِلْمُسْلِمِينَ الشَّطْرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا يَجْمَعُ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةً ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِهِمْ ، وَعَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَهُوَ الشَّطْرُ لِنَوَائِبِهِ ، وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ ، وَالْكُتَيْبَةَ ، وَالسَّلَالِمَ وَتَوَابِعَهَا ، فَلَمَّا صَارَتْ الْأَمْوَالُ بِيَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُمَّالٌ يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ فَعَامَلَهُمْ . ( جَمْعًا ) : كَذَا فِي النُّسَخِ أَيْ جَمِيعًا حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ فِي قَسَمَهَا أَيْ قَسَمَ خَيْبَرَ جَمِيعًا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ جَمْعُ مَكَانٍ جَمْعًا بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ وَإِنَّمَا بُنِيَ لِكَوْنِهِ مَقْطُوعًا عَنِ الْإِضَافَةِ إِذْ أَصْلُهُ جَمْعُهَا أَيْ جَمِيعُهَا أَيْ جميع خَيْبَرَ وَإِنَّمَا بُنِيَ عَلَى الْحَرَكَةِ لِيُعْلَمَ أَنَّ لَهَا عِرْقًا فِي الْإِعْرَابِ وَإِنَّمَا بُنِيَ عَلَى الضَّمِّ جَبْرًا بِأَقْوَى الْحَرَكَاتِ لِمَا لَحِقَهَا مِنَ الْوَهْنِ بِحَذْفِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ أَعْنِي الْمُضَافَ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى نِسْبِيٍّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَبْنِ جَمْعًا لِأَنَّ التَّنْوِينَ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، فَكَأَنَّ الْمُضَافَ إِلَيْهِ ثَابِتٌ بِثُبُوتِ عِوَضِهِ . وَفِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ . مُجْمَعُ بَدَلُ جَمْعًا وَهُوَ أَيْضًا كَالْجَمْعِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِهِ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَكَوْنُهُ مَبْنِيًّا عَلَى الضَّمِّ بِمَا سَلَفَ . كَذَا أَفَادَهُ بَعْضُ الْأَمَاجِدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَعَزَلَ لِلْمُسْلِمِينَ الشَّطْرَ ) : أَيِ النِّصْفَ ( يَجْمَعُ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةً ) : أَيْ يُعْطِي لِكُلِّ مِائَةِ رَجُلٍ سَهْمًا ( وَالسُّلَالِمَ ) : بِضَمِّ السِّينِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ لَامٌ مَكْسُورَةٌ ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا ، وَيُقَالُ فِيهِ السَّلَالِيمُ حِصْنٌ مِنْ حُصُونِ خَيْبَرَ كَانَ مِنْ أَحْصَنِهَا وَهُوَ حِصْنُ بَنِي الْحُقَيْقِ ( يَكْفُونَهُمْ عَمَلَهَا ) : بِتَعَهُّدِهَا بِالسَّقْيِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يَعْقُوبَ بْنَ مُجَمِّعٍ يَذْكُرُ لِي عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَؤوا الْقُرْآنَ قَالَ : قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ فِيهِمْ ثَلَاثُ مِائَةِ فَارِسٍ ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا . ( عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعٍ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ( ابْنِ جَارِيَةَ ) : بِالْجِيمِ وَالتَّحْتِيَّةِ ( قُسِمَتْ خَيْبَرُ ) : أَيْ غَنَائِمُهَا وَأَرَاضِيهَا ( فَأَعْطَى الْفَارِسَ ) : أَيْ صَاحِبَ الْفَرَسِ مَعَ فَرَسِهِ ( وَأَعْطَى الرَّاجِلَ ) : بِالْأَلِفِ أَيِ الْمَاشِي . قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : وَالْمَعْنَى أَعْطَى لِكُلِّ مِائَةٍ مِنَ الْفَوَارِسِ سَهْمَيْنِ فَبَقِيَ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا فَيَكُونُ لِكُلِّ مِائَةٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ سَهْمٌ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : لِكُلِّ فَارِسٍ سَهْمَانِ ؛ لِأَنَّ الرَّجَّالَةَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَكُونُ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ وَلَهُمُ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا لِكُلِّ مِائَةٍ سَهْمٌ ، وَلِلْفُرْسَانِ سِتَّةُ أَسْهُمٍ لِكُلِّ مِائَةٍ سَهْمَانِ ، فَالْمَجْمُوعُ ثَمَانِيَةُ عَشَرَ سَهْمًا . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ سِهَامَ الْفُرْسَانِ تِسْعَةٌ وَسِهَامُ الرَّجَّالَةِ اثْنَا عَشَرَ ، فَالْمَجْمُوعُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا ، انْتَهَى كَلَامُ الْقَارِيِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ : مَنْ أُسْهِمَ لَهُ سَهْمًا مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَقَالَ هُنَاكَ أَبُو دَاوُدَ : وَحَدِيثُ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَصَحُّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ ، وَأَرَى الْوَهْمَ فِي حَدِيثِ مُجَمِّعٍ ، أنه قَالَ : ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ وَكَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ . انْتَهَى . وَتَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْقَوْلِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَجْلِيُّ ، نا يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ آدَمَ ، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الزُّهْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَبَعْضِ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالُوا : بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ فتَحَصَّنُوا ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْقِنَ دِمَاءَهُمْ ، وَيُسَيِّرَهُمْ ، فَفَعَلَ فَسَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ فَدَكَ ، فَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ . ( فَتَحَصَّنُوا ) : أَيْ دَخَلُوا فِي الْحِصْنِ ( أَنْ يَحْقِنَ ) : مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ يَمْنَعَ الدِّمَاءَ مِنَ الْإِهْرَاقِ ( وَيُسَيِّرَهُمْ ) : مِنْ سَيَّرَهُ مِنْ بَلَدِهِ أَخْرَجَهُ وَأَجْلَاهُ ( أَهْلُ فَدَكَ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَيْبَرَ دُونَ مَرْحَلَةٍ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ : وَقَدْ أَجْلَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَهُودَ نَجْرَانَ وَفَدَكَ . فَأَمَّا يَهُودِ خَيْبَرَ فَخَرَجُوا مِنْهَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرِ وَلَا مِنَ الْأَرْضِ شَيْءٌ : وَأَمَّا يَهُودُ فَدَكَ فَكَانَ لَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ صَالَحَهُمْ لَمَّا أَوْقَعَ بِأَهْلِ خَيْبَرَ عَلَى نِصْفِ الثَّمَرِ وَنِصْفِ الْأَرْضِ بِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَأْتِهِمْ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، فَقَوَّمَ لَهُمْ عُمَرُ نِصْفَ الثَّمَرِ وَنِصْفَ الْأَرْضِ قِيمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ وَإِبِلٍ وَحِبَالٍ وَأَقْتَابٍ ثُمَّ أَعْطَاهُمُ الْقِيمَةَ وَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا ( لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهَا ) : مِنْ أَوْجَفَ دَابَّتَهُ إِيحَافًا إِذَا حَثَّهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، وَأَنَا شَاهِدٌ أَخْبَرَكُمْ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً ، وَبَعْضُهَا صُلْحًا ، وَالْكَتِيبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً ، وَفِيهَا صُلْحٌ قُلْتُ لِمَالِكٍ : وَمَا الْكَتِيبَةُ ؟ قَالَ : أَرْضُ خَيْبَرَ وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ ( افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً ) : أَيْ قَهْرًا وَغَلَبَةً . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ ( وَفِيهَا ) : فِي الْكُتَيْبَةِ ( صُلْحٌ ) : أَيْضًا . فَأَكْثَرُ الْكُتَيْبَةِ فُتِحَتْ غَلَبَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا ( وَهِيَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ ) : كَفَلْسٍ أَيْ نَخْلَةٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعَذْقُ النَّخْلُ مَفْتُوحُ الْعَيْنِ وَالْعِذْقُ بِكَسْرِهَا الْكُنَاسَةُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ ، وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ . ( وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مِنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ ) : أَيْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْوَطَنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ هَلْ كَانَ عَنْوَةً كَمَا قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنُ شِهَابٍ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ أَوْ صُلْحًا أَوْ بَعْضُهَا صُلْحًا وَالْبَاقِي عَنْوَةً كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ عَنْوَةً . قَالَ حَافِظُ الْمَغْرِبِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ أَنَّهَا كَانَتْ عَنْوَةً كُلَّهَا مَغْلُوبًا عَلَيْهَا بِخِلَافِ فَدَكَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ جَمِيعَ أَرْضِهِا عَلَى الْغَانِمِينَ لَهَا الْمُوجِفِينَ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ وَهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ أَرْضَ خَيْبَرَ مَقْسُومَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ تُقْسَمُ الْأَرْضُ إِذَا غُنِمَتِ الْبِلَادُ أَوْ تُوقَفُ ؟ فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ قِسْمَتِهَا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْضِ خَيْبَرَ وَبَيْنَ إِيقَافِهَا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُقْسَمُ الْأَرْضُ كُلُّهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ لِأَنَّ الْأَرْضَ غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى إِيقَافِهَا اتِّبَاعًا لِعُمَرَ لِأَنَّ الْأَرْضَ مَخْصُوصَةٌ مِنْ سَائِرِ الْغَنِيمَةِ بما فَعَلَ عُمَرُ فِي جَمَاعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ إِيقَافِهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : أَلَا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ سُهْمَانًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَرْضَ خَيْبَرَ قُسِمَتْ كُلُّهَا سُهْمَانًا كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنَّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا عَنْوَةً فَقَدْ وَهِمَ وَغَلِطَ وَإِنَّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّبْهَةُ بِالْحِصْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا وَهُمَا الْوَطِيحُ وَالسَّلَالِمُ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلُ ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ مَغْنُومَيْنِ ظُنَّ أَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ ، وَلَعَمْرِي إِنَّ ذَلِكَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ كَضَرْبٍ مِنَ الصُّلْحِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا أَرْضَهُمْ إِلَّا بِالْحِصَارِ وَالْقِتَالِ ، فَكَانَ حُكْمُ أَرْضِهَا حُكْمَ سَائِرِ أَرْضِ خَيْبَرَ كُلُّهَا عَنْوَةٌ غَنِيمَةٌ مَقْسُومَةٌ بَيْنَ أَهْلِهَا . وَرُبَّمَا شُبِّهَ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّ نِصْفَ خَيْبَرَ صُلْحٌ وَنِصْفَهَا عَنْوَةٌ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ نِصْفًا لَهُ وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْفُ مَعَهُ لِأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا فَوَقَعَ السَّهْمُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَوَقَعَ سَائِرُ النَّاسِ فِي بَاقِيهَا وَكُلُّهُمْ مِمَّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ ثُمَّ خَيْبَرَ . وَلَيْسَتِ الْحُصُونُ الَّتِي أَسْلَمَهَا أَهْلُهَا بَعْدَ الْحِصَارِ وَالْقِتَالِ صُلْحًا وَلَوْ كَانَتْ صُلْحًا لَمَلَكَهَا أَهْلُهَا كَمَا يَمْلِكُ أَهْلُ الصُّلْحِ أَرْضَهُمْ وَسَائِرَ أَمْوَالِهِمْ ، فَالْحَقُّ فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ دُونَ مَا قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّبْهَةَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ فَغَلَبَ عَلَى النَّخْلِ وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْقَصْرِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلَوْا مِنْهَا وَلَهُ الصَّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيِّبُوا ، الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : فَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ لِلنَّكْثِ الَّذِي نَكَثُوا وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ فَقَالُوا : دَعْنَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا . الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . فَعَلَى هَذَا كَانَ قَدْ وَقَعَ الصُّلْحُ ثُمَّ حَدَثَ النَّقْضُ مِنْهُمْ فَزَالَ أَثَرُ الصُّلْحِ ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ الْقَتْلِ وَأَبْقَاهُمْ عُمَّالًا بِالْأَرْضِ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا مِلْكٌ ، وَلِذَلِكَ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ، فَلَوْ كَانُوا صُولِحُوا عَلَى أَرْضِهِمْ لَمْ يُجْلَوْا مِنْهَا . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ يَهُودَ النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَ رِجَالَهُمْ ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا بَعْضَهُمْ لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّنَهُمْ ، وَأَسْلَمُوا وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالْمَدِينَةِ . ( فَأَمَّنَهُمْ ) أَيْ أَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ ( بَنِي قَيْنُقَاعَ ) : هُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَنُونُ قَيْنُقَاعَ مُثَلَّثَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ فِيهَا الضَّمُّ ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ أُخْرِجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ . قَالَهُ الْحَافِظُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعَاهَدَ وَالذِّمِّيَّ إِذَا نَقَضَ الْعَهْدَ صَارَ حَرْبِيًّا وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلِلْإِمَامِ سَبْيُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمْ ، وَلَهُ الْمَنُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ . وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا مَنَّ عَلَيْهِ ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ مُحَارَبَةٌ انْتُقِضَ عَهْدُهُ ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُ الْمَنُّ فِيمَا مَضَى لَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ فِي أَمَانٍ ، ثُمَّ حَارَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَظَاهَرُوا قُرَيْشًا عَلَى قِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ سَنَةَ خَمْسٍ عَلَى الصَّحِيحِ . وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي قَالَ : خَرَجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ إِلَى مَكَّةَ يُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَرَجَ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ يَسْعَى فِي غَطَفَانَ وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِهِ عَلَى أَنَّ لَهُمْ نِصْفَ تَمْرِ خَيْبَرَ ، فَأَجَابَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ إِلَى ذَلِكَ ، وَكَتَبُوا إِلَى حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِيمَنْ أَطَاعَهُ ، وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بِقُرَيْشٍ ، فَنَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، فَجَاءَهُمْ مَنْ أَجَابَهُمْ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ مَدَدًا لَهُمْ ، فَصَارُوا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ ، فَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ الْأَحْزَابَ . انْتَهَى . وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنْ نَفَرًا مِنْ يَهُودَ مِنْهُمْ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ، وَابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَحُيَيٌّ وَكِنَانَةُ النَّضِيرِيُّونَ وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ وَأَبُو عَمَّارٍ الْوَائِلِيَّانِ خَرَجُوا مِنْ خَيْبَرَ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَكَّةَ ، وَقَالُوا : إِنَّا سَنَكُونُ مَعَكُمْ عَلَيْهِ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُ ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ ، وَاتَّعَدُوا لَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ أُولَئِكَ الْيَهُودُ حَتَّى جَاءُوا غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى حَرْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ مَعَهُمْ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ تَابَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهَا أَبُو سُفْيَانَ ، وَخَرَجَتْ غَطَفَانُ وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي فَزَارَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ الْمُرِّيِّ فِي بَنِي مُرَّةَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ ، وَالْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
بَابٌ : فِي خَبَرِ النَّضِيرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ مَعَهُ الْأَوْثَانَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ : إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا ، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ ، أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ ، وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُمْ فَقَالَ : لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ الْمَبَالِغَ ، مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ . فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَرَّقُوا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، فَكَتَبَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ إِلَى الْيَهُودِ : إِنَّكُمْ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحُصُونِ ، وَإِنَّكُمْ لَتُقَاتِلُنَّ صَاحِبَنَا ، أَوْ لَنَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا ، وَلَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ شَيْءٌ وَهِيَ الْخَلَاخِيلُ فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْمَعَتْ بَنُو النَّضِيرِ بِالْغَدْرِ ، فَأَرْسَلُوا إِلَى النبيِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْرُجْ إِلَيْنَا فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ ، وَلْيَخْرُجْ مِنَّا ثَلَاثُونَ حَبْرًا ، حَتَّى نَلْتَقِيَ بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ ، فَيَسْمَعُوا مِنْكَ فَإِنْ صَدَّقُوكَ ، وَآمَنُوا بِكَ آمَنَّا بِكَ فَقَصَّ خَبَرَهُمْ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَتَائِبِ فَحَصَرَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ : إِنَّكُمْ ، وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُونَ عِنْدِي إِلَّا بِعَهْدٍ تُعَاهِدُونِي عَلَيْهِ فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوهُ عَهْدًا فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ ، ثُمَّ غَدَا الْغَدُ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ بِالْكَتَائِبِ ، وَتَرَكَ بَنِي النَّضِيرِ ، وَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يُعَاهِدُوهُ فَعَاهَدُوهُ فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ ، وَغَدَا عَلَى بَنِي النَّضِيرِ بِالْكَتَائِبِ ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْجَلَاءِ ، فَجَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ وَاحْتَمَلُوا مَا أَقَلَّتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ وَخَشَبِهَا ، فَكَانَ نَخْلُ بَنِي النَّضِيرِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا ، وَخَصَّهُ بِهَا فَقَالَ تعالى : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ يَقُولُ : بِغَيْرِ قِتَالٍ فَأَعْطَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرَهَا لِلْمُهَاجِرِينَ ، وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ ، وَقَسَمَ مِنْهَا لِرَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، كَانَا ذَوِي حَاجَةٍ لَمْ يَقْسِمْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْصَارِ غَيْرِهِمَا ، وَبَقِيَ مِنْهَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي فِي أَيْدِي بَنِي فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَاب فِي خَبَرِ النَّضِيرِ وَالنَّضِيرُ كَأَمِيرٍ حَيٌّ مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ مِنْ آلِ هَارُونَ أَوْ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَقَدْ دَخَلُوا فِي الْعَرَبِ ، كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَبَنِي قُرَيْظَةَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ فِي حَدَائِقَ وَآطَامٍ ، وَغَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ مَشْهُورَةٌ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَتْ عَلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْعَةِ أُحُدٍ ، كَذَا فِي تَاجِ الْعَرُوسِ ، وَفِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ دَخَلُوا فِي الْعَرَبِ . ( إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا ) : أَيْ أَنْزَلْتُمُوهُ فِي الْمَنَازِلِ . وَهَذَا تَفْسِيرٌ وَبَيَانٌ لِمَا كَتَبَ قُرَيْشٌ إِلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ ، وَالْمُرَادُ بِصَاحِبِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيِ الْمُقَاتِلِينَ مِنْكُمْ ( وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ ) : أَيْ نَسْبِي وَنَنْهَبَ ( الْمَبَالِغَ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَبْلَغٍ هُوَ حَدُّ الشَّيْءِ وَنِهَايَتُهُ ، وَالْمَبَالِغُ أَيِ الْغَايَاتُ ( مَا كَانَتْ ) : أَيْ قُرَيْشٌ ، وَمَا نَافِيَةٌ ( تَكِيدُكُمْ ) مِنْ كَادَ إِذَا مَكَرَ بِهِ وَخَدَعَهُ . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . وَالْمَعْنَى أَيْ مَا تَضُرُّكُمْ وَمَا تَخْدَعُكُمْ وَمَا تَمْكُرُ بِكُمْ ( بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ ) : لِأَنَّكُمْ إِنْ قَاتَلْتُمُونَا فَفِينَا أَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمُ الذِينَ أَسْلَمُوا فَتُقَاتِلُونَهُمْ أَيْضًا وَيُقَاتِلُونَكُمْ ، فَيَكُونُ الضَّرَرُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُقَاتِلَكُمْ قُرَيْشٌ ( تَفَرَّقُوا ) : وَرَجَعُوا عَنْ عَزْمِ الْقِتَالِ ( إِنَّكُمْ أَهْلَ الْحَلْقَةُ ) : بِفَتْحٍ وَسُكُونٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِالْحَلْقَةِ السِّلَاحَ ، وَقِيلَ : أَرَادَ بِهَا الدُّرُوعَ لِأَنَّهَا حَلَقٌ مُسَلْسَلَةٌ ( وَبَيْنَ خَدَمِ نِسَائِكُمْ ) أَيْ خَلَا خَيْلِهِنَّ وَاحِدَتُهَا خَدَمَةٌ ( وَهِيَ ) : أَيِ الْخَدَمُ ( الْخَلَاخِيلُ ) : جَمْعُ خَلْخَالٍ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ( فَلَمَّا بَلَغَ كِتَابُهُمْ ) : أَيْ كِتَابُ قُرَيْشٍ إِلَى يَهُودِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا ( النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : بِنَصْبِ يَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُقَاتِلَتِهِمْ مَعَهُ ( حَبْرًا ) : أَيْ عَالِمًا ( بِمَكَانِ الْمَنْصَفِ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ الْمَوْضِعُ الْوَسَطُ ( فَقَصَّ خَبَرَهُمْ ) : أَيْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ بِخَبَرِهِمْ ( بِالْكَتَائِبِ ) : أَيِ الْجُيُوشِ الْمُجْتَمِعَةِ وَاحِدَتُهَا كَتِيبَةٌ وَمِنْهُ الْكِتَابُ ، وَمَعْنَاهُ الْحُرُوفُ الْمَضْمُومَةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ( وَاللَّهِ لَا تَأْمَنُونَ ) : مِنْ أَمِنَ كَسَمِعَ ( ثُمَّ غَدَا الْغَدُ ) : أَيْ سَارَ فِي أَوَّلِ نَهَارِ الْغَدِ ( عَلَى الْجَلَاءِ ) : أَيِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْبِلَادِ ( مَا أَقَلَّتْ ) : مِنَ الْإِقْلَالِ أَيْ حَمَلَتْ وَرَفَعَتْ ( مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ ) : جَمْعُ مَتَاعٍ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو الْأَيَامِيُّ ، نا يُونُسُ - يَعْنِي ابْنَ بُكَيْرٍ - قال : نا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ الْيَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا قَالُوا : يَا مُحَمَّدُ لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ ، كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ ، إِنَّكَ لَوْ قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ قَرَأَ مُصَرِّفٌ إِلَى قَوْلِهِ : فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِبَدْرٍ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ( كَانُوا أَغْمَارًا ) : جَمْعُ غُمْرٍ بِالضَّمِّ الْجَاهِلُ الْغِرُّ الَّذِي لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ ( لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ ) : بَيَانٌ وَتَفْسِيرٌ لِأَغْمَارًا قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : أَيْ مِنَ الْيَهُودِ سَتُغْلَبُونَ : أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ . وَتَمَامُ الْآيَةِ مَشْرُوحًا هَكَذَا ، وَتُحْشَرُونَ أَيْ فِي الْآخِرَةِ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ أَيِ الْفِرَاشُ ، هِيَ : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ أَيْ عِبْرَةً ، وَذَكَرَ الْفِعْلَ لِلْفَصْلِ فِي فِئَتَيْنِ أَيْ فِرْقَتَيْنِ الْتَقَتَا أَيْ يَوْمَ بدر للْقِتَالِ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ طَاعَتِهِ وَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ أَيِ الْكُفَّارُ مِثْلَيْهِمْ أَيِ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْهُمْ كَانُوا نَحْوَ أَلْفٍ رَأْيَ الْعَيْنِ أَيْ رُؤْيَةً ظَاهِرَةً مُعَايِنَةً ، وَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ مَعَ قِلَّتِهِمْ ( قَرَأَ مُصَرِّفُ ) : هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْإِيَامِيُّ ( بِبَدْرٍ ) : هَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ ، بَلْ زَادَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ لِبَيَانِ مَوْضِعِ الْقِتَالِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو ، نا يُونُسُ قَالَ : ابْنُ إسحاق ، حَدَّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قال : حَدَّثَتْنِي بْنَت مُحَيْصَةَ عَنْ أَبِيهَا مُحَيْصَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ فَاقْتُلُوهُ فَوَثَبَ مُحَيْصَةُ عَلَى شَبِيبَةَ رَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ كَانَ يُلَابِسُهُمْ ، فَقَتَلَهُ ، وَكَانَ حُوَيْصَةُ إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ مُحَيْصَةَ ، فَلَمَّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيْصَةُ يَضْرِبُهُ وَيَقُولُ : أي عَدُوَّ اللَّهِ أَمَا وَاللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِنْ مَالِهِ ( فَوَثَبَ ) : مِنَ الْوُثُوبِ وَهُوَ الطَّفْرُ ( مُحَيِّصَةَ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَقَدْ يسَكَّنُ هُوَ ابْنُ مَسْعُودِ بْنِ كَعْبٍ الْخَزْرَجِيُّ الْمَدَنِيُّ ، صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ ( رَجُلٍ ) : بِالْجَرِّ بَدَلُ شَبِيبَةَ ( مِنْ تُجَّارِ يَهُودَ ) : جَمْعُ تَاجِرٍ ، وَفِي نُسْخَةٍ الْخَطَّابِيِّ مِنْ فُجَّارِ يَهُودَ بِالْفَاءِ مَكَانَ التَّاءِ ، وَكَذَا فِي نُسْخَةٍ لِلْمُنْذِرِيِّ ( يُلَابِسُهُمْ ) : أَيْ يُخَالِطُهُمْ ( فَقَتَلَهُ ) : أَيْ مُحَيِّصَةُ شَبِيبَةَ ( وَكَانَ حُوَيِّصَةُ ) : بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ( إِذْ ذَاكَ لَمْ يُسْلِمْ ) : وَكَانَ كَافِرًا ( وَكَانَ أَسَنَّ ) : أَيْ أَكْبَرَ سِنًّا ( يَضْرِبُهُ ) : أَيْ مُحَيِّصَةُ ( وَيَقُولُ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلَ حُوَيِّصَةُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُسْلِمٍ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَاهُمْ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُمْ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا : قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَالُوا : قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، فَقَالَ لهم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ أُرِيدُ ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ : اعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ( إِلَى يَهُودَ ) : غَيْرُ مُنْصَرِفٍ ( أَسْلِمُوا ) : أَمْرٌ مِنَ الْإِسْلَامِ ( لتَسْلَمُوا ) : بِفَتْحِ اللَّامِ مِنَ السَّلَامَةِ جَوَابُ الْأَمْرِ ، أَيْ تَنْجُوا مِنَ الذُّلِّ فِي الدُّنْيَا وَالْعَذَابِ فِي الْعُقْبَى ( قَدْ بَلَّغْتُ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ( ذَلِكَ أُرِيدُ ) : أَيِ التَّبْلِيغُ وَاعْتِرَافُكُمْ . قَالَ الْحَافِظُ : أَيْ إِنِ اعْتَرَفْتُمْ أَنَّنِي بَلَّغْتُكُمْ سَقَطَ عَنِّي الْحَرَجُ ( أَنَّمَا الْأَرْضُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ) : قَالَ الدَّاوُدِيُّ : لِلَّهِ افْتِتَاحُ كَلَامٍ ، وَلِرَسُولِهِ حَقِيقَةٌ لِأَنَّهَا مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ . كَذَا قَالَ ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَ غَيْرُهُ إِنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ وَلِرَسُولِهِ لِكَوْنِهِ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ الْقَائِمُ بِتَنْفِيذِ أَوَامِرِهِ . قَالَهُ الْحَافِظُ ( أَنْ أُجْلِيكُمْ ) : مِنَ الْإِجْلَاءِ أَيْ أُخْرِجُكُمْ ( فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ ) : أَيْ بَدَلَ مَالِهِ فَالْبَاءُ لِلْبَدَلِيَّةِ ، وَالْمَعْنَى : مَنْ صَادَفَ بَدَلَ مَالِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ . وَقِيلَ الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ ، وَالْمَعْنَى مَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا مِمَّا لَا يَتَيَسَّرُ نَقْلُهُ كَالْعَقَارِ وَالْأَشْجَارِ . وَقِيلَ الْبَاءُ بِمَعْنَى فِي . قَالَ الْحَافِظُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَهُودَ الْمَذْكُورِينَ بَقَايَا تَأَخَّرُوا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ إِجْلَاءِ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَالْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِهِمْ ، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ . وَقَدْ أَقَرَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا فِي الْأَرْضِ وَاسْتَمَرُّوا إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُمْ بَنُو النَّضِيرِ لِتَقَدُّمِ ذَلِكَ عَلَى مَجِيءِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ كَانَ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ كَيْفَ كَانَ إِخْرَاجُ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ نَافِعٍ ، حَدَّثَهُمْ قَالَ : قال : أنا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ يَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِ كُفَّارَ قُرَيْشٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَأَهْلُهَا أَخْلَاطٌ مِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ ، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَالْيَهُودُ ، وَكَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ، فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ ، فَفِيهِمْ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ الْآيَةَ . فَلَمَّا أَبَى كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ أَنْ يَنْزِعَ عَنْ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ أَنْ يَبْعَثَ رَهْطًا يَقْتُلُونَهُ ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، وَذَكَرَ قِصَّةَ قَتْلِهِ ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ فَزَعَتْ الْيَهُودُ وَالْمُشْرِكُونَ ، فَغَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : طُرِقَ صَاحِبُنَا ، فَقُتِلَ فَذَكَرَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ يَقُولُ ، وَدَعَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وبينهم كِتَابًا يَنْتَهُونَ إِلَى مَا فِيهِ ، فَكَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً صَحِيفَةً بَاب كَيْفَ كَانَ إِخْرَاجُ الْيَهُودِ مِنْ الْمَدِينَةِ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ) : قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ بِطُولِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ إِلَّا أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاضِي أَبِي عُمَرَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ وَكَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ( وَكَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ ) : ظَاهِرُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَالِدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ كَعْبٌ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَمَا يَظْهَرُ لَكَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ( وَكَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ) : أَيِ الْيَهُودِيُّ وَكَانَ عَرَبِيًّا ، وَكَانَ أَبُوهُ أَصَابَ دَمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَتَى الْمَدِينَةَ فَحَالَفَ بَنِي النَّضِيرِ فَشُرِّفَ فِيهِمْ ، وَتَزَوَّجَ عَقِيلَةَ بِنْتِ أَبِي الْحُقَيْقِ ، فَوَلَدَتْ لَهُ كَعْبًا ، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا ذَا بَطْنٍ وَهَامَةٍ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ ( وَأَهْلُهَا ) : أَيْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَسَاكِنُوهَا ( أَخْلَاطٌ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ أَنْوَاعٌ ( وَالْيَهُودُ ) : أَيْ وَمِنْهُمُ الْيَهُودُ ( وَكَانُوا يُؤْذُونَ ) : أَيِ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ ، وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَيِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَتَمَامُ الْآيَةِ : وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيِ الْعَرَبِ أَذًى كَثِيرًا مِنَ السَّبِّ وَالطَّعْنِ وَالتَّشْبِيبِ بِنِسَائِكُمْ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ أَيْ مِنْ مَعْزُومَاتِهَا الَّتِي يُعْزَمُ عَلَيْهَا لِوُجُوبِهَا . كَذَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ ( فَلَمَّا أَبَى ) : أَيِ امْتَنَعَ ( أَنْ يَنْزِعَ ) : أَيْ يَنْتَهِيَ . فَفِي الْقَامُوسِ : نَزَعَ عَنِ الْأُمُورِ انْتَهَى عَنْهَا ( عَنْ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ إِيذَائِهِ ( فَلَمَّا قَتَلُوهُ فَزِعَتْ ) : بِالْفَاءِ وَالزَّايِ أَيْ خَافَتْ ( طُرِقَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( صَاحِبِنَا ) : هُوَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ الْمُؤْذَى ، أَيْ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ لَيْلًا ( فَقُتِلَ ) : وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ( الَّذِي كَانَ يَقُولُ ) : أَيْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مِنَ الْهِجَاءِ وَالْأَذَى ( وَدَعَاهُمْ ) : أَيْ دَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ ( إِلَى أَنْ يَكْتُبَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كِتَابًا ) : مُشْتَمِلًا عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ( يَنْتَهُونَ ) : أُولَئِكَ الْأَشْرَارُ عَنِ السَّبِّ وَالْأَذَى ( إِلَى مَا فِيهِ ) : مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ ( بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً ) : ظرف لمُسْلِمِينَ ، أَيْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، كلهم ، بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ مِنْهُ بَعْضٌ ( صَحِيفَةً ) : مَفْعُولُ كَتَبَ أَيْ كَتَبَ صَحِيفَةً . وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ : إِنْ أَنْتُمْ تَنْتَهُونَ عَنِ السَّبِّ وَالْأَذَى فَلَا يَتَعَرَّضُ لَكُمُ الْمُسْلِمُونَ وَلَا يَقْتُلُونكُمْ ، فَكَتَبَ كِتَابَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ . ثُمَّ لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى خَيْبَرَ سَنَةَ سِتٍّ خَرِبَتِ الْيَهُودُ وَضَعُفَتْ قُوَّتُهُمْ ، ثُمَّ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلَافَتِهِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَلَا هُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ ، وَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا مُرْسَلًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِأَبِيهِ جَدَّهُ ، وَهُوَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَقَدْ سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ جَدِّهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا مُسْنَدًا ، وَكَعْبُ هُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي الْأَسَانِيدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ يَقُولُ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الْجَدَّ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثَ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمٌ يُدْعَى الصَّفِيَّ إِنْ شَاءَ عَبْدًا ، وَإِنْ شَاءَ أَمَةً ، وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ بَاب مَا جَاءَ فِي سَهْمِ الصَّفِيِّ تَقَدَّمَ مَعْنَى الصَّفِيِّ ، فَإِنْ قُلْتُ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ أَيْ بَابٍ فِي صَفَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَبَيْنَ هَذَا الْبَابِ ؟ قُلْتُ : الْأَوَّلُ فِي إِثْبَاتِ الصَّفَايَا ، وَالثَّانِي فِي بَيَانِ سَهْمِ الصَّفِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( يُدْعَى ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالضَّمِيرِ لِلسَّهْمِ ( الصَّفِيَّ ) بِالنَّصْبِ ، وَالْمَعْنَى يُسَمَّى ذَلِكَ السَّهْمُ بِاسْمِ الصَّفِيِّ ( إِنْ شَاءَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ . انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا أَبُو عَاصِمٍ وَأَزْهَرُ قَالَا : نا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ : سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ سَهْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّفِيِّ قَالَ : كَانَ يُضْرَبُ لَهُ بِسَهْمٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ ، وَالصَّفِيُّ يُؤْخَذُ لَهُ رَأْسٌ مِنْ الْخُمُسِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ( سَأَلْتُ مُحَمَّدًا ) : أَيِ ابْنَ سِيرِينَ ( وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ ( رَأْسٌ ) أَيْ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ فَرَسٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ ( مِنَ الْخُمُسِ ) ظَاهِره أَنَّ الصَّفِيَّ ، يَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْخُمُسِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : معْنَى قَبْلَ الْخُمُسِ قَبْلَ أَنْ يَقْسِمَ الْخُمُسَ ، فَيُرْجَعُ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ . انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ السُّلَمِيُّ ، نا عُمَرُ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي ابْنَ بَشِيرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا كَانَ لَهُ سَهْمٌ صَافٍ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ ، فَكَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ ، وَكَانَ إِذَا لَمْ يَغْزُ بِنَفْسِهِ ضُرِبَ لَهُ بِسَهْمِهِ ، وَلَمْ يُخَيَّرْ ( فَكَانَتْ صَفِيَّةُ ) : أَيْ بِنْتُ حُيَيٍّ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ ) أَيِ السَّهْمِ الصَّافِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ .
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَدِمْنَا خَيْبَرَ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْحِصْنَ ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا ، وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سُدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ ، فَبَنَى بِهَا ( فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْحِصْنَ ) وَاسْمُ الْحِصْنِ الْقَمُوصُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَلَمَّا فَتْحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ذُكِرَ لَهُ ) أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا ) اسْمُهُ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ ( فَاصْطَفَاهَا ) أَيِ اخْتَارَهَا ( سُدَّ الصَّهْبَاءِ ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ اسْمُ مَوْضِعٍ ( حَلَّتْ ) أَيْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ ( فَبَنَى بِهَا ) أَيْ دَخَلَ بِهَا .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، ثُمَّ صَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِدَحْيَةَ ) : بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ ، نا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ ، نا حَمَّادٌ ، أنا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : وَقَعَ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ ، فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَصْنَعُهَا ، وَتُهَيِّئُهَا قَالَ حَمَّادٌ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا صَفِيَّةُ ابِنْة حُيَيٍّ . ( إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ ) : هِيَ أُمُّ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( تَصْنَعُهَا ) : أَيْ تُصْلِحُهَا وَتُزَيِّنُهَا . ( وَتَعْتَدُّ ) : أَيْ صَفِيَّةُ . وَإِطْلَاقُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مَجَازٌ عَنِ الِاسْتِبْرَاءِ . قَالَهُ الْحَافِظُ . فَمَعْنَى تَعْتَدُّ تَسْتَبْرِئُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَسْبِيَّةً يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا ( فِي بَيْتِهَا ) : أَيْ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ ( صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيٍّ ) : أَيْ وَتِلْكَ الْجَارِيَةَ هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَاعِلًا لِقَوْلِهِ تَعْتَدُّ ، بَلْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ . فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَأَحْسَبُهُ قَالَ : وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا .
حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ ، حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْنَى قال : َنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جُمِعَ السَّبْيُ يَعْنِي بِخَيْبَرَ فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ قَالَ : اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً ، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ ابِنْةَ حُيَيٍّ ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رسول اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ قَالَ يَعْقُوبُ : صَفِيَّةَ ابِنْة حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ : ادْعُوهُ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا ، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا ( جُمِعَ السَّبْيِ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( قَالَ يَعْقُوبٌ إِلَخْ ) : هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ يَعْقُوبَ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : أَعْطَيْتُ دَحْيَةَ لَفْظَ : صَفِيَّةِ ابْنَةِ حُيَيٍّ سَيِّدَةُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَأَمَّا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ فَلَمْ يَزِدْ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ ، بَلْ قَالَ : أَعْطَيْتُ دَحْيَةَ مَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ إِلَخْ ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) أَيْ دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ وَيَعْقُوبُ ( ادْعُوهُ ) : أَيْ دَحْيَةَ ( بِهَا ) : أَيْ بِصَفِيَّةَ ( خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيْرَهَا ) : أَيْ غَيْرَ صَفِيَّةَ . وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ مِنْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَاهَا بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ ، فَلَعَلَّ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَوَّضَهُ عَنْهَا بِذَلِكَ الْمِقْدَارِ . وَإِطْلَاقُ الشِّرَاءِ عَلَى الْعِوَضِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَلَعَلَّهُ عَوَّضَهُ عَنْهَا جَارِيَةً أُخْرَى فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ فَأَعْطَاهُ مِنْ جُمْلَةِ السَّبْيِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ . قَالَ السُّهَيْلِيُّ : لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ ، فَإِنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ دَحْيَةَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَالَّذِي عَوَّضَهُ عَنْهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْبَيْعِ . كَذَا فِي النَّيْلِ وَالْفَتْحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا قُرَّةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا بِالْمِرْبَدِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدِهِ قِطْعَةُ أَدِيمٍ أَحْمَرَ ، فَقُلْنَا : كَأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ َقَالَ : أَجَلْ قُلْنَا : نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الْأَدِيمَ الَّتِي فِي يَدِكَ ، فَنَاوَلَنَاهَا فَقَرَأْنَا ما فِيهَا فإذا فيها : مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ : أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ ، وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ ، وَأَدَّيْتُمْ الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ ، وَسَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسهم الصَّفِيَّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَقُلْنَا : مَنْ كَتَبَ لَكَ هَذَا الْكِتَابَ ؟ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( كُنَّا بِالْمِرْبَدِ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ اسْمُ مَوْضِعٍ ( قِطْعَةُ أَدِيمٍ ) : فِي الْقَامُوسِ : الْأَدِيمُ الْجِلْدُ أَوْ أَحْمَرُهُ أَوْ مَدْبُوغُهُ ( نَاوِلْنَا ) : أَمْرٌ مِنَ الْمُنَاوَلَةِ أَيْ أَعْطِنَا ( فَقَرَأْنَا مَا فِيهَا ) : أَيْ قَرَأْنَا مَا كُتِبَ فِيها ( إِنَّكُمْ إِنْ شَهِدْتُمْ إِلَخْ ) : إِنْ شَرْطِيَّةٌ وَجَزَاؤُهَا قَوْلُهُ الْآتِي أَنْتُمْ آمِنُونَ إِلَخْ ( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا سَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ سَهْمٌ لَهُ كَسَهْمِ رَجُلٍ مِمَّنْ يَشْهَدُ الْوَقْعَةَ ، حَضَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَابَ عَنْهَا ، وَأَمَّا الصَّفِيُّ فَهُوَ مَا يَصْطَفِيهِ مِنْ عَرْضِ الْغَنِيمَةِ مِنْ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يُخَمِّسَ عَبْدٌ أَوْ جَارِيَةٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ سَيْفٌ أَوْ غَيْرُهَا ، كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ مَعَ الْخُمُسِ الَّذِي لَهُ خَاصَّةً . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَسُمِّيَ الرَّجُلُ : النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ الشَّاعِرُ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ مَا مَدَحَ أَحَدًا وَلَا هَجَا أَحَدًا ، وَكَانَ جَوَّادًا لَا يَكَادُ يُمْسِكُ شَيْئًا ، وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ وَهُوَ كَبِيرٌ . وَالْمِرْبَدُ مَحَلَّةٌ بِالْبَصْرَةِ مِنْ أَشْهَرِ مَحَالِّهَا وَأَطْيَبِهَا . انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ شِخِّيرٍ . انْتَهَى . وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْإِمَامِ لِلصَّفِيِّ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَا يَسْتَحِقُّ الْإِمَامُ السَّهْمَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّفِيُّ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلِ هَذَا ، وَأَخَذَ وَبَرَةً إِلَّا الْخُمُسَ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ ذَلِكَ الْبَعْضُ . وَأَمَّا اصْطِفَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ مِنْ غَنَائِمَ بَدْرٍ فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْغَنَائِمَ كَانَتْ لَهُ يَوْمَئِذٍ خَاصَّةً ، فَنُسِخَ الْحُكْمُ بِالتَّخْمِيسِ . وَأَمَّا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْغَانِمِينَ مِنْهَا إِلَّا الْبَعْضَ ، فَكَانَ حُكْمُها حُكْمَ ذَلِكَ الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ يَقْسِمْ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي سَهْمٍ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ . قُلْتُ : حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى إِبْطَالِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّ فِيهِ سَهْمَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَسَهْمَ الصَّفِيِّ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَهِيَ أَعْلَمُ النَّاسِ : كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ فَخَصَّ مِنْهُ الصَّفِيَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَائِدَةٌ : ثُمَّ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّايَ أَنَّ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ عَلَى مَا فَصَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ الْآيَةَ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ؛ هَلِ الْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ أَمْ يَخْتَلِفَانِ فِي التَّسْمِيَةِ ؟ فَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ : الْغَنِيمَةُ مَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ فَأَخَذُوهُ عَنْوَةً ، وَأَمَّا الْأَرْضُ فَهِيَ فَيْءٌ ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيِّ : الْغَنِيمَةُ مَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ عَنْوَةً بِقِتَالٍ وَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَأَرْبِعَةُ أَخْمَاسُهُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ ، وَالْفَيْءُ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ خُمُسٌ فَهُوَ لِمَنْ سَمَّى اللَّهُ ، وَقِيلَ : الْغَنِيمَةُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ عَنْوَةً عَنْ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ ، وَالْفَيْءُ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ كَالْعُشُورِ وَالْجِزْيَةِ وَأَمْوَالِ الصُّلْحِ وَالْمُهَادَنَةِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ ، وَهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ ؛ فَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ، وَالْغَنِيمَةُ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ بِإِيجَافِ خَيْلٍ عَلَيْهِ وَرِكَابٍ ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمَ الْغَنِيمَةِ ، فَقَالَ : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ يَعْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ حَتَّى الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَقَدْ ذَكَرَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ قَوْلَهُ لِلَّهِ افْتِتَاحُ كَلَامٍ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ ، وَإِنَّمَا أَضَافَهُ لِنَفْسِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ الْحَاكِمُ فِيهِ ، فَيَقْسِمُهُ كَيْفَ شَاءَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّ سَهْمًا مِنْهُ لِلَّهِ مُفْرَدًا ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ ، قَالُوا : سَهْمُ اللَّهِ وَسَهْمُ رَسُولِهِ وَاحِدٌ . وَالْغَنِيمَةُ تُقْسَمُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ ، أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا ، وَالْخُمُسُ الْبَاقِي لِخَمْسَةِ أَصْنَافٍ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : يُقْسَمُ خُمُسُ الْخُمُسِ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ سَهْمٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، أَيْ أَنَّ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ يُقْسَمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ : سَهْمٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ ، وَالْيَوْمَ هُوَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا فِيهِ قُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَجْعَلَانِ سَهْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هُوَ لِلْخَلِيفَةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : سَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَرْدُودٌ فِي الْخُمُسِ ، فَيُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ وَهُمْ ذَوُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلِذِي الْقُرْبَى يَعْنِي أَنَّ سَهْمًا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لِذَوِي الْقُرْبَى ، وَهُمْ أَقَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاخْتَلَفُوا فِيهِمْ ، فَقَالَ قَوْمٌ : هُمْ جَمِيعُ قُرَيْشٍ ، وَقَالَ قَوْمٌ : هُمُ الَّذِينَ لَا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ : هُمْ بَنُو هَاشِمٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَلَيْسَ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى هَلْ هُوَ ثَابِتٌ الْيَوْمَ أَمْ لَا ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ فَيُعْطَى فُقَرَاؤُهُمْ وَأَغْنِيَاؤُهُمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ ، قَالُوا : سَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى مَرْدُودٌ فِي الْخُمُسِ ، فَيُقْسَمُ فِي خُمُسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، فَيُصْرَفُ إِلَى فُقَرَاءِ ذَوِي الْقُرْبَى مَعَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ دُونَ أَغْنِيَائِهِمْ . وَحُجَّةُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ يَدُلَّانِ عَلَى ثُبُوتِ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يُعْطُونَ ذَوِي الْقُرْبَى ، وَلَا يُفَضِّلُونَ فَقِيرًا عَلَى غَنِيٍّ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ ، وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ كَانُوا يُعْطُونَهُ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَالْيَتَامَى جَمْعُ يَتِيمٍ يَعْنِي وَيُعْطَى مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ لِلْيَتَامَى ، وَالْيَتِيمُ الَّذِي لَهُ سَهْمٌ فِي الْخُمُسِ هُوَ الصَّغِيرُ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ ، فَيُعْطَى مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ . وَقَوْلُهُ : وَالْمَسَاكِينِ وَهُمْ أَهْلُ الْفَاقَةِ وَالْحَاجَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَقَوْلُهُ : وَابْنِ السَّبِيلِ وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْبَعِيدُ عَنْ مَالِهِ فَيُعْطَى مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مَعَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، فَهَذَا مَصْرِفُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ ، وَيُقْسَمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا الْبَاقِيَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ الَّذِينَ شَهِدُوا الْوَقْعَةَ ، وَحَازُوا الْغَنِيمَةَ ، فَيُعْطَى لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ ، سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ ، وَيُعْطَى الرَّاجِلُ سَهْمًا وَاحِدًا ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَيُرْضَحُ لِلْعَبِيدِ وَالنِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ إِذَا حَضَرُوا الْقِتَالَ ، وَيُقْسَمُ الْعَقَارُ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ كَالْمَنْقُولِ . وَمَنْ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُشْرِكًا فِي الْقِتَالِ يَسْتَحِقُّ سَلَبُهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ . وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ بَعْضَ الْجَيْشِ مِنَ الْغَنِيمَةِ لِزِيَادَةِ عَنَاءٍ وَبَلَاءٍ يَكُونُ مِنْهُمْ فِي الْحَرْبِ ، يَخُصُّهُمْ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْجَيْشِ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ أُسْوَةَ الْجَمَاعَةِ فِي سَائِرِ الْغَنِيمَةِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ النَّفْلَ مِنْ أَيْنَ يُعْطَى ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ مِنْ سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَدْرَ هَذِهِ إِلَّا الْخُمُسَ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ بَعْدَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ كَسِهَامِ الْغُزَاةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّفْلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ التَّخْمِيسِ كَالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ . وَأَمَّا الْفَيْءُ وَهُوَ مَا أَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بِأَنْ صَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ ، وَكَذَلِكَ الْجِزْيَةُ وَمَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ بِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا وَارِثَ لَهُ ، فَهَذَا كُلُّهُ فَيْءٌ . وَمَالُ الْفَيْءِ كَانَ خَالِصًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِ . وَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَصَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ عُمَرُ : وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ الْآيَةَ ، فَكَانَتْ هَذِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِصَةً ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ ، ثُمَّ مَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَصْرِفِ الْفَيْءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ لِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِلْمُقَاتِلَةِ الَّذِينَ أُثْبِتَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي دِيوَانِ الْجِهَادِ ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الْقَائِمُونَ مَقَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِرْهَابِ الْعَدُوِّ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُبْدَأُ بِالْمُقَاتِلَةِ فَيُعْطَوْنَ مِنْهُ كِفَايَتَهُمْ ثُمَّ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِنَ الْمَصَالِحِ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَخْمِيسِ الْفَيْءِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ يُخَمَّسُ ، وَخُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ ، وَأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَلِلْمَصَالِحِ . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ بَلْ يُصْرَفُ جَمِيعُهُ مَصْرِفًا وَاحِدًا ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا أَبُو أَحْمَدَ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنْ الصَّفِيِّ ( كَانَتْ صَفِيَّةُ مِنَ الصَّفِيِّ ) : أَيْ مِنَ السَّهْمِ الَّذِي يُدْعَى بِالصَّفِيِّ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا كَانَ اسْمَهَا قَبْلَ السَّبْيِ ، وَقِيلَ : كَانَ اسْمُهَا زَيْنَبَ ، فَسُمِّيَتْ بَعْدَ السَّبْيِ وَالِاصْطِفَاءِ صَفِيَّةَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ .
بَابٌ : فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ قَسْمِ الْخُمُسِ ، وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قال : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، قال : أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّهُ جَاءَ هُوَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكَلِّمَانِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَسَمَ مِنْ الْخُمُسِ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَسَمْتَ لِإِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَلَمْ تُعْطِنَا شَيْئًا ، وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ مِنْكَ وَاحِدَةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ . قَالَ جُبَيْرٌ : وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ ، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهِمْ قَالَ : فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ ، وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ . بَاب فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ( أَنَّهُ جَاءَ هُوَ ) : أَيْ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ( يُكَلِّمَانِ ) حَالٌ ( فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ) : الْقَائِلُ هُوَ جُبَيْرُ ( وَقَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ ) : أَيْ قَرَابَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ ( مِنْكَ وَاحِدَةٌ ) : لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ، وَعُثْمَانُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَعَبْدُ شَمْسٍ ، وَنَوْفَلٌ وَهَاشِمٌ وَمُطَّلِبٌ سَوَاءٌ الْجَمِيعُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ، وَعَبْدُ مَنَافٍ هُوَ الْجَدُّ الرَّابِعُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ) : أَيْ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَنْ كَانُوا مُتَوَافِقِينَ مُتَحَابِّينَ مُتَعَاوِنِينَ ، فَلَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ مُخَالَفَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : أَرَادَ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : فَلَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَآهُمْ أَغْنِيَاءَ فِي وَقْتِهِ ، وَرَأَى غَيْرَهُمْ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ ، فَصَرَفَ فِي أَحْوَجِ الْمَصَارِفِ وَأَحَقِّهَا . انْتَهَى . وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ قَرَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى لِأَنَّ عُثْمَانَ وَجُبَيْرًا إِنَّمَا طَلَبَاهُ بِالْقَرَابَةِ ، وَقَدْ عَمِلَ فِيهِ الْخُلَفَاءُ بَعْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَجَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَسَمَ لَهُمْ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّهِمْ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : حَقُّهُمْ ثَابِتٌ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا حَقَّ لِذِي الْقُرْبَى ، وَقَسَمُوا الْخُمُسَ فِي ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ انْتَهَى مُخْتَصَرًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، َثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قال : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قال : نا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنْ الْخُمُسِ شَيْئًا ، كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ قَالَ : وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا كَانَ يُعْطِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ عُمَرُ يُعْطِيهِمْ ، وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْهُمْ . ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ إِلَخْ ) : وَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى اسْتِحْقَاقِ قُرْبَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ مُتَحَقِّقَةٌ فِي بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ ، وَاخْتَلَفَتِ الشَّافِعِيَّةُ فِي سَبَبِ إِخْرَاجِهِمْ ، فَقِيلَ : الْعِلَّةُ الْقَرَابَةُ مَعَ النُّصْرَةِ ، فَلِذَلِكَ دَخَلَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنُو نَوْفَلٍ لِفِقْدَانِ جُزْءِ الْعِلَّةِ أَوْ شَرْطِهَا ، وَقِيلَ : سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ الْقَرَابَةُ ، وَوُجِدَ فِي بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مَانِعٌ ، لكونهمُ انْحَازُوا عَنْ بَنِي هَاشِمٍ وَحَارَبُوهُمْ ، وَقِيلَ : إِنَّ الْقُرْبَى عَامٌّ خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدِّدٌ ، نا هُشَيْمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، قال : أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ ابْنُ مُطْعِمٍ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، حَتَّى أَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ ، فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا ، وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ ، وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَضَعَ ) : أَيْ قَسَمَ ( لَا نُنْكِرُ ) : أَيْ نَحْنُ ( فَضْلَهُمْ ) : أَيْ وَإِنْ كُنَّا مُتَسَاوِينَ فِي النَّسَبِ ( لِلْمَوْضِعِ ) : أَيْ لِأَجْلِ الْمَوْضِعِ ( الَّذِي وَضَعَكَ اللَّهُ بِهِ ) : أَيْ بِالْمَوْضِعِ ( مِنْهُمْ ) : أَيْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً مِنْ بَيْنِنَا ، فَإِنَّهُمْ صَارُوا أَفْضَلَ مِنَّا لِكَوْنِهِمْ أَقْرَبَ إِلَيْكَ مِنَّا ؛ لِأَنَّ جَدَّكَ وَجَدَّهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ هَاشِمٌ ، وَإِنْ كَانَ جَدُّهُمْ وَجَدُّنَا وَاحِدًا وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ ( فَمَا بَالُ إِخْوَانِنَا ) : أَيْ مَا حَالُهُمْ ( بَنِي الْمُطَّلِبِ ) : عَطْفُ بَيَانٍ لِإِخْوَانِنَا ( وَقَرَابَتُنَا وَاحِدَةٌ ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا فِي الْمِشْكَاةِ : وَإِنَّمَا قَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ وَاحِدَةٌ . قَالَ الْقَارِيُّ : وَإِنَّمَا قَرَابَتُنَا أَيْ بَنُو نَوْفَلٍ وَمِنْهُمْ جُبَيْرُ ، وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَمِنْهُمْ عُثْمَانُ ، وَقَرَابَتُهُمْ يَعْنِي بَنِي الْمُطَّلِبِ وَاحِدَةٌ أَيْ مُتَّحِدَةٌ ؛ لِأَنَّ أَبَاهُمْ أَخُو هَاشِمٍ وَآبَاؤُنَا كَذَلِكَ ( أَنَا ) : بِالتَّخْفِيفِ ( وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ) : أَيْ أَدْخَلَ أَصَابِعَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ الْأُخْرَى . وَالْمَعْنَى كَمَا أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَصَابِعِ دَاخِلَةٌ فِي بَعْضٍ ، كَذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ كَانُوا مُتَوَافِقَيْنِ مُخْتَلِطَيْنِ فِي الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَقَارِبِنَا فَلَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِبَنِي هَاشِمٍ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ السُّدِّيِّ فِي ذِي الْقُرْبَى قَالَ : هُمْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ( عَنِ السُّدِّيِّ ) : هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالسُّدِّيُّ نِسْبَةً إِلَى سُدَّةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ ، كَانَ يَبِيعُ بِهَا الْمَقَانِعُ ( فِي ذِي الْقُرْبَى ) : أَيْ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِذِي الْقُرْبَى فِي آيَةِ الْخُمُسِ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ ، أنا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قال : أنا يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ أَنَّ نَجْدَةَ الْحَرُورِيَّ حِينَ حَجَّ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَسْأَلُهُ عَنْ سَهْمِ ذِي الْقُرْبَى ، وَيَقُولُ : لِمَنْ تَرَاهُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لِقُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَهُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَرَضَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ عَرْضًا رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا ، فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ ، وَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ . ( أَنَا يَزِيدُ بْنُ هُرْمُزَ ) : بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْمِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ( أَنَّ نَجْدَةَ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ هُوَ رَئِيسُ الْخَوَارِجِ ( الْحَرُورِيَّ ) : بِفَتْحٍ فَضَمٍّ نِسْبَةً إِلَى حَرُورَاءَ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ ( رَأَيْنَاهُ دُونَ حَقِّنَا فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِ ) : قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : لَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ رَآهُمْ مَصَارِفَ ، وَابْنَ عَبَّاسٍ رَآهُمْ مُسْتَحِقِّينَ لِخُمُسِ الْخُمُسِ ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ إِنَّهُ عَرَضَ دُونَ حَقِّهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَصْرِفِ وَالْمُسْتَحِقِّ أَنَّ الْمَصْرِفَ مَنْ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِ ، وَالْمُسْتَحِقُّ مَنْ كَانَ حَقُّهُ ثَابِتًا فَيَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةُ وَالتَّقَاضِي بِخِلَافِ الْمَصْرِفِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ إِذَا لَمْ يُعْطَ ( وَأَبَيْنَا أَنْ نَقْبَلَهُ ) : زَادَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وكَانَ الَّذِي عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعِينَ نَاكِحَهُمْ ، وَيَقْضِيَ عَنْ غُلَامِهِمْ ، وَيُعْطِيَ فَقِيرَهُمْ ، وَأَبَى أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ نُمَيْرٍ ، نا هَاشِمُ بْنُ الْبَرِيدِ ، نا حُسَيْنُ بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ : اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالْعَبَّاسُ وَفَاطِمَةُ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُوَلِّيَنِي حَقَّنَا مِنْ هَذَا الْخُمُسِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عزوجل ، فَاقْسِمْهُ حَيَاتَكَ كَيْ لَا يُنَازِعَنِي أَحَدٌ بَعْدَكَ فَافْعَلْ قَالَ : فَفَعَلَ ذَلِكَ قَالَ : فَقَسَمْتُهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ وَلَّانِيهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى إِذَا كَانَتْ آخِرُ سَنَةٍ مِنْ سِنِي عُمَرَ فَإِنَّهُ أَتَاهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَعَزَلَ حَقَّنَا ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقُلْتُ : بِنَا عَنْهُ الْعَامَ غِنًى ، وَبِالْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ ، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِمْ فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ لَمْ يَدْعُنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ بَعْدَ عُمَرَ ، فَلَقِيتُ الْعَبَّاسَ بَعْدَ مَا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ فَقَالَ : يَا عَلِيُّ حَرَّمْتَنَا الْغَدَاةَ شَيْئًا لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَبَدًا ، وَكَانَ رَجُلًا دَاهِيًا ( مَالٌ كَثِيرٌ ) : مِنْ فُتُوحِ الْبُلْدَانِ ( فَعَزَلَ ) : عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيِ اسْتَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ ( حَقَّنَا ) : مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَوَضَعَهُ عَلَى حِدَةٍ لِأَنْ يُعْطِيَنَا ( فَقُلْتُ : بِنَا عَنْهُ الْعَامَ غِنًى ) : بِنَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ غِنًى أَيْ لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْعَامِ ( وَبِالْمُسْلِمِينَ ) : مُتَعَلِّقٌ بِحَاجَةٍ ( لَمْ يَدْعُنِي إِلَيْهِ ) : أَيِ الْمَالِ وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ ( حَرَمْتَنَا ) : أَيْ جَعَلْتَنَا مَحْرُومِينَ مِنَ الْمَالِ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَبَدًا ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يُعْطِيهِ أَحَدٌ لِمُسْتَحِقِّيهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ رَجُلٍ مِثْلَ عُمَرَ فِي إِعْطَاءِ الْمَالِ ( وَكَانَ رَجُلًا دَاهِيًا ) : أَيْ فَطِنًا ذَا رَأْيٍ فِي الْأُمُورِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ حُسَيْنُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخَنْدَقِيُّ . قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : لَيْسَ بِقَوِيِّ الْحَدِيثِ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ . وَذَكَرَ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ : وَهُوَ حَدِيثٌ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ ، نا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قال : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْهَاشِمِيُّ : أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ وَعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ : ائْتِيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُولَا لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَلَغْنَا مِنْ السِّنِّ مَا تَرَى ، وَأَحْبَبْنَا أَنْ نَتَزَوَّجَ ، وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُهُمْ ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبَوَيْنَا مَا يُصْدِقَانِ عَنَّا ، فَاسْتَعْمِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ ، فَلْنؤدِّ إِلَيْكَ مَا يُؤَدِّي الْعُمَّالُ ، وَلْنُصِبْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ مَرْفَقٍ فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ لَنَا : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا وَاللَّهِ لَا يَسْتَعْمِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ . فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ : هَذَا مِنْ أَمْرِكَ قَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ نَحْسُدْكَ عَلَيْهِ ، فَأَلْقَى عَلِيٌّ رِدَاءَهُ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَيْهِ فَقَالَ : أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ ، وَاللَّهِ لَا أَرِيمُ ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْكُمَا ابْنَاءكما بحور مَا بَعَثْتُمَا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ : فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ حَتَّى نُوَافِقَ صَلَاةَ الظُّهْرِ قَدْ قَامَتْ ، فَصَلَّيْنَا مَعَ النَّاسِ ، ثُمَّ أَسْرَعْتُ أَنَا وَالْفَضْلُ إِلَى بَابِ حُجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، فَقُمْنَا بِالْبَابِ حَتَّى أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِأُذُنِي وَأُذُنِ الْفَضْلِ ، ثُمَّ قَالَ : أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ ثُمَّ دَخَلَ ، فَأَذِنَ لِي وَلِلْفَضْلِ ، فَدَخَلْنَا فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ قَلِيلًا ، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ أَوْ كَلَّمَهُ الْفَضْلُ قَدْ شَكَّ فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : كَلَّمَهُ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ أَبَوَانَا ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ، وَرَفَعَ بَصَرَهُ قِبَلَ سَقْفِ الْبَيْتِ حَتَّى طَالَ عَلَيْنَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْنَا شَيْئًا حَتَّى رَأَيْنَا زَيْنَبَ تَلْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ بِيَدِهَا تُرِيدُ أَنْ لَا تَعْجَلَا ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِنَا ، ثُمَّ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ فَقَالَ لَنَا : إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ ادْعُوا لِي نَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ فَدُعِيَ لَهُ نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ : يَا نَوْفَلُ أَنْكِحْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَنْكَحَنِي نَوْفَلٌ ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ادْعُوا لِي مَحْمِيةَ بْنَ جَزْءٍ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَخْمَاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَحْمِيَةَ : أَنْكِحْ الْفَضْلَ فَأَنْكَحَهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُمْ فَأَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنْ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا لَمْ يُسَمِّهِ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ ( أَنَّ أَبَاهُ ) : أَيْ أَبَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ( رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ ) : بَدَلٌ مِنْ أَبَاهُ ( وَأَوْصَلُهُمْ ) : اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الصِّلَةِ ( مَا يُصْدِقَانِ ) : مِنْ أَصْدَقَ أَيْ مَا يُؤَدِّيَانِ بِهِ الْمَهْرَ ( وَلْنُصِبْ ) : مِنَ الْإِصَابَةِ ( مَا كَانَ ) : مَا مَوْصُولَةٌ وَهِيَ اسْمُ كَانَ ( فِيهَا ) : أَيْ فِي الصَّدَقَةِ ( مِنْ مِرْفَقٍ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا أَيْ مِنْ مَنْفَعَةٍ ، وَهُوَ بَيَانٌ لِـ مَا الْمَوْصُولَةِ . وَمِرْفَقٍ هُوَ مِنَ الْأَمْرِ مَا انْتَفَعْتَ بِهِ وَاسْتَعَنَتْ بِهِ ، وَمِنْهُ : وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا وَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّا نُؤَدِّي إِلَيْكَ مَا يَحْصُلُ مِنْ رَأْسِ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ ، وَأَمَّا أُجْرَةُ الْعُمَالَةِ وَمَا يَحْصُلُ لِلْمُصَّدِّقِينَ مِنْ غَيْرِ أَمْوَالِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ فَهُوَ لَنَا ( هَذَا مِنْ أَمْرِكَ ) : فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ هَذَا مِنْ حَسَدِكَ ( قَدْ نِلْتَ ) : مِنَ النَّيْلِ بِمَعْنَى يَافَتَنُ ( أَنَا أَبُو حَسَنٍ الْقَرْمُ ) : بِتَنْوِينِ حَسَنٍ ، وَأَمَّا الْقَرْمُ فَبِالرَّاءِ مَرْفُوعٌ وَهُوَ السَّيِّدُ ، وَأَصْلُهُ فَحْلُ الْإِبِلِ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِالْوَاوِ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ لَنَا ابْنُ دَاسَةَ بِالْوَاوِ ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْقَرْمُ بِالرَّاءِ ، وَأَصْلُ الْقَرْمِ فِي الْكَلَامِ فَحْلُ الْإِبِلِ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّئِيسِ : قَرْمٌ ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأُمُورِ ، فَهُوَ فِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَرْمِ فِي الْإِبِلِ ( لَا أَرِيمُ ) : أَيْ لَا أَبْرَحُ وَلَا أُفَارِقُ مَكَانِي ( بِحَوْرِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ بِجَوَابِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعَثْتُمَا فِيهَا وَبِرُجُوعِهَا ، وَأَصْلُ الْحَوارِ الرُّجُوعُ ، يُقَالُ : كَلَّمَهُ فَمَا أَحَارَ جَوَابًا ، أَيْ مَا رَدَّ جَوَابًا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِجَوَابِ مَا بَعَثْتُمَا بِهِ ( مَا تُصَرِّرَانِ ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ أُخْرَى ، وَمَعْنَاهُ : تَجْمَعَانِهِ فِي صُدُورِكُمَا مِنَ الْكَلَامِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتُهُ فَقَدْ صَرَرْتُهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ مَا تَكْتُمَانِ وَمَا تُضْمِرَانِ مِنَ الْكَلَامِ ، وَأَصْلُهُ مِنَ الصَّرِّ وَهُوَ الشَّدُّ وَالْإِحْكَامُ ( فَتَوَاكَلْنَا الْكَلَامَ ) : أَيْ وَكَلَ كُلٌّ مِنَّا الْكَلَامَ إِلَى صَاحِبِهِ ، يُرِيدُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْكَلَامَ صَاحِبُهُ دُونَهُ ( قِبَلَ سَقْفِ الْبَيْتِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ نَحْوَهُ ( تُلْمِعُ ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُ التَّاءِ وَالْمِيمِ ، يُقَالُ : أَلْمَعَ وَلَمَعَ إِذْ أَشَارَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِيَدِهِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( فِي أَمْرِنَا ) : أَيْ مَصْرُوفٌ وَمُتَوَجَّهٌ إِلَى رَدِّ جَوَابِكَ بِحَيْثُ تَنَالُ إِلَى مُرَادِكَ فَلَا تَعْجَلْ . وَنَسَبَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَمْرَ الْفَضْلِ إِلَى نَفْسِهَا تَلَطُّفًا مَعَهُ ( إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ) : أَيْ إِنَّهَا تَطْهِيرٌ لِأَمْوَالِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا كَغُسَالَةِ الْأَوْسَاخِ ( ادْعُوا لِي مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : مَحْمِيَةُ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ ، ثُمَّ مِيمٍ أُخْرَى مَكْسُورَةٍ ، ثُمَّ يَاءٍ مُخَفَّفَةٍ ، وَجَزْءٌ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ انْتَهَى ( مِنَ الْخُمُسِ ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الْخُمُسِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخُمُسِ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ ، نا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قال : أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : كَانَ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبتْنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي ، فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنْ الصَّوَّاغِينَ فَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي ، فَبَيْنَا أَنَا أَجَمْعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنْ الْأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ وَشَارِفَايَ مُنَاخَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، أَقْبَلْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ ، فَإِذَا بِشَارِفَيَّ قَدْ اجْتُبَّتْ أَسْنِمَتُهُمَا وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا ، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا ، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ فَقُلْتُ : مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟ قَالُوا : فَعَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وَأَصْحَابَهُ ، فَقَالَتْ فِي غِنَائِهَا : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ فَوَثَبَ إِلَى السَّيْفِ فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا ، فَأَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا قَالَ عَلِيٌّ : فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَقِيتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ ، فَاجْتَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا ، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ فَارْتَدَاهُ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي ، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ ، فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ ، فَإِذَا حَمْزَةُ ثَمِلٌ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ : وَهَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ثَمِلٌ ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ ( أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ) : هُوَ الْمُلَقَّبُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ ( شَارِفٌ ) : أَيْ مُسِنَّةٌ مِنَ النُّوقِ ( يَوْمَئِذٍ ) : أَيْ يَوْمَ بَدْرٍ . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ ( أَنْ أَبْتَنِي بِفَاطِمَةَ ) : أَيْ أَدْخُلَ بِهَا ، وَالْبِنَاءُ الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ بُنِيَتْ لَهُ قُبَّةٌ ، فَخَلَا فِيهَا بِأَهْلِهِ ( صَوَّاغًا ) : بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ لَمْ يُسَمَّ ( مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ) : بِفَتْحِ الْقَافَيْنِ وَضَمِّ النُّونِ ، وَقَدْ تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَهُودِ . وَفِي الْقَامُوسِ : شِعْبٌ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ ( بِإِذْخِرٍ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ ذَالٍ وَكَسْرِ خَاءٍ مُعْجَمَتَيْنِ نَبْتٌ عَرِيضُ الْأَوْرَاقِ يُحَرِّقُهُ الْحَدَّادُ بَدَلَ الْحَطَبِ وَالْفَحْمِ ( مِنَ الْأَقْتَابِ ) : جَمْعُ قَتَبٍ . قَالَ فِي الصُّرَاحِ : قَتَبٌ بِالتَّحْرِيكِ بالان خرد . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : هُوَ لِلْجَمَلِ كَالْإِكَافِ لِغَيْرِهِ ( وَالْغَرَائِرِ ) : جَمْعُ غِرَارَةٍ ، وَهِيَ مَا يُوضَعُ فِيهَا الشَّيْءُ مِنَ التِّبْنِ وَغَيْرِهِ ( وَالْحِبَالِ ) : جَمْعُ حَبْلٍ ( وَشَارِفَايَ ) : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( مُنَاخَانِ ) : أَيْ مَبْرُوكَانِ ( أَقْبَلْتُ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَرَجَعْتُ ( حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ ) : أَيْ مِنَ الْأَقْتَابِ وَغَيْرِهَا ( قَدِ اجْتُبَّتْ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الِاجْتِبَابِ أَيْ قُطِعَتْ ( أَسْنِمَتُهُمَا ) : جَمْعُ سَنَامٍ ( وَبُقِرَتْ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ أَيْ شُقَّتْ ( خَوَاصِرُهُمَا ) : جَمْعُ خَاصِرَةٍ فِي الصُّرَاحِ خَاصِرَةٌ تهي كاه ( فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنِي ) : أَيْ مِنَ الْبُكَاءِ ( ذَلِكَ الْمَنْظَرَ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالظَّاءِ ، وَإِنَّمَا بَكَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي حَقِّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوْ فِي تَأْخِيرِ الِابْتِنَاءِ بِهَا لَا لِمُجَرَّدِ فَوَاتِ النَّاقَتَيْنِ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( فِي شَرْبِ ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمَاعَةٌ يَجْتَمِعُونَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ اسْمُ جَمْعٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ، وَجَمْعُ شَارِبٍ عِنْدَ الْأَخْفَشِ ( قَيْنَةٌ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدهَا نُونٌ هِيَ الْجَارِيَةُ الْمُغَنِّيَةُ ( وَأَصْحَابَهُ ) : بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْصُوبِ فِي غَنَّتْهُ ( أَلَا يَا حَمْزُ ) : تَرْخِيمٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ( لِلشُّرُفِ ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ شَارِفٍ ( النِّوَاءُ ) : بِكَسْرِ النُّونِ وَالْمَدِّ مُخَفَّفًا جَمْعُ نَاوِيَةٍ ، وَهِيَ النَّاقَةُ السَّمِينَةُ ، وَبَقِيَّتُهُ وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ ضَعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبِهَا لِشُرْبٍ قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أَوْ شِوَاءِ ( فَوَثَبَ ) : أَيْ قَامَ بِسُرْعَةٍ ( حَتَّى أَدْخُلَ ) : بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ، وَرَجَّحَ ابْنُ مَالِكٍ النَّصْبَ ، وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَةِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ ، وَإِلَّا فَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ حَتَّى دَخَلْتُ ( الَّذِي لَقِيتُ ) : أَيْ مِنْ فِعْلِ حَمْزَةَ ( عَدَا حَمْزَةُ ) : أَيْ ظَلَمَ ( هَا ) : لِلتَّنْبِيهِ ( فَطَفِقَ ) : أَيْ شَرَعَ ( ثَمِلٌ ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ سَكْرَانُ ( ثُمَّ صَعَّدَ ) : بِفَتْحِ الصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، أَيْ رَفَعَ ، ( هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ) قِيلَ : أَرَادَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَدٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِعَلِيٍّ أَيْضًا ، وَالْجَدِيدُ عَنَى سَيِّدًا . وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَمْزَةَ أَرَادَ الِافْتِخَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ . كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي ( فَنَكَصَ ) : أَيْ رَجَعَ ( الْقَهْقَرَى ) : هُوَ الْمَشْيُ إِلَى خَلْفٍ ، وَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَزْدَادَ عَبَثُهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ ، فَيَنْتَقِلُ مِنَ الْقَوْلِ إِلَى الْفِعْلِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَا يَقَعُ مِنْهُ بِمَرأَى مِنْهُ لِيَدْفَعَهُ إِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ فِي قَوْلِهِ : أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ، حدثني عَيَّاشُ بْنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيُّ ، عَنْ الْفَضْلِ بْنِ الْحَسَنِ الضَّمْرِيِّ أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ ابْنَتَيْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَدَّثَتْهُ عَنْ إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا قَالَتْ : أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا ، فَذَهَبْتُ أَنَا وَأُخْتِي وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَسَأَلْنَاهُ أَنْ يَأْمُرَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ السَّبْيِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَبَقَكُنَّ يَتَامَى بَدْرٍ ، ولَكِنْ سَأَدُلُّكُنَّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ مِنْ ذَلِكَ : تُكَبِّرْنَ اللَّهَ عَلَى إِثْرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً ، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَسْبِيحَةً ، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ تَحْمِيدَةً ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ عَيَّاشٌ : وَهُمَا ابْنَتَا عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ أَوْ ضُبَاعَةَ إِلَخْ ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي فِي أَنَّ أُمَّ الْحَكَمِ بِنْتَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَتِ الْفَضْلَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ ، أَوْ أَنَّ ضُبَاعَةَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ الْحَكَمِ ( يَتَامَى بَدْرٍ ) : أَيْ مَنْ قُتِلَ آبَاؤُهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ ( سَأَدُلُّكُنَّ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُنَّ إِلَخْ ) : قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فَإِنْ قُلْتَ : لَا شَكَّ أَنَّ لِلتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ ثَوَابًا عَظِيمًا لَكِنْ كَيْفَ يَكُونُ خَيْرًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَطْلُوبِهَا وَهُوَ الِاسْتِخْدَامُ ؟ قُلْتُ : لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الْمُسَبِّحَ قُوَّةً يَقْدِرُ عَلَى الْخِدْمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ الْخَادِمُ عَلَيْهِ ، أَوْ يُسَهِّلُ الْأُمُورَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْخَادِمِ بِذَلِكَ ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ نَفْعَ التَّسْبِيحِ فِي الْآخِرَةِ وَنَفْعَ الْخَادِمِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى . كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ ( قَالَ عَيَّاشٌ ) هُوَ ابْنُ عُقْبَةَ الْحَضْرَمِيُّ ( وَهُمَا ) أَيْ أُمُّ الْحَكَمِ وَضُبَاعَةُ ( ابْنَتَا عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ زُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدٍ يَعْنِي الْجُرَيْرِيَّ ، عَنْ أَبِي الْوَرْدِ ، عَنْ ابْنِ أَعْبُدَ قَالَ : قَالَ لِي عَلِيٌّ : أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنِّي وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ ؟ قُلْتُ : بَلَى قَالَ : إِنَّهَا جَرَّتْ بِالرَّحَى ، حَتَّى أَثَّرَ فِي يَدِهَا ، وَاسْتَقَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَ فِي نَحْرِهَا ، وَكَنَسَتْ الْبَيْتَ حَتَّى اغْبَرَّتْ ثِيَابُهَا ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدَمٌ فَقُلْتُ : لَوْ أَتَيْتِ أَبَاكِ فَسَأَلْتِيهِ خَادِمًا فَأَتَتْهُ ، فَوَجَدَتْ عِنْدَهُ حُدَّاثًا فَرَجَعَتْ ، فَأَتَاهَا مِنْ الْغَدِ فَقَالَ : مَا كَانَ حَاجَتُكِ ؟ فَسَكَتَتْ فَقُلْتُ : أَنَا أُحَدِّثُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : جَرَّتْ بِالرَّحَى حَتَّى أَثَّرَتْ فِي يَدِهَا ، وَحَمَلَتْ بِالْقِرْبَةِ حَتَّى أَثَّرَتْ فِي نَحْرِهَا ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَكَ الْخَدَمُ أَمَرْتُهَا أَنْ تَأْتِيَكَ فَتَسْتَخْدِمَكَ خَادِمًا يَقِيهَا حَرَّ مَا هِيَ فِيهِ قَالَ : اتَّقِي اللَّهَ يَا فَاطِمَةُ ، وَأَدِّي فَرِيضَةَ رَبِّكِ ، وَاعْمَلِي عَمَلَ أَهْلِكِ ، فَإِذَا أَخَذْتِ مَضْجَعَكِ ، فَسَبِّحِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَاحْمَدِي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَكَبِّرِي أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَتِلْكَ مِائَةٌ ، فَهِيَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ قَالَتْ : رَضِيتُ عَنْ اللَّهِ ، وَعَنْ رَسُولِهِ . ( عَنِ ابْنِ أَعْبُدَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ بَيْنَهُمَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ سَاكِنَةٌ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ، وَوَزْنِ الْفِعْلِ وَاسْمُهُ عَلِيٌّ ( وَكَانَتْ ) أَيْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ ) أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( جَرَّتْ بِالرَّحَى ) الْجَرُّ الْجَذْبُ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْجَرِّ بِالرَّحَى إِدَارَتُهَا ( وَاسْتَقَتْ ) مِنَ الِاسْتِقَاءِ ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كشيدن آب أزجاه ( بِالْقِرْبَةِ ) بِالْكَسْرِ هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ مشك ( فِي نَحْرِهَا ) أَيْ أَعْلَى صَدْرِهَا ( وَكَنَسَتِ الْبَيْتَ ) فِي الصُّرَاحِ كَنَسَ خانه روفتن مِنْ بَابِ نَصَرَ ( حُدَّاثًا ) أَيْ رِجَالًا يَتَحَدَّثُونَ ، وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيْ جَمَاعَةً يَتَحَدَّثُونَ ، وَهُوَ جَمْعٌ شَاذٌّ ( فَأَتَاهَا ) أَيْ أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( فَقُلْتُ ) الْقَائِلُ هُوَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَتَسْتَخْدِمَكَ ) أَيْ تَطْلُبُ مِنْكَ ( خَادِمًا ) هُوَ يُطْلَقُ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى الْجَارِيَةِ ( يَقِيهَا ) مِنَ الْوِقَايَةِ ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِـ خَادِمًا ( حَرَّ مَا هِيَ فِيهِ ) أَيْ مَشَقَّةَ الْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا فَاطِمَةُ . فَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ الْمَرْفُوعُ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ لِمَا الْمَوْصُولَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْخُمُسَ حَيْثُ يَرَى ؛ لِأَنَّ الأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ اسْتِحْقَاقُ الْغَانِمِينَ ، وَالَّذِي يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ هُوَ الْخُمُسُ ، وَقَدْ مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ وَأَعَزَّ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ وَصَرَفَهُ إِلَى غَيْرِهِمْ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ نَحْوَهُ : لَوْ كَانَ سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى قَسْمًا مَفْرُوضًا لَأَخْدَمَ ابْنَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ شَيْئًا اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى ذَوِي الْقُرْبَى . وَكَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَزَادَ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَخَذَا بِذَلِكَ وَقَسَمَا جَمِيعَ الْخُمُسِ ، وَلَمْ يَجْعَلَا لِذَوِي الْقُرْبَى مِنْهُ حَقًّا مَخْصُوصًا بِهِ ، بَلْ بِحَسَبِ مَا يَرَى الْإِمَامُ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ الْحَافِظُ : فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الْفَيْءِ ، وَأَمَّا خُمُسُ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُوَلِّيَنِي حَقَّنَا مِنْ هَذَا الْخُمُسِ الْحَدِيثَ . وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ : وَلَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمُسَ الْخُمُسِ ، فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاتَهُ الْحَدِيثَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةُ فَاطِمَةَ وَقَعَتْ قَبْلَ فَرْضِ الْخُمُسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ . نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ ، وَثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَخْرَجُوا الْخُمُسَ مِنْ أَوَّلِ غَنِيمَةٍ غَنِمُوهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّ حِصَّةَ خُمُسِ الْخُمُسِ وَهُوَ حَقُّ ذَوِي الْقُرْبَى مِنَ الْفَيْءِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الرَّأْسِ الَّذِي طَلَبَتْهُ فَاطِمَةُ ، فَكَانَ حَقُّهَا مِنْ ذَلِكَ يَسِيرًا جِدًّا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَوْ أَعْطَاهَا الرَّأْسَ أَثَّرَ فِي حَقِّ بَقِيَّةِ الْمُسْتَحِقِّينَ مِمَّنْ ذُكِرَ . وَأَطَالَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : ابْنُ أَعْبُدَ اسْمُهُ عَلِيٌّ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ بِنَحْوِهِ ، وَسَيَجِيءُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْأَدَبِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا .
حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًا يَقُولُ : وَلَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمُسَ الْخُمُسِ ، فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَيَاةَ عُمَرَ ، فَأُتِيَ بِمَالٍ فَدَعَانِي فَقَالَ : خُذْهُ فَقُلْتُ : لَا أُرِيدُهُ فقَالَ : خُذْهُ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِهِ قُلْتُ : قَدْ اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ ، فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ( فَأُتِيَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالضَّمِيرُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( فَقَالَ ) : أَيْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( خُذْهُ ) : أَيِ الْمَالَ ( اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُ ) : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مُوَافَقَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى مَصَارِفُ لِلْخُمُسِ لَا مُسْتَحِقُّوهُ كَمَا لَا يَخْفَى . وَكَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عِيسَى بْنُ مَاهَانَ ، وَقِيلَ : ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاهَانَ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ ، وَنُقِلَ عَنْهُمَا خِلَافُ ذَلِكَ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ : وَلَمْ يُخْدِمْهَا . ( وَلَمْ يُخْدِمْهَا ) : مِنَ الْإِخْدَامِ أَيْ لَمْ يُعْطِهَا خَادِمًا .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقُرَشِيُّ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَعْنِي ابْنَ عِيسَى : كُنَّا نَقُولُ : إِنَّهُ مِنْ الْأَبْدَالِ قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ أَنَّ الْأَبْدَالَ مِنْ الْمَوَالِي قَالَ : حَدَّثَنِي الدَّخِيلُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ نُوحِ بْنِ مُجَّاعَةَ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ سِرَاجِ بْنِ مُجَّاعَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُجَّاعَةَ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْلُبُ دِيَةَ أَخِيهِ ، قَتَلَتْهُ بَنُو سَدُوسٍ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتُ جَاعِلًا لِمُشْرِكٍ دِيَةً جَعَلْتُ لِأَخِيكَ ، وَلَكِنْ سَأُعْطِيكَ مِنْهُ عُقْبَى فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ أَوَّلِ خُمُسٍ يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَنِي ذُهْلٍ ، فَأَخَذَ طَائِفَةً مِنْهَا ، وَأَسْلَمَتْ بَنُو ذُهْلٍ ، فَطَلَبَهَا بَعْدُ مُجَّاعَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَأَتَاهُ بِكِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَتَبَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ صَاعٍ مِنْ صَدَقَةِ الْيَمَامَةِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ بُر ، وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ شَعِير ، وَأَرْبَعَةِ آلَافٍ تَمْر . وَكَانَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُجَّاعَةَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِمُجَّاعَةَ بْنِ مَرَارَةَ مِنْ بَنِي سُلْمَى إِنِّي أَعْطَيْتُهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ مِنْ أَوَّلِ خُمُسٍ ، يَخْرُجُ مِنْ مُشْرِكِي بَنِي ذُهْلٍ عُقْبَةً مِنْ أَخِيهِ ( كُنَّا نَقُولُ إِنَّهُ ) : أَيْ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ ( مِنَ الْأَبْدَالِ ) فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ السُّيُوطِيِّ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : الْأَبْدَالُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ : بِهِمْ تَقُومُ الْأَرْضُ ، وَبِهِمْ تُمْرَطُونَ ، وَبِهِمْ تُنْصَرُونَ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : وَالْأَبْدَالُ جَمْعُ بَدَلٍ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِمْ بِالْأَبْدَالِ أَنَّهُ كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا ، كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُبَادَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ : الْأَبْدَالِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا ( قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ أَنَّ الْأَبْدَالَ مِنَ الْمَوَالِي ) فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِرِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي كِتَابِ السُّكْنَى وَالْأَلْقَابِ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا : الْأَبْدَالُ مِنَ الْمَوَالِي ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : تَمَامُهُ : وَلَا يُبْغِضُ الْمَوَالِي إِلَّا مُنَافِقٌ . وَمِنْ عَلَامَتِهِمْ أَيْضًا أَنَّهُمْ لَا يُولَدُ لَهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَ شَيْئًا . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى أَنَا كُنَّا نَعُدُّ عَنْبَسَةَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقُرَشِيَّ مِنَ الْأَبْدَالِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ وَالذَّاكِرِينَ وَعِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ قَبْلَ أَنْ نَسْمَعَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ شَيْئًا ، فَلَمَّا سَمِعْنَا أَنَّ الْأَبْدَالَ يَكُونُ مِنَ الْمَوَالِي أَيْ مِنَ السَّادَاتِ الْأَشْرَافِ تَحَقَّقَ لَهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَبْدَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَابِدٌ أُمَوِيٌّ قُرَشِيٌّ ، فَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنْهُ لِسِيَادَتِهِ وَشَرَافَتِهِ . وَفِي مَعْنَاهُ تَأْوِيلٌ آخَرُ يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى : إِنَّا نَعُدُّهُ مِنَ الْأَبْدَالِ لِزُهْدِهِ وَعِبَادَتِهِ ، لَكِنْ لَمَّا سَمِعْنَا أَنَّ الْأَبْدَالَ يَكُونُ مِنَ الْمَوَالِي أَيْ بِمَعْنَى الْعَبْدِ رَجَعْنَا عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، وَعَلِمْنَا أَنَّ شَرْطَ الْأَبْدَالِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَوَالِي . وَعَنْبَسَةُ لَيْسَ مِنَ الْمَوَالِي ، بَلْ هُوَ قُرَشِيٌّ مِنْ أَوْلَادِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيِّ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ . وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَبْدَالِ غَيْرُ مَا ذُكِرَ ، أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ : الْأَبْدَالُ فِي أَهْلِ الشَّامِ ، وَبِهِمْ يُنْصَرُونَ ، وَبِهِمْ يُرْزَقُونَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَلِيٍّ : الْأَبْدَالُ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا ، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا ، يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ ، وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابُ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : إِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا عِدَّةَ أَخْبَارٍ مِنْهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ وَمَا هُوَ مَوْضُوعٌ ، وَلِلصُّوفِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ كَلَامٌ طَوِيلٌ ، لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَا بُرْهَانَ ، بَلْ هُوَ مِنَ التَّخَيُّلَاتِ الْمَحْضَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( حَدَّثَنِي الدَّخِيلُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ مَستورٌ مِنَ السَّادِسَةِ ( عَنْ جَدِّهِ مُجَّاعَةَ ) ضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ ( وَلَكِنْ سَأُعْطِيكَ مِنْهُ عُقْبَى ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْعُقْبَى الْعِوَضُ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ ذَلِكَ تَأَلُّفًا لَهُ أَوْ لِمَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى ( عُقْبَةَ مِنْ أَخِيهِ ) أَيْ عِوَضًا مِنْهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قِيلَ مُجَّاعَةُ هَذَا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ سِرَاجِ بْنِ مُجَّاعَةَ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ، وَخَفَّفَهَا بَعْضُهُمْ ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ ، وَسُلْمَى بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ فِي بَنِي حَنِيفَةَ ، وَسَدُوسٌ هَذَا بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَوَاوٍ سَاكِنَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَسَدُوسٌ بِالْفَتْحِ أَيْضًا سَدُوسُ بْنُ دَارِمٍ فِي تَمِيمٍ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : كُلُّ سَدُوسٍ فِي الْعَرَبِ فَهُوَ مَفْتُوحُ السِّينِ إِلَّا سُدُوسُ بْنُ أَصْبَغَ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ مَا أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ ، أَيْ بَابُ قَسْمِ الْخُمُسِ أَحَادِيثَ تَسْتَوْعِبُ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ ، فَأَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَامًا مُشْبَعًا فِي آخِرِ الْبَابِ الْآتِي ، وَلَا أُبَالِي إِنْ تَكَرَّرَ بَعْضُ الْمَطَالِبِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ ، نا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ ، نا هُشَيْمٌ ، أَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ قُشَيْرِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَسْبَذِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ وَهُمْ مَجُوسُ أَهْلِ هَجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَكَثَ عِنْدَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ فَسَأَلْتُهُ مَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِيكُمْ ؟ قَالَ : شَرٌّ . قُلْتُ : مَهْ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ ، أَوْ الْقَتْلُ . قَالَ : وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : قَبِلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَأَخَذَ النَّاسُ بِقَوْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَتَرَكُوا مَا سَمِعْتُ أَنَا مِنْ الْأَسْبَذِيِّ ( عَنْ قُشَيْرٍ ) : بِالْقَافِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ( مِنَ الْأَسْبَذِيِّينَ ) : بِالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي مَادَّةِ أَسْبَذَانَه : كَتَبَ لعباد اللَّهِ : الْأَسْبَذِينَ هُمْ مُلُوكُ عَمَّانَ بِالْبَحْرَيْنِ الْكَلِمَةُ فَارِسِيَّةٌ مَعْنَاهَا عَبَدَةُ الْفَرَسِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ فَرَسًا فِيمَا قِيلَ وَاسْمُ الْفَرَسِ بِالْفَارِسِيَّةِ أسب . انْتَهَى . وَقَالَ فِي مَادَّةِ سَبَذَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَسْبَذِيِّينَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ قَوْمٌ مِنَ الْمَجُوسِ لَهُمْ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ الْجِزْيَةِ ، قِيلَ : كَانُوا مَسْلَحَةً لِحِصْنِ الْمُشَقَّرِ مِنْ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ الْوَاحِدُ أَسْبَذِيٌّ وَالْجَمْعُ الْأَسَابِذَةُ . انْتَهَى . وَفِي تَاجِ الْعَرُوسِ : أَسْبَذُ كَأَحْمَدَ بَلَدٌ بِهَجَرَ بِالْبَحْرَيْنِ ، وَقِيلَ : قَرْيَةٌ بِهَا ، وَالْأَسَابِذُ نَاسٌ مِنَ الْفُرْسِ نَزَلُوا بِهَا . وَقَالَ الْخُشَنِيُّ : أَسْبَذُ اسْمُ رَجُلٍ بِالْفَارِسِيَّةِ مِنْهُمُ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى الْأَسْبَذِيُّ صَحَابِيٌّ . انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : سَبَذَ عَلَى وَزْنِ حَطَبَ ، وَالْأَسْبَذُ بِسُكُونِ السِّينِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَمَكَثَ ) : أَيِ الرَّجُلُ الْأَسْبَذِيُّ ( عِنْدَهُ ) : أَيْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( شَرٌّ ) : أَيْ هُوَ شَرٌّ ( مَهْ ) : أَيِ اكْفُفْ . ( وَتَرَكُوا مَا سَمِعْتُ ) : قَالَ فِي السُّبُلِ : لِأَنَّ رِوَايَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْصُولَةٌ وَصَحِيحَةٌ وَرِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ هِيَ عَنْ مَجُوسِيٍّ لَا تُقْبَلُ اتِّفَاقًا . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ ابْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ سَمِعَ بَجَالَةَ يُحَدِّثُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ وَأَبَا الشَّعْثَاءِ قَالَ : كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، إِذْ جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ : اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَانْهَوْهُمْ عَنْ الزَّمْزَمَةِ ، فَقَتَلْنَا فِي يَوْمٍ ثَلَاثَةَ سَوَاحِرَ ، وَفَرَّقْنَا بَيْنَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْ الْمَجُوسِ وَحَرِيمِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تعالى ، وَصَنَعَ طَعَامًا كَثِيرًا فَدَعَاهُمْ ، فَعَرَضَ السَّيْفَ عَلَى فَخْذِهِ فَأَكَلُوا ، وَلَمْ يُزَمْزِمُوا ، وَأَلْقَوْا وِقْرَ بَغْلٍ أَوْ بَغْلتَيْنِ مِنْ الْوَرِقِ ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ( سَمِعَ ) : أَيْ عَمْرُو ( بَجَالَةَ ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ تَابِعِيٌّ شَهِيرٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدَةَ ( يُحَدِّثُ ) : أَيْ بَجَالَةَ ( عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ ) : بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ( وَأَبَا الشَّعْثَاءِ ) : عَطْفٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ ، أَيْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ جَابِرٍ بْنُ زَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بَجَالَةَ لَمْ يَقْصِدْ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ بِالتَّحْدِيثِ ، وَإِنَّمَا حَدَّثَ غَيْرَهُ فَسَمِعَهُ هُوَ ، وَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَسُوغُ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنَا وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ وَمَنَعَ مِنْهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ( قَالَ ) : أَيْ بَجَالَةُ ( لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ هَكَذَا يَقُولُهُ الْمُحَدِّثُونَ ، وَضَبَطَهُ أَهْلُ النَّسَبِ بِكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ تَمِيمِيٌّ تَابِعِيٌّ كَانَ وَالِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْأَهْوَازِ ( عَمِّ الْأَحْنَفِ ) : بَدَلٌ مِنْ جَزْءٍ ( قَبْلَ مَوْتِهِ ) : أَيْ مَوْتِ عُمَرَ ( بِسَنَةٍ ) : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ ( فَرِّقُوا ) : أَيْ فِي النِّكَاحِ ( بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ ) : أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ الْمَجُوسِي الذِّمِّيِّ عَنْ نِكَاحِ الْمَحْرَمِ كَالْأُخْتِ وَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ لِأَنَّهُ شِعَارٌ مُخَالِفٌ لِلْإِسْلَامِ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِمْ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّ أَمْرَ عُمَرَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ إِظْهَارِهِ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْإِشَارَةِ بِهِ فِي مَجَالِسِهِمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِلْمِلَاكِ ، كَمَا يُشْتَرَطٌ عَلَى النَّصَارَى أَنْ لَا يُظْهِرُوا صَلِيبَهُمْ وَلَا يُفْشُوا عَقَائِدَهُمْ ( وَانْهَوْهُمْ عَنِ الزَّمْزَمَةِ ) : بِزَائَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ هِيَ كَلَامٌ يَقُولُونَهُ عِنْدَ أَكْلِهِمْ بِصَوْتٍ خَفِيِّ ( وَحَرِيمِهِ ) : أَيْ مَحْرَمِهِ ( وَصَنَعَ ) : أَيْ جَزْءُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ( فَدَعَاهُمْ ) : أَيِ الْمَجُوسَ ( وَأَلْقَوْا ) : أَيْ بَيْنَ يَدَيْ جَزْءٍ ( وِقْرَ بَغْلٍ أَوْ بَغْلَيْنِ مِنَ الْوَرِقِ ) : أَيِ الْفِضَّةِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْوِقْرُ بِكَسْرِ الْوَاوِ الْحِمْلُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي حِمْلِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ ، يُرِيدُ حِمْلَ بَغْلٍ أَوْ بَغْلَيْنِ أَخِلَّةٍ مِنَ الْفِضَّةِ كَانُوا يَأْكُلُونَ بِهَا الطَّعَامَ فَأَعْطَوْهَا لِيُمَكَّنُوا بِهَا مِنْ عَادَتِهِمْ فِي الزمزة ، انْتَهَى . ( مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ ) : بِفَتْحَتَيْنِ قَاعِدَةُ أَرْضِ الْبَحْرَيْنِ ، كَذَا فِي الْمُغْنِي . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : اسْمُ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ يَلِي الْبَحْرَيْنِ وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالصَّرْفِ . انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : قَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ بِالسُّنَّةِ كَمَا أُخِذَتْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ ، وَقِيلَ : هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ . رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ : كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا .
بَابٌ : فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ لَمَّا مَاتَ نَبِيُّهُمْ كَتَبَ لَهُمْ إِبْلِيسُ الْمَجُوسِيَّةَ بَاب فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ أَيْ عَبَدَةِ النَّارِ . ( عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ) : بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ هُوَ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ ( كَتَبَ لَهُمْ إِبْلِيسُ الْمَجُوسِيَّةَ ) : أَيْ جَعَلَ إِبْلِيسُ ، والْمَجُوسِيَّةَ مَكَانَ دِينِ نَبِيِّهِمْ ، فَصَارُوا مجوسيا بِإِغْوَاءِ إِبْلِيسَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا عَلَى دِينِ نَبِيِّهِمْ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْجِزْيَةُ تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا تُؤْخَذُ عَنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ : لَا يُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ثُمَّ اسْتَثْنَى أَهْلَ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ انْتَهَى . وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ : تَخْصِيصُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ لَا يَنْفِي الْحُكْمَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَأَنَّ الْوَثَنِيَّ الْعَرَبِيَّ وَالْوَثَنِيَّ الْعَجَمِيَّ لَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُمَا بَلْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمَا فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ : إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِي الْبَابِ وَكَذَا أَثَرُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي مُسْنَدِهِ ، وَكَذَا أَثَرُ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ لَكِنْ سَنَدُهُمَا ضَعِيفٌ . وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى فَقَالَ : بَابُ الْمَجُوسِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْجِزْيَةُ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ ، ثُمَّ أَوْرَدَ أَثَرَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا . وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْمَجُوسَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ جِهَتِهِ أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ الْمَجُوسِيَّ فَقَالَ : مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَجُوسِ : سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْنِي فِي الْجِزْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ ، وَعَلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ فَبَدَّلُوا ، وَأَظُنّهُ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ فِيهِ ضَعْفٌ يَدُورُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَثَرَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ : وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَأْبَوْنَ ذَلِكَ وَلَا يُصَحِّحُونَ هَذَا الْأَثَرَ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْـزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْـزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ وَقَالَ تَعَالَى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ هُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا غَيْرُ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : الْمَجُوسُ أَهْلُ كِتَابٍ ؟ قَالَ : لَا . وَقَالَ أَيْضًا : أَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ سُئِلَ : أَتُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ ، وَعُمَرُ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ ، وَعُثْمَانُ مِنْ بَرْبَرَ . انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ ، قال : أنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ قَالَ سُفْيَانُ : وَالْعَانِي الْأَسِيرُ . ( أَطْعِمُوا الْجَائِعَ ) : أَيِ الْمُضْطَرَّ وَالْمِسْكِينَ وَالْفَقِيرَ ( وَعُودُوا الْمَرِيضَ ) : قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ كَإِطْعَامِ الْجَائِعِ وَفَكِّ الْأَسِيرِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلنَّدَبِ لِلْحَثِّ عَلَى التَّوَاصُلِ وَالْأُلْفَةِ . وَجَزَمَ الدَّاوُدِيُّ بِالْأَوَّلِ ، فَقَالَ : هِيَ فَرْضٌ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هِيَ فِي الْأَصْلِ نَدْبٌ وَقَدْ تَصِلُ إِلَى الْوُجُوبِ فِي حَقِّ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ . وَعَنِ الطَّبَرِيِّ : تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ وَتُسَنُّ فِيمَنْ يرَاعَى حَالُهُ ، وَتُبَاحُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ، انْتَهَى . ( وَفُكُّوا الْعَانِيَ ) أَيِ الْأَسِيرَ ، وَفَكُّهُ تَخْلِيصُهُ بِالْفِدَاءِ ، أَيْ : أَخْلِصُوا الْأَسِيرَ الْمُسْلِمَ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ أَوِ الْمَحْبُوسَ ظُلْمًا . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالنِّكَاحِ وَكِتَابِ الْمَرْضَى ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا الْجُعَيْدُ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أَنَّ أَبَاهَا قَالَ : اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ ، فَجَاءَنِي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي ، وَبَطْنِي ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ بَاب الدُّعَاءِ لِلْمَرِيضِ بِالشِّفَاءِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ ( اشْتَكَيْتُ ) : أَيْ مَرِضْتُ ( اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا ) : فِيهِ التَّرْجَمَةُ ( وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ ) : قَالَ الْعَيْنِيُّ : إِنَّمَا دَعَا لَهُ بِإِتْمَامِ الْهِجْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا وَخَافَ أَنْ يَمُوتَ فِي مَوْضِعٍ هَاجَرَ مِنْهُ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دُعَاءَ رَسُولِهِ وَشَفَاهُ وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ ، انْتَهَى .
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ أَوْ رَجُلًا كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ : مَاتَ ، فَقَالَ : أَلَا آذَنْتُمُونِي بِهِ ؟ قَالَ : دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ ، فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ . بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : رُوِيَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ حِسَانٍ كُلِّهَا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : بَلْ مِنْ تِسْعَةٍ كُلِّهَا حِسَانٍ وَسَاقَهَا كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهِ فِي تَمْهِيدِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْخَمْسَةِ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِسْكِينَةِ ، وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي صَلَاةِ الْمُصْطَفَى عَلَى أُمِّ سَعْدٍ بَعْدَ دَفْنِهَا بِشَهْرٍ ، وَحَدِيثِ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ فِي صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرِ طَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ الْقَ طَلْحَةَ يَضْحَكُ إِلَيْكَ وَتَضْحَكُ إِلَيْهِ وَحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ وَقَدْ تُوُفِّيَتْ أُمُّ أَبِي أُمَامَةَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ بَعْدَمَا دُفِنَتْ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْمِسْكِينَةِ وَغَيْرِهَا ، وَكَذَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَهُوَ فِي الْمِسْكِينَةِ ، فهي عَشَرَةِ أَوْجُهٍ . كَذَا فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لِلزُّرْقَانِيِّ . فَالصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ ، سَوَاءٌ صُلِّيَ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ قَبْلَهُ أَمْ لَا ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . قَالَ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ ، فَصَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ لَيْلَةٍ ، وَمَرَّةً بَعْدَ ثَلَاثٍ ، وَمَرَّةً بَعْدَ شَهْرٍ ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِي ذَلِكَ وَقْتًا . وَحَدَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ بِشَهْرٍ إِذْ هُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ صَلَّى بَعْدَهُ . وَحَدَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا إِذَا لَمْ يَبْلَ الْمَيِّتُ انْتَهَى . وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهَذَا بَاطِلٌ ، فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا - وَفِيهِ : - فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ . وَفِي الْمُوَطَّأِ : فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَفَّ بِالنَّاسِ عَلَى قَبْرِهَا وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . ( كَانَ يَقُمُّ ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ يَكْنُسُ ، وَالْقُمَامَةُ الْكُنَاسَةُ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَلَا آذَنْتُمُونِي بِهِ ) : أَيْ أَخْبَرْتُمُونِي بِمَوْتِهِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دُلُّونِي ) : بِضَمِّ الدَّالِ أَمْرٌ مِنَ الدَّلَالَةِ ( فَصَلَّى عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى قَبْرِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : زَادَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا عَلَيْهِمْ بِصَلَاتِي ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُخَالِفِينَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَفِيهَا : ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : فِي تَرْكِ إِنْكَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى الْقَبْرِ بَيَانُ جَوَازِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ بِالتَّبَعِيَّةِ لَا يَنْهَضُ دَلِيلًا لِلْأَصَالَةِ انْتَهَى . قُلْتُ : لَا يَلِيقُ بِشَأْنِ الْحَافِظِ أَنْ يَنْقُلَ قَوْلَ هَذَا الْمُتَعَقِّبِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ هَذَا غَلَطٌ بَاطِلٌ ، وَيَكْفِي لِرَدِّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ بَيَانُ جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ لِمَنْ لَمْ يَلْحَقِ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ الدَّفْنِ ، وَفِي الصَّلَاةِ اخْتِلَافٌ ، فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ : يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ مَا لَمْ يَبْلَ صَاحِبُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِلَى شَهْرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ أَبَدًا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ مُوسَى ، نا إسماعيل - يَعْنِي : ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَنْطَلِقَ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ ، فَذَكَرَ حَدِيثَهُ . قَالَ النَّجَاشِيُّ : أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنْ الْمُلْكِ لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ ( أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ أَنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ قَدْ أَسْلَمَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسَنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَى أَرْضِهِ ، وَأَخْبَارُهُ مَعَهُمْ وَمَعَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمِينَ مَشْهُورَةٌ . تُوُفِّيَ بِبِلَادِهِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ انْتَهَى . وَفِي الْإِصَابَةِ أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَغَازِي فِي إِحْسَانِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا إِلَيْهِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ انْتَهَى ( وَلَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ ) : هَذَا مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ ، لِأَنَّ النَّجَاشِيَّ مَا رَحَلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجْلِ مَخَافَةِ مُلْكِهِ وَضَيَاعِ سَلْطَنَتِهِ ، وَبَغَاوَةِ رَعَايَاهُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَأَقَامَ فِي أَرْضِهِ وَمَاتَ فِيهَا وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَمُوتُ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَمُوتُ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ هَكَذَا فِي نُسَخِ الْكِتَابِ ، وَلَكِنْ أَوْرَدَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ تَرْجَمَةَ الْبَابِ بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَلَفْظُ الْمُنْذِرِيِّ : بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ قَتَلَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَلَفْظُ الْخَطَّابِيِّ : بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسْلِمِ يَلِيهِ أَهْلُ الشِّرْكِ ، وَهَكَذَا نَقَلَ الْحَافِظُ أَيْضًا فِي الْفَتْحِ تَرْجَمَةَ الْبَابِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ . ( نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ ) : أَيْ أَخْبَرَ النَّاسَ بِمَوْتِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمُّوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ . وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا . وَأَخْرَجَاهُ عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَكُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ انْتَهَى . وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَعَى النَّجَاشِيَّ لِأَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ : اسْتَغْفِرُوا لَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ بِأَصْحَابِهِ إِلَى الْمُصَلَّى ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِهِمْ كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيُّ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ - قَالَ - قُمْنَا فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : النَّجَاشِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ثُمَّ يَاءٌ ثَقِيلَةٌ كَيَاءِ النَّسَبِ ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَرَجَّحَهُ الصَّغَانِيُّ وَهُوَ لَقَبُ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ . وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ تَشْدِيدَ الْجِيمِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَخَطَّأَهُ انْتَهَى . وَاسْمُ النَّجَاشِيِّ أَصْحَمَةُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَهَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ ، وَهَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي وَغَيْرِهَا ، وَوَقَعَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ شَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ صَحْمَةَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ ، وَقَالَ : هَكَذَا قَالَ لَنَا يَزِيدُ ، وَإِنَّمَا هُوَ صَمْحَةُ يَعْنِي بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الْحَاءِ وَهَذَانِ شَاذَّانِ وَالصَّوَابُ أَصْحَمَةُ بِالْأَلِفِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ : وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةٌ انْتَهَى . ( إِلَى الْمُصَلَّى ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْمَوْتَى فِيهِ ( وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ) : قَدِ اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مَوْتُهُ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ ، كَمَا يَلُوحُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبَابِ . وَمِمَّنِ اخْتَارَ هَذَا : الشَّيْخُ الْخَطَّابِيُّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْعَلَّامَةُ الْمُقْبِلِيُّ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ ، وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ ، حَتَّى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَمْ يَأْتِ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْعُهُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ دُعَاءٌ لَهُ وَهُوَ إِذَا كَانَ مُلَفَّفًا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يُدْعَى لَهُ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ فِي الْقَبْرِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ بِهِ وَهُوَ مُلَفَّفٌ . وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لَا يُشْرَعُ ذَلِكَ . وَقَدِ اعْتَذَرَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ عَنْ قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ بِأُمُورٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَدٌ فَتَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا يُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ إِلَّا إِذَا وَقَعَ مَوْتُهُ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ ، وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِ يَلِيهِ أَهْلُ الشِّرْكِ بِبَلَدٍ آخَرَ ، وَهَذَا مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنَّنِي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ أحد انْتَهَى . وَتَعَقَّبَهُ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ : وَهُوَ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ ، فَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي بَلَدِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَمَحَلُّهُ فِي اتِّسَاعِ الْحِفْظِ مَعْلُومٌ انْتَهَى . قُلْتُ : نَعَمْ مَا وَرَدَ فِيهِ شَيْءٌ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا لَكِنْ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَسْلَمَ وَشَاعَ إِسْلَامُهُ ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَكَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ ، فَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ أَنَّهُ مَا صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَلَدِهِ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَاللَّفْظُ لِابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ بِهِمْ فَقَالَ : صَلُّوا عَلَى أَخٍ لَكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ ، قَالُوا : مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : النَّجَاشِيُّ . وَلَفْظُ غَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَخَاكُمْ مَاتَ بِغَيْرِ أَرْضِكُمْ ؛ فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِلْمَانِعِينَ ؛ بَلْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْمَانِعِينَ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِأَرْضِكُمْ هِيَ الْمَدِينَةُ ، كَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ النَّجَاشِيَّ إِنْ مَاتَ فِي أَرْضِكُمُ الْمَدِينَةَ لَصَلَّيْتُمْ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ مَاتَ فِي غَيْرِ أَرْضِكُمُ الْمَدِينَةِ فَصَلُّوا عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ ، فَهَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ وَسُنَّةٌ لِلْأُمَّةِ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : كُشِفَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ حَتَّى رَآهُ فَتَكُونُ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ وَلَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَتَعَقبهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِلِ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِهِ بِغَيْرِ إِسْنَادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُشِفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ . وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَقَامَ وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْهُ . وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ عَنْ يَحْيَى فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا . وَمِنَ الِاعْتِذَارَاتِ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ غَيْرِهِ . قَالَهُ الْمُهَلَّبُ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ قِصَّةُ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّ خَبَرَهُ قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ . وَاسْتَنَدَ مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِ النَّجَاشِيِّ بِذَلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِرَادَةِ إِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : لَوْ فُتِحَ بَابُ هَذَا الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ : قَالَ الْمَالِكِيَّةُ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ ، قُلْنَا : وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلْ بِهِ أُمَّتُهُ يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ . قَالُوا : طُوِيَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَأُحْضِرَتِ الْجَنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قُلْنَا : إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ ، وَإِنَّ نَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رُوِّيتُمْ وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ ، وَدَعُوا الضِّعَافَ فَإِنَّهَا سَبِيلُ تَلَافٍ إِلَى مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٍ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُمْ رُفِعَ الْحِجَابُ عَنْهُ مَمْنُوعٌ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْتُ : وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ بِالْجِيمِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ فِي قِصَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ : فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَمَا نَرَى شَيْئًا . أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ لَكِنْ أَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَصِيرُ كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا انْتَهَى . وَفِي زَادِ الْمَعَادِ : وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ وَسُنَّتِهِ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ غَائِبٍ ، فَقَدْ مَاتَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ غُيَّبٌ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ ، أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ وَسُنَّةٌ لِلْأُمَّةِ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ هَذَا خَاصٌّ بِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، وَقَالَهُ أَصْحَابُهُمَا . وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ يَرَى صَلَاتَهُ عَلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْبُعْدِ وَالصَّحَابَةُ وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ فَهُمْ تَابِعُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ . قَالُوا : وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لم ينقل عنه أنه كَانَ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ الْغَائِبِينَ غَيْرِهِ وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ ، كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ يُعَايِنَ سَرِيرَ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ وَيُرْفَعَ لَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ غَائِبٌ وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ الْعَلَاءَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ : كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ ، وَرَوَاهُ مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ . وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : الصَّوَابُ أَنَّ الْغَائِبَ إِنْ مَاتَ بِبَلَدٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِيهِ صُلِّيَ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْغَائِبِ ، كَمَا صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّجَاشِيِّ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ الْكُفَّارِ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ حَيْثُ مَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْغَائِبِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ قَدْ سَقَطَ لِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى الْغَائِبِ وَتَرَكَهُ ، وَفِعْلُهُ وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ ، وهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ وَهَذَا لَهُ مَوْضِعٌ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ أَحْمَدَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا انْتَهَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ : وَلِأَصْحَابِنَا عَنْهُ أَجْوِبَةٌ أَحَدُهَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ فَرَآهُ فَيَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَيِّتٍ رَآهُ الْإِمَامُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلِ بَيِّنَةٍ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ . قُلْتُ : وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ فَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ تُوُفِّيَ فَقُومُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفُّوا خَلْفَهُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ . الثَّانِي : أَنَّهُ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضٍ لَمْ يَقُمْ فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ ، فَتَعَيَّنَ فَرْضُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ . ثُمَّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى غَائِبٍ غَيْرِهِ ، وَقَدْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَهُمْ غَائِبُونَ عَنْهُ وَسَمِعَ بِهِمْ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ إِلَّا غَائِبًا وَاحِدًا انْتَهَى . وَقَالَ الزَّرْقَانِيُّ : وَدَلَائِلُ الْخُصُوصِيَّةِ وَاضِحَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ رُفِعَتْ لَهُ جَنَازَتُهُ حَتَّى شَاهَدَهَا ، كَمَا رُفِعَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ صِفَتِهِ انْتَهَى . قُلْتُ : دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ وَلَا بُرْهَانٌ ، بَلْ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَلُمُّوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، وَقَوْلُ جَابِرٍ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَنَحْنُ صُفُوفٌ ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : ثُمَّ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لَهُ ثُمَّ خَرَجَ بِأَصْحَابِهِ فَصَلَّى بِهِمْ كَمَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ ، وَقَوْلُ عِمْرَانَ فَقُمْنَا فَصَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ - وَتَقَدَّمَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ - يُبْطِلُ دَعْوَى الْخُصُوصِيَّةِ ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْغَائِبِ إِنْ كَانَتْ خَاصَّةً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا مَعْنَى لِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ ، بَلْ نَهَى عَنْهَا لِأَنَّ مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ لِأُمَّتِهِ ، أَلَا تَرَى صَوْمَ الْوِصَالِ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ بِهِ مَعَ شِدَّةِ حِرْصِهِمْ لِأَدَائِهِ . وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ هُنَا دليل عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ بَلْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : رُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ أَوْ أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَقَادِرٌ عَلَيْهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَهْلٌ لِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَوْ حَسَنٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَا سَنَدٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ وَدَعُوا الضِّعَافَ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَفْظَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي لَفْظٍ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أن الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا ، وَمَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّا صَلَّيْنَا عَلَيْهِ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ ، وَالْحَالُ أَنَّا لَمْ نَرَ الْمَيِّتِ لَكِنْ صَفَفْنَا عَلَيْهِ كَمَا يُصَفُّ عَلَى الْمَيِّتِ كَأَنَّ الْمَيِّتَ قُدَّامَنَا وَنَظُنُّ أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعَلَى الْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ ، فَحِينَئِذٍ يَئُولُ مَعْنَى لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى مَعْنَى لَفْظِ أَحْمَدَ ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ مُجَمِعٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَمَا نَرَى شَيْئًا ، وَمِنْ هَاهُنَا انْدَفَعَ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ الزَّرْقَانِيِّ حَيْثُ شَنَّعَ عَلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ ، وَقَالَ : قَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّدُ رَفْعَ الْحِجَابِ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ فَمَا حَدَّثَنَا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ انْتَهَى . فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْحِجَابِ وَلَئِنْ سَلَّمْنَا فَكَانَ الْمَيِّتُ غَائِبًا عَنْ أَصْحَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ صَلَّوْا عَلَيْهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فَيَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ كَمَيِّتٍ رَآهُ الْإِمَامُ وَلَا يَرَاهُ الْمَأْمُومُونَ ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ هَذَا رَأْيٌ وَتَصْوِيرُ صُورَةٍ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ الصَّرِيحِ وَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُعْبَأُ بِهِ . وَقَوْلُهُمْ : وَتَرْكُهُ سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ . فَمَنْظُورٌ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ وَالتَّرْكَ لَيْسَ بِفِعْلٍ ، نَعَمْ إِذَا كَانَ الْعَدَمُ مُسْتَمِرًّا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَفِعْلُهُ يَكُونُ بِدْعَةً وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعَدَمِ وَالتَّرْكِ سُنَّةً مَعَ كَوْنِ الْفِعْلِ سُنَّةً أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْتَفِي بِتَرْكِهِ أَيْضًا فَمُسَلَّمٌ ، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ السُّنَّةِ لَا يُثَابُ فَاعِلُهُ ، فَإِنَّ مُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَلَّاهُمَا لَا عَلَى تَرْكِ الْآخَرِينَ ، نَعَمْ يَكْفِيهِ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ الرَّكْعَتَانِ ، وَمُصَلِّي الْأَرْبَعَةِ فَثَوَابُهُ أَكْمَلُ مِنْ ثَوَابِ الْأَوَّلِ . هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الشَّهِيدِ مُحَمَّدِ إِسْمَاعِيلَ الدَّهْلَوِيِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضٍ لَمْ يُقَمْ فِيهَا عَلَيْهِ فَرِيضَةُ الصَّلَاةِ فَتَقَدَّمَ جَوَابُهُ فِي ضِمْنِ كَلَامِ الْحَافِظِ . وَقَوْلُهُمْ : وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى غَائِبٍ غَيْرَ النَّجَاشِيِّ وَقَدْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ . الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : أن لِإِثْبَاتِ السُّنِّيَّةِ أَوْ لِاسْتِحْبَابِ فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ يَكْفِي فِيهِ وُرُودُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ ، سَوَاءٌ كَانَ قَوْلِيًّا أَوْ فِعْلِيًّا أَوْ سُكُوتِيًّا ، وَلَا يَلْزَمُ لِإِثْبَاتِ السُّنِّيَّةِ كَوْنُ الْحَدِيثِ مَرْوِيًّا عن جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْوَاقِعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ وَإِلَّا لَا يَثْبُتُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي مَعْمُولٌ بِهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ صَلَاةَ الْجَنَازَةِ اسْتِغْفَارٌ للميت وَدُعَاءٌ له ، وَقَدْ بَيَّنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ طَرِيقَ أَدَائِهَا بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ ، النَّوْعُ الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ مَشْهُودًا حَاضِرًا قُدَّامَ الْمُصَلِّينَ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْعُمْدَةُ فِيهِ ، وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ هَذَا النَّوْعِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ الْحَاضِرِ الشَّاهِدِ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهُ عَلَى قَبْرِهِ أَوْ صَلَّى صَلَاةَ الْغَائِبِ عَلَيْهِ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : الصَّلَاةُ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ لِمَنْ كَانَ حَاضِرًا فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ لَكِنْ مَا أَمْكَنَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ حَتَّى دُفِنَ أَوْ كَانَ غَائِبًا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَلَمَّا دَخَلَ أُخْبِرَ بِمَوْتِهِ فَصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِسْكِينَةِ وأُمِّ سَعْدٍ وَأُمِّ أَبِي أُمَامَةَ وَطَلْحَةَ بْنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . النَّوْعُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ فِي بَلَدٍ آخَرَ وَجَاءَ نَعْيُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَيُصَلُّونَ صَلَاةَ الْغَائِبِ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ أَوِ الْقَصِيرَةِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّجَاشِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ معاوية الْمُزَنِيِّ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي هَذَا هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ ، وَالْفَرْضُ قَدْ يَسْقُطُ لِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَدُعَاءٌ مَحْضٌ وَاسْتِغْفَارٌ خَالِصٌ لِلْمَيِّتِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِيَّةِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ : الْأَوَّلُ النَّجَاشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقِصَّتُهُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، وَالِاعْتِمَادُ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ وَيُضَمُّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ . وَالْغَائِبُ الثَّانِي : مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ . وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ : زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . أَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ : فَقَدْ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ ، وَقَالُوا : مَاتَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَرَدَتْ قِصَّتُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، وَأَنَسٍ مُسْنَدَةً ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلَةً ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ الضُّرَيْسِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ ، وَسُمُّوَيَةُ فِي فَوَائِدِهِ ، وَابْنُ مَنْدَهْ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ ، كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ مَحْبُوبِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ أَتُحِبُّ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ . ( قَالَ : نَعَمْ ) : فَضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ أَكَمَةً وَلَا شَجَرَةً إِلَّا تَضَعْضَعَتْ ، فَرَفَعَ سَرِيرَهُ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَخَلْفُهُ صَفَّانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ كُلُّ صَفٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، فَقَالَ : يَا جَبْرَئِيلُ بِمَا نَالَ مُعَاوِيَةُ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ ؟ قَالَ : بِحُبِّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقِرَاءَتِهِ إِيَّاهَا جَائِيًا وَذَاهِبًا وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ . وَأَوَّلُ حَدِيثِ ابْنِ الضُّرَيْسِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالشَّامِ كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ عَنِ ابْنِ مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . قلت : هَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْبَصْرِيُّ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : كَانَ صَدُوقًا غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَلَقَّنُ بِآخِرِة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَانَ صَدُوقًا كَثِيرَ الْخَطَأِ ، وَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ . وَأَمَّا مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ ، فَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ لَا يُعْرَفْ وَحَدِيثُهُ مُنْكَرٌ انْتَهَى . وَفِي زَادِ الْمَعَادِ قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعْ عَلَيْهِ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ : وَمَحْبُوبٌ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى . وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى أَنَسٍ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : كَانَ يَرَى الْقَدَرَ وَهُوَ مِنْ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ ، كَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِيَةُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ : هِيَ مَا ذَكَرَهَا ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : وَرَوَاهُ نُوحُ بْنُ عَمْرِو ، عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ نَحْوَهُ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ هَذَا هُوَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْمُحَارِبِيِّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ قَدْ ضُعِّفَ ، لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : يُكْتَبْ حَدِيثُهُ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : أَحَادِيثُهُ مُتَقَارِبَةٌ سِوَى حَدِيثَيْنِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَذَكَرَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ ثُمَّ قَالَ : عَامَّةُ أَحَادِيثِهِ مُسْتَقِيمَةٌ ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مُتَابَعَةً كَذَا فِي الْمِيزَانِ وَالْخُلَاصَةِ . وَالطَّرِيقُ الثَّالِثَةُ هِيَ مَا رَوَاهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ . كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَا الْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَطَلَعَتِ الشَّمْسُ يَوْمًا بِنُورٍ وَشُعَاعٍ وَضِيَاءٍ لَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَتَعَجَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَأْنِهَا إِذْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : مَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَبَعَثَ اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، قَالَ : بِمَ ذَاكَ ؟ قَالَ : بِكَثْرَةِ تِلَاوَتِهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَفِيهِ فَهَلْ لَكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَقْبِضَ لَكَ الْأَرْضَ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَالْعَلَاءُ أَبُو مُحَمَّدٍ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ هُوَ وَاهٍ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَالْعَلَاءُ هَذَا ابْنُ زَيْدٍ وَيُقَالُ : ابْنُ زَيْدٍ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ : هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَرُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ . قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : الْعَلَاءُ بْنُ زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ بَصْرِيٌّ رَوَى عَنْ أَنَسٍ . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : يَضَعُ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ نُسْخَةٌ مَوْضُوعَةٌ مِنْهَا : الصَّلَاةُ بِتَبُوكٍ صَلَاةَ الْغَائِبِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : وَهَذَا مُنْكَرٌ وَلَا أَحْفَظُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا وَالْحَدِيثُ فَقَدْ سَرَقَهُ شَيْخٌ شَامِيٌّ فَرَوَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْوَسَطِ وَكِتَابِ مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ ثَنَا نُوحُ بْنُ عَمْرٍو السَّكْسَكِيُّ ، ثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَلْهَانِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَبُوكٍ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيَّ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ أَتُحِبُّ أَنْ أَطْوِيَ لَكَ الْأَرْضَ فَتُصَلِّيَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ عَلَى الْأَرْضِ ، فَرُفِعَ لَهُ سَرِيرُهُ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ وَخَلْفُهُ صَفَّانِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي كُلِّ صَفٍّ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ثُمَّ رَجَعَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيلَ : بِمَ أَدْرَكَ هَذَا ؟ قَالَ بِحُبِّ سُورَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَقِرَاءَتُهُ إِيَّاهَا جَائِيًا وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ قَالَ أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بِدِمَشْقَ ، حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُوَيٍّ ثنَا بَقِيَّةُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَبْرَئِيلُ وَهُوَ بِتَبُوكَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدَ اشْهَدْ جَنَازَةَ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ ، وَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَوَضَعَ جَنَاحَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى الْجِبَالِ فَتَوَاضَعَتْ ، وَوَضَعَ جَنَاحَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى الْأَرْضِينَ فَتَوَاضَعَتْ حَتَّى نَظَرْنَا إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبْرَئِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ فَذَكَرَهُ . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ . وَفِي الْإِصَابَةِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي فَوَائِدِهِ وَالْخَلَّالُ فِي فَضَائِلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ نُوحٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ انْتَهَى . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ نُوحٍ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ يُقَالُ إِنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْحَدِيثَ انْتَهَى ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ : وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَرْجَمَةِ الْعَلَاءِ مِنَ الضُّعَفَاءِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ : سَرَقَهُ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَرَوَاهُ عَنْ بَقِيَّةَ فَذَكَرَهُ . قُلْتُ : فَمَا أَدْرِي عَنَى نُوحًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ نُوحًا فِي الضُّعَفَاءِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ : مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ وَيُقَالُ : اللَّيْثِيُّ ، وَيُقَالُ : مُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ ، قَالَ أَبُو عَمْرٍو : هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ . تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى حَدِيثَهُ مَحْبُوبُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنِ الْعَلَاءِ أَبِي مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّيْثِيِّ ، وَرَوَاهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ نَحْوَهُ . وَقَالَ : مُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَسَانِيدُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ ، قَالَ : وَمُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ وَإِخْوَتِهِ النُّعْمَانُ ، وَسُوَيْدُ ، وَمَعْقِلُ وَكَانُوا سَبْعَةَ مَعْرُوفِينَ فِي الصَّحَابَةِ مَشْهُورِينَ ، قَالَ : وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ فَلَا أَعْرِفُهُ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْتُ ، وَفَضْلُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لَا يُنْكَرُ انْتَهَى . وَفِي تَجْرِيدِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ لِلْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ : مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ وَيُقَالُ : مُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ صَحَّ فَهُوَ الَّذِي قِيلَ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِتَبُوكٍ ، وَرَفَعَ لَهُ جَبْرَئِيلُ الْأَرْضَ ، وَلَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ انْتَهَى . وَفِي الْإِصَابَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَسَانِيدُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ وَلَوْ أَنَّهَا فِي الْأَحْكَامِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا حُجَّةً ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ مَعْرُوفٌ هُوَ وَإِخْوَتُهُ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَلَا أَعْرِفُهُ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَائِبِ ، وَيَدْفَعُهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ رُفِعَتِ الْحُجُبُ حَتَّى شَهِدَ جَنَازَتَهُ فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ انْتَهَى . وَأَمَّا طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ الْحَافِظُ : رَوَيْنَاهَا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ لِابْنِ الضُّرَيْسِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ . وَأَمَّا طَرِيقُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ فَأَخْرَجَهَا الْبَغَوِيُّ ، وَابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ أَبِي سَهْلٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ غَازِيًا بِتَبُوكٍ فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدٌ هَلْ لَكَ فِي جَنَازَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا مُرْسَلُ . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَنْ أَدَاةُ الرُّوَاةِ ، وَإِنَّمَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : أَنَّ الْحَسَنَ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيِّ انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالذَّهَبِيُّ أَنَّ أَسَانِيدَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ لَكِنْ فِيهِ التَّفْصِيلُ ؛ وَهُوَ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ رُوِيَ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ : فَطَرِيقُ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَلَاءُ الثَّقَفِيُّ عَنْهُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِ هَذَا السَّنَدِ . وَأَمَّا طَرِيقُ مَحْبُوبِ بْنِ هِلَالٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ لَا يَنْحَطُّ دَرَجَتُهُ عَنِ الْحَدِيثِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ وَمَحْبُوبٌ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ الذَّهَبِيُّ وَقَالَ : حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ ، فَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَإِنَّمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ . وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ : فَانْظُرْ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ مَا فِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدِ انْفَرَدَ بِسُنَّةٍ ، وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْآخَرِ مِنَ الْعِلْمِ ، فَإِنَّ تَفَرُّدَ الثِّقَةِ الْمُتْقِنِ يُعَدُّ صَحِيحًا غَرِيبًا ، وَإِنَّ تَفَرُّدَ الصَّدُوقِ وَمَنْ دُونَهُ يُعَدُّ مُنْكَرًا انْتَهَى مُخْتَصَرًا ، وَمَحْبُوبٌ لَا يَنْزِلُ عَنْ دَرَجَةِ الصَّدُوقِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا طَرِيقُ يَحْيَى بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ فَهُوَ أَدْوَنُ مِنْ طَرِيقِ مَحْبُوبٍ . وَأَمَّا سَنَدُ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَيْضًا فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ شَيْخُ الطَّبَرَانِيِّ هُوَ حَافِظُ رحالٍ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : كَانَ يَفْهَمُ وَيَحْفَظُ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَيْسَ بِذَاكَ تَفَرَّدَ بِأَشْيَاءَ انْتَهَى ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَرْحٍ ، وَنُوحُ بْنُ عُمَرَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ جَرْحٌ ، وَرَوَى عَنْهُ اثْنَانِ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ ، وَأَمَّا بَقِيَّةُ فَصَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ مِنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ ، وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَخَبَرُ مُعَاوِيَةَ قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ انْتَهَى . قُلْتُ : اعْتِمَادِي فِي هَذَا الْبَابَ عَلَى حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَيَنْضَمُّ إِلَى خَبَرِ النَّجَاشِيِّ وَتَحْدُثُ لَهُ بِهِ الْقُوَّةُ . وَأَمَّا كَشْفُ السَّرِيرِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي قِصَّةِ مُعَاوِيَةَ فَهُوَ إِكْرَامٌ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ كَمَا كُشِفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَهَلْ مِنْ قَائِلٍ إِنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ لَا تَجُوزُ إِلَّا لِمَنْ كُشِفَ لَهُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ . وَأَمَّا الصَلَاة عَلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَخْرَجَهَا الْوَاقِدِيُّ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : لَمَّا الْتَقَى النَّاسُ بِمُؤْتَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَكُشِفَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى مَعْرَكَتِهِمْ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَمَضَى حَتَّى اسْتُشْهِدَ وَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ وَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لَهُ قَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ يَسْعَى ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَمَضَى حَتَّى اسْتُشْهِدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَا لَهُ وَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَقَدْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَهُوَ يَطِيرُ فِيهَا بِجَنَاحَيْنِ حَيْثُ شَاءَ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ، وَالْوَاقِدِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : النَّجَاشِيُّ رَجُلٌ مُسْلِمٌ قَدْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ، وَالْمُسْلِمُ إِذَا مَاتَ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَكُنْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَقُومُ بِحَقِّهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ إِذْ هُوَ نَبِيُّهُ وَوَلِيُّهُ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِهِ ، فَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ ، فَإِذَا صَلَّوْا عَلَيْهِ اسْتَقْبَلُوا الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَتَوَجَّهُوا إِلَى بَلَدِ الْمَيِّتِ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ جهة الْقِبْلَةِ انْتَهَى . قُلْتُ : قَوْلُهُ إِنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَنْظُورٌ فِيهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْفِعْلِ إِذْ كَانَ فِي حُكْمِ الْمُشَاهِدِ لِلنَّجَاشِيِّ . لِمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَدْ سُوِّيَتْ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى يُبْصِرَ مَكَانَهُ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الشَّرِيعَةِ كَانَ عَلَيْنَا الْمُتَابَعَةُ وَالِائْتِسَاءُ بِهِ وَالتَّخْصِيصُ لَا يُعْلَمْ إِلَّا بِدَلِيلٍ . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَفَّ بِهِمْ وَصَلَّوْا مَعَهُ ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ فَاسِدٌ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : لَمْ يَأْتِ الْمَانِعُونَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ سِوَى الِاعْتِذَارِ بِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ كَانَ فِي أَرْضٍ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهَا وَهُوَ أَيْضًا جُمُودٌ عَلَى قِصَّةِ النَّجَاشِيِّ يَدْفَعُهُ الْأَثَرُ وَالنَّظَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَرِيضِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ يَحْيَى ، نا شُعْبَةُ ، نا يَزِيدُ أَبُو خَالِدٍ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ : أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ بَاب الدُّعَاءِ لِلْمَرِيضِ عِنْدَ الْعِيَادَةِ ( مَنْ عَادَ مَرِيضًا ) : أَيْ زَارَهُ فِي مَرَضِهِ ( لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ ) : صِفَةُ الْمَرِيضِ ( فَقَالَ ) : أَيِ الْعَائِدُ ( عِنْدَهُ ) : أَيِ الْمَرِيضِ ( أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ ) : أَيْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ( أَنْ يَشْفِيَكَ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَفْعُولٌ ثَانٍ ( إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ ) : قَالَ السِّنْدِيُّ : كَأَنَّ كَلِمَةَ إِلَّا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ : فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ ، أَوْ أَنَّ كَلِمَةَ مَنْ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ انْتَهَى . قُلْتُ : وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا فِي الْمِشْكَاةِ بِلَفْظِ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، الْحَدِيثَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْمِنْهَالِ بْنِ عُمَرَ ، انْتَهَى . وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو خَالِدٍ الْمَعْرُوفُ بِالدَّالَانِيِّ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَأَيْضًا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا ، أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جَنَازَةٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ : إِلَى صَلَاةٍ ( يَنْكَأُ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ فِي أَوَّلِهِ وَبِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ مَجْزُومًا أَيْ يَجْرَحُ ( لَكَ عَدُوًّا ) : أَيِ الْكُفَّارَ أَوْ إِبْلِيسَ وَجُنُودَهُ ، وَيُكْثِرُ فِيهِمُ النِّكَايَةَ بِالْإِيلَامِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَالْإِلْزَامِ بِالْجَزْمِ . وَرُوِيَ بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ فَهُوَ يَنْكَأُ مِنَ النَّكْأِ بِالْهَمْزِ مِنْ حَدِّ مَنَعَ وَمَعْنَاهُ الْخَدْشُ ، وَيَنْكِي مِنَ النِّكَايَةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيِ التَّأْثِيرِ بِالْقَتْلِ وَالْهَزِيمَةِ . ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، لَكِنَّ الرَّسْمَ لَا يُسَاعِدُ الْأَخِيرَ . وَفِي الصِّحَاحِ : نَكَأْتُ الْقُرْحَةَ أَنْكَأهَا نَكْئًا إِذَا قَشَرْتُهَا . وَفِي النِّهَايَةِ : نَكَيْتُ فِي الْعَدُوِّ أَنْكِي نِكَايَةً فَأَنَا نَاكٍ إِذَا أَكْثَرْتُ فِيهِمُ الْجِرَاحَ وَالْقَتْلَ ، فَوَهَمُوا لِذَلِكَ وَقَدْ يُهْمَزُ . قَالَ الطِّيبِيُّ . يَنْكَأُ مَجْزُومٌ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ ، أَيْ : فَإِنَّهُ يَنْكَأُ . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : بِالرَّفْعِ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ أَيْ يَغْزُو فِي سَبِيلِكَ ( أَوْ يَمْشِي ) : بِالرَّفْعِ أَيْ أَوْ هُوَ يَمْشِي قَالَ مَيْرَكٌ : وَكَذَا وَرَدَ بِالْيَاءِ وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ يَنْكَأُ بِالرَّفْعِ ظَاهِرٌ وَعَلَى تَقْدِيرِ الْجَزْمِ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ( لَكَ ) : أَيْ لِأَمْرِكَ وَابْتِغَاءَ وَجْهِكَ ( إِلَى جِنَازَةٍ ) . أَيِ اتِّبَاعِهَا لِلصَّلَاةِ لِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّرْحِ إِلَى صَلَاةٍ وَهَذَا تَوَسُّعٌ شَائِعٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَلَعَلَّهُ جَمْعَ بَيْنَ النِّكَايَةِ وَتَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ كَدْحٌ فِي إِنْزَالِ الْعِقَابِ عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ ، وَالثَّانِي سَعْيٌ فِي إِيصَالِ الرَّحْمَةِ إِلَى وَلِيِّ اللَّهِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( قَالَ ابْنُ السَّرْحِ ) : هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ شَيْخُ الْمُؤَلَّفِ .
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ ( السَّكُونِيُّ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْكَافِ نِسْبَةً إِلَى السَّكُونِ قَبِيلَةٌ ( فَيَقُومُ ) : لِلصَّلَاةِ ( أَرْبَعُونَ رَجُلًا ) : هَكَذَا فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالْحَدِيثُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ الْحَدِيثَ . وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، الْحَدِيثَ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَكْثِيرِ جَمَاعَةِ الْجِنَازَةِ ، وَيُطْلَبُ بُلُوغُهُمْ إِلَى هَذَا الْعَدَدِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْفَوْزِ . وَقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونُوا شَافِعِينَ فِيهِ أَيْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدُّعَاءَ سَائِلِينَ لَهُ الْمَغْفِرَةَ ، الثَّانِي أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قِيلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ خَرَّجَتْ أَجْوِبَةً لِلسَّائِلِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ سُؤَالِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِقَبُولِ شَفَاعَةِ مِائَةٍ فَأَخْبَرَ بِهِ ، ثُمَّ بِقَبُولِ شَفَاعَةِ أَرْبَعِينَ فَأَخْبَرَ بِهِ ، ثُمَّ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ فَأَخْبَرَ بِهِ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ هَذَا مَفْهُومُ عَدَدٍ فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ قَبُولِ شَفَاعَةِ مِائَةٍ مَنْعُ قَبُولِ مَا دُونَ ذَلِكَ ، وَكَذَا فِي الْأَرْبَعِينَ مَعَ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ ، وَحِينَئِذٍ كُلُّ الْأَحَادِيثِ مَعْمُولٌ بِهَا ، وَتَحْصُلُ الشَّفَاعَةُ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ وَأَرْبَعِينَ ( إِلَّا شُفِّعُوا ) : بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ أَيْ قُبِلَتْ شَفَاعَتُهُمْ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُسَيْنٍ الْهَرَوِيُّ قَالَا : َنَا الْمُقْرِئُ ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبِ الْمَقْصُورَةِ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا ، وَصَلَّى عَلَيْهَا فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ : صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ ( الْمُقْرِئُ ) : مِنَ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمَخْزُومِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالَ : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي حَيْوَةُ إِلَى أَنْ قَالَ : أَنَّ عَامِرًا كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ فَقَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ، إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنَ الْأَجْرِ ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ : صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ ( أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ حَدَّثَهُ ) : أَيْ أَبَا صَخْرٍ ( أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ حَدَّثَهُ ) : أَيْ يَزِيدُ ( عَنْ أَبِيهِ ) : عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ( أَنَّهُ كَانَ ) : أَيْ عَامِرُ ( إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ ) : قَالَ فِي الْإِصَابَةِ : خَبَّابٌ مَوْلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَاخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ ( صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ ) : قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ : الْمَقْصُورَةُ الدَّارُ الْوَاسِعَةُ الْمُحَصَّنَةُ بِالْحِيطَانِ ، أَوْ هِيَ أَصْغَرُ مِنَ الدَّارِ كَالْقُصَارَةِ بِالضَّمِّ وَهِيَ الْمَقْصُورَةُ مِنَ الدَّارِ ، لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا صَاحِبُهَا ( فَقَالَ ) : أَيْ خَبَّابٌ ( فَذَكَرَ ) : أَيْ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ أَتَمَّ مِنْهُ .
بَابُ فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَتَشْيِيعِهَا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ قَالَ : مَنْ تَبِعَ جَنَازَةً ، فَصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ ، وَمَنْ تَبِعَهَا حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ أَوْ أَحَدُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ بَاب فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ وَتَشْيِيعِهَا أَيِ اتِّبَاعُهَا إِلَى الدَّفْنِ . ( فَلَهُ قِيرَاطٌ ) : زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالْقِيرَاطُ بِكَسْرِ الْقَافِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَصْلُهُ قِرَّاطٌ بِالتَّشْدِيدِ لِأَنَّ جَمْعَهُ قَرَارِيطُ فَأُبْدِلَ مِنْ أَحَدِ حَرْفَيْ تَضْعِيفِهِ يَاءً ، قَالَ : وَالْقِيرَاطُ نِصْفُ دَانِقٍ ، وَقَالَ قِبلَ ذَلِكَ : الدَّانِقُ سُدُسُ الدِّرْهَمِ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْقِيرَاطُ جُزْءًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا مِنَ الدِّرْهَمِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ النِّهَايَةِ فَقَالَ : الْقِيرَاطُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الدِّينَارِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِهِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ ، وَفِي الشَّامِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا قَالَهُ الْحَافِظُ ( وَمَنْ تَبِعَهَا ) : أَيِ الْجِنَازَةَ ( مِنْهَا ) : أَيِ الْجِنَازَةِ ( فَلَهُ ) : أَيْ لِلتَّابِعِ ( مِثْلُ أُحُدٍ ) : هَذَا تَمْثِيلٌ وَاسْتِعَارَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِأَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ عَمَلَهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ عَيْنٍ يُوزَنُ كَمَا تُوزَنُ الْأَجْسَامُ ، وَيَكُونُ قَدْرُ هَذَا كَقَدْرِ أُحُدٍ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْقِيرَاطِ هَاهُنَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ قَرَّبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْفَهْمِ بِتَمْثِيلِهِ الْقِيرَاطَ بِأُحُدٍ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَوْلُهُ : مِثْلُ أُحُدٍ تَفْسِيرٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الْكَلَامِ لَا لِلَفْظِ الْقِيرَاطِ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنَصِيبٍ مِنَ الْأَجْرِ ، قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ .
بَابٌ : فِي جَمْعِ الْمَوْتَى فِي قَبْرٍ وَالْقَبْرُ يُعَلَّمُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَجْدَةَ ، نا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ . ( ح ) وَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ السِّجِسْتَانِيُّ ، نا حَاتِمٌ - يَعْنِي : ابْنَ إسماعيل بِمَعْنَاهُ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ الْمُطَّلِبِ قَالَ : لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ . قَالَ كَثِيرٌ : قَالَ الْمُطَّلِبُ : قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا ، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَقَالَ : أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي ، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي 63 - بَابٌ فِي جَمْعِ الْمَوْتَى فِي قَبْرٍ وَالْقَبْرُ يُعَلَّمُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْإِعْلَامِ أَيْ يُجْعَلُ عَلَى الْقَبْرِ عَلَامَةٌ يُعْرَفُ الْقَبْرُ بِهَا . قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : وَالْعَلَمُ رَسْمُ الثَّوْبِ ، وَعَلَّمَهُ رَقَمَهُ فِي أَطْرَافِهِ ، وَقَدْ أَعْلَمَهُ جَعَلَ فِيهِ عَلَامَةً وَجَعَلَ لَهُ عَلَمًا ، وَأَعْلَمَ الْقَصَّارُ الثَّوْبَ فَهُوَ مُعْلِمٌ وَالثَّوْبُ مُعْلَمٌ انْتَهَى . وَبَوَّبَ ابْنُ مَاجَهْ بَابُ مَا جَاءَ فِي الْعَلَامَةِ فِي الْقَبْرِ انْتَهَى . ( عَنِ الْمُطَّلِبِ ) : هُوَ ابْنُ أَبِي وَدَاعَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ ( مَظْعُونٌ ) : بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ( أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ ) : هُوَ جَوَابُ لَمَّا ( أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ ) : أَيْ كَبِيرٍ لِوَضْعِ الْعَلَامَةِ ( فَلَمْ يَسْتَطِعْ ) : ذَلِكَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ ( فَقَامَ إِلَيْهَا ) : وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ عَلَى تَأْوِيلِ الصَّخْرَةِ ( وَحَسَرَ ) : أَيْ كَشَفَ وَأَبْعَدَ كُمَّهُ ( عَنْ ذِرَاعَيْهِ ) : أَيْ سَاعِدَيْهِ ( حِينَ حَسَرَ ) : أَيْ كَشَفَ الثَّوْبَ ( عَنْهُمَا ) : أَيْ عَنِ الذِّرَاعَيْنِ ( فَوَضَعَهَا ) : أَيِ الصَّخْرَةَ ( عِنْدَ رَأْسِهِ ) : أَيْ رَأْسِ قَبْرِ عُثْمَانَ ( وَقَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَتَعَلَّمُ ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ بَابِ الْتفِعْلِ أَيْ أَتَعَرَّفُ ( بِهَا ) : أَيْ بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُعْلِمُ بِهَا مُضَارِعُ مُتَكَلِّمٍ مِنَ الْإِعْلَامِ وَمَعْنَاهُ أُعَلِّمُ النَّاسَ بِهَذِهِ الْحِجَارَةِ ( قَبْرَ أَخِي ) : وَأَجْعَلُ الصَّخْرَةَ عَلَامَةً لِقَبْرِ أَخِي ، وَسَمَّاهُ أَخًا تَشْرِيفًا لَهُ وَلِأَنَّهُ كَانَ قُرَشِيًّا ، أَوْ لِأَنَّهُ أَخُوهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ ( وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى قُرْبِهِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ أَضُمُّ إِلَيْهِ فِي الدَّفْنِ انْتَهَى . وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرْجَمَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ مَدَنِيٌّ كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ .
بَابٌ : كَرَاهِيَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِالْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا أَبُو دَاوُدَ يَعْنِي : الطَّيَالِسِيَّ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . بَاب كَرَاهِيَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ ( لَا يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِالْمَوْتِ ) : الْخِطَابُ لِلصَّحَابَةِ وَالْمُرَادُ هُمْ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا ( لِضُرٍّ ) : بِضَمِّ الضَّادِ وَتُفْتَحُ قَالَهُ الْقَارِيُّ ( نَزَلَ بِهِ ) : أَيْ بِأَحَدِكُمْ ( وَلَكِنْ لِيَقُلْ ) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ ، لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَقِ نَوْعُ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْقَدَرِ الْمَحْتُومِ ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا نَوْعُ تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ( مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ) : أَيْ مِنَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الطَّاعَةُ غَالِبَةً عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَالْأَزْمِنَةُ خَالِيَةٌ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالْمِحْنَةِ ( وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ) : أَيْ مِنَ الْحَيَاةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : عَبَّرَ فِي الْحَيَاةِ بِقَوْلِهِ : مَا كَانَتْ ؛ لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ فَحَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِالصِّيغَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاتِّصَافِ بِالْحَيَاةِ ، وَلَمَّا كَانَتِ الْوَفَاةُ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ حَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ الضُّرُّ دِينِيًّا أَوْ دُنْيَوِيًّا ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ . قَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِهِ : اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى تَمَنٍّ لِلْمَوْتِ ، وَقَدْ تَمَنَّى الْمَوْتُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَذَلِكَ مُعَارِضٌ ، يَعْنِي لِأَحَادِيثِ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ . وَأَجَابَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَيِّتٌ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِفَاطِمَةَ لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يُقْبَضُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ ، فَلَمَّا سَمِعَتْهُ يَقُولُ : الرَّفِيقُ الْأَعْلَى عَلِمْتُ أَنَّهُ ذَاهِبٌ . قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فَفِيهِمَا بَيَانُ مَعْنَى نَهْيِهِ عليه السلام عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِذَا نَزَلَ بِالْمُؤْمِنِ مَرَضٌ أَوْ ضِيقٌ فِي دُنْيَاهُ فَلَا يَتَمَنَّى الْمَوْتَ عِنْدَ ذَلِكَ ، فَإِذَا خَشِيَ أَنْ يُصَابَ فِي دِينِهِ ، فَمُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِالْمَوْتِ قَبْلَ مُصَابِهِ بِدِينِهِ ، وَلَا يَسْتَعْمِلُ عُمَرُ هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا أَنَّهُ خَشِيَ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّهِ وَضَعْفِ قُوَّتِهِ أَنْ يَعْجِزَ عَنِ الْقِيَامِ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْأُمَّةِ ، فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَأَمَاتَهُ بِأَنْ قُتِلَ انْسِلَاخَ الشَّهْرِ . وَكَذَلِكَ خَشِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ سَأْمَتِهِ لِرَعِيَّتِهِ وَسَأْمَتِهِمْ لَهُ . وَقَدْ سَأَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَفَاةَ لِنَفْسِهِ حِرْصًا عَلَى السَّلَامَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَازَة حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : نُهِينَا أَنْ نَتَّبِعَ الْجَنَائِزَ ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا بَاب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَازة ( وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ) : أَيْ وَلَمْ يُؤَكِّدْ عَلَيْنَا فِي الْمَنْعِ كَمَا أَكَّدَ عَلَيْنَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ : كُرِهَ لَنَا اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ سِيَاقِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَهُ فِي الْفَتْحِ . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْحَيْضِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَقَوْلُهَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْنَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ النَّهْيَ لِلْكَرَاهَةِ لَا لِلتَّحْرِيمِ ، كَأَنَّهَا فَهِمَتْهُ مِنْ قَرِينَةٍ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى عُمَرُ امْرَأَةً فَصَاحَ بِهَا فَقَالَ : دَعْهَا يَا عُمَرُ ، الْحَدِيثَ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ في مَوْتُ الْفَجْأَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَرَّةً : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ مَرَّةً : عَنْ عُبَيْدٍ قَالَ : مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسِفٍ بَاب في مَوْتُ الْفَجْأَةِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْمَدِّ أَوْ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بِلَا مَدٍّ أَيِ الْمَوْتِ بَغْتَةً قَالَهُ السِّنْدِيُّ . ( أَوْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ ) : هَذَا شَكٌّ مِنْ شُعْبَةَ أَيْ رَوَى مَنْصُورٌ عَنْ تَمِيمٍ أَوْ سَعْدٍ ( رَجُلٌ ) : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ رَجُلٌ يَعْنِي عُبَيْدَ بْنَ خَالِدٍ . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَهُ صُحْبَةٌ ، وَأَخْرَجَ لَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالطَّيَالِسِيُّ ، وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ وَتَمِيمُ بْنُ سَلَمَةَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ . قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا ( قَالَ مَرَّةً ) : أَيْ مَرْفُوعًا ( ثُمَّ قَالَ مَرَّةً ) : أُخْرَى أَيْ مَوْقُوفًا عَلَى الصَّحَابِيِّ . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَنْسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا مَقَالٌ . وَقَالَ الْأَزْدِيُّ : وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَحَدِيثُ عُبَيْدٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَالْوَقْفُ فِيهِ لَا يُؤَثِّرُ ، فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُؤْخَذُ بِالرَّأْيِ ، وَكَيْفَ وَقَدْ أَسْنَدَهُ مَرَّةً الرَّاوِي وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ( مَوْتُ الْفَجْأَةِ ) : بِضَمِّ الْفَاءِ مَدًّا وَبِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْجِيمِ قَصْرًا . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : فَجِئَهُ الْأَمْرُ ، وفجْأَه فُجَاءَةً بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ وَفَاجَأَهُ مُفَاجَأَةً إِذَا جَاءَهُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ سَبَبٍ ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ مِنْ غَيْرِ مَدٍّ ، انْتَهَى . ثُمَّ الْمَوْتُ شَامِلٌ لِلْقَتْلِ أَيْضًا إِلَّا الشَّهَادَةَ ( أَخْذَةُ أَسَفٍ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَرُوِيَ بِكَسْرِهَا وَفِي مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ أَخْذَةُ الْأَسَفِ لِلْكَافِرِ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : حَدِيثُ مَوْتِ الْفَجْأَةِ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ ، أَيْ : أَخْذَةُ غَضَبٍ أَوْ غَضْبَانَ ، يُقَالُ : أَسِفَ يَأْسَفُ أَسَفًا فَهُوَ أَسِفٌ إِذَا غَضِبَ ، انْتَهَى . وَفِي الْقَامُوسِ : الْأَسَفُ مُحَرَّكَةٌ أَشَدُّ الْحُزْنِ أَسِفَ كَفَرِحَ وَعَلَيْهِ غَضِبَ . وَسُئِلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَوْتِ الْفَجْأَةِ ، فَقَالَ : رَاحَةٌ الْمُؤْمِنِ وَأَخْذَةُ أَسَفٍ لِلْكَافِرِ ، وَيُرْوَى أَسِفٍ كَكَتِفٍ أَيْ أَخْذَةُ سَخَطٍ أَوْ سَاخِطٍ . وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِيُّ : قَالُوا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الْأَسَفِ بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِهَا ، فَالْكَسْرُ الْغَضْبَانُ وَالْفَتْحُ الْغَضَبُ ، أَيْ : مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ غَضَبِ اللَّهِ فَلَا يَتْرُكُهُ لِيَسْتَعِدَّ لِمَعَادِهِ بِالتَّوْبَةِ وَإِعْدَادِ زَادِ الْآخِرَةِ وَلَمْ يُمْرِضْهُ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْأَسِفُ الْغَضْبَانُ آسَفُونَا أَغْضَبُونَا . وَمَنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوجِبُ الْغَضَبَ عَلَيْهِمْ وَالِانْتِقَامَ مِنْهُمْ .
بَابٌ : فِي فَضْلِ الْعِيَادَةِ عَلَى وُضُوءٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الطَّائِيُّ ، نا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحِ بْنِ خُلَيْدٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : نا الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَمٍ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا قُلْتُ : يَا أَبَا حَمْزَةَ وَمَا الْخَرِيفُ ؟ قَالَ : الْعَامُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ الْبَصْرِيُّونَ مِنْهُ الْعِيَادَةُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ . بَاب فِي فَضْلِ الْعِيَادَةِ ( فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ) : أَيْ أَتَى بِهِ كَامِلًا ( وَعَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ فِي الْعِيَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَعَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِجَابَةِ . وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ : وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي الْوُضُوءِ هُنَا أَنَّ الْعِيَادَةَ عِبَادَةٌ وَأَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَكْمَلِ أَفْضَلُ ( مُحْتَسِبًا ) : أَيْ طَالِبًا لِلثَّوَابِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَسْبَابِ ( بُوعِدَ ) : مَاضٍ مَجْهُولٌ مِنَ الْمُبَاعَدَةِ وَالْمُفَاعِلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ ( وَالَّذِي ) : أَيِ اللَّفْظُ الَّذِي ( تَفَرَّدَ بِهِ ) : بِذَلِكَ اللَّفْظِ ( الْبَصْرِيُّونَ ) : كَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ ، ثُمَّ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ فَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ وَهُوَ الْوَاسِطِيُّ الْبَصْرِيُّ ( مِنْهُ ) : مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْجُمْلَةُ الْآتِيَةُ وَهِيَ ( الْعِيَادَةُ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ ) : فَلَمْ يَرْوِهَا غَيْرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ الْفَضْلُ بْنُ دَلْهَمٍ بَصَرِيٌّ ، وَقِيلَ : وَاسِطِيٌّ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ مَرَّةً : حَدِيثُهُ صَالِحٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا يَحْفَظُ ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِمَّا أَخْطَأَ فِيهَا ، وَقَالَ مَرَّةً : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِمَّنْ يُخْطِئُ فَلَمْ يَفْحُشْ خَطَؤُهُ حَتَّى يَبْطُلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَلَا اقْتَفَى أَثَرَ الْعُدُولِ فَيَسْلُكَ بِهِ سُنَنَهُمْ فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَجٌّ بِهِ إِذَا انْفَرَدَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ( مُمْسِيًا ) : أَيْ فِي وَقْتِ الْمَسَاءِ ( وَمَنْ أَتَاهُ ) : أَيِ الْمَرِيضُ ( مُصْبِحًا ) أَيْ وَقْتَ الصُّبْحِ ( وَكَانَ لَهُ ) : أَيْ لِلْعَائِدِ ( خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ) : أَيْ بُسْتَانٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَسْنَدَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قال : نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ ولَمْ يَذْكُرْ الْخَرِيفَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ مَنْصُورٌ ، عَنْ الْحَكَمِ ، كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : نا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ : وَكَانَ نَافِعٌ غُلَامُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : جَاءَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَعُودُهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسَاقَ مَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أُسْنِدَ هَذَا عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ . ( لَمْ يَذْكُرِ الْخَرِيفَ ) : أَيْ لَمْ يَذْكُرِ الْأَعْمَشُ لَفْظَ الْخَرِيفِ ( وَرَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنِ الْحَكَمِ ) : أَيْ بِذِكْرِ الْخَرِيفِ كَمَا رَوَاهُ شُعْبَةُ . ( حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ) : قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ عُثْمَانَ عَنْ جَرِيرٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بن الْعَبْدِ وَغَيْرِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غَدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِي وَإِنْ عَادَ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ مَوْقُوفًا . انْتَهَى . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَوْقُوفًا عَنْ عَلِيٍّ ، ثُمَّ سَاقَ لَفْظَ الْمَوْقُوفِ ، ثُمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ بِنَحْوِ هَذَا أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ مَشَى فِي خِرَافَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسَ ، فَإِذَا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ ، الْحَدِيثَ . وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا وَكَانَ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرْفُوعًا أَيْضًا ، وَلَفْظُهُ : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا إِلَّا يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فِي أَيِّ سَاعَاتِ النَّهَارِ حَتَّى يُمْسِي وَفِي أَيِّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ حَتَّى يُصْبِحَ . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مَرْفُوعًا بِنَحْوِ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا . وَقَوْلُهُ : فِي خِرَافَةِ الْجَنَّةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ ، أَيْ : فِي اجْتِنَاءِ ثَمَرِ الْجَنَّةِ ، يُقَالُ : خَرَفْتِ النَّخْلَةُ أَخَرِفُهَا ، فَشَبَّهَ مَا يَحُوزُهُ عَائِدُ الْمَرِيضِ مِنَ الثَّوَابِ بِمَا يَحُوزُهُ الْمُخْتَرِفُ مِنَ التَّمْرِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِي فَضْلِ مَنْ مَاتَ بالطَّاعُونِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ ، عَنْ عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَتِيكٍ وَهُوَ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو أُمِّهِ : أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّهُ جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ثَابِتٍ ، فَوَجَدَهُ قَدْ غُلِبَ ، فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَاسْتَرْجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ : غُلِبْنَا عَلَيْكَ يَا أَبَا الرَّبِيعِ فَصَاحَ النِّسْوَةُ ، وَبَكَيْنَ فَجَعَلَ ابْنُ عَتِيكٍ يُسَكِّتُهُنَّ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُنَّ فَإِذَا وَجَبَ فَلَا تَبْكِيَنَّ بَاكِيَةٌ قَالُوا : وَمَا الْوُجُوبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الْمَوْتُ . قَالَتْ ابْنَتُهُ : وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ شَهِيدًا فَإِنَّكَ قد كُنْتَ قَضَيْتَ جِهَازَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْقَعَ أَجْرَهُ عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ، وَمَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ ، وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ بَاب فِي فَضْلِ مَنْ مَاتَ بِالطَّاعُونِ ( وَهُوَ ) : أَيْ عَتِيكُ بْنُ الْحَارِثِ ( أَبُو ) : بَدَلًا مِنَ الْجَدِّ ، ( أمه ) ، أي : لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( أَنَّهُ ) : أَيْ عَتِيكُ بْنُ الْحَارِثِ ( أَخْبَرَهُ ) : الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ يَرْجِعُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( أَنَّ عَمَّهُ ) : أَيْ لِعَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ ( جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ ) : بَدَلٌ مِنَ الْعَمِّ ( أَخْبَرَه ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ يَرْجِعُ إِلَى عَتِيكِ بْنِ الْحَارِثِ ( فَوَجَدَهُ قَدْ غَلَبَ ) : أَيْ وَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ مَغْلُوبًا غَلَبَ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَدَنَا مِنَ الْمَوْتِ ( فَصَاحَ بِهِ ) : أَيْ صَرَخَ بِهِ ( فَاسْتَرْجَعَ ) : أَيْ قَالَ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( وَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( غُلِبْنَا عَلَيْكَ ) : يَعْنِي أَنَّا نُرِيدُ حَيَاتَكَ لَكِنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبٌ ( فَإِذَا وَجَبَ ) : أَيْ مَاتَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُ الْوُجُوبِ فِي اللُّغَةِ السُّقُوطُ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَهِيَ أَنْ تَمِيلَ فَتَسْقُطَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إِذَا زَهَقَتْ نَفْسُهَا . وَيُقَالُ لِلشَّمْسِ إِذَا غَابَتْ قَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ ( قَالَتِ ابْنَتُهُ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ ( وَاللَّهِ إِنْ ) : مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ ( فَإِنَّكَ قَدْ كُنْتَ ) : خِطَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ ( قَضَيْتَ جَهَازِكَ ) : أَيْ أَعْدَدْتَ أَسْبَابَ الْجِهَادِ وَجَهَّزْتَ لَهُ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : جِهَازُ السَّفَرِ أُهْبَتُهُ وَمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ بِالْفَتْحِ ، وَبِهِ قَرَأَ السَّبْعَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ وَالْكَسْرُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ( أَجْرَهُ ) : أَيْ عَبْدِ اللَّهِ ( عَلَى قَدْرِ نِيَّتِهِ ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ ( الشَّهَادَةُ سَبْعٌ ) : أَيِ الْحُكْمِيَّةُ ( سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) : أَيْ غَيْرِ الشَّهَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ ( الْمَطْعُونُ ) : هُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِالطَّاعُونِ ( وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ ) : إِذَا كَانَ سَفَرُهُ طَاعَةً ( وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ ) : وَهِيَ قُرْحَةٌ أَوْ قُرُوحٌ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ دَاخِلَ جَنْبِهِ ثُمَّ تُفْتَحُ وَيَسْكُنُ الْوَجَعُ وَذَلِكَ وَقْتُ الْهَلَاكِ ، وَمَنْ عَلَامَاتِهَا الْوَجَعُ تَحْتَ الْأَضْلَاعِ ، وَضِيقُ النَّفَسِ مَعَ مُلَازَمَةِ الْحُمَّى وَالسُّعَالِ ، وَهِيَ فِي النِّسَاءِ أَكْثَرُ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ ( وَالْمَبْطُونُ ) : مِنْ إِسْهَالٍ أَوِ اسْتِسْقَاءٍ أَوْ وَجَعِ بَطْنٍ ( وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ ) : أَيِ الْمُحْرَقُ ، وَهُوَ الَّذِي يَمُوتُ بِالْحَرْقِ ( تَحْتَ الْهَدَمِ ) : أَيْ حَائِطٍ وَنَحْوِهِ . قَالَ الْقَارِيُّ : الْهَدَمُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَيُسَكَّنُ ( وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَيُكْسَرُ وَسُكُونِ الْمِيمِ قَالَهُ الْقَارِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ تَمُوتَ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ ، وَقِيلَ : الَّتِي تَمُوتُ بِكْرًا ، وَالْجَمْعُ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ كَالذُّخْرِ بِمَعْنَى الْمَذْخُورِ ، وَكَسَرَ الْكِسَائِيُّ الْجِيمَ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا مَاتَتْ مَعَ شَيْءٍ مَجْمُوعٍ فِيهَا غَيْرَ مُنْفَصِلٍ عَنْهَا مِنْ حَمْلٍ أَوْ بَكَارَةٍ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ النَّمَرِيُّ : رَوَاهُ جَمَاعَةٌ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا عَلِمَتْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ صَحِيحٌ مِنْ مُسْنَدِ حَدِيثِ مَالِكٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدَمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا إِنَّ فِي الْقَتْلِ شَهَادَةً ، وَفِي الطَّاعُونِ شَهَادَةً ، وَفِي الْبَطْنِ شَهَادَةً ، وَفِي الْغَرَقِ شَهَادَةً ، وَفِي النُّفَسَاءِ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا جُمْعًا شَهَادَةً . قَالَ فِي التَّرْغِيبِ : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ . وَقَوْلُهُ جُمْعًا مُثَلَّثَةُ الْجِيمِ سَاكِنَةُ الْمِيمِ أَيْ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، يُقَالُ : مَاتَتِ الْمَرْأَةُ بِجُمْعٍ إِذَا مَاتَتْ وَوَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا ، وَقِيلَ : إِذَا مَاتَتْ عَذْرَاءَ أَيْضًا ، انْتَهَى . وَعَنْ أَبِي عَسِيبٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَأْنِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْحُمَّى وَالطَّاعُونِ فَأَمْسَكْتِ الْحُمَّى بِالْمَدِينَةِ وَأَرْسَلْتِ الطَّاعُونَ إِلَى الشَّامِ ، فَالطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي وَرِجْزٌ عَلَى الْكَافِرِ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَفْنَى أُمَّتِي إِلَّا بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ ، الْمُقِيمُ بها كَالشَّهِيدِ ، وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ . وَلَفْظُ الْبَزَّارِ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ ، فَمَا الطَّاعُونُ ؟ قَالَ : يُشْبِهُ الدُّمَّلَ يَخْرُجُ مِنَ الْآبَاطِ وَالْمَرَاقِ ، وَفِيهِ تَزْكِيَةُ أَعْمَالِهِمْ ، وَهُوَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ شَهَادَةٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أَسَانِيدُ الْكُلِّ حِسَانٌ . وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الطَّاعُونِ : الْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ ، وَمَنْ صَبَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الصُّفُ عَلَى الْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مَرْثَدٍ الْيَزَنِيِّ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ ميت يَمُوتُ ، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ قَالَ : فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ . بَاب فِي الصُّف عَلَى الْجَنَازَةِ ( عَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( إِلَّا أَوْجَبَ ) : اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ( قَالَ ) : مَرْثَدٌ ( إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلُ الْجِنَازَةِ ) : أَيْ عَدَّهُمْ قَلِيلًا ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ : كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاسُ عَلَيْهَا جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ، هُوَ تَفَاعُلٌ مِنَ الْقِلَّةِ أَيْ رَآهُمْ قَلِيلًا . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غُفِرَ لَهُ ، وَأَقَلُّ مَا يُسَمَّى صَفًّا رَجُلَانِ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ كَذَا فِي النَّيْلِ ( جَزَّأَهُمْ ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ فَرَّقَهُمْ وَجَعَلَ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا صَفًّا وَاحِدًا ( ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِلْحَدِيثِ ) : وَفِي جَعْلِهِ صُفُوفًا إِشَارَةٌ إِلَى كَرَاهَةِ الِانْفِرَادِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ .
بَابُ الْمَرِيضِ يُؤْخَذُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، أنا ابْنُ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْر بْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ابْتَاعَ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا ، وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ ، فَاسْتَعَارَ مِنْ ابْنَةِ الْحَارِثِ مُوسًى يَسْتَحِدُّ بِهَا ، فَأَعَارَتْهُ فَدَرَجَ بُنَيٌّ لَهَا وَهِيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَتْهُ ، فَوَجَدَتْهُ مُخْلِيًا وَهُوَ عَلَى فَخْذِهِ ، وَالْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعَتْ فَزْعَةً عَرَفَهَا فِيهَا فَقَالَ : أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ ، مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِيَاضٍ أَنَّ ابْنَةَ الْحَارِثِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُمْ حِينَ اجْتَمَعُوا يَعْنِي لِقَتْلِهِ اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسًى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ . بَاب الْمَرِيضِ يُؤْخَذُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ ( خُبَيْبُ ) : هُوَ ابْنُ عَدِيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَوْرَدَ ابْنُ الْأَثِيرِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَةَ رَهْطٍ عَيْنًا ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدّةِ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ ، يُقَالُ لَهُمْ : بَنِي لَحْيَانَ ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى الْمَوْضِعِ الْمُرْتَفِعِ مِنَ الْأَرْضِ فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ ، فَقَالُوا : انْزِلُوا وَأَعْطُونَا بِأَيْدِيكُمْ وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لَا نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا ، فَقَالَ عَاصِمٌ : أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ ، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِيهِمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ إِلَى أَنْ قَالَ : وَانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ . وَفِيهِ أَيْضًا : فَقَالَتْ ابْنَةُ الْحَارِثِ : وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ ، وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ ، وَكَانَتْ تَقُولُ : إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا ( فَاسْتَعَارَ ) : أَيْ خُبَيْبٌ ( مُوسًى ) : هِيَ آلَةُ الْحَلْقِ ( يَسْتَحِدُّ بِهَا ) : أَيْ يَحْلِقُ بِالْمُوسَى وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ خُبَيْبًا حِينَ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ أَرَادَ حَلْقَ الْعَانَةِ ، فَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ أَيْضًا يُؤْخَذُ مِنْ أَظْفَارِهِ وَعَانَتِهِ ( فَأَعَارَتْهُ ) : أَيْ فَأَعَارَتِ ابْنَةُ الْحَارِثِ خُبَيْبًا ( فَدَرَجَ بُنَيٌّ ) : تَصْغِيرُ ابْنٍ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : دَرَجَ الصَّبِيُّ دُرُوجًا مِنْ بَابِ قَعَدَ مَشَى قَلِيلًا فِي أَوَّلِ مَا يَمْشِي أَيْ دَخَلَ الصَّبِيُّ عَلَيْهِ ( لَهَا ) : أَيْ لِابْنَةِ الْحَارِثِ ( وَهِيَ ) : أَيِ ابْنَةُ الْحَارِثِ ( غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَتْهُ ) : أَيْ أَتَتِ ابْنَةُ الْحَارِثِ خُبَيْبًا ( فَوَجَدَتْهُ ) : أَيْ وَجَدَتِ ابْنَةُ الْحَارِثِ خُبَيْبًا ( مُخْلِيًا ) : أَيْ مُنْفَرِدًا ( وَهُوَ ) : أَيِ ابْنُ ابْنَةِ الْحَارِثِ ( عَلَى فَخِذِهِ ) : أَيْ خُبَيْبٍ ( فَفَزِعَتْ ) : أَيْ خَافَتِ ابْنَةُ الْحَارِثِ ( عَرَفَهَا ) : أَيْ عَرَفَ خُبَيْبٌ الْفَزْعَةَ ( فِيهَا ) : أَيْ فِي ابْنَةِ الْحَارِثِ ( فَقَالَ ) : خُبَيْبٌ ( أَنْ أَقْتُلَهُ ) : أَيِ الصَّبِيُّ ( مَا كُنْتُ ) : مَا نَافِيَةٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا . وَخُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، انْتَهَى . قُلْتُ : عُمَرُ بْنُ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ هُوَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ ، وَيُقَالُ : عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ . قَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ ، وَقِصَّةُ خُبَيْبٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ وَفِي التَّوْحِيدِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ ، وَفِي الْمَغَازِي عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجَنَائِزِ ، وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءُ خُبَيْبٍ عَلَيْهِمْ وَلَا الشِّعْرُ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي السِّيَرِ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا .
بَابٌ : فِي اللَّحْدِ حَدَّثَنَا إسحاق بْنُ إسماعيل ، نا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اللَّحْدُ لَنَا ، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا 4025 بَابٌ فِي اللَّحْدِ ( اللَّحْدُ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا . فِي النِّهَايَةِ : اللَّحْدُ الشَّقُّ الَّذِي يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ لِمَوْضِعِ الْمَيِّتِ ، لِأَنَّهُ قَدْ أُمِيلَ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ ، يُقَالُ لَحَدْتُ وَأَلْحَدْتُ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُقَالُ لَحَدَ يَلْحَدُ كَذَهَبَ يَذْهَبُ وَأَلْحَدَ يُلْحِدُ إِذَا حَفَرَ الْقَبْرَ ، وَاللَّحْدُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا مَعْرُوفٌ وَهُوَ الشَّقُّ تَحْتَ الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الْقَبْرِ انْتَهَى . زَادَ الْمُنَاوِيُّ : قَدْرَ مَا يَسَعُ الْمَيِّتَ وَيُوضَعْ فِيهِ وَيُنْصَبُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ ( لَنَا ) : أَيْ هُوَ الَّذِي نُؤْثِرُهُ وَنَخْتَارُهُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ ( وَالشَّقُّ ) : بِفَتْحِ الشِّينِ أَنْ يُحْفَرَ وَسَطَ أَرْضِ الْقَبْرِ وَيُبْنَى حَافَتَاهُ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ بَيْنَهُمَا وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ ( لِغَيْرِنَا ) : مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ فَاللَّحْدُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ اللَّحْدِ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنِ الشَّقِّ . قَالَ الْقَاضِي : مَعْنَاهُ . أَنَّ اللَّحْدَ آثَرُ لَنَا وَالشَّقُّ لَهُمْ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ اللَّحْدِ ، فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنَ الشَّقِّ لَا الْمَنْعُ مِنْهُ لَكِنْ مَحَلُّ أَفْضَلِيَّةِ اللَّحْدِ فِي الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ وَإِلَّا فَالشَّقُّ أَفْضَلُ . قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ : وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مُخَالَفَتِنَا لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي كُلِّ مَا هُوَ شِعَارُهُمْ حتى في وضع الميت في أسفل القبر انتهى . كذا في فتح القدير للمناوي . قلت : حديث ابن عباس هكذا مروي بلفظ : اللحد لنا والشق لغيرنا ، وروى أحمد في مسنده من حديث جرير بن عبد الله البجلي بلفظ : اللحد لنا والشق لغيرنا من أهل الكتاب . قال العلقمي والمناوي : فيه أبو اليقظان الأعمى عثمان بن عمير البجلي وهو ضعيف . ولفظ أبي نعيم في الحلية بإسناده إلى جرير بن عبد الله الحدوا ولا تشقوا فإن اللحد لنا والشق لغيرنا . قال العلقمي : وإسناده ضعيف . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الدَّفْنَ فِي اللَّحْدِ وَالشَّقِّ جَائِزَانِ ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةٌ لَا يَنْهَارُ تُرَابُهَا فَاللَّحْدُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَتْ رَخْوَةً فَالشَّقُّ أَفْضَلُ . وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : اللَّحْدُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى . وَالْحَاصِلُ : أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ اللَّحْدِ وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الضَّرْحِ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَحَكَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ اللَّحْدِ وَالشَّقِّ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَجُلٌ يَلْحَدُ وَآخَرُ يَضْرَحُ فَقَالُوا نَسْتَخِيرُ رَبَّنَا وَنَبْعَثُ إِلَيْهِمَا فَأَيُّهُمَا سَبَقَ تَرَكْنَاهُ ، فَأُرْسِلَ إِلَيْهِمَا فَسَبَقَ صَاحِبُ اللَّحْدِ فَلَحَدُوا لَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَفِيهِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ كَانَ يَضْرَحُ وَأَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَلْحَدُ ، حَدِيثُ أَنَسٍ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ ضَعْفٌ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : كَانَ يَضْرَحُ أَيْ يَشُقُّ فِي وَسَطِ الْقَبْرِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الضَّرْحُ الشَّقُّ انْتَهَى . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَّرَ مَنْ كَانَ يَضْرَحُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ . وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْحَقِّ الدَّهْلَوِيُّ : إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي لَنَا الْمُسْلِمونَ ، ولغَيْرِنَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَثَلًا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ اللَّحْدِ بَلْ عَلَى كَرَاهِيَةِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِـ غَيْرِنَا الْأُمَمُ السَّابِقَةُ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْأَفْضَلِيَّةِ . وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَ اللَّحْدُ وَاجِبًا وَالشَّقُّ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَإِلَّا لَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَمْرٍ مِنَ الرَّسُولِ أَوْ تَقْرِيرٍ مِنْهُ ، وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّ أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : أَنَّهُمْ أَلْحَدُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَحْدًا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : أَلْحَدُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِي الْبَابِ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ كَمَا وَجَدْنَا ذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْ جَامِعِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ : عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَامِرٍ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : قَالَ جَمْعٌ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : حَدَّثَ بِأَشْيَاءْ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهَا . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : فَأَرَى هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ مِنْ أَجْلِهِ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . فَإِنْ قُلْتَ : لَمَّا كَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِلْمٌ فِي ذَلِكَ لِمَ تَحَيَّرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِهِ هَلْ يُلْحِدُونَ لَهُ أَوْ يَضْرَحُونَ ؟ قُلْتُ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَمْ يَحْضُرْ عِنْدَ مَوْتِهِ . وَقَدْ أَغْرَبَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَمَعْنَى اللَّحْدُ لَنَا أَيْ لِأَجْلِ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالشَّقُّ لِأَجْلِ أَمْوَاتِ الْكُفَّارِ انْتَهَى ، وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِنَا أَهْلُ الْكِتَابِ كَمَا وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَالشَّقُّ لِأَهْلِ الْكِتَابِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهُوَ يُؤَيِّدُ فَضِيلَةِ اللَّحْدِ عَلَى الشَّقِّ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ قَالَ : لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ( لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلَخْ ) : أَيْ لَا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، وَفِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ بِأَنْ يَغْفِرَ لَهُ ، فَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ عَنِ الْمَوْتِ وَلَيْسَ إِلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ ، لَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ حَالَةٍ يَنْقَطِعُ عِنْدَهَا الرَّجَاءُ لِسُوءِ الْعَمَلِ ، كَيْلَا يُصَادِفُهُ الْمَوْتُ عَلَيْهَا ، قَالَهُ عَلِيُّ الْقَارِيُّ . وَقَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : زَادَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي حُسْنِ الظَّنِّ : فَإِنَّ قَوْمًا قَدْ أَرْدَاهُمْ سُوءُ ظَنِّهُمْ بِاللَّهِ ، فَقَالَ اللَّهُ فِي حَقِّهِمْ : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا يُحْسِنُ الظَّنُّ بِاللَّهِ مِنْ حَسُنَ عَمَلُهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ يَحْسُنْ ظَنُّكُمْ بِاللَّهِ ، فَمَنْ سَاءَ عَمَلُهُ سَاءَ ظَنُّهُ . وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ مِنْ نَاحِيَةِ الرَّجَاءِ وَتَأْمِيلِ الْعَفْوِ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِ قُزْوِينَ : يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّرْغِيبَ فِي التَّوْبَةِ وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَظَالِمِ ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ حَسُنَ ظَنُّهُ وَرَجَا الرَّحْمَةَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : مَعْنَى تَحْسِينِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَظُنَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْحَمُهُ وَيَرْجُو ذَلِكَ بِتَدَبُّرِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَفْوِهِ وَمَا وَعَدَ بِهِ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَمَا سَيُبَدِّلُهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . وَشَذَّ الْخَطَّابِيُّ فَذَكَرَ تَأْوِيلًا آخَرَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَحْسِنُوا أَعْمَالَكُمْ حَتَّى يَحْسُنَ ظَنُّكُمْ بِرَبِّكُمْ ، فَمَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ حَسُنَ ظَنُّهُ ، وَمَنْ سَاءَ عَمَلُهُ سَاءَ ظَنُّهُ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي الْمَيِّتِ يُحْمَلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ ، وَكَرَاهَةِ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ نُبَيْحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كُنَّا حَمَلْنَا الْقَتْلَى يَوْمَ أُحُدٍ لِنَدْفِنَهُمْ ، فَجَاءَ مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَضَاجِعِهِمْ فَرَدَدْنَاهُمْ بَاب فِي الْمَيِّتِ يُحْمَلُ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ إلخ ( عَنْ نُبَيْحٍ ) : بِمُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنَزِيُّ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ . قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ( أَنْ تَدْفِنُوا الْقَتْلَى ) : جَمْعُ الْقَتِيلِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ أَيِ الشُّهَدَاءُ ( فِي مَضَاجِعِهِمْ ) : أَيْ مَقَاتِلِهِمْ ، وَالْمَعْنَى لَا تَنْقُلُوا الشُّهَدَاءَ مِنْ مَقْتَلِهِمْ بَلِ ادْفِنُوهُمْ حَيْثُ قُتِلُوا ، وَكَذَا مَنْ مَاتَ فِي مَوْضِعٍ لَا يُنْقَلُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ قَالَهُ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَهْيَ النَّقْلِ مُخْتَصٌّ بِالشُّهَدَاءِ ، لِأَنَّهُ نُقِلَ ابْنُ أَبِي وَقَاصٍّ مِنْ قَصْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرُوا ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُحْمَلَ النَّهْيُ عَلَى نَقْلِهِمْ بَعْدَ دَفْنِهِمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ لَفْظُ مَضَاجِعِهِمْ قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : وَأَمَّا نَقْلُ الْمَيِّتِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ فَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا جَوَازُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَقَدْ مَاتَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَاصٍّ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ بِالْعَقِيقِ وَدُفِنَا بِالْمَدِينَةِ ، انْتَهَى . أَيْ كَمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَارِيخِ الْخُلَفَاءِ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ : قَالَ شَرِيكٌ : نَقَلَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَقَالَ الْمُبَرِّدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ : أَوَّلُ مَنْ حُوِّلَ مِنْ قَبْرٍ إِلَى قَبْرٍ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَمَلُوهُ لِيَدْفِنُوهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انْتَهَى . وَفِي هَذِهِ الْآثَارِ جَوَازُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَوْطِنِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِلَى مَوْطِنٍ آخَرَ يُدْفَنُ فِيهِ ، وَالْأَصْلُ الْجَوَازُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا لِدَلِيلٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَفِيهِ إِرْجَاعُ الشَّهِيدِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ بَعْدَ نَقْلِهِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ دُفِنُوا بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنَ الْقُبُورِ وَنُقِلُوا ، فَهَذَا النَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِالشُّهَدَاءِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثِيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا بَاب مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَطْهِيرِ ثِيَابِ الْمَيِّتِ عِنْدَ الْمَوْتِ ( بِثِيَابٍ جُدُدٍ ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ جَدِيدٍ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( فَلَبِسَهَا ) : أَيْ لَبِسَ أَبُو سَعِيدٍ الثِّيَابَ ( الْمَيِّتَ يُبْعَثُ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا أَبُو سَعِيدٍ فَقَدِ اسْتَعْمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي تَحْسِينِ الْكَفَنِ أَحَادِيثَ ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَعْنَى الثِّيَابِ الْعَمَلُ كَنَّى بِهَا عَنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ عَمَلٍ سَيِّئٍ . قَالَ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ : فُلَانٌ طَاهِرُ الثِّيَابِ إِذَا وَصَفُوهُ بِطَهَارَةِ النَّفْسِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ ، وَدَنَسِ الثِّيَابِ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : يُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةٌ حُفَاةٌ غُرْلًا بُهْمًا . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَيْسَ عَلَى الثِّيَابِ الَّتِي هِيَ الْكَفَنُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْبَعْثُ غَيْرُ الْحَشْرِ ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ مَعَ الثِّيَابِ وَالْحَشْرُ مَعَ الْعُرْيِ وَالْحُفَاةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ : قَدْ يَكُونُ الْحَشْرُ فِي الْأَكْفَانِ خَاصًّا بِالشُّهَدَاءِ . وَقَالَ الْهَرَوِيُّ : لَيْسَ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ بِهِ إِلَى الْأَكْفَانِ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِنَّمَا يُكَفَّنُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ الْإِسْرَاعِ بِالْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ بَابُ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ أَيْ بَعْدَ أَنْ تُحْمَلَ . ( أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ ) : أَيْ بِحَمْلِهَا إِلَى قَبْرِهَا . قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِالْإِسْرَاعِ مَا فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَيُكْرَهُ الْإِسْرَاعُ الشَّدِيدُ ( فَإِنْ تَكُ ) : أَصْلُهُ فَإِنْ تَكُنْ حُذِفَتِ النُّونُ لِلتَّخْفِيفِ ، وَالضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الْجِنَازَةِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَيِّتِ ( صَالِحَةً ) : نُصِبَ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ ( فَخَيْرٌ ) : مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَهُوَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَوْ هُوَ مُبْتَدَأٌ أَيْ فَثَمَّةَ خَيْرٌ تُقَدِّمُونَ الْجِنَازَةَ إِلَيْهِ ، يَعْنِي : حَالُهُ فِي الْقَبْرِ حَسَنٌ طَيِّبٌ فَأَسْرِعُوا بِهَا حَتَّى تَصِلَ إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ قَرِيبًا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( تُقَدِّمُونَهَا ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيِ الْجِنَازَةَ ( إِلَيْهِ ) : الضَّمِيرُ فِيهِ يَرْجِعُ إِلَى الْخَيْرِ بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ ( فَشَرٌّ ) : إِعْرَابُهُ مِثْلُ إِعْرَابِ فَخَيْرٌ ( تَضَعُونَهُ ) : أَيْ أَنَّهَا بَعِيدَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ فَلَا مَصْلَحَةَ لَكُمْ فِي مُصَاحَبَتِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي جَنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَرْمُلُ رَمَلًا ( نَرْمُلُ رَمَلًا ) : مِنْ بَابِ طَلَبَ قَالَ الْعَيْنِيُّ : مِنْ رَمَلَ رَمَلًا وَرَمَلَانًا إِذَا أَسْرَعَ فِي الْمَشْيِ وَهَزَّ مَنْكِبَيْهِ ، وَمُرَادُهُ الْإِسْرَاعُ الْمُتَوَسِّطُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ قَالَ : إِذَا أَنْتَ حَمَلْتَنِي عَلَى السَّرِيرِ فَامْشِ مَشْيًا بَيْنَ الْمَشْيَيْنِ ، وَكُنْ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، فَإِنَّ مُقَدَّمَهَا لِلْمَلَائِكَةِ وَخَلْفَهَا لِبَنِي آدَمَ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : سَنَدُهُ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ . ( ح ) وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، نَا عِيسَى يَعْنِي : ابْنَ يُونُسَ ، عَنْ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَا : فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ : فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ بَغْلَتَهُ ، وَأَهْوَى بِالسَّوْطِ . ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) : السَّابِقِ ( قَالَا ) : أَيْ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ( فِي جِنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ) : مَكَانَ قَوْلِهِ فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . وَالْحَدِيثُ يَدُورُ عَلَى عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَشُعْبَةَ ، قَالَ عَنْهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَمَّا خَالِدٌ وَعِيسَى فَقَالَا عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ ( قَالَ ) : أَيْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَالِدُ عُيَيْنَةَ ( فَحَمَلَ ) : أَيْ أَبُو بَكْرَةَ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ يَحْيَى الْمُجَبِّرِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : سَأَلْنَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَشْيِ مَعَ الْجَنَازَةِ ؟ فَقَالَ : مَا دُونَ الْخَبَبِ إِنْ يَكُنْ خَيْرًا تَعَجَّلَ إِلَيْهِ ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ وَالْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ ، وَلَا تُتْبَعُ لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهُوَ ضَعِيفٌ هُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَحْيَى الْجَابِرُ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا كُوفِيٌّ وَأَبُو مَاجِدَةَ بَصْرِيٌّ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو مَاجِدَةَ هَذَا لَا يُعْرَفُ . ( مَا دُونَ الْخَبَبِ ) : وَهُوَ الْعَدْوُ وَشِدَّةُ الْمَشْيِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( إِنْ يَكُنْ ) : أَيِ الْمَيِّتُ ( خَيْرًا ) : وَكَانَ عَمَلُهُ صَالِحًا ( تَعَجَّلْ ) : أَيِ الْجِنَازَةَ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَيِّتِ ( إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى الْخَيْرِ وَالثَّوَابِ ( فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّارِ ) : دَعَا عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( وَالْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ ) : أَيْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا فَيَمْشِي خَلْفَهَا وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهَا ( وَلَا تُتْبَعُ ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ وَبِرَفْعِ الْعَيْنِ عَلَى النَّفْيِ وَبِسُكُونِهَا عَلَى النَّهْيِ قَالَهُ الْقَارِيُّ ( لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا ) : تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ ، وَالْمَعْنَى لَا يَثْبُتُ لَهُ الْأَجْرُ الْأَكْمَلُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ مُخْتَصَرٌ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يُضَعِّفُ حَدِيثَ أَبِي مَاجِدَةَ هَذَا ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ : قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : قِيلَ لِيَحْيَى يَعْنِي الرَّازِيَّ : عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ مَنْ أَبُو مَاجِدَةَ هَذَا ؟ قَالَ : طَائِرٌ طَارَ فَحَدَّثَنَا ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ يَحْيَى الرَّازِيِّ عَنْهُ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَأَبُو مَاجِدَةَ هَذَا وَيُقَالُ أَبُو مَاجِدٍ حَنَفِيٌّ ، وَيُقَالُ عِجْلِيٌّ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مَجْهُولٌ ، وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ : حَدِيثُهُ لَيْسَ بِالْقَائِمِ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَابِرُ ضَعِيفٌ ، وَأَبُو مَاجِدَةَ وَقِيلَ أَبُو مَاجِدٍ مَجْهُولٌ ، وَفِيمَا مَضَى كِفَايَةٌ ، يُرِيدُ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي تَقَدَّمَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكُبْرَى : قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَبُو مَاجِدٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ جِدًّا .
بَابُ مَا يُقَالَ عِنْدَ الْمَيِّتِ مِنْ الْكَلَامِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا حَضَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ ؟ قَالَ : قُولِي : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، وَأَعْقِبْنَا عُقْبَى صَالِحَةً قَالَتْ : فَأَعْقَبَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب مَا يُقَالَ عِنْدَ الْمَيِّتِ مِنْ الْكَلَامِ ( عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ) : زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقُولُوا خَيْرًا ) : أَيِ ادْعُوَا لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ ( يُؤَمِّنُونَ ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ يَقُولُونَ : آمِينَ ( عَلَى مَا تَقُولُونَ ) : أَيْ مِنَ الدُّعَاءِ ( فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ ) : هُوَ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ) : أَيْ لِأَبِي سَلَمَةَ ( وَأَعْقِبْنَا ) : مِنَ الْإِعْقَابِ أَيْ أَبْدِلْنَا وَعَوِّضْنَا ( عُقْبَى صَالِحَةً ) : كَبُشْرَى ، أَيْ بَدَلًا صَالِحًا ( قَالَتْ ) : أُمُّ سَلَمَةَ ( فَأَعْقَبَنِي ) : أَيْ أَبْدَلَنِي ( بِهِ ) أَيْ بِأَبِي سَلَمَةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ كَمْ يَدْخُلُ الْقَبْرَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، نا إسماعيل بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ : غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَهُمْ أَدْخَلُوهُ قَبْرَهُ . قال : وحدثَني مَرْحَبٌ - أَوْ : ابن أَبُي مَرْحَبٍ - أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا مَعَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ قَالَ : إِنَّمَا يَلِي الرَّجُلَ أَهْلُهُ باب كم يدخل القبر ( عَنْ عَامِرِ ) : وَهُوَ الشَّعْبِيُّ ( وَالْفَضْلُ ) : ابْنُ عَبَّاسٍ ( أَدْخَلُوهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : أَيْ عَامِرُ الشَّعْبِيُّ ( وَحَدَّثَنِي مُرَحَّبُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ، فَالشَّعْبِيُّ أَرْسَلَ الْحَدِيثَ أَوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا مِنْ رِوَايَةِ مُرَحَّبٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : مُرَحَّبٍ أَوِ ابْنُ مُرَحَّبٍ يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ مِنَ الصَّحَابَةِ . رَوَى زُهَيْرُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ هَكَذَا عَلَى الشَّكِّ قَالَ : حَدَّثَنِي مُرَحَّبٍ أَوْ أَبُو مُرَحَّبٍ ، قَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ : عَلِيٌّ ، وَالْفَضْلُ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَوِ الْعَبَّاسُ ، وَأُسَامَةُ ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي مُرَحَّبٍ وَلَمْ يَشُكَّ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَاخْتَلَفُوا عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا تَرَى ، وَلَيْسَ يُؤْخَذُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ مَعَهُمْ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَأَمَّا ابْنُ شِهَابٍ فَرَوَى عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : إِنَّمَا دَفَنُوهُ الَّذِينَ غَسَّلُوهُ وَكَانُوا أَرْبَعَةً : عَلِيٌّ ، وَالْفَضْلُ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَصَالِحُ شُقْرَانٍ ، قَالَ : وَلَحَدُوا لَهُ وَنَصَبُوا اللَّبِنَ نَصْبًا ، قَالَ : وَقَدْ نَزَلَ مَعَهُمْ فِي الْقَبْرِ خَوْلِيُّ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ انْتَهَى ( قَالَ ) : أَيْ عَلِيٌّ ( إِنَّمَا يَلِي ) : أَيْ يَتَوَلَّى ( الرَّجُلُ أَهْلَهُ ) : وَهُوَ بِمَعْنَى الِاعْتِذَارِ عَنْ تَوْلِيَةِ أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمِ دَخَلِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ فِيهِ مَعَ كَوْنِهِ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَأَعْلَى مِنْهُ دَرَجَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ بن سفيان ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي مَرْحَبٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ نَزَلَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ أَرْبَعَةً ( عَنْ أَبِي مُرَحَّبٍ ) : قِيلَ اسْمُهُ سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( قَالَ ) : أَيْ أَبُو مُرَحَّبٍ ( أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ) : أَيْ إِلَى الَّذِينَ نَزَلُوا فِي قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا بِشْرٌ ، نا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ ، نا يَحْيَى بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ ) : أَيْ ذَكِّرُوا مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ مِنْكُمْ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ أَوْ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ بِأَنْ تَتَلَفَّظُوا بِهَا أَوْ بِهِمَا عِنْدَهُ لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَقَالَ السِّنْدِيُّ : الْمُرَادُ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لَا مَنْ مَاتَ . وَالتَّلْقِينُ أَنْ يَذْكُرَ عِنْدَهُ لَا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ وَالتَّلْقِينُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَدْ جَزَمَ كَثِيرًا أَنَّهُ حَادِثٌ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّلْقِينِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَلِذَلِكَ إِذَا قَالَ مَرَّةً فَلَا يُعَادُ عَلَيْهِ إِلَّا إِنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ آخَرَ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي التَّلْقِينِ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِسْمَعِيُّ ، نا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ، نا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قال : حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ بَاب فِي التَّلْقِينِ ( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ ) : بِرَفْعِ آخِرِ ، وَقِيلَ : بِنَصَبِهِ ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) : مَحَلُّهُ النَّصْبُ أَوِ الرَّفْعُ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَوِ الِاسْمِيَّةِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، أَيْ : هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَالْمُرَادُ هِيَ وَضَمِيمَتُهَا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ كَلِمَتَا الشَّهَادَةِ ، فَلَا يَرِدُ إِشْكَالُ تَرْكِ ذِكْرِ الرِّسَالَةِ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَقَبٌ جَرَى عَلَى النُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْعًا ، انْتَهَى .
بَابٌ : فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ ، نا أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قال : أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : رَأَى نَاسٌ نَارًا فِي الْمَقْبَرَةِ فَأَتَوْهَا ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَبْرِ ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ : نَاوِلُونِي صَاحِبَكُمْ فَإِذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ بَاب فِي الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ( وَإِذَا هُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَإِذَا هُوَ ) : أَيِ الصَّاحِبُ ( الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ ) : وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا ، فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ ، وَقَالَ : رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْكَفَنِ ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ . وَأُجِيبَ عَنْهُ أَنَّ الزَّجْرَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَا لِلدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ، أَوْ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْفِنُونَ بِاللَّيْلِ لِرَدَاءَةِ الْكَفَنِ ، فَالزَّجْرُ إِنَّمَا هُوَ لَمَّا كَانَ الدَّفْنُ بِاللَّيْلِ مَظِنَّةَ إِسَاءَةِ الْكَفَنِ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ تَقْصِيرٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهُ فَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ لَيْلًا ، وَقَدْ دُفِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَا دُفِنَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا كَمَا عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْبَابِ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : كيف يدخل الميت قبره حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إسحاق قَالَ : أَوْصَى الْحَارِثُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ فَصَلَّى عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْقَبْرَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْقَبْرِ ، وَقَالَ : هَذَا مِنْ السُّنَّةِ باب كيف يدخل الميت قبره ( فَصَلَّى ) : عَبْدُ اللَّهِ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْحَارِثِ ( ثُمَّ أَدْخَلَهُ ) : أَيْ أَدْخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْحَارِثَ ( وَقَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( هَذَا مِنَ السُّنَّةِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخَلَ الْمَيِّتُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرِ أَيْ مَوْضِعَ رِجْلَيِ الْمَيِّتِ مِنْهُ عِنْدَ وَضْعِهِ فِيهِ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّهُ يُدْخَلُ الْقَبْرَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ مُعَرَّضًا إِذْ هُوَ أَيْسَرُ ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى مِنَ الرَّأْيِ . وَقَدِ اسْتُدِلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبُرَيْدَةَ أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ضَعَّفَهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ التِّرْمِذِيُّ تَحْسِينُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْهَا ، وَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَدَارَهُ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ . قَالَ فِي ضَوْءِ النَّهَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى التَّضْعِيفِ بِذَلِكَ ، لِأَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَنْ يَمِينِ الدَّاخِلِ إِلَى الْبَيْتِ لَاصِقًا بِالْجِدَارِ وَالْجِدَارُ الَّذِي أُلْحِدَ تَحْتَهُ هُوَ الْقِبْلَةُ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ إِدْخَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ ضَرُورِيٌّ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ . وَقَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ : وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ مَا ذُكِرَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالثَّانِي : يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنِ الثِّقَةِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ سَلَّ مَيِّتًا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَالثَّالِثُ لِأَبِي حُنَيْفَةَ أَنَّهُ يُسَلُّ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ مُعْتَرِضًا إِذْ هُوَ أَيْسَرُ . قُلْتُ : بَلْ وَرَدَ بِهِ النَّصُّ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا هُوَ نَصٌّ فِي إِدْخَالِ الْمَيِّتِ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَأَنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَيُسْتَفَادُ مِنَ الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ فِعْلٌ مُخَيَّرٌ فِيهِ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ تَغْمِيضِ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ أَبُو مَرْوَانَ ، نا أَبُو إسحاق يَعْنِي : الْفَزَارِيَّ ، عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرَهُ فَأَغْمَضَهُ فَصَيَّحَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ : لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ رَبَّ الْعَالَمِينَ ، اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَتَغْمِيضُ الْمَيِّتِ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْمُقْرِيَّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مَيْسَرَةَ رَجُلًا عَابِدًا يَقُولُ : غَمَّضْتُ جَعْفَرًا الْمُعَلِّمَ ، وَكَانَ رَجُلًا عَابِدًا فِي حَالَةِ الْمَوْتِ ، فَرَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي لَيْلَةَ مَاتَ يَقُولُ : أَعْظَمُ مَا كَانَ عَلَيَّ تَغْمِيضُكَ لِي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ . بَاب تَغْمِيضِ الْمَيِّتِ ( وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ ) : بِفَتْحِ الشِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ إِذَا نَظَرَ إِلَى شَيْءٍ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِ طَرْفُهُ ، وَضَمُّ الشِّينِ مِنْهُ غَيْرُ مُخْتَارٍ قَالَهُ الطِّيبِيُّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَرَفْعِ بَصَرِهِ وَهُوَ فَاعِلُ شَقَّ ، أَيْ : بَقِيَ بَصَرُهُ مَفْتُوحًا ، هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بَصَرُهُ بِالنَّصْبِ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا وَالشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلَافٍ ( فَأَغْمَضَهُ ) : أَيْ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَقْبُحَ مَنْظَرُهُ ، وَالْإِغْمَاضُ بِمَعْنَى التَّغْمِيضِ وَالتَّغْطِيَةِ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( فَصَيَّحَ ) : بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ رَفَعَ الصَّوْتَ بِالْبُكَاءِ ( مِنْ أَهْلِهِ ) : أَيْ أَبِي سَلَمَةَ ( فَقَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَدْعُوَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ ) : أَيْ لَا تَقُولُوا شَرًّا وَوَائِلًا أَوِ الْوَيْلُ لِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ( يُؤَمِّنُونَ ) : أَيْ يَقُولُونَ : آمِينَ ( عَلَى مَا تَقُولُونَ ) أَيْ فِي دُعَائِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ( فِي الْمَهْدِيِّينَ ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْأُولَى أَيِ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ سَابِقًا وَالْهِجْرَةُ إِلَى خَيْرِ الْأَنَامِ ( وَاخْلُفْهُ ) : بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ وَضَمِّ اللَّامِ مِنْ خَلَفَ يَخْلُفُ إِذَا قَامَ مَقَامَ غَيْرِهِ بَعْدَهُ فِي رِعَايَةِ أَمْرِهِ وَحِفْظِ مَصَالِحِهِ ، أَيْ : كُنْ خَلَفًا أَوْ خَلِيفَةً لَهُ ( فِي عَقِبِهِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ مَنْ يَعْقُبُهُ وَيَتَأَخَّرُ عَنْهُ مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ ( فِي الْغَابِرِينَ ) : أَيِ الْبَاقِينَ فِي الْأَحْيَاءِ مِنَ النَّاسِ . فَقَوْلُهُ : فِي الْغَابِرِينَ حَالٌ مِنْ عَقِبِهِ أَيْ أَوْقَعَ خِلَافَتُكَ فِي عَقِبِهِ كَائِنِينَ فِي جُمْلَةِ الْبَاقِينَ مِنَ النَّاسِ . قَالَهُ الْقَارِيُّ ( اللَّهُمَّ افْسَحْ ) : أَيْ وَسِّعْ ( لَهُ ) : أَيْ لِأَبِي سَلَمَةَ ( فِي قَبْرِهِ ) : دُعَاءٌ بِعَدَمِ الضَّغْطَةِ ( وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ) : أَيْ فِي قَبْرِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . ( سَمِعْتُ أَبَا مَيْسَرَةَ ) : قَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ أَبِي مَيْسَرَةَ الْعَابِدِ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، انْتَهَى . باب في الاسترجاع أَيْ قَوْلُهُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَقْتَ الْمُصِيبَةِ .
بَابٌ : فِي تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ بَاب فِي تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ ( يُقَبِّلُ ) : بِالتَّشْدِيدِ ( عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ) : بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَخٌ رَضَاعِيٌّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ( وَهُوَ مَيِّتٌ ) : حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ ( تَسِيلُ ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَقْبِيلَ الْمُسْلِمِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْبُكَاءَ عَلَيْهِ جَائِزٌ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ . وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ عَنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِهِ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَقْبِيلِ الْمَيِّتِ تَعْظِيمًا وَتَبَرُّكًا لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ إِجْمَاعًا . كَذَا فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ عَلَى خَدَّيْهِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ عَاصِمُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ .
بَابُ الْخُرُوجِ مِنْ الطَّاعُونِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ ، فَلَا تُقْدِمُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ ، وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ يَعْنِي : الطَّاعُونَ بَاب الْخُرُوجِ مِنْ الطَّاعُونِ ( إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ ) : أَيْ بِالطَّاعُونِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ( بِأَرْضٍ ) : أَيْ إِذَا بَلَغَكُمْ وُقُوعُهُ فِي بَلْدَةٍ أَوْ مَحَلَّةٍ ( فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ) : بِضَمِّ التَّاءِ مِنَ الْإِقْدَامِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُ التَّاءِ وَالدَّالِ مِنْ بَابِ سَمِعَ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : لَا تَقْدَمُوا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ ، وَرُوِي بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَكَسْرِ الثَّالِثِ ، انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : فَلَا تَدْخُلُوا عليه ، أَيْ : يَحْرُمُ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَيْهِ جَرَاءَةٌ عَلَى خَطَرٍ وَإِيقَاعٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ وَالشَّرْعُ نَاهٍ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ تَعَالَى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ( وَإِذَا وَقَعَ ) : أَيِ الطَّاعُونُ ( وَأَنْتُمْ ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنْتُمْ ( بِهَا ) : بِذَلِكَ الْأَرْضِ ( فِرَارًا ) : أَيْ بِقَصْدِ الْفِرَارِ ( مِنْهُ ) : فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ فِرَارٌ مِنَ الْقَدَرِ وَهُوَ لَا يَنْفَعُ ، وَالثَّبَاتُ تَسْلِيمٌ لِمَا لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ اخْتِيَارٌ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِرَارًا بَلْ خَرَجَ لِنَحْوِ حَاجَةٍ لَمْ يَحْرُمْ . قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي التَّيْسِيرِ ( يَعْنِي الطَّاعُونُ ) : الطَّاعُونُ بِوَزْنِ فَاعُولٍ مِنَ الطَّعْنِ عَدَلُوا بِهِ عَنْ أَصْلِهِ ، وَوَضَعُوهُ دَالًّا عَلَى الْمَوْتِ الْعَامِّ كَالْوَبَاءِ ، وَيُقَالُ : طُعِنَ فَهُوَ مَطْعُونٌ وَطَعِينٌ إِذَا أَصَابَهُ الطَّاعُونُ ، وَإِذَا أَصَابَهُ الطَّعْنُ بِالرُّمْحِ فَهُوَ مَطْعُونٌ هَذَا كَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : الطَّاعُونُ الْوَبَاءُ . وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : الطَّاعُونُ الْمَرَضُ الْعَامُّ الَّذِي يَفْسُدُ لَهُ الْهَوَاءُ وَتَفْسُدُ بِهِ الْأَمْزِجَةُ وَالْأَبْدَانُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الطَّاعُونُ الْوَجَعُ الْغَالِبُ الَّذِي يُطْفِئُ الرُّوحَ كَالذَّبْحَةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُمُومِ مُصَابِهِ وَسُرْعَةِ قَتْلِهِ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِّيُّ : هُوَ مَرَضٌ يَعُمُّ الْكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ فِي جِهَةٍ مِنَ الْجِهَاتِ بِخِلَافِ الْمُعْتَادِ مِنْ أَمْرَاضِ النَّاسِ ، وَيَكُونُ مَرَضُهُمْ وَاحِدًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ ، فَتَكُونُ الْأَمْرَاضُ مُخْتَلِفَةٌ . وَقَالَ عِيَاضٌ : أَصْلُ الطَّاعُونِ الْقُرُوحُ الْخَارِجَةُ فِي الْجَسَدِ ، وَالْوَبَاءُ عُمُومُ الْأَمْرَاضِ فَسُمِّيْتْ طَاعُونًا لِشَبَهِهَا بِهَا فِي الْهَلَاكِ ، وَإِلَّا فَكُلُّ طَاعُونٍ وَبَاءٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ وَبَاءٍ طَاعُونًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ وَيَسْوَدُّ مَا حَوَالَيْهِ أَوْ يَخْضَرُّ أَوْ يَحْمَرُّ حُمْرَةً شَدِيدَةً بَنَفْسَجِيَّةً كَدِرَةً وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانٌ وَقَيْءٌ ، وَيَخْرُجُ غَالِبًا فِي الْمَرَاقِ وَالْآبَاطِ ، وَقَدْ يَخْرُجُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَطِبَّاءِ مِنْهُمْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ سِينَا : الطَّاعُونُ مَادَّةٌ سُمَيَّةٌ تُحْدِثُ وَرَمًا قَتَّالًا يَحْدُثُ فِي الْمَوَاضِعِ الرَّخْوَةِ وَالْمَغَابِنِ مِنَ الْبَدَنِ وَأَغْلَبُ مَا تَكُونُ تَحْتَ الْإِبْطِ أَوْ خَلْفَ الْأُذُنِ أَوْ عِنْدَ الْأَرْنَبَةِ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . وَالْمُرَادُ بِالطَّاعُونِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي الْهَرَبِ عَنْهُ الْوَعِيدُ هُوَ الْوَبَاءُ وَكُلُّ مَوْتٍ عَامٍّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ إِثْبَاتُ الْحَذَرِ وَالنَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلتَّلَفِ ، وَفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ إِثْبَاتُ التَّوَكُّلِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ ، وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُطَوَّلًا ، وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَخْذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَهُمُ الْأَكْثَرُ . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : هُوَ كَالْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ . وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ إِلَى بِلَادِ الطَّاعُونِ ، وَخَرَجَ عَنْهَا ، وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَنَّهُ نَدِمَ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ سَرْغَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَمَسْرُوقٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ . وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ نَحْوَهُ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَمْ يَنْهَ عَنْ دُخُولِ أَرْضِ الطَّاعُونِ وَالْخُرُوجِ عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَهُ غَيْرُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ ، أَوْ يَهْلِكَ قَبْلَ أَجَلِهِ لَكِنْ حَذَارَ الْفِتْنَةِ عَلَى الْحَيِّ مِنْ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ هَلَاكَ مَنْ هَلَكَ لِأَجْلِ قُدُومِهِ ، وَنَجَاةَ مِنْ نَجَا لِفِرَارِهِ ، وَهَذَا نَحْوُ نَهْيِهِ عَنِ الطِّيَرَةِ وَالْقُرْبِ مِنَ الْمَجْذُومِ مَعَ قَوْلِهِ : لَا عَدْوَى . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : الطَّاعُونُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمُقِيمِ وَعَلَى الْفَارِّ ، أَمَّا الْفَارُّ فَيَقُولُ : فَرَرْتُ فَنَجَوْتُ ، وَأَمَّا الْمُقِيمُ فَيَقُولُ : أَقَمْتُ فَمُتُّ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَالشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضِ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الطَّاعُونِ ، فَقَالَ : كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍ فَيَكُونُ فِيهِ فَيَمْكُثُ لَا يَخْرُجُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ وَيَجِيءُ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ الْأَبْوَابِ .
بَابُ مَا يَقْرَأُ عَلَى الْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَقَالَ : إِنَّهَا مِنْ السُّنَّةِ بَاب مَا يَقْرَأُ عَلَى الْجَنَازَةِ ( فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ) : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بَيَانُ مَحَلِّ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ بِلَفْظِ وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى أَفَادَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ : إِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ ( فَقَالَ إِنَّهَا ) : أَيْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ ( مِنَ السُّنَّةِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ مَشْرُوعِيَّتَهَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَنَقَلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهَا قِرَاءَةٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْكُوفِيِّينَ انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ ، قَالَهُ شَيْخُنَا زَيْنُ الدِّينِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ . وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي الْمَيِّتِ يُسَجَّى حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حدثنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُجِّيَ فِي ثَوْبِ حِبَرَةٍ بَاب فِي الْمَيِّتِ يُسَجَّى ( سُجِّيَ ) : بِضَمِّ السِّينِ وَبَعْدهَا جِيمٌ مُشَدَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ أَيْ غُطِّيَ وَسُتِرَ بَعْدَ الْمَوْتِ قَبْلَ الْغُسْلِ ( فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ : بُرْدُ حِبَرَةٍ بِوَزْنِ عِنَبَةٍ عَلَى الْوَصْفِ وَالْإِضَافَةِ ، وَهُوَ بُرْدٌ يَمَانٍ وَالْجَمْعُ حِبَرٌ وَحِبَرَاتٌ ، انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : حِبَرَةٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَهِيَ ثَوْبٌ فِيهِ أَعْلَامٌ ، وَهِيَ ضَرْبٌ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْجِيَةِ الْمَيِّتِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَحِكْمَتُهُ صِيَانَتُهُ مِنَ الِانْكِشَافِ وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ الْمُتَغَيِّرَةِ عَنِ الْأَعْيُنِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
بَابٌ : فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيَادَةُ لَفْظِ : سُفْيَانَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ وَبَيْنَ هَمَّامٍ ؛ أَيْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَنَا سُفْيَانُ نَا هَمَّامُ ، لَكِنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَلَطٌ . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ حَدِيثُ كَانَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ كِلَاهُمَا عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ سَيْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ هَمَّامٍ بِهِ ، وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ مَوْقُوفًا قَالَهُ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ ( وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ شَرِيعَتِهِ وَطَرِيقَتِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمَوْقُوفًا .
بَابُ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ الْمَرْوَزِيُّ الْمَعْنَى قَالَا : َنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ الْعَلَاءِ بَاب الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْمَيِّتِ ( عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ) : هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَآخِرِهِ لَامٌ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( عَلَى مَوْتَاكُمْ ) : أَيِ الَّذِينَ حَضَرَهُمُ الْمَوْتُ . وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي قِرَاءَتِهَا أَنْ يَسْتَأْنِسَ الْمُحْتَضَرُ بِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ . قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ : الْأَمْرُ بِقِرَاءَةِ يَس عَلى من شَارَفَ الْمَوْتَ مَعَ وُرُودِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ وَقَلْبُ الْقُرْآنِ يَس . إِيذَانٌ بِأَنَّ اللِّسَانَ حِينَئِذٍ ضَعِيفُ الْقُوَّةِ وَسَاقِطُ الْمِنَّةِ لَكِنَّ الْقَلْبَ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ بِكُلِّيَّتِهِ ، فَيُقْرَأُ عَلَيْهِ مَا يَزْدَادُ قُوَّةَ قَلْبِهِ ، وَيَسْتَمِدُّ تَصْدِيقَهُ بِالْأُصُولِ فَهُوَ إِذْنْ عَمَلُهُ وَمُهِمُّهُ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَأَبُو عُثْمَانَ وَأَبُوهُ لَيْسَا بِمَشْهُورَيْنِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ .
بَابُ إِذَا حَضَرَ جَنَائِزُ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مَنْ يُقَدَّمُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ ، حدثنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ صَبِيحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمَّارٌ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةَ أُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا ، فَجُعِلَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَأَبُو قَتَادَةَ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالُوا : هَذِهِ السُّنَّةُ باب إذا حضر جنائز رجال ونساء ، من يقدم ( أُمِّ كُلْثُومٍ وَابْنِهَا ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : أُمُّ كُلْثُومٍ هَذِهِ هِيَ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ زَوْجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَابْنُهَا هُوَ زَيْدٌ الْأَكْبَرُ ابْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ مَاتَ هُوَ وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَلَمْ يُدْرَ أَيُّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا ، فَلَمْ يُوَرَّثْ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ انْتَهَى . ( فَجُعِلَ الْغُلَامُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ ) : وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ قَالَ حَضَرَتْ جِنَازَةُ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ فَقُدِّمَ الصَّبِيُّ مِمَّا يَلِي الْقَوْمَ وَوُضِعَتِ الْمَرْأَةُ وَرَاءَهُ فَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ أُخْرِجَتْ جَنَازَتَاهُمَا فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فَجَعَلَ الْمَرْأَةَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّجُلِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ وَعِنْدَ سَعِيدٍ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ وَابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ تُوُفِّيَا جَمِيعًا فَأُخْرِجَتْ جَنَازَتَاهُمَا فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ ، فَسَوَّى بَيْنَ رُؤوسِهِمَا وَأَرْجُلِهِمَا حِينَ صَلَّى عَلَيْهِمَا . وَحَدِيثُ عَمَّارٍ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ وَفِي الْقَوْمِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَنَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ نَفْسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى سَبْعِ جَنَائِزَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ فَجَعَلَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَجَعَلَ النِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ، وَصَفَّهُمْ صَفًّا وَاحِدًا ، وَوُضِعَتْ جِنَازَةُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ امْرَأَةِ عُمَرَ وَابْنٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ ، وَالْإِمَامُ يَوْمئِذٍ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ ، وَفِي النَّاسِ يَوْمئِذٍ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو قَتَادَةَ فَوُضِعَ الْغُلَامُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ فَقُلْتُ مَا هَذَا قَالُوا السُّنَّةُ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى . قَالَ الْحَافِظُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ . وَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَلَاةً وَحَمْزَةُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ صَلَاةً . وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْجَنَائِزِ بِالْمَدِينَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَيَجْعَلُونَ الرِّجَالَ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالنِّسَاءَ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ هِيَ السُّنَّةُ ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ ذَلِكَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَالِمٌ وَالْقَاسِمُ : النِّسَاءُ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالرِّجَالُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَطَاءٍ انْتَهَى . ( هَذِهِ السُّنَّةُ ) : أَيْ فِي وَضْعِ الْجَنَائِزِ فَيُوضَعُ الرِّجَالُ ثُمَّ النِّسَاءُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ مَعَ امْرَأَةٍ كَانَ الصَّبِيُّ مِمَّا يَلِي الْإِمَامَ وَالْمَرْأَةُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ ، وَكَذَلِكَ إِذَا اجْتَمَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَصَلَّى عَلَى الرَّجُلِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
بَابُ الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَجَعْفَرٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ . بَاب الْجُلُوسِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ( يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ ) : جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ . كَأَنَّهُ كَظْمُ الْحُزْنِ كَظْمًا فَظَهَرَ مِنْهُ مَا لَا بُدَّ لِلْجِبِلَّةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْهُ ( وَذَكَرَ الْقِصَّةَ ) : وَتَمَامُ الْقِصَّةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ سَائِرِ الْبَابِ ، شِقِّ الْبَابِ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ ، فَقَالَ : إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يَطْعَنْهُ . الْحَدِيثَ قَالَ الْحَافِظُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ جَوَازُ الْجُلُوسِ لِلْعَزَاءِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ ، وَجَوَازِ نَظَرِ النِّسَاءِ الْمُحْتَجِبَاتِ إِلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ .
بَابُ الْمَشْيِ فِي الْعِيَادَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي لَيْسَ بِرَاكِبٍ بَغْلا ، وَلَا بِرْذَوْنا بَاب الْمَشْيِ فِي الْعِيَادَةِ ( وَلَا بِرْذَوْنًا ) : قَالَ الْعَيْنِيُّ : الْبِرْذَوْنُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي الْأُنْثَى : بِرْذَوْنَةٌ . وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : الْبِرْذَوْنُ التُّرْكِيُّ مِنَ الْخَيْلِ . قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ . وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ : الْمُرَادُ هُنَا مُطْلَقُ الْفَرَسِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ .
بَابٌ : التَّعْزِيَةِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْهَمْدَانِيُّ ، قال : نا الْمُفَضَّلُ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيِّ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِىِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي مَيِّتًا فَلَمَّا فَرَغْنَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ ، فَلَمَّا حَاذَى بَابَهُ وَقَفَ فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ قَالَ : أَظُنُّهُ عَرَفَهَا ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ إِذَا هِيَ فَاطِمَةُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : أَتَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ ، فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ ، أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَعَلَّكِ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدا ؟ قَالَتْ : مَعَاذَ اللَّهِ ، وَقَدْ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ فِيهَا مَا تَذْكُرُ قَالَ : لَوْ بَلَغْتِ مَعَهُمْ الْكُدَا فَذَكَرَ تَشْدِيدًا فِي ذَلِكَ فَسَأَلْتُ رَبِيعَةَ عَنْ الْكُدَا فَقَالَ : الْقُبُورُ فِيمَا أَحْسَبُ . بَاب التَّعْزِيَةِ أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ مَشْرُوعِيَّتِهَا . ( قَبَرْنَا ) : يَعْنِي دَفَنَّا ( فَلَمَّا فَرَغْنَا ) : مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ ( فَلَمَّا حَاذَى ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَقَفَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ( أَظُنُّهُ ) : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَرَفَهَا ) : أَيِ الْمَرْأَةَ الْمُقْبِلَةَ ( فَلَمَّا ذَهَبَتْ ) أَيِ الْمَرْأَةُ الْمُقْبِلَةُ ( إِذَا هِيَ ) : أَيِ الْمَرْأَةُ . وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ بَصُرَ بِامْرَأَةٍ لَا تَظُنُّ أَنَّهُ عَرَفَهَا ، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الطَّرِيقَ وَقَفَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَقَالَ لَهَا ) : أَيْ لِفَاطِمَةَ ( فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ ) : مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَتَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ أَيْ تَرَحَّمْتُ مَيِّتَهُمْ وَقُلْتُ فِيهِ : رَحِمُ اللَّهُ مَيِّتَكُمْ مُفْضِيًا ذَلِكَ إِلَيْهِمْ لِيَفْرَحُوا بِهِ . قَالَهُ السِّنْدِيُّ ( أَوْ عَزَّيْتَهُمْ بِهِ ) : هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ، وَهَذَا الشَّكُّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِحَرْفِ الْعَاطِفَةِ وَعَزَّيْتَهُمْ بِمَيِّتِهِمْ ، انْتَهَى . وَعَزَّيْتُهُمْ مِنَ التَّعْزِيَةِ أَيْ أَمَرْتُهُمْ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ . بِنَحْوِ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ . قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : الْعَزَاءُ الصَّبْرُ عَنْ كُلِّ مَا فَقَدْتَ ، انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ : وَالتَّعْزِيَةُ التَّصَبُّرُ ، وَعَزَّاهُ صَبَّرَهُ ، فَكُلُّ مَا يَجْلِبُ لِلْمُصَابِ صَبْرًا يُقَالُ لَهُ : تَعْزِيَةً بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ وَيَحْصُلُ بِهِ لِلْمُعَزِّي الْأَجْرُ وَأَحْسَنُ مَا يُعَزَّى بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ : إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسْمًى ، فَمُرْهَا فَلَتَصْبِرْ . الْحَدِيثَ . ( فَقَالَ لَهَا ) : أَيْ لَفَاطِمَةَ ( بَلَغْتُ مَعَهُمُ الْكُدَى ) : هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ الْمَقْصُورَةِ وَهِيَ الْمَقَابِرُ . قَالَهُ الْحَافِظُ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَرَادَ الْمَقَابِرَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَقَابِرُهُمْ فِي مَوَاضِعَ صُلْبَةٍ وَهِيَ جَمْعُ كُدْيَةٍ ، وَالْكُدْيَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ صُلْبَةٌ لَا يَعْمَلُ فِيهَا الْفَأْسُ ، وَيُرْوَى بِالرَّاءِ يَعْنِي الْكُرَى وَهِيَ الْقُبُورُ أَيْضًا جَمْعُ كُرْيَةٍ أَوْ كُرْوَةٍ مِنْ كَرَيْتَ الْأَرْضَ وَكَرَوْتَهَا إِذَا حَفَرْتَهَا كَالْحُفْرَةِ مِنْ حَفَرْتَ ( قَالَتْ ) : فَاطِمَةُ ( مَعَاذَ اللَّهِ وَقَدْ ) : الْوَاوُ لِلْحَالِ ، زَادَ النَّسَائِيُّ : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَكُونَ بَلَغْتُهَا ( فِيهَا ) : أَيْ فِي الْكُدَى ( فَذَكَرَ تَشْدِيدًا فِي ذَلِكَ ) : هَذَا مِنْ أَدَبِ أَبِي دَاوُدَ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِاللَّفْظِ الْوَارِدِ فِي رِوَايَةٍ وَكَنَّى عَنْهُ ، فَرَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَمَّنِ اقْتَدَى بِهِ ، وَالتَّصْرِيحُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَتَكَلَّمْنَا عَلَى تَأْوِيلِهِ فِي زَهْرِ الرُّبَى وَفِي الْمَسَالِكِ الْحُنَفَاءِ ، قَالَهُ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْزِيَةِ وَعَلَى جَوَازِ خُرُوجِ النِّسَاءِ لَهَا ، وَتَمَامُ الْحَدِيثِ كَمَا فِي النَّسَائِيِّ فَقَالَ لَهَا : لَوْ بَلَغْتِهَا مَعَهُمْ مَا رَأَيْتِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرَاهَا جَدُّ أَبِيكِ ، انْتَهَى . قَالَ السِّنْدِيُّ : وَظَاهِرُ السَّوْقِ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ : مَا رَأَيْتِ أَبَدًا كَمَا لَمْ يَرَهَا فُلَانٌ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ مِنْ قَبِيلِ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ غَيْرَ الشِّرْكِ لَا تُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّغْلِيظِ فِي حَقِّهَا ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ فِي حَقِّهَا أَنَّهَا لَوِ ارْتَكَبَتْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةَ لَأَفَضْتْ بِهَا إِلَى مَعْصِيَةٍ فتَكَوْنُ مُؤَدِّيَةً إِلَى مَا ذَكَرَ . وَالسُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مُشَمِّرٌ بِهِ الْقَوْلُ بِنَجَاةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لِذَلِكَ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ : أَقُولُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ الْمُتَوَهِّمُونَ لِأَنَّهُ لَوْ مَشَتِ امْرَأَةٌ مَعَ جِنَازَةٍ إِلَى الْمَقَابِرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُفْرًا مُوجِبًا لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ ، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَبَائِرِ الَّتِي يُعَذَّبُ صَاحِبُهَا ثُمَّ يَكُونُ آخِرُ أَمْرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُؤَوِّلُونَ مَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا يَدْخُلُونَهَا مَعَ السَّابِقِينَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَهَا أَوَّلًا بِغَيْرِ عَذَابٍ ، فَغَايَةُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ بَلَغَتْ مَعَهُمُ الْكُدَى لَمْ تَرَ الْجَنَّةَ مَعَ السَّابِقِينَ ، بَلْ يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ عَذَابٌ أَوْ شِدَّةٌ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَاقِّ ثُمَّ يَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ قَطْعًا وَيَكُونُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَذَلِكَ لَا يَرَى الْجَنَّةَ مَعَ السَّابِقِينَ بَلْ يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ الِامْتِحَانُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَشَاقَّ أُخَرَ ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ لَمْ تَرَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الَّذِي يَرَاهَا فِيهِ جَدُّ أَبِيكِ فَتَرَيْنَهَا حِينَئِذٍ ، فَتَكُونُ رُؤْيَتُكَ لَهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ رُؤْيَةِ غَيْرِكِ مِنَ السَّابِقِينَ لَهَا . هَذَا مَدْلُولُ الْحَدِيثِ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَالَّذِي سَمِعْتُهُ مِنْ شَيْخِنَا شَيْخِ الْإِسْلَامِ شَرَفِ الدِّينِ الْمُنَاوِيِّ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ : هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْ لَهُمُ الدَّعْوَةُ وَحُكْمُهُمْ فِي الْمَذْهَبِ مَعْرُوفٌ ، انْتَهَى كَلَامُ السُّيُوطِيِّ . قُلْتُ : الْقَوْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ السِّنْدِيُّ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِنَجَاةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ السُّيُوطِيِّ فَكَلَامٌ ضَعِيفٌ خِلَافٌ لِجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنَ الْمُتَسَاهِلِينَ ، وَلَا عِبْرَةَ بِكَلَامِهِ فِي هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَرَبِيعَةُ هَذَا الَّذِي هُوَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ رَبِيعَةُ بْنُ سَيْفٍ الْمَعَافِرِيُّ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ مِصْرَ وَفِيهِ مَقَالٌ .
بَابُ الدَّفْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعٌ ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ قَالَ : ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ، أَوْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا : حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ ، أَوْ كَمَا قَالَ باب الدفن عند طلوع الشمس وغروبها ( أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ) : أَيْ فِي السَّاعَاتِ الثَّلَاثَةِ ( أَوْ نَقْبُرَ ) : عَلَى زِنَةِ نَنْصُرَ أَيْ نَدْفِنَ ( حِينَ تَطْلُعُ ) : بَيَانٌ لساعَاتِ الثَّلَاثة ( حِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ) : أَيْ قِيَامُ الشَّمْسِ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْ قَوْلِهِمْ قَامَتْ بِهِ دَابَّتُهُ أَيْ وَقَفَتْ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بَلَغَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ أَبْطَأَتْ حَرَكَةَ الظِّلِّ إِلَى أَنْ تَزُولَ فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ الْمُتَأَمِّلُ أَنَّهَا قَدْ وَقَفَتْ وَهِيَ سَائِرَةٌ لَكِنْ سَيْرًا لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ سَرِيعٌ كَمَا يَظْهَرُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ ، فَيُقَالُ لِذَلِكَ الْوُقُوفِ الْمُشَاهَدِ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ . قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ( تَضَّيَّفُ ) : مَعْنَاهُ تَمِيلُ وَتَجْنَحُ لِلْغُرُوبِ ، يُقَالُ ضَافَ الشَّيْءَ يَضِيفُ بِمَعْنَى يَمِيلُ . وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَالدَّفْنِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ السَّاعَاتِ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَرَى الصَّلَاةَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ ، وَكَذَلِكَ الدَّفْنُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ . وَقَوْلُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ انْتَهَى .
بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ المصيبة حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَتَى نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا : اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي ، فَقَالَتْ : وَمَا تُبَالِي أَنْتَ بِمُصِيبَتِي فَقِيلَ لَهَا : هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَتْهُ فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ : إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى أَوْ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ بَاب الصَّبْرِ عِنْدَ المصيبة ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَهَا ) : أَيْ لِلْمَرْأَةِ الْبَاكِيَةِ ( وَاصْبِرِي ) : حَتَّى تُؤْجَرِي ( فَقَالَتِ ) : امَرْأَةُ بَاكِيَةُ جَاهِلَةً بِمَنْ يُخَاطِبُهَا ، وَظَانَّةً أَنَّهُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ ( وَمَا تُبَالِي ) : بِصِيغَةِ الْمُخَاطَبِ الْمَعْرُوفِ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ ، يُقَالُ : بَالَاهُ وَبَالَى بِهِ مُبَالَاةً أَيِ اهْتَمَّ بِهِ وَاكْتَرَثَ لَهُ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُقَالُ : مَا بَالَيْتُهُ وَمَا بَالَيْتُ بِهِ أَيْ لَمْ أَكْتَرِثْ بِهِ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى أَنْتَ لَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي وَلَا تَعْبَأُ بِهَا وَلَا تَعْتَنِي وَلَا تَهْتَمُّ بِشَأْنِهَا . قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ : اكْتَرَثَ لَهُ بَالَى بِهِ ، يُقَالُ : هُوَ لَا يَكْتَرِثُ لِهَذَا الْأَمْرِ أَيْ لَا يَعْبَأُ بِهِ وَلَا يُبَالِيهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الِاكْتِرَاثُ الِاعْتِنَاءُ وَلَفْظُ الْمَصَابِيحِ مِنْ رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ : فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ لَمْ تُبْتَلَ ( بِمُصِيبَتِي ) : أَيْ بِعَيْنِهَا أَوْ بِمِثْلِهَا عَلَى زَعْمِهَا ( فَقِيلَ لَهَا ) : أَيْ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( هَذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فَنَدِمَتْ ( فَأَتَتْهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بَوَّابِينَ ) : كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ ( لَمْ أَعْرِفْكَ ) : أَيْ فَلَا تَأْخُذْ عَلَيَّ . قَالَ الطِّيبِيُّ : كَأَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَهَّمَتْ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُلُوكِ ، فَقَالَتِ اعْتِذَارًا لَمْ أَعْرِفْكَ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصدمة الْأُولَى ) : مَعْنَاهُ الصَّبْرُ الْكَامِلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ الْجَزِيلُ لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ . وَأَصْلُ الصَّدْمِ الضَّرْبُ فِي شَيْءٍ صُلْبٍ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ مَجَازًا فِي كُلِّ مَكْرُوهٍ حَصَلَ بَغْتَةً . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْقَارِيُّ : مَعْنَاهُ عِنْدَ الْحَمْلَةِ الْأُولَى وَابْتِدَاءِ الْمُصِيبَةِ وَأَوَّلِ لُحُوقِ الْمَشَقَّةِ ، وَإِلَّا فَكُلُّ أَحَدٍ يَصْبِرُ بَعْدَهَا ، انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ ، مِنْهَا مَا كَانَ فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالرِّفْقِ بِالْجَاهِلِ ، وَمُسَامَحَةِ الْمُصَابِ ، وَقَبُولِ اعْتِذَارِهِ ، وَمُلَازَمَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَحْجُبُهُ عَنْ حَوَائِجِ النَّاسِ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَزَعَ مِنَ الْمَنْهِيَّاتِ لِأَمْرِهِ لَهَا بِالتَّقْوَى مَقْرُونًا بِالصَّبْرِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي عِيَادَة الذِّمِّيِّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادٌ - يَعْنِي : ابْنَ زَيْدٍ - عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ : أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ فَأَسْلَمَ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ بِي مِنْ النَّارِ بَاب فِي عِيَادَةِ الذِّمِّيِّ ( أَنَّ غُلَامًا ) : أَيْ وَلَدًا ( مِنَ الْيَهُودِ كَانَ مَرِضَ ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ ( فَقَعَدَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عِنْدَ رَأْسِهِ ) : أَيِ الْغُلَامِ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَهُ ) : أَيْ لِلْغُلَامِ ( فَنَظَرَ ) : أَيِ الْغُلَامُ ( وَهُوَ ) : أَيْ أَبُو الْغُلَامِ ( فَقَالَ لَهُ ) : أَيْ لِلْغُلَامِ ( فَأَسْلَمَ ) : الْغُلَامُ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورِ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ( وَهُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْقَذَهُ ) : أَيْ خَلَّصَهُ وَنَجَّاهُ ( بِي ) : أَيْ بِسَبَبِي ( مِنَ النَّارِ ) : أَيْ لَوْ مَاتَ كَافِرًا . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الْمُشْرِكِ وَعِيَادَتِهِ إِذَا مَرِضَ ، وَفِيهِ حُسْنُ الْعَهْدِ وَاسْتِخْدَامُ الصَّغِيرِ وَعَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَوْلَا صِحَّتُهُ مِنْهُ مَا عَرَضَهُ عَلَيْهِ ، وَفِي قَوْلِهِ : أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَحَّ إِسْلَامُهُ وَعَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا عَقَلَ الْكُفْرَ وَمَاتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُعَذَّبُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ . قِيلَ : يُعَادُ الْمُشْرِكُ لِيُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ إِذَا رُجِيَ إِجَابَتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْيَهُودِيَّ أَسْلَمَ حِينَ عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامَ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُطْمَعْ فِي إِسْلَامِ الْكَافِرِ وَلَا يُرْجَى إِنَابَتُهُ فَلَا يَنْبَغِي عِيَادَتُهُ ، وَقَدْ عَادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ . وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا قَالَ : أَتَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ وَهُمَا مَاشِيَانِ . وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا كُلُّ ذَلِكَ سُنَّةٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ وَسَعْدٌ ، وَأَحْسَبُ أُبَيًّا أَنَّ ابْنِي أَوْ ابِنْتِي قَدْ حُضِرَ فَاشْهَدْنَا ، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ ، فَقَالَ : قُلْ : لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَرْسَلَتْ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَأَتَاهَا ، فَوُضِعَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : إِنَّهَا رَحْمَةٌ يَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ بَاب فِي الْبُكَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ أَيْ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ . ( أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَأَنَا مَعَهُ ) : أَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَأَحْسِبُ أُبَيًّا ) : أَنَّهُ كَانَ أَيْضًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ ابْنِي أَوِ ابْنَتِي ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( قَدْ حُضِرَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ قَرُبَ حُضُورِ الْمَوْتِ ( فَاشْهَدْنَا ) : أَيِ احْضُرْنَا ( فَأَرْسَلَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ( يُقْرِئُ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( السَّلَامَ ) : عَلَيْهَا ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرِّجَلِ تَسْلِيَةً لَهَا ( قُلْ لِلَّهِ مَا أَخْذَ وَمَا أَعْطَى ) : قَدَّمَ ذِكْرَ الْأَخْذِ عَلَى الْإِعْطَاءِ وَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا فِي الْوَاقِعِ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ أَعْطَاهُ ، فَإِنْ أَخَذَهُ أَخَذَ مَا هُوَ لَهُ ، فَلَا يَنْبَغِي الْجَزَعُ ، لِأَنَّ مُسْتَوْدَعَ الْأَمَانَةِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْزَعَ إِذَا اسْتُعِيدَتْ مِنْهُ . وَمَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ التَّقْدِيرُ لِلَّهِ الْأَخْذُ وَالْإِعْطاءُ ، وَعَلَى الثَّانِي لِلَّهِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ ، وَلَهُ مَا أَعْطَى مِنْهُمْ ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ( عِنْدَهُ ) : أَيْ عِنْدَ اللَّهِ ( إِلَى أَجَلٍ ) : مَعْلُومٍ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَالْأَجَلُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَدِّ الْأَخِيرِ وَعَلَى مَجْمُوعِ الْعُمْرِ ، وَمَعْنَى عِنْدَهُ فِي عِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ ( فَأَرْسَلَتْ ) : أَيْ بِنْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الْحَافِظُ : هِيَ زَيْنَبُ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ( تُقْسِمُ عَلَيْهِ ) : أَيْ تَحْلِفُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُقْسِمُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا ( فَأَتَاهَا ) أَيْ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته ( فِي حِجْرِ ) : بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ( وَنَفْسُهُ ) : أَيْ رُوحُ الصَّبِيِّ ( تَقَعْقَعَ ) : جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ وَقَعَتْ حَالًا أَيْ تَضْطَرِبُ وتَتَحَرَّكُ وَلَا تَثْبُتُ عَلَى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ( فَفَاضَتْ ) : أَيْ سَالَتْ وَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ ، وَالْمَعْنَى نَزَلَ الدَّمْعُ عَنْ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( سَعْدٌ ) : هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ كَمَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ ( مَا هَذَا الْبُكَاءُ ) : أَيْ مِنْكَ ( قَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّهَا ) : أَيِ الدَّمْعَةُ ( رَحْمَةٌ ) أَيْ أَثَرٌ مِنْ آثَارِهَا ( يَضَعُهَا ) : أَيِ الرَّحْمَةُ ( الرُّحَمَاءَ ) : جَمْعُ رَحِيمٍ بِمَعْنَى الرَّاحِمِ ، أَيْ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ مَنِ اتَّصَفَ بِأَخْلَاقِهِ وَيَرْحَمُ عِبَادَهُ . قَالَهُ الطِّيبِيُّ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : وَكَلِمَةُ مِنْ بَيَانِيَّةٌ ، وَالرُّحَمَاءُ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ يَرْحَمُ اللَّهُ ، وَمِنْ عِبَادِهِ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الرُّحَمَاءِ . وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِحْضَارِ ذَوِي الْفَضْلِ لِلْمُحْتَضِرِ لِرَجَاءِ بَرَكَتِهِمْ وَدُعَائِهِمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْقَسَمِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْمَشْيِ إِلَى التَّعْزِيَةِ وَالْعِيَادَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ بِخِلَافِ الْوَلِيمَةِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِبْرَارِ الْقَسَمِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ ، حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ أَنَسٌ : لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا ، إِنَّا بِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ( لَقَدْ رَأَيْتُهُ ) : أَيْ إِبْرَاهِيمُ ( يَكِيدُ بِنَفْسِهِ ) : قَالَ الْعَيْنِيُّ : أَيْ يَسُوقُ بِهَا مِنْ كَادَ يَكِيدُ أَيْ قَارَبَ الْمَوْتَ ( فَدَمَعَتْ ) أَيْ سَالَتْ ( فَقَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّا بِكَ ) : أَيْ بِفِرَاقِكَ ( لَمَحْزُونُونَ ) : أَيْ طَبْعًا وَشَرْعًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : هَذَا الْحَدِيثُ يُفَسِّرُ الْبُكَاءَ الْمُبَاحَ وَالْحُزْنَ الْجَائِزَ وَهُوَ مَا كَانَ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَرِقَّةِ الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ سُخْطِ لِأَمْرِ اللَّهِ . قَالَهُ الْحَافِظُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، عَنْ الضَّحَّاكِ يَعْنِي : ابْنَ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ سُهَيْلٍ ، وَأَخِيهِ ( سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ ) : عَطْفُ بَيَانٍ لِابْنَيْ بَيْضَاءَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ ذِكْرُ الْقَسَمِ انْتَهَى . هَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ فِي الْمَسْجِدِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُعْجِبُنِي وَكَرِهَهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِنَجَاسَةِ الْمَيِّتِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ مِنْهُمْ فَلِخَشْيَةِ التَّلْوِيثِ ، وَحَمَلُوا الصَّلَاةَ عَلَى سُهَيْلٍ بِأَنَّهُ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَالْمُصَلُّونَ دَاخِلُهُ ، وَذَلِكَ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ عَائِشَةَ اسْتَدَلَّتْ بِذَلِكَ لَمَّا أَنْكَرُوا عَلَيْهَا أَمْرَهَا بِالْمُرُورِ بِجِنَازَةِ سَعْدٍ عَلَى حُجْرَتِهَا لِتُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْعَمَلَ اسْتَقَرَّ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَنْكَرُوا ذَلِكَ عَلَى عَائِشَةَ كَانُوا مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ الْإِنْكَارَ سَلَّمُوا لَهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا حَفِظَتْ مَا نَسُوُهُ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَسْجِدِ ، وَأَنَّ صُهَيْبًا صَلَّى عَلَى عُمَرَ فِي الْمَسْجِدِ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ وَوُضِعَتِ الْجِنَازَةُ فِي الْمَسْجِدِ تُجَاهَ الْمِنْبَرِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، حَدَّثَنِي صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ( فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) : هَكَذَا وَقَعَ فِي نُسْخَتَيْنِ عَتِيقَتَيْنِ لَفْظَةُ عَلَيْهِ وَوَقَعَ فِي نُسْخَةٍ عَتِيقَةٍ لَفْظَةُ لَهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ الْخَطِيبُ كَذَا فِي الْأَصْلِ انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي ثَلَاثٍ مِنَ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ قَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ وَقَالَ الْخَطِيبُ : الْمَحْفُوظُ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَرُوِيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَرُوِيَ فَلَا أَجْرَ لَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رِوَايَةُ فَلَا أَجْرَ لَهُ خَطَأٌ فَاحِشٌ انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأمَةِ ضَعَّفُوهُ ، وَكَانَ قَدْ نَسِيَ حَدِيثَهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ . وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ صُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَامَّةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ شَهِدُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا فَفِي تَرْكِهِمْ إِنْكَارَهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ إِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ مُتَأَوَّلًا عَلَى نُقْصَانِ الْأَجْرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا فِي مَسْجِدٍ فَإِنَّ الْغَائِبَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَشْهَدَ دَفْنَهُ ، وَأَنَّ مَنْ سَعَى فِي الْجِنَازَةِ فَصَلَّى عَلَيْهَا بِحَضْرَةِ الْمَقَابِرِ شَهِدَ دَفْنَهُ فَأَحْرَزَ أَجْرَ الْقِيرَاطَيْنِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ ، وَمَنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ ، وَالْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ ، وَقَدْ يُؤْجَرُ عَلَى كَثْرَةِ خُطَاهُ ، فَصَارَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ مَنْقُوصَ الْأَجْرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهَا بَرّا انْتَهَى . وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُصَلِّي مِنَ الْإِثْمِ فِيهَا . وَقِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ أَيْ لَا شَيْءَ لِلْمُصَلِّي مِنْ زِيَادَةِ الْفَضْلِ فِي أَدَاءِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ بَلِ الْمَسْجِدُ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ ، وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأمَةِ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى . قُلْتُ : صَالِحُ بْنُ نَبْهَانَ مَوْلَى التَّوْأمَةِ قَالَ ابْنُ مُعِينٍ ثِقَةٌ حُجَّةٌ سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُفَ ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ فَهُوَ ثَبَتٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِرِوَايَةِ الْقُدَمَاءِ عَنْهُ : كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ .
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ فِي الْمَسْجِدِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ عَجْلَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : وَاللَّهِ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ ، إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ باب الصلاة على الجنازة في المسجد ( عَلَى سُهَيْلِ بْنِ الْبَيْضَاءِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : بَنُو بَيْضَاءَ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ وَصَفْوَانُ ، وَأُمُّهُمْ الْبَيْضَاءُ اسْمُهَا دَعْدٌ وَالْبَيْضَاءُ وَصْفٌ ، وَأَبُوهُمْ وَهْبُ بْنُ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ ، وَكَانَ سُهَيْلٌ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَحْدَهُ ذِكْرُ الْقَسَمِ .
بَابٌ : فِي الْعِيَادَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ . قَالَ : قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ قَالَ : فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أسَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ فَمَهْ ؟ فَلَمَّا مَاتَ أَتَاهُ ابْنُهُ فَقَالَ : يَا نبي اللَّهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَدْ مَاتَ فَأَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ ، فَنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ بَاب فِي الْعِيَادَةِ ( فَلَمَّا دَخَلَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَافِقِ ( فِيهِ ) : أَيْ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ ) : أَيِ الْيَهُودَ ( فَمَهْ ) : أَيْ فَمَاذَا حَصَلَ لَهُ بِبُغْضِهِمْ ، فَالْهَاءُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْأَلِفِ وَأَصْلُهُ فَمَا ، أَوْ هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى اسْكُتْ ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ حبهُمْ وَلَا يَنْفَعُ بُغْضُهُمْ ، وَلَوْ نَفَعَ بُغْضُهُمْ لَمَا مَاتَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، وَهَذَا مِنْ قِلَّةِ فَهْمِهِ وَقُصُورِ نَظَرِهِ عَلَى أَنَّ الضَّرَرَ وَالنَّفْعَ هُوَ الْمَوْتُ أَوِ الْخَلَاصُ عَنْهُ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَلَمَّا مَاتَ ) : أَيْ عَبْدُ اللَّهِ ( أَتَاهُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ابْنُهُ ) : أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مُؤْمِنًا ( فَقَالَ ) : أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( أُكَفِّنُهُ ) : مِنْ بَابِ الإفعال أَيْ أُكَفِّنُ عَبْدَ اللَّهِ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي قَمِيصِكَ ( فَأَعْطَاهُ ) : أَيْ فَأَعْطَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ( إِيَّاهُ ) : أَيْ قَمِيصَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَهُ عَبْدُ اللَّهِ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسهُ قَمِيصَهُ ، قِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ شَاهَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يُشَاهِدِ ابْنُ عُمَرَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ قَمِيصَ الْكَفَنِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَأَلْبَسهُ آخَرَ وَاخْتَلَفُوا : لِمَ أَعْطَاهُ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ إِكْرَامَ وَلَدِهِ فَقَدْ كَانَ مُسْلِمًا بَرِيئًا مِنَ النِّفَاقِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ : لَا . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَعْطَى الْعَبَّاسَ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصًا لَمَّا أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبَّاسِ ثِيَابٌ يَوْمئِذٍ ، فَأَرَادَ أَنْ يُكَافِئَهُ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ لِمُنَافِقٍ عِنْدَهُ يَدٌ لَمْ يُجَازِهِ عَلَيْهَا . وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أن نزلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، نا الْحَجَّاجُ عَامِلٌ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الرَّبَذَةِ ، قال : حَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ ، عَنْ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ قَالَتْ : كَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَعْرُوفِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْصِيَهُ فِيهِ أَنْ لَا نَخْمُشَ وَجْهًا ، وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا ، وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا ، وَ لَا نَنْشُرَ شَعَرًا ( أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ ) : بِالْفَتْحِ هُوَ الْبَرَّادُ . قَالَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَفِي التَّهْذِيبِ : أَظُنُّهُ غَيْرَ الْبَرَّادِ ، فَإِنَّ الْبَرَّادَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حَجَّاجٌ الَّذِي رَوَى عَنْهُ حَجَّاجُ بْنُ صَفْوَانَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ ) : قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَهِيَ صَحَابِيَّةٌ لَهَا حَدِيثٌ ( أَنْ لَا نَعْصِيَهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِيهِ ) : أَيْ فِي الْمَعْرُوفِ ( أَنْ لَا نَخْمِشَ ) : أَيْ لَا نَخْدِشَ ( وَلَا نَدْعُوَ وَيْلًا ) : وَالْوَيْلُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ : وَاوَيْلَاهُ ( وَلَا نَشُقَّ جَيْبًا ) : الْجَيْبُ هُوَ مَا يُفْتَحُ مِنَ الثَّوْبِ لِيَدْخُلَ فِيهِ الرَّأْسُ وَهُوَ الطَّوْقُ فِي لُغَةِ الْعَامَّةِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . ( وَلَا نَنْشُرَ شَعْرًا ) : أَيْ لَا نَنْشُرُ وَلَا نُفَرِّقُ شَعْرًا ، يُقَالُ نَشَرَ الشَّيْءَ فَرَّقَهُ ، نَشَرَ الرَّاعِي غَنَمَهُ أَيْ بَثَّهُ بَعْدَ أَنْ آوَاهَا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ الْبَرَّادُ عَنِ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ ، حَدِيثُهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجَنَائِزِ ، ثُمَّ قَالَ : وَرَوَاهُ الْقنبِيُّ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَسِيدِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ الْبَرَّادِ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّائِحَةَ ، وَالْمُسْتَمِعَةَ ( عَنْ أَبِيهِ ) : وَهُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ ( عَنْ جَدِّهِ ) : أَيْ جَدِّ مُحَمَّدٍ وَهُوَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ( النَّائِحَةَ ) : يُقَالُ : نَاحَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى الْمَيِّتِ إِذَا نَدَبَتْهُ أَيْ بَكَتْ عَلَيْهِ وَعَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ . وَقِيلَ : النَّوْحُ بُكَاءٌ مَعَ صَوْتٍ ، وَالْمُرَادُ بِهَا الَّتِي تَنُوحُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ ، وَأَمَّا الَّتِي تَنُوحُ عَلَى مَعْصِيَتِهَا فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْعِبَادَةِ ( وَالْمُسْتَمِعَةَ ) : أَيِ الَّتِي تَقْصِدُ السَّمَاعَ وَيُعْجِبُهَا ، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَمِعَ وَالْمُغْتَابَ شَرِيكَانِ فِي الْوِزْرِ ، وَالْمُسْتَمِعُ وَالْقَارِئُ مُشْتَرَكَانِ فِي الْأَجْرِ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَثَلَاثَتُهُمْ ضُعَفَاءُ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : دَخَلْتُ على أَبِي مُوسَى وَهُوَ ثَقِيلٌ ، فَذَهَبَتْ امْرَأَتُهُ لِتَبْكِيَ ، أَوْ تَهُمَّ بِهِ فَقَالَ لَهَا أَبُو مُوسَى : أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : بَلَى قَالَ : فَسَكَتَتْ ، قال : فَلَمَّا مَاتَ أَبُو مُوسَى قَالَ يَزِيدُ : لَقِيتُ الْمَرْأَةَ فَقُلْتُ لَهَا : قَوْلُ أَبِي مُوسَى لَكِ أَمَا سَمِعْتِ ما قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ سَكَتِّ ؟ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ ، وَمَنْ سَلَقَ ، وَمَنْ خَرَقَ ( وَهُوَ ثَقِيلٌ ) : أَيْ مَرِيضٌ ( أَوْ تَهُمَّ ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ لِتَقْصِدَ الْبُكَاءَ وتستعد بِهِ ( قَالَ ) : يَزِيدُ بْنُ أَوْسٍ الرَّاوِي ( فَسَكَتَتْ ) : أَيْ امْرَأَةُ أَبِي مُوسَى ( لَيْسَ مِنَّا ) : أَيْ مِنْ أَهْلِ سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا ، وَالْمُرَادُ الْوَعِيدُ وَالتَّغْلِيظُ الشَّدِيدُ ( مَنْ حَلَقَ ) : شَعْرُهُ ( وَمَنْ سَلَقَ ) : صَوْتُهُ أَيْ رَفَعَهُ ، السَّالِقَةُ وَالصَّالِقَةُ لُغَتَانِ هِيَ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : الصَّلْقُ ضَرْبُ الْوَجْهِ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( وَمَنْ خَرَقَ ) : بِالتَّخَيُّفِ أَيْ قَطْعَ ثَوْبَهُ بِالْمُصِيبَةِ وَكَانَ الْجَمِيعُ مِنْ صَنِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ مِنْ صَنِيعِ النِّسَاءِ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَامْرَأَةُ أَبِي مُوسَى هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهَا عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا .
بَابٌ : فِي النَّوْحِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ حَفْصَةَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ بَاب فِي النَّوْحِ أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ النَّوْحِ . ( عَنِ النِّيَاحَةِ ) : أَيِ النَّوْحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ عَبْدَةَ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ الْمَعْنَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ : وَهِلَ تَعْنِي ابْنَ عُمَرَ ، إِنَّمَا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ : إِنَّ صَاحِبَ هَذَا لَيُعَذَّبُ ، وَأَهْلُهُ يَبْكُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَتْ : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَ : عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَلَى قَبْرِ يَهُودِيٍّ ( إِنَّ الْمَيِّتَ لِيُعَذَّبُ إِلَخْ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَفِي رِوَايَةٍ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِبُكَاءِ الْحَيِّ ، وَفِي رِوَايَةٍ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ يُبْكَ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَنَسَبَتْهُمَا إِلَى النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِمَا ، وَأَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالَتْ : وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَهُودِيَّةٍ : إِنَّهَا تُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهَا ، يَعْنِي تُعَذَّبُ بِكُفْرِهَا فِي حَالِ بُكَاءِ أَهْلِهَا لَا بِسَبَبِ الْبُكَاءِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، فَتَأَوَّلَهَا الْجُمْهُورُ عَلَى مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُبْكَى عَلَيْهِ وَيُنَاحُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ ، فَهَذَا يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَنَوْحِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِهِ وَمَنْسُوبٌ إِلَيْهِ . قَالُوا : فَأَمَّا مَنْ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَنَاحُوا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مِنْهُ فَلَا يُعَذَّبُ ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قَالُوا : وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ . وَالْمُرَادُ بِالْبُكَاءِ هُنَا الْبُكَاءُ بِصَوْتٍ وَنِيَاحَةٍ لَا مُجَرَّدَ دَمْعِ الْعَيْنِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ رَوَتْ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي شَأْنِ يَهُودِيٍّ ، وَالْخَبَرُ الْمُفَسَّرُ أَوْلَى مِنَ الْمُجْمَلِ ، ثُمَّ احْتَجَّتْ لَهُ بِالْآيَةِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ لِلْآيَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوصُونَ أَهْلَهُمْ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ عَلَيْهِمْ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَيِّتُ إِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ حَيَاتِهِ ، انْتَهَى . ( فَقَالَتْ ) : عَائِشَةُ ( وَهِلَ ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ أَيْ غَلِطَ وَسَهَا . وَإِنْكَارُ عَائِشَةَ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْخَبَرِ لَهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، فَحَمَلَتِ الْخَبَرَ عَلَى الْخَبَرِ الْمَعْلُومِ عِنْدهَا بِوَاسِطَةِ مَا ظَهَرَ لَهَا مِنَ اسْتِبْعَادِ أَنْ يُعَذَّبَ أَحَدٌ بِذَنْبِ آخَرَ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى لَكِنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَلَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ ، وَهُوَ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَضِيَ الْمَيِّتُ بِبُكَائِهِمْ وَأَوْصَى بِهِ أَوْ عَلِمَ مِنْ دَأْبِهِمْ أَنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا وَجْهَ لِلْإِنْكَارِ وَلَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ قَالَ : صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَنَحْنُ شُهُودٌ ، ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ فَعُقِلَ ، حَتَّى رَكِبَهُ ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ بِهِ وَنَحْنُ نَسْعَى حَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم ( عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ ) : بِفَتْحِ الدَّالِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : بِدَالَيْنِ وَحَائَيْنِ مُهْمَلَاتٍ وَيُقَالُ : أَبُو الدَّحْدَاحِ ، وَيُقَالُ أَبُو الدَّحْدَاحَةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ( ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ ) : أَيْ بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنَ الدَّفْنِ وإذا انْصرفَ ، كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُتِيَ بِفَرَسٍ مَعْرُورٍ فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفْنَا مِنْ جِنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ جَابِرٍ حَسَنٌ صَحِيحٌ ( فَعُقِلَ ) : عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أُمْسِكَ وَحُبِسَ الْفَرَسُ لِلرُّكُوبِ ( حَتَّى رَكِبَهُ ) : أَيْ رَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْفَرَسِ ( يَتَوَقَّصُ بِهِ ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَيْ يَنْزُو وَيَثِبُ وَيُقَارِبُ الْخَطْوَ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ الرُّكُوبِ فِي الْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجَنَازَةِ ، فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ ، فَرَكِبَ فَقِيلَ لَهُ : فَقَالَ : إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ ، فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ بَاب الرُّكُوبِ فِي الْجَنَازَةِ ( فَأَبَى ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَمَّا انْصَرَفَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجِنَازَةِ ( فَرَكِبَ ) : فِيهِ إِبَاحَةُ الرُّكُوبِ فِي الرُّجُوعِ عَنِ الْجِنَازَةِ وَكَرَاهَةُ الرُّكُوبِ فِي الذَّهَابِ مَعَهَا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فَقَالَ : أَلَا تَسْتَحْيُونَ إِنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ . وَحَدِيثُ ثَوْبَانَ الَّذِي فِي الْبَابِ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ : فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، نا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إسحاق ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب فِي الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ ( فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى إِبْرَاهِيمُ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِنُبُوَّةِ أَبِيهِ كَمَا اسْتَغْنَى الشُّهَدَاءُ بِقُرْبَةِ الشَّهَادَةِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمُ انْتَهَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ وَكَذَا قَالَ الزَّرَكَشِيُّ : ذَكَرُوا فِي ذَلِكَ وُجُوهًا مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي نَبِيٌّ عَلَى نَبِيٍّ ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَكَانَ نَبِيًّا ، وَمِنْهَا أَنَّهُ شُغِلَ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ ، وَقِيلَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ ، وَقَدْ وَرَدَ مِنْهُ قَدْ صَلَّى عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةٌ ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ أَقْوَى ، وَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ وَائِلِ بْنِ دَاوُدَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَهِيَّ قَالَ : لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمَقَاعِدِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيِّ قِيلَ لَهُ : حَدَّثَكُمْ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ لَيْلَةً . ( سَمِعْتُ الْبَهِيَّ ) : هُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَابِعِيٌّ يُعَدُّ فِي الْكُوفِيِّينَ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( فِي الْمَقَاعِدِ ) : أَيْ مَوَاضِعِ الْقُعُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا مُرْسَلٌ ( قِيلَ لَهُ حَدَّثَكُمْ ) : إِلَى آخِرِهِ وَجَوَابُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ قَالَ نَعَمْ ( صَلَّى عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ) : فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَهِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : هَذَا أَيْضًا مُرْسَلٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهَذَا أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَحْسَنَ اتِّصَالًا . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ يَوْمَ وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخُسُوفِ فَاشْتَغَلَ بِهَا عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَرَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ : هَذِهِ الْآثَارُ مُرْسَلَةٌ وَهِيَ تَشُدُّ الْمَوْصُولَ وَرِوَايَاتُ الْإِثْبَاتِ أَوْلَى مِنْ رِوَايَاتِ التَّرْكِ انْتَهَى . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى عليه . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ سَعْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ عِيَادَةِ النِّسَاءِ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ قَالَتْ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَرِيضَةٌ فَقَالَ : أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَاب عِيَادَةِ النِّسَاءِ ( عَادَنِي ) : مِنْ الْعِيَادَةِ ( يُذْهِبُ اللَّهُ بِهِ ) : أَيْ بِسَبَبِ الْمَرَضِ . ( خَطَايَاهُ ) أَيِ الْمُسْلِمِ ( خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) : قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : الْخَبَثُ بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ مَا تُلْقِيهِ النَّارُ مِنْ وَسَخِ الْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا أُذِيبَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأُمُّ الْعَلَاءِ هِيَ عَمَّةُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ . وَالْحَدِيثُ سُكِتَ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى . ( ح ) وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا لَفْظُه عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَشَدَّ آيَةٍ فِي كتاب الله عز وجل . قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ يَا عَائِشَةُ ؟ قَالَتْ : قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قَالَ : أَمَا عَلِمْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ المسلم تُصِيبُهُ النَّكْبَةُ ، أَوْ الشَّوْكَةُ ، فَيُكَافَأُ بِأَسْوَأ عَمَلِهِ ، وَمَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ قَالَتْ : أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ : فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا قَالَ : ذَاكُمْ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ ، مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ بَشَّارٍ ، قال : نا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قَالَ الْحَسَنُ : هَذَا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ خَاصَّةً ؛ لِأَنَّهُمْ يُجَازَوْنَ بِالْعِقَابِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَلَا يُجْزَى الْمُؤْمِنُ بِسَيِّئِ عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَكِنْ يُجْزَى بِأَحْسَنِ عَمَلِهِ ، وَيُتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِ . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ سِيَاقُ الْآيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وَهَذَا هُوَ الْكَافِرُ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلَهُ وَلِيٌّ وَنَصِيرٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَةُ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ عَمِلَ سُوءًا مِنْ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ وَكَافِرٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ عَمِلَ سُوءًا يُجْزَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ شَقَّتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً ، وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَيُّنَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا غَيْرَكَ ، فَكَيْفَ الْجَزَاءُ ؟ قَالَ : مِنْهُ مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا ، فَمَنْ يَعْمَلْ حَسَنَةً فَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، وَمَنْ جُوزِيَ بِالسَّيِّئَةِ نَقَصَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ عَشْرِ حَسَنَاتِهِ ، وَبَقِيَتْ لَهُ تِسْعُ حَسَنَاتٍ ، فَوَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ . وَأَمَّا مَنْ كَانَ جَزَاؤُهُ فِي الْآخِرَةِ فَيُقَابَلُ بَيْنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ فَيُلْقَى مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً ، وَيُنْظَرُ فِي الْفَضْلِ فَيُعْطَى الْجَزَاءَ فِي الْجَنَّةِ فَيُؤْتَى كُلُّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ . قَالَهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَازِنِ ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( النَّكْبَةُ ) : بِفَتْحِ نُونٍ وَسُكُونِ كَافٍ مَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْحَوَادِثِ ( فَيُكَافَأُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْمُسْلِمُ ( ذَاكُمُ الْعَرْضُ ) : أَيْ عَرْضُ الْأَعْمَالِ ، كَأَنَّهُ أَشَارَ بِجَمْعِ الْخِطَابِ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ مِثْلِهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَصَّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ ، بَلِ اللَّائِقُ بِحَالِ الْكُلِّ أَنْ يَعْرِفُوا مِثْلَ هَذِهِ الْفَوَائِدِ وَاللَّطَائِفِ انْتَهَى ( قَالَ : نَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ) : أَيْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْخَزَّازِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ ، وَأَمَّا مُسَدَّدٌ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا : أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا بَعْدَهُ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ .
بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ قَتَلَتْهُ الْحُدُودُ . حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، نا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، قال : حَدَّثَنِي نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ باب الصلاة على من قتلته الحدود ( حَدَّثَنِي نَفَرٌ ) : أَيْ جَمَاعَةٌ ( لَمْ يُصَلِّ عَلَى مَاعِزٍ ) : هُوَ الَّذِي رُجِمَ بِإِقْرَارِ الزِّنَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ مَاعِزٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَفِيهِ قَالَ فَمَا اسْتَغْفَرَ لَهُ وَلَا سَبَّهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ ، وَفِيهِ قَالَ اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ ، فَقَالُوا : غَفَرَ اللَّهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ حَدِيثَ مَاعِزٍ وَفِيهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا وَصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَمْ يَقُلْ يُونُسُ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَصَلَّى عَلَيْهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَفِيهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى لَمْ يَذْكُرْهَا وَهُوَ أَضْبَطُ مِنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ . قَالَ وَتَابَعَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى نُوحَ بْنَ حَبِيبٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ كَذَا رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ . قَالَ وَمَا أَرَى مُسْلِمًا تَرَكَ حَدِيثَ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ إِلَّا لِمُخَالَفَةِ هَؤُلَاءِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ خَالَفَهُ أَيْضًا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهْوَيْهِ وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّيْرِيُّ ، فَهَؤُلَاءِ ثَمَانِيَةٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ خَالَفُوا مَحْمُودًا فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَفِيهِمْ هَؤُلَاءِ الْحُفَّاظُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَحُمَيْدُ بْنُ زَنْجُوَيْهِ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ نَحْوَ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ . وَحَدِيثُ عُقَيْلٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الصَّلَاةِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَصَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ خَطَأٌ لِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَلَى خِلَافِهِ ثُمَّ إِجْمَاعِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَلَى خِلَافِهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثَ الْجُهَينةِ وَفِيهِ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا ، فَقَالَ له عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ ؟ فَقَالَ : لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ ، وَهَلْ وُجِدَتْ تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ جِدًّا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْجُومِ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ . وَإِذَا حُمِلَتِ الصَّلَاةُ فِي حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ عَلَى الدُّعَاءِ اتَّفَقَتِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ بِحُرُوفِهِ . قُلْتُ : الْأَوْلَى حَمْلُهَا عَلَى الصَّلَاةِ الْمَعْرُوفَةِ لِيُوَافِقَ حَدِيثَ عِمْرَانَ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَنْ تُحْمَلَ رِوَايَةُ النَّفْيِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ حِينَ رُجِمَ ، وَرِوَايَةُ الْإِثْبَاتِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا وَهُوَ فِي السُّنَنِ لِأَبِي قُرَّةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ قَالَ : فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : يُصَلَّى عَلَى الَّذِي يُقَادُ فِي حَدٍّ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي رَجْمٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُصَلَّى عَلَى شُرَاحَةَ وَقَدْ رَجَمَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُتْرَكُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَالْأَوْزَاعِيُّ يُغَسَّلُ الْمَرْجُومُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ . وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ فِي حَدٍّ مِنَ الْحُدُودِ فَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ أَهْلُهُ إِنْ شَاؤوا أَوْ غَيْرُهُمْ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى قَاتِلِ نَفْسٍ وَلَا غَالٍّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ أَوْ صُلِبَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ لَا يُصَلَّى عَلَى قَتْلَاهُمْ . وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ إِذَا قُتِلَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُصَلَّى عَلَى مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ .
بَابُ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ الْمَعْنَى قَالَا : نَا هُشَيْمٌ ، عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّكْسَكِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ يَقُولُ : إِذَا كَانَ الْعَبْدُ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا فَشَغَلَهُ عَنْهُ مَرَضٌ أَوْ سَفَرٌ كُتِبَ لَهُ كَصَالِحِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ بَاب إِذَا كَانَ الرَّجُلُ الخ ( السَّكْسَكِيُّ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُونِ الْكَافِ الْأُولَى كَذَا فِي الْمُغْنِي ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إِلَيْهَا مِخْلَافٌ بِالْيَمَنِ كَذَا فِي الْمَرَاصِدِ ( فَشَغَلَهُ ) : أَيِ الْعَبْدُ ( عَنْهُ ) : أَيْ عَنِ الْعَمَلِ ( كُتِبَ لَهُ ) : أَيْ لِلْعَبْدِ ( وَهُوَ ) : أَيِ الْعَبْدُ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
بَابُ صَنْعَةِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يشَغَلَهُمْ بَاب صَنْعَةِ الطَّعَامِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ ( اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا ) : فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِيَامِ بِمُؤْنَةِ أَهْلِ الْميتِ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّعَامِ لِاشْتِغَالِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِمَا دَهَمَهُمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ : فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْأَقْرِبَاءِ أَنْ يُرْسِلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامًا ( أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ ) : مِنْ بَابِ مَنَعَ أَيْ عَنْ طَبْخِ الطَّعَامِ لِأَنْفُسِهِمْ . وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ : قَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ أَوْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : إِنَّ آلَ جَعْفَرٍ قَدْ شُغِلُوا بِشَأْنِ مَيِّتِهِمْ فَاصْنَعُوا لَهُمْ طَعَامًا . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ : يُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لَهُمْ يُشْبِعُهُمْ لَيْلَتَهُمْ وَيَوْمَهُمْ ، وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ ، انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ : كُنَّا نَرَى الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةِ الطَّعَامِ مِنَ النِّيَاحَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَبَوَّبَ بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ الِاجْتِمَاعِ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةِ الطَّعَامِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ سَنَدُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . قَالَهُ السِّنْدِيُّ : وَقَالَ أَيْضًا : قَوْلُهُ كُنَّا نَرَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ رِوَايَةِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ أَوْ تَقْرِيرٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى الثَّانِي فَحُكْمُهُ الرَّفْعُ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ حُجَّةٌ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا عَكْسُ الْوَارِدِ إِذِ الْوَارِدُ أَنْ يَصْنَعَ النَّاسُ الطَّعَامَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ ، فَاجْتِمَاعُ النَّاسِ فِي بَيْتِهِمْ حَتَّى يَتَكَلَّفُوا لِأَجَلِهِمُ الطَّعَامَ قَلْبٌ لِذَلِكَ : وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الضِّيَافَةَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ قَلْبٌ لِلْمَعْقُولِ لِأَنَّ الضِّيَافَةَ حَقًّا أَنْ تَكُونَ لِلسُّرُورِ لَا لِلْحُزْنِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابُ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ بَاب الْمَشْيِ أَمَامَ الْجَنَازَةِ ( يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَمْشِيَانِ خَلْفَ الْجِنَازَةِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا بَأْسَ بِالْمَشْيِ أَمَامَهَا وَالْمَشْيُ خَلْفَهَا أَحَبُّ إِلَيْنَا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : هُوَ سُنَّةٌ وَخَلْفَهَا أَفْضَلُ ، فَأَمَّا الرَّاكِبُ فَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَكُونُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، انْتَهَى . قَالَ الشُّمُنِّيُّ : اخْتَلَفُوا فِي الْمَشْيِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ : الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَحَبُّ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَطَائِفَةٌ : هُمَا سَوَاءٌ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ : قُدَّامَهَا أَفْضَلُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ أَمَامَ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ الْمَاشِي وَخَلْفَهَا أَفْضَلُ فِي حَقِّ الرَّاكِبِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ فِي ذَلِكَ أَصَحَّ . وَحَكَى الْبُخَارِيُّ قَالَ : وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ هُوَ هَذَا يَعْنِي الْمُرْسَلَ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا مُرْسَلٌ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رَفْعِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَمِمَّنْ وَصَلَهُ وَاسْتَقَرَّ عَلَى وَصْلِهِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ حُجَّةٌ ثِقَةٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَعَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عُيَيْنَةَ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ خَالَفَكَ النَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : أَسْتَيْقِنُ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَنِي مِرَارًا لَسْتُ أُحْصِيِهِ يُعِيدُهُ وَيُبْدِيهِ سَمِعْتُهُ مِنْ فِيهِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَجَزَمَ أَيْضًا بِصِحَّتِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَزْمٍ ، انْتَهَى مُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ زِيَادِ ابْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قال : وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُونِي أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا ، وَعَنْ يَمِينِهَا ، وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا ، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ( قَالَ ) : أَيْ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ( وَأَحْسَبُ ) : أَيْ أَظُنُّ ( أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُونِي ) : فَالْمُخْبِرُونَ بِهِ مَجْهُولُونَ ( أَنَّهُ ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ( رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : وَظَاهِرُهُ أَنَّ يُونُسَ لَمْ يَرْوِ الْحَدِيثَ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ مَرْفُوعًا بَلْ أَخْبَرَوهُ بِالرَّفْعِ أَهْلُ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى الْمُغِيرَةِ وَقَالَ : لَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ . وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمَوْقُوفَ . وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ . قُلْتُ : الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَطْفَالِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي بَابِ شُهُودِ الْجَنَائِزِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، الْحَدِيثَ ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ جَمِيعًا عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْإِسْنَادَ بِعَيْنِهِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الطِّفْلِ ، وَقَالَ فِيهِ : عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ : عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَعِيدًا وَالْمُغِيرَةَ جَمِيعًا رَوَيَاهُ مَرْفُوعًا ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَلَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَرِيبًا مِنْهَا ) : أَيْ مِنَ الْجِنَازَةِ كُلَّمَا يَكُونُ أَقْرَبَ مِنْهَا فِي الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ لِلْمُسَاعَدَةِ فِي الْحَمْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ ( وَالسِّقْطُ ) : بِتَثْلِيثِ السِّينِ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ مَا بَدَا بَعْضُ خَلْقِهِ . فِي الْقَامُوسِ : السِّقْطُ مُثَلَّثَةٌ الْوَلَدُ لِغَيْرِ تَمَامٍ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى السِّقْطِ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : يُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ : كُلُّ مَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ ، وَتَمَّتْ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ صُلِّيَ عَلَيْهِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنَّمَا الْمِيرَاثُ بِالِاسْتِهْلَالِ ، فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَسَمَةٌ تَامَّةٌ قَدْ كُتِبَ عَلَيْهَا الشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ ، فَلِأَيِّ شَيْءٍ تُتْرَكُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا اسْتَهَلَّ وَرِثَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ . وَعَنْ جَابِرٍ إِذَا اسْتَهَلَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ ( وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ ) : إِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ مُخْتَصَرٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ وَأَحْسَبُ أَنَّ أَهْلَ زِيَادٍ أَخْبَرُونِي .
حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ، نا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، قال : نا أُسَامَةُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِحَمْزَةَ ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ ( وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرِهِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ عَلَى مَعْنَى اشْتِغَالِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنْهُمْ وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْوِيلٍ صَحِيحٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ دَفَنَهُمْ مَعَ قِيَامِ الشُّغْلِ وَلَمْ يَتْرُكْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ . وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ مَا رُوِيَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَى حَمْزَةَ فَحَمَلَهَا عَلَى الصَّلَاةِ اللُّغَوِيَّةِ ، وَجَعَلَهَا الدُّعَاءَ لَهُ زِيَادَةَ خُصُوصِيَّةٍ لَهُ وَتَفَضُّلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِهِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : ثُمَّ إِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي مَنْعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الْحَنَابِلَةِ . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَحْمَدَ : الصَّلَاةُ عَلَى الشَّهِيدِ أَجْوَدُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الشَّهِيدِ يُغَسَّلُ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا مَعْنُ بْنُ عِيسَى . ( ح ) وََنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجُشَمِيُّ ، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : رُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فِي صَدْرِهِ ، أَوْ فِي حَلْقِهِ فَمَاتَ ، فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ قَالَ : وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاب فِي الشَّهِيدِ يُغَسَّلُ أَيْ أَمْ لَا ، فَثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ . ( مَعْنُ بْنُ عِيسَى ) : أَيْ مَعْنُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ( فَأُدْرِجَ ) : أَيْ لُفَّ ( فِي ثِيَابِهِ كَمَا هُوَ ) : وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ وَهَذَا مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ ( قَالَ ) : أَيْ جَابِرٌ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا ابْنُ وَهْبٍ . ( ح ) ونَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، أََنَا ابْنُ وَهْبٍ وَهَذَا لَفْظُهُ قال : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا ، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ ( وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ) : قَالَ الْحَافِظُ : وَالْخِلَافُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَتِيلِ مَعْرَكَةِ الْكُفَّارِ مَشْهُورٌ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ . قَالَ بَعْضُهُمْ : يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَإِسْحَاقَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَنِيِّينَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ، وَيَقُولُ : أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ ، فَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُغَسَّلهم ( أَيُّهُمَا أَكْثَرُ أَخْذًا ) : أَيْ حِفْظًا وَقِرَاءَةً لِلْقُرْآنِ ( فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ ) : أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَدَّمَهُ ) : مِنَ التَّقْدِيمِ أَيْ ذَلِكَ الْأَحَدَ ( فِي اللَّحْدِ ) : قَالَ الْحَافِظُ : أَصْلُ الْإِلْحَادِ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الشَّيْءِ ، وَقِيلَ لِلْمَائِلِ عَنِ الدِّينِ مُلْحِدٌ ، وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ شَقٌّ يُعْمَلُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ فَيَمِيلُ عَنْ وَسَطِ الْقَبْرِ إِلَى جَانِبِهِ بِحَيْثُ يَسَعُ الْمَيِّتَ فَيُوضَعُ فِيهِ وَيُطْبَقُ عَلَيْهِ اللَّبِنُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَارِيُّ : هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَبِضَمِّ وَسُكُونِ الْحَاءِ ( أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ ) : أَيْ أَشْهَدُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ : وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ اللَّيْثَ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَلَى هَذَا الْإِسْنَادِ ، وَاخْتُلِفَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِيهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَلَمْ يُؤَثِّرْ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ تَفَرُّدُ اللَّيْثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بَلِ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ كَمَا ذَكَرْنَاهُ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، أخبرنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ اللَّيْثِ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ قَالَ : يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . ( فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ) : قَدْ مَرَّ بَيَانُهُ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا زَيْدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ . ( ح ) وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نَا أَبُو صَفْوَانَ يَعْنِي : الْمَرْوَانِيَّ ، عَنْ أُسَامَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْمَعْنَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ ، وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ فِي نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ ، حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا . وَقَلَّتْ الثِّيَابُ ، وَكَثُرَتْ الْقَتْلَى فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ يُكَفَّنُونَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، زَادَ قُتَيْبَةُ ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرْآنًا ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ ( مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ ) : عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ ) : أَيْ بِحَمْزَةَ ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الثَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ : مَثَّلْتُ بِالْقَتِيلِ مَثْلًا مِنْ بَابَيْ قَتَلَ وَضَرَبَ إِذَا جَدَعْتَهُ وَظَهَرَتْ آثَارُ فِعْلِكَ عَلَيْهِ تَنْكِيلًا ، وَالتَّشْدِيدُ مُبَالَغَةٌ ، وَالِاسْمُ الْمُثْلَةُ وِزَانُ غُرْفَةٍ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةَ ) : أُخْتَ حَمْزَةَ ( فِي نَفْسِهَا ) : أَيْ تَحْزَنَ وَتَجْزَعَ ( الْعَافِيَةُ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعَافِيَةُ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْجِيَفِ فَتَأْكُلُهَا وَيُجْمَعُ عَلَى الْعَوَافِي ( حَتَّى يُحْشَرَ ) : أَيْ يُبْعَثَ حَمْزَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( مِنْ بُطُونِهَا ) : أَيِ الْعَافِيَةِ ( وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى ) القتلى جَمْعُ قَتِيلٍ كَالْجَرْحَى جَمْعُ جَرِيحٍ ( يُكَفَّنُونَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ) : ظَاهِرُهُ تَكْفِينُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْمُظْهِرُ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ : مَعْنَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَبْرٌ وَاحِدٌ ، إِذْ لَا يَجُوزُ تَجْرِيدُهَا بِحَيْثُ تَتَلَاقَى بَشَرَتَاهُمَا ، انْتَهَى . وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ ، وَكَذَا الدَّفْنُ . وَعَنِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يُقْسَمُ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ ، فَيُكَفَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ بِبَعْضِهِ لِلضَّرُورَةِ وَإِنْ لَمْ يَسْتُرْ إِلَّا بَعْضَ بَدَنِهِ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ تَمَامُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ عَنْ أَكْثَرِهِمْ قُرْآنًا فَيُقَدِّمُهُ فِي اللَّحْدِ ، فَلَوْ أَنَّهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً لَسَأَلَ عَنْ أَفْضَلِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَيْلَا يُؤَدِّي إِلَى نَقْضِ التَّكْفِينِ وَإِعَادَتِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ قَدِ ارْتَفَعَ بِالْمَوْتِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْصَقَ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ إِلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِ التَّكْلِيفِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُغَسَّلُ وَلَكِنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ . وَيُقَالُ : إِنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ غَسْلِهِ مَا جَاءَ أَنَّ الشَّهِيدَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى ، الرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ . وَقَدْ يُوجَدُ الْغُسْلُ فِي الْأَحْيَاءِ مَقْرُونًا بِالصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ ، فَلَا يَجِبُ التَّطْهِيرُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا مِنْ أَجْلِ صَلَاةِ يُصَلِّيهَا ، وَلِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا فِعْلَ لَهُ فَأُمِرْنَا أَنْ نُغَسِّلَهُ لِنُصَلِّيَ عَلَيْهِ ، فَإِذَا سَقَطَ الْغُسْلُ سَقَطَتِ الصَّلَاةُ . وَفِيهِ جَوَازُ أَنْ يُدْفَنَ الْجَمَاعَةُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ ، وَأَنَّ أَفْضَلَهُمْ يُقَدَّمُ فِي الْقِبْلَةِ وَإِذَا ضَاقَتِ الْأَكْفَانُ وَكَانَتِ الضَّرُورَةُ جَازَ أَنْ يُكَفَّنَ الْجَمَاعَةُ مِنْهُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ .
حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا : نَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلَى أُحُدٍ ، أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ ( بِقَتْلَى أُحُدٍ ) : جَمْعُ قَتِيلٍ ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي أَيْ أَمَرَ فِي حَقِّهِمْ ( أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ ) : أَيِ السِّلَاحُ وَالدُّرُوعُ ( وَالْجُلُودُ ) : مِثْلُ الْفَرْوِ وَالْكِسَاءِ غَيْرِ الْمُلَطَّخِ بِالدَّمِ ( وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ ) : أَيِ الْمُتَلَطِّخَةِ بِالدَّمِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ الْوَاسِطِيُّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَفِيهِ مَقَالٌ .
بَابُ الْإِمَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ حَدَّثَنَا ابْنُ نُفَيْلٍ ، نا زُهَيْرٌ ، نا سِمَاكٌ ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ : مَرِضَ رَجُلٌ فَصِيحَ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ مَاتَ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ قَالَ : أَنَا رَأَيْتُهُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ . قَالَ : فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ قَدْ مَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ قال : فَرَجَعَ فَصِيحَ عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ : انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبِرْهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : اللَّهُمَّ الْعَنْهُ . قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ ، فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ . قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ؟ قَالَ : رَأَيْتُهُ يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ ، مَعَهُ . قَالَ : أَنْتَ رَأَيْتَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : إِذًا لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ . بَاب الْإِمَامِ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ( فَصِيحَ ) : أَيْ صُرِخَ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ ( فَقَالَ ) : الْجَارُ ( إِنَّهُ ) : أَيِ الْمَرِيضَ ( قَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : جَابِرٌ ( فَرَجَعَ ) : أَيِ الْجَارُ الْمُخْبِرُ ( قَالَ ) : جَابِرٌ ( فَرَجَعَ ) : أَيْ جَارُهُ ( فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ ) : أَيْ زَوْجَةُ الْمَرِيضِ لِجَارِهِ ( فَقَالَ الرَّجُلُ ) : الْمُخْبِرُ ( اللَّهُمَّ الْعَنْهُ ) : وَأَمَّا اللَّعْنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الْجَارِ عَلَى ذَلِكَ الْمَرِيضِ فَلَعَلَّهُ أُخْبِرَ بِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ وَإِلَّا لَا يَجْتَرِئُ عَلَى ذَلِكَ ( قَالَ ) : جَابِرٌ ( ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ ) : الْمُخْبِرُ ( فَرَآهُ ) : أَيِ الْمَرِيضَ ( بِمِشْقَصٍ مَعَهُ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمِشْقَصُ نَصْلٌ عَرِيضٌ ( إِذًا لَا أُصَلِّي عَلَيْهِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَتَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ الْعُقُوبَةُ لَهُ وَرَدْعٌ لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا ، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَرَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : يُصَلَّى عَلَيْهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا بِمَعْنَاهُ قَالَ إِسْحَاقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيُحَذِّرَ النَّاسَ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، فَلَا يَرْتَكِبُوا كَمَا ارْتَكَبَ .
أول كِتَابُ الْجَنَائِزِ . بَابُ الْأَمْرَاضِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ : أَبُو مَنْظُورٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ أَخِي الْخَضِرِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ النُّفَيْلِيُّ : هُوَ الْخُضْرُ وَلَكِنْ كَذَا قَالَ . قَالَ : إِنِّي لَبِبِلَادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ تَحْتَ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِسَاءٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ ، فَذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَسْقَامَ فَقَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ، ثُمَّ أَعْفَاهُ اللَّهُ مِنْهُ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ ، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ، ثُمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُ ، فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ ، وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ . فَقَالَ : رَجُلٌ مِمَّنْ حَوْلَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْأَسْقَامُ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ ؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ ، وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدْ الْتَفَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكَ أَقْبَلْتُ إِلَيْكَ ، فَمَرَرْتُ بِغَيْضَةِ شَجَرٍ ، فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ ، فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي ، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ مَعَهُنَّ ، فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولَاءِ مَعِي قَالَ : ضَعْهُنَّ عَنْكَ فَوَضَعْتُهُنَّ ، وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : أَتَعْجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الْأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الْأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا ، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ ، وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ فَرَجَعَ بِهِنَّ أول كِتَاب الْجَنَائِزِ قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَالْجَنَائِزُ جَمْعُ جِنَازَةٍ وَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ الْمَحْمُولِ ، وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِلنَّعْشِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ ، وَيُقَالُ عَكْسُ ذَلِكَ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ ، وَمُضَارِعُهُ يَجْنِزُ بِكَسْرِ النُّونِ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْجِنَازَةُ وَاحِدَةُ الْجَنَائِزِ ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ الْجِنَازَةُ بِالْفَتْحِ وَالْمَعْنَى لِلْمَيِّتِ عَلَى السَّرِيرِ ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْمَيِّتُ فَهُوَ سَرِيرٌ وَنَعْشٌ . انْتَهَى . باب الأمراض المكفرة للذنوب ( أَبُو مَنْظُورٍ ) : قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : أَبُو مَنْظُورٍ عَنْ عَمِّهِ وَعَنْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مَجْهُولٌ . وَعَامِرُ الرَّامِ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو مَنْظُورٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْهُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عَامِرٌ الرَّامِي الْمُحَارِبِيٌّ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ يُرْوَى بِإِسْنَادٍ مَجْهُولٍ ، وَأَبُو مَنْظُورٍ الشَّامِّيُّ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْإِصَابَةِ : قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَأَبُو مَنْظُورٍ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا ، انْتَهَى . ( عَنْ عَمِّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي عَنْ عَامِرٍ ) : هَكَذَا فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ أَيْ أَبُو مَنْظُورٍ يَرْوِي عَنْ عَمِّهِ ، وَعَمِّ أَبِي مَنْظُورٍ يَرْوِي عَنْ عَمِّهِ ، وَعَمِّ عَمِّهِ يَرْوِي عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ ، فَبَيْنَ أَبِي مَنْظُورٍ وَعَامِرٍ وَاسِطَتَانِ الْأَوَّلُ عَمُّ أَبِي مَنْظُورٍ وَالثَّانِي عَمُّ عَمِّهِ وَكِلَاهُمَا مَجْهُولَانِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ : وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي إِسْنَادِهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمَّ . انْتَهَى . لَكِنْ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ هَذَا الْإِسْنَادُ ، هَكَذَا أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَنْظُورٍ ، عَنْ عَمِّهِ عَامِرٍ الرَّامِي أَخِي الْخُضْرِ . وَلَفْظُ الْإِصَابَةِ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ : وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي مَنْظُورٍ عَنْ عَمِّهِ عَامِرٍ الرَّامِي . فَفِي هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ بِحَذْفِ الْوَاسِطَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَأَنَّ عَامِرًا هُوَ عَمٌّ لِأَبِي مَنْظُورٍ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : مُسْنَدُ عَامِرٍ الرَّامِ أَخِي الْخُضْرِ قَبِيلَةٌ مِنْ مُحَارِبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ : إِنِّي لَبِبِلَادِنَا إِذْ رُفِعَتْ لَنَا رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ - يُقَالُ لَهُ : أَبُو مَنْظُورٍ الشَّامِيُّ - عَنْ عَمِّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَمِيدٍ الرَّازِّيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَنْظُورٍ الشَّامِيِّ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ عَامِرٍ . انْتَهَى . ( عَنْ عَامِرٍ الرَّامِ ) : بِحَذْفِ الْيَاءِ تَخْفِيفًا كَمَا فِي الْمُتَعَالِ ( أَخِي الْخُضْرِ ) : بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ الْمُحَارِبِيِّ مِنْ وَلَدِ مَالِكِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ خَلْفِ بْنِ مُحَارِبٍ ، وَكَانَ يُقَالُ لِوَلَدِ مَالِكٍ الْخُضْرُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ ، وَكَانَ عَامِرٌ رَامِيًا حَسَنَ الرَّمْيِ ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ : الرَّامِي . قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ . وَقَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ : الْخُضْرُ بِالضَّمِّ قَبِيلَةٌ . وَهُمْ رُمَاةٌ مَشْهُورُونَ ، وَمِنْهُمْ عَامِرٌ الرَّامِي أَخُو الْخُضْرِ وَصَخْرُ بْنُ الْجَعْدِ وَغَيْرُهُمَا . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ وَالذَّهَبِيُّ فِي تَجْرِيدِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ : عَامِرٌ الرَّامِي الْخُضْرِيُّ ، وَالْخُضْرُ قَبِيلَةٌ مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ ثُمَّ مِنْ مُحَارِبِ بْنِ خُصْفَةَ بْنِ قَيْسٍ بْنِ عَيْلَانَ ، وَهُمْ وَلَدُ مَالِكِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ خَلْفِ بْنِ مُحَارِبٍ ، قِيلَ لِمَالِكٍ وَأَوْلَادُهُ : الْخُضْرُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ آدَمَ ، وَكَانَ عَامِرٌ أَرْمَى الْعَرَبِ . انْتَهَى . ( قَالَ النُّفَيْلِيُّ هُوَ الْخُضْرُ ) : بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ( وَلَكِنْ كَذَا قَالَ ) الرَّاوِي أَيْ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ . وَالْمَعْنَى أَنَّا حَفِظْنَا لَفْظَ الْخُضْرِ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الضَّادِ ، لَكِنِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْأَعْلَامِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى كِتَابِ التَّرْغِيبِ ( قَالَ ) : الرَّاوِي ( رَايَاتٌ وَأَلْوِيَةٌ ) : قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ : لِوَاءُ الْجَيْشِ عَلَمُهُ وَهُوَ دُونَ الرَّايَةِ وَالْجَمْعُ أَلْوِيَةٌ ( فَأَتَيْتُهُ ) : أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَهُوَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( جَالِسٌ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْكِسَاءِ ( وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْأَسْقَامَ ) : جَمْعُ سَقَمٍ أَيْ الْأَمْرَاضُ وَثَوَابُهَا ( إِذَا أَصَابَهُ السَّقَمُ ) : بِفَتْحَتَيْنِ وَبِضَمٍّ فَسُكُونٍ ( ثُمَّ أَعْفَاهُ اللَّهُ ) : أَيْ عَافَاهُ اللَّهُ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنْ ذَلِكَ السَّقَمِ ( كَانَ ) أَيِ السَّقَمُ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ ( وَمَوْعِظَةً لَهُ ) : أَيْ تَنْبِيهًا لِلْمُؤْمِنِ فَيَتُوبُ وَيَتَّقِي ( فِيمَا يَسْتَقْبِلُ ) : مِنَ الزَّمَانِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ إِذَا مَرِضَ الْمُؤْمِنُ ثُمَّ عُوفِيَ تَنَبَّهَ وَعَلِمَ أَنَّ مَرَضَهُ كَانَ مُسَبَّبًا عَنِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ فَيَنْدَمُ وَلَا يَقْدَمُ عَلَى مَا مَضَى فَيَكُونُ كَفَّارَةً لَهَا ( وَإِنَّ الْمُنَافِقَ ) : وَفِي مَعْنَاهُ الْفَاسِقُ الْمُصِرُّ ( إِذَا مَرِضَ ثُمَّ أُعْفِيَ ) : بِمَعْنَى عُوفِيَ ، والِاسْمُ مِنْهُ الْعَافِيَةُ ( كَانَ ) : أَيِ الْمُنَافِقُ فِي غَفْلَتِهِ ( عَقَلَهُ أَهْلُهُ ) : أَيْ شَدُّوهُ وَقَيَّدُوهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَرَضِ اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ ( ثُمَّ أَرْسَلُوهُ ) : أَيْ أَطْلَقُوهُ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَافِيَةِ ( فَلَمْ يَدْرِ ) : أَيْ لَمْ يَعْلَمْ ( لِمَ ) : أَيْ لِأَيِّ سَبَبٍ ( عَقَلُوهُ وَلَمْ يَدْرِ لِمَ أَرْسَلُوهُ ) : يَعْنِي أَنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَتَّعِظُ وَلَا يَتُوبُ فَلَا يُفِيدُ مَرَضُهُ لَا فِيمَا مَضَى وَلَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ، فَأُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ( وَمَا الْأَسْقَامُ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ ، أَيْ عَرَفْنَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَسْقَامِ وَمَا الْأَسْقَامُ ( قُمْ عَنَّا ) : أَيْ تَنَحَّ وَابْعُدْ ( فَلَسْتَ مِنَّا ) : أَيْ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا حَيْثُ لَمْ تُبْتَلَ بِبَلِيَّتِنَا ( قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ ) : أَيْ لَفَّ الرَّجُلُ كِسَاءَهُ عَلَى هَذَا الشَّيْءِ ( فَقَالَ ) الرَّجُلُ ( بِغَيْضَةِ شَجَرٍ ) : أَيْ بِمَجْمَعِ شَجَرٍ . قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ : الْغَيْضَةُ الْأَجَمَةُ وَهِيَ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ وَجَمْعُهُ غِيَاضٌ ( فَسَمِعْتُ فِيهَا ) : أَيْ فِي الْغَيْضَةِ ( فِرَاخِ طَائِرٍ ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ فَرْخٍ وَهُوَ وَلَدُ الطَّائِرِ ( فَأَخَذْتُهُنَّ ) : أَيِ الْفِرَاخَ ( فَوَضَعْتُهُنَّ ) : أَيِ الْفِرَاخَ ( فَكَشَفْتُ لَهَا ) : أَيْ لِأُمِّ الْفِرَاخِ ( عَنْهُنَّ ) : أَيْ عَنِ الْفِرَاخِ ( فَوَقَعَتْ ) : أُمُّ الْفِرَاخِ ( عَلَيْهِنَّ ) : أَيْ عَلَى الْفِرَاخِ ( قَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ضَعْهُنَّ ) : أَيِ الْفِرَاخَ ( لِرُحُمِ أُمِّ الْأَفْرَاخِ ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَالرُّحُمُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ التَّعَطُّفُ . انْتَهَى . ( قَالَ ) : أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ ( ارْجِعْ بِهِنَّ ) : أَيْ بِالْفِرَاخِ ( فَرَجَعَ ) : الرَّجُلُ ( بِهِنَّ ) : أَيْ بِالْفِرَاخِ مِنْ مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَوْضِعِهِنَّ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ الْمَعْنَى قَالَا : نَا أَبُو الْمَلِيحِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ السَّلَمِيُّ : عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ ، أَوْ فِي مَالِهِ ، أَوْ فِي وَلَدِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ : ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ اتَّفَقَا حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ تبارك وتَعَالَى ( قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ السُّلَمِيِّ ) : أَيْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فِي نَسَبِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ : إِنَّهُ السُّلَمِيُّ . وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ السُّلَمِيُّ . وَقَالَ فِي الْإِصَابَةِ : سَمَّاهُ ابْنُ مَنْدَهِ اللَّجْلَاجَ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : أَبُو خَالِدٍ السُّلَمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ سَكَنَ الْجَزِيرَةَ حَدِيثُهُ عِنْدَ أَوْلَادِهِ ، رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَنَلْهَا ابْتَلَاهُ اللَّهُ إِمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ أَوْ بِوَلَدِهِ ثُمَّ يُصَبِّرُهُ عَلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ . وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَبِي الْمَلِيحِ الرَّقِّيِّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ خَالِدٍ إِلَّا ابْنُهُ مُحَمَّدٌ . انْتَهَى . ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ ) : وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ وَابْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ ، نا شُعَيْبٌ يَعْنِي : ابْنَ إسحاق ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ ( وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ الدُّعَاءُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ انْتَهَى ، وَيَدْفَعُهُ مَا وَرَدَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى طِفْلٍ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ ، فَقَالَ اللَّهُمَّ قِهِ عَذَابَ الْقَبْرِ وَضِيقِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الشَّابُّ وَالشَّيْخُ فَلَا إِشْكَالَ . وَتَكَلَّفَ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ التُّورِبِشْتِيُّ عَنِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ لِلصِّبْيَانِ مَعَ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُمْ ، فَقَالَ : مَعْنَاهُ السُّؤَالُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنْ يَفْعَلَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ مِنَ الذُّنُوبِ حَتَّى إِذَا كَانَ فَعَلَهُ كَانَ مَغْفُورًا وَإِلَّا فَالصَّغِيرُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ لَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : الْمَقْصُودُ مِنَ الْقَرَائِنِ الْأَرْبَعِ الشُّمُولُ وَالِاسْتِيعَابُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى التَّخْصِيصِ نَظَرًا إِلَى مُفْرَدَاتِ التَّرْكِيبِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ كُلِّهِمْ أَجْمَعِينَ ، فَهِيَ مِنَ الْكِنَايَةِ الزَّبدِيَّةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَمْعُهُ فِي قَوْلِهِ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ إِلَخْ . قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( وَشَاهِدِنَا ) : أَيْ حَاضِرِنَا ( فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ) : الْمَشْهُورُ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُنَاسِبُ ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ التَّمَسُّكُ بِالْأَرْكَانِ الظَّاهِرِيَّةِ ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ فَهُوَ التَّصْدِيقُ الْبَاطِنِيُّ ، وَهُوَ الَّذِي الْمَطْلُوبُ عَلَيْهِ الْوَفَاةُ ، مُتَخَصِّصٌ الأول بِالْإِحْيَاءِ وَالثَّانِي بِالْإِمَاتَةِ هُوَ الْوَجْهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَقَالَ الْقَارِيُّ : فَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ هِيَ الْعُمْدَةُ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ إِمَّا مِنْ تَصَرُّفَاتِ الرُّوَاةِ نِسْيَانًا أَوْ بِنَاءً عَلَى زَعْمِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَجَوَازِ النَّقْلِ بِالْمَعْنَى أَوْ يُقَالُ : فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ أَيْ وَتَوَابِعِهِ مِنَ الْأَرْكَانِ ، وَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ أَيْ عَلَى الِانْقِيَادِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَنَّ الْمَوْتَ مُقَدِّمَةٌ : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَلَفْظُ فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ هَذَا هُوَ الثَّابِتُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِيمَانِ وَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ذِكْرُ أَدْعِيَةٍ غَيْرِ الْمَأْثُورِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَسُّكُ بِالثَّابِتِ عَنْهُ أَوْلَى ، وَاخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو لِمَيِّتٍ بِدُعَاءٍ وَالآخَرَ بِآخَرَ ، وَالَّذِي أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْلَاصَ الدُّعَاءِ . وَإِذَا كَانَ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ طِفْلًا اسْتُحِبَّ أَنْ يَقُولَ الْمُصَلِّي : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَى مِثْلَهُ سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ انْتَهَى ( اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ) : مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَوْ بَابِ أَفْعَلَ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ فَصَيْحَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ ، يُقَالُ حَرَمَهُ وَأَحْرَمَهُ ، وَالْمُرَادُ أَجْرُ مَوْتِهِ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَمَوْتُهُ مُصِيبَةٌ عَلَيْهِ يَطْلُبُ فِيهَا الْأَجْرَ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ ) : أَيْ لَا تَجْعَلنَا ضَآلِّينَ بَعْدَ الْإِيمَانِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فَقَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ وَالِدِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ يَقُولُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ ، وَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ فَلَمْ يَعْرِفْهُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَبَا إِبْرَاهِيمَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّ أَبَا قَتَادَةَ سُلَمِيٌّ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، نا أَبُو الْجُلَاسِ عُقْبَةُ بْنُ سَيَّارٍ أو سنان ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ شَمَّاخٍ قَالَ : شَهِدْتُ مَرْوَانَ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ ؟ قَالَ : أَمَعَ الَّذِي قُلْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : كَلَامٌ كَانَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا ، وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا ، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلْإِسْلَامِ ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَخْطَأَ شُعْبَةُ فِي اسْمِ عَلِيِّ بْنِ شَمَّاخٍ قَالَ : فِيهِ عُثْمَانُ بْنُ شَمَّاسٍ ، قال أبو داود : َسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمُوصِلِيَّ يُحَدِّثُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ : مَا أَعْلَمُ أَنِّي جَلَسْتُ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مَجْلِسًا إِلَّا نَهَى فِيهِ عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ وَجَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ( عُقْبَةُ بْنُ سَيَّارٍ ) : بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ أَوِ ابْنِ سِنَانٍ أَبُو الْجُلَاسِ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ شَامِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ . قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ( قَالَ ) : أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ ( أَمَعَ الَّذِي قُلْتَ ) : بِصِيغَةِ الْخِطَابِ أَيْ أَمَعَ هَذَا الَّذِي قُلْتَ لِي كَذَا وَكَذَا وجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَكَ ثُمَّ تَسْأَلُنِي وَتُرِيدُ الِاسْتِفَادَةَ مِنِّي ( قَالَ ) : أَيْ مَرْوَانَ ( نَعَمْ ، قَالَ ) : أَيْ عَلِيُّ بْنُ شَمَّاخٍ فِي بَيَانِ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَرْوَانَ أَنَّهُ ( كَلَامٌ كَانَ بَيْنَهُمَا ) : أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَرْوَانَ ( قَبْلَ ذَلِكَ ) : أَيْ قَبْلَ هَذَا السُّؤَالِ وَجَرَى بَيْنَهُمَا مَا جَرَى مِنَ الْمُنَازَعَةِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ وَلِأَجْلِهِ تَعَرَّضَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَمَعَ الَّذِي قُلْتَ ( أَنْتَ رَبُّهَا ) : أَيْ سَيِّدُهَا وَمَالِكُهَا ( لِلْإِسْلَامِ ) : الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْإِيمَانِ انْتِهَاءً ( وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا ) : أَيْ أَمَرْتَ بِقَبْضِ رُوحِهَا ( بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ أَيْ بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا ( جِئْنَا شُفَعَاءَ ) : أَيْ بَيْنَ يَدَيْكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ( أَخْطَأَ شُعْبَةُ ) : مِنْ هَاهُنَا إِلَى قَوْلِهِ وَجَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ ، نا الْوَلِيدُ . ( ح ) وَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أَنَا الْوَلِيدُ وَحَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَمُّ قال : نا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ . قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ في ذِمَّتِكَ ، وَحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَالْحَق ، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : عَنْ مَرْوَانَ بْنِ جَنَاحٍ ( فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ ) : وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصَلِّى عَلَى جِنَازَةٍ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْهُ : فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ بِالدُّعَاءِ . وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَجَهَرَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : سُنَّةٌ وَحَقٌّ . قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : إِنَّهُ يَجْهَرُ بِاللَّيْلِ كَاللَّيْلِيَّةِ . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْإِسْرَارُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِتَعْلَمُوا أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، أَيْ لَمْ أَقْرَأْ جَهْرًا إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّهُ سُنَّةٌ . وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ . الْحَدِيثَ ، وَسَيَجِيءُ بِتَمَامِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ جَهْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدُّعَاءِ لِقَصْدِ تَعْلِيمِهِمْ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : مَا أَتَاحَ لَنَا فِي دُعَاءِ الْجِنَازَةِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَفَسَّرَ أَتَاحَ بِمَعْنَى قَدَّرَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَالَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ بَاحَ بِمَعْنَى جَهَرَ انْتَهَى . قُلْتُ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْرَ وَالْإِسْرَارَ بِالدُّعَاءِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ جَائِزَانِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَسْمِيَةِ الْمَيِّتِ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ، وَهَذَا إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا وَإِلَّا جَعَلَ مَكَانَ ذَلِكَ : اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ هَذَا أَوْ نَحْوَهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَدْعُو بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ، وَلَا يُحَوِّلُ الضَّمَائِرَ الْمُذَكَّرَةَ إِلَى صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إِذَا كَانَتِ الْمَيِّتُ أُنْثَى ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَهَا الْمَيِّتُ ، وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَذَا فِي النَّيْلِ ( فِي ذِمَّتِكَ ) : أَيْ أَمَانِكَ ( وَحَبْلِ جِوَارِكَ ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ قِيلَ عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ ، وَقِيلَ الْحَبْلُ الْعَهْدُ أَيْ فِي كَنَفِ حِفْظِكَ وَعَهْدِ طَاعَتِكَ ، وَقِيلَ أَيْ فِي سَبِيلِ قُرْبِكَ وَهُوَ الْإِيمَانُ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ وَمُتَمَسِّكٌ بِالْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وَفَسَّرَهُ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمُرَادُ بِالْجِوَارِ الْأَمَانُ ، وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ يَعْنِي الْحَبْلَ الَّذِي يُوَرِّثُ الِاعْتِصَامُ بِهِ الْأَمْنَ وَالْأَمَانَ وَالْإِسْلَامَ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( فَقِهِ ) : بِالضَّمِيرِ أَوْ بِهَاءِ السَّكْتِ ( مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ ) : أَيِ امْتِحَانِ السُّؤَالِ فِيهِ أَوْ مِنْ أَنْوَاعِ عَذَابِهِ مِنَ الضَّغْطَةِ وَالظُّلْمَةِ وَغَيْرِهِمَا ( وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ ) : أَيْ بِالْوَعْدِ فَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( وَالْحَقِّ ) : أَيْ أَنْتَ أَهْلُ الْحَقِّ ، وَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ ( أَنْتَ الْغَفُورُ ) : أَيْ كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ لِلسَّيِّئَاتِ ( الرَّحِيمُ ) : كَثِيرُ المرحمَةِ بِقَبُولِ الطَّاعَاتِ وَالتَّفَضُّلُ بِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ . ( قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَرْوَانَ ) : يَعْنِي بِلَفْظَةِ عَنْ ، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنِّي قَدْ سُئِلْتُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ طَرِيقِ أَدَاءِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَكَيْفِيَّةِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ لِلْمَيِّتِ ، وَتَعْيِينِ مَحَلِّ كُلِّهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَدْعِيَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . فَأَقُولُ : إِنَّ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ خَمْسَةُ أَفْعَالٍ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ . الْأَوَّلُ : التَّكْبِيرَاتُ فِيهَا حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : التَّكْبِيرَاتُ مِنَ الْأَرْكَانِ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ رَكْعَةٍ ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ تَكْبِيرَةً منها لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَ رَكْعَةً ، وَلِهَذَا قِيلَ أَرْبَعٌ كَأَرْبَعِ الظُّهْرِ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَالثَّانِي : قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ مَعَ ضَمِّ السُّورَةِ أَوْ حَذْفِهَا . وَالثَّالِثُ : الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ . وَالرَّابِعُ : الْأَدْعِيَةُ الْخَالِصَةُ لِلْمَيِّتِ . وَالْخَامِسُ : التَّسْلِيمُ . أَمَّا التَّكْبِيرَاتُ فِي الْجِنَازَةِ فَتَقَدَّمَ عَنِ الْحَافِظِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ : انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَرْبَعِ ، لَكِنْ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ يُكَبِّرُ خَمْسًا وَيَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا ، وَقَالَ : إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ : كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا . كَذَا فِي الْمُنْتَقَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا . وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا وَعَلَى الصَّحَابَةِ خَمْسًا وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا . وَرَوَى ذَلِكَ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ ثَلَاثًا . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ إِلَى تِسْعٍ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِإِخْلَاصِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ ، وَكَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَبَّرَ خَمْسًا وَكَانَ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ يُكَبِّرُونَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا ، ثُمَّ ذَكَرَ آثَارَ الصَّحَابَةِ وَقَالَ : هَذِهِ آثَارٌ صَحِيحَةٌ فَلَا مُوجِبَ لِلْمَنْعِ مِنْهَا ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَمْنَعْ مِمَّا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ بَلْ فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ انْتَهَى . نَعَمْ ، لَا شَكَّ أَنَّ الْأَرْبَعَ أَقْوَى وَأَصَحُّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلِ وَهُوَ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ قَالَ : انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا . وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا . وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ : لِتَعْلَمُوا أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَقَالَ فِيهِ : فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَجَهَرَ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : سُنَّةٌ وَحَقٌّ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَزَادَ سُورَةً . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : ذِكْرُ السُّورَةِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ شَرِيكٍ قَالَتْ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ يَسِيرٌ انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ عن عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعًا وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَلَفْظُ الْحَاكم فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، فَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ عُقْدَةَ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ ، قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ . وَفِي الْمُسْنَدِ أَيْضًا أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَجْهَرُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَيَقُولُ : إِنَّمَا فَعَلْتُ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : السُّنَّةُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى عَلَى الْجِنَازَةِ وَأَخْرَجَ ابْنُ الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَ عَلَى جِنَازَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ وَقَالَ : إِنَّمَا جَهَرْتُ لِأُعَلِّمَكُمْ أَنَّهَا سُنَّةٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ فَجَهَرَ حَتَّى سَمِعْنَا الْحَدِيثَ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ . وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ ، ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ . وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ : لَيْسَ فِي الْجِنَازَةِ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُمْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ عَلَيْهَا بِالْفَاتِحَةِ ، وَكَذَا نَقَلَ هُوَ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . وَفِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لِلْمُزَنِيِّ : وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا . وَفِي الْمُحَلَّى لِابْنِ حَزْمٍ : صَلَّى الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَقَرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ قَصِيرَةٍ وَرَفَعَ بِهِمَا صَوْتَهُ انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا إِلَى الْوُجُوبِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ شَرِيكٍ وَبِحَدِيثِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَنَحْوَهُ ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ صَلَاةٌ ، وَهُوَ الْحَقُّ . انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ : لَا يَجِبُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَلْ هِيَ سُنَّةٌ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْحَقُّ مَعَ الشَّيْخِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ فَلِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالدَّعَوَاتِ اسْتِغْفَارٌ لِلْمَيِّتِ ، والْبُدَاءَةُ بِالثَّنَاءِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ سُنَّةُ الدُّعَاءِ . وَالْمَقْصُودُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ لِلْمَيِّتِ ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ الدُّعَاءَ وَلَا يَسْتَجِيبُهُ حَتَّى يَبْدَأَ أَوَّلًا بِالثَّنَاءِ ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَأْتِي بِالدُّعَاءِ ، لِمَا أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَالنَّسَائِيُّ فِي الصَّلَاةِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ يَقُولُ : سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَجَّلَ هَذَا ، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ : وَالصَّلَاةُ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَقِبَيْهَا انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْبِنَايَةِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ : وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ إِلَخْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ ، وَفِي الْمُحِيطِ : إِنَّهُ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ لَا اسْتِفْتَاحَ فِيهِ وَلَكِنَّ الْعَادَةَ أَنَّهُمْ يَسْتَفْتِحُونَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ . وَقَالَ الْكَرْخِيُّ : وَلَيْسَ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ ، يَقْرَأُ مِنْ ذَلِكَ مَا حَضَرَ وَتَيَسَّرَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَالَ : مَا وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ قَوْلًا وَلَا قِرَاءَةً ، كَبِّرْ مَا كَبَّرَ الْإِمَامُ وَاخْتَرْ مِنْ أَطْيَبِ الْكَلَامِ مَا شِئْتَ . انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . قُلْتُ : هَكَذَا ذَكَرَ الْعَيْنِيُّ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِغَيْرِ سَنَدٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَخْرَجَهُ ؛ لَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ . وَقَدْ ثَبَتَ الْأَدْعِيَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَجِيءُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : فَإِذَا أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ كَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ . انْتَهَى . وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ ، فَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ : أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجِنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ ، وَفِيهِ أَيْضًا أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ الْفِهْرِيُّ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ . انْتَهَى . وَفِي الْمُنْتَقَى لِابْنِ الْجَارُودِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ : السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ تُكَبِّرَ ثُمَّ تَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ ، وَلَا تَقْرَأْ إِلَّا فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ثُمَّ تُسَلِّمُ فِي نَفْسِه عَنْ يَمِينِه . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ مُخَرَّجٌ لَهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ . انْتَهَى . وَرِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ ضُعِّفَتْ بِمُطَرِّفِ بْنِ مَازِنٍ ، لَكِنْ قَوَّاهَا الْبَيْهَقِيُّ بِمَا رَوَاهُ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الرَّصَافِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ التَّاجِرُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، ثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ، وَكَانَ مِنْ كُبَرَاءِ الْأَنْصَارِ وَعُلَمَائِهِمْ وَأَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ فِي التَّكْبِيرَاتِ الثَّلَاثِ ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا خَفِيًّا حِينَ يَنْصَرِفُ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْعَلَ مَنْ وَرَاءَهُ مِثْلَ مَا فَعَلَ إِمَامُهُ . قَالَ الزُّهْرِيُّ : حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو أُمَامَةَ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ يَسْمَعُ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : فَذَكَرْتُ الَّذِي أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ مِنَ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ لِمُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ ، قَالَ : وَأَنَا سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي صَلَاةٍ صَلَّاهَا عَلَى الْمَيِّتِ مِثْلَ الَّذِي حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ . قَالَ الْحَاكِمُ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ : السُّنَّةُ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ يَدْعُوَ وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا ، ثُمَّ يُسَلِّمَ وَيَنْصَرِفَ وَيَفْعَلُ مَنْ وَرَاءَهُ ذَلِكَ . قَالَ سَأَلْتُ أَبِي عَنْهُ فَقَالَ : هَذَا خَطَأٌ إِنَّمَا هُوَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ . انْتَهَى . وَحَدِيثُ حَبِيبٍ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، كَذَا فِي التَّلْخِيصِ . وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ : إِنَّ السُّنَّةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ حَتَّى يَفْرُغَ وَلَا يَقْرَأُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ثُمَّ يُسَلِّمُ فِي نَفْسِهِ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ : السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَلَا يَقْرَأُ إِلَّا فِي الْأُولَى ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ قَالَ الْحَافِظُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ : وَأَبُو أُمَامَةَ هَذَا صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُغْنِي : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ بِمَكَّةَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ وَجَهَرَ ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ دَعَا لِصَاحِبِهِ فَأَحْسَنَ ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَالَ : هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ . وَفِي الْمُوَطَّأِ لِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ : كَيْفَ نُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَنَا لَعَمْرُ اللَّهِ أُخْبِرُكَ ؛ أَتَّبِعُهَا مِنْ أَهْلِهَا ، فَإِذَا وُضِعَتْ كَبَّرْتُ ، وَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَصَلَّيْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ أَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ . وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ : أَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ ، أَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَزِينٍ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ ، ثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ يَقُولُ : كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا أُتِيَ بِجِنَازَةٍ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ ، وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَمْ يَجْتَمِعْ مِائَةً لِمَيِّتٍ فَيَجْتَهِدُونَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ إِلَّا أَوْهَبَ اللَّهُ لَهُمْ ، وَإِنَّكُمْ جِئْتُمْ شُفَعَاءَ لِأَخِيكُمْ ، فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا قَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً قَامَ عِنْدَ مَنْكِبِهَا ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَبْدُكْ وَابْنُ عَبْدِكَ ، أَنْتَ خَلَقْتَهُ ، وَأَنْتَ هَدَيْتَهُ لِلْإِسْلَامِ ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهُ ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ وَعَلَانِيَتِهِ ، جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَجِيرُ بِحَبْلِ جِوَارِكَ لَهُ فَإِنَّكَ ذُو وَفَاءٍ وَذُو رَحْمَةٍ ، أَعِذْهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ جَهَنَّمَ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ ، اللَّهُمَّ نَوِّرْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ . قَالَ يَقُولُ هَذَا كُلَّمَا كَبَّرَ ، وَإِذَا كَانَتِ التَّكْبِيرَةُ الْآخِرَةُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى أَسْلَافِنَا وَأَفْرَاطِنَا ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ . ثُمَّ يَنْصَرِفُ . كَذَا فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ لِلْحَافِظِ ابْنِ الْقَيِّمِ . وَقَالَ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ أُخْبِرُكَ ، تَبْدَأُ فَتُكَبِّرُ ثُمَّ تُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنَّ عَبْدَكَ فُلَانٌ كَانَ لَا يُشْرِكُ بِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ مَالِكٍ . قَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ : وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ لَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي تَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِهِمَا : إِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : تُسْتَحَبُّ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ . فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِنَازَةِ كَمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ فِي التَّشَهُّدِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ لَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ . وَفِي مَسَائِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُصَلِّي عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ . قَالَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ : فَيَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَنْبِيَائِكَ وَالْمُرْسَلِينَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : أَخْبَرَنَا أَبُو النَّصْرِ الْفَقِيهُ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ثَنَا مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيُّ ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَضَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ صَلَّى بِنَا عَلَى جِنَازَةٍ بِالْأَبْوَاءِ وَكَبَّرَ ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِهَا ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، وَيَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَصْبَحَ فَقِيرًا إِلَى رَحْمَتِكَ وَأَصْبَحْتَ غَنِيًّا عَنْ عَذَابِهِ ، إِنْ كَانَ زَاكِيًا فَزَكِّهِ ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فَاغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَضِلَّنَا بَعْدَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ ثلاث تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ انْصَرَفَ . فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لَمْ أَقْرَأْ عَلَيْهَا إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا السُّنَّةُ . قَالَ الْحَاكِمُ : لَمْ يَحْتَجَّ الشَّيْخَانِ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ تَابِعِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا الْحَدِيثَ شَاهِدًا لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي قَدَّمْنَا فَإِنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ بِجُمْلَةٍ وَهَذَا حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ . انْتَهَى . وَأَمَّا صِيَغُ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ ، فَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُكَانَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ ، فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا النَّسَائِيَّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا إِلَى آخِرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . قَالَ الْحَاكِمُ : وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَرُوِيَ عَنْهُ بِلَفْظِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّهَا ، وَأَنْتَ خَلَقْتهَا وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْبَابِ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ ثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ الْقَاسِمِ الْيَمَامِيُّ ثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا وَغَائِبِنَا وَشَاهِدِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا . اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ . قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . قُلْتُ : مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ نَزِيلُ بَغْدَادَ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ خِرَاشٍ . وَحَدِيثُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ الْجَارُودِ وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا ، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا . قَالَ يَحْيَى : وَحَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَزَادَ فِيهِ : اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهِ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ . قَالَ أَبُو عِيسَى : حَدِيثُ وَالِدِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا . وَرَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَحَدِيثُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَعِكْرِمَةُ رُبَّمَا يَهِمُ فِي حَدِيثِ يَحْيَى ، وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : وَسَأَلْتُهُ عَنِ اسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الْأَشْهَلِيِّ فَلَمْ يَعْرِفْهُ انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا ، وَابْنُ الْجَارُودِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ سَمِعَهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ . قَالَ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ ، قَالَ عَوْفٌ : فَتَمَنَّيْتُ أَنْ لَوْ كُنْتُ أَنَا الْمَيِّتَ لِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَيِّتِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ : أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ هَذَا الْحَدِيثُ انْتَهَى . وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ أَخْرَجَهُ الْمُؤَلِّفُ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْبَابِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْحَاكِمِ . وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَلَّالُ بِمَكَّةَ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْكَاتِبُ ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ، ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُكَانَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ لِلْجِنَازَةِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا قَالَ : اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، احْتَاجَ إِلَى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ ، إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ . هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ رُكَانَةَ وَأَبُو رُكَانَةَ ابْنُ عَبْدِ يَزِيدَ صَحَابِيَّانِ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَهُمُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَحْيَائِنَا وَأَمْوَاتِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا ، اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ فَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ . كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِيِّ وَأُسْدِ الْغَابَةِ . فَهَذِهِ صِيَغُ الْأَدْعِيَةِ الْمَأْثُورَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ذِكْرُ أَدْعِيَةٍ غَيْرِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالتَّمَسُّكُ بِالثَّابِتِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْزَمُ وَأَوْكَدُ ، وَاخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو لِمَيِّتٍ بِدُعَاءٍ وَلِآخَرَ بِآخَرَ ، وَالَّذِي أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْلَاصَ الدُّعَاءِ ، فَلِلرَّجُلِ الْمُتَّبِعِ لِلسُّنَّةِ أَنَّهُ يَدْعُو بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَا يُحَوِّلُ الضَّمَائِرُ الْمُذَكَّرَةُ إِلَى صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ أُنْثَى ، لِأَنَّ مَرْجِعَهَا الْمَيِّتُ وَهُوَ يُقَالُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى . كَذَا قَالَ الشَّوْكَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَلَامُهُ هَذَا حَسَنٌ جِدًّا . فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَدْعُو لِمَيِّت ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَانِيًا وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ بَلْ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ مُخْلِصًا لَهُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَالِثًا وَيُصَلِّي وَيَدْعُو مِثْلَ مَا فَعَلَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ الثَّانِي ، ثُمَّ يُكَبِّرُ رَابِعًا مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنَ الدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ وَيُسَلِّمُ بَعْدَ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينُ مَوْضِعِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ ؛ فَإِنْ شَاءَ الْمُصَلِّي جَاءَ بِمَا يَخْتَارُ مِنْهَا دُفْعَةً ، إِمَّا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ التَّكْبِيرِ ، أَوْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ ، أَوْ يُفَرِّقُهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ ، أَوْ يَدْعُو بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ لِيَكُونَ مُؤَدِّيًا لِجَمِيعِ مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى الَّذِي عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ إِلَّا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ ؛ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ دَعَا بَعْدَهَا ، وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ مُخْتَصٌّ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَالْأَحَبُّ أَنْ يَسْتَكْثِرَ فِي الدُّعَاءِ وَيَجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ ، لِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ دُعَاءٌ لِلْمَيِّتِ وَاسْتِغْفَارٌ لَهُ ، وَالِاسْتِكْثَارُ وَالْمُبَالَغَةُ مَطْلُوبٌ فِيهِمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ جَاءَ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ أَيْضًا لِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ مَاتَتِ ابْنَةٌ لَهُ فَكَبّر عَلَيْهَا أَرْبَعًا ثُمَّ قَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَدْعُو ، ثُمَّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي الْجِنَازَةِ هَكَذَا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ كَمَا سَيَجِيءُ . وَلَفْظُ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ : ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ثُمَّ قَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَدْرَ مَا بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو وَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ هَكَذَا . قَالَ الْحَاكِمُ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِي التَّلْخِيصِ : وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي الْغَيْلَانِيَّاتِ وَزَادَ ثُمَّ سَلَّمَ عن يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ : لَا أَزِيدُ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ . وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ ابْنَتِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْسًا ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا لَهُ مَا هَذَا ؟ فَقَالَ إِنِّي لَا أَزِيدُ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ ، وَهَكَذَا كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْآخِرَةِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ ، وَالرَّاجِحُ الِاسْتِحْبَابُ لِهَذَا الْحَدِيثِ . كَذَا فِي النَّيْلِ . وَأَمَّا التَّسْلِيمُ فَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْفَى الْمُتَقَدِّمِ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُنَّ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ ، إِحْدَاهُنَّ التَّسْلِيمُ عَلَى الْجَنَائِزِ مِثْلُ التَّسْلِيمَتَيْنِ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى . كَذَا نَقَلَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ . وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَالشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بِلَفْظِ التَّسْلِيمُ عَلَى الْجِنَازَةِ مِثْلُ التَّسْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي زَادِ الْمَعَادِ : وَأَمَّا هَدْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّسْلِيمِ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَرُوِيَ أَنَّهُ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ حَرْمَلَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْهَجَرِيِّ وَفِيهِ كَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ثُمَّ قَامَ سَاعَةً فَسَبَّحَ الْقَوْمُ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي أَزِيدُ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ أَرْبَعًا ، وَلَمْ يَقُلْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيِّ ثَنَا الْهَجَرِيُّ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْأَسْلَمِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِنَازَةِ ابْنَةٍ لَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا فَمَكَثَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ شَيْئًا ، قَالَ : فَسَمِعْتُ الْقَوْمَ يُسَبِّحُونَ بِهِ مِنْ نَوَاحِي الصُّفُوفِ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : أَكُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنِّي مُكَبِّرٌ خَمْسًا ؟ قَالُوا : تَخَوَّفْنَا ذَلِكَ ، قَالَ : لَمْ أَكُنْ لِأَفْعَلَ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَمْكُثُ سَاعَةً فَيَقُولُ مَا شَاءَ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ يُسَلِّمُ . وَلَمْ يَقُلْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ . وَذِكْرُ السَّلَامِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ انْفَرَدَ عَنْهَا شَرِيكٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيَّ وَالْمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ وَاحِدَةً . ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ . قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَتَعْرِفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَتَيْنِ عَلَى الْجِنَازَةِ ؟ قَالَ : لَا وَلَكِنْ عَنْ سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ تَسْلِيمَةً خَفِيفَةً عَنْ يَمِينِهِ ، فَذَكَرَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَوَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ وَابْنَ أَبِي أَوْفَى وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا أُمَامَةَ ، فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ بِتَغَيُّرٍ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ تَحْتَ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ : ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا خَفِيًّا إِلَخْ . وَلَيْسَ فِي التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَشَاهِدُهُ حَدِيثُ أَبِي الْعَنْبَسِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ثُمَّ سَاقَ رِوَايَتَهُ بِقَوْلِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَارِمٍ الْحَافِظُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامِ بْنِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الْعَنْبَسِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا . التَّسْلِيمَةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى الْجِنَازَةِ قَدْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً . انْتَهَى كَلَامُ الْحَاكِمِ ، وَزَادَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَأَنَسٌ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . ثُمَّ هَلْ يُسِرُّ بِهَا أَوْ يَجْهَرُ ، فَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِخْفَاؤُهَا ، وَعَنْ مَالِكٍ : يَسْمَعُ بِهَا مَنْ يَلِيهِ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ : لَا يَجْهَرُ كُلَّ الْجَهْرِ وَلَا يُسِرُّ كُلَّ الْإِسْرَارِ ، كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِيِّ . وَأَمَّا وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِيهَا فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْجِنَازَةِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ : حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ الْكُوفِيُّ ، نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ الْوَرَّاقُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِي فَرْوَةَ يَزِيدَ بْنَ سِنَانٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا ، فَرَأَى أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجِنَازَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ . وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ : لَا يَقْبِضُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، وَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقْبِضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ كَمَا يَفْعَلُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو عِيسَى يَقْبِضُ أَحَبُّ إِلَيَّ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ : بَابُ مَا جَاءَ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ التَكْبِيرَة ثُمَّ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانَ الْوَرَّاقِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْلَى عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : يُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ ضَعِيفٌ . وَأَعَلَّ ابْنُ الْقَطَّانِ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ بِأَبِي فَرْوَةَ ، وَنَقَلَ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَعِينٍ وَالْعُقَيْلِيِّ . قَالَ : وَفِيهِ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْلَى الرَّاوِي عَنْ أَبِي فَرْوَةَ وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا الْقَطْوَانِيُّ الْأَسْلَمِيُّ . هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ : ثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي أَوَّلِ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ لَا يَعُودُ . انْتَهَى وَسَكَتَ عَنْهُ لَكِنْ أَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ بِالْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مَجْهُولٌ انْتَهَى . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : وَلَمْ أَجِدْهُ فِي ضُعَفَاءِ ابْنِ حِبَّانَ . وَيُعَارِضُهُ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي عِلَلِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَإِذَا انْصَرَفَ سَلَّمَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَكَذَا رَفَعَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ ، وَخَالَفَهُ جَمَاعَةٌ فَرَوَوْهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ مَوْقُوفًا وَهُوَ الصَّوَابُ . انْتَهَى . وَلَمْ يَرْوِ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ شَيْئًا فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا حَدِيثًا مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عمر وحَدِيثًا مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . انْتَهَى كَلَامُ الزَّيْلَعِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ الْحَافِظُ : سَنَدُهُ صَحِيحٌ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى بْنِ عِيسَى مَرْفُوعًا وَقَالَ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِعٍ إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ . تَفَرَّدَ بِهِ عَبَّادُ بْنُ صُهَيْبٍ . قَالَ فِي التَّلْخِيصِ : وَهُمَا ضَعِيفَانِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَمَّنْ سَمِعَ سَلَمَةَ بْنَ وَرْدَانَ يَذْكُرُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ . وَرَوَى أَيْضًا الشَّافِعِيُّ عَنْ عُرْوَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ : وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا انْتَهَى . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مَشْرُوعِيَّةَ الرَّفْعِ عِنْدَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاءٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إِنَّهُ لَا يَرْفَعُ عِنْدَ سَائِرِ التَّكْبِيرَاتِ بَلْ عِنْدَ الْأُولَى فَقَطْ ، وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ ؛ الرَّفْعُ فِي الْجَمِيعِ ، وَفِي الْأُولَى فَقَطْ ، وَعَدَمُهُ فِي كُلِّهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ ، فَكَالصَّلَاةِ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ عَلَّمَ أَصْحَابَهُ دُعَاءً آخَرَ لِلْمَيِّتِ الصَّغِيرِ غَيْرَ الدُّعَاءِ الَّذِي عَلَّمَهُمْ لِلْمَيِّتِ الْكَبِيرِ ؛ بَلْ كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا ، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا كَمَا عَرَفْتَ . وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ انْتَهَى . فَالدُّعَاءُ لِلطِّفْلِ عَلَى مَعْنَى الزِّيَادَةِ كَمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرْحَمَهَا وَتَسْتَغْفِرُهُ . لَكِنْ رَوَى الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَلِيٌّ إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى جِنَازَةٍ فَقُلِ اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ ، مَاضٍ فِيهِ حُكْمُكَ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ، زَارَكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَزُورٍ ، اللَّهُمَّ لَقِّنْهُ حُجَّتَهُ وَأَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ ، وَنِرْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَوَسِّعْ عَلَيْهِ فِي مُدْخَلِهِ ، وَثَبِّتْهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فَإِنَّهُ افْتَقَرَ إِلَيْكَ وَاسْتَغْنَيْتَ عَنْهُ ، وَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، فَاغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ . يَا عَلِيٌّ ، وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى امْرَأَةٍ فَقُلْ : أَنْتَ خَلَقْتَهَا وَرَزَقْتَهَا وَأَنْتَ أَحْيَيْتَهَا وَأَنْتَ أَمَتَّهَا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا ، جِئْنَاكَ شُفَعَاءَ لَهَا ، اغْفِرْ لَهَا ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهَا وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهَا . يَا عَلِيٌّ ، وَإِذَا صَلَّيْتَ عَلَى طِفْلٍ قُلِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِأَبَوَيْهِ سَلَفًا ، وَاجْعَلْ لَهُمَا نُورًا وَسَدَادًا أَعْقِبْ وَالِدِيهِ الْجَنَّةَ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِيِّ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ . وَالْحَدِيثُ يُنْظَرُ فِي إِسْنَادِهِ ، وَالْغَالِبُ فِيهِ الضَّعْفُ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النُّفُوسِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَأَجْرًا . وَفِي جَامِعِ سُفْيَانَ عَنِ الْحَسَنِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَاجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا انْتَهَى . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَفْرَاطِكُمْ . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَعِنْدَ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ لَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّبِيِّ فَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَأَجْرًا انْتَهَى . وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَسْتَغْفِرُ لِلصَّبِيِّ وَلَكِنْ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَاجْعَلْهُ لَنَا أَجْرًا وَذُخْرًا وَاجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مَرْفُوعُ الْقَلَمِ عَنْهُ وَلَا ذَنْبَ لَهُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ . وَفِي الْبَدَائِعِ : إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ صَبِيًّا يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا وَذُخْرًا ، وَشَفِّعْهُ فِينَا . كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي الْمُحِيطِ : إِذَا كَانَ الْمَيِّتُ صَبِيًّا يَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا ذُخْرًا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا شَافِعًا وَمُشَفَّعًا . وَفِي الْمُفِيدِ : وَيَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ . وَقِيلَ : يَقُولُ : اللَّهُمَّ ثَقِّلْ مَوَازِينَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِسَلَفِنَا وَفَرَطنَا وَمَنْ سَبَقَنَا بِالْإِيمَانِ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ . وَإِنَّمَا أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِيهِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ يَعْنِي : ابْنَ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ بَاب الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ ( فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيِ ادْعُوا لَهُ بِالِاعْتِقَادِ وَالْإِخْلَاصِ انْتَهَى . وقَالَ الْمُنَاوِيُّ : أَيِ ادْعُوا لَهُ بِإِخْلَاصٍ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ الشَّفَاعَةُ لِلْمَيِّتِ ، وَإِنَّمَا يُرْجَى قَبُولُهَا عِنْدَ تَوَفُّرِ الْإِخْلَاصِ وَالِابْتِهَالِ انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الْوَارِدَةِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يُخْلِصَ الدُّعَاءَ لَهُ سَوَاءً كَانَ مُحْسِنًا أَوْ مُسِيئًا ، فَلِأَنَّ مُلَابِسَ الْمَعَاصِي أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى دُعَاءِ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْقَرِهِمْ إِلَى شَفَاعَتِهِمْ ، وَلِذَلِكَ قَدَّمُوهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَجَاءوا بِهِ إِلَيْهِمْ ، لَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الْمُصَلِّي يَلْعَنُ الْفَاسِقَ وَيَقْتَصِرُ فِي الْمُلْتَبِسِ عَلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْهُ إِحْسَانًا وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَأَنْتَ أَوْلَى بِالْعَفْوِ عَنْهُ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مِنْ إِخْلَاصِ السَّبِّ لَا مِنْ إِخْلَاصِ الدُّعَاءِ ، وَالثَّانِي مِنْ بَابِ التَّفْوِيضِ بِاعْتِبَارِ الْمُسِيءِ لَا مِنْ بَابِ الشَّفَاعَةِ وَالسُّؤَالُ ، وَهُوَ تَحْصِيلُ للْحَاصِلِ ، وَالْمَيِّتُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ انْتَهَى . لَكِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ مُصَرِّحًا بِالسَّمَاعِ وَصَحَّحَهُ ، وَأَيْضًا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
بَابٌ : فِي اتباع الميت بالنار حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ . ( ح ) وََنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، نَا أَبُو دَاوُدَ قَالَا : نَا حَرْبٌ يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ ، نَا يَحْيَى ، حَدَّثَنِي بَابُ بْنُ عُمَيْرٍ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُتْبَعُ الْجَنَازَةُ بِصَوْتٍ وَلَا نَارٍ قال أبو داود : زَادَ هَارُونُ : وَلَا يُمْشَى بَيْنَ يَدَيْهَا بَاب فِي اتباع الميت بالنار ( قَالَا ) : أَيْ عَبْدُ الصَّمَدِ وَأَبُو دَاوُدَ ( لَا تُتْبَعُ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ ( الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ ) : أَيْ مَعَ صَوْتٍ وَهُوَ النِّيَاحَةُ ( وَلَا نَارٍ ) : فَيُكْرَهُ اتِّبَاعُهَا بِنَارٍ فِي مِجْمَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنَ التَّفَاؤُلِ ( وَلَا يُمْشَى ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ( بَيْنَ يَدَيْهَا ) : بِنَارٍ وَلَا صَوْتٍ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتْبَعَ جِنَازَةً مَعَهَا رَانَّةٌ وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : أَوْصَى أَبُو مُوسَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ لَا تَتْبَعُونِي بِمِجْمَرٍ قَالُوا : أَوَسَمِعْتَ فِيهِ شَيْئًا قَالَ : نَعَمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِيهِ أَبُو حَرِيزٍ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ مَجْهُولٌ . وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ لِأَهْلِهَا : وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ . وَفِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُتْبَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِنَارٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جَاءَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا ، انْتَهَى . بَلْ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْبَابِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا لِلْجَهْلِ بِحَالِ ابْنِ عُمَيْرٍ رَاوِيهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، انْتَهَى . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ : لَكِنْ حَسَّنَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ ، وَلَعَلَّهُ لِشَوَاهِدِهِ فَيُكْرَهُ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ بِنَارٍ فِي مِجْمَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ . وَقَدْ هَدَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَزَجَرَ عَنْهَا ، وَلِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى ، وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّفَاؤُلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ رَجُلَانِ مَجْهُولَانِ .
بَابٌ : فِي الِاسْتِرْجَاعِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادٌ ، أََنَا ثَابِتٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي ، فَأجِرْنِي فِيهَا ، وَأَبْدِلْ لِي بِهَا خَيْرًا مِنْهَا بَاب فِي الِاسْتِرْجَاعِ ( أَحْتَسِبُ ) : أَيِ أَطْلُبُ الثَّوَابَ ( فَأْجُرْنِي ) أَيْ أَعْطِنِي الْأَجْرَ . قَالَ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ : قَوْلُهُ فَأْجُرْنِي بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ يُقَالُ آجَرَهُ يُؤْجِرُهُ ، أَيْ : أَثَابَهُ وَأَعْطَاهُ الْأَجْرَ وَالْجَزَاءَ ، وَكَذَلِكَ أَجَرَهُ يَأْجُرُهُ وَالْأَمْرُ مِنْهُمَا آجِرْنِي بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَمْدُودَةٍ وَكَسْرِ الْجِيمِ بِوَزْنِ أَكْرِمْنِي وَأْجُرْنِي بِهَمْزَةِ سَاكِنَةٍ وَضَمِّ الْجِيمِ بِوَزْنِ انْصُرْنِي ( فِيهَا ) : أَيْ فِي هَذِهِ الْمُصِيبَةِ ( بِهَا ) : أَيْ بِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ ( مِنْهَا ) : أَيْ مِنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ أَسَدٍ الْمَخْزُومِيِّ رَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْلَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحْفَةٍ وَرَآهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سَفِينَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوَهُ أَتَمَّ مِنْهُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ النَّسَائِيِّ فِي كِتَابِ عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ .
بَابٌ : الْعِيَادَةِ مِنْ الرَّمَدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إسحاق ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي بَاب فِي الْعِيَادَةِ مِنْ الرَّمَدِ أَيْ بِسَبَبِ الرَّمَدِ . وَالرَّمَدُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمِيمِ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي الطَّبَقَةِ الْمُلْتَحِمَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَهُوَ بَيَاضُهَا الظَّاهِرُ ، وَسَبَبُهُ انْصِبَابُ أَحَدِ الْأَخْلَاطِ أَوْ أَبْخِرَةٍ تَصْعَدُ مِنَ الْمَعِدَةِ إِلَى الدِّمَاغِ ، فَإِنِ انْدَفَعَ إِلَى الْخَيَاشِيمِ أَحْدَثَ الزُّكَامَ ، أَوْ إِلَى الْعَيْنِ أَحْدَثَ الرَّمَدَ ، أَوْ إِلَى اللَّهَاةِ وَالْمَنْخِرَيْنِ أَحْدَثَ الْخُنَانَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ أَوْ إِلَى الصَّدْرِ أَحْدَثَ النَّزْلَةَ ، أَوْ إِلَى الْقَلْبِ أَحْدَثَ الشَّوْصَةَ ، وَإِنْ لَمْ يَنْحَدِرْ وطلب نَفَاذًا فَلَمْ يَجِدْ أَحْدَثَ الصُّدَاعَ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . ( عَادَنِي ) : مِنْ الْعِيَادَةِ ، يُقَالُ : عُدْتُ الْمَرِيضَ أَعُودُهُ عِيَادَةً إِذَا زُرْتُهُ وَسَأَلْتُ عَنْ حَالِهِ ( مِنْ وَجَعٍ بِعَيْنِي ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْعِيَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرَضُ مَخُوفًا كَالصُّدَاعِ وَوَجَعُ الضِّرْسِ وَأَنَّ ذَلِكَ عِيَادَةٌ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ بَعْضُهُمْ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْعِيَادَةِ مِنَ الرَّمَدِ ، وَيَرُدُّهُ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ عِيَادَةٌ الْعَيْنُ وَالدُّمَّلُ وَالضِّرْسُ فَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَفِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ فِيهِ بَيَانُ اسْتِحْبَابِ الْعِيَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَرَضُ مَخْوفًا ، وَأَنَّ ذَلِكَ عِيَادَةٌ حَتَّى يَحُوزَ بِذَلِكَ أَجْرُ الْعِيَادَةِ . وَرَوَى عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعِيَادَةَ فِي الرَّمَدِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ خِلَافُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثُ يَرُدّهُ ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَيَسَّرَ لَهُمُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ مَعَ أَنَّ السُّنَّةَ خِلَافُهُ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، فَقَالَ : بَابُ الْعِيَادَةِ مِنَ الرَّمَدِ ، ثُمَّ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ وَاللَّهُ الْهَادِي ، انْتَهَى . قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ رَدًّا عَلَيْهِ : إِنَّ تَرْجَمَةَ أَبِي دَاوُدَ لَا تَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : بَلَى تَرْجَمَةُ أَبِي دَاوُدَ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا صَحِيحًا فَلَا يَكُونُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ الْمُخَالِفُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ . وَحَدِيثُ الْبَابِ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، قَالَ : وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : عَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ مِنْ رَمَدٍ كَانَ بِهِ .
بَابُ الرَّجُلِ يَمُوتُ لَهُ قَرَابَةٌ مُشْرِكٌ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنِي أَبُو إسحاق ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ . قَالَ : اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاكَ ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي فَذَهَبْتُ فَوَارَيْتُهُ ، وَجِئْتُهُ فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْتُ وَدَعَا لِي 4035 بَابُ الرَّجُلِ يَمُوتُ لَهُ قَرَابَةٌ كَسَحَابَةٍ ، وَالْقَرَابَةُ فِي الرَّحِمِ ، وَالْقَرَابَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ يُقَالُ هُوَ قَرَابَتِي ، وَهُمْ قَرَابَتِي ، وَعَدَّ هَذَا الرَّازِيُّ مِنْ كَلَامِ الْعَوَامِّ ، وَأَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيُّ ، وَقَالَ : الصَّوَابُ هُوَ ذُو قَرَابَتِي وَهُمَا ذَوَا قَرَابَتِي وَهُمْ ذَوُو قَرَابَتِي ، وَرَدَّ الْخَفَاجِيُّ كَلَامَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَّةِ . وَالْقَرِيبُ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ . قَالَ الْفَرَّاءُ : إِذَا كَانَ الْقَرِيبُ فِي الْمَسَافَةِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَإِذَا كَانَ فِي مَعْنَى النَّسَبِ يُؤَنَّثُ بِلَا اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ ، تَقُولُ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَرِيبَتِي أَيْ ذَاتُ قَرَابَتِي ( مُشْرِكٌ ) : أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ قَرَابَةُ مُشْرِكٍ فَيَمُوتُ الْمُشْرِكُ فَمَاذَا يَصْنَعُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ بِالْقَرَابَةِ الْمُشْرِكِ . ( إِنَّ عَمَّكَ ) : يَعْنِي أَبَاهُ أَبَا طَالِبٍ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ ) : مِنَ الْإِحْدَاثِ أَيْ لَا تَفْعَلَنَّ ( فَوَارَيْتُهُ ) : أَيْ أَبَا طَالِبٍ ( وَجِئْتُهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَأَمَرَنِي ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاغْتِسَالِ . قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِالْكَافِرِ انْتَهَى . قَالَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ أَبُو الطَّيِّبِ عُفِيَ عَنْهُ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَبَا طَالِبٍ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَفِي هَذَا نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْحَقُّ الصَّوَابُ وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِثْبَاتِ إِسْلَامِهِ فَهُوَ غَلَطٌ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، قال : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ : لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : وَاللَّهِ مَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثِيَابِهِ ، كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقْنُهُ فِي صَدْرِهِ ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ : أَنْ اغْسِلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ ، وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ ( لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ ) : أَيِ الْمُكَلِّمُ ( وَعَلَيْهِ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ ( فَغَسَلُوهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وعليه ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَمِيصُهُ ) : هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ ( وَيَدْلُكُونَهُ ) : فِي الْمِصْبَاحِ : دَلَكْتُ الشَّيْءَ دَلْكًا مِنْ بَابِ قَتَلَ مَرَسْتَهُ بِيَدِكَ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَتْ : فَثَارُوا إِلَيْهِ فَغَسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قَمِيصِهِ يُفَاضُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ وَيَدْلُكُ الرِّجَالُ بِالْقَمِيصِ ، انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ : فَكَانَ الَّذِي أَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . ورَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ : غَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَعَلَى يَدِهِ خِرْقَةٌ ، فَغَسَلَهُ فَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الْقَمِيصِ فَغَسَلَهُ وَالْقَمِيصُ عَلَيْهِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ : لَمَّا أَخَذُوا فِي غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ الدَّاخِلِ : لَا تَنْزِعُوا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ : أَنَّ عَلِيًّا أَسْنَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَدْرِهِ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ . وَفِيهِ ضَعْفٌ . وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالشَّافِعِيِّ قَالَ : غُسِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا بِسِدْرٍ ، وَغُسِلَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ ، وَغُسِلَ مِنْ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا الْغَرْسُ بِقُبَا كَانَتْ لِسَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ وَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا ، وَوَلِيَ سَفَلَتُهُ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ مُحْتَضِنُهُ وَالْعَبَّاسُ يَصُبُّ الْمَاءَ . قَالَ الْحَافِظُ : هُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ . ( لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ ) : أَيْ لَوْ عَلِمْتُ أَوَّلًا مَا عَلِمْتُ آخِرًا ، وَظَهَرَ لِي أَوَّلًا مَا ظَهَرَ لِي آخِرًا ( مَا غَسَلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ ) : وَكَأَنَّ عَائِشَةَ تَفَكَّرَتْ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ أَنْ مَضَى ، وَذَكَرَتْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا : مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ ثُمَّ صَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : فِيهِ مُتَمَسَّكٌ لِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ ، أَيْ فِي جَوَازِ غَسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ غَسْلِ الْجِنْسِ لِجِنْسِهِ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجَةِ ، وَلَا عَلَى أَنَّهَا أَوْلَى مِنَ الرِّجَالِ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ هَذَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثَانِ لِعَائِشَةَ أَيْ حَدِيثُ : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي ، وَحَدِيثُ : مَا ضَرَّكِ ، أَخْرَجَهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَبَوَّبَ : بَابُ مَا جَاءَ فِي غَسْلِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَغَسْلِ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا ، وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى : بَابُ مَا جَاءَ فِي غَسْلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ ، وَأَوْرَدَ الْحَدِيثِينَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ قَوْلُ عَائِشَةَ : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي ، الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا أَخَذُوا فِي غُسْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ الدَّاخِلِ لَا تَنْزِعُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَلْقَمَةَ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَعَمْرُو بْنُ يَزِيدَ هَذَا هُوَ أَبُو بُرْدَةَ التَّمِيمِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ .
بَابٌ : فِي سَتْرِ الْمَيِّتِ عِنْدَ غُسْلِهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، نا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أُخْبِرْتُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ ، وَلَا تَنْظُر إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ بَاب فِي سَتْرِ الْمَيِّتِ عِنْدَ غُسْلِهِ ( أُخْبِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ ( وَلَا مَيِّتٍ ) : دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ وَالْحَيَّ سَوَاءٌ فِي حُكْمِ الْعَوْرَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ . وَهَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَعَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ قَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ .
بَابُ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةَ فَقُومُوا لَهَا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ أَوْ تُوضَعَ بَاب الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ ( فَقُومُوا لَهَا ) : أَيْ لِلْجِنَازَةِ لِهَوْلِ الْمَوْتِ وَفَزَعٍ مِنْهُ لَا لِتَعْظِيمِ الْمَيِّتِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي ، أَوْ لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : إِنَّمَا قُمْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ( حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ تَتَجَاوَزَكُمْ وَتَجْعَلَكُمْ خَلْفَهَا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّخْصِيصَ بِكَوْنِ الْجِنَازَةِ تَتَقَدَّمُ بَلِ الْمُرَادُ مُفَارَقَتُهَا سَوَاءٌ تَخَلَّفَ الْقَائِمُ لَهَا وَرَاءَهَا أَوْ خَلَّفَهَا الْقَائِمُ وَرَاءَهُ وَتَقَدَّمَ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ، وَقَالَ الْحَافِظُ : وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ يَعْنِي الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَقَالَ : هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ يَكُونَ قَامَ لِعِلَّةٍ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ فِعْلِهِ ، وَالْحُجَّةُ فِي الْآخَرِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَالْقُعُودُ أَحَبُّ إِلَيَّ ، انْتَهَى . وَأَشَارَ بِالتَّرْكِ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ لِلْجِنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ قَوْلُ عَلِيٍّ ثُمَّ قَعَدَ أَيْ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَتْهُ وَبَعُدَتْ عَنْهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ كَانَ يَقُومُ فِي وَقْتٍ ثُمَّ تَرَكَ الْقِيَامَ أَصْلًا ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُهُ الْأَخِيرُ قَرِينَةً فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ النَّدْبُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلْوُجُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ يَعْنِي فِي الْأَمْرِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى النَّسْخِ ، انْتَهَى . وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ يَدْفَعُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْمٍ قَامُوا أَنْ يَجْلِسُوا ثُمَّ حَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْقِيَامِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ سَلِيمٌ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : قُعُودُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِالْقِيَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَهْيٍ أَوْ بِتَرْكٍ مَعَهُ نَهْيٌ ، انْتَهَى . وَقَدْ وَرَدَ مَعْنَى النَّهْيِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ لِلْجِنَازَةِ ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعَلُ ، فَقَالَ : اجْلِسُوا وَخَالِفُوهُمْ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكَانَ حُجَّةً فِي النَّسْخِ . وَقَالَ عِيَاضٌ : ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَهُوَ هُنَا مُمْكِنٌ ، قَالَ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، وَبِهِ قَالَ الْمُتَوَلِّي ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : جَاءَتْ آثَارٌ صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ تُوجِبُ الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ وَقَالَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَرَأَوْهَا غَيْرَ مَنْسُوخَةٍ ، وَقَالُوا : لَا يَجْلِسُ مَنِ اتَّبَعَ الْجِنَازَةَ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ أَعْنَاقِ الرِّجَالِ ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو مُوسَى ، وَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ فَقَالُوا : لَيْسَ عَلَى مَنْ مَرَّتْ بِهِ الْجِنَازَةُ أَنْ يَقُومُوا لَهَا وَلِمَنْ تَبِعَهَا أَنْ يَجْلِسَ وَإِنْ لَمْ يُوضَعْ . وَأَرَادَ بِالْآخَرِينَ : عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ وَنَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا يُوسُفَ ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِيَامِ مَنْسُوخٌ ، وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : كَانَ يَأْمُرنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجَنَائِزِ ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِالْجُلُوسِ ، كَذَا فِي عُمْدَةِ الْقَارِيِّ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ مُلَخَّصًا . ( أَوْ تُوضَعَ ) : الْجِنَازَةُ عَلَى الْأَعْنَاقِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ ، نا الْوَلِيدُ ، نا أَبُو عَمْرٍو ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ ، قال : حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّتْ بِنَا جَنَازَةٌ ، فَقَامَ لَهَا ، فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ إِذَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ : إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ جَنَازَةً فَقُومُوا ( فَقَامَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَهَا ) : أَيْ لِلْجِنَازَةِ ( فَقَالَ : إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَوْتَ يُفْزَعُ مِنْهُ إِشَارَةً إِلَى اسْتِعْظَامِهِ . وَمَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنْ لَا يَسْتَمِرَّ الْإِنْسَانُ عَلَى الْغَفْلَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَوْتِ لِمَا يُشْعِرُ ذَلِكَ مِنَ التَّسَاهُلِ بِأَمْرِ الْمَوْتِ ، فَمِنْ ثَمَّ اسْتَوَى فِيهِ كَوْنُ الْمَيِّتِ مُسْلِمًا أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : جَعْلُ نَفْسِ الْمَوْتِ فَزَعًا مُبَالَغَةٌ ، كَمَا يُقَالُ : رَجُلٌ عَدْلٌ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هُوَ مَصْدَرٌ جَرَى مَجْرَى الْوَصْفِ لِلْمُبَالَغَةِ أَوْ فِيهِ تَقْدِيرٌ أَيِ الْمَوْتُ ذُو فَزَعٍ . قَالَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ : فَلَمَّا ذَهَبْنَا لِنَحْمِلَ .
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ بَهْرَامَ الْمَدَائِنِيُّ ، نا حَاتِمُ بْنُ إسماعيل ، أنا أَبُو الْأَسْبَاطِ الْحَارِثِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ فِي الْجَنَازَةِ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ ، فَمَرَّ بِهِ حَبْرٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ : هَكَذَا نَفْعَلُ ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : اجْلِسُوا ، خَالِفُوهُمْ ( أَبُو الْأَسْبَاطِ الْحَارِثِيُّ ) : هُوَ بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ إِمَامُ مَسْجِدِ نَجْرَانَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ عَدِيٍّ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يُتَابَعُ ، وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَحْمَدُ ( حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ وَتُضَمُّ وَسُكُونِ الْحَاءِ الشَّقُّ فِي جَانِبِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقَبْرِ ( فَمَرَّ بِهِ ) : أَيْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( حَبْرٌ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتُكْسَرُ أَيْ عَالِمٌ ( فَقَالَ ) : أَيِ الْحَبْرُ ( فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : أَيْ بَعْدَ مَا كَانَ وَاقِفًا ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ . وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ قَالَا : ثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ثَنَا بِشْرُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اتَّبَعَ جِنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ ، الْحَدِيثَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ : حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ وَيَرُدُّهُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ الطَّوِيلِ الَّذِي صَحَّحَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَغَيْرُهُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ فَجَلَسْتُ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَبِشْرُ بْنُ رَافِعٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهَمْدَانِيُّ : وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ صَرِيحًا فِي النَّسْخِ ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ فَلَا يُقَاوِمُهُ هَذَا الْإِسْنَادُ . وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْقِيَامَ لِلْجِنَازَةِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي الْجَنَازِة ، ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ ( ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ ) : قَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ التِّرْمِذِيُّ عَلَى نَسْخِ قِيَامِ مَنْ رَأَى الْجِنَازَةَ فَقَالَ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ لَهُ : وَهَذَا نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ إِذَا رَأَيْتُمُ الْجِنَازَةَ فَقُومُوا ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَإِلَيْهِ مَالَ الْمُؤَلِّفُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَبِعْتُمْ الْجَنَازَةَ ، فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى الثَّوْرِيُّ ، هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ : حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ ، وَرَوَاهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ : حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ( حَتَّى تُوضَعَ ) : أَيْ بِالْأَرْضِ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ جُلُوسِ الْمَاشِي مَعَ الْجِنَازَةِ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ عَلَى الْأَرْضِ ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، قَالُوا : وَالنَّسْخُ إِنَّمَا هُوَ فِي قِيَامِ مَنْ مَرَّتْ بِهِ لَا فِي قِيَامِ مَنْ شَيَّعَهَا . وَحَكَى فِي الْفَتْحِ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ الْقُعُودَ قَبْلَ أَنْ تُوضَعَ . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا قَالَا : مَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهِدَ جِنَازَةً قَطُّ فَجَلَسَ حَتَّى تُوضَعَ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يَمْشِ مَعَهَا فَلْيَقُمْ حَتَّى تَغِيبَ عَنْهُ ، فَإِنْ مَشَى مَعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ ( حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ ) : قَدْ رَجَّحَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ رِوَايَةَ سُفْيَانَ هَذِهِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، أَعْنِي قَوْلَهُ : حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَثْرَمُ أَيْ وَهَّمَ رِوَايَةَ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَكَذَلِكَ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى تَرْجِيحِهَا بِقَوْلِهِ : بَابُ مَنْ شَهِدَ جِنَازَةً فَلَا يَقْعُدُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا صَالِحٍ لَا يَجْلِسُ حَتَّى تُوضَعَ عَنْ مَنَاكِبِ الرِّجَالِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَرْجَحُ لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ، وَهُوَ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ مِنْهُ . وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ، فَقَالَ : الْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْعُدَ حَتَّى يُهَالَ عَلَيْهَا التُّرَابُ ، وَتُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْآتِيَةُ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
بَابٌ : فِي الْعِيَادَةِ مِرَارًا حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا أُصِيبَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمَاهُ رَجُلٌ فِي الْأَكْحَلِ ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ بَاب فِي الْعِيَادَةِ مِرَارًا ( يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) : وَيُسَمَّى الْأَحْزَابُ ( رَمَاهُ رَجُلٌ ) : بَيَانُ أُصِيبَ ( فِي الْأَكْحَلِ ) : عَلَى وَزْنِ الْأَفْعَلِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ عِرْقٌ فِي وَسَطِ الذِّرَاعِ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، يُقَالُ لَهُ فِي الْفَارِسِيَّةِ : رك هفت اندام ( فَضَرَبَ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى سَعْدٍ ( رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ ) : وَعِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ الْأَصْبِهَانِيِّ ضَرَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِبَاءً فِي الْمَسْجِدِ وَمَعْنَى ضَرَبَ خَيْمَةً ، أَيْ : نَصَبَ خَيْمَةً وَأَقَامَهَا عَلَى أَوْتَادٍ مَضْرُوبَةٍ فِي الْأَرْضِ . وَالْخَيْمَةُ بَيْتٌ تَبْنِيهِ الْعَرَبُ مِنْ عِيدَانِ الشَّجَرِ . وَالْخِبَاءُ وَاحِدُ الْأَخْبِيَةِ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ ، وَلَا يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ ، وَهُوَ عَلَى عَمُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( لِيَعُودَهُ ) : أَيْ لِيَعُودَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدًا ( مِنْ قَرِيبٍ ) : وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ سُكْنَى الْمَسْجِدِ لِلْعُذْرِ ، وَفِيهِ أَنَّ السُّلْطَانَ أَوِ الْعَالِمَ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ النُّهُوضُ إِلَى عِيَادَةِ مَرِيضٍ يَزُورُهُ مِمَّنْ يُهِمُّهُ أَمَرَهُ بِنَقْلِ الْمَرِيضِ إِلَى مَوْضِعٍ يَخِفُّ عَلَيْهِ فِيهِ زِيَارَتُهُ وَيَقْرُبُ مِنْهُ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ ، نا هَمَّامٌ ، نا قَتَادَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ يَغْسِلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ ، وَالثَّالِثَةَ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ ( يَأْخُذُ الْغُسْلَ ) : أَيْ يتَعَلَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ طَرِيقَ الْغُسْلِ لِلْمَيِّتِ ( يَغْسِلُ بِالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَخْلِطُ السِّدْرَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . قِيلَ : وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطْهِيرِ ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ . قِيلَ : وَقَدْ يُقَالُ : يَحْتَمِلُ أَنَّ السِّدْرَ لَا يُغَيِّرُ وَصْفَ الْمَاءِ فَلَا يَصِيرُ مُضَافًا ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُمْعَكَ السِّدْرُ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي مَاءٍ ثُمَّ يُخَضْخَضُ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ رَغْوَتُهُ ، وَيُدْلَكُ بِهِ جَسَدُ الْمَيِّتِ ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ فَهَذِهِ غَسْلَةٌ . وَقِيلَ : يُطْرَحُ السِّدْرُ فِي الْمَاءِ ، أَيْ لِئَلَّا يُمَازِجَ الْمَاءَ فَيُغَيِّرَ وَصْفَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ . وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ : غُسْلُ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْظِيفِ فَيَجْزِي الْمَاءُ الْمُضَافُ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ ، وَقَالُوا : إِنَّمَا يُكْرَهُ لِأَجْلِ السَّرَفِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ غُسْلٌ تَعَبُّدِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ كَذَا فِي سُبُلِ السَّلَامِ ( بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي الْمَاءِ وَلَا يَضُرُّ الْمَاءَ تُغَيُّرُهُ ، وَقِيلَ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، زَادَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِنَحْوِ هَذَا ، وَزَادَتْ فِيهِ : أَوْ سَبْعًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذلك . ( نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ ) : حَمَّادٌ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ، فَحَمَّادٌ وَمَالِكٌ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، وَأَمَّا مَالِكٌ ، فَرَوَى عَنْهُ الْقَعْنَبِيُّ ، وَأَمَّا حَمَّادٌ فَرَوَى عَنْهُ اثْنَانِ مُسَدَّدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ الْقَعْنَبِيِّ وَمُسَدَّدٍ ، فَحَدِيثُ الْقَعْنَبِيِّ وَمُسَدَّدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : ( بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ ) : عَنْ أَيُّوبَ ( زَادَ ) : أَيْ خَالِدُ بْنُ مِهْرَانَ الْحَذَّاءُ ( فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ) : الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ( بِنَحْوِ هَذَا ) : أَيْ بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ ( وَزَادَتْ ) : حَفْصَةُ ( فِيهِ ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ ( أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) : وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حَمَّادٍ مِثْلُ حَدِيثِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فِي الْمَعْنَى ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ بِلَفْظِ : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ، فَفِيهِ الزِّيَادَاتُ الْأُخْرَى أَيْضًا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِبَعْضِ الزِّيَادَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ : أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِبَعْضِهَا بَلْ أَحَالَ عَلَى حَدِيثِ مَالِكٍ ، فَبَعْضُ الزِّيَادَةِ الْأُخْرَى نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ الْمُؤَلَّفِ الْإِمَامِ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ سَبْعًا التَّعْبِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَأَمَّا سِوَاهَا فَإمَّا أَوْ سَبْعًا وَإمَّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، انْتَهَى . وَهُوَ ذُهُولٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْحَافِظِ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ عَمَّا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ يُجْعَلُ الْكَافُورُ فِي آخِرِهِ ، حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ وَفِيهِ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ . الْحَدِيثَ . وَعَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ بِنَحْوِهِ وَقَالَتْ : إِنَّهُ قَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . انْتَهَى لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، أَيْ وَبِالْإِسْنَادِ السَّابِقِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ بِنَحْوِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَقَالَتْ : إِنَّهُ قَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . وَلَفْظُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ . انْتَهَى . وَصَرَّحَ فِي الْمُنْتَقَى بِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّعْبِيرِ بِسَبْعٍ وَأَكْثَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا اسْتِحْبَابُ الْإِيتَارِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى السَّبْعَةِ ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ ، وَصَرَّحَ بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ أَحْمَدُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، نا هِشَامٌ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : وَضَفَّرْنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا مُقَدَّمَ رَأْسِهَا وَقَرْنَيْهَا ( وَضَفَّرْنَا رَأْسَهَا ) : أَيْ شَعْرَ رَأْسِهَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالضَّفْرُ أَصْلُهُ الْفَتْلُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَسْرِيحَ لِحْيَةِ الْمَيِّتِ مُسْتَحَبٌّ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : ضَفَّرْنَا بِضَادٍ سَاقِطَةٍ وَفَاءٍ خَفِيفَةٍ ، انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ ضَفْرِ شَعْرِ الْمَرْأَةِ وَجَعْلُهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَهِيَ نَاصِيَتُهَا وَقَرْنَاهَا أَيْ جَانِبَا رَأْسِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا ، وَتَسْمِيَةُ النَّاصِيَةِ قَرْنًا تَغْلِيبٌ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ إِنَّهُ يُرْسَلُ شَعْرَ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا وَعَلَى وَجْهِهَا مُفَرَّقًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَكَأَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ أَنَّ الَّذِي فَعَلَتْهُ أُمُّ عَطِيَّةَ هَلِ اسْتَنَدَتْ فِيهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا أَوْ هُوَ شَيْءٌ رَأَتْهُ فَفَعَلَتْهُ اسْتِحْبَابًا كِلَا الْأَمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يُفْعَلَ فِي الْمَيِّتِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ الْقُرَبِ إِلَّا بِإِذْنِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ مَرْفُوعًا ، كَذَا قَالَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الظَّاهِرُ عَدَمُ إِطْلَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيرِهِ لَهُ . وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ الْحَافِظُ بِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ رَوَى عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْسِلْنَهَا وِتْرًا وَاجْعَلْنَ شَعْرَهَا ضَفَائِرَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : وَاجْعَلْنَ لَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ، انْتَهَى ( ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا ) : أَيِ الْقُرُونَ ( خَلْفَهَا ) : أَيِ الِابْنَةِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ جَعْلِ ضَفَائِرِ الْمَرْأَةِ خَلْفَهَا . وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ أَنَّ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ مَعَ كَوْنِ الزِّيَادَةِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ تُوبِعَ رُوَاتُهَا عَلَيْهَا ، انْتَهَى ( مُقَدَّمَ رَأْسِهَا وَقَرْنَيْهَا ) : بَيَانٌ لِلْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَرْنَيْهَا جَانِبَا رَأْسِهَا . قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ عَنْ قَبِيصَةَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَ ، وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ : نَاصِيَتُهَا وَقَرْنَيْهَا ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ وَأَبُو كَامِلٍ بِمَعْنَى الْإِسْنَادِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زُرَيْعٍ حَدَّثَهُمْ قال : نا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ حَفْصَةَ أُخْتِهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ . ( قَالَتْ مَشَطْنَاهَا ) : مِنْ مَشَطَتِ الْمَاشِطَةُ تَمْشُطُهَا مَشْطًا إِذَا أَسَرَحَتْ شَعْرَهَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ) : انْتِصَابُ ثَلَاثَةٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ بِثَلَاثَةِ قُرُونٍ ، أَوْ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيْ فِي ثَلَاثَةِ قُرُونٍ ، وَالْقُرُونُ جَمْعُ الْقَرْنِ وَهُوَ الْخُصْلَةُ مِنَ الشَّعْرِ ، وَحَاصِلُ الْمَعْنَى جَعَلْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَ ضَفَائِرَ بَعْدَ أَنْ حَلَّلُوهَا بِالْمُشْطِ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ كَيْفَ غُسْلُ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ الْمَعْنَى عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا ، أَوْ خَمْسًا ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ ، فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ قَالَ : عَنْ مَالِكٍ تعْنِي : إِزَارَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ مُسَدَّدٌ : دَخَلَ عَلَيْنَا بَاب كَيْفَ غُسْلُ الْمَيِّتِ ( حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ ) : هِيَ زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ وَالِدَةُ أُمَامَةَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ مُسْلِمٌ ، وَلَفْظُهُ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اغْسِلْنَهَا ) : قَالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْمَيِّتِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ : لَكِنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثًا إِلَخْ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى تَجْوِيزِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثًا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ صِيغَةِ الْأَمْرِ ، فَيُرَادُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الْغَسْلِ ، وَالنَّدْبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيتَارِ ، انْتَهَى . فَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ جوز الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ حَمْلَ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ لِهَذِهِ الْقَرِينَةِ . كَذَا فِي النَّيْلِ ( أَوْ خَمْسًا ) : قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ : أَوْ خَمْسًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الْإِيتَارُ ؛ لِأَنَّهُ نَقَلَهُنَّ مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْخَمْسِ وَسَكَتَ عَنِ الْأَرْبَعِ ( أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ لِأَنَّهُ خِطَابُ للْمُؤَنَّثِ أَيْ أَكْثَرُ مِنَ الْخَمْسِ ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) : رَأَيْتُ بِمَعْنَى الرَّأْيِ يَعْنِي إِنِ احْتَجْتُنَّ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ لِلْإِنْقَاءِ لَا لِلتَّشَهِّي فَلْتَفْعَلْنَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْوِيضِ إِلَى اجْتِهَادِ الْغَاسِلِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لَا التَّشَهِّي . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إِنَّمَا فَوَّضَ الرَّأْيَ إِلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْإِيتَارُ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ وَالْحَافِظُ ( بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) : قَالَ ابْنُ التِّينِ : هُوَ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ وَالْخَطْمِيُّ مِثْلُهُ ، فَإِنْ عُدِمَ فَمَا يَقُومُ مَقَامُهُ كَالْأُشْنَانِ وَالنُّطْرُونِ ، وَلَا مَعْنَى لِطَرْحِ وَرَقِ السِّدْرِ فِي الْمَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْعَامَّةُ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . وَقَالَ زَيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ اغْسِلْنَهَا ، قَالَ : وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطْهِيرِ ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِمَنْعِ لُزُومِ مَصِيرِ الْمَاءِ مُضَافًا بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ السِّدْرُ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنْ يُمْعَكَ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، فَإِنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَأْبَى ذَلِكَ ( وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ ) : أَيْ فِي الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ ( كَافُورًا ) : وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجِسْمَ يَتَصَلَّبُ بِهِ وَتَنْفِرُ الْهَوَامُّ مِنْ رَائِحَتِهِ ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الْمَلَائِكَةِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ) : هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَيَّ اللَّفْظَيْنِ قَالَ : وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : إِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْحَنُوطِ أَيْ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ قَالَهُ الْحَافِظُ ( فَآذِنَّنِي ) : أَيْ أَعْلِمْنَنِي . قَالَ الْعَيْنِيُّ : هُوَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْأُولَى ، هَذَا أَمْرٌ لِجَمَاعَةِ الْإِنَاثِ مِنْ آذَنَ يُؤْذِنُ إِيذَانًا إِذَا أَعْلَمَ ( حِقْوَهُ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِزَارُ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةٍ . وَالْحَقْوُ فِي الْأَصْلِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ وَالْحَقْوُ عَلَى هَذَا حَقِيقَةٌ ( فَقَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَشْعِرْنَهَا ) : أَيْ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ ( إِيَّاهُ ) : أَيِ الْحَقْوَ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : هُوَ أَمْرٌ مِنَ الْإِشْعَارِ وَهُوَ إِلْبَاسُ الثَّوْبِ الَّذِي يَلِي بَشَرَةَ الْإِنْسَانِ ، أَيِ اجْعَلْنَ هَذَا الْإِزَارَ شِعَارَهَا ، وَسُمِّيَ شِعَارًا لِأَنَّهُ يَلِي شَعْرَ الْجَسَدِ ، وَالدِّثَارُ مَا فَوْقَ الْجَسَدِ . وَالْحِكْمَةُ فِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِهِ الشَّرِيفَةِ ، انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : أَيِ الْفُفْنَهَا فِيهِ لِأَنَّ الشِّعَارَ مَا يَلِي الْجَسَدَ مِنَ الثِّيَابِ وَالْمُرَادُ اجْعَلْنَهُ شِعَارًا لَهَا ، انْتَهَى . ( قَالَ عَنْ مَالِكٍ ) : أَيْ قَالَ الْقَعْنَبِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ عَدَدَ الْغَسَلَاتِ وِتْرٌ ، وَأَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَخْذِ الْمَاءِ شَيْءٌ مِنَ الْكَافُورِ ، وَأَنْ يُغْسَلَ الْمَيِّتُ بِالسِّدْرِ أَوْ بِمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ أُشْنَانِ وَنَحْوِهِ إِذَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ مِنَ الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ ، انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ هِيَ زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ ، نا إسماعيل ، نا خَالِدٌ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُنَّ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا ، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا ( ابْدَأْنَ ) : أَمْرٌ لِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ مِنْ بَدَأَ يَبْدَأُ ( بِمَيَامِنِهَا ) : جَمْعُ مَيْمَنَةٍ أَيْ بِالْأَيْمَنِ مِنْ كُلِّ بَدَنِهَا فِي الْغَسَلَاتِ الَّتِي لَا وُضُوءَ فِيهَا ( وَمَوَاضِعَ الْوُضُوءِ ) : وَلَيْسَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ تَنَافٍ لِإِمْكَانِ الْبُدَاءَةِ بِمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَبِالْمَيَامِنِ مَعًا . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُهُ : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا أَيْ فِي الْغَسَلَاتِ الَّتِي لَا وُضُوءَ فِيهَا ، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا أَيْ فِي الْغَسْلَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْوُضُوءِ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِاسْتِحْبَابِ الْبُدَاءَةِ بِالْمَيَامِنِ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ ( مِنْهَا ) : أَيِ الِابْنَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ كيف يجلس عند القبر حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ ، وَلَمْ يُلْحَدْ بَعْدُ فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ باب كيف يجلس عند القبر ( فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ ) : أَيْ فَوَصَلْنَا ( وَلَمْ يُلْحَدْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بَعْدَ ) : أَيْ لَمْ يُفْرَغْ مِنْ حَفْرِ اللَّحْدِ بَعْدَ مَجِيئِنَا ( مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ) : هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ : صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا ، فَقَامَ عَلَيْهَا لِلصَّلَاةِ وَسَطَهَا ( جُنْدُبٍ ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . ( فِي نِفَاسِهَا ) : أَيْ حِينَ وِلَادَتِهَا ( فَقَامَ ) : أَيْ وَقَفَ ( وَسَطَهَا ) : أَيْ حِذَاءَ وَسْطِهَا بِسُكُونِ السِّينِ وَيُفْتَحُ ، قَالَهُ الْقَارِيُّ . وَفِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتٌ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ شَهِيدَةً . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَكَوْنُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فِي نِفَاسِهَا وَصْفٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ أَمْرٍ وَقَعَ ، وَأَمَّا وَصْفُ كَوْنِهَا امْرَأَةً فَهَلْ هُوَ مُعْتَبَرٌ أَمْ لَا ، مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَلْغَاهُ وَقَالَ يُقَامُ عِنْدَ وَسَطِ الْجِنَازَةِ مُطْلَقًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ مُحَاوَلَةً لِلسَّتْرِ ، وَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْأَنْعِشَةِ وَالْقِبَابِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ أَيْنَ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَيِّتِ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ ، نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ : كُنْتُ فِي سِكَّةِ الْمِرْبَدِ فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ ومَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ قَالُوا : جَنَازَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ فَتَبِعْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنْ الشَّمْسِ فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا الدِّهْقَانُ ؟ قَالُوا : هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، فَلَمَّا وُضِعَتْ الْجَنَازَةُ قَامَ أَنَسٌ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَأَنَا خَلْفَهُ لَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ فَقَالُوا : يَا أَبَا حَمْزَةَ الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا ، فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلَاتِهِ عَلَى الرَّجُلِ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ : يَا أَبَا حَمْزَةَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ كَصَلَاتِكَ ، يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا ، وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : يَا أَبَا حَمْزَةَ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا ، وَيَحْطِمُنَا فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ ، وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ عَلَيَّ نَذْرًا إِنْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْمَ يَحْطِمُنَا ، لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَجِيءَ بِالرَّجُلِ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُبَايِعُهُ لِيَفِيَ الْآخَرُ بِنَذْرِهِ قَالَ : فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْمُرَهُ بِقَتْلِهِ ، وَجَعَلَ يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْتُلَهُ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْرِي قَالَ : إِنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْمَ إِلَّا لِتُوفِيَ بِنَذْرِكَ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَوْمَضْتَ إِلَيَّ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ قَالَ أَبُو غَالِبٍ : فَسَأَلْتُ عَنْ صَنِيعِ أَنَسٍ فِي قِيَامِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا ، فَحَدَّثُونِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ النُّعُوشُ ، فَكَانَ الْإِمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا يَسْتُرُهَا مِنْ الْقَوْمِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ نُسِخَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ فِي قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ : إِنِّي قَدْ تُبْتُ . بَاب أَيْنَ يَقُومُ الْإِمَامُ مِنْ الْمَيِّتِ إِذَا صَلَّى عَلَيْهِ ( عَنْ نَافِعٍ ) : تَابِعِيٌّ ( أَبِي غَالِبٍ ) : عَطْفُ بَيَانٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ : كَأَنَّ الْكُنْيَةَ كَانَتْ أَعْرَفَ وَأَشْهَرَ فَجِيءَ بِهَا بَيَانًا لِنَافِعٍ ( فِي سِكَّةِ ) : هِيَ الزُّقَاقُ ( الْمِرْبَدِ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، مَوْضِعٌ بِالْبَصْرَةِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمِرْبَدُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُحْبَسُ فِيهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ وَبِهِ سُمِّيَ مِرْبَدُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْبَاءِ ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ ) : بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مُصَغَّرًا هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ هَذَا فَصَلَّى عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ( عَلَى بُرَيْذِينَته ) : تَصْغِيرُ بِرْذَوْنٍ ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ : الْبِرْذَوْنُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : الْبِرْذَوْنُ التُّرْكِيُّ مِنَ الْخَيْلِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْعِرَابِ ، وَجَعَلُوا النُّونَ أَصْلِيَّةً كَأَنَّهُمْ لَاحَظُوا التَّعْرِيبَ وَقَالُوا فِي الْحِرْذوْنِ : نُونُهُ زَائِدَةٌ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ ، فَقِيَاسُ الْبِرْذَوْنِ عِنْدَ مَنْ يَجْعَلُ الْمُعَرَّبَةَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ زِيَادَةُ النُّونِ ( الدِّهْقَانُ ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا رَئِيسُ الْقَرْيَةِ وَمُقَدَّمُ التُّنَّاءِ وَأَصْحَابُ الزِّرَاعَةِ وَهُوَ مُعَرَّبٌ وَنُونُهُ أَصْلِيَّةٌ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ( وَأَنَا خَلْفَهُ ) : أَيْ أَنَسٌ ( وَبَيْنَهُ ) : أَيْ أَنَسٍ ( فَكَبَّرَ ) : أَنَسٌ ( لَمْ يُطِلْ ) : مِنَ الْإِطَالَةِ ( يَا أَبَا حَمْزَةَ ) : كُنْيَةُ أَنَسٍ ( الْمَرْأَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ ) : أَيْ هَذِهِ جَنَازَتُهَا ( وَعَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ ( نَعْشٌ أَخْضَرُ ) : أَيْ قُبَّةٌ وَحَرَجٌ . قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَمَنْ رَوَاهُ حَرَجٌ عَلَى نَعْشٍ فَالْحَرَجُ الْمِشْبَكُ الَّذِي يُطْبَقُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا وُضِعَتْ عَلَى سَرِيرِ الْمَوْتَى ، وَتُسَمِّيهِ النَّاسُ النَّعْشُ ، وَإِنَّمَا النَّعْشُ السَّرِيرُ نَفْسُهُ ، سُمِّيَ حَرَجًا لِأَنَّهُ مُشَبَّكٌ بِعِيدَانٍ كَأَنَّهَا حَرَجُ الْهَوْدَجِ انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ نَعَشَهُ اللَّهُ يَنْعَشُهُ نَعْشًا إِذَا رَفَعَهُ ، وَانْتَعَشَ الْعَاثِرُ إِذَا نَهَضَ مِنْ عَثْرَتِهِ ، وَبِهِ سُمِّيَ سَرِيرُ الْمَيِّتِ نَعْشًا لِارْتِفَاعِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ مَحْمُولٌ فَهُوَ سَرِيرٌ انْتَهَى . وَفِي الْمِصْبَاحِ : النَّعْشُ سَرِيرُ الْمَيِّتِ ، وَلَا يُسَمَّى نَعْشًا إِلَّا وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ سَرِيرٌ ، وَالنَّعْشُ أَيْضًا شِبْهُ مِحَفَّةٍ يُحْمَلُ فِيهَا الْمَلِكُ إِذَا مَرِضَ ، وَلَيْسَ بِنَعْشِ الْمَيِّتِ انْتَهَى . وَفِي أَقْرَبِ الْمَوَارِدِ فِي فَصِحِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشَّوَارِدِ : نَعْشٌ عَلَى جَنَازَتِهَا أَيِ اتُّخِذَ لَهَا نَعْشٌ وَهُوَ شِبْهُ الْمِحَفَّةِ بِالْكَسْرِ ، مَرْكَبٌ مِنْ مَرَاكِبِ النِّسَاءِ كَالْهَوْدَجِ . انْتَهَى ، وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ . وَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى جِنَازَةِ الْأَنْصَارِيَّةِ قُبَّةٌ مُغَطَّاةٌ بِلَوْنٍ أَخْضَرَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْقُبَّةِ عَلَى سَرِيرِ الْمَيِّتِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَنَقَلَهُ عنه الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ أَنَّ فَاطِمَةَ قَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ : إِنِّي قَدِ اسْتَقْبَحْتُ مَا يُصْنَعُ بِالنِّسَاءِ يُطْرَحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الثَّوْبُ فَيَصِفُهَا ، فَقَالَتْ أَسْمَاءُ : يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَا أُرِيكِ شَيْئًا رَأَيْتُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَدَعَتْ بِجَرَائِدَ رَطْبَةٍ فَحَنَّتْهَا ثُمَّ طَرَحَتْ عَلَيْهَا ثَوْبًا ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : مَا أَحْسَنَ هَذَا تُعْرَفُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَاغْسِلِينِي أَنْتِ وَعَلِيٌّ وَلَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدٌ . قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفَاطِمَةُ أَوَّلُ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ بَعْدَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ صُنِعَ بِهَا ذَلِكَ أَيْضًا انْتَهَى . قَالَ الزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ : قَوْلُهُ يُطْرَحُ عَلَى الْمَرْأَةِ الثَّوْبُ أَيْ عَلَى نَعْشِهَا فَيَصِفُهَا جِسْمُهَا مِنْ غِلَظٍ وَضِدِّهِ ، وَحَنَّتْهَا بِنُونٍ ثُمَّ فَوْقِيَّةٍ أَيْ أَمَالَتْهَا ، وَتُعْرَفُ بِهِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ أَيْ وَلَا يُعْرَفُ لِلْمَرْأَةِ تَحْتَهُ حَجْمٌ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ زَيْنَبَ بنت جحش أَوَّلُ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا ، فَمُرَادُهُ أَيْ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَلَمَّا حَضَرَهَا الْمَوْتُ قَالَتْ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَحْوَهُ سَوَاءً ، ثُمَّ قَالَ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ : مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ ، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَاغْسِلِينِي أَنْتِ وَعَلِيٌّ وَلَا تُدْخِلِي عَلَيَّ أَحَدًا ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ جَاءَتْ عَائِشَةُ ، فَمَنَعَتْهَا أَسْمَاءُ فَشَكَتْهَا عَائِشَةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَوَقَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْبَابِ وَقَالَ : يَا أَسْمَاءُ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ مَنَعْتِ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَدْخُلْنَ عَلَى بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ صَنَعْتِ لَهَا هَوْدَجًا ؟ قَالَتْ : هِيَ أَمَرَتْنِي أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَصْنَعَ لَهَا ذَلِكَ ، قَالَ : فَاصْنَعِي مَا أَمَرَتْكِ وَغَسَلَهَا عَلِيٌّ وَأَسْمَاءُ ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ بَعْدَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ : وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ : وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ ، وَهُوَ سَرِيرٌ فَوْقَهُ خَيْمَةٌ أَوْ قُبَّةٌ أَوْ مِكَبَّةٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهَا وَأَوَّلُ مَنْ فُعِلَ لَهُ ذَلِكَ زَيْنَبُ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ قَدْ رَأَتْهُ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا هَاجَرَتْ وَأَوْصَتْ بِهِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ : يَعْنِي قبة مُغَطَّاةً لِإِيصَاءِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَكَانَتْ قَدْ رَأَتْهُ بِالْحَبَشَةِ لَمَّا هَاجَرَتْ . قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ : قِيلَ هِيَ أَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ كَذَلِكَ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَتْ أَنْ يُتَّخَذَ لَهَا ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ ، وَمَا قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ أَوَّلُ مَا اتُّخِذَ فِي جِنَازَةِ زَيْنَبَ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ بَاطِلٌ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي تَرْجَمَةِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : تُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ وَصَلَّى عَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، قِيلَ : هِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ صُنِعَ لَهَا النَّعْشُ ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ انْتَهَى . وَقِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ : كَانَتِ الْجِنَازَةُ دَاخِلَةٌ وَوَاقِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ الْأَخْضَرِ وَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ . وَقَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ فِي مُحَاضَرَةِ الْأَوَائِلِ : أَوَّلُ امْرَأَةٍ حُمِلَتْ فِي نَعْشٍ زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِنْتُ جَحْشٍ ، فَلَمَّا مَاتَتْ أَمَرَ عُمَرُ مُنَادِيًا فَنَادَى أَنْ لَا يَخْرُجَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا ذُو مَحْرَمٍ مِنْ أَهْلِهَا ، فَقَالَتْ ابْنَةُ عُمَيْسٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا أُرِيكَ شَيْئًا تَصْنَعُهُ الْحَبَشَةُ لِنِسَائِهِمْ ، فَجَعَلَتْ نَعْشًا وَغَشَّتْهُ بِثَوْبٍ ، فَلَمَّا نَظَرَ عُمَرُ قَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَسْتَرَهُ ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي أَنِ اخْرُجُوا عَلَى أُمِّكُمْ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْأَوَائِلِ . وَأَوَّلُ مَنْ عَمِلَتْ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ تَابُوتة سُتْرَةٌ مِنَ الْحَبَشَةِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَأَوَّلُ مَنْ جُعِلَ لَهَا النَّعْشُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ لَمَّا تُوُفِّيَتْ عَمِلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ لَهَا كَانَتْ قَدْ رَأَتْهُ بِالْحَبَشَةِ ، قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ، انْتَهَى . ( عِنْدَ عَجِيزَتِهَا ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ جِيمٍ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْعَجِيزَةُ الْعَجُزُ ، وَهِيَ لِلْمَرْأَةِ خَاصَّةً ، وَالْعَجُزُ مُؤَخَّرُ الشَّيْءِ ( ثُمَّ جَلَسَ ) : أَنَسٌ ( وَيَقُومُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا ) : كِنَايَةٌ عَنِ الْفِرَارِ ( يَحْمِلُ عَلَيْنَا ) : أَيْ يَصُولُ ( فَيَدُقُّنَا ) : مِنْ بَابِ نَصَرَ يُقَالُ دَقَّهُ دَقًّا أَيْ كَسَرَهُ وَدَقُّوا بَيْنَهُمْ أَيْ أَظْهَرُوا الْعُيُوبَ وَالْعَدَاوَاتِ أَيْ يَكْسِرُنَا بِالسَّيْفِ وَيُظْهِرُ الْعَدَاوَةَ التَّامَّةَ ( وَيَحْطِمُنَا ) : مِنْ بَابِ ضَرَبَ ، يُقَالُ حَطَمَهُ حَطْمًا أَيْ كَسَرَهُ ، وَهَذَا عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ أَيْ يَكْسِرُنَا وَيَقْطَعُنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ بِسَيْفِهِ ( فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ ) : أَيِ الْمُشْرِكِينَ ( وَجَعَلَ ) : أَيْ شَرَعَ الْأَمْرَ ( يُجَاءُ بِهِمْ ) : أَيْ بِالْمُشْرِكِينَ ( فَيُبَايِعُونَهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَجِيءَ بِالرَّجُلِ ) الَّذِي يَحْطِمُ ( فَلَمَّا رَأَى ) : أَيِ الرَّجُلُ الَّذِي يَحْطِمُ ( قَالَ ) : أَنَسٌ ( فَجَعَلَ الرَّجُلُ ) : أَيِ الصَّحَابِيُّ ( يَتَصَدَّى ) : التَّصَدِّي التَّعَرُّضُ لِلشَّيْءِ وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يَسْتَشْرِفُ الشَّيْءَ نَاظِرًا إِلَيْهِ . قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ( لِيَأْمُرَهُ ) : أَيْ لِيَأْمُرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ الصَّحَابِيَّ ( بِقَتْلِهِ ) : أَيِ الرَّجُلُ الَّذِي يَحْطِمُ ( وَجَعَلَ ) : الرَّجُلُ الصَّحَابِيُّ ( يَهَابُ ) : مِنَ الْهَيْبَةِ ( أَنْ يَقْتُلَهُ ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ يَرْجِعُ إِلَى الرَّجُلِ الصَّحَابِيِّ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى الرَّجُلِ الْحَاطِمِ ( أَنَّهُ لَا يَصْنَعُ ) : أَيِ الصَّحَابِيُّ ( بَايَعَهُ ) : أَيْ قَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ هَذَا الرَّجُلِ التَّائِبِ ( فَقَالَ الرَّجُلُ ) : الصَّحَابِيُّ ( فَقَالَ ) : أَيِ الصَّحَابِيُّ ( أَلَا أَوْمَضْتَ إِلَيَّ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّمَا الْإِيمَاضُ الرَّمْزُ بِالْعَيْنِ وَالْإِيمَاءُ بِهَا ، وَمِنْهُ وَمِيضُ الْبَرْقِ وَهُوَ لَمَعَانُهُ ( لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى أَنْ يُضْمِرَ شَيْئًا وَيُظْهِرُ خِلَافَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا بَعَثَهُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ وَإِعْلَانِ الْحَقِّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ سِتْرُهُ وَكِتْمَانُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ خِدَاعٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُؤَمِّنَ رَجُلًا فِي الظَّاهِرِ وَيُخْفِرُهُ فِي الْبَاطِنِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ بَيْنِ قَتْلِ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ مِنَ الْأُسَارَى وَبَيْنَ حَقْنِ دِمَائِهِمْ مَا لَمْ يُسْلِمُوا ، فَإِذَا أَسْلَمُوا فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَوْقِفِ الْإِمَامِ مِنَ الْجِنَازَةِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : يَقُومُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ وَسَطِهَا ، وَمِنَ الرَّجُلِ بِحِذَاءِ صَدْرِهِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَقُومُ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِحِذَاءِ الصَّدْرِ . فَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسٌ وَأَرْبَعٌ ، وَكَانَ آخِرُ مَا يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتَّ تَكْبِيرَاتٍ ، وَعَلَى سَائِرِ الصَّحَابَةِ خَمْسًا ، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَرَى التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثَلَاثًا انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو غَالِبٍ ) : وَهَذِهِ مَقُولَةُ عَبْدِ الْوَارِثِ ( فَسَأَلْتُ ) : مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ( عَنْ صَنِيعِ أَنَسٍ فِي قِيَامِهِ عَلَى ) : جِنَازَةِ ( الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا ) : هَلْ لَهُ فَائِدَةٌ مَخْصُوصَةٌ أَيْضًا أَمْ لِمُجَرَّدِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَحَدَّثُونِي ) : وَالْمُحَدِّثُونَ لَهُ مَجْهُولُونَ ( أَنَّهُ ) : أَيِ الْقِيَامَ عَلَى جَنَازَتِهَا بِهَذَا الْوَصْفِ ( إِنَّمَا كَانَ ) : ذَلِكَ فِي سَالِفِ الزَّمَانِ ( لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ النُّعُوشُ ) : جَمْعُ نَعْشٍ أَيِ الْقِبَابُ الْمُتَّخَذَةُ لِلسَّتْرِ عَلَى جَنَائِزِ الْمَرْأَةِ فِي عَهْدِهِمُ الْمَاضِي فِي الْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ عِنْدَهُمْ فِي الْحَبَشَةِ ( فَكَانَ الْإِمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ قُبَالَتُهُ ( يَسْتُرُهَا مِنَ الْقَوْمِ ) : بِقِيَامِهِ بِهَذَا الْوَصْفِ ، وَأَمَّا الْآنَ فَاتُّخِذَتِ الْقِبَابُ عَلَى سَرِيرِ جِنَازَةِ الْمَرْأَةِ ؛ فَلَا يُرَادُ بِهَذَا الصَّنِيعِ التَّسَتُّرُ لَهَا ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ خَالِصًا لِاتِّبَاعِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإِنْ زَالَ السَّبَبُ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ أَيْنَ يَقُومُ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ تَحْتَ حَدِيثِ سَمُرَةَ قَالَ صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَرْأَةِ ، فَإِنَّ كَوْنَهَا نُفَسَاءَ وَصْفٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ، وأَمَّا كَوْنُهَا امْرَأَةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا فَإِنَّ الْقِيَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا لِسَتْرِهَا ، وَذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِي حَقِّهَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَبَرًا وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ اتِّخَاذِ النَّعْشِ لِلنِّسَاءِ ، فَأَمَّا بَعْدَ اتِّخَاذِهِ فَقَدْ حَصَلَ السَّتْرُ الْمَطْلُوبُ ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ التَّرْجَمَةَ مَوْرِدَ السُّؤَالِ وَأَرَادَ عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَأَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَالِبٍ عَنْ أَنَسٍ انْتَهَى . وَنَازَعَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي غَالِبٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَسَكَتَ عَنْهُ وَسُكُوتُهُ دَلِيلُ رِضَاهُ بِهِ ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ ، فَكَيْفَ يُضَعَّفُ هَذَا وَقَدْ رَضِيَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ انْتَهَى . قُلْتُ : وَكَذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَابْنُ الْقَيِّمِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ عِلَّةً . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : وَأَمَّا الرَّجُلُ فَعِنْدَ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَكُونَ نَاظِرًا إِلَى فَرْجِهِ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا فِي الْقُبَّةِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ ، وَوُقُوفُهُ عِنْدَ وَسَطِهَا لِيَسْتُرَهَا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي غَالِبٍ الْمَذْكُورَ ، ثُمَّ قَالَ : وَبِذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُومَ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حِذَاءَ الصَّدْرِ . وَقَالَ مَالِكٌ يَقُومُ مِنَ الرَّجُلِ عِنْدَ وَسَطِهِ وَمِنَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ مَنْكِبِهَا ، كَذَا فِي الشَّرْحِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ .
بَابٌ : فِي الْحَفَّارِ يَجِدُ الْعَظْمَ هَلْ يَتَنَكَّبُ ذَلِكَ الْمَكَانَ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سَعْدٍ يَعْنِي : ابْنَ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا 64 - بَابٌ فِي الْحَفَّارِ يَجِدُ الْعَظْمَ أَيْ عَظْمَ الْمَيِّتِ وَقْتَ الْحَفْرِ ( هَلْ يَتَنَكَّبُ ) أَيْ يَتَجَنَّبُ وَيَعْتَزِلُ ( ذَلِكَ الْمَكَانَ ) وَيَحْفِرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ . ( كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي بَيَانِ سَبَبِ الْحَدِيثِ عَنْ جَابِرٍ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ ، فَأَخْرَجَ الْحَفَّارُ عَظْمًا سَاقًا أَوْ عَضُدًا فَذَهَبَ لِيَكْسِرَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَكْسِرْهَا فَإِنَّ كَسْرَكَ إِيَّاهُ مَيِّتًا كَكَسْرِكَ إِيَّاهُ حَيًّا ، وَلَكِنْ دُسَّهُ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . ( كَكَسْرِهِ حَيًّا ) : يَعْنِي فِي الْإِثْمِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ : إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُهَانُ مَيِّتًا كَمَا لَا يُهَانُ حَيًّا . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : وَإِلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَتَأَلَّمُ . قَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَمِنْ لَازِمِهِ أَنَّهُ يَسْتَلِذُّ بِمَا يَسْتَلِذُّ بِهِ الْحَيُّ انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : أَذَى الْمُؤْمِنِ فِي مَوْتِهِ كَأَذَاهُ فِي حَيَاتِهِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قال : نا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا إسحاق ، عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ رَطْبٍ فَصَفُّوا عَلَيْهِ ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا فَقُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ : مَنْ حَدَّثَكَ ؟ قَالَ : الثِّقَةُ مَنْ شَهِدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بَاب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَازَةِ ( مَرَّ بِقَبْرٍ رَطْبٍ ) : أَيْ لَمْ يَيْبَسْ تُرَابُهُ لِقُرْبِ وَقْتِ الدَّفْنِ فِيهِ ( فَصَفُّوا ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الصَّحَابَةِ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْقَبْرِ ( وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا ) : فِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي تَكْبِيرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ أَرْبَعٌ انْتَهَى . وَمِمَّنْ رَوَى الْأَرْبَعَ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُ عَلَى الْجَنَائِزِ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسَبْعًا وَثَمَانِيًا حَتَّى جَاءَ مَوْتُ النَّجَاشِيِّ فَخَرَجَ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ، ثُمَّ ثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَرْبَعٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَإِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَرْبَعِ التَّكْبِيرَاتِ فِي الْجِنَازَةِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ انْتَهَى . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ ، فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ خَمْسًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا ، وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا وَعَلَى الصَّحَابَةِ خَمْسًا وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا . وَرَوَى ذَلِكَ أَيْضًا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْهُ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جِنَازَةٍ ثَلَاثًا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ ثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ إِلَى تِسْعٍ ؛ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعٍ ، وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ وَأَهْلُ الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ عَلَى أَرْبَعٍ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ شُذُوذٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يُخَمِّسُ إِلَّا ابْنَ أَبِي لَيْلَى . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : إِنَّ عُمَرَ قَالَ : كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا فَاجْتَمَعْنَا عَلَى أَرْبَعٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَسَبْعًا فَجَمَعَ عُمَرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِمَا رَأَى فَجَمَعَهُمْ عُمَرُ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ ، وَرَوَى أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : اجْتَمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَبِي مَسْعُودٍ فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعٌ . وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ إِلَى الشَّعْبِيِّ قَالَ : صَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى زَيْدِ بْنِ عُمَرَ وَأُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا ، وَخَلْفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالنَّيْلِ . ( مَنْ شَهِدَهُ عَبْدُ اللَّهِ ) : فَعَبْدُ اللَّهِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَنْ شَهِدَهُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا شُعْبَةُ . ( ح ) وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : كَانَ زَيْدٌ يَعْنِي : ابْنَ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا ، وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْتُهُ ؟ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَبِّرُهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَأَنَا لِحَدِيثِ ابْنِ الْمُثَنَّى أَتْقَنُ . ( يُكَبِّرُهَا ) : أَيِ الْخَمْسَ أَحْيَانَا ، وَثُبُوتُ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ إِلَّا أَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْأَخِيرَ الْأَمْر كَانَ أَرْبَعًا ، وَهُوَ نَاسِخٌ لِمَا تَقَدَّمَ ، قَالَهُ السِّنْدِيُّ ( أَتْقَنُ ) : أَيْ أَحْفَظُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ فَقَتَلَتْهُ ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اغْسِلُوهُ وَكَفِّنُوهُ ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ آخر كتاب الجنائز ( وَقَصَتْ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ بِهِ أَنَّهَا صَرَعَتْهُ فَدُقَّتْ عُنُقُهُ وَأَصْلُ الْوَقْصِ الدَّقُّ أَوِ الْكَسْرُ ( وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ ) : فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ حَرَمَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ ( وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ) : فِيهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا مَاتَ سُنَّ بِهِ سُنَّةَ الْأَحْيَاءِ فِي اجْتِنَابِ الطِّيبِ ( يُهِلُّ ) : أَيْ حَالَ كَوْنِهِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِلَبَّيْكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . آخر كتاب الجنائز
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَعْنَى ، قَالَا : نا حَمَّادٌ ، عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ ، قَالَ : وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ سُلَيْمَانُ : قَالَ أَيُّوبُ : ثَوْبَيْهِ ، وَقَالَ عَمْرٌو : ثَوْبَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ عُبَيْدٍ : قَالَ أَيُّوبُ : فِي ثَوْبَيْنِ ، وَقَالَ عَمْرٌو : فِي ثَوْبَيْهِ . زَادَ سُلَيْمَانُ وَحْدَهُ : وَلَا تُحَنِّطُوهُ ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ ) : أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ سُفْيَانَ ( وَلَا تُحَنِّطُوهُ ) : أَيْ لَا تَجْعَلُوا الْحَنُوطَ فِي كَفَنِهِ وَجَسَدِهِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْحَنُوطُ وَالْحِنَاطُ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا يُخْلَطُ مِنَ الطِّيبِ لِأَكْفَانِ الْمَوْتَى وَأَجْسَامِهِمْ خَاصَّةً .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نحوه ، بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ : فِي ثَوْبَيْنِ . ( بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ ) : أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ .
بَابُ كَيْفَ يُصْنَعُ بالْمُحْرِمِ إذا مات حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ فَمَاتَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ : كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبِّي . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسُ سُنَنٍ : كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ ، أَيْ : يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي ثَوْبَيْنِ . وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، أَيْ : إِنَّ فِي الْغَسْلَاتِ كُلِّهَا سِدْرًا ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا ، وَكَانَ الْكَفَنُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ . 4070 باب كيف يصنع بالمحرم إذا مات ( وَقَصَتْهُ ) : الْوَقْصُ كَسْرُ الْعُنُقِ أَيْ أَسْقَطَتْهُ فَانْدَقَّ عُنُقُهُ ( رَاحِلَتُهُ ) : أَيْ نَاقَتُهُ ( فَمَاتَ ) : أَيِ الرَّجُلُ ( وَهُوَ ) : الرَّجُلُ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( كَفِّنُوهُ ) : أَيِ الرَّجُلَ ( فِي ثَوْبَيْهِ ) : أَيْ إِزَارِهِ وَرِدَائِهِ اللَّذَيْنِ لَبِسَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ ( وَلَا تُخَمِّرُوا ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ لَا تُغَطُّوا وَلَا تَسْتُرُوا . ( يُلَبِّي ) : أَيْ يَقُولُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ مَاتَ مُحْرِمًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ مَا يَقُولُ : إِذَا مَرَّ بِالقبور حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ 4068 بَاب مَا يَقُولُ إِذَا مَرَّ بِالْقُبُورَ ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ السَّلَامَ عَلَى الْمَوْتَى كَهُوَ عَلَى الْأَحْيَاءِ فِي تَقْدِيمِ الدُّعَاءِ عَلَى الِاسْمِ وَلَا يُقَدَّمُ الِاسْمُ عَلَى الدُّعَاءِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ وَكَذَلِكَ هُوَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ بِخَيْرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ وَقَالَ تَعَالَى فِي خِلَافِ ذَلِكَ : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ فَقَدَّمَ الِاسْمَ عَلَى الدُّعَاءِ ( دَارَ قَوْمٍ ) : أَيْ أَهْلَ دَارٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّهُ سَمَّى الْمَقَابِرَ دَارًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الدَّارِ قَدْ يَقَعُ عَلَى الرَّبْعِ الْعَامِرِ الْمَسْكُونِ وَعَلَى الْخَرَابِ غَيْرِ الْمَأْهُولِ ( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَدْخُلُ الْكَلَامَ لِشَكٍّ وَارْتِيَابٍ وَلَكِنَّهُ عَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ يُحَسِّنُ بِذَلِكَ كَلَامَهُ وَيُزَيِّنُهُ بِهِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ : إِنَّكَ إِنْ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ شَكَرْتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، إِنِ ائْتَمَنْتَنِي لَمْ أَخُنْكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ وَهُوَ لَا يُرِيدُ به الشَّكَّ فِي كَلَامِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ الْآيَةَ وَقَدْ عَلِمَ دُخُولَهُمْ إِيَّاهُ وَوَعَدَهُمْ بِهِ وَوَعْدُهُ الْحَقُّ وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ دَخَلَ الْمَقْبَرَةَ وَمَعَهُ قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ مُتَحَقِّقُونَ بِالْإِيمَانِ وَآخَرُونَ يَظُنُّ بِهِمُ النِّفَاقَ فَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ مُنْصَرِفًا إِلَيْهِمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَعْنَاهُ اللُّحُوقُ بِهِمْ فِي الْإِيمَانِ . وَقِيلَ : إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي اسْتِصْحَابِ الْإِيمَانِ إِلَى الْمَوْتِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا حَفْصٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ زَادَ مِنْ كُرْسُفٍ قَالَ : فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ قَوْلُهُمْ فِي ثَوْبَيْنِ وَبُرْدٍ حِبَرَةٍ فَقَالَتْ : قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ ، وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ ، وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ . ( مِثْلَهُ ) : أَيْ مِثْلَ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ( زَادَ ) : أَيْ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ يَمَانِيَةٍ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ فَذَكَرَهُ مِثْلَهُ سَوَاءً ( مِنْ كُرْسُفٍ ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَالْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ هُوَ الْقُطْنُ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ، ( قَوْلُهُمْ ) : أَيْ قَوْلُ النَّاسِ ، أَيْ ذُكِرَ لَهَا أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ : إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَبُرْدِ حِبَرَةٍ ( وَبُرْدِ حِبَرَةٍ ) . قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ : بُرْدُ حِبَرَةٍ رُوِيَ بِالْإِضَافَةِ وَالْقَطْعِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ . وَحِبَرَةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى وَزْنِ عِنَبَةٍ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَةِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَلَيْسَ حِبَرَةٌ مَوْضِعًا أَوْ شَيْئًا مَعْلُومًا إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ كَقَوْلِكَ : قِرْمِزٌ وَالْقِرْمِزُ صِبْغَةٌ . وَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرْيبيْنِ أَنَّ بُرُودَ حِبَرَةٍ هِيَ مَا كَانَ مُوَشًّى مُخَطَّطًا انْتَهَى ( وَلَكِنْهُمْ ) : أَيِ النَّاسَ الْحَاضِرِينَ عَلَى التَّكْفِينِ مِنَ الصَّحَابَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي قال : أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ : كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ( يَمَانِيَةٍ ) : بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْيَمَنِ ، وَإِنَّمَا خَفَّفُوا الْيَاءَ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ تَشْدِيدَ يَاءِ النَّسَبِ ؛ لِأَنَّهُمْ حَذَفُوا يَاءَ النَّسَبِ لِزِيَادَةِ الْأَلْفِ ، وَكَانَ الْأَصْلُ يَمَنِيَّةً . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( بِيضٍ ) : بِكَسْرِ الْبَاءِ جَمْعُ أَبْيَضَ ( لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ) : قال النَّوَوِيَّ : مَعْنَاهُ لَمْ يُكَفَّنْ فِي قَمِيصٍ وَلَا عِمَامَةٍ ، وَإِنَّمَا كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ غَيْرِهِمَا وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ آخَرُ ، هَكَذَا فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، قَالُوا : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُسْتَحَبُّ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ ، انْتَهَى . قَالَ السِّنْدِيُّ : وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الثِّيَابِ الَّتِي كُفِّنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ أَصْلًا . قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُمَا فِي اسْتِحْبَابِهِمُ الْقَمِيصَ وَالْعِمَامَةَ فِي تَكْفِينِ الْمَيِّتِ ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَثْوَابِ الثَّلَاثَةِ ، وَإِنَّمَا هُمَا زَائِدَتَانِ عَلَيْهَا وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الثِّيَابِ الَّتِي كُفِّنَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ مُطْلَقًا ، وَهَكَذَا فَسَّرُهُ الْجُمْهُورُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهَا : لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ يَحْتَمِلُ نَفْيُ وَجُودِهِمَا جُمْلَةً ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْمَعْدُودِ أَيِ الثَّلَاثَةِ خَارِجَةً عَنِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَةً مُخْتَلِفَةً ، حَدِيثُ عَائِشَةَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمُ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قَالَا : نا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي : ابْنَ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ نَجْرَانِيَّةٍ الْحُلَّةُ ، ثَوْبَانِ وَقَمِيصُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ عُثْمَانُ : فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ حُلَّةٍ حَمْرَاءَ ، وَقَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ( نَجْرَانِيَّةٍ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى نَجْرَانَ وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْيَمَنِ ، انْتَهَى ( الْحُلَّةُ ) : بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْحُلَّةُ وَاحِدَةُ الْحُلَلِ وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا تُسَمَّى حُلَّةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ انْتَهَى ، وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ : كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَحُلَّةٌ نَجْرَانِيَّةٌ الْحُلَّةُ ثَوْبَانِ ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ، لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ أَحَدَ رُوَاتِهِ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَالَفَ بِرِوَايَتِهِ الثِّقَاتِ ، انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى : وَعَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا ، إِنَّمَا اشْتُرِيَتْ لِيُكَفَّنَ فِيهَا فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ ، وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي ضَفْرَةَ : قَوْلُهَا : لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُزِعَ عَنْهُ حِينَ كُفِّنَ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ : لَا تَنْزِعُوا الْقَمِيصَ لِيُسْتَرَ بِهِ وَلَا يُكْشَفَ جَسَدُهُ فَلَمَّا سُتِرَ بِالْكَفَنِ اسْتُغْنِيَ عَنِ الْقَمِيصِ ، فَلَوْ لَمْ يُنْزَعِ الْقَمِيصُ حَتَّى كُفِّنَ لَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوِتْرِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، نا الْأَوْزَاعِيُّ ، نا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أُدْرِجَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ، ثُمَّ أُخِّرَ عَنْهُ ( أُدْرِجَ ) : أَيْ لُفَّ ( فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ) : عَلَى الْوَصْفِ وَالْإِضَافَةِ . قَالَ الْحَافِظُ وَالْحِبَرة بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَا كَانَ مِنَ الْبُرُودِ مُخَطَّطًا وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ ( ثُمَّ أُخِّرَ عَنْهُ ) : أَيْ نُزِعَ عَنْهُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ : وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بَعْدَ هَذَا مَا يُوَضِّحُهُ .
بَابٌ : فِي الْكَفَنِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمًا ، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ ، وَقُبِرَ لَيْلًا فَزَجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ بَاب فِي الْكَفَنِ أَيْ هَذَا بَابٌ فِي اسْتِحْبَابِ إِحْسَانِ الْكَفَنِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَاةٍ . ( فَكُفِّنَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ ( غَيْرِ طَائِلٍ ) : أَيْ حَقِيرٍ غَيْرِ كَامِلِ السِّتْرِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( أَنْ يُقْبَرَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْأفْعَالِ أَيْ يُدْفَنَ ( حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ بِفَتْحِ اللَّامِ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ أَيْ مَعَ الْجَمَاعَةِ الْعَظِيمَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْقَبْرِ لَيْلًا حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ فَقِيلَ : سَبَبُهُ أَنَّ الدَّفْنَ نَهَارًا يَحْضُرُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَحْضُرُهُ فِي اللَّيْلِ إِلَّا أَفْرَادٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِاللَّيْلِ لِرَدَاءَةِ الْكَفَنِ فَلَا يَبِينُ فِي اللَّيْلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ . قَالَ الْقَاضِي : الْعِلَّتَانِ صَحِيحَتَانِ ، قَالَ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصَدَهُمَا مَعًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الدَّفْنِ فِي اللَّيْلِ ، فَكَرِهَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُسْتَدَلُّ لَهُ بِهِ . وَقَالَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ : لَا يُكْرَهُ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ دُفِنُوا لَيْلًا مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ ، وَبِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ السَّوْدَاءِ أَوِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَتُوُفِّيَ بِاللَّيْلِ فَدَفَنُوهُ لَيْلًا ، وَسَأَلَهُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ قَالُوا : تُوُفِّيَ لَيْلًا فَدَفَنَّاهُ فِي اللَّيْلِ ، فَقَالَ : أَلَا آذَنْتُمُونِي ؟ قَالُوا : كَانَتْ ظُلْمَةً وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِمْ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّهْيَ كَانَ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُجَرَّدِ الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ، وَإِنَّمَا نَهَى لِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَوْ لِقِلَّةِ الْمُصَلِّينَ أَوْ عَنْ إِسَاءَةِ الْكَفَنِ أَوْ عَنِ الْمَجْمُوعِ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : وَقَوْلُهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهِ مَضْبُوطٌ بِكَسْرِ اللَّامِ أَي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَهَذَا سَبَبٌ آخَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إِنْ رُجِيَ بِتَأْخِيرِ الْمَيِّتِ إِلَى الصَّبَاحِ صَلَاةُ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ عَلَيْهِ اسْتُحِبَّ تَأْخِيرُهُ وَإِلَّا فَلَا ( إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَخْ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ ( فَلْيُحْسِنْ كَفَنُهُ ) : ضَبَطُوهُ بِوَجْهَيْنِ : فَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِهَا ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . قَالَ الْقَاضِي : وَالْفَتْحُ أَصْوَبُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِإِحْسَانِهِ السَّرَفَ فِيهِ وَالْمُغَالَاةَ وَنَفَاسَتَهُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَظَافَتُهُ وَنَقَاؤُهُ وَسِتْرُهُ وَتَوَسُّطُهُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا وَلِي أَحَدكُمْ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّار ، نا إسماعيل يَعْنِي : ابْنَ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، حدثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ مَعْقِلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ وَهْبٍ يَعْنِي : ابْنَ مُنَبِّهٍ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِذَا تُوُفِّيَ أَحَدُكُمْ فَوَجَدَ شَيْئًا فَلْيُكَفَّنْ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ ( فَوَجَدَ شَيْئًا ) : أَيْ أَهْلَهُ مِنَ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ عَلَى تَحْسِينِ الْكَفَنِ ( فِي ثَوْبِ حِبَرَةٍ ) : فِيهِ الْأَمْرُ بِتَكْفِينِ الْمَيِّتِ فِي ثَوْبٍ حِبَرَةٍ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ باب في زيارة النساء القبور ( وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا ) : أَيْ عَلَى الْقُبُورِ ( الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ ) : فِيهِ تَحْرِيمُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ ، وَاتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ ، وَاتِّخَاذِ السُّرُجِ عَلَى الْمَقَابِرِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا كُرِهَ زِيَارَةُ الْقُبُورِ فِي النِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ أَبَا صَالِحٍ هَذَا هُوَ بَاذَامُ يُقَالُ : بَاذَانُ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صَاحِبُ الْكَلْبِيِّ . قَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ رَضِيَهُ وَقَدْ قِيلَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ وَغَيْرِهِ بِخَيْرِ أَمْرِهِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ رَضِيَهُ حُجَّةً أَوْ قَالَ هُوَ ثِقَةٌ .
بَابٌ : فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيَسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى ، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي تَعَالَى عَلَى أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، فَاسْتَأْذَنْتُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ، فَزُورُوا الْقُبُورَ ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ باب في زيارة القبور ( فَبَكَى ) : بُكَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ إِدْرَاكِ أَيَّامِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ أَوْ عَلَى عَذَابِهَا ( فَلَمْ يَؤذَنْ لِي ) : لِأَنَّهَا كَافِرَةٌ وَالِاسْتِغْفَارُ لِلْكَافِرِينَ لَا يَجُوزُ ( فَأُذِنَ لِي ) : بِنَاءٌ عَلَى الْمَجْهُولِ أَوْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ ( فَإِنَّهَا ) : أَيِ الْقُبُورَ أَوْ زِيَارَتَهَا ( تُذَكِّرُ بِالْمَوْتِ ) : وَذِكْرُ الْمَوْتِ يُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَيُرَغِّبُ فِي الْعُقْبَى ، فِيهِ جَوَازُ زِيَارَةِ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْكُفَّارِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا مُعَرِّفُ بْنُ وَاصِلٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا ؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً ( مُعَرِّفُ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ . قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ( عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ) : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ . قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( نَهَيْتُكُمْ ) : أَيْ قَبْلَ هَذَا ( فَزُورُوهَا ) : الْأَمْرُ لِلرُّخْصَةِ أَوْ لِلِاسْتِحْبَابِ وَظَاهِرُهُ الْإِذْنُ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاخْتُلِفَ فِي النِّسَاءِ ، فَقِيلَ دَخَلْنَ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ . وَمِمَّنْ حَمَلَ الْإِذْنَ عَلَى عُمُومِهِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَائِشَةُ ، وَقِيلَ الْإِذْنُ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ زِيَارَةُ الْقُبُورِ انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ مَكْرُوهَةٌ لِلنِّسَاءِ بَلْ حَرَامٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَلَا سِيَّمَا نِسَاءُ مِصْرَ لِأَنَّ خُرُوجَهُنَّ عَلَى وَجْهِ الْفَسَادِ وَالْفِتْنَةِ ، وَإِنَّمَا رُخِّصَتِ الزِّيَارَةُ لِتَذَكُّرِ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَلِلِاعْتِبَارِ بِمَنْ مَضَى وَلِلتَّزَهُّدِ فِي الدُّنْيَا انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ .
بَابٌ : فِي الثَّنَاءِ عَلَى الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا ، فَقَالَ : وَجَبَتْ ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا ، فَقَالَ : وَجَبَتْ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شهيد باب في الثناء على الميت ( مَرُّوا ) : أَيِ النَّاسُ ( فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا ) : أَيْ ذَكَرُوهَا بِأَوْصَافٍ حَمِيدَةٍ ( خَيْرًا ) : تَأْكِيدًا وَدَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عَلِيّ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَجَبَتْ ) : أَيِ الْجَنَّةُ ، وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ إِذْ هُوَ فِي صِحَّةِ الْوُقُوعِ كَالشَّيْءِ الْوَاجِبِ ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ بَلِ الثَّوَابُ فَضْلُهُ وَالْعِقَابُ عَدْلُهُ ( فَأَثْنَوْا شَرًّا ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : اسْتِعْمَالُ الثَّنَاءِ فِي الشَّرِّ مُشَاكَلَةٌ أَوْ تَهَكُّمٌ انْتَهَى . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَثْنَوْا فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى وَصَفُوا فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى الْقَيْدِ . فَفِي الْقَامُوسِ : الثَّنَاءُ وَصْفٌ بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ أَوْ خَاصٌّ بِالْمَدْحِ . قَالَهُ الْقَارِي ( فَقَالَ وَجَبَتْ ) : أَيِ النَّارُ أَوِ الْعُقُوبَةُ وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ ثَنَاءَهُمْ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَهُ كَانَتْ خَيْرًا فوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ، وَثَنَاءَهُمْ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ يَدُلُّ عَلَى أن أَفْعَالِهِ كَانَتْ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ ( إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ شَهِيدٍ ) : أَيِ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ : أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِالْحِكْمَةِ بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْمُتَّقِيَاتِ وَالْمُتَّقِينَ . قَالَهُ فِي الْفَتْحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ .
بَابٌ : فِي تَحْوِيلِ الْمَيِّتِ مِنْ مَوْضِعِهِ لِلْأَمْرِ يَحْدُثُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي مَسْلَمَةَ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ ، فَكَانَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ ، فَأَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا شُعَيْرَاتٍ كُنَّ فِي لِحْيَتِهِ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ 4059 باب في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث ( فَكَانَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ حَاجَةٌ ) : أَيْ إِلَى إِخْرَاجِهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ . فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْإِخْرَاجِ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْحَيِّ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي دَفْنِ مَيِّتٍ آخَرَ مَعَهُ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ جَابِرٌ بِقَوْلِهِ : فَكَانَ فِي نَفْسِي ( فَمَا أَنْكَرْتُ مِنْهُ شَيْئًا ) : أَيْ مَا وَجَدْتُ مُنْكَرًا وَمُتَغَيِّرًا مِنْ جَسَدِهِ شَيْئًا . فِيهِ جَوَازُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنْ قَبْرِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِسَبَبٍ وَفِي الْمُوَطَّأِ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ : إِنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِهَما . وَقَالَ السُّيُوطِيُّ فِي تَأْرِيخِ الْخُلَفَاءِ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ : قَالَ شَرِيكٌ : نَقَلَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ إِلَى الْمَدِينَةِ . وَقَالَ الْمُبَرِّدُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ : أَوَّلُ مَنْ حُوِّلَ مِنْ قَبْرٍ إِلَى قَبْرٍ : عَلِيٌّ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَمَلُوهُ لِيَدْفِنُوهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . وَهَذِهِ الْآثَارُ فِيهَا جَوَازُ نَقْلِ الْمَيِّتِ مِنَ الْمَوْطِنِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ إِلَى مَوْطِنٍ آخَرَ يُدْفَنُ فِيهِ وَالْأَصْلُ الْجَوَازُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا لِدَلِيلٍ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ الْمَشْيِ بَيْنَ الْقُبُورِ فِي النَّعْلِ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ ، نا الْأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سُمَيْرٍ السَّدُوسِيِّ ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ ، عَنْ بَشِيرٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَحْمُ بْنُ مَعْبَدٍ ، فَهَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا اسْمُكَ ؟ فقَالَ : زَحْمٌ . قَالَ : بَلْ أَنْتَ بَشِيرٌ . قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ : لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا - ثَلَاثًا - ثُمَّ مَرَّ بِقُبُورِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ : لَقَدْ أَدْرَكَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ثم َحَانَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظْرَةٌ ، فَإِذَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الْقُبُورِ عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ : يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ ، وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا باب المشي بين القبور في النعل ( ابْنُ سُمَيْرٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ ( ابْنُ نَهِيكٍ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ( عَنْ بَشِيرٍ ) : هُوَ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ وَهِيَ أُمُّهُ . قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي ) : أَيْ أَمْشِي مَعَهُ هُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ يُقَالُ : تَمَاشَيَا تَمَاشِيًا أَيْ مَشَيَا مَعًا ( فَقَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ سَبَقَ هَؤُلَاءِ خَيْرًا كَثِيرًا ) : أَيْ كَانُوا قِبَلَ الْخَيْرِ فَحَادَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْخَيْرُ وَمَا أَدْرَكُوهُ أَوْ أَنَّهُمْ سَبَقُوهُ حَتَّى جَعَلُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ( ثَلَاثًا ) : أَيْ قَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ( ثُمَّ حَانَتْ ) : أَيْ قَرُبَتْ وَوَقَعَتْ ( يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ إِلَخْ ) : وَهُمَا نَعْلَانِ لَا شَعْرَ عَلَيْهِمَا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : السِّبْتِيَّةُ مِنَ النِّعَالِ مَا كَانَ مَدْبُوغًا بِالْقَرَظِ . قُلْتُ : السِّبْتِيَّتَيْنِ بِكَسْرِ السِّينِ نِسْبَةٌ إِلَى السِّبْتِ وَهُوَ جُلُودُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرَظِ يُتَّخَذُ مِنْهَا النِّعَالُ لِأَنَّهُ سُبِتَ شَعْرُهَا أَيْ حُلِقَ وَأُزِيلَ ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا انْسَبَتتْ بِالدِّبَاغِ أَيْ لَانَتْ ، وَأُرِيدَ بِهِمَا النَّعْلَانِ الْمُتَّخَذَانِ مِنَ السِّبْتِ ، وَأَمْرُهُ بِالْخَلْعِ احْتِرَامًا لِلْمَقَابِرِ عَنِ الْمَشْيِ بَيْنَهَا بِهِمَا أَوْ لِقَذَرٍ بِهِمَا أَوْ لِاخْتِيَالِهِ فِي مَشْيِهِ . قِيلَ : وَفِي الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ الْمَشْيِ بِالنِّعَالِ بَيْنَ الْقُبُورِ ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوِهِ الْمَذْكُورَةِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ . وَفِي النَّيْلِ : وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنَّعْلَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ عَدَمُ الْجَوَازِ بِكَوْنِ النَّعْلَيْنِ سِبْتِيَّتَيْنِ لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : يَجُوزُ وَطْءُ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ سِبْتِيَّةً لِحَدِيثِ إِنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ وَخَصَّ الْمَنْعَ بِالسِّبْتِيَّةِ وَجَعَلَ هَذَا جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . وَهُوَ وَهَمٌ لِأَنَّ سَمَاعَ الْمَيِّتِ لِخَفْقِ النِّعَالِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْيُ عَلَى قَبْرٍ أَوْ بَيْنَ الْقُبُورِ فَلَا مُعَارَضَةَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : إِنَّ النَّهْيَ عَنِ السِّبْتِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْخُيَلَاءِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُهَا انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ : إِنَّمَا اعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِالْخَلْعِ احْتِرَامًا لِلْمَقَابِرِ ، وَقِيلَ : لِاخْتِيَالِهِ فِي مَشْيِهِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : إِنَّ أَمْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَلْعِ لَا لِكَوْنِ الْمَشْيِ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ مَكْرُوهًا ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَذَرًا فِيهِمَا يُقَذِّرُ الْقُبُورَ أَمَرَ بِالْخَلْعِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ ، ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي : ابْنَ عَطَاءٍ - عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ( وَتَوَلَّى ) : مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ أَيْ أَدْبَرَ وَذَهَبَ ( قَرْعَ نِعَالِهِمْ ) : أَيْ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمَشْيِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : خَبَرُ أَنَسٍ ( هَذَا ) : يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ النَّعْلِ لِزَائِرِ الْقُبُورِ وَلِلْمَاشِي بِحَضْرَتِهَا وَبَيْنَ ظَهْرَانَيْهَا ، فَأَمَّا خَبَرُ السِّبْتِيَّتَيْنِ ( الَّذِي مَضَى ) : فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخُيَلَاءِ ، وَذَلِكَ أَنَّ نِعَالَ السِّبْتِ مِنْ لِبَاسِ أَهْلِ التَّنَعُّمِ وَالتَّرَفُّهِ ، وَأَحَبَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ الْمَقَابِرَ عَلَى زِيِّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ وَلِبَاسِ أَهْلِ الْخُشُوعِ انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنَ الْخُيَلَاءِ فَإِنَّهُ مُتَعَقَّبٌ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَيَقُولُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَلْبَسُهَا . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَغْرَبَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : يَحْرُمُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ بِالنِّعَالِ السِّبْتِيَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ جُمُودٌ شَدِيدٌ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي كَرَاهِيَةِ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا خَالِدٌ ، نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ 4053 باب في كراهية القعود على القبر ( عَلَى جَمْرَةٍ ) : أَيْ مِنَ النَّارِ ( فَتُحْرِقَ ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ( حَتَّى تَخْلُصَ ) : بِضَمِّ اللَّامِ أَيْ تَصِلَ ( خَيْرٌ لَهُ ) : أَيْ أَحْسَنُ لَهُ وَأَهْوَنُ ( عَلَى قَبْرٍ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّحْرِيمِ ، وَالْمُرَادُ الْقُعُودُ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : إِنَّمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَنْ جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَغَوَّطُ فَكَأَنَّمَا جَلَسَ عَلَى جَمْرَةٍ قَالَ فِي الْفَتْحِ : لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ ، وَمُخَالَفَةُ الصَّحَابِيِّ لِمَا رَوَى لَا تُعَارِضُ الْمَرْوِيَّ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أنا عِيسَى ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي : ابْنَ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا ( أَبَا مَرْثَدٍ ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ ( الْغَنَوِيَّ ) : بِفَتْحَتَيْنِ ( وَلَا تُصَلُّوا ) : أَيْ مُسْتَقْبِلِينَ ( إِلَيْهَا ) : أَيِ الْقُبُورَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ الْبَالِغِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمُغَالَاةِ فِي الْكَفَنِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ ، عَنْ إسماعيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ : لَا تُغَالي فِي كَفَنٍ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تَغَالَوْا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُهُ سَلْبًا سَرِيعًا بَاب كَرَاهِيَةِ الْمُغَالَاةِ فِي الْكَفَنِ وُجِدَ هَذَا الْبَابُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَالْأَكْثَرُ عَنْهُ خَالِيَةٌ وَحَذْفُهُ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( لَا تَغَالِيَ ) : مَصْدَرٌ مِنَ التَّفَاعُلِ ، هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، يُقَالُ : تَغَالَى النَّبَاتُ تَغَالِيًا ارْتَفَعَ ، وَتَغَالَى الشَّجَرُ تَغَالِيًا أَيِ الْتَفَّ وَعَظُمَ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَا يُغَالِي بِصِيغَةِ الْغَائِبِ الْمَجْهُولِ ، وَفِي بَعْضِهَا بِصِيغَةِ الْحَاضِرِ الْمَعْرُوفِ لَا تَغَالِ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( لَا تَغَالَوْا ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ لَا تُبَالِغُوا وَلَا تَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ ( فِي الْكَفَنِ ) : أَيْ فِي كَثْرَةِ ثَمَنِهِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَالطِّيبِيُّ : أَصْلُ الْغَلَاءِ الِارْتِفَاعُ وَمُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، يُقَالُ : غَالَيْتُ الشَّيْءَ وَبِالشَّيْءِ وَغَلَوْتُ فِيهِ أَغْلُو إِذَا جَاوَزْتَ فِيهِ الْحَدَّ ، انْتَهَى . وَفِيهِ أَنَّ الْحَدَّ الْوَسَطَ فِي الْكَفَنِ هُوَ الْمُسْتَحَبُّ الْمُسْتَحْسَنُ ( فَإِنَّهُ ) : أَيْ تَمْزِيقُ الْأَرْضِ ، إِيَّاهُ عَنْ قَرِيبٍ ( يُسْلَبُهُ ) : هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِإِثْبَاتِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ ، وَأَخَذَ هَذِهِ النُّسْخَةَ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَأْخُذُ وَيَفْسُدُ وَيُزِيلُ الْكَفَنَ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ بِحَذْفِ ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ ، وَأَخَذَ هَذِهِ النُّسْخَةَ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَالْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ ، وَمَعْنَاهُ يَبْلَى الْكَفَنُ بِلًى سَرِيعًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : اسْتُعِيرَ السَّلْبُ لِبِلَى الثَّوْبِ مُبَالَغَةً فِي السُّرْعَةِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ : قَوْلُهُ : فَإِنَّهُ يُسْلَبُهُ سَلْبًا سَرِيعًا عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا تَشْتَرُوا الْكَفَنَ بِثَمَنٍ غَالٍ فَإِنَّهُ يَبْلَى بِسُرْعَةٍ ، انْتَهَى . وَفِي سُبُلِ السَّلَامِ : حَدِيثُ عَلِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ فِيهِ عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ . وَأَيْضًا فِيهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ الشَّعْبِيِّ وَعَلِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إِنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْمُغَالَاةِ فِي الْكَفَنِ وَهِيَ زِيَادَةُ الثَّمَنِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا كَأَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ سَرِيعُ الْبِلَى وَالذَّهَابِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانَ فَقَالَ : اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ وَكَفِّنُونِي فِيهَا ، قُلْتُ : إِنَّ هَذَا خَلَقٌ ، قَالَ : إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ ، إِنَّهُ لِلْمُهْلَةِ أَيْ لِلصَّدِيدِ . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ أَبُو مَالِكٍ عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْجَنْبِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ أَنَّ الشَّعْبِيَّ رَأَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْخَطِيبُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ : مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا نَمِرَةٌ كُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ خَرَجَت رِجْلَاهُ ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : غَطُّوا بِهَا رَأْسَهُ ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْإِذْخِرِ ( قَالَ ) : أَيْ خَبَّابٌ ( مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ) : هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ، وَعُمَيْرٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ مُصَغَّرُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ الْعَبْدَرِيُّ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ الصَّحَابَةِ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنُ وَيُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنْعَمِ النَّاسِ عَيْشًا ، وَأَلْيَنِهِمْ لِبَاسًا ، وَأَحْسَنِهِمْ جَمَالًا ، فَلَمَّا أَسْلَمَ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا وَتَقَشَّفَ وَتَحَشَّفَ ، وَفِيهِ نَزَلَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ) : أَيْ لِمُصْعَبٍ ( إِلَّا نَمِرَةٌ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ كِسَاءٌ فِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ وَسُودٌ تَلْبَسُهُ الْأَعْرَابُ ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : النَّمِرَةُ ضَرْبٌ مِنَ الْأَكْسِيَةِ إِذَا ( غَطَّيْنَا ) : أَيْ سَتَرْنَا ( بِهَا ) : أَيْ بِالنَّمِرَةِ ( مِنَ الْإِذْخِرِ ) : قَالَ الْعَيْنِيُّ : هُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي آخِرِهِ رَاءٌ ، هُوَ نَبْتٌ بِمَكَّةَ وَيَكُونُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ . وَفِيهِ أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا ضَاقَ فَتَغْطِيَةُ رَأْسِ الْمَيِّتِ أَوْلَى مِنْ رِجْلَيْهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الْكَفَنَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَأَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا اسْتَغْرَقَ كَفَنُهُ جَمِيعَ تَرِكَتِهِ كَانَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْوَرَثَةِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، حدثني ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ ، وَخَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ ( خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ ) : أَيِ الْإِزَارُ وَالرِّدَاءُ فِيهِ الْفَضِيلَةُ بِتَكْفِينِ الْمَيِّتِ فِي الْحُلَّةِ قَالَ الْقَارِيُّ : اخْتَارَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْأَبْيَضَ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كُفِّنَ فِي السُّحُولِيَّةِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ، رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : الْأَكْثَرُونَ عَلَى اخْتِيَارِ الْبِيضِ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْحُلَّةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ يَوْمئِذٍ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ ( وَخَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : وَلَعَلَّ فَضِيلَةَ الْكَبْشِ الْأَقْرَنِ عَلَى غَيْرِهِ لِعِظَمِ جُثَّتِهِ وَسِمَنِهِ فِي الْغَالِبِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُقْتَصِرًا مِنْهُ عَلَى ذِكْرِ الْكَفَنِ .
بَابٌ : فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ : سَمِعْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَقْعُدَ عَلَى الْقَبْرِ ، وَأَنْ يُقَصَّصَ ، وَيُبْنَى عَلَيْهِ باب في البناء على القبر ( نَهَى أَنْ يُقْعَدَ عَلَى الْقَبْرِ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ قِيلَ : لِلتَّغَوُّطِ وَالْحَدَثِ ، وَقِيلَ : لِلْإِحْدَادِ ، وَهُوَ أَنْ يُلَازِمَ الْقَبْرَ وَلَا يَرْجِعَ عَنْهُ . وَقِيلَ : مُطْلَقًا لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَادُ مِنَ الْقُعُودِ الْجُلُوسُ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ ، وَقَدْ نَهَى عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ . قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ يُتَأَوَّلُ عَلَى وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْقُعُودِ لِلْحَدَثِ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : كَرَاهِيَةُ أَنْ يَطَأَ الْقَبْرَ بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَدِ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ لَهُ : لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ ( وَأَنْ يُقَصَّصَ ) : بِالْقَافِ وَصَادَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ يُجَصَّصَ ، وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ ( وَيُبْنَى عَلَيْهِ ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَرَاهِيَةُ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ وَكَرَاهِيَةُ الْقُعُودِ عَلَيْهَا وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ذِكْرُ الزِّيَادَةِ وَالْكِتَابَةِ ، وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : نا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ، وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ عُثْمَانُ : أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ ، وَزَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى : أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِهِ : أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : خَفِيَ عَلَيَّ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ حَرْفُ : وَأَنْ . ( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ) : وَهُوَ الْأَشْدَقُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( قَالَ عُثْمَانُ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ ) : بَوَّبَ عَلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ الْبَيْهَقِيُّ بَابُ لَا يُزَادُ عَلَى الْقَبْرِ أَكْثَرُ مِنْ تُرَابِهِ لِئَلَّا تُرْفَعَ ، وَظَاهِرُهُ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى تُرَابِهِ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ ( أَوْ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ ) : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ . فِيهِ كَرَاهِيَةُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقُبُورِ ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ كِتَابَةِ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَى الْقَبْرِ وَغَيْرِهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْقَبْرِ شَيْءٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ .
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ( قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ) : زَادَ مُسْلِمُ وَالنَّصَارَى وَمَعْنَى قَاتَلَ قَتَلَ ، وَقِيلَ : لَعَنَ ، فَإِنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ اللَّعْنِ ( اتَّخَذُوا ) : جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِمُوجِبِ الْمُقَاتَلَةِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ مَا سَبَبُ مُقَاتَلَتِهِمْ ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ : اتَّخَذُوا ( مَسَاجِدَ ) : أَيْ قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ يُصَلُّونَ إِلَيْهَا أَوْ بَنَوْا مَسَاجِدَ عَلَيْهَا يُصَلُّونَ فِيهَا ، وَإِلَى الثَّانِي يَمِيلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْبِنَاءِ عَلَى الْقَبْرِ ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِ الْقَبْرِ انْتَهَى . وَتَقَدَّمَ بَعْضُ الْبَيَانِ فِي بَابِ تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ . ( صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَقَالَ : إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ الْحَدِيثَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الشُّهَدَاءِ ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَكَانَتْ أُحُدٌ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمَاتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ، فَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ : بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ تَجَوُّزٌ عَلَى طَرِيقِ جَبْرِ الْكَسْرِ وَإِلَّا فَهِيَ سَبْعُ سِنِينَ وَدُونَ النِّصْفِ انْتَهَى . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ بَعْدَ مُدَّةٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَوَّلَ الْخَبَرَ فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى مَعْنَى اشْتِغَالِهِ عَنْهُمْ وَقِلَّةِ فَرَاغِهِ لِذَلِكَ ، وَكَانَ يَوْمًا صَعْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَعُذِرُوا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمُ انْتَهَى . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَحْمِلُ الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الدُّعَاءِ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ : صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ . فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ يَدْفَعُهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مِنَ الْخَصَائِصِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَصَدَ بِهَا التَّوْدِيعَ ، وَالتَّوْدِيعُ لِلْأَحْيَاءِ التَّذْكِيرُ وَالدُّعَاءُ لَهُمْ وَقْتَ الْوَدَاعِ ، وَلِلْأَمْوَاتِ اسْتِغْفَارٌ لَهُمْ ، وَقَدْ مَضَى بَعْضُ بَيَانِهِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ الصلاة على القبر بعد حين حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا ، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ حِينٍ أَيْ بَعْدَ زَمَانٍ كَثِيرٍ
بَابُ كَرَاهِيَةِ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : كَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ ، يعني : بَبقَرَةً أَوْ بشَيء . باب كراهية الذبح عند القبر ( لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْقِرُونَ الْإِبِلَ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ الْجَوَادِ يَقُولُونَ : نُجَازِيهِ عَلَى فِعْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْقِرُهَا فِي حَيَاتِهِ فَيُطْعِمُهَا الْأَضْيَافَ فَنَعْقِرُهَا عِنْدَ قَبْرِهِ فَتَأْكُلُهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ فَتَكُونُ مَطْعَمًا بَعْدَ مَمَاتِهِ كَمَا كَانَتْ مَطْعَمًا فِي حَيَاتِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا عُقِرَتْ رَاحِلَتُهُ حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَاكِبًا ، وَمَنْ لَمْ يُعْقَرْ عَنْهُ حُشِرَ رَاجِلًا ، وَكَانَ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى مِنْهُمُ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : كَانُوا يَعْقِرُونَ الْإِبِلَ عَلَى قُبُورِ الْمَوْتَى أَيْ يَنْحَرُونَهَا وَيَقُولُونَ : إِنَّ صَاحِبَ الْقَبْرِ كَانَ يَعْقِرُ لِلْأَضْيَافِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ فَنُكَافِئُهُ بِمِثْلِ صَنِيعِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ، وَأَصْلُ الْعَقْرِ : ضَرْبُ قَوَائِمِ الْبَعِيرِ أَوِ الشَّاةِ بِالسَّيْفِ وَهُوَ قَائِمٌ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي كَفَنِ الْمَرْأَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا أَبِي ، عَنْ ابْنِ إسحاق ، حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ الثَّقَفِيُّ وَكَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ يُقَالُ لَهُ : دَاوُدُ قَدْ وَلَّدَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ لَيْلَى بِنْتَ قَانِفٍ الثَّقَفِيَّةَ قَالَتْ : كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابِنْة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ وَفَاتِهَا ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحِقَاءَ ، ثُمَّ الدِّرْعَ ، ثُمَّ الْخِمَارَ ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ قَالَتْ : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عِنْدَ الْبَابِ ، مَعَهُ كَفَنُهَا يُنَاوِلُنَاهَا ثَوْبًا ثَوْبًا . بَاب فِي كَفَنِ الْمَرْأَةِ ( يُقَالُ لَهُ ) : أَيْ لِلرَّجُلِ ( دَاوُدَ ) : هُوَ ابْنُ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ الْمَكِّيُّ . رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَثَّقَهُ الْبُخَارِيُّ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . وَفِي الْإِصَابَةِ : وَدَاوُدُ بْنُ عَاصِمٍ هَذَا هُوَ زَوْجُ حَبِيبَةَ بِنْتِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( قَدْ وَلَّدَتْهُ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ يَرْجِعُ إِلَى دَاوُدَ أَيْ رَبَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ دَاوُدَ بْنَ عَاصِمٍ وَتَوَلَّتْ أَمْرَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِنْجِيلِ مُخَاطِبًا لِعِيسَى عَلَيْهِ السِّلَامُ : أَنْتَ نَبِيٌّ وَأَنَا وَلَّدْتُكَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ رَبَّيْتُكَ . وَالْمُوَلِّدَةُ الْقَابِلَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ مُسَافِعٍ : حَدَّثَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَتْ : أَنَا وَلَّدْتُ عَامَّةَ أَهْلِ دِيَارِنَا أَيْ كُنْتُ لَهُمْ قَابِلَةً ، كَذَا فِي اللِّسَانِ . وَفِي بَعْضِ كُتُبِ اللُّغَةِ : وَلَّدَتِ الْقَابِلَةُ فُلَانَةً تَوْلِيدًا تَوَلَّتْ وِلَادَتَهَا ، وَكَذَا إِذَا تَوَلَّتْ وِلَادَةَ شَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا . قُلْتُ : وَلَّدَتْهَا وَوَلَّدَتِ الْوَلَدَ رَبَّتْهَا ، انْتَهَى . وَسَيَجِيءُ كَلَامُ الْحَافِظِ فِي هَذَا الْبَابِ ( زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : بَدَلٌ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ( أَنَّ لَيْلَى بِنْتَ قَانِفٍ ) : بِقَافٍ وَنُونٍ وَفَاءٍ هِيَ الثَّقَفِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ حَدِيثُهَا عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ . قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ ( أُمَّ كُلْثُومٍ ) : زَوْجَ عُثْمَانَ ( الْحِقَاءَ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : جَمْعُ حَقْوٍ . قُلْتُ : الْمُرَادُ هُنَا الْجِنْسُ بِنَاءً عَلَى مَا قَالُوا : اللَامَ التَّعْرِيفِ إِذَا كَانَ لِلْجِنْسِ يَبْطُلُ مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَفِي التَّلْخِيصِ : الْحِقَا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ مَقْصُورٌ ، قِيلَ : هُوَ لُغَةٌ فِي الْحَقْوِ وَهُوَ الْإِزَارُ ( ثُمَّ الدِّرْعَ ) : بِكَسْرِ الدَّالِ وَهُوَ الْقَمِيصُ ( ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ) : بِالْكَسْرِ هِيَ الْمُلَاءَةُ الَّتِي تَلْتَحِفُ بِهَا الْمَرْأَةُ ، وَاللِّحَافُ كُلُّ ثَوْبٍ يُتَغَطَّى بِهِ قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ ( يُنَاوِلُنَاهَا ) : أَيْ هَذِهِ الْأَثْوَابَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَصَرَّحَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بِالتَّحْدِيثِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ نُوحُ بْنُ حَكِيمٍ . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : مَجْهُولٌ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ . وَأَمَّا دَاوُدُ فَهُوَ ابْنُ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ لَيْلَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَالْحَدِيثُ أَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِنُوحٍ وَأَنَّهُ مَجْهُولٌ ، وَإِنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَدْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ وَدَاوُدُ حَصَلَ لَهُ فِيهِ تَرَدُّدٌ هَلْ هُوَ دَاوُدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرَهُ ، فَإِنْ يَكُنِ ابْنُ عَاصِمٍ فَثِقَةٌ ، فَيُعَكَّرُ عَلَيْهِ بِأَنَّ ابْنَ السَّكَنِ وَغَيْرَهُ قَالُوا : إِنَّ حَبِيبَةَ كَانَتْ زَوْجًا لِداوُدَ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ دَاوُدُ بْنُ عَاصِمٍ لِأُمِّ حَبِيبَةَ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ أَيْ لِأَنَّهُ زَوْجُ ابْنَتِهَا . وَمَا أَعَلَّهُ بِهِ ابْنُ الْقَطَّانِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ . وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ دَاوُدَ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ ، وَوِلَادَةُ أُمِّ حَبِيبَةَ مَجَازِيَّةٌ إِنْ تَعَيَّنَ مَا قَالَهُ ابْنُ السَّكَنِ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إِنَّمَا هُوَ وَلَّدَتْهُ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ قَبِلَتْهُ ، انْتَهَى . قُلْتُ : فَالْحَدِيثُ سَنَدُهُ حَسَنٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِلْمَيِّتِ فِي وَقْتِ الِانْصِرَافِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، ثنا هِشَامٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ بن ريسان، عَنْ هَانِئٍ مَوْلَى عُثْمَانَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ، وَاسَألوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : بَحِيرٌ بْنُ رَيْسَانَ 4044 باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف ( وَقَفَ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْمَيِّتِ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَاسْأَلُوا لَهُ ) : أَيْ لِلْمَيِّتِ ( بِالتَّثْبِيتِ ) : أَيْ أَنْ يُثَبِّتَهُ اللَّهُ فِي الْجَوَابِ ( فَإِنَّهُ ) : الْمَيِّتُ ، فِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ وَسُؤَالُ التَّثْبِيتِ لَهُ لِأَنَّهُ يُسْأَلُ فِي تِلْكَ الْحَالِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ حَيَاةِ الْقَبْرِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ أَحاديث كثيرة ، وفيه أيضا دليل على أن الميت يسأل في قبره ، وَقَدْ وَرَدَتْ به أَيْضًا أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الْمِسْكِ لِلْمَيِّتِ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا الْمُسْتَمِرُ بْنُ الرَّيَّانِ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْيَبُ طِيبِكُمْ الْمِسْكُ بَاب فِي الْمِسْكِ لِلْمَيِّتِ ( أَطْيَبُ طِيبِكُمُ الْمِسْكُ ) : مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحَدِيثَ عَامٌّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمِسْكِ لِلْمَيِّتِ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أَجْمَرْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ ، وَالْمَعْنَى أَيْ بَخَّرْتُمُ الْمَيِّتَ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَبْخِيرِ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا وَتَطْيِيبِ بَدَنِهِ وَكَفَنِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قال : نا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ حَدَّثَهُ قَالَ : كُنَّا عند فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِرُوذِسَ بأَرْضِ الرُّومِ ، فَتُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَمَرَ فَضَالَةُ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ ، ثُمَّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رُوذسُ جَزِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ . ( أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيَّ ) : هُوَ ثُمَامَةُ بْنُ شُفَيٍّ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ وَهُوَ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ مِصْرَ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( بِرُودِسَ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِرَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنِ الْأَكْثَرِينَ ، وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِفَتْحِ الدَّالِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فِي السُّنَنِ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ ، وَقَالَ : هِيَ جَزِيرَةٌ بِأَرْضِ الرُّومِ انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ وَسِينٌ مُهْمَلَةٌ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَقْيِيدِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ ( فَسُوِّيَ ) : أَيْ جُعِلَ مُتَّصِلًا بِالْأَرْضِ أَوِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ مُسَنَّمًا بَلْ جُعِلَ مُسَطَّحًا وَإِنِ ارْتَفَعَ عَنِ الْأَرْضِ بِقَلِيلٍ . قَالَهُ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، ثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ هَانِئٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ : يَا أُمَّهْ ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ ، وَلَا لَاطِئَةٍ مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ : يُقَالُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعُمَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( عَنِ الْقَاسِمِ ) : بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( يَا أُمَّهْ ) : بِسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ عَمَّتُهُ ، لَكِنْ قَالَ : يَا أُمَّهْ ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ أَوْ لِكَوْنِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ( اكْشِفِي لِي ) : أَيْ أَظْهِرِي وَارْفَعِي السِّتَارَةَ ( وَصَاحِبَيْهِ ) : أَيْ ضَجِيعَيْهِ وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ( فَكَشَفَتْ لِي ) : أَيْ لِأَجْلِي أَوْ لِرُؤْيَتِي ( لَا مُشْرِفَةٍ ) : أَيْ مُرْتَفِعَةٍ غَايَةَ الِارْتِفَاعِ ، وَقِيلَ أَيْ عَالِيَةً أَكْثَرَ مِنْ شِبْرٍ ( وَلَا لَاطِئَةٍ ) : بِالْهَمْزَةِ وَالْياءِ أَيْ مُسْتَوِيَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، يُقَالُ : لَطَأَ بِالْأَرْضِ أَيْ لَصِقَ بِهَا ( مَبْطُوحَةٍ ) : صِفَةُ لْقُبُورِ . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ مُسَوَّاةٌ مَبْسُوطَةٌ عَلَى الْأَرْضِ . قَالَ الْقَارِي : وَفِيهِ أَنَّهَا تَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى لَاطِئَةٍ وَتَقَدَّمَ نَفْيُهَا وَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهَا مُلْقَاةٌ فِيهَا الْبَطْحَاءُ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : بَطْحُ الْمَكَانِ تَسْوِيَتُهُ وَبَطَحَ الْمَسْجِدَ أَلْقَى فِيهِ الْبَطْحَاءَ وَهُوَ الْحَصَى الصِّغَارُ ، ببطحاء العرصة : أي رمل العرصة وهي موضع قال الطيبي : الْعَرْصَةُ جَمْعُهَا عَرَصَاتٍ وَهِيَ كُلُّ مَوْضِعٍ وَاسِعٍ لَا بِنَاءَ فِيهِ وَالْبَطْحَاءُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْحَصَى لِإِضَافَتِهَا إِلَى الْعَرْصَةِ ( الْحَمْرَاءِ ) : صِفَةٌ لِلْبَطْحَاءِ أَوِ الْعَرْصَةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ كَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُرْتَفِعَةٍ وَلَا مُنْخَفِضَةٍ لَاصِقَةٍ بِالْأَرْضِ مَبْسُوطَةٍ مُسَوَّاةٍ ، وَالْبَطْحُ : أَنْ يُجْعَلَ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ مُسَطَّحًا حَتَّى يُسَوَّى وَيَذْهَبَ التَّفَاوُتُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ أُلْقِيَ فِيهَا بَطْحَاءُ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءُ انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ قَبْرُهُ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا وَطُيِّنَ بِطِينٍ أَحْمَرَ مِنَ الْعَرْصَةِ انْتَهَى . وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَزَادَ وَرَأَيْتُ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقَدَّمًا وَأَبُو بَكْرٍ رَأْسُهُ بَيْنَ كَتِفَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُمَرُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي الْبَابِ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ قَالَ : رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِبْرًا أَوْ نَحْوَ شِبْرٍ . وَعَنْ عَثيمِ بْنِ بِسْطَامٍ الْمَدِينِيِّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ فِي كِتَابِ صِفَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَأَيْتُ قَبْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَأَيْتُهُ مُرْتَفِعًا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ ، وَرَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَرَاءَ قَبْرِهِ ، وَرَأَيْتُ قَبْرَ عُمَرَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ أَسْفَلَ مِنْهُ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَنَّمًا انْتَهَى أَيْ مُرْتَفِعًا . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : التَّسْنِيمُ ضِدُّ التَّسْطِيحِ وَقَالَ : سَطَحَهُ كَمَنَعَهُ بَسَطَهُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْأَفْضَلِ مِنَ التَّسْنِيمِ وَالتَّسْطِيحِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى جَوَازِ الْكُلِّ ؛ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ إِلَى أَنَّ التَّسْطِيحَ أَفْضَلُ وَاسْتَدَلُّوا بِرِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمَا وَافَقَهَا ، قَالُوا : وَقَوْلُ سُفْيَانَ التَّمَّارِ لَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لِاحْتِمَالِ أَنَّ قَبْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِ مُسَنَّمًا بَلْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُسَطَّحًا ثُمَّ لَمَّا بُنِيَ جِدَارُ الْقَبْرِ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ صَيَّرُوهَا مُرْتَفِعَةً وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ ، وَيُرَجِّحُ التَّسْطِيحَ أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا أَنْ لَا يَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّاهُ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَالْمُزَنِيُّ وَكَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَادَّعَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ اتِّفَاقَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّسْنِيمَ أَفْضَلُ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْأَرْجَحُ أَنَّ الْأَفْضَلَ التَّسْطِيحُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . ( قَالَ أَبُو عَلِيٍّ ) : هُوَ اللُّؤْلُئِيُّ رَاوِي السُّنَنِ ( عِنْدَ رَأْسِهِ ) : أَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عِنْدَ رِجْلَيْهِ ) : أَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( رَأْسُهُ ) : أَيْ عُمَرُ وَهَذِهِ صِفَةُ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ : فِي تَسْوِيَةِ الْقَبْرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، نا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ أَبِي هَيَّاجٍ الْأَسَدِيِّ قَالَ : بَعَثَنِي عَلِيٌّ ، قَالَ لِي : أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ 4040 باب في تسوية القبر ( عَنْ أَبِي هَيَّاجٍ الْأَسَدِيِّ ) : هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَاسْمُهُ : حَيَّانُ بْنُ حُصَيْنٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ ) : أَيْ أَرْسَلَنِي إِلَى تَغْيِيرِهِ ، وَلِذَا عُدِّيَ بِعَلَى ، أَوْ أُرْسِلَكَ لِلْأَمْرِ الَّذِي أَرْسَلَنِي لَهُ ( أَنْ لَا أَدَعَ ) : أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ وَ لَا نَافِيَةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، أَيْ : هُوَ أَنْ لَا أَدَعَ ، وَقِيلَ أَنْ تَفْسِيرِيَّةٌ وَ لَا نَاهِيَةٌ أَيْ لَا أَدَعَ ( قَبْرًا مُشْرِفًا ) : هُوَ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ حَتَّى ارْتَفَعَ دُونَ الَّذِي أُعْلِمَ عَلَيْهِ بِالرَّمْلِ وَالْحَصْبَاءِ أَوْ مَحْسُومَةٌ بِالْحِجَارَةِ لِيُعْرَفَ وَلَا يُوطَأَ . قَالَهُ الْقَارِي ( إِلَّا سَوَّيْتُهُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ عَلَى الْأَرْضِ رَفْعًا كَثِيرًا وَلَا يُسَنَّمُ بَلْ يُرْفَعُ نَحْوَ شِبْرٍ وَيُسَطَّحُ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَفْضَلَ عِنْدَهُمْ تَسْنِيمَهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَوْلُهُ لَا يُسَنَّمُ فِيهِ نَظَرٌ . وَفِي النَّيْلِ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنَّ الْقَبْرَ لَا يُرْفَعُ رَفْعًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَنْ كَانَ فَاضِلًا وَمَنْ كَانَ غَيْرَ فَاضِلٍ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ الْقُبُورِ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مُحَرَّمٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٌ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ لِوُقُوعِهِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِلَا نَكِيرٍ لَا يَصِحُّ وَهُوَ مِنْ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعِلَ ذَلِكَ ، وَكَمْ قَدْ سَرَى عَنْ تَشْيِيدِ أَبْنِيَةِ الْقُبُورِ وَتَحْسِينِهَا مِنْ مَفَاسِدَ يَبْكِي لَهَا الْإِسْلَامُ ، مِنْهَا : اعْتِقَادُ الْجَهَلَةِ لَهَا كَاعْتِقَادِ الْكُفَّارِ لِلْأَصْنَامِ وَعُظِّمَ ذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ فَجَعَلُوهَا مَقْصِدًا لِطَلَبِ قَضَاءِ الْحَوَائِجِ ، وَمَلْجَأً لِنَجَاحِ الْمَطَالِبِ ، وَسَأَلُوا مِنْهَا مَا يَسْأَلُهُ الْعُبَّادُ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَشَدُّوا إِلَيْهَا الرِّحَالَ ، وَتَمَسَّحُوا بِهَا وَاسْتَغَاثُوا ، وَبِالْجُمْلَةِ إِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ بِالْأَصْنَامِ إِلَّا فَعَلُوهُ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . وَمَعَ هَذَا الْمُنْكَرِ الشَّنِيعِ وَالْكُفْرِ الْفَظِيعِ لَا نَجِدُ مَنْ يَغْضَبُ لِلَّهِ وَيَغَارُ حَمِيَّةً لِلدِّينِ الْحَنِيفِ ، لَا عَالِمًا وَلَا مُتَعَلِّمًا وَلَا أَمِيرًا وَلَا وَزِيرًا وَلَا مَلِكًا ، وَقَدْ تَوَارَدَ إِلَيْنَا مِنَ الْأَخْبَارِ مَا لَا شَكَّ مَعَهُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْقُبُورِيِّينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ إِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مِنْ جِهَةِ خَصْمِهِ حَلَفَ بِاللَّهِ فَاجِرًا ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ احْلِفْ بِشَيْخِكَ وَمُعْتَقَدِكَ الْوَلِيِّ الْفُلَانِيِّ تَلَعْثَمَ وَتَلَكَّأَ وَأَبَى وَاعْتَرَفَ بِالْحَقِّ ، وَهَذَا مِنْ أبَيْنِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ شِرْكَهُمْ قَدْ بَلَغَ فَوْقَ شِرْكِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ تَعَالَى ثَانِي اثْنَيْنِ أَوْ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . فَيَا عُلَمَاءَ الدِّينِ وَيَا مُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ أَيُّ رُزْءٍ لِلْإِسْلَامِ أَشَدُّ مِنَ الْكُفْرِ ، وَأَيُّ بَلَاءٍ لِهَذَا الدِّينِ أَضَرُّ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ وَأَيُّ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ تَعْدِلُ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ ، وَأَيُّ مُنْكَرٍ يَجِبُ إِنْكَارُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِنْكَارُ هَذَا الشِّرْكِ الْبَيِّنِ وَاجِبًا . لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيْتَ حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي رَمَادِ انْتَهَى وَكَلَامُهُ هَذَا حَسَنٌ جِدًّا لَا مَزِيَّةَ عَلَى حُسْنِهِ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ في فصل قُدُومُ وُفُودِ الْعَرَبِ : وَهَذَا حَالُ الْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْقُبُورِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيُشْرَكُ بِأَرْبَابِهَا مَعَ اللَّهِ لَا يَحِلُّ إِبْقَاؤُهَا فِي الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ هَدْمُهَا ، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُهَا وَلَا الْوَقْفُ عَلَيْهَا ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَأَوْقَافَهَا لِجُنْدِ الْإِسْلَامِ وَيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا مِنَ الْآلَاتِ وَالْمَتَاعِ وَالنُّذُورِ الَّتِي تُسَاقُ إِلَيْهَا يُضَاهَى بِهَا الْهَدَايَا الَّتِي تُسَاقُ إِلَى الْبَيْتِ ؛ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا كُلِّهَا وَصَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْوَالَ بُيُوتِ هَذِهِ الطَّوَاغِيتِ وَصَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ يُفْعَلُ عِنْدَهَا مَا يُفْعَلُ عِنْدَ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ سَوَاءٌ مِنَ النُّذُورِ لَهَا وَالتَّبَرُّكِ بِهَا وَتَقْبِيلِهَا وَاسْتِلَامِهَا ، هَذَا كَانَ شِرْكُ الْقَوْمِ بِهَا وَلَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا خَلَقَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، بَلْ كَانَ شِرْكُهُمْ بِهَا كَشِرْكِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَشَاهِدِ بِعَيْنِهِ انْتَهَى . ( وَلَا تِمْثَالًا ) : أَيْ صُورَةً ذِي رُوحٍ ( إِلَّا طَمَسْتُهُ ) : أَيْ مَحَوْتُهُ وَأَبْطَلْتُهُ . فِيهِ الْأَمْرُ بِتَغْيِيرِ صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ تَعْجِيلِ الْجَنَازَةِ ، وَكَرَاهِيَةِ حَبْسِهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُطَرِّفٍ الرُّؤاسِيُّ أَبُو سُفْيَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنَابٍ قَالَا : نا عِيسَى ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وهُوَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ ، عَنْ عُزرَةَ قال عبد الرحيم : عروة بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ الْحُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إِلَّا قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ فَآذِنُونِي بِهِ ، وَعَجِّلُوا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ بَاب تعْجِيلِ الْجَنَازَةِ وَكَرَاهِيَةِ حَبْسِهَا ( قَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ : عُرْوَةُ بْنُ سَعِيدٍ ) : بَدَلُ عَزْرَةَ ( عَنِ الْحُصَيْنِ ) : بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ( ابْنِ وَحْوَحٍ ) : بِوَاوَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ وَحَاءَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ أُولَاهُمَا سَاكِنَةٌ هُوَ أَنْصَارِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ . قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ بِالْعُذَيْبِ ( أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ ) : أَنْصَارِيٌّ لَهُ صُحْبَةٌ . قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ( لَا أَرَى طَلْحَةَ ) : أَيْ لَا أَظُنُّهُ ( فِيهِ الْمَوْتُ ) : أَيْ أَثَرُهُ ( فَآذِنُونِي ) : أَيْ أَخْبِرُونِي ( بِهِ ) : أَيْ بِمَوْتِ طَلْحَةَ إِذَا مَاتَ ( وَعَجِّلُوا ) : فِي التَّجْهِيزِ وَالتَّكْفِينِ ( لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ ) : ذِكْرُ الْجِيفَةِ هُنَا كَذِكْرِ السَّوْأةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ جِيفَةُ مُسْلِمٍ دَلِيلٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ ( بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ ) : يُقَالُ : هُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ أَقَامَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمْ وَزِيدَتْ فِيهِ أَلِفٌ وَنُونٌ مَفْتُوحَةٌ تَأْكِيدًا ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُمْ قُدَّامَهُ وَظَهْرًا مِنْهُمْ وَرَاءَهُ فَهُوَ مَكْنُوفٌ مِنْ جَانِبَيْهِ وَمِنْ جَوَانِبِهِ إِذَا قِيلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَمَعْنَاهُ بَيْنَ أَهْلِهِ ، وَالظَّهْرُ مُقْحَمٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ : وَلَا أَعْلَمُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ الْبَلَوِيِّ وَهُوَ غَرِيبٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ : وَقَدْ وَثَّقَ سَعِيدًا الْمَذْكُورَ ابْنُ حِبَّانَ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عُرْوَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَيُقَالُ : عَزْرَةُ عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ وَأَبُوهُ مَجْهُولَانِ . وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ثَلَاثٌ يَا عَلِيُّ لَا يُؤَخَّرْنَ ، الصَّلَاةُ إِذَا آنَتْ ، وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ ، وَالْأَيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ كُفُوًا . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهَذَا لَفْظُهُ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَمَا أَرَى إِسْنَادَهُ بِمُتَّصِلٍ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَإِعْلَالُ التِّرْمِذِيِّ لَهُ بِعَدَمِ الِاتِّصَالِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قِيلَ : وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ ، فَاتَّصَلَ إِسْنَادُهُ ، وَقَدْ أَعَلَّهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا بِجَهَالَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ ، وَلَكِنَّهُ عَدَّهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْجِيلِ بِالْمَيِّتِ وَالْإِسْرَاعِ فِي تَجْهِيزِهِ ، وَتَشْهَدُ لَهُ أَحَادِيثُ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ .
حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ يَعْنِي : الْأَنْطَاكِيَّ ، أنا أَبُو إسحاق يَعْنِي : الْفَزَارِيَّ ، عَنْ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ . زَادَ فِيهِ : وَأَعْمِقُوا . حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا جَرِيرٌ ، نا حُمَيْدٌ - يَعْنِي : ابْنَ هِلَالٍ - عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ . ( زَادَ فِيهِ وَأَعْمِقُوا ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ إِعْمَاقِ الْقَبْرِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْإِعْمَاقِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَامَةٌ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : إِلَى السُّرَّةِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا حَدَّ لِإِعْمَاقِهِ . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ أَعْمِقُوا الْقَبْرَ إِلَى قَدْرِ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ قَالَهُ فِي النَّيْلِ .
بَابٌ : فِي تَعْمِيقِ الْقَبْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ الْمُغِيرَةِ حَدَّثَهُمْ عَنْ حُمَيْدٍ يَعْنِي : ابْنَ هِلَالٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : جَاءَتْ الْأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالُوا : أَصَابَنَا قَرْحٌ وَجَهْدٌ ، فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ : احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا ، وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ . قِيلَ : فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ ؟ قَالَ : أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا قَالَ : أُصِيبَ أَبِي يَوْمَئِذٍ عَامِرٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، أَوْ قَالَ : وَاحِدٌ 4038 باب في تعميق القبر ( أَصَابَنَا قُرْحٌ ) : بِالْفَتْحِ الْجُرْحُ ، وَقِيلَ : بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ . قَالَهُ السِّنْدِيُّ ( وَجَهْدٌ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَشَقَّةُ وَالتَّعَبُ ( فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا قَالَ احْفِرُوا ) : وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْفِرُوا وَأَعْمِقُوا وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ الْحَدِيثُ ( وَاجْعَلُوا الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ ) : فِيهِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، وَلَكِنْ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ كَمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ ( فَأَيُّهُمْ يُقَدَّمُ ) : إِلَى جِدَارِ اللَّحْدِ ( أَكْثَرُهُمْ قُرْآنًا ) : فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى تَعْظِيمِ الْمُعَظَّمِ عِلْمًا وَعَمَلًا حَيًّا وَمَيِّتًا ( قَالَ ) : أَيْ هِشَامُ ( أُصِيبَ ) : وَدُفِنَ ( عَامِرُ ) : بَدَلٌ مِنْ أَبِي ( بَيْنَ اثْنَيْنِ ) : وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ وَكَانَ أَبِي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ أَوْ لِلشَّكِّ قَالَ وَاحِدٍ . أَيْ قَالَ هِشَامُ : دُفِنَ أَبِي مَعَ رَجُلٍ وَاحِدٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ( مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُوجِبُ الِاغْتِسَالَ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ ، وَلَا الْوُضُوءَ مِنْ حَمْلِهِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ غَاسِلَ الْمَيِّتِ لَا يَكَادُ يَأْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُ نَضْحٌ مِنْ رَشَاشِ الْغُسْلِ ، وَرُبَّمَا كَانَ عَلَى بَدَنِ الْمَيِّتِ نَجَاسَةٌ فَإِذَا أَصَابَهُ نَضْحٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَكَانَهُ كَانَ عَلَيْهِ غَسْلُ جَمِيعِ بَدَنِهِ لِيَكُونَ الْمَاءُ قَدْ أَتَى عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ النَّجَسُ مِنْ بَدَنِهِ ( وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ) : قَدْ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ : أَيْ لِيَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ لِيَتَهَيَّأَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَفِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ مَقَالٌ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ ، وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ : مِنْ غُسْلِهِ الْغُسْلُ وَمِنْ حَمْلِهِ الْوُضُوءُ يَعْنِي الْمَيِّتَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : لَا أَعْلَمُ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثًا ثَابِتًا ، وَلَوْ ثَبَتَ لَزِمَنَا اسْتِعْمَالُهُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ : إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ قُلْتُ بِوُجُوبِهِ .
بَابٌ : فِي الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، نا زَكَرِيَّا ، نا مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ الْعَنَزِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ : مِنْ الْجَنَابَةِ ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَمِنْ الْحِجَامَةِ ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ بَاب فِي الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ ( وَمِنَ الْحِجَامَةِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ ) : هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ ، وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ الْغُسْلِ لِلْجُمْعَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ مُصْعَبٍ يَعْنِي هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ خِصَالٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ مَقَالٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ إسحاق مَوْلَى زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا مَنْسُوخٌ ، وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَسُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ مِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ . فَقَالَ : يُجْزِيهِ الْوُضُوءُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَدْخَلَ أَبُو صَالِحٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي : إسحاق مَوْلَى زَائِدَةَ قَالَ : وَحَدِيثُ مُصْعَبٍ ضَعِيفٌ فِيهِ خِصَالٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ . ( بِمَعْنَاهُ ) : أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا ) : أَيْ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ( مَنْسُوخٌ ) : قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَافِظِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْهَمْدَانِيِّ الْحَافِظِ ثَنَا أَبُو شَيْبَةَ ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غَسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إِذَا غَسَلْتُمُوهُ ، إِنَّ مَيِّتَكُمْ يَمُوتُ طَاهِرًا وَلَيْسَ يَنْجُسُ ، فَحَسْبُكُمْ أَنْ تَغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا ضَعِيفٌ وَالْحَمْلُ فِيهِ عَلَى أَبِي شَيْبَةَ قُلْتُ : أَبُو شَيْبَةَ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ . احْتَجَّ بِهِ النَّسَائِيُّ وَوَثَّقَهُ النَّاسُ ، وَمَنْ فَوْقَهُ احْتَجَّ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ . وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْهَمْدَانِيُّ هُوَ ابْنُ عُقْدَةَ حَافِظٌ كَبِيرٌ ، إِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِيهِ بِسَبَبِ الْمَذْهَبِ وَلِأُمُورٍ أُخْرَى وَلَمْ يُضَعَّفْ بِسَبَبِ الْمُتُونِ أَصْلًا ، فَالْإِسْنَادُ حَسَنٌ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْغَسْلِ غَسْلُ الْأَيْدِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي هَذَا . وَيُؤَيِّدُ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلنَّدَبِ مَا رَوَى الْخَطِيبُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : كُنَّا نَغْسِلُ الْمَيِّتَ فَمِنَّا مَنْ يَغْتَسِلُ وَمِنَّا مَنْ لَا يَغْتَسِلُ ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا جُمِعَ بِهِ بَيْنَ مُخْتَلَفِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أُدْخِلَ أَبُو صَالِحٍ ) : قَالَ فِي الْفَتْحِ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مَعْلُولٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ : حَدِيثُ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا وَزَادَ : وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ ، وَصَالِحٌ ضَعِيفٌ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ . وَمِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ ، وَمِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ، وَأَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ شَيْخٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو إِسْحَاقَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ لَهُ طُرُقًا وَضَعَّفَهَا ثُمَّ قَالَ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : الْأَشْبَهُ مَوْقُوفٌ . وَقَالَ عَلِيٌّ وَأَحْمَدُ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُمَا . وَقَالَ الذُّهْلِيُّ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ حَدِيثًا ثَابِتًا ، وَلَوْ ثَبَتَ لَلَزِمَنَا اسْتِعْمَالُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ثُمَّ قَالَ : وَقَوْلُهُ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ أَصَحُّ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : لَمْ يُصَحِّحْ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْئًا مَرْفُوعًا . قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ . ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : فِيهِ نَظَرٌ . قَالَ الْحَافِظُ : رُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ فِي الْإِمَامِ : حَاصِلُ مَا يَعْتَلُّ بِهِ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا مِنْ جِهَةِ الرِّجَالِ وَلَا يَخْلُو إِسْنَادٌ مِنْهَا مِنْ مُتَكَلَّمٍ فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ أَحْسَنَهَا رِوَايَةً سُهَيْلُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهِيَ مَعْلُولَةٌ ، وَإِنْ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ حَزْمٍ فَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ مَوْلَى زَائِدَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ الْحَافِظُ : إِسْحَاقُ مَوْلَى زَائِدَةٍ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، فَيَنْبَغِي أَنَّ يُصَحَّحَ الْحَدِيثُ . قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ الْعِيدُ : وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِسْنَادٌ حَسَنٌ ، إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو رَوَوْهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا ، انْتَهَى . وَفِي الْجُمْلَةِ هُوَ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ أَسْوَأُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا ، فَإِنْكَارُ النَّوَوِيِّ عَلَى التِّرْمِذِيِّ تَحْسِينُهُ مُعْتَرَضٌ . وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبَيْهَقِيِّ . طُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ احْتَجَّ بِهَا الْفُقَهَاءُ وَلَمْ يُعِلُّوهَا بِالْوَقْفِ ، بَلْ قَدَّمُوا رِوَايَةَ الرَّفْعِ ، انْتَهَى . وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ ، وَضَعَّفَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَأَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ . وَعَنْ حُذَيْفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَقَالَا : إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ . قَالَ الْحَافِظُ : وَنَفِيُهُمَا الثُّبُوتَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَدِّثِينَ . وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الْفُقَهَاءِ قَوِيٌّ لِأَنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مِنَ التَّلْخِيصِ مُلَخَّصًا .
بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبَّادٍ الْأَزْدِيُّ ، قال : نا أَبُو بَكْرٍ يَعْنِي : ابْنَ عَيَّاشٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ ابْنِ شِمَاسَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْحَكَمِ حَدَّثَهُمْ ، قال : أَخْبَرَنَا يَحْيَى يَعْنِي : ابْنَ أَيُّوبَ ، قال : حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِمَاسَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ . بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ أَيْ لَمْ يُعَيِّنْهُ . ( كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ) : أَيْ إذا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ وَلَمْ يُسَمِّ ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . انْتَهَى . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ . وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ ؛ فَحَمَلَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إِنْسَانٌ يُرِيدُ الِامْتِنَاعَ مِنْ كَلَامِ زَيْدٍ مِثْلًا : إِنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا مَثَلًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ، فَيُكَلِّمُهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنِ مَا الْتَزَمَهُ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَكَثِيرُونَ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ ؛ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ نَذْرٌ ، وَحَمَلَهُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ ، وَقَالُوا : هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْمَنْذُورَاتِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ . انْتَهَى . وَسَيَجِيءُ كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ مَعَهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَبُو الْخَيْرِ هُوَ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . ( رَوَاهُ عمرو بْنُ الْحَارِثِ ) : وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، وَالْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَّاسٍة ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، بِزِيَادَةِ لَفْظِ أَبِي الْخَيْرِ بَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَّاسة وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ ) : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَّاسة . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَأَدَّمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا يَحْيَى بْنُ الْعَلَاءِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةٍ فَقَالَ : هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، نا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ يَزِيدَ الْأَعْوَرِ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مِثْلَهُ . 4099 بَابٌ الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَأَدَّمَ أَيْ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْإِدَامَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ هَلْ يَكُونُ مُؤْتَدِمًا فَيَحْنَثُ أَمْ لَا . ( عَلَى كِسْرَةٍ ) : مِنْ خُبْزٍ ( هَذِهِ ) : أَيْ تَمْرَةٌ ( إِدَامُ هَذِهِ ) : أَيْ كِسْرَةٌ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَبِهَذَا يُحْتَجُّ أَنَّ كُلَّ مَا يُوجَدُ فِي الْبَيْتِ غَيْرَ الْخُبْزِ فَهُوَ إِدَامٌ سَوَاءٌ كَانَ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا ، فَعَلَى هَذَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأَتدَّمَ فَأَكَلَ خُبْزًا بِتَمْرٍ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ : الْإِدَامُ مَا يُصطْبَغ بِهِ مِثْلُ الزَّيْتِ وَالْعَسَلِ وَالْمِلْحِ وَالْخَلِّ وَأَمَّا مَا لَا يُصطْبَغ بِهِ مِثْلُ اللَّحْمِ الْمَشْوِيِّ وَالْجُبْنِ وَالْبِيضِ فَلَيْسَ بِإِدَامٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ : هَذِهِ إِدَامٌ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ خُبْزًا بِلَحْمٍ مَشْوِيٍّ أَنَّهُ ائْتَدَمَ بِهِ ، فَلَوْ قَالَ : أَكَلْتُ خُبْزًا بِلَا إِدَامٍ كَذَبَ ، وَإِنْ قَالَ : أَكَلْتُ خُبْزًا بِإِدَامٍ صَدَقَ وَأَمَّا قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ : الْإِدَامُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَسْتَهْلِكَ الْخُبْزَ فِيهِ بِحَيْثُ يَكُونُ تَابِعًا لَهُ بِأَنْ تَتَدَاخَلَ أَجْزَاؤُهُ فِي أَجْزَائِهِ . وَهَذَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَا يُصطْبَغ بِهِ ، فَقَدْ أَجَابَ مَنْ خَالَفَهُمْ بِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ مُسَلَّمٌ ، لَكِنْ دَعْوَى التَّدَاخُلِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّنَاوُلِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْجَمْعُ ثُمَّ الِاسْتِهْلَاكُ بِالْأَكْلِ فَيَتَدَاخَلَانِ حِينَئِذٍ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَيُوسُفُ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ : إِنَّ لَهُ صُحْبَةً ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ : لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ ، لَهُ رِوَايَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهُ فِي مَنْ وُلِدَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، نا حُسَيْنٌ يَعْنِي : ابْنَ وَاقِدٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا ( حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ) : الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ مَنْ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَى آخِرِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِيهِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ فِي الرِّوَايَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ( إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ ) : أَيْ لَوْ فَعَلْتُ كَذَا أَوْ لَمْ أَفْعَلْهُ ( فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا ) : أَيْ فِي حَلِفِهِ ( فَهُوَ كَمَا قَالَ ) : فِيهِ مُبَالَغَةٌ تَهْدِيدٌ وَزَجْرٌ مَعَ التَّشْدِيدِ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ : أَكْفُرُ بِاللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتُ ، ثُمَّ فَعَلَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَطَاءٌ ، وَقَتَادَةُ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ : لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَكُونُ كَافِرًا إِلَّا إِنْ أَضْمَرَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقٌ : هُوَ يَمِينٌ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَفَّارَةً زَادَ غَيْرُهُ : وَلِذَا قَالَ : مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ فَأَرَادَ التَّغْلِيظَ فِي ذَلِكَ حَتَّى لَا يَجْتَرِئَ أَحَدٌ عَلَيْهِ انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ جَعَلَ عُقُوبَتَهَا فِي دِينِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِهِ شَيْئًا وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ انْتَهَى . ( وَإِنْ كَانَ صَادِقًا ) : أَيْ فِي حَلِفِهِ يَعْنِي مَثَلًا حَلَفَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَبَرَّ فِي يَمِينِهِ ( سَالِمًا ) : لِأَنَّ فِيهِ نَوْعُ اسْتِخْفَافٍ بِالْإِسْلَامِ فَيَكُونُ بِنَفْسِ هَذَا الْحَلِفِ آثِمًا .
بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَلْفِ بِالْبَرَاءَةِ وَبِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، نا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام ( أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ) : الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْجَنَائِزِ وَالْأَدَبِ وَالنُّذُورِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْأَيْمَانِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ( أَخْبَرَهُ ) : أَيْ أَبَا قِلَابَةَ ( أَنَّهُ ) أَيْ ثَابِتًا ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ ) : الْمِلَّةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الدِّينُ وَالشَّرِيعَةُ وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ ، فَتَعُمُّ جَمِيعَ الْمِلَلِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ الْمَجُوسِيَّةِ وَالصَّابِئَةِ وَأَهْلِ الْأَوْثَانِ وَالدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ وَعَبَدَةِ الشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ . قَالَهُ فِي الْفَتْحِ ( غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ) : صِفَةُ لمِلَّةٍ ؛ كَأَنْ يَقُولُ : إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ( كَاذِبًا ) : أَيْ فِي حَلِفِهِ . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْحَالِفَ إِنْ كَانَ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي تَعْظِيمِ مَا لَا يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ لَمْ يَكْفُرْ ، وَإِنْ قَالَهُ مُعْتَقِدًا لِلْيَمِينِ بِتِلْكَ الْمِلَّةِ لِكَوْنِهَا حَقًّا كَفَرَ ، وَإِنْ قَالَهُ لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ لَهَا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْلَ النَّسْخِ فَلَا يَكْفُرُ ( فَهُوَ ) : أَيِ الْحَالِفُ وَهُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ ( كَمَا قَالَ ) : وَقَوْلُهُ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَ كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ؛ أَيْ فَهُوَ كَائِنٌ كَمَا قَالَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْكَلَامِ التَّهْدِيدُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْوَعِيدِ لَا الْحُكْمُ وَكَأَنَّهُ قَالَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ مِثْلَ عَذَابِ مَنِ اعْتَقَدَ مَا قَالَ ، وَنَظِيرُهُ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ أَيِ اسْتَوْجَبَ عُقُوبَةَ مَنْ كَفَرَ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَوْلُهُ : فَهُوَ كَمَا قَالَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى الْكُفْرِ بَلِ الْمُرَادُ : أَنَّهُ كَاذِبٌ كَكَذِبِ الْمُعَظِّمِ لِتِلْكَ الْجِهَةِ انْتَهَى . ( عُذِّبَ بِهِ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ بِالشَّيْءِ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ بِهِ لِأَنَّ جَزَاءَهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ دَقِيقٍ : هَذَا مِنْ بَابِ مُجَانَسَةِ الْعُقُوبَاتِ الْأُخْرَوِيَّةِ لِلْجِنَايَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ جِنَايَةَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّ نَفْسَهُ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ مُطْلَقًا بَلْ هِيَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهَا إِلَّا بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ( وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ ) : أَيْ لَا يَلْزَمُهُ ( نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ) : كَأَنْ يَقُولَ : إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَفُلَانٌ حُرٌّ وَهُوَ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ .
بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قال : نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَدْ اسْتَثْنَى 4101 بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ قَالَ الْحَافِظُ : الِاسْتِثْنَاءُ فِي الِاصْطِلَاحِ : إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ ، وَأَدَاتُهَا إِلَّا وَأَخَوَاتُهَا ، وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّعَالِيقِ وَمِنْهَا التَّعْلِيقُ عَلَى الْمَشِيئَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، فَإِذَا قَالَ : لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى ، وَكَذَا إِذَا قَالَ : لَا أَفْعَلُ كَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ( عَلَى يَمِينٍ ) : أَيْ عَلَى مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ تَرْكِهِ ( فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) : أَيْ مُتَّصِلًا بِيَمِينِهِ ( فَقَدِ اسْتَثْنَى ) : أَيْ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا ، وَأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا ، وَذُكِرَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَرْفَعُهُ يَعْنِي عَنْ نَافِعٍ وَأَحْيَانًا لَا يَرْفَعُهُ وَقَالَ : وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، وَمُسَدَّدٌ وَهَذَا حَدِيثُهُ قَالَا : نا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى ، فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ ( وَهَذَا حَدِيثُهُ ) : أَيْ مُسَدَّدٍ ( مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِلِسَانِهِ نُطْقًا دُونَ أَنْ يَسْتَثْنِيَ بِقَلْبِهِ ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فعلق بالقول وَقَدْ دَخَلَ فِي هَذَا كُلُّ يَمِينٍ كَانَتْ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ . وَلَمْ يَخْتَلِفِ النَّاسُ فِي أنه إِذَا حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَاسْتَثْنَى ، أَنَّ الْحِنْثَ عَنْهُ سَاقِطٌ ، فَأَمَّا إِذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْنَى فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، وَالْأَوْزَاعِيَّ ذَهَبَا إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا ، فَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَاقِعَانِ ، وَعِلَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ يَمِينٍ تَدْخُلُهَا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ فِيهَا ، وَمَا لَا تَدْخُلُهُ الْكَفَّارَةُ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ بَاطِلٌ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَاسْتَثْنَى فَإِنَّ اسْتِثْنَاءَهُ سَاقِطٌ وَالْحِنْثُ فِيهِ لَازِمٌ . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَاخْتَلَفُوا فِي وَقْتِ الِاسْتِثْنَاءِ ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْحَلِفِ . قَالَ مَالِكٌ : إِذَا سَكَتَ أَوْ قَطَعَ كَلَامَهُ فَلَا ثُنْيَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُشْتَرَطُ وَصْلُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ ، وَوَصْلُهُ أَنْ يَكُونَ نَسَقًا ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سُكُوتٌ انْقَطَعَ إِلَّا إِنْ كَانَتْ سَكْتَةَ تَذَكُّرٍ أَوْ تَنَفُّسٍ أَوْ عِيٍّ أَوِ انْقِطَاعِ صَوْتٍ ، وَكَذَا يَقْطَعُهُ الْأَخْذُ فِي كَلَامٍ آخَرَ ، وَلَخَّصَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ : شَرْطُهُ الِاتِّصَالُ لَفْظًا أَوْ فِي مَا فِي حُكْمِهِ كَقَطْعِهِ لِتَنَفُّسٍ أَوْ سُعَالٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ عُرْفًا . وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ اتِّصَالِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْكَلَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى لِأَيُّوبَ : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يُفِيدُ بَعْدَ قَطْعِ الْكَلَامِ لَقَالَ : اسْتَثْنِ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنَ التَّحَيُّلِ لِحِلِّ الْيَمِينِ بِالضَّرْبِ وَلَلَزِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ الْإِقْرَارَاتِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، فَيَسْتَثْنِي مَنْ أَقَرَّ أَوْ طَلَّقَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَ زَمَانٍ وَيَرْتَفِعُ حُكْمُ ذَلِكَ . انْتَهَى . هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ، وَمُسَدَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ، وَمُسَدَّدٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ ، وَابْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . 4105
بَابُ لَغْوِ الْيَمِينِ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الشامِيُّ ، قال : نا حَسَّانُ يَعْنِي : ابْنَ إِبْرَاهِيمَ ، قال : حدثنا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي : الصَّائِغَ ، عَنْ عَطَاءٍ فِي اللَّغْوِ فِي الْيَمِينِ ، قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ كَلَّا وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وكَانَ إِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ رَجُلًا صَالِحًا قَتَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ بِعَرَنْدَسَ ، قَالَ : وَكَانَ إِذَا رَفَعَ الْمِطْرَقَةَ فَسَمِعَ النِّدَاءَ سَيَّبَهَا ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ ، كُلُّهُمْ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا . بَابُ لَغْوِ الْيَمِينِ اللَّغْوُ : السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ كَلَامٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَغْوُ الْيَمِينِ : السَّاقِطُ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْأَيْمَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ أَيْ : لَا يُعَاقِبُكُمْ بِلَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي يَحْلِفُهُ أَحَدُكُمْ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْحَلِفِ ، نَحْوَ لَا وَاللَّهِ بَلَى وَاللَّهِ . ( عَنْ عَطَاءٍ ) : هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ ( هُوَ ) : أَيْ اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ ( كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ ) : أَيْ لَمْ يَكُنْ صَادِرًا عَنْ عَقْدِ قَلْبٍ ، وَإِنَّمَا جَرَى بِهِ اللِّسَانُ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ ( كَلَا وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ مِنَ الْأَيْمَانِ مَا لَا يَكُونُ عَنْ قَصْدِ الْحَلِفِ ، وَإِنَّمَا جَرَى عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ الْحَلِفِ . وَإِلَى تَفْسِيرِ اللَّغْوِ بِهَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ : قَوْلُهُ تَعَالَى : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ أُنْزِلَ فِي قَوْلِهِ : لَا وَاللَّهِ ، وَبَلَى وَاللَّهِ ، وَتَفْسِيرُ عَائِشَةَ هَذَا أَقْرَبُ ؛ لِأَنَّهَا شَهِدَتِ التَّنْزِيلَ ، فَهِيَ أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَهِيَ عَارِفَةٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ يَظُنُّ صِدْقَهُ ، فَيَنْكَشِفُ خِلَافَهُ ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَمَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ . وَذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى أَنَّهَا الْحَلِفُ وَهُوَ غَضْبَانُ ، وَفِي ذَلِكَ تَفَاسِيرُ أُخَرُ لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ . وَعَنْ عَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ : لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ لُغَةٌ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ ، لَا يُرَادُ بِهَا الْيَمِينُ ، وَهِيَ مِنْ صِلَةِ الْكَلَامِ . كَذَا فِي الْفَتْحِ وَالسُّبُلِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَصَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقْفَهُ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءٍ مَوْقُوفًا ( إِبْرَاهِيمُ ) : بْنُ مَيْمُونٍ الْمَرْوَزِيُّ ( الصَّائِغُ ) : بِالْفَارِسِيَّةِ ذركر هُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ( قَتَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ ) : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ الْقَائِمُ بِدَعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ . قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ : قَتَلَ فِي دَوْلَتِهِ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ صَبْرًا ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَبُو مُسْلِمٍ خَيْرٌ أَوِ الْحَجَّاجُ ؟ قَالَ : لَا أَقُولُ إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ شَرًّا مِنْهُ . وَقُتِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ الظَّالِمُ مَقْتُولًا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( بِعَرَنْدَسَ ) : بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، كَذَا فِي النُّسَخِ . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعَرَنْدَسُ الْأَسَدُ الْعَظِيمُ ، وَالنُّونُ وَالسِّينُ زَائِدَتَانِ انْتَهَى . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْفَرَنْدَسُ بِالْفَاءِ قَبْلَ الرَّاءِ ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهُ . ( قَالَ ) أَبُو دَاوُدَ : ( وَكَانَ ) : أَيْ إِبْرَاهِيمُ الصَّائِغُ ( إِذَا رَفَعَ الْمِطْرَقَةَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ آلَةٌ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ يُضْرَبُ بِهَا الْحَدِيدُ وَنَحْوُهُ ( فَسَمِعَ ) : إِبْرَاهِيمُ ( النِّدَاءَ ) : أَيِ الْأَذَانَ لِلصَّلَاةِ ( سَيَّبَهَا ) : أَيْ تَرَكَ إِبْرَاهِيمُ الْمِطْرَقَةَ تَهَيُّؤًا لِلصَّلَاةِ ، وَهَذَا ثَنَاءٌ مِنَ الْمُؤَلِّفِ لِإِبْرَاهِيمَ مِنْ أَنَّ عَمَلَهُ كَانَ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، بَلْ لَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ الْعَمَلَ بِالْمِطْرَقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا ) : الْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَى عَطَاءٍ وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ فِي رَفْعِهِ وَوَقَفِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ اليمين بغير الله حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قال : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قال : أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ وقَالَ فِي حَلْفِهِ : وَاللَّاتِ فَلْيَقُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ : تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ 4083 باب اليمين بغير الله ( فِي حَلِفِهِ ) : بِكَسْرِ اللَّامِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( وَاللَّاتِ ) : صَنَمٌ مَعْرُوفٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ( فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) : إِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَاطَى صُورَةَ تَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ حِينَ حَلَفَ بِهَا وَأَنَّ كَفَّارَتَهُ هُوَ هَذَا الْقَوْلُ لَا غَيْرُ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . وَقَالَ الْقَارِي : لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ سَهْوًا جَرْيًا عَلَى الْمُعْتَادِ السَّابِقِ لِلْمُؤْمِنِ الْمُتَجَدِّدِ فَلْيَقُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؛ أَيْ فَلْيَتُبْ كَفَّارَةً لِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ، فَهَذَا تَوْبَةٌ مِنَ الْغَفْلَةِ ، وَثَانِيهِمَا : أَنْ يَقْصِدَ تَعْظِيمَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَجْدِيدًا لِإِيمَانِهِ ، فَهَذَا تَوْبَةٌ مِنَ الْمَعْصِيَةِ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ بِاللَّاتِ لَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْإِنَابَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ ، وَفِي مَعْنَاهُ إِذَا قَالَ : أَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ : إِنْ قَالَ هُوَ يَهُودِيٌّ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ابْنِ رَاهْوَيْهِ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ ( تَعَالَ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ أَمْرٌ مِنْ تَعَالَى يتعالى أَيِ ائْتِ ( أُقَامِرُكَ ) : بِالْجَزْمِ عَلَى جَوَابِ الْأَمْرِ أَفْعَلُ الْقِمَارَ مَعَكَ ( فَلْيَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ ) : مِنْ مَالِهِ كَفَّارَةً لِمَقَالِهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِقَدْرِ جَعْلِهِ حَظًّا فِي الْقِمَارِ انْتَهَى وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ تَكْفِيرًا لِلْخَطِيئَةِ فِي كَلَامِهِ بِهَذِهِ الْمَعْصِيَةِ ، وَالْأَمْرُ بِالصَّدَقَةِ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى النَّدْبِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ سِوَى مُسْلِمٌ وَحْدُهُ .
بَابُ مَا جَاءَ فِي يَمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَتْ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَكْثَرُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ باب ما جاء في يمين النبي صلى الله عليه وسلم ، ما كانت ؟ ( لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ : لَا فِيهِ حَذْفٌ نَحْوَ لَا أَفْعَلُ أَوْ لَا أَتْرُكُ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْقَسَمِ ، وَمَعْنَى مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ تَقْلِيبِهِ قَلْبَ عَبْدِهِ عَنْ إِيثَارِ الْإِيمَانِ إِلَى إِيثَارِ الْكُفْرِ وَعَكْسِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ هُوَ الْمُقْسَمُ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِتَقْلِيبِ الْقُلُوبِ تَقْلِيبُ أَعْرَاضِهَا وَأَحْوَالِهَا لَا تَقْلِيبُ ذَاتِ الْقَلْبِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْقَلْبِ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالدَّوَاعِي وَسَائِرِ الْأَعْرَاضِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِيهِ جَوَازُ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ مِنْ صِفَاتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ فَحَنِثَ ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَصْلِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَيِّ صِفَةٍ تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ كَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . انْتَهَى . هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ : أَكْثَرُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ د فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ ، وَابْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، قَالَهُ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الْمَدَنِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثُ ح ت س ق : كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقَدَرِ وَفِي التَّوْحِيدِ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِيهِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ ، وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسَيَأْتِي .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا وَكِيعٌ ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ 4106 ( إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ ) أَيْ : بَالَغَ فِي الْيَمِينِ ( وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ ) أَيْ : رُوحُهُ أَوْ ذَاتُهُ ( بِيَدِهِ ) أَيْ : بِتَصَرُّفِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ . هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ شُمَيْخٍ الْغَيْلَانِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بن العبد ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَيَّاشٍ السَّمَعِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ دَلْهَمٌ : وَحَدَّثَنِيهِ أَيْضًا الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ أَنَّ لَقِيطَ بْنَ عَامِرٍ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقِيطٌ : فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَمْرُ إِلَهِكَ ( خَرَجَ وَافِدًا ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْوَفْدُ وَهُمُ الْقَوْمُ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ وَأَحَدُهُمْ وَافِدٌ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الْأُمَرَاءَ لِزِيَارَةٍ وَاسْتِرْفَادٍ وَانْتِجَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( فَذَكَرَ ) أَيْ : لَقِيطٌ ( حَدِيثًا فِيهِ ) أَيْ فِي الْحَدِيثِ ( لَعَمْرُ إِلَهِكَ ) هُوَ قَسَمٌ بِبَقَاءِ اللَّهِ وَدَوَامِهِ وَهُوَ رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَعَمْرُ اللَّهِ قَسَمِي أَوْ مَا أُقْسِمُ بِهِ ، وَاللَّامُ لِلتَّوْكِيدِ ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِاللَّامِ نَصَبَتَهُ نَصْبَ الْمَصَادِرِ فَقُلْتَ : عَمْرَ اللَّهِ وَعَمْرُكَ اللَّهَ أَيْ بِإِقْرَارِكَ لِلَّهِ وتَعْمِيرُكَ لَهُ بِالْبَقَاءِ ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، لَعَمْرِ اللَّهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ هُوَ الْعُمُرُ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَلَا يُقَالُ فِي الْقَسَمِ إِلَّا بِالْفَتْحِ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : الْعُمُرُ بِالضَّمِّ وَبِالْفَتْحِ وَاحِدٌ وَلَكِنْ خُصَّ الْحَلِفُ بِالثَّانِي . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجُ : الْعُمُرُ الْحَيَاةُ ، فَمَنْ قَالَ : لَعَمْرُ اللَّهِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَحْلِفُ بِبَقَاءِ اللَّهِ ، وَاللَّامُ لِلتَّوْكِيدِ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ : تَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ لِأَنَّ بَقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ . وَعَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ : لَا يُعْجِبُنِي الْحَالِفُ بِذَلِكَ . وَقَدْ أَخْرَجَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ : كَانَتْ يَمِينُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ لَعَمْرِي . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ . وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْمَذْهَبَيْنِ ، وَالرَّاجِحُ عَنْهُ كَالشَّافِعِيِّ . وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَسَمُ بِالْعُمْرِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَدْ عَدَّ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ فِي فَضَائِلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِهِ حَيْثُ قَالَ : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّامَ لَيْسَت مِنْ أَدَوَاتِ الْقَسَمِ لِأَنَّهَا مَحْصُورَةٌ فِي الْوَاوِ وَالْبَاءِ وَالتَّاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ مِنْ حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَعَمْرُ إِلَهِكَ وَكَرَّرَهَا ، وَهُوَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ ، كَذَا فِي الْفَتْحِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَمْرُ إِلَهِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَيَّاشٍ السَّمْعِيِّ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ ، قَالَ دَلْهَمٌ : وَحَدَّثَنِيهِ أَيْضًا أَبِي ؛ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ أَنَّ لَقِيطَ بْنَ عَامِرٍ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لَقِيطٌ . فَذَكَرَهُ ، قَالَ الْمِزِّيُّ : هَكَذَا وَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ لَغْوِ الْيَمِينِ فِي نُسْخَةِ ابْنِ كُرْدُوسٍ بِخَطِّهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَفِي أَوَّلِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْ زِيَادَاتِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، فَإِنِّي لَمْ أَجِدْهُ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ وَهْمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَمْزَةَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَزَامِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَيَّاشٍ السَّمْعِيِّ عَنْ دَلْهَمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَمِّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ ، وَعَنْ دَلْهَمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ ، عَنْ لَقِيطٍ ، وَتَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمِزِّيِّ بِحُرُوفِهِ . قُلْتُ : وَفِي النُّسْخَتَيْنِ مِنَ السُّنَنِ وُجِدَتُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ نَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حمزة نا إبراهيم بن الْمُغِيرَةِ الْحِزَامِيُّ نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَيَّاشٍ السَّمْعِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ دَلْهَمِ بْنِ الْأَسْوَدِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ ، أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ يَقُولُ : لَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ( أَبِي رِزْمَةَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ ( إِذَا حَلَفَ ) يَعْنِي أَحْيَانًا ( لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ) أَيْ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لَكِنْ شَابَهَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَكَّدَ الْكَلَامَ وَقَرَّرَهُ وَأَعْرَبَ عَنْ مَخْرَجِهِ بِالْكَذِبِ فِيهِ وَتَحَرُّزِهِ عَنْهُ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ يَمِينًا . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ : وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِلْعَطْفِ وَهُوَ يَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ مَحْذُوفًا وَالْقَرِينَةُ لَفْظَةُ لَا لِأَنَّهَا لَا تَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ تَوْطِئَةً لِلْقَسَمِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ شَأْنُهُ : لا أُقْسِمُ رَدًّا لِلْكَلَامِ السَّابِقِ أَوْ إِنْشَاءَ قَسَمٍ ، وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ الْمَعْنَى : لَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَلَفَ مَقْرُونَةً لَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، يَعْنِي إِذَا حَلَفَ وَبَالَغَ بِقَوْلِهِ : لَا ، قَالَ : وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، مِمَّا يَعْلَمُ بِهِ اللَّهُ عَلَى خِلَافِ مَا وَقَعَ مِنِّي وَصَدَرَ عَنِّي ، فَإِنَّهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْمُؤَاخَذَةُ ، لَكِنْ حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ ، قَالَهُ الْقَارِي . هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ خَالِدٍ ، وَعَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ هِلَالِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى بَنِي كَعْبٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَابْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ .
بَابٌ : فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى طَعَامٍ لَا يَأْكُلُهُ حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ ، قال : حدثنا إسماعيل ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَوْ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : نَزَلَ بِنَا أَضْيَافٌ لَنَا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ فَقَالَ : لَا أَرْجِعَنَّ إِلَيْكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ ضِيَافَةِ هَؤُلَاءِ ، وَمِنْ قِرَاهُمْ ، فَأَتَاهُمْ بِقِرَاهُمْ فَقَالُوا : لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى يَأْتِيَ أَبُو بَكْرٍ ، فَجَاءَ فَقَالَ : مَا فَعَلَ أَضْيَافُكُمْ ؟ أَفَرَغْتُمْ مِنْ قِرَاهُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قُلْتُ : قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِقِرَاهُمْ ، فَأَبَوْا وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى يَجِيءَ . فَقَالُوا : صَدَقَ قَدْ أَتَانَا بِهِ فَأَبَيْنَا حَتَّى تَجِيءَ . قَالَ : فَمَا مَنَعَكُمْ ؟ قَالُوا : مَكَانَكَ . قَالَ : فوَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ . قَالَ : فَقَالُوا : وَنَحْنُ وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ . قَالَ : مَا رَأَيْتُ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ قَطُّ . قَالَ : قَرِّبُوا طَعَامَكُمْ . قَالَ : فَقَرَّبَ طَعَامَهُمْ فَقَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ ، فَطَعِمَ وَطَعِمُوا ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّهُ أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي صَنَعَ وَصَنَعُوا ، قَالَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ . باب فيمن حلف إلخ فَأَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يُكَفِّرُ . ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ) ابْنُ عُلَيَّةَ ( عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ مُصَغَّرًا هُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ ( عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ) : عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مل النَّهْدِيِّ ( أَوْ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ ) : هُوَ ضُرَيْبٌ بِالتَّصْغِيرِ آخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ، ابْنُ نُقَيْرٍ أَبُو السَّلِيلِ ، بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَسْرِ اللَّامِ الْقَيْسِيُّ الْجَرِيرِيُّ ( عَنْهُ ) : أَيْ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) : الصِّدِّيقِ ، وَالشَّكُّ مِنْ مُؤَمَّلٍ ، أَوْ مِنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، أي يَرْوِي إِسْمَاعِيلُ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، أَوْ يَرْوِي عَنِ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، بِزِيَادَةِ وَاسِطَةِ أَبِي السَّلِيلِ بَيْنَ أَبِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ ، وَلَيْسَ فِيهِ وَاسِطَةُ أَبِي السَّلِيلِ ، الْأَوَّلُ : فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ وَالضَّيْفِ ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، ثَنَا أَبِي ، ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . وَالثَّانِي : فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ . وَالثَّالِثُ : فِي كِتَابِ الْأَدَبِ ، بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ ، حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ ، ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى ، ثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَكَذَا لَيْسَتِ الْوَاسِطَةُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَحَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ . وَكَذَا لَيْسَتْ فِي السَّنَدِ الثَّانِي لِأَبِي دَاوُدَ ( نَزَلَ بِنَا أَضْيَافٌ ) : أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ ، فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ ، فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ ( يَتَحَدَّثُ ) : أَيْ يَتَكَلَّمُ ، وَيَمْكُثُ لِلْحَدِيثِ مَعَهُ ( لَا أَرْجِعَنَّ إِلَيْكَ إِلَخْ ) : وَفِي رِوَايَةِ للْبُخَارِيِّ إِنِي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَفْرُغُ مِنْ قِرَاهُمْ ، قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ ( وَمِنْ قِرَاهُمْ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ ، أَيْ مِنْ ضِيَافَتِهِمْ ( قَالُوا : مَكَانَكَ ) : أَيْ مَنْزِلَتَكَ وَقُرْبَكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ كَوْنَكَ رَئِيسَ الْبَيْتِ ، قَالَهُ السِّنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : ( لَا أَطْعَمَهُ اللَّيْلَةَ ) : لِأَنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ عَشَائِهِمْ ، ( مَا رَأَيْتُ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ ) : أَيْ لَمْ أَرَ لَيْلَةً مِثْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فِي الشَّرِّ ، ( فَأُخْبِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( قَالَ صلى الله عليه وسلم : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَرُّوا وَحَنَثْتُ ، قَالَ : فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَأَخْيَرُهُمْ . انْتَهَى . وَالْمَعْنَى بَرُّوا فِي أَيْمَانِهِمْ ، وَحَنَثْتُ فِي يَمِينِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ ؛ أَيْ أَكْثَرُهُمْ طَاعَةً وَخَيْرٌ مِنْهُمْ وَأَصْدَقُهُمْ ؛ لِأَنَّكَ حَنَثْتَ فِي يَمِينِكَ حِنْثًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مَحْثُوثًا عَلَيْهِ ، فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قال : نا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ وَعَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَهُ ، زَادَ عَنْ سَالِمٍ فِي حَدِيثِهِ قَالَ : وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ . ( حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ) : هُوَ مُحَمَّدٌ ( وَعَبْدُ الْأَعْلَى ) : بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى السامي ( نَحْوَهُ ) : وَسَاقَ مُسْلِمٌ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ( زَادَ ) : أَيْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ( عَنْ سَالِمٍ ) : بْنِ نُوحٍ دُونَ عَبْدِ الْأَعْلَى ( وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : يَعْنِي لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّهُ كَفَّرَ قَبْلَ الْحِنْثِ . فَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ . وَهَذَا نَصٌّ فِي عَيْنِ الْمَسْأَلَةِ ، مَعَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ انْتَهَى .
بَابُ نَذْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، قال : نا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، قال : حَدَّثَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْلَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ بَاب نَذَرَ الْجَاهِلِيَّةِ إلخ ( إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) أَيِ : الْحَالُ الَّتِي كُنْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَما أَسْلَمْتُ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أُوفِيَ بِنَذْرِي ( أَنْ أَعْتَكِفَ ) أَيِ الِاعْتِكَافَ ( فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ جِدَارٌ يُحَوِّطُ عَلَيْهَا . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( لَيْلَةً ) لَا يُعَارِضُهُ رِوَايَةُ يَوْمًا لِأَنَّ الْيَوْمَ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الزَّمَانِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا ، أَوْ أَنَّ النَّذْرَ كَانَ لِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَلَكِنْ يُكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ ، فَرِوَايَةُ يَوْمٍ أَيْ بِلَيْلَتِهِ ، وَرِوَايَةُ لَيْلَةٍ أَيْ مَعَ يَوْمِهَا . فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ شَرَطَ الصَّوْمَ فِي الِاعْتِكَافِ ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ ، ( أَوْفِ بِنَذْرِكَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَاعْتَكِفْ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْكَافِرِ مَتَى أَسْلَمَ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا بَعْضُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ . وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ : لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ مِنَ الْكَافِرِ . وَحَدِيثُ عُمَرَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ . وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَفَ أَنَّ عُمَرَ قَدْ تَبَرَّعَ بِفِعْلِ ذَلِكَ أَذِنَ لَهُ بِهِ ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ طَاعَةٌ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْجَوَابِ مِنْ مُخَالَفَةِ الصَّوَابِ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِالْوَفَاءِ اسْتِحْبَابًا لَا وُجُوبًا . وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَصْلُحُ لِمَنِ ادَّعَى عَدَمَ الِانْعِقَادِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا أَنِ اعْتَكِفْ يَوْمًا . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قال : أنا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتْ الْبَحْرَ ، فَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فَنَجَّاهَا اللَّهُ فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ ، فَجَاءَتْ ابْنَتُهَا ، أَوْ أُخْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عَنْهَا ( أَنْ تَصُومَ عَنْهَا ) وَمَنْ لَا يَرَى الصَّوْمَ جَائِزًا يُؤَوِّلُ الْحَدِيثَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الِافْتِدَاءَ ، فَإِنَّهَا إِذَا افْتَدَتْ فَقَدْ أَدَّتِ الصَّوْمَ عَنْهَا ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا . وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ جَوَّزَ الصَّوْمَ فِي النَّذْرِ وَالْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ جَوَازُهُ مُطْلَقًا ، وَرَجَّحَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ الْأَوْفَقُ لِلدَّلِيلِ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَفِي النَّيْلِ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَصُومُ الْوَلِيُّ عَنِ الْمَيِّتِ إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ أَيُّ صَوْمٍ كَانَ ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَنَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَلَّقَ الْقَوْلَ به عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَقَدْ صَحَّ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ : هَذِهِ السُّنَّةُ ثَابِتَةٌ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي صِحَّتِهَا . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ صَوْمَ الْوَلِيِّ عَنِ الْمَيِّتِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَامُ عَنِ الْمَيِّتِ مُطْلَقًا . وَقَالَ اللَّيْثُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : إِنَّهُ لَا يُصَامُ عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، قال : نا زُهَيْرٌ ، قال : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بُرَيْدَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : كُنْتُ تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِوَلِيدَةٍ ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَتَرَكَتْ تِلْكَ الْوَلِيدَةَ قَالَ : قَدْ وَجَبَ أَجْرُكِ ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكِ فِي الْمِيرَاثِ قَالَتْ : وَإِنَّهَا مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرٍو ( بِوَلِيدَةٍ ) أَيْ : جَارِيَةٍ ( وَتَرَكَتْ ) أَيْ : أُمِّي ( قَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَدْ وَجَبَ ) : أَيْ ثَبَتَ ( وَرَجَعَتْ ) الْوَلِيدَةُ ( نَحْوَ حَدِيثِ عَمْرٍو ) أَيِ : ابْنِ عَوْنٍ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ النَّسَائِيِّ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ وَلَمْ يُسَمِّهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : وَالصَّوَابُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ .
بَابٌ : قَضَاءِ النَّذْرِ عَنْ الْمَيِّتِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْضِهِ عَنْهَا بَاب قَضَاءِ النَّذْرِ عَنْ الْمَيِّتِ ( وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ ) وَالنَّذْرُ الْمَذْكُورُ قِيلَ : كَانَ صِيَامًا ، وَقِيلَ : كَانَ عِتْقًا ، وَقِيلَ : صَدَقَةً ، وَقِيلَ : نَذْرًا مُطْلَقًا أَوْ كَانَ مُعَيَّنًا عِنْدَ سَعْدٍ ( اقْضِهِ عَنْهَا ) وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَضَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَنِ الْمَيِّتِ . وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مَالِيٌّ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ ، إِلَّا إِنْ وَقَعَ النَّذْرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَيَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَشَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ أَنْ يُوصِيَ بِذَلِكَ مُطْلَقًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا بَيَانٌ أَنَّ النُّذُورَ الَّتِي نَذَرَهَا الْمَيِّتُ وَالْكَفَّارَاتُ الَّتِي لَزِمَتْهُ قَبْلَ الْمَوْتِ تُقْضَى مِنْ مَالِهِ كَالدُّيُونِ اللَّازِمَةِ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْضَى إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهَا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مَالِيٌّ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُوصِ ، إِلَّا إِنْ وَقَعَ النَّذْرُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَيَكُونُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ قَضَى نَذْرَ أُمِّهِ مِنْ تَرِكَتِهَا إِنْ كَانَ مَالِيًّا أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهِ . انْتَهَى . قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، وَقَالَ شَارِحُهُ : حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، أنا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنِي أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ ( لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ) : الْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُئِيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ . وَقَالَ فِي الْمُنْتَقَى : وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ . وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى أَعْرَابِيٍّ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ وَهُوَ يَخْطُبُ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : نَذَرْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ لَا أَزَالَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى تَفْرُغَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ هَذَا نَذْرًا ، إِنَّمَا النَّذْرُ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ . رَوَاهُ أَحْمَدُ . انْتَهَى . وَفِي النَّيْلِ : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ ، وَأَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ ، وَسَكَتَ عَنْهُ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ ، قَالَ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ : فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الْمَدَنِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي إِسْنَادِ أَبِي دَاوُدَ ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ : لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ . الْحَدِيثُ بِطُولِهِ ، وَفِيهِ : النَّذْرُ وَالْيَمِينُ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الطَّلَاقِ وَابْنُ مَاجَهْ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي النُّذُورِ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ الضَّبِّيِّ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو . وَحَدِيثُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَةَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ ، قال : نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ ، قال : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَخْنَسِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَدَعْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ إِلَّا فِيمَا لَا يَعْبَأُ بِهِ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ : رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ : تَرَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ . قَالَ أَحْمَدُ : أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ ، وَأَبُوهُ لَا يُعْرَفُ . ( فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا ) : قَالَ السِّنْدِيُّ : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْكَفَّارَةِ ، لَكِنِ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ الْحَدِيثِ هُوَ الْكَفَّارَةُ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : فِي الْكَلَامِ تَقْدِيرُ الْعِبَارَةِ ، وَالتَّقْدِيرُ : فَيُكَفِّرُ ، فَإِنَّ تَرْكَهَا مُوجِبٌ كَفَّارَتَهَا انْتَهَى . وَقَالَ الْمُحَدِّثُ مُحَمَّدُ إِسْحَاقُ الدَّهْلَوِيُّ : فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا أَيْ كَفَّارَةُ ارْتِكَابِ يَمِينٍ عَلَى الشَّرِّ يَعْنِي إِثْمُ ارْتِكَابِهَا يَرْتَفِعُ عَنْ تَرْكِهَا ، أَمَّا لُزُومُ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فَهُوَ أَمْرٌ آخَرٌ لَازِمٌ عَلَيْهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ . وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذَا لَمْ يَثْبُتْ ، وَأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَهُوَ كَفَّارَةٌ . لَمْ يَثْبُتِ . انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْأَحَادِيثُ ) : الصِّحَاحُ ( كُلُّهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ ( وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ) : فَالْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْحِنْثِ هِيَ ثَابِتَةٌ ، وَإِسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ بَعْدَهُ لَمْ يَثْبُتْ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ : ( إِلَّا فِيمَا ) : أَيْ فِي حَدِيثِ الَّذِي ( لَا يَعْبَأُ بِهِ ) : أَيْ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ ، فَفِيهِ إِسْقَاطُ الْكَفَّارَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذَا لَمْ يَثْبُتْ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي : وَرُوَاتُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي سَنَدِهِ عَلَى عَمْرٍو . انْتَهَى . ( رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) : الْقَطَّانُ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ) : بْنِ مَوْهَبٍ التَّمِيمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ ( فَقَالَ ) : أَحْمَدُ ( تَرَكَهُ ) : أَيْ تَرَكَ يَحْيَى الْقَطَّانُ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ ، ( وَكَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ ) : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى ؛ أَيْ كَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَارِفًا بِالرِّجَالِ نَاقِدًا لِلرُّوَاةِ ، فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ فَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ ( قَالَ أَحْمَدُ أَحَادِيثُهُ ) : أَيْ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ( مَنَاكِيرُ وَأَبُوهُ ) : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَوْهَبٍ ، ( لَا يُعْرَفُ ) : مَجْهُولٌ . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ : يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ التَّمِيمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَحَادِيثَ ، وَعَنْهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَطَائِفَةٌ ، وَثَّقَهُ الْقَطَّانُ ، وَقَالَ شُعْبَةُ : رَأَيْتُهُ يُصَلِّي صَلَاةً لَا يُقِيمُهَا فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : حَدَّثَ عَنْهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، ثُمَّ تَرَكَهُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ ، وَقَالَ مَرَّةً : لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : ضَعِيفٌ . وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : هُوَ كُوفِيٌّ ، وَأَبُوهُ لَا يُعْرَفُ ، وَأَحَادِيثُهُ مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ الصِّدْقِ . انْتَهَى .
بَابُ الْيَمِينِ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، قال : نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قال : نا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ : إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْقِسْمَةِ ، فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَمِينَ عَلَيْكَ ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، وَفِيمَا لَا تَمْلِكُ باب اليمين في قطيعة الرحم ( أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ) : أَيْ أَخَاهُ الْمُصَاحِبُ الْمُشَارِكُ فِي الْمِيرَاثِ ( الْقِسْمَةُ ) : أَيْ فِي النَّخِيلِ وَالْعَقَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ ( فَقَالَ ) : أَيِ الْآخَرُ ( إِنْ عُدْتَ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ رَجَعْتَ ( فَكُلُّ مَالِي ) : بِإِضَافَةِ الْمَالِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ ؛ أَيْ فَكُلُّ شَيْءٍ لِي مِنَ الْمُلْكِ ( فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ) : بِكَسْرِ أَوَّلِهِ ؛ أَيْ مَصَالِحِهَا أَوْ زِينَتِهَا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الرِّتَاجُ : الْبَابُ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَعْبَةُ ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَالَهُ هَدْيٌ إِلَى الْكَعْبَةِ لَا إِلَى بَابِهَا ، فَكَنَّى بِالْبَابِ لِأَنَّهُ مِنْهُ يُدْخَلُ ( وَكَلِّمْ أَخَاكَ ) : أَيْ فِي عَوْدِهِ إِلَى سُؤَالِ الْقِسْمَةِ ( لَا يَمِينَ عَلَيْكَ ) : أَيْ عَلَى مِثْلِكَ . وَالْمَعْنَى : لَا يَجِبُ إِلْزَامُ هَذِهِ الْيَمِينِ عَلَيْكَ ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْكَفَّارَةُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ سَمِعْتُ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ إِلَى قَوْلِي لَكَ : لَا يَمِينَ عَلَيْكَ ، يَعْنِي لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرْتَ ، وَسَمَّى النَّذْرَ يَمِينًا لِمَا يَلْزَمُ منه ما يلزم من مِنَ الْيَمِينَ . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : اخْتَلَفُوا فِي النَّذْرِ إِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ، مِثْلَ أَنْ قَالَ : إِنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ ، وَإِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلَاةٌ ، فَهَذَا نَذْرٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنِ الْفِعْلِ ، كَالْحَالِفِ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَنِ الْفِعْلِ ، فَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، كَمَا لَوْ حَنَثَ فِي يَمِينِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ . وَقِيلَ : عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا الْتَزَمَهُ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ النُّذُورِ انْتَهَى . ( وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ ) : أَيْ لَا وَفَاءَ فِي هَذَا النَّذْرِ ( وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ) : وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْ عُمَرَ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ قَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ . انْتَهَى . وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيِّ ، عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ رَجُلٍ قَالَ : مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : تُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، قال : نا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ نَحْوَهُ قَالَ : فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَحَادِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، رُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ الْحِنْثُ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَةِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ ( ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : فَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَجْزَأَهُ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الصِّيَامَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْإِطْعَامِ ، فَلَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْأَصْلِ ، كَالتَّيَمُّمِ لَمَّا كَانَ مُرَتَّبًا عَلَى الْمَاءِ لَمْ يُجْزِهِ إِلَّا مَعَ عَدَمِ الْمَاءِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِهِ الْكَفَّارَةُ قَبْلَ الْحِنْثِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْيَمِينِ وَإِنَّمَا يَكُونُ وُجُوبُهَا بِالْحِنْثِ ، وَأَجَازُوا تَقْدِيمَ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ ، وَلَمْ يُجِزْ مَالِكٌ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ كَمَا جَوَّزَ تَقْدِيمَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ ، وَاخْتَارَهُمَا الشَّافِعِيُّ مَعًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَيْ رَبِيعَةُ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَاللَّيْثُ وَسَائِرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ أَهْلِ الرَّأْيِ : أنَّ الْكَفَّارَةَ تُجْزِئُ قَبْلَ الْحِنْثِ ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَثْنَى الصِّيَامَ فَقَالَ : لَا يُجْزِئُ إِلَّا بَعْدَ الْحِنْثِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : لَا تُجْزِئُ الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : لِلْكَفَّارَةِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ ، أَحَدُهَا قَبْلَ الْحَلِفِ فَلَا تُجْزِئُ اتِّفَاقًا ، ثَانِيهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَالْحِنْثِ فَتُجْزِئُ اتِّفَاقًا ، ثَالِثُهَا بَعْدَ الْحَلِفِ وَقَبْلَ الْحِنْثِ فَفِيهَا الْخِلَافُ . وَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فَقَدَّمَ الْكَفَّارَةَ مَرَّةً وَأَخَّرَهَا أُخْرَى ، لَكِنْ بِحَرْفِ الْوَاوِ الَّذِي لَا يُوجِبُ رُتْبَةً . قَالَ الْحَافِظُ : قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ بِلَفْظِ ثُمَّ الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ عِنْدَ أَبي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ . وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ بِهِ : كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، لَكِنْ أَحَالَ بِلَفْظِ الْمَتْنِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، كَأَبِي دَاوُدَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنِ الْحَسَنِ مِثْلَهُ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ جَرِيرِ بِالْوَاوِ ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَيْضًا بِلَفْظِ ثُمَّ ، وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ وَلَفْظُهُ : فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ لِيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَسَلَفَ تَحْقِيقُهُ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ وَغَيْرِهِ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَحَادِيثُ أَبِي مُوسَى إِلَخْ ) قُلْتُ : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّار ، نا هُشَيْمٌ ، قال : أخبرنا يُونُسُ وَمَنْصُورٌ يَعْنِي : ابْنَ زَاذَانَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ يَمِينَكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يُرَخِّصُ فِيهَا الْكَفَّارَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ ، ( فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ يَمِينَكَ ) فِيهِ الْحِنْثُ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ . هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي النُّذُورِ وَفِي الْأَحْكَامِ وَفِي الْكَفَّارَاتِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ ، وَمَنْصُورٍ بِقِصَّةِ الْإِمَارَةِ ، وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْقَضَاءِ وَفِي السِّيَرِ . انْتَهَى . وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا ، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ ، وَفِي الْكَفَّارَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْأَيْمَانِ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ وَغَيْرِهِ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْأَيْمَانِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ قِصَّةَ الْإِمَارَةِ فِي الْقَضَاءِ وَفِي السِّيَرِ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى ، وَقِصَّةُ الْيَمِينِ فِي الْأَيْمَانِ عَنْ جَمَاعَةٍ آخَرِينَ . انْتَهَى . فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمِزِّيِّ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ مَا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، بَلْ أَخْرَجَ قِصَّةَ الْيَمِينِ مَعَ قِصَّةِ الْإِمَارَةِ فِي الْخَرَاجِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَ الْقِصَّتَيْنِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَلَكِنْ فِي نُسْخَةِ أَبَى دَاوُدَ الَّتِي بِأَيْدِينَا وَقَعْتِ الْقِصَّتَانِ بِالسَّنَدِ الْوَاحِدِ مُفَرَّقًا ، يَعْنِي وَقَعَتْ قِصَّةُ الْإِمَارَةِ فِي بَابِ الْخَرَاجِ ، وَوَقَعَتْ قِصَّةُ الْيَمِينِ فِي الْأَيْمَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الحنث إذا كان خيرا حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، نا حَمَّادٌ ، نا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ يَمِينِي ، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ قَالَ : إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفَّرْتُ يَمِينِي بَابُ الْحَنْثِ إِذَا كَانَ خَيْرًا ( غَيْلَانُ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ ( عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ) هُوَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، قِيلَ اسْمُهُ الْحَارِثُ ، وَقِيلَ عَامِرٌ ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو مُوسَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ ( إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ ) اسْمُ إِنَّ يَاءُ الْإِضَافَةِ وَخَبَرُهَا قَوْلُهُ : لَا أَحْلِفُ ، إِلَى آخِرِهِ ، وَالْجُمْلَتَانِ مُعْتَرِضَتَانِ بَيْنَ اسْمِ إِنَّ وَخَبَرِهَا . كَذَا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، لِلْعَيْنِيِّ ( فَأُرَى ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ؛ أَيْ : فَأَظُنُّ ، أَوْ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ؛ أَيْ : فَأَعْلَمُ ( غَيْرَهَا ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْيَمِينِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِثْلَ الْخَصْلَةِ الْمَفْعُولَةِ أَوِ الْمَتْرُوكَةِ ، إِذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ : لَا أَحْلِفُ عَلَى الْحَلِفِ ( أَوْ قَالَ : إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي ) إِمَّا شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي فِي تَقَدُّيمِ أَتَيْتُ عَلَى تَقَدُّيمِ كَفَّرْتُ وَالْعَكْسُ ، وَإِمَّا تَنْوِيعٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِشَارَةٌ إِلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَتَأْخِيرِهَا . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ ، الْحَدِيثُ ، وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ مُخْتَصَر : إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي النُّذُورِ وَفِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ . انْتَهَى . وَصَنِيعُهُ يَدُلُّ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَنْسُبُهُ لِأَحَدٍ مِنْ رُوَاةِ أَبِي دَاوُدَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، نا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قال : نا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ جَدَّتِهِ عَنْ أَبِيهَا سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَ : خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ لَهُ ، فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا ، وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا ، وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي قَالَ : صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ( عَنْ جَدَّتِهِ ) : أَيْ لِإِبْرَاهِيمَ هِيَ مَجْهُولَةٌ لَا تُعْرَفُ ( عَنْ أَبِيهَا ) : أَيْ لِلْجَدَّةِ ( سُوَيْدٍ ) : بَدَلٌ عَنْ أَبِيهَا ( فَأَخَذَهُ ) : أَيْ وَائِلًا ( عَدُوٌّ لَهُ ) : أَيْ لِوَائِلٍ ( فَتَحَرَّجَ الْقَوْمُ ) : أَيْ ضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَالْحَرَجُ الْإِثْمُ وَالضِّيقُ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ( أَنْ يَحْلِفُوا ) : يَعْنِي كَرِهُوا الْحَلِفَ وَظَنُّوهُ إِثْمًا ( وَحَلَفَتُ أَنَّهُ ) : أَيْ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ) : لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأُخُوَّةِ إِلَّا أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، فَإِنَّ كُلَّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُطْلَقُ بَيْنَهُمَا اسْمُ الْأُخُوَّةِ ، وَيَشْتَرِكُ فِي ذَلِكَ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَيَبَرُّ الْحَالِفُ إِذَا حَلَفَ أَنَّ هَذَا الْمُسْلِمَ أَخُوهُ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ قُرْبَةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَلِهَذَا اسْتَحْسَنَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْحَالِفِ وَقَالَ : صَدَقْتَ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَسُوَيْدُ بْنُ حَنْظَلَةَ لَمْ يُنْسَبْ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى . وَفِي الْإِصَابَةِ قَالَ الْأَزْدِيُّ . مَا رَوَى عَنْهُ إِلَّا ابْنَتُهُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ لَهُ نَسَبًا انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَعَزَاهُ الْمُنْذِرِيُّ إِلَى مُسْلِمٍ فَيُنْظَرُ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ انْتَهَى . قُلْتُ : مَا وَجَدْنَا لَفْظَ مُسْلِمٍ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَلَعَلَّ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ النُّسَخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الْمَعَارِيضِ فِي الأيمان حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : أنا هُشَيْمٌ . ( ح ) ونا مُسَدَّدٌ ، قال : نا هُشَيْمٌ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهَا صَاحِبُكَ . قَالَ مُسَدَّدٌ : قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُمَا وَاحِدٌ عَبَّادُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ بَابُ الْمَعَارِيضِ فِي الْأَيْمَانِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمَعَارِيضُ جَمْعُ مِعْرَاضٍ مِنَ التَّعْرِيضِ وَهُوَ خِلَافُ التَّصْرِيحِ مِنَ الْقَوْلِ انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : التَّعْرِيضُ نَوْعٌ مِنَ الْكِنَايَةِ ضِدُّ التَّصْرِيحِ . وَقَالَ الرَّاغِبُ : هُوَ كَلَامٌ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ فَقَصَدَ قَائِلُهُ الْبَاطِنَ وَيُظْهِرُ إِرَادَةَ الظَّاهِرِ انْتَهَى . ( عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ) هَكَذَا هَذَا الْإِسْنَادُ كَمَا فِي الْمَتْنِ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خِلَافُهُ وَهُوَ غَلَطٌ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْأَيْمَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْنٍ وَمُسَدَّدٌ كِلَاهُمَا عَنْ هُشَيْمٍ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ : عَنْ عَبَّادِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، وَقَالَ مُسَدَّدٌ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هُمَا وَاحِدٌ انْتَهَى . قُلْتُ : أَبُو صَالِحٌ هُوَ ذَكْوَانُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ كُنْيَتُهُ أَبُو الزِّنَادِ ( يَمِينُكَ ) : أَيْ حَلِفُكَ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ ( عَلَى مَا ) : مَا مَوْصُولَةٌ وَالْمُرَادُ بِهِ النِّيَّةُ ( يُصَدِّقُكَ عَلَيْهَا ) أَيْ عَلَى النِّيَّةِ ( صَاحِبُكَ ) : أَيْ خَصْمُكَ وَمُدَّعِيكَ وَمُحَاوِرُكَ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّوْرِيَةُ ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْيَمِينِ بِقَصْدِ الْمُسْتَحْلِفِ إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِ الْحَالِفِ فَلَهُ التَّوْرِيَةُ قَالَهُ الْقَارِي ، وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ : مَعْنَاهُ يَمِينُكَ وَاقِعٌ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ وَلَا تُؤَثِّرُ التَّوْرِيَةُ فِيهِ ، وَهَذَا إِذَا كَانَ لِلْمُسْتَحْلِفِ حَقُّ اسْتِحْلَافٍ وَإِلَّا فَالتَّوْرِيَةُ نَافِعَةٌ قَطْعًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ : إِنَّهُ أَخِي . لِذَلِكَ ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُرَادِ انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ قَالَ الْقَارِي : أَيْ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلتَّحْلِيفِ وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ وَالِاعْتِبَارَ فِي الْيَمِينِ عَلَى نِيَّةِ طَالِبِ الْحِنْثِ فَإِنْ أَضْمَرَ الْحَالِفُ تَأْوِيلًا عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ لَمْ يَسْتَخْلِصْ مِنَ الْحِنْثِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِقَصْدِ الْمُحَلِّفِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّفُ هُوَ الْحَاكِمُ أَوِ الْغَرِيمُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُحَلِّفُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا . وَقِيلَ : هُوَ مُقَيَّدٌ بِصِدْقِ الْمُحَلِّفِ فِيمَا ادَّعَاهُ ، أَمَّا لَوْ كَانَ كَاذِبًا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِنِيَّةِ الْحَالِفِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ إِلَّا إِذَا اسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ فِي دَعْوَى تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَالتَّوْرِيَةُ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَثُ بِهَا فَلَا يَجُوزُ فِعْلُهَا حَيْثُ يَبْطُلُ بِهَا حَقُّ الْمُسْتَحْلِفِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَمِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ حَقٍّ بِيَمِينِهِ لَهُ نِيَّتُهُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِغَيْرِهِ حَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بظاهر يَمِينُهُ سَوَاءٌ حَلَفَ مُتَبَرِّعًا أَوْ بِاسْتِحْلَافٍ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ ، ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِمَشْيِ أُخْتِكَ إِلَى الْبَيْتِ شَيْئًا ( حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ ) الْحَدِيثَ ، لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ ، وَقَالَ الْمِزِّيُّ : هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا يَحْيَى ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . ( يُهَادَى ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بَيْنَ ابْنَيْهِ ) أَيْ : يَمْشِي بَيْنَ وَلَدَيْهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا مِنْ ضَعْفٍ ( فَسَأَلَ عَنْهُ ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : مَا بَالُ هَذَا ؟ ( فَقَالُوا : نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ ) أَيْ : إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ( هَذَا نَفْسَهُ ) نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ( وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ ) أَيْ : لِعَجْزِهِ عَنِ الْمَشْيِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : عَمِلَ بِظَاهِرِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ : عَلَيْهِ دَمٌ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ نَقْصًا بَعْدَ الْتِزَامِهِ . قَالَ الْمُظْهِرُ : اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ بِأَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَمْشِي إِنْ أَطَاقَ الْمَشْيَ ، فَإِنْ عَجَزَ أَرَاقَ دَمًا وَرَكِبَ . وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : يَرْكَبُ وَيُرِيقُ دَمًا سَوَاءٌ أَطَاقَ الْمَشْيَ أَوْ لَمْ يُطِقْهُ . انْتَهَى . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَمُسْلِمٌ فِي النُّذُورِ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا . ( وَرَوَاهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو ، عَنِ الْأَعْرَجِ ) : وَحَدِيثُهُ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي النُّذُورِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ شَيْخًا ، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ .
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ ، قال : نا أَبُو النَّضْرِ ، قال : نا شَرِيكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ يَعْنِي : أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا ، فَلْتَحُجَّ رَاكِبَةً ، وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا ( أَنْ تَحُجَّ ) مِنْ بَابِ نَصَرَ ( بِشَقَاءِ أُخْتِكَ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْمَدِّ أَيْ بِتَعَبِهَا أَوْ مَشَقَّتِهَا ، أَيْ : لَا حَاجَةَ لِلَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَلَا يَكُونُ أَجْرٌ لَهَا بِهَذَا الْفِعْلِ الشَّاقِّ عَلَيْهَا ( شَيْئًا ) أَيْ : مِنَ الصُّنْعِ ، فَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ مِنَ دفع الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ ( فَلْتَحُجَّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَضَمُّهَا ، أَيْ : إِذَا عَجَزَتْ عَنِ الْمَشْيِ فَلْتَحُجَّ ( رَاكِبَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ ( وَلْتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّكْفِيرِ كَفَّارَةُ الْجِنَايَةِ وَهِيَ الْهَدْيُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنَ الصَّوْمِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا ابْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِمَعْنَى هِشَامٍ ، لَمْ يَذْكُرْ الْهَدْيَ وَقَالَ فِيهِ : مُرْ أُخْتَكَ فَلْتَرْكَبْ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِمَعْنَى هِشَامٍ ( أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ بِمَعْنَى هِشَامٍ ) قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ ابْنِ عَدِيٍّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عكرمة ، وحديث خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قال : نا هِشَامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ نَذْرِهَا ، مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ نَحْوَهُ وَخَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . ( مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ ) وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ( رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عُرُوبَةَ ) عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ( نَحْوَه ) أَيْ : مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ : فَلْتَرْكَبْ ، كَمَا رَوَاهُ هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْهَدْيَ كَمَا ذَكَرَهُ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ ( وَ ) رَوَاهُ ( خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فَهَذِهِ مُتَابَعَةٌ لِقَتَادَةَ ( نَحْوَهُ ) أَيْ نَحْوَ حَدِيثِ قَتَادَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْهَدْيِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قال : نا أَبُو الْوَلِيدِ ، قال : نا هَمَّامٌ ، قال : نا قَتَادَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَرْكَبَ ، وَتُهْدِيَ هَدْيًا ( أَنْ تَرْكَبَ ) أَيْ : لِلْعَجْزِ ( وَتُهْدِيَ هَدْيًا ) وَأَقَلُّهُ شَاةٌ وَأَعْلَاهُ بَدَنَةٌ ، فَالشَّاةُ كَافِيَةٌ وَالْأَمْرٌ بِالْبَدَنَةِ لِلنَّدْبِ ، قَالَ الْقَاضِي : لَمَّا كَانَ الْمَشْيُ فِي الْحَجِّ مِنْ عِدَادِ الْقُرُبَاتِ وَجَبَ بِالنَّذْرِ وَالْتَحَقَ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ الَّتِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهَا إِلَّا لِمَنْ عَجَزَ وَيَتَعَلَّقُ بِتَرْكِهِ الْفِدْيَةُ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَاجِبِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : تَجِبُ بَدَنَةٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَجِبُ دَمُ شَاةٍ كَمَا فِي مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ بِالْبَدَنَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ : لَا يَجِبُ فِيهِ شَيْءٌ ، وَإِنَّمَا أُمِرَ صلى الله عليه وسلم بِالْهَدْيِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ، وَتَقَدَّمَ بَعْضُ بَيَانِهِ ، وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ، قال : أنا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِمَعْنَاهُ وَإِسْنَادِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بن شبوية قال : قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : يَعْنِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَ أَبُو سَلَمَةَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ : وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَيُّوبُ يَعْنِي : ابْنَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ : أَفْسَدُوا عَلَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ قِيلَ لَهُ : وَصَحَّ إِفْسَادُهُ عِنْدَكَ ، وَهَلْ رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ؟ قَالَ : أَيُّوبُ كَانَ أَمْثَلَ مِنْهُ يَعْنِي : أَيُّوبَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ ( حَدَّثَنَا ابْنُ السَّرْحِ ) قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ ابْنِ السَّرْحِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ ، وَابْنِ دَاسَةَ عَنْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى . ( فِي هَذَا الْحَدِيثِ ) أَيْ حَدِيثِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ ( حَدَّثَ أَبُو سَلَمَةَ ) وَلَمْ يَقُلِ الزُّهْرِيُّ : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، بَلْ إِنَّمَا رَوَى خَبَرُهُ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ ( فَدَلَّ ذَلِكَ ) الْقَوْلُ الْمُشْعِرُ بِالتَّدْلِيسِ ( لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ) لَكِنْ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ مُوسَى الْفَرَوِيِّ ، ثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ( وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) الْمَرْوَزِيُّ شَيْخُ الْمُؤَلِّفِ ( وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ ) أَيْ : تَدْلِيسُ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( مَا حَدَّثَنَا أَيُّوبُ يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ ) وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ بِتَمَامِهِ ( أَفْسَدُوا عَلَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ ) أَيْ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ جِهَةِ إِسْنَادِهِ ( قِيلَ لَهُ ) أَيْ : لِأَحْمَدَ ( وَ ) هَلْ ( صَحَّ إِفْسَادُهُ عِنْدَكَ ) مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ وَثَبَتَ عِنْدَكَ ضَعْفُهُ ( وَهَلْ رَوَاهُ ) أَيْ : حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ بِزِيَادَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بَيْنَ الزُّهْرِيِّ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ( غَيْرُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ) أَيْ غَيْرُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَسَيَجِيءُ حَدِيثُهُ ، فَإِنْ رَوَاهُ غَيْرُهُ أَيْضًا فَيُعْتَبَرُ بِرِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَدْلِيسِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( قَالَ ) أَحْمَدُ فِي جَوَابِهِ ( أَيُّوبُ ) مُبْتَدَأٌ وَهُوَ اسْمُ كَانَ ( أَمْثَلَ ) أَيْ أَشْبَهَ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ ( مِنْهُ ) أَيْ مِنِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ فِي الثِّقَاهة ، يُقَالُ : مَاثَلَهُ مُمَاثَلَةً شَابَهَهُ ، وَمَاثَلَ فُلَانًا بِفُلَانٍ شَبَّهَهُ بِهِ ، وَلَا تَكُونُ الْمُمَاثَلَةُ إِلَّا بَيْنَ الْمُتَّفِقِينَ ، تقُولُ : نَحْوُهُ كَنَحْوِهِ وَفِقْهُهُ كَفِقْهِهِ وثقاهته كثقاهته ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ تَفَرُّدَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ثِقَةٌ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وأيوب أَشْبَهَ فِي الثِّقَاهة منْ أَبي بَكْرٍ ، فَهُمَا ثِقَتَانِ ( وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ ) ابْنُ سُلَيْمَانَ أَحَدُ الثِّقَاتِ عَنْ مِثْلِهِ فِي الثِّقَاهة وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ . قُلْتُ : أَمَّا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ الْمَدَنِيُّ فَرَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ فِيمَا رَوَاهُ الْآجُرِّيُّ عَنْهُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ . وَأَمَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ فَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ . كَذَا فِي مُقَدِّمَةِ الْفَتْحِ .
حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ مَوْلًى لِبَنِي ضمير، وَكَانَ أَيَّمَا رَجُلٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيَّ أَخْبَرَنا بِإِسْنَادِ يَحْيَى وَمَعْنَاهُ . ( أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيَّ ) بِرَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا وَهُوَ جُعْثُلُ بْنُ هَاعَانَ الْمِصْرِيُّ فَقِيهٌ صَدُوقٌ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : أَبُو سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ جُعْثُلُ بْنُ هَاعَانَ ، مِصْرِيٌّ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . وَحَدِيثُ مَخْلَدِ بْنِ خَالِدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَابْنِ دَاسَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ الْيَحْصِبِيَّ الْمِصْرِيَّ يَرْوِي عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَرَوَى عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ أَبَا تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيَّ الرُّعَيْنِيَّ يَرْوِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَأَبِي نَضْرَةَ الْغِفَارِيِّ ، وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هُبَيْرَةَ الْحَضْرَمِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَجَعَلُوهُمَا اثْنَيْنِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، قال : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ ؟ فَقَالَ : مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ( أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً ) أَيْ مَاشِيَةً غَيْرَ لَابِسَةٍ فِي رِجْلِهَا شَيْئًا ( غَيْرُ مُخْتَمِرَةٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ أَيْ غَيْرُ مُغَطِّيَةٍ رَأْسَهَا بِخِمَارِهَا ، قَالَ فِي الْمُغْرِبِ : الْخِمَارُ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا ، وَقَدِ اخْتَمَرَتْ وَتَخَمَّرَتْ إِذَا لَبِسَتِ الْخِمَارَ ( فَلْتَخْتَمِرْ ) لِأَنَّ كَشْفَ رَأْسِهَا عَوْرَةٌ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَا نَذْرَ فِيهَا ( وَلْتَرْكَبْ ) لِعَجْزِهَا ، لِمَا سَيَجِيءُ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ عَدَمِ إطَاقَتِهَا لَا سِيَّمَا مَعَ الْحَفَاءِ ( وَلْتَصُمْ ) أَيْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْهَدْيِ أَوْ عَنْ أَنْوَاعِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ . قَالَهُ الْقَارِي . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، فَإِنَّ الصِّيَامَ بَدَلٌ مِنَ الْهَدْيِ ، خُيِّرَتْ فِيهِ كَمَا يُخَيَّرُ قَاتِلُ الصَّيْدِ أَنْ يَفْدِيَ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهُ وَأَخْرَجَهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ بَدَلَ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا انْتَهَى . قَالَ فِي السُّبُلِ : وَلَعَلَّ الْأَمْرَ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِأَجْلِ النَّذْرِ بِعَدَمِ الِاخْتِمَارِ ، فَإِنَّهُ نَذْرٌ بِمَعْصِيَةٍ ، فَوَجَبَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي النَّذْرِ بِمَعْصِيَةٍ ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً ، قِيلَ : وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ : لَا يَصِحُّ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَمْرُ بِالْإِهْدَاءِ ، فَإِنْ صَحَّ فَكَأَنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ وَفِي وَجْهِهِ خَفَاءٌ . انْتَهَى . ( ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) أَيْ مُتَوَالِيَةً إِنْ كَانَ عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ شَاءَتْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . انْتَهَى . وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زَحْرٍ وقد تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، نا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ : إِنَّمَا الْحَدِيثُ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ وَهِمَ فِيهِ ، وَحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى بَقِيَّةُ ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِإِسْنَادِ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ مِثْلَهُ . ( عَنْ ) أَبِيهِ ( سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ) الْمَدَنِيِّ ( عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتِيقٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لَا يُسَاوِي فَلْسًا . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : تَرَكُوهُ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَيْضًا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، وَالسَّعْدِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ هَذَا : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَقَالَ : لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ الْقَوْلُ بِهِ وَاجِبًا وَالْمَصِيرُ إِلَيْهِ لَازِمًا ، إِلَّا أَنْ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ زَعَمُوا أَنَّهُ حَدِيثٌ مَقْلُوبٌ وَهِمَ فِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ ، فَرَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، فَحَمَلَهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ وَلَا يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ ، وَسَاقَ الشَّاهِدَ عَلَى ذَلِكَ ، وَذَكَرَ أَيْضًا حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي هَذَا وَقَالَ : إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الزُّبَيْرِ هُوَ الْحَنْظَلِيُّ وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ ، فَالْحَدِيثُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ مَقْلُوبٌ ، وَمِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ فِيهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، وَالِاحْتِجَاجُ بِهِ سَاقِطٌ . انْتَهَى . ( قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ ) : إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَرْقَمَ غَلِطَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا ( إِنَّمَا الْحَدِيثُ ) الْمَرْوِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ ( حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ ) الْبَصْرِيِّ ، وَثَّقَهُ أَبُو دَاوُدَ ( عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ) الْيَمَامِيِّ ثِقَةٌ ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ ) الْحَنْظَلِيِّ الْبَصْرِيِّ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ( عَنْ أَبِيهِ ) الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ : سُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَهُوَ عَلِيٌّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ( أَرَادَ ) هَذِهِ مَقُولَةُ أَبِي دَاوُدَ تُوَضِّحُ مُرَادَ شَيْخِهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، أَيْ يَقُولُ أَحْمَدُ الْمَرْوَزِيُّ : إِنَّ سُلَيْمَانَ وَهِمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَجَعَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَأَمَّا الزُّهْرِيُّ فَرَوَاهُ حَقِيقَةً عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ لَكِنْ تَرَكَ ذِكْرَهُ لِضَعْفِهِ وَأَرْسَلَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَأَجَابَهُ الْعَلَّامَةُ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ فَقَالَ : وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ إِسْنَادِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَفِي بَعْضِهَا حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، وَهَذَا يُثْبِتُ سَمَاعَ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَفِي بَعْضِهَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِإِثْبَاتِ سَمَاعِ الزُّهْرِيِّ مَرَّةً عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ أَبِي سَلَمَةَ نَفْسِهُ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا قَطْعَ لِضَعْفِهِ ، سِيَّمَا حَدِيثَ عُقْبَةَ ، وَعِمْرَانَ يُؤَيِّدُ الثُّبُوتَ . انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى بَقِيَّةُ ) وَقَالَ النَّسَائِيُّ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحَنْظَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ . انْتَهَى .
بَابُ مَنْ رَأَى عَلَيْهِ كَفَّارَةً إِذَا كَانَ فِي مَعْصِيَةٍ حَدَّثَنَا إسماعيل بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو مَعْمَرٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَاب مَنْ رَأَى عَلَيْهِ أي على الناذر ( كَفَّارَةً إِذَا كَانَ ) النَّذْرُ ( فِي مَعْصِيَةٍ ) كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ . ( لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ : لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً كَشُرْبِ الْخَمْرِ فَنَذْرُهُ بَاطِلٌ لَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَلَا غَيْرُهَا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : تَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ . وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ عِمْرَانَ ، وَأَمَّا حَدِيثُ : كَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ . انْتَهَى . لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ : قُلْتُ : قَدْ صَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ ، فَأَيْنَ الِاتِّفَاقُ ؟ انْتَهَى . قَالَ السِّنْدِيُّ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا ، إِذْ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ قَوْلُهُ : وَكَفَّارَتُهُ إِلَخْ ، بَلْ مَعْنَاهُ : لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ ، وَهَذَا هُوَ صَرِيحٌ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ ( وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ) قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، انْتَهَى . وَفِي الْمِرْقَاةِ : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمْ يَسْمَعْهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ وإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ أَرْقَمَ مَتْرُوكٌ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، ثنا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عاصم الْأَحْوَلُ أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ يَقُودُهُ بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ ، فَقَطَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ ( بِخِزَامَةٍ فِي أَنْفِهِ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ الْمُخَفَّفَةِ : حَلْقَةٌ مِنْ شَعْرٍ أَوْ وَبَرٍ تُجْعَلُ فِي الْحَاجِزِ الَّذِي بَيْنَ مِنْخَرَيِ الْبَعِيرِ يُشَدُّ بِهَا الزِّمَامُ لِيَسْهُلَ انْقِيَادُهُ إِذَا كَانَ صَعْبًا ( فَقَطَعَهَا ) أَيِ : الْخِزَامَةَ ( وَأَمَرَهُ ) أَيِ : الْقَائِدَ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ نَذَرَ ذَلِكَ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ وَالنُّذُورِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَالْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : وَهُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي : ابْنَ طَهْمَانَ ، عَنْ مَطَرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً ، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْيِ أُخْتِكَ فَلْتَرْكَبْ ، وَلْتُهْدِ بَدَنَةً ( فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، أَيْ : لِتَنْحَرَ ( بَدَنَةً ) أَيْ : بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِبِلًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ . وَلَيْسَ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ . قَالَ الْمِزِّيُّ : هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى ، قُلْتُ : وَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ
حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قال : نا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قال : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ أنه قَالَ : نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ ( نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ بِإِتْيَانِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِغَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : إِذَا لَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لَمْ يَنْعَقِدْ . ثُمَّ إِنْ نَذَرَهُ رَاكِبًا لَزِمَهُ ، فَلَوْ مَشَى لَزِمَهُ دَمٌ لِتَوَفُّرِ مُؤْنَةِ الرُّكُوبِ ، وَإِنْ نَذَرَ مَاشِيًا لَزِمَهُ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَجُّ أَوِ الْعُمْرَةُ ، فَإِنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَزِمَ دَمٌ . وَفِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُهُ . وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أَوْ شَاةٌ . وَإِنْ رَكِبَ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ الدَّمُ . وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْعَاجِزِ : يَرْجِعُ مِنْ قَابِلٍ فَيَمْشِي مَا رَكِبَ إِلَّا أَنْ يَعْجَزَ مُطْلَقًا فَيَلْزَمُهُ الْهَدْيُ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مُطْلَقًا ، كَذَا فِي النَّيْلِ . ( لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ ) فِيهِ أَنَّ النَّذْرَ بِالْمَشْيِ وَلَوْ إِلَى مَكَانٍ الْمَشْيُ إِلَيْهِ طَاعَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بَلْ يَجُوزُ الرُّكُوبُ ، لِأَنَّ الْمَشْيَ نَفْسَهُ غَيْرُ طَاعَةٍ ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ الْوُصُولُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ كَالْبَيْتِ الْعَتِيقِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ ، وَلِهَذَا سَوَّغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّكُوبَ لِلنَّاذِرَةِ بِالْمَشْيِ ، فَكَانَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى عَدَمِ لُزُومِ النَّذْرِ بِالْمَشْيِ وَإِنْ دَخَلَ تَحْتَ الطَّاقَةِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّاذِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَيِ الْآتِي أَنْ يَرْكَبَ جَزْمًا ، وَأَمَرَ أُخْتَ عُقْبَةَ أَنْ تَمْشِيَ وَأَنْ تَرْكَبَ ؛ لِأَنَّ النَّاذِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ شَيْخًا ظَاهِرَ الْعَجْزِ وَأُخْتُ عُقْبَةَ لَمْ تُوصَفْ بِالْعَجْزِ ، فَكَأَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَمْشِيَ إِنْ قَدِرَتْ وَتَرْكَبَ إِنْ عَجَزَتَ . انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : حَدِيثُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَاجِزِ عَنِ الْمَشْيِ فَلَهُ الرُّكُوبُ وَعَلَيْهِ دَمٌ ، وَحَدِيثُ أُخْتِ عُقْبَةَ مَعْنَاهُ تَمْشِي فِي وَقْتِ قُدْرَتِهَا عَلَى الْمَشْيِ وَتَرْكَبُ إِذَا عَجَزَتْ عَنِ الْمَشْيِ أَوْ لَحِقَتْهَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فَتَرْكَبُ وَعَلَيْهَا دَمٌ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الدَّمِ فِي الصُّورَتَيْنِ هُوَ أَرْجَحُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي : لَا دَمَ عَلَيْهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ الدَّمُ ، وَأَمَّا الْمَشْيُ حَافِيًا فَلَا يَلْزَمُهُ الْحَفَاءُ بَلْ لَهُ لُبْسُ النَّعْلَيْنِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مُبَيَّنًا أَنَّهَا رَكِبَتْ لِلْعَجْزِ قَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً وَإِنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . الْحَدِيثُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَأُخْتُ عُقْبَةَ هِيَ أُمُّ حِبَّانَ بِنْتِ عَامِرٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتِ . انْتَهَى كَلَامُهُ .
بَابُ كَرَاهِيَةِ الْحَلْفِ بِالْأَمَانَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، نا الْوَلِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الطَّائِيُّ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا 4089 بَابُ كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ أَيْ بِلَفْظِ الْأَمَانَةِ . ( مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا ) : أَيْ مِمَّنِ اقْتَدَى بِطَرِيقَتِنَا . قَالَ الْقَاضِي : أَيْ مِنْ ذَوِي أُسْوَتِنَا بَلْ هُوَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِغَيْرِنَا فَإِنَّهُ مِنْ دَيْدَنِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَعِيدَ عَلَيْهِ قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يُحْلَفَ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ ، وَالْأَمَانَةُ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِهِ فَنُهُوا عَنْهَا مِنْ أَجْلِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَمَا نُهُوا أَنْ يَحْلِفُوا بِآبَائِهِمْ وَإِذَا قَالَ الْحَالِفُ : وَأَمَانَةُ اللَّهِ كَانَتْ يَمِينًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يَعُدُّهَا يَمِينًا ، وَالْأَمَانَةُ تَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالنَّقْدِ وَالْأَمَانِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي كُلٍّ مِنْهَا حَدِيثٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَابْنُ بُرَيْدَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ ، وَالْحَدِيثُ سُكِتَ عَنْهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ ابْنُ يَحْيَى : وكَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ قال : أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فَذَكَرَ رُؤْيَا فَعَبَّرَهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْتَ بَعْضًا ، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا ، فَقَالَ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُقْسِمْ ( كَتَبْتُهُ ) أَيْ : هَذَا الْحَدِيثَ ( مِنْ كِتَابِهِ ) أَيْ : عَبْدِ الرَّزَّاقِ ( فَعَبَّرَهَا ) أَيْ : رُؤْيَاهُ ( فَقَالَ ) أَبُو بَكْرٍ ( فَقَالَ لَهُ ) أَيْ : لِأَبِي بَكْرٍ ( لَا تُقْسِمْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مُسْتَدَلٌّ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقَسَمَ لَا يَكُونُ يَمِينًا بِمُجَرَّدِهِ حَتَّى يَقُولَ : أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ أَقْسَمْتُ يَمِينًا لَأَشْبَهَ أَنْ يَبَرَّهُ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَى الْقَسَمَ يَمِينًا عَلَى وَجْهٍ آخَر فَيَقُولُ : لَوْلَا أَنَّهُ يَمِينٌ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ : لَا تُقْسِمْ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَذْكُرُ فِيهِ أَبَا هُرَيْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَذْكُرُهُ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ ، قال : أنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، لَمْ يَذْكُرْ الْقَسَمَ ، زَادَ فِيهِ : وَلَمْ يُخْبِرْهُ . ( وَلَمْ يُخْبِرْهُ ) أَيْ : لَمْ يُخْبِرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بَكْرٍ بِالَّذِي أَخْطَأَ فِيهِ وَأَصَابَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الْقَسَمِ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْسَمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُقْسِمْ بَاب فِي الْقَسَمِ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا 4110 ( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْسَمَ ) وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ ( لَا تُقْسِمْ ) نَهْيٌ عَنِ الْقَسَمِ . فَإِنْ قُلْتَ : أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ فَلِمَ مَا أَبَرَّهُ ؟ قُلْتُ : ذَلِكَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ عَدَمِ الْمَانِعِ ، فَكَانَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَانِعٌ مِنْهُ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إِبْرَارُ الْمُقْسِمِ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى جَمَاعَةِ أَهْلِ الدِّينِ ، لِأَنَّ الَّذِي سَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيَانِ مَوْضِعِ الْخَطَأِ فِي تَعْبِيرِ الصِّدِّيقِ هُوَ عَائِدٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتُلِفَ فِيمَنْ قَالَ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ أَوْ أَقْسَمْتُ مُجَرَّدَةً ، فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ، وَمِمَّنْ رُوِي ذَلِكَ عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا تَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِي . وَقَالَ مَالِكٌ : أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ يَمِينٌ وَأَقْسَمْتُ مُجَرَّدَةً لَا تَكُونُ يَمِينًا إِلَّا إِنْ نَوَى . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ : الْمُجَرَّدَةُ لَا تَكُونُ يَمِينًا أَصْلًا وَلَوْ نَوَى . وَأَقْسَمْتُ بِاللَّهِ إِنْ نَوَى تَكُونُ يَمِينًا . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَهُ وَهُوَ فِي رَكْبٍ ، وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَسْكُتْ ( أَدْرَكَهُ ) : أَيْ عُمَرُ ( وَهُوَ ) : أَيْ عُمَرُ ( فِي رَكْبٍ ) : قَالَ فِي السُّبُلِ : الرَّكْبُ أَيْ رُكْبَانُ الْإِبِلِ اسْمُ جَمْعٍ أَوْ جَمْعٌ وَهُمُ الْعَشَرَةُ فَصَاعِدًا وَقَدْ يَكُونُ الْخَيْلُ ( وَهُوَ يَحْلِفُ ) : أَيْ عُمَرُ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَمَنْ كَانَ حَالِفًا ) : أَيْ مُرِيدًا لِلْحَلِفِ ( فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ) : أَيْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَظَاهِرُهُ تَخْصِيصُ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً ، لَكِنْ قَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ بِاللَّهِ وَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ ( أَوْ لِيَسْكُتْ ) : قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ أَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمَحْلُوفِ بِهِ ، وَحَقِيقَةُ الْعَظَمَةِ مُخْتَصَّةٌ بِاللَّهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ فَلَا يُضَاهَى بِهِ غَيْرُهُ ، وَهَكَذَا حُكْمُ غَيْرِ الْآبَاءِ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ . وَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ فَهِيَ كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْيَمِينُ انْتَهَى . قُلْتُ : أَوْ أَنَّ هَذَا وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ . قَالَ : وَأَمَّا قَسَمُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ نَحْوَ : والصَّافَّاتِ وَالطُّورِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالْعَادِيَاتِ ، فَللَّهُ أن يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِ ، أَوِ التَّقْدِيرِ : وَرَبِّ الطُّورِ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْكَعْبَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْأَمَانَةُ وَالْحَيَاةُ وَالرُّوحُ وَغَيْرُهَا ، وَمِنْ أَشَدِّهَا كَرَاهَةً الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللَّهِ ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ ( لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ) : أَيْ بِأُصُولِكُمْ فَبِالْفُرُوعِ أَوْلَى ( وَلَا بِالْأَنْدَادِ ) : أَيِ الْأَصْنَامِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْأَنْدَادُ : جَمْعُ نِدٍّ بِالْكَسْرِ ، وَهُوَ مِثْلُ الشَّيْءِ الَّذِي يُضَادُّهُ فِي أُمُورِهِ ، وَيُنَادُّهُ أَيْ يُخَالِفُهُ ، وَيُرِيدُ بِهَا مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ آلِهَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ انْتَهَى . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهَلِ الْمَنْعُ لِلتَّحْرِيمِ ؟ قَوْلَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، كَذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمُ الْكَرَاهَةُ ، وَالْخِلَافُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمُ التَّحْرِيمُ ، وَبِهِ جَزَمَ الظَّاهِرِيَّةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَمُرَادُهُ بِنَفْيِ الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْحَلِفَ بِهَا . وَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ مَعْصِيَةٌ ، فَأَشْعَرَ بِالتَّرَدُّدِ ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّنْزِيهِ . وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْكَرَاهَةِ ، وَجَزَمَ غَيْرُهُ بِالتَّفْصِيلِ ، فَإِنِ اعْتَقَدَ فِي الْمَحْلُوفِ فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ حُرِّمَ الْحَلِفُ بِهِ وَكَانَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ كَافِرًا انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ ، نا إسماعيل بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَعْنِي فِي حَدِيثِ قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ ( عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ ) : قَالَ الْمِزِّيُّ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الصَّلَاةِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ ، وَفِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمُ انْتَهَى . وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَفْلَحَ وَأَبِيهِ ) : لَعَلَّ هَذَا وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ ، أَوِ التَّقْدِيرُ : وَرَبِّ أَبِيهِ أَوْ كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا الْيَمِينُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ مَعْنَاهُ إِلَى بِآبَائِكُمْ ، زَادَ قَالَ عُمَرُ : فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَذَا ذَاكِرًا ، وَلَا آثِرًا ( نَحْوَ مَعْنَاهُ ) : أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ( بِهَذَا ) : أَيْ بِأَبِي ( ذَاكِرًا ) : أَيْ قَائِلًا لَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي ( وَلَا آثِرًا ) : بِلَفْظِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْأَثَرِ يَعْنِي وَلَا حَاكِيًا لَهَا عَنْ غَيْرِي نَاقِلًا عَنْهُ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : وَمِنْهُ حَدِيثٌ مَأْثُورٌ عَنْ فُلَانٍ أَيْ يُحَدِّثُ بِهِ عَنْهُ ، وَالْأَثَرُ : الرِّوَايَةُ وَنَقْلُ كَلَامِ الْغَيْرِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : آثِرًا أَيْ مُوثِرًا وَقِيلَ : يُرِيدُ مُخْبِرًا بِهِ مِنْ قَوْلِكَ : أَثَرْتُ الْحَدِيثَ أَثْرَةً إِذَا رَوَيْتَهُ ، يَقُولُ : مَا حَلَفْتُ ذَاكِرًا عَنْ نَفْسِي وَلَا مُخْبِرًا بِهِ عَنْ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ قَالَ : سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا يَحْلِفُ لَا وَالْكَعْبَةِ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ( فَقَالَ لَهُ ) : أَيْ لِلرَّجُلِ ( فَقَدْ أَشْرَكَ ) : قَالَ الْقَارِي : قِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ أَشْرَكَ بِهِ غَيْرَهُ فِي التَّعْظِيمِ الْبَلِيغِ فَكَأَنَّهُ مُشْرِكٌ إِشْرَاكًا جَلِيًّا فَيَكُونُ زَجْرًا بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ حَالِفًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ : وَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِه : أَشْرَكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ انْتَهَى . قَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلَاءِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا وُهَيْبٌ ، نا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فِي الشَّمْسِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ فقَالُوا : هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ ، وَلَا يَتَكَلَّمَ ، وَيَصُومَ قَالَ : مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ، وَلْيَسْتَظِلَّ ، وَلْيَقْعُدْ ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ( فَسَأَلَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ ( عَنْهُ ) عَنْ قِيَامِهِ فِي الشَّمْسِ أَوْ عَنِ اسْمِهِ ( هَذَا أَبُو إِسْرَائِيلَ ) أَيْ هُوَ مُلَقَّبٌ بِذَلِكَ ، وَأَبُو إِسْرَائِيلَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ . قَالَ الْقَاضِي : الظَّاهِرُ مِنَ اللَّفْظِ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ هُوَ اسْمُهُ وَلِذَا أُجِيبَ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَأَنَّ مَا بَعْدَهُ زِيَادَةٌ فِي الْجَوَابِ ( وَلَا يَتَكَلَّمُ ) مُطْلَقًا ( وَلْيُتِمَّ ) بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فِي الْجَمِيعِ ( صَوْمَهُ ) أَيْ لِيُكْمِلْ صَوْمَهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ كَالْمَشْيِ حَافِيًا وَالْجُلُوسِ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ بِهِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا إِسْرَائِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي قِصَّةِ أَبِي إِسْرَائِيلَ : هَذَا أَعْظَمُ حُجَّةٍ لِلْجُمْهُورِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةٍ أَوْ مَا لَا طَاقَةَ فِيهِ . قَالَ مَالِكٌ : لَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ تَضَمَّنَ نَذْرُهُ نَوْعَيْنِ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ بِمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ طَاعَةٍ وَهُوَ الصَّوْمُ ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ مِنَ الْقِيَامِ فِي الشَّمْسِ وَتَرْكِ الْكَلَامِ وَتَرْكِ الِاسْتِظْلَالِ بِالظِّلِّ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَشَاقُّ تُتْعِبُ الْبَدَنَ وَتُؤْذِيهِ ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ وُضِعَ عَنِ هذه الْأُمَّةِ الْأَغْلَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَتَنْقَلِبُ النَّذْرُ فِيهِ مَعْصِيَةً ، فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ أَخَوَاتِهِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الْمُبَاحِ أَوْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِطَاعَةٍ ، وَكَذَلِكَ الْجُلُوسُ فِي الشَّمْسِ ، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ مِمَّا لَا طَاعَةَ فِيهِ وَلَا قُرْبَةَ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ كَالْجَفَاءِ ، وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى إِبْطَالِ مَا أَحْدَثَتْهُ الْجَهَلَةُ الْمُتَصَوِّفَةُ مِنَ الْأَشْغَالِ الشَّدِيدَةِ الْمُحْدَثَةِ وَالْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ الْمُنْكَرَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا طَرِيقَةُ تَزْكِيَةِ أَنْفَاسِهِمْ ، وَهَذَا جَهْلٌ مِنْهُمْ عَنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا إِلَّا بَيَّنَهُ . فَمِنْ أَيْنَ وَجَدُوهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذُوهَا؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِىُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَيْلِيِّ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ باب النَّذْرِ فِي الْمَعْصِيَةِ ( أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ ) كَلِمَةُ أَنْ مَصْدَرِيَّةٌ ، وَالْإِطَاعَةٌ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي وَاجِبٍ أَوْ مُسْتَحَبٍّ ( فَلْيُطِعْهُ ) مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ ( فَلَا يَعْصِهِ ) مَجْزُومٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ النَّذْرَ فِي الْمَعْصِيَةِ غَيْرُ لَازِمٍ وَأَنَّ صَاحِبَهُ مَنْهِيٌّ عَنِ الْوَفَاءِ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجِبْ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، وَلَوْ كان فِيهِ كَفَّارَةٌ لَأَشْبَهَ أَنْ يُجْري ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ وَأَنْ يُوجَدَ بَيَانُهَا مَقْرُونًا بِهِ ، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : إِذَا نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . قَالَ : وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ الحالف يستثني بَعْدَما يتكلم حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ يعني : ابْنُ سَعِيدٍ ، قال : نا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَسْنَدَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ : عَنْ شَرِيكٍ : ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ . بَابُ الْحَالِفِ يَسْتَثْنِي بَعْدَمَا يَتَكَلَّمُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْيَمِينِ بَعْدَ السُّكُوتِ . انْتَهَى . وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي الِاصْطِلَاحِ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا . وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى التَّعَالِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ ، وَبَيْنَ هَذَا الْبَابِ أَنَّ الْبَابَ الْأَوَّلَ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ مُطْلَقًا ، وَهَذَا فِي بَيَانِ اسْتِثْنَاءِ الْيَمِينِ بَعْدَ السُّكُوتِ مِنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَوْ بَعْدَ الْفَصْلِ بِكَلَامٍ آخَرَ . وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ بَابُ الْحَالِفُ يَسْكُتُ بَيْنَ يَمِينِهِ وَاسْتِثْنَائِهِ بِسَكْتَةٍ يَسِيرَةٍ ، وَانْقِطَاعِ صَوْتٍ أَوْ أَخْذِ نَفَسٍ ، وَذَكَرَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ ، أَيْ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، ثُمَّ ذَكَرَ أَثَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ ، وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ . انْتَهَى . ( ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) : وَهَذَا مِنْ أَحَادِيثِهِ الْفِعْلِيَّةِ ، وَأَمَّا مِنْ أَحَادِيثِهِ الْقَوْلِيَّةِ فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ . وَعِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَانِعٌ مِنَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ ، أَوْ يَحُلُّ انْعِقَادَهَا . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَادَّعَى عَلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْإِجْمَاعَ ، قَالَ : أَجْمَعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُتَّصِلًا ، قَالَ : وَلَوْ جَازَ مُنْفَصِلًا كَمَا رَوَى بَعْضُ السَّلَفِ لَمْ يَحْنَثْ أَحَدٌ قَطُّ فِي يَمِينٍ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى كَفَّارَةٍ . قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الِاتِّصَالِ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ : هُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ سُكُوتٍ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَضُرُّ سَكْتَةُ النَّفَسِ . وَقَالَ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ : إِنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : مَا لَمْ يَقُمْ أَوْ يَتَكَلَّمْ . وَقَالَ عَطَاءٌ : قَدْرَ حَلْبَةِ نَاقَةٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : يَصِحُّ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ أَبَدًا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَلِفِ بِاللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْعَتَاقِ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَشِيئَةِ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ ، وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَبَعْضُهُمْ فَصَّلَ ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ الْعَتَاقَ ، قَالَ : لِحَدِيثِ إِذَا قَالَ : أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ تَطْلُقْ ، وَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ حُرٌّ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ حُمَيْدُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ . وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ، وَالشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ آخِذًا مِنْهُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، ( قَدْ أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرُ وَاحِدٍ ) : قَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ : رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُسْنَدًا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ : هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ شَرِيكٌ وَمِسْعَرٌ ، فَأَسْنَدَاهُ مَرَّةً وَأَرْسَلَاهُ أُخْرَى . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ صَفْوَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ أَبِي يَعْلَى سَوَاءً . وَذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ عَدِيٍّ ، ثُمَّ قَالَ : وَعَبْدُ الْوَاحِدِ هَذَا لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ ، وَالصَّحِيحُ مُرْسَلٌ . انْتَهَى . وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ : الْأَشْبَهُ إِرْسَالُهُ . انْتَهَى . وَيَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ غَيْرُ مَوْصُولٍ فَصَاحِبُهُ حَانِثٌ . وَفِيهِ عُمَرُ بْنُ مُدْرِكٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَفِي الْمَعْرِفَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ ، وَرَوَى سَالِمٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : كُلُّ اسْتِثْنَاءٍ مَوْصُولٍ فَلَا حِنْثَ عَلَى صَاحِبِهِ ، وَكُلُّ اسْتِثْنَاءٍ غَيْرُ مَوْصُولٍ فَصَاحِبُهُ حَانِثٌ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ، عَنْ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ قَالَ : إِذَا شِئْتَ الِاسْتِثْنَاءَ فَاسْتَثْنِ إِذَا ذَكَرْتَ ، وَهِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَسْتَثْنِيَ إِلَّا بِصِلَةِ الْيَمِينِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي أَنْمَارٍ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا ، فَقَالَ : مَا لَهُ ضَرَبَ اللَّهُ عُنُقَهُ ، قَالَ : فَسَمِعَهُ الرَّجُلُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، قَالَ : فَقُتِلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . قَالَ الزَّيْلَعِيُّ : وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يُسَمَّ فِي الْحَدِيثِ ، فَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعْدَ قَوْلِ الرَّجُلِ إِيَّاهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِانْفِصَالَ غَيْرُ قَاطِعٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ : وَقِصَّةُ الْعَبَّاسِ فِي قَوْلِهِ : إِلَّا الْإِذْخِرَ مِنْ هَذَا الْوَادِي . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قال : أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ، ثُمَّ سَكَتَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ شَرِيكٍ : ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ . ( ثُمَّ سَكَتَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْ هَذَا السُّكُوتَ بِالْعُذْرِ ، بَلْ ظَاهِرُهُ السُّكُوتُ اخْتِيَارًا لَا اضْطِرَارًا ، فَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ . كَذَا فِي النَّيْلِ وَتَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ ، ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَالَ السِّنْدِيُّ : ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . بَعْدَ سُكُوتٍ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلِمَةِ : ثُمَّ أَيْضًا ؛ لِكَوْنِهَا لِلتَّرَاخِي ، وَبِهَذَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ ، وَجُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ . وَحُمِلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ سُكُوتَهُ كَانَ لِمَانِعٍ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَسْكُتُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ انْتَهَى . قُلْتُ : وَزِيَادَةُ الْبَحْثِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْمُطَوَّلَاتِ ، لَا أُطِيلُ الْكَلَامَ بِذِكْرِهِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، ( ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَلَمْ يَفْعَلْهُ لَا يَحْنَثْ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَفَ عَلَى غَزْوَةِ قُرَيْشٍ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَمْ يَغْزُهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ : في الحلف كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادٌ ، أنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّالِبَ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ ، فَاسْتَحْلَفَ الْمَطْلُوبَ فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلَى قَدْ فَعَلْتَ ، وَلَكِنْ قَدْ غُفِرَ لَكَ بِإِخْلَاصِ قَوْلِ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : يُرَادُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْكَفَّارَةِ . بَاب في الْحَلِفِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا ( الطَّالِبُ ) أَيِ : الْمُدَّعِي ( فَلَمْ تَكُنْ لَهُ ) أَيْ : لِلطَّالِبِ ( فَاسْتَحْلَفَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْمَطْلُوبَ ) أَيِ : الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ( فَحَلَفَ ) أَيِ : الْمَطْلُوبُ ( بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) أَيْ : كَاذِبًا بِأَنْ لَيْسَ لِلطَّالِبِ عِنْدِي حَقٌّ ( بَلَى قَدْ فَعَلْتُ ) أَيْ : حَلَفْتُ كَاذِبًا أَوْ فَعَلْتُ مَا حَلَفْتُ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهِ . قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالدَّعْوَى وَبُطْلَانِ الْيَمِينِ بِوَحْيٍ أَوْ إِلْهَامٍ ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحْيَانًا يَقْضِي بِالْوَحْيِ وَنَحْوِهِ أَيْضًا ( وَلَكِنْ قَدْ غُفِرَ لَكَ ) أَيْ : إِثْمُ الْحَلِفِ الْكَاذِبِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ تُغْفَرُ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( بِإِخْلَاصِ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله ) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ : فَعَلْتَ كَذَا ؟ قَالَ : لَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا فَعَلْتُ . قَالَ : فَقَالَ لَهُ جِبْرِئيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : قَدْ فَعَلَ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لَهُ بِقَوْلِهِ لَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اخْتَصَمَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ ، فَوَقَعْتِ الْيَمِينُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ . قَالَ : فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّهُ كَاذِبٌ ، إِنَّ لَهُ عِنْدَهُ حَقَّهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ ، وَكَفَّارَةُ يَمِينِهِ مَعْرِفَتُهُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَوْ شَهَادَتُهُ ( أَنَّهُ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَمْ يَأْمُرْهُ ) أَيِ الْحَالِفَ الْكَاذِبَ ( بِالْكَفَّارَةِ ) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَبَهْتُ مُؤْمِنٍ ، وَالْفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْفِ ، وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ . وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عمرو قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَفِيهِ قُلْتُ : وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ ؟ قَالَ الَّذِي يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ ، أَيْ : لَا يَمْحُو الْإِثْمَ الْحَاصِلَ بِسَبَبِهِنَّ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَاتِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا التَّوْبَةَ مِنْهَا ، وَلَا تَوْبَةَ فِي مِثْلِ الْقَتْلِ إِلَّا بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِلْقَوَدِ ، فَإِنْ قُلْتَ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَكَفَّارَةُ يَمِينِهِ معرفته أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَهَذَا يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبي هُرَيْرَةَ : خَمْسٌ لَيْسَ لَهُنَّ كَفَّارَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ نَفَى الْكَفَّارَةَ عَنِ الْخَمْسِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ فِي اقْتِطَاعِ حَقٍّ ، وَهَذَا أَثْبَتَ لَهُ كَفَّارَةً وَهِيَ التَّكَلُّمُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَمَعْرِفَتِهِ لَهَا . قُلْتُ : يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّفْيَ عَامٌّ وَالْإِثْبَاتُ خَاصٌّ . ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَأَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ حَدِيثًا مَقْرُونًا بِأَبي بِشْرٍ .
بَابٌ : فِي مَنْ حَلَفَ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ الْمَعْنَى قَالَا : نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قال : نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَقَالَ الْأَشْعَثُ : فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَرْضٌ ، فَجَحَدَنِي ، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قُلْتُ : لَا قَالَ لِلْيَهُودِيِّ : احْلِفْ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَبُ بِمَالِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . باب في من حلف ليقتطع بها مالا ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) : هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ ( عَلَى يَمِينٍ ) : وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَهِيَ الَّتِي يُلْزَمُ وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا حَالِفُهَا ، وَيُقَالُ : هِيَ أَنْ يَحْبِسَ السُّلْطَانُ رَجُلًا عَلَى يَمِينٍ حَتَّى يَحْلِفَ بِهَا ، يُقَالُ : صَبَرْتُ يَمِينِي أَيْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ ، وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَمَعْنَاهُ مَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَاهُ وَأَنْ يُوقَفَ حَتَّى يَحْلِفَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ انْتَهَى ( هُوَ ) : أَيِ الْحَالِفُ ( فِيهَا ) : أَيْ فِي الْيَمِينِ ( فَاجِرٌ ) : أَيْ كَاذِبٌ ، وَقُيِّدَ بِهِ لِيَخْرُجَ الْجَاهِلُ وَالنَّاسِي وَالْمُكْرَهُ ( لِيَقْتَطِعَ ) : بِزِيَادَةِ لَامِ التَّعْلِيلِ وَيَقْتَطِعُ يَفْتَعِلُ مِنْ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ يَقْطَعُهُ عَنْ صَاحِبِهِ أَوْ يَأْخُذُ قِطْعَةً من مَالِهِ بِالْحَلِفِ الْمَذْكُورِ ( بِهَا ) : بِسَبَبِ الْيَمِينِ ( امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) : أَوْ ذِمِّيٍّ وَنَحْوِهِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( لَقِيَ اللَّهَ ) : جَوَابُ مَنْ ( وهُوَ ) : أَيِ اللَّهُ تَعَالَى الْوَاوُ لِلْحَالِ ( عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْحَالِفِ ( غَضْبَانٌ ) : فَيُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ فَيُعَذِّبُهُ ، وَغَضْبَانُ لَا يَنْصَرِفُ لِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : أَيْ يَنْتَقِمُ مِنْهُ ( فِي ) : بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( كَانَ ذَلِكَ ) : أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ ( أَرْضٌ ) : أَيْ مُتَنَازَعٌ فِيهَا ( فَجَحَدَنِي ) : أَيْ أَنْكَرَ عَلَيَّ ( فَقَدَّمْتُهُ ) : بِالتَّشْدِيدِ أَيْ جِئْتُ بِالرَّجُلِ وَرَفَعْتُ أَمْرَهُ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذًا يَحْلِفُ ) : قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَالْفِعْلُ هُنَا فِي الْحَدِيثِ إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْحَالُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبَالُ فَهُوَ مَنْصُوبٌ وَكِلَاهُمَا فِي الْفَرْعِ كَأَصْلِهِ وَالرَّفْعُ رِوَايَةٌ انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : إِذًا يَحْلِفُ جَوَابٌ وَجَزَاءٌ فَيُنْصَبُ يَحْلِفُ ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ) : تَصْدِيقَ ذَلِكَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ) : أَيْ يَسْتَبْدِلُونَ ( بِعَهْدِ اللَّهِ ) : أَيْ بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَتَرْكِ الْخِيَانَةِ ( وَأَيْمَانِهِمْ ) : أَيِ الْكَاذِبَةِ ( ثَمَنًا قَلِيلًا ) : شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ حُطَامِ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّ مَتَاعَهَا كُلَّهَا قَلِيلٌ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَبِهَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْغَمُوسَ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الْمَقْصُودِ بِهَا الْحِنْثُ وَالْعِصْيَانُ وَالْعُقُوبَةُ وَالْإِثْمُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا كَفَّارَةً وَلَوْ كَانَتْ لَذُكِرَتْ كَمَا ذُكِرَتْ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ ، فَقَالَ : فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا نَعْلَمُ سُنَّةً تَدُلُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ فِيهَا الْكَفَّارَةَ بَلْ هِيَ دَالَّةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا . قُلْتُ : هَذَا كُلُّهُ حجة عَلَى الشَّافِعِيَّةِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ هِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ الْفَاجِرَةُ كَالَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا الْحَالِفُ مَالَ غَيْرِهِ ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ وَفَعُولٌ لِلْمُبَالَغَةِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْفَتْحِ : وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شَاهِينَ بِسَنَدِهِ إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ يَمِينُ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَظَاهِرُ سَنَدِهِ الصِّحَّةُ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ لِأَنَّ فِيهِ عَنْعَنَةُ بَقِيَّةَ فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَقَالَ فِي هَذَا السَّنَدِ عَنِ الْمُتَوَكِّلِ ، أَوْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّاجِي الثِّقَةَ بَلْ آخَرٌ مَجْهُولٌ . وَأَيْضًا فَالْمَتْنُ مُخْتَصَرٌ وَلَفْظُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ الْحَدِيثُ وَفِيهِ : وَخَمْسٌ لَيْسَ لَهَا كَفَّارَةٌ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَذَكَرَ فِي آخِرِهَا وَيَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثُمَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ . وَرَوَى آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ فِي مُسْنَدِ شُعْبَةَ ، وَإِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كُنَّا نَعُدُّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ قَالَ : وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّرَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِالْكَفَّارَةِ ، وَمِنْ حُجَّتِهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَيْمَانِ فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ فَأَمَرَ مَنْ تَعَمَّدَ الْحِنْثَ أَنْ يُكَفِّرَ . فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَشْرُوعِيَّةُ الْكَفَّارَةِ لِمَنْ حَلَفَ حَانِثًا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ ، مِنْهَا : التَّشْدِيدُ عَلَى مَنْ حَلَفَ بَاطِلًا لِيَأْخُذَ حَقَّ مُسْلِمٍ ، وَمِنْهَا : الْبُدَاءَةُ بِالسَّمَاعِ مِنَ الطَّالِبِ ، ثُمَّ مِنَ الْمَطْلُوبِ هَلْ يُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ ، ثُمَّ طَلَبُ الْبَيِّنَةِ مِنَ الطَّالِبِ إِنْ أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ ، ثُمَّ تَوْجِيهُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَطْلُوبِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الطَّالِبُ الْبَيِّنَةَ ، وَأَنَّ الطَّالِبَ إِذَا ادَّعَى أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ فَاعْتَرَفَ اسْتَغْنَى عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّ يَدَ الْمَطْلُوبِ عَلَيْهِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : نا الْفِرْيَابِيُّ ، قال : نا الْحَارِثُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قال : حَدَّثَنِي كُرْدُوسٌ ، عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْضٍ مِنْ الْيَمَنِ ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا وَهِيَ فِي يَدِهِ قَالَ : هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ وَاللَّهِ ما يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ ، فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَقْتَطِعُ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينٍ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ فَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضُهُ ( أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ ) : بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنْ الْيَمَنِ ( مِنْ حَضْرَمَوْتَ ) : بِسُكُونِ الضَّادِ وَالْوَاوِ بَيْنَ فَتَحَاتٍ وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ ( فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ ) : أَيِ الرَّجُلُ الْمَنْسُوبُ إِلَى حَضْرَمَوْتَ ( اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا ) : قَالَ الْقَارِي : وَفِي نُسْخَةٍ مِنَ الْمِشْكَاةِ اغْتَصَبَهَا أَبُوهُ ( وَهِيَ ) : أَيْ أَرْضِي ( فِي يَدِهِ ) : أَيْ تَحْتَ تَصَرُّفِهِ الْآنَ ( قَالَ ) : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ لَا ) : أَيِ الْحَضْرَمِيُّ ( وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ( وَاللَّهُ مَا يَعْلَمُ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : هُوَ اللَّفْظُ الْمَحْلُوفُ بِهِ أَيْ أُحَلِّفُهُ بِهَذَا ، وَالْوَجْهُ أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ الْقَسَمِيَّةُ مَنْصُوبَةُ الْمَحَلِّ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ أُحَلِّفُهُ هَذَا الْحَلِفَ قَالَهُ الْقَارِي ( أَنَّهَا أَرْضِي ) : بِفَتْحِ أَنَّهَا ( فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ ) : أَيْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ ( أَحَدٌ مَالًا ) : أَيْ عن أَحَدٍ ( بِيَمِينٍ ) أَيْ بِسَبَبِ يَمِينٍ فَاجِرَةٍ ( وَهُوَ أَجْذَمُ ) : أَيْ مَقْطُوعُ الْيَدِ أَوِ الْبَرَكَةِ أَوِ الْحَرَكَةِ أَوِ الْحُجَّةِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ . أَيْ أَجْذَمُ الْحُجَّةِ لَا لِسَانَ لَهُ يَتَكَلَّمُ وَلَا حُجَّةَ فِي يَدِهِ ، يَعْنِي لِيَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي أَخْذِ مَالِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا وَفِي حَلِفِهِ كَاذِبًا قَالَهُ الْقَارِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهَذَا قَدْ ذُكِرَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمِ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي فَقَالَ الْكِنْدِيُّ : هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَضْرَمِيِّ : أَلَكَ بَيِّنَةٌ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَلَكَ يَمِينُهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَاكَ فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ لَهُ ، فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالٍ لِيَأْكُلَهُ ظَالِمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ ( عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لِأَبِي ) : أَيْ بِالْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي ( هِيَ أَرْضِي ) : أَيْ مِلْكٌ لِي ( فِي يَدِي ) أَيْ تَحْتَ تَصَرُّفِي . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْيَدَ تَثْبُتُ عَلَى الْأَرْضِ بِالزِّرَاعَةِ وَعَلَى الدَّارِ بِالسُّكْنَى وَبِعَقْدِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ وَالتَّدْبِيرِ ( لَيْسَ لَهُ ) : أَيْ لِلْحَضْرَمِيِّ ( حَقٌّ ) : أَيْ مِنَ الْحُقُوقِ ( قَالَ ) : أَيْ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ ( قَالَ لَا ) : أَيِ الْحَضْرَمِيُّ ( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَلَكَ ) : يَا حَضْرَمِيُّ ( يَمِينُهُ ) : أَيِ الْكِنْدِيُّ قَالَ الْحَضْرَمِيُّ إِنَّهُ أَيِ الْكِنْدِيُّ ( فَاجِرٌ ) : أَيْ كَاذِبٌ ( لَا يُبَالِي ) : صفة كاشفة لفاجر ( ليس يتورع ) أصل الورع الكف عن الحرام والمضارع بمعنى النكرة في سياق النفي فيعم ، ويكون التقدير : ليس له ورع عن شيء قاله في النيل ( ليس لك منه ) أي من الكندي ( إلا ذاك ) أي ما ذكر من اليمين ( فانطلق ) أي فذهب الكندي ( ليحلف ) أي على قصد أن يحلف ( له ) أي للحضرمي ( فلما أدبر ) أي حين ولى الكندي على هذا القصد قال الخطابي : فيه دليل على أن اليمين إنما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر ولولا ذلك لم يكن لانطلاقه عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وإدباره عنه معنى ، ويشهد لذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف عند منبري ولو على سواك أخضر تبوأ مقعده من النار ( وهو ) أي الله تعالى ( عنه ) أي عن الحالف الفاجر ( معرض ) هو مجاز عن الاستهانة به والسخط عليه والإبعاد عن رحمته . وفيه أنواع من الفوائد منها : أن صاحب اليد أولى من أجنبي يدعى عليه ، ومنها : أن المدعى عليه تلزمه اليمين إذا لم يقر ، ومنها : أن البينة تقدم على اليد ويقضى لصاحبها بغير يمين ومنها : أن يمين الفاجر المدعى عليه تقبل كيمين العدل وتسقط عنه المطالبة بها . ومنها : أن أحد الخصمين إذا قال لصاحبه : إنه ظالم أو فاجر أو نحوه في حال المخاصمة يحتمل ذلك منه ، ومنها : أن الوارث إذا ادعى شيئا لورثه وعلم الحاكم أن مورثه مات ولا وارث له سواه جاز الحكم له به ولم يكلفه حال الدعوى ببينة على ذلك ، وموضع الدلالة : أنه قال : غلبني على أرض لي كانت لأبي فقد أقر بأنها كانت لأبيه فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأنه ورثها وحده لطالبه ببينة على كونه وارثا ، وببينة أخرى على كونه محقا في دعواه على خصمه . قَالَهُ الْقَارِي وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ مِنْ كَلَامِ تَشَاجُرٍ وَتَنَازُعٍ وَإِنْ خَرَجَ بِهِمُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْسُبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ قِبَلَهُ إِلَى خِيَانَةٍ وَفُجُورٍ وَاسْتِحْلَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ لَا حُكُومَةَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّالِحَ الْمَظْنُونَ بِهِ الصِّدْقُ وَالصَّالِحُ الْمَوْهُومُ بِهِ الْكَذِبُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ سُوًى ، وَأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُمَا وَلَا عَلَيْهِمَا إِلَّا بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ أَوِ الْيَمِينِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ .
بَابُ كَمْ الصَّاعُ فِي الْكَفَّارَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : قَرَأْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبٍ بِنْتِ ذُؤَيْبِ بْنِ قَيْسٍ الْمُزَنِيَّةِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِنْ أَسْلَمَ ، ثُمَّ كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَخٍ لِصَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ حَرْمَلَةَ : فَوَهَبَتْ لَنَا أُمُّ حَبِيبٍ صَاعًا . حَدَّثَتْنَا عَنْ ابْنِ أَخِي صَفِيَّةَ ، عَنْ صَفِيَّةَ أَنَّهُ صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَسٌ : فَجَرَّبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ مُدَّيْنِ وَنِصْفًا بِمُدِّ هِشَامٍ بَابٌ كَمِ الصَّاعُ فِي الْكَفَّارَةِ أَيْ : كَمْ يَكُونُ مِقْدَارُ الصَّاعِ وَأَيُّ صَاعٍ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَةِ . ( ثُمَّ كَانَتْ ) أَيْ : أُمُّ حَبِيبٍ ( حَدَّثَتْنَا ) أَيْ : أُمُّ حَبِيبٍ ( عَنِ ابْنِ أَخِي صَفِيَّةَ ) قَالَ الْحَافِظُ : لَا يُعْرَفُ ( أَنَّهُ ) أَيِ : الصَّاعُ الْمَوْهُوبُ ( قَالَ أَنَسٌ ) أَيِ : ابْنُ عِيَاضٍ ( فَجَرَّبْتُهُ ) أَيِ : اخْتَبَرْتُ الصَّاعَ الْمَوْهُوبَ ( بِمُدِّ هِشَامِ ) بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ عِنْدَهُ أَيْضًا صَاعٌ مِثْلُهُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَتَقَدَّمَ بَحْثُ الصَّاعِ وَالرَّطْلِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي بَابِ مِقْدَارِ الْمَاءِ الَّذِي يُجْزِئُ بِهِ الْغُسْلُ ، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ أَبُو عُمَرَ قَالَ : كَانَ عِنْدَنَا مَكُّوكٌ يُقَالُ لَهُ : مَكُّوكُ خَالِدٍ ، وَكَانَ كَيْلَجَتَيْنِ بِكَيْلَجَةِ هَارُونَ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : صَاعُ خَالِدٍ صَاعُ هِشَامٍ يَعْنِي : ابْنَ مالِكِ ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ أَبُو عُمَرَ ) هُوَ الْبَاهِلِيُّ ( قَالَ : كَانَ عِنْدَنَا ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَيْسَتْ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ وَلَا فِي عَامَّةِ نُسَخِ السُّنَنِ ، وَإِنَّمَا وَجَدْنَاهَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ ، وَذَكَرَهَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيِّ ، لَكِنْ لَمْ يَنْسُبْهَا لِأَحَدٍ مِنَ الرُّوَاةِ ( مَكُّوكٌ ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْمَكُّوكُ الْمُدُّ وَقِيلَ : الصَّاعُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مُفَسَّرًا بِالْمُدِّ ، وَالْمَكُّوكُ اسْمٌ لِلْمِكْيَالِ وَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُهُ بِاخْتِلَافِ اصْطِلَاحِ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الْبِلَادِ ( وَكَانَ ) أَيْ : مَكُّوكُ خَالِدٍ ( كَيْلَجَتَيْنِ ) قَالَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ : الْكَيْلَجَةُ مِكْيَالٌ وَالْجَمْعُ كَيَالِجُ وَكَيَالِجَةٌ أَيْضًا وَالْهَاءُ لِلْعُجْمَةِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ أَبُو عُمَرَ ، ثنا مُسَدَّدٌ ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، قَالَ : لَمَّا وُلِّيَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ أَضْعَفَ الصَّاعَ ، فَصَارَ الصَّاعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ قَتَلَهُ الزِّنْجُ صَبْرًا ، فَقَالَ : بِيَدِهِ هَكَذَا ، وَمَدَّ أَبُو دَاوُدَ يَدَهُ ، وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ . قَالَ : وَرَأَيْتُهُ فِي النَّوْمِ ، فَقُلْتُ : مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ قَالَ : أَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ : قُلْتُ : فَلَمْ يَضُرَّكَ الْوَقْفُ . ( عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ ) وَالْحَدِيثُ لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَذَكَرَهُ الْمِزِّيُّ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ ، وَقَالَ هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ وَغَيْرِهِ ( لَمَّا وَلِيَ خَالِدُ ) بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ أَمِيرُ الْحِجَازِ ثُمَّ الْكُوفَةَ ( الْقَسْرِيُّ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( أَضْعَفَ الصَّاعَ فَصَارَ الصَّاعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ) وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ فَقَطْ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نَقْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ . وَلِمَالِكٍ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فِيهِ قِصَّةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَالْقِصَّةُ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . انْتَهَى . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عُمْدَةِ الْقَارِيِ : لَمَّا اجْتَمَعَ أَبُو يُوسُفَ مَعَ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ فَوَقَعَتْ بَيْنَهُمَا الْمُنَاظَرَةُ فِي قَدْرِ الصَّاعِ فَزَعَمَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَقَامَ مَالِكٌ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَأَخْرَجَ صَاعًا وَقَالَ : هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ : فَوَجَدْتُهُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا ، فَرَجَعَ أَبُو يُوسُفَ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَخَالَفَ صَاحِبَيْهِ . انْتَهَى . ( قَتَلَهُ الزِّنْجُ ) الزِّنْجُ طَائِفَةٌ مِنَ السُّودَانِ تَسْكُنُ تَحْتَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَجَنُوبَيْهِ وَلَيْسَ وَرَاءَهُمْ عِمَارَةٌ . قَالَ بَعْضُهُمْ : وَتَمْتَدُّ بِلَادُهُمْ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى قُرْبِ الْحَبَشَةِ وَبَعْضُ بِلَادِهِمْ عَلَى نِيلِ مِصْرَ ، الْوَاحِدُ زِنْجِيٌّ ، مِثْلُ رُومٍ وَرُومِيٍّ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الزَّاءِ وَالْفَتْحِ لُغَةٌ ، كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ ( صَبْرًا ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ : كُلُّ مَنْ قُتِلَ فِي غَيْرِ مَعْرَكَةٍ وَلَا حَرْبٍ وَلَا خَطَأٍ فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ صَبْرًا ( فَقَالَ بِيَدِهِ ) أَيْ : أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ بِيَدِهِ ( قَالَ ) أَبُو دَاوُدَ ( وَرَأَيْتُهُ ) أَيْ : مُحَمَّدَ بن محمد بْنَ خَلَّادٍ ( فَقَالَ ) أَيْ : مُحَمَّدٌ ( فَلَمْ يَضُرُّكَ الْوَقْفُ ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَيْ : فَلَمْ يَضُرُّكَ الْوَقْفُ بَيْنَ يَدَيِ الزِّنْجِ صَبْرًا ، وَلَمْ تَنْقُصْ دَرَجَتُكَ عَنْ هَذَا الْعَمَلِ بَلْ إِنَّمَا ازْدَادَ رِفْعَتُكَ وَمَنْزِلَتُكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ( عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ) وَالْحَدِيثُ تَقَدَّمَ فِي الصَّوْمِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْأَطْرَافِ لِلْمِزِّيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا يَحْيَى قَالَ : سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ الْمَعْنَى عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : إِنَّهُ كَانَ عَلَى أُمِّهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ قَالَ : فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ( فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّوْمُ عَنْ فَرْضٍ أَوْ عَنْ نَذْرٍ . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ مُسَدَّدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، انْتَهَى . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ ، فَأَصُومُ عَنْهَا ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ ، أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا ؟ قَالَتْ : نَعَمْ . قَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ
بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْظِيمِ الْيَمِينِ عِنْدَ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ نُمَيْرٍ ، قال : نا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ ، قال : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نِسْطَاسٍ مِنْ آلِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ 4081 باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم ( عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ ) : أَيْ كَاذِبَةٍ ، سُمِّيَتْ بِهَا كَتَسْمِيَتِهَا فَاجِرَةً اتِّسَاعًا حَيْثُ وُصِفَتْ بِوَصْفِ صَاحِبِهَا أَيْ ذَاتِ إِثْمٍ ( وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ ) : إِنَّمَا خَصَّ الرَّطْبَ لِأَنَّهُ كَثِيرُ الْوُجُودِ لَا يُبَاعُ بِالثَّمَنِ ، وَهُوَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا فِي مَوَاطِنِ نَبَاتِهِ بِخِلَافِ الْيَابِسِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَيُبَاعُ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ( أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي أَوْ لِلتَّنْوِيعِ بِأَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ وَعِيدًا لِلْفَاجِرِ وَالثَّانِي لِلْكَافِرِ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ إِثْمِ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَاذِبًا . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْحَالِفِ بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ كَالْحَرَمِ وَالْمَسْجِدِ وَمِنْبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَبِالزَّمَانِ كَبَعْدِ الْعَصْرِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ فِي الْفَتْحِ ، وَذَهَبَتِ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّغْلِيظِ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ دَلَّتْ تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الصَّحِيحِ : بَابُ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ انْتَهَى . وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ لِلْحَاكِمِ . وَقَدْ وَرَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ طَلَبُ التَّغْلِيظِ عَلَى خُصُومِهِمْ فِي الْأَيْمَانِ بِالْحَلِفِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ وَعَلَى مِنْبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَرَدَ عَنْ بَعْضِهِمُ الِامْتِنَاعُ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ ، وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ التَّحْلِيفُ عَلَى المصُّحُفِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : إِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ التَّغْلِيظِ عَلَى الذِّمِّيِّ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : فَغَايَةُ مَا يَجُوزُ التَّغْلِيظُ بِهِ هُوَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَمَا يُشْابِهُهُ مِنَ التَّغْلِيظِ بِاللَّفْظِ ، وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِثْلُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ فِي الْكَنَائِسِ أَوْ نَحْوِهَا فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، قال : نا حَمَّادٌ ، قال : أنا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ : صَلِّ هَاهُنَا ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : صَلِّ هَاهُنَا ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ : شَأْنُكَ إِذًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ، قال : نا أَبُو عَاصِمٍ . ( ح ) وََثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ الْمَعْنَى قال : نا رَوْحٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قال : أَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَمْرًا وَقَالَ عَبَّاسٌ : ابْنُ حَنَّةَ أَخْبَرَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْخَبَرِ . زَادَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هَاهُنَا ، لَأَجْزَأَ عَنْكَ صَلَاةً فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عُمَرو: قَالَ عَمْرُو بْنُ حَيَّةَ : وَقَالَ : أَخْبَرَاهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَعْنْ رِجَالٌ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَاب مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ( صَلِّ هَاهُنَا ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ بِصَلَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فِي مَكَانٍ لَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنْ مَكَانِ النَّاذِرِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِإِيقَاعِ الْمَنْذُورِ بِهِ فِي ذَلِكَ المكان بَلْ يَكُونُ الْوَفَاءُ بِالْفِعْلِ فِي مَكَانِ النَّاذِرِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ كَرَدْمِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَذْرٍ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُ : أَلِوَثَنٍ أَوْ لِنُصُبٍ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ لِلَّهِ ، فَقَالَ : أَوْفِ لِلَّهِ مَا جَعَلْتَ لَهُ ، انْحَرْ عَلَى بُوَانَةَ وَأَوْفِ بِنَذْرِكَ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ ، وَسَيَجِيءُ بَعْدَ الْبَابِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَكَانُ النَّذْرِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً . وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَكَانَ لَا يَتَعَيَّنُ حَتْمًا ، بَلْ يَجُوزُ فِعْلُ الْمَنْذُورِ بِهِ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَا هُنَا بَيَانًا لِلْجَوَازِ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْه يَتَعَيَّنَ مَكَانُ النَّذْرِ إِذَا كَانَ مُسَاوِيًا لِلْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ النَّاذِرِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ ، لَا إِذَا كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي فِيهِ النَّاذِرُ فَوْقَهُ فِي الْفَضِيلَةِ . وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْجَمْعَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً شَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ : إِنْ شَفَانِيَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَبَرَأَتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ : اجْلِسِي وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ ، فَفِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ تَعْلِيلِ مَا أَفْتَتْ بِهِ بِبَيَانِ أَفْضَلِيَّةِ الْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ النَّاذِرَةُ فِي الشَّيْءِ الْمَنْذُورِ بِهِ وَهُوَ الصَّلَاةُ ( شَأْنَكَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ ، أَيِ : الْزَمْ شَأْنَكَ ، وَالْمَعْنَى : أَنْتَ تَعْلَمُ حَالَكَ ( إِذًا ) بِالتَّنْوِينِ : جَوَابٌ وَجَزَاءٌ ، أَيْ : إِذَا أَبَيْتَ أَنْ تُصَلِّيَ هَاهُنَا فَافْعَلْ مَا نَذَرْتَ بِهِ مِنْ صَلَاتِكَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذَرِيُّ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَالْحَاكِمُ وصححه ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْحَافِظُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ ) قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ : الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي النُّذُورِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ ، وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسَ الْعَنْبَرِيِّ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ حَفْصَ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَمْرُو بْنُ حَنَّةَ أَخْبَرَاهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . انْتَهَى . ( أَنَّهُ سَمِعَ ) أَيْ : أَنَّ يُوسُفَ سَمِعَ مِنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ وَمِنْ عَمْرِو بْنِ حَنَّةَ ( وَعُمَرَ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ، هَكَذَا مَضْبُوطٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ . وَأَمَّا فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَعَمْرُو بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ حَفْصٍ ( وَقَالَ عَبَّاسٌ ) الْعَنْبَرِيُّ شَيْخُ الْمُؤَلِّفِ فِي رِوَايَتِهِ ( ابْنَ حَنَّةَ ) أَيْ : عَمْرَو بْنَ حَنَّةَ ، وَأَمَّا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ شَيْخُهُ فَقَالَ : عَمْرٌو ، بِغَيْرِ ذِكْرِ اسْمِ أَبِيهِ حَنَّةَ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ : عُمَرُ بْنُ حَنَّةَ بِنُونٍ صَوَابُهُ عَمْرٌو . انْتَهَى . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : عَمْرُو بْنُ حَنَّةَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ وَيُقَالُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ وَيُقَالُ فِيهِ عُمَرٌ : مَقْبُولٌ ، انْتَهَى . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ الْمُشْتَبَهِ : حَيَّةٌ بِالتَّحْتَانِيَّةِ : جَمَاعَةٌ ، وَبِالنُّونِ : عَمْرُو بْنُ حَنَّةَ ، رَوَى حَدِيثَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ( أَخْبَرَاهُ ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ إِلَى حَفْصٍ وَعَمْرُو بْنُ حَنَّةَ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى يُوسُفَ ( بِهَذَا الْخَبَرِ ) أَيْ : بِخَبَرِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( زَادَ ) أَيْ : زَادَ الرَّاوِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، والحديث سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَلَهُ طُرُقٌ رِجَالُ بَعْضِهَا ثِقَاتٌ ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ جَهَالَةَ الصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ ( رَوَاهُ الْأَنْصَارِيُّ ) أَيْ : مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى ( فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ ) مَكَانَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ( وَقَالَ عَمْرُو بْنُ حَيَّةَ ) أَيْ : بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ مُسْنَدَاتِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ : فِي الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ الْحَجَّاجِ الصَّوَّافِ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ جَارِيَةٌ لِي صَكَكْتُهَا صَكَّةً ؟ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : أَفَلَا أُعْتِقُهَا ؟ قَالَ : ائْتِنِي بِهَا قَالَ : فَجِئْتُ بِهَا قَالَ : أَيْنَ اللَّهُ ؟ قَالَتْ : فِي السَّمَاءِ قَالَ : فمَنْ أَنَا ؟ قَالَتْ : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ . بَابٌ فِي الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ أَيْ هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ أَنْ تُعْتَقَ الرَّقَبَةُ الْمُؤْمِنَةُ فِي الْكَفَّارَةِ دُونَ غَيْرِهَا . ( قَالَ ) أَيْ : مُعَاوِيَةُ ( صَكَكْتُهَا ) أَيْ : لَطَمْتُ الْجَارِيَةَ ( صَكَّةً ) أَيْ : لَطْمَةً ( فَعَظَّمَ ذَلِكَ ) أَيْ : عَدَّ ذَلِكَ اللَّطْمَ عَظِيمًا ( عَلَيَّ ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( أَفَلَا أُعْتِقُهَا ) أَيِ : الْجَارِيَةَ ، مِنَ الْإِعْتَاقِ ( قَالَ ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ائْتِنِي بِهَا ) أَيْ : بِالْجَارِيَةِ ( قَالَ ) مُعَاوِيَةُ ( فَجِئْتُ بِهَا ) أَيْ : بِالْجَارِيَةِ ( قَالَ ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيْنَ اللَّهُ ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ جَارِيَةً لِي كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لِي فَجِئْتُهَا وَقَدْ فَقَدَتْ شَاةً فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ : أَكَلَهَا الذِّئْبُ ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ أَفَأُعْتِقُهَا الْحَدِيثُ ( قَالَتِ ) الْجَارِيَةُ : ( فِي السَّمَاءِ ) فيه إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي السَّمَاءِ . قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ الْعُلُوِّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي مُطِيعٍ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيِّ صَاحِبِ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَمَّنْ يَقُولُ : لَا أَعْرِفُ رَبِّي فِي السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ، فَقَالَ : قَدْ كَفَرَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ ، فَقُلْتُ : إِنَّهُ يَقُولُ : أَقُولُ : عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وَلَكِنْ قَالَ : لَا يَدْرِي الْعَرْشُ فِي السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ : إِذَا أَنْكَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَقَدْ كَفَرَ انْتَهَى . وَيَقُولُ الْأَوْزَاعِيُّ : كُنَّا وَالتَّابِعُونَ مُتَوَافِرُونَ نَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوْقَ عَرْشِهِ ، وَنُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ صِفَاتِهِ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ : حَدَّثَنِي أَبِي ثَنَا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمَانِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ : قال مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : اللَّهُ فِي السَّمَاءِ ، وَعِلْمُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَجَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَطَائِفَةٌ قَالُوا : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى مَالِكٍ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَيْفَ اسْتَوَى ؟ قَالَ : فَمَا رَأَيْتُ مَالِكًا وُجِدَ مِنْ شَيْءٍ كَمَوْجِدَتِهِ مِنْ مَقَالَتِهِ وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءُ يَعْنِي الْعَرَقُ ، وَأَطْرَقَ الْقَوْمُ ، فَسُرِّيَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ : الْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَالِاسْتِوَاءُ مِنْهُ غَيْرُ مَجْهُولٍ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ . وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ ضَالًّا ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ انْتَهَى ( قَالَ ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَتِ ) الْجَارِيَةُ ( قَالَ ) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَعْتِقْهَا ) أَيِ : الْجَارِيَةَ ( فَإِنَّهَا ) أَيِ : الْجَارِيَةُ ( مُؤْمِنَةٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّعْلِيلِ فِي كَوْنِ الرَّقَبَةِ مُجْزِيَةٌ فِي الْكَفَّارَاتِ بِشَرْطِ الْإيْمَانِ ؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَهَا عَلَى سَبِيلِ الْكَفَّارَةِ عَنْ ضَرْبِهَا ، ثُمَّ اشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً ، فَكَذَلِكَ هِيَ فِي كُلِّ كَفَّارَةً . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ عُبَيْدٍ : لَا يَجْزِيهِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يَجْزِيِهِ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ الشَّرِيدِ أَنَّ أُمَّهُ أَوْصَتْهُ أَنْ يَعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً ، وَعِنْدِي جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ نُوبِيَّةٌ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَرْسَلَهُ ، لَمْ يَذْكُرْ الشَّرِيدَ ( عَنِ الشَّرِيدِ ) هُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ ( أَنَّ أُمَّهُ ) أَيِ : الشَّرِيدِ ( أَوْصَتْهُ ) أَيِ : الشَّرِيدَ ( أَنْ يُعْتِقَ ) أَيِ : الشَّرِيدُ ( عَنْهَا ) أَيْ : عَنْ أُمِّهِ ( فَأَتَى ) أَيِ : الشَّرِيدُ ( فَقَالَ ) أَيِ : الشَّرِيدُ ( نُوبِيَّةٌ ) بِالضَّمِّ : بِلَادٌ وَاسِعَةٌ لِلسُّودَانِ بِجَنُوبِ الصَّعِيدِ ، كَذَا فِي الْقَامُوسِ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ أَعْجَمِيَّةٍ ( فَذَكَرَ نَحْوَهُ ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ سَاقَ الْعِبَارَةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ( أَرْسَلَهُ ) أَيْ : حَدِيثَ أَبِي سَلَمَةَ ( لَمْ يَذْكُرْ ) أَيْ : خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ( الشَّرِيدَ ) الثَّقَفِيَّ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الْجَوْزَجَانِيُّ ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَارِيَةٍ سَوْدَاءَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَقَالَ لَهَا : أَيْنَ اللَّهُ ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ بِأُصْبُعِهَا فَقَالَ لَهَا : فَمَنْ أَنَا ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى السَّمَاءِ يَعْنِي : أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا ) وَلَيْسَ الْحَدِيثُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَأَوْرَدَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ وَرَمَّزَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ أَبِي دَاوُدَ فَقَطْ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ . انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْزِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ الْوَارِدَةُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَمْ تَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ بِخِلَافِ آيَةِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَإِنَّهَا قُيِّدَتْ بِالْإِيمَانِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَمَلَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا حَمَلُوا الْمُطْلَقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَخَالَفَ الْكُوفِيُّونَ فَقَالُوا : يَجُوزُ إِعْتَاقُ الْكَافِرِ ، وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْرٍ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ بِأَنَّ كَفَّارَةَ الْقَتْلِ مُغَلَّظَةٌ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَنَّ الْمُعْتِقَ لِلرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ آخَذَ بِالْأَحْوَطِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ بِغَيْرِ الْمُؤْمِنَةِ فَإِنَّهُ فِي شَكٍّ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ .
بَابٌ : النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، قَالَا : نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : كَانَتْ الْعَضْبَاءُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ ، وَكَانَتْ مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ قَالَ : فَأُسِرَ فَأتي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي وَثَاقٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ عَلَامَ تَأْخُذُنِي ، وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجِّ ؟ قَالَ : نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ قَالَ : وَكَانَ ثَقِيفُ قَدْ أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَقَدْ قَالَ فِيمَا قَالَ : وَأَنَا مُسْلِمٌ ، أَوْ قَالَ : وَقَدْ أَسْلَمْتُ ، فَلَمَّا مَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : فَهِمْتُ هَذَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى نَادَاهُ : يَا مُحَمَّدُ ، يَا مُحَمَّدُ قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ : إِنِّي مُسْلِمٌ قَالَ : لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي ، إِنِّي ظَمْآنٌ فَاسْقِنِي قَالَ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذِهِ حَاجَتُكَ أَوْ قَالَ : هَذِهِ حَاجَتُهُ قال فَفُودِيَ الرَّجُلُ بَعْدُ بِالرَّجُلَيْنِ قَالَ : وَحَبَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَضْبَاءَ لِرَحْلِهِ قَالَ : فَأَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ ، فَذَهَبُوا بِالْعَضْبَاءِ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهَا ، وَأَسَرُوا امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : فَكَانُوا إِذَا كَانَ اللَّيْلُ يُرِيحُونَ إِبِلَهُمْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ ، قَالَ : فَنُوِّمُوا لَيْلَةً ، وَقَامَتْ الْمَرْأَةُ فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إِلَّا رَغَا حَتَّى أَتَتْ عَلَى الْعَضْبَاءِ قَالَ : فَأَتَتْ عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ مُجَرَّسَةٍ قَالَ : فَرَكِبَتْهَا ، ثُمَّ جَعَلَتْ لِلَّهِ عَلَيْهَا إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ لَتَنْحَرَنَّهَا قَالَ : فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ عُرِفَتْ النَّاقَةُ نَاقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَجِيءَ بِهَا ، وَأُخْبِرَ بِنَذْرِهَا فَقَالَ : بِئْسَ مَا جَزَتْهَا أَوْ جَزَيْتِيهَا إِنْ اللَّهُ أَنْجَاهَا عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا ، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالْمَرْأَةُ هَذِهِ امْرَأَةُ أَبِي ذَرٍّ بَاب النَّذْرِ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ( قَالَ : كَانَتِ الْعَضْبَاءُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الضَّادِ : اسْمُ نَاقَةٍ هُوَ عَلَمٌ لَهَا مَنْقُولٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : نَاقَةٌ عَضْبَاءُ أَيْ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ ، وَلَمْ تَكُنْ مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهَا كَانَتْ مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ ، وَالْأُول أَكْثَرُ ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : هُوَ مَنْقُولٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : نَاقَةٌ عَضْبَاءُ وَهِيَ الْقَصِيرَةُ الْيَدِ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( وَكَانَتِ ) الْعَضْبَاءُ ( مِنْ سَوَابِقِ الْحَاجِّ ) أَيْ : مِنَ النُّوقِ الَّتِي تَسْبِقُ الْحَاجَّ ( فَأُسِرَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ : الرَّجُلُ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : كَانَتْ ثَقِيفٌ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ ، الْحَدِيثُ ( وَهُوَ ) أَيْ : الرَّجُلُ ( عَلَامَ ) أَيْ : عَلَى أَيِّ ذَنْبٍ ، وَكَانَ أَصْلُهُ عَلَى مَا ( قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( نَأْخُذُ بِجَرِيرَةِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، مَعْنَاهُ الذَّنْبُ وَالْجِنَايَةُ ( حُلَفَائِكَ ) جَمْعُ حَلِيفٍ . قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَاهَدُوا بَنِي عُقَيْلٍ عَلَى أَنْ لَا يَعْرِضُوا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ حُلَفَائِهِمْ ، فَنَقَضَ حُلَفَاؤُهُمُ الْعَهْدَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ بَنُو عُقَيْلٍ فَأُخِذُوا بِجَرِيرَتِهِمْ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هَذَا رَجُلٌ كَافِرٌ لَا عَهْدَ لَهُ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَخْذُهُ وَأَسْرُهُ وَقَتْلُهُ ، فَإِنْ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ بِجَرِيرَةِ نَفْسِهِ وَهِيَ كُفْرُهُ جَازَ أَنْ يُؤْخَذَ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنْ حَلِيفٍ وَغَيْرِهِ . وَيُحْكَى مَعْنَى هَذَا عَنِ الشَّافِعِيَّ . وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ : أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ ؛ يُرِيدُ أَنَّكَ إِنَّمَا أُخِذْتَ لِيُدْفَعَ بِكَ جَرِيرَةُ حُلَفَائِكَ فَيَفْدِي بِكَ الْأَسِيرَيْنِ الَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمْ ثَقِيفٌ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : فَفُودِيَ الرَّجُلُ بَعْدُ بِالرَّجُلَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ ( وَأَنَا مُسْلِمٌ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ثُمَّ لَمْ يُخَلِّهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ ذَلِكَ ، لَكِنَّهُ رَدَّهُ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ ، فَإِنَّهُ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى كَذِبِهِ ، وَأُعْلِمَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى التَّقِيَّةِ دُونَ الْإِخْلَاصِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : هَذِهِ حَاجَتُكَ حِينَ قَالَ : إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَإنِّي ظَمْآنُ فَاسْقِنِي ، وَلَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا قَالَ الْكَافِرُ : إِنَى مُسْلِمٌ ، قُبِلَ إِسْلَامُهُ وَوُكِلَتْ سَرِيرَتُهُ إِلَى رَبِّهِ تَعَالَى ، وَقَدِ انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَانْسَدَّ بَابُ عِلْمِ الْغَيْبِ . انْتَهَى . ( قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ قُلْتَهَا ) أَيْ : هَذِهِ الْكَلِمَةَ ( وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمَرَكَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ أَنَّكَ لَوْ تَكَلَّمْتَ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ طَائِعًا رَاغِبًا فِيهِ قَبْلَ الْإِسَارِ أَفْلَحْتَ فِي الدُّنْيَا بِالْخَلَاصِ مِنَ الرِّقِّ وَأَفْلَحْتَ فِي الْآخِرَةِ بِالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَوْ قُلْتَ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأَسْرِ حِينَ كُنْتَ مَالِكَ أَمْرِكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَسْرُكَ لَوْ أَسْلَمْتَ قَبْلَ الْأَسْرِ ، فَكُنْتَ فُزْتَ بِالْإِسْلَامِ وَبِالسَّلَامَةِ مِنَ الْأَسْرِ وَمَنِ اغْتِنَامِ مَالِكَ ، وَأَمَّا إِذَا أَسْلَمْتَ بَعْدَ الْأَسْرِ فَيَسْقُطُ الْخِيَارُ فِي قَتْلِكَ وَيَبْقَى الْخِيَارُ بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ الْمُفَادَاةِ ، وَأَنَّ إِسْلَامَ الْأَسِيرِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْغَانِمِينَ مِنْهُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ حِينَ أَسْلَمَ وَفَادَى بِهِ رَجَعَ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ ، وَلَوْ ثَبَتَ رُجُوعُهُ إِلَى دَارِهِمْ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ لِقُوَّةِ شَوْكَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ ، فَلَا إِشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ الْمَازِرِيُّ وَقَالَ : كَيْفَ يُرَدُّ الْمُسْلِمُ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْتُهُ . انْتَهَى . ( عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ : الْمَالُ السَّائِمُ ( امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي الْوَساقِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ( فِي أَفْنِيَتِهِمْ ) جَمْعُ فِنَاءٍ ( فَنُوِّمُوا لَيْلَةً ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ : أُلْقِيَ عَلَيْهِمُ النَّوْمُ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : وَكَانَ الْقَوْمُ يُرِيحُونَ نَعْمَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ بُيُوتِهِمْ ، فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ الْوَثَاقَ ، فَأَتَتِ الْإِبِلَ فَجَعَلَتْ إِذَا دَنَتْ مِنَ الْبَعِيرِ رَغَا فَتَتْرُكُهُ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الْعَضْبَاءِ فَلَمْ تَرْغُ ( إِلَّا رَغَا ) الرُّغَاءُ صَوْتُ الْإِبِلِ ، وَأَرْغَى النَّاسُ لِلرَّحِيلِ أَيْ : حَمَلُوا رَوَاحِلَهُمْ عَلَى الرُّغَاءِ ، وَهَذَا دَأْبُ الْإِبِلِ عِنْدَ رَفْعِ الْأَحْمَالِ عَلَيْهَا ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ ( مُجَرَّسَةٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُجَرَّسَةُ وَالذَّلُولُ كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . انْتَهَى . وَفِي النِّهَايَةِ : نَاقَةٌ مُجَرَّسَةٌ أَيْ مُجَرَّبَةٌ مُدَرَّبَةٌ فِي الرُّكُوبِ وَالسَّيْرِ ، وَالْمُجَرَّسُ مِنَ النَّاسِ الَّذِي قَدْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَخَبَرَهَا . انْتَهَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ وَلَا غَيْرِهِمَا إِذَا كَانَ سَفَرَ ضَرُورَةٍ كَالْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَكَالْهَرَبِ مِمَّنْ يُرِيدُ مِنْهَا فَاحِشَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَالنَّهْيُ عَنْ سَفَرِهَا وَحْدَهَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الضَّرُورَةِ ( عُرِفَتْ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ : فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ فَقَالُوا : الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا حَازَ الْكَافِرُ مَالَهُ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَغْنَمُهُ أَحَدٌ ، وَلذَلِكَ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ : لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ . انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا غَنِمُوا مَالًا لِلْمُسْلِمِ لَا يَمْلِكُونَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ : يَمْلِكُونَه إِذَا أَجَازُوهُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ، وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ بِطُولِهِ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ طَرَفًا . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ طَرَفًا . انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ : أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي النُّذُورِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الطَّبَّاعِ ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عن أَبِي قِلَابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ . وَأَخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ نَحْوَهُ ، وَحَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ ، عَنْ عِمْرَانَ لَيْسَ فِي النُّسَخِ الَّتِي بِأَيْدِينَا .
بَابُ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ التِّنِّيسِيُّ ، عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : ورَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْهِنْدِ ، أَوْقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ باب من نذر نذرا لا يطيقه ( مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ ) : أَيِ النَّاذِرُ ، بِأَنْ قَالَ : نَذَرْتُ نَذْرًا ، أَوْ عَلَيَّ نَذْرٌ ، وَلَمْ يُعَيِّنِ النَّذْرَ أَنَّهُ صَوْمٌ أَوْ غَيْرُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا كَانَ مِنَ النُّذُورِ غَيْرَ مُسَمًى . قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فحمله جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ أَوِ الْكَفَّارَةِ ، وَحَمَلَهُ مَالِكٌ وَكَثِيرُونَ عَلَى النَّذْرِ الْمُطْلَقِ ، كَقَوْلِهِ : عَلَيَّ نَذْرٌ ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ النَّذْرِ ، وَقَالُوا : هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَنْذُورَاتِ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ . انْتَهَى . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ الْحَدِيثِ بِالنَّذْرِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ ؛ لِأَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى المقيدِ وَاجِبٌ . وَأَمَّا النُّذُورُ الْمُسَمَّاةُ إِنْ كَانَتْ طَاعَةً ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ فَفِيهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَإِنْ كَانَتْ مَقْدُورَةً وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهَا ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْبَدَنِ أَوْ بِالْمَالِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ بِهَا ، وَلَا يَنْعَقِدُ ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً مَقْدُورَةً ، فَالظَّاهِرُ الِانْعِقَادُ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْرِ بِهَا فِي قِصَّةِ النَّاذِرَةِ بِالْمَشْيِ ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْدُورَةٍ فَفِيهَا الْكَفَّارَةُ ، لِعُمُومِ : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُطِقْهُ ، هَذَا خُلَاصَةُ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . انْتَهَى . وَكَلَامُهُ هَذَا حَسَنٌ جِدًّا ( وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ ) : كَحَمْلِ جَبَلٍ أَوْ رَفْعِ حِمْلٍ أَوِ الْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ ( فَلْيَفِ بِهِ ) : أَمْرٌ غَائِبٌ مِنْ وَفَى يَفِي ، وَالْمَعْنَى : فَلْيَفِ بِهِ أَوْ لِيُكَفِّرْ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الْبِرَّ فِي الْيَمِينِ أَوْلَى ، إِلَّا إِذَا كَانَتْ مَعْصِيَةً . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَفِي حَدِيثِ إِسْنَادِ ابْنِ مَاجَهْ مَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ : وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ . انْتَهَى . ( أَوْقَفُوهُ ) : أَيْ أَوْقَفَ هَذَا الْحَدِيثَ وَكِيعٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ ، وَأَمَّا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، َثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهَا نَحْوَهُ مُخْتَصَرٌ شَيْءٌ مِنْهُ قَالَ : هَلْ بِهَا وَثَنٌ أَوْ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِ الْجَاهِلِيَّةِ ؟ قَالَ : لَا قُلْتُ : إِنَّ أُمِّي هَذِهِ عَلَيْهَا نَذْرٌ وَمَشْيٌ ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ وَرُبَّمَا قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ : أَنَقْضِيهِ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ) الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ ، وَأَيْضًا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَجْرِيدِ أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ : كَرْدَمُ بْنُ سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ رَوَتْ عَنْهُ بِنْتُهُ مَيْمُونَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ . انْتَهَى . وَفِي الْإِصَابَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَابْنُ حِبَّانَ : لَهُ صُحْبَةٌ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ كَرْدَمٍ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَذْرٍ نَذَرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَو لِوَثَنٍ أَوْ لِنُصُبٍ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ لِلَّهِ ، قَالَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ : عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ أَبَاهَا لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ رَدِيفَةٌ لَهُ فَقَالَ : إِنِّي نَذَرْتُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَغَوِيُّ مُطَوَّلًا وَلَفْظُهُ قَالَ : إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَذْبَحَ عَلَى بُوَانَةَ عِدَّةً مِنَ الْغَنَمِ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مِقْسَمٍ الثَّقَفِيُّ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ ، قَالَ : حَدَّثَتْنِي سَارَّةُ بِنْتُ مِقْسَمٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَيْمُونَةَ بِنْتَ كَرْدَمٍ قَالَتْ : خَرَجْتُ مَعَ أَبِي فِي حِجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلْتُ أُبِدُّهُ بَصَرِي ، فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِي ، وَهُوَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ مَعَهُ دِرَّةٌ كَدِرَّةِ الْكُتَّابِ ، فَسَمِعْتُ الْأَعْرَابَ وَالنَّاسَ يَقُولُونَ : الطَّبْطَبِيَّةَ الطَّبْطَبِيَّةَ ، فَدَنَا إِلَيْهِ أَبِي فَأَخَذَ بِقَدَمِهِ قَالَتْ : فَأَقَرَّ لَهُ ، وَوَقَفَ فَاسْتَمَعَ مِنْهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ ذَكَرٌ أَنْ أَنْحَرَ عَلَى رَأْسِ بُوَانَةَ فِي عَقَبَةٍ مِنْ الثَّنَايَا عِدَّةً مِنْ الْغَنَمِ ، قَالَ : لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهَا قَالَتْ : خَمْسِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ بِهَا مِنْ الْأَوْثَانِ شَيْءٌ ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَأَوْفِ بِمَا نَذَرْتَ بِهِ لِلَّهِ قَالَتْ : فَجَمَعَهَا فَجَعَلَ يَذْبَحُهَا ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهَا شَاةٌ فَطَلَبَهَا وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ أَوْفِ عَنِّي نَذْرِي ، فَظَفِرَهَا فَذَبَحَهَا . ( بِنْتُ كَرْدَمٍ ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالدَّالِ ( أُبِدُّهُ بَصَرِي ) مِنَ الْبَدَدِ ، يُقَالُ : أَبَدَّ يَدَّهُ أَيْ مَدَّهَا إِلَى الْأَرْضِ ، وَأَبَدَّ الْعَطَاءَ بَيْنَهُمْ أَيْ أَعْطَى كُلًّا مِنْهُمْ بُدَّتَهُ ، أَيْ نَصِيبَهُ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ حُنَيْنٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَدَّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ قَبْضَةً أَيْ مَدَّهَا . وَفِي حَدِيثِ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَبَدَّ بَصَرَهُ إِلَى السِّوَاكِ كَأَنَّهُ أَعْطَاهُ بُدَّتَهُ مِنَ النَّظَرِ أَيْ حَظَّهُ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ وَهُوَ يَبُدُّنِي النَّظَرَ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ : أُبِدُّهُ بَصَرِي مَعْنَاهُ أُتْبِعُهُ بَصَرِي وَأُلْزِمُهُ إِيَّاهُ لَا أَقْطَعُهُ عَنْهُ ، يُقَالُ : أَبَدَّ فُلَانٌ فُلَانًا بَصَرَهُ وَأَبَادَهُ بَصَرَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ( دِرَّةٌ ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ : السَّوْطُ يُضْرَبُ بِهِ ( الْكُتَّابِ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ جَمْعُ الْكَاتِبِ ، وَمَوْضِعِ التَّعْلِيمِ . كَذَا فِي كِتبِ اللُّغَةِ ( الطَّبْطَبِيَّةَ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ ، قِيلَ : هُمَا كِنَايَةٌ عَنِ الدِّرَّةِ فَإِنَّهَا إِذَا ضَرَبْتَ بِهَا حَكَتْ صَوْتَ طَبْطَبٍ ، وَهِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى التَّحْذِيرِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالطَّبْطَبَةُ حِكَايَةٌ عَنْ وَقْعِ الْأَقْدامِ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ طَعَامًا أَوْ ذَبْحًا بِمَكَّةَ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَهُ لِفُقَرَاءِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ . انْتَهَى . وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ هَذَا اللَّفْظِ وَغَيْرِهِ الْوَاقِعِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابِ تَزْوِيجِ مَنْ لَمْ يُولَدْ ، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ . ( فَأَقَرَّ لَهُ ) أَيِ : اعْتَرَفَ بِرِسَالَتِهِ ( فِي عَقَبَةٍ ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَقَافٍ مَفْتُوحَتين ( مِنَ الثَّنَايَا ) قَالَ أَصْحَابُ اللُّغَةِ : الْعَقَبَةُ مَرْقَى صَعْبٌ مِنَ الْجِبَالِ وَالطَّرِيقِ فِي أَعْلَى الْجِبَالِ ، وَالثَّنِيَّةُ طَرِيقُ الْعَقَبَةِ ، وَجَمْعُهُ ثَنَايَا . وَالْحَدِيثُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَةَ وَلِذَا أَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ بِمَعْنَاهُ . وَتَقَدَّمَ هَذَا الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ فِي بَابِ تَزْوِيجِ مَنْ لَمْ يُولَدْ ، وَسَاقَ فِيهِ بَعْضَ مَضْمُونِ هَذَا الْحَدِيثِ ، لَكِنْ لَيْسَ هُنَاكَ قِصَّةُ النَّذْرِ بَلْ هُنَاكَ قِصَّةُ التَّزْوِيجِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ ، قال : نا شُعَيْبُ بْنُ إسحاق ، عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، قال : حدثني يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ : نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ ؟ قَالُوا : لَا قَالَ : هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْفِ بِنَذْرِكَ ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ ( ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ ( بِبُوَانَةَ ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ ، وَقِيلَ : بِفَتْحِ الْبَاءِ ، هَضْبَةٌ مِنْ وَرَاءِ يَنْبُعَ ، كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَكَذَا نَقَلَهُ الشَّوْكَانِيُّ ، عَنِ الْمُنْذِرِيِّ . وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ : مَوْضِعٌ بَيْنَ الشَّامِ وَدِيَارِ بَكْرٍ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : أَسْفَلُ مَكَّةَ دُونَ يَلَمْلَمَ ، انْتَهَى . ( مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ النَّذْرُ فِي الْمُبَاحِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَفَى النَّذْرَ فِي الْمَعْصِيَةِ بَقِيَ مَا عَدَاهُ ثَابِتًا . فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ بِلَفْظِ : لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لَا يَنْعَقِدُ فِي الْمُبَاحِ . قُلْتُ : أَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ مِنْ قِسْمِ الْمُبَاحِ مَا قَدْ يَصِيرُ بِالْقَصْدِ مَنْدُوبًا كَالنَّوْمِ فِي الْقَائِلَةِ لِلتَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَأَكْلَةُ السَّحَرِ لِلتَّقَوِّي عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ إِظْهَارَ الْفَرَحِ بِعَوْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَالِمًا مَعْنَى مَقْصُودٌ يَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ ْوَفَاءِ النَّذْرِ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قال : نا الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو قُدَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ قَالَ : أَوْفِي بِنَذْرِكِ قَالَتْ : إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا مَكَانٌ كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ : لِصَنَمٍ ؟ قَالَتْ : لَا قَالَ : لِوَثَنٍ ؟ قَالَتْ : لَا قَالَ : أَوْفِي بِنَذْرِكِ بَاب مَا يُؤْمَرُ بِهِ إلخ ( عَلَى رَأْسِكَ ) أَيْ : قُدَّامَكَ أَوْ عِنْدَ قُدُومِكَ ( بِالدُّفِّ ) بِضَمٍّ فَتَشْدِيدٍ ( قَالَ : أَوْفِي بِنَذْرِكَ ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّهُ صالحا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ ، الْحَدِيثُ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ فِيهِ : أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأَسِكَ بِالدُّفِّ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلِي وَإِلَّا فَلَا ، قَالَتْ : بَلْ نَذَرْتُ ، فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَتْ فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ : عِنْدِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ضَعِيفٌ ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ : كَانَ مُرْجِيًا . وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ بِهِ وَزَادَ : فَضَرَبَتْ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ وَهِيَ تَضْرِبُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ وَجَلَسَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَأَحْسَبُ الشَّيْطَانَ يَفْرَقُ مِنْكَ يَا عُمَرُ قَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، قَالَهُ الزَّيْلَعِيُّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ضَرْبُ الدُّفِّ لَيْسَ مِمَّا يَعُدُّ فِي بَابِ الطَّاعَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النُّذُورُ . وَأَحْسَنُ حَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا اتَّصَلَ بِإِظْهَارِ الْفَرَحِ لِسَلَامَةِ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ ، وَكَانَتْ فِيهِ مُسَاءَةُ الْكُفَّارِ وَإِرْغَامُ الْمُنَافِقِينَ صَارَ فِعْلُهُ كَبَعْضِ الْقُرَبِ ، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّ ضَرْبُ الدُّفِّ فِي النِّكَاحِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِهِ وَالْخُرُوجِ بِهِ عَنْ مَعْنَى السِّفَاحِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ ، وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هِجَاءِ الْكُفَّارِ : اهْجُوا قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ ( كَذَا وَكَذَا ) كِنَايَاتٌ عَنِ التَّعْيِينِ ( مَكَانٌ ) بِالرَّفْعِ أَيْ هُوَ أَيِ الْمَكَانُ الْمُعَيَّنُ مَكَانٌ ( كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ) وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ مَوْضِعَ ذَبْحِهِمْ ( قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِصَنَمٍ ) أَيْ : كَانَ يَذْبَحُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لِصَنَمٍ ( قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِوَثَنٍ ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَثَنِ وَالصَّنَمِ : أَنَّ الْوَثَنَ كُلُّ مَا لَهُ جُثَّةٌ مَعْمُولَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ أَوْ مِنَ الْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ كَصُورَةِ الْآدَمِيِّ تُعْمَلُ وَتُنْصَبُ فَتُعْبَدُ ، وَالصَّنَمُ الصُّورَةُ بِلَا جُثَّةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَأَطْلَقَهُمَا عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ . وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَثَنُ عَلَى غَيْرِ الصُّورَةِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ لِي : أَلْقِ هَذَا الْوَثَنَ عَنْكَ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ .
حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ أَخْبَرَكُمْ ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ الْقَدَرَ بِشَيْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدَّرْتُهُ لَهُ ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ الْقَدَرَ قَدَّرْتُهُ ، يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْبَخِيلِ يُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي مِنْ قَبْلُ ( لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ ) مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ ( النَّذْرُ ) بِالرَّفْعِ فَاعِلٌ لَا يَأْتِي ( الْقَدَرَ ) مَفْعُولٌ ثَانٍ ( بِشَيْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدَّرْتُهُ ) أَيِ : الشَّيْءَ ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ : بِشَيْءٍ ، وَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدُسِيَّةِ ، وَلَكِنَّهُ مَا صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ( لَهُ ) أَيْ لِابْنِ آدَمَ ( وَلَكِنْ يُلْقِيهِ ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِلْقَاءِ أَيِ ابْنَ آدَمَ ( النَّذْرُ ) فَاعِلُهُ ( الْقَدَرَ ) أَيْ إِلَى الْقَدَرِ ( قَدَّرْتُهُ ) وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ : الْقَدَرَ ( يُؤْتَي ) أَيْ يُعْطي الْبَخِيلُ ( عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي بِسَبَبِهِ نَذَرَ ، كَالشِّفَاءِ ( مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتي ) أَيْ يُعْطِي الْبَخِيلُ ( من قبل ) أَيْ مِنْ قِبَلِ النَّذْرِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَيُخْرِجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَهُ ، وَالْحَدِيثُ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَلَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ ؛ ولذا لم يذكره المنذري في مختصره ، وإنما الحديث من رواية أبي الحسن بن الْعَبْد عَنْ أَبِي دَاوُدَ . وَالْعَجَبُ مِنَ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْلًا فِي الْأَطْرَافِ ، فَإِنَّا رَاجَعْنَا نُسْخَتَيْنِ مِنَ الْأَطْرَافِ فَلَمْ نَجِدْ فِيهِمَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْجَمَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فِي بَابِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ تَحْتَ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَمْ أَكُنْ قَدَّرْتُهُ : هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْقُدُسِيَّةِ ، لَكِنْ سَقَطَ مِنْهُ التَّصْرِيحُ بِنِسْبَتِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرِو ، عَنِ الْأَعْرَجِ . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ : لَمْ يَكُنْ قَدَّرْتُهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ : لَمْ أُقَدِّرْهُ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يَغْلِبُهُ النَّذْرُ فَأُقَدِّرُ لَهُ . وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ قُدِّرَ لَهُ وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدَّرْتُهُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ قَدَّرَهُ لَهُ ، وَكَذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي قَوْلِهِ : فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ، فَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : فَيُسْتَخْرَجُ بِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَعَبْدَةَ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ : وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ وَقَدْ قَدَّرْتُهُ لَهُ أَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ فَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .
بَابُ كراهية النذر حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ . ( ح ) وثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ قَالَ عُثْمَانُ الْهَمْدَانِيُّ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ النَّذْرِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا ، وَيَقُولُ : لَا يَرُدُّ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ . قَالَ مُسَدَّدٌ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن النَّذْر لَا يَرُدُّ شَيْئًا باب كراهية النذر ( يَنْهَى عَنِ النَّذْرِ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى نَهْيِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ النَّذْرِ إِنَّمَا هُوَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِهِ وَتَحْذِيرُ التَّهَاوُنِ بِهِ بَعْدَ إِيجَابِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الزَّجْرَ عَنْهُ حَتَّى لَا يُفْعَلَ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إِبْطَالُ حُكْمِهِ وَإِسْقَاطُ لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ قَدْ صَارَ مَعْصِيَةً فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنَّمَا وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مِمَّا لَا يَجْلِبُ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ نَفْعًا وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُمْ ضَرَرًا ، فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ، يَقُولُ : لَا تَنْذِرُوا عَلَى أَنَّكُمْ تُدْرِكُونَ بِالنَّذْرِ شَيْئًا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكُمْ ، أَوْ تَصْرِفُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ شَيْئًا جَرَى الْقَضَاءُ بِهِ عَلَيْكُمْ ، فَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَاخْرُجُوا عَنْهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ ، فَإِنَّ الَّذِي نَذَرْتُمُوهُ لَازِمٌ لَكُمْ . هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَوَجْهُهُ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ وُجُوبُ اسْتِخْرَاجِهِ مِنْ مَالِهِ ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ لَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( لَا يَرُدُّ شَيْئًا ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِشَيْءٍ كَمَا يَقُولُ : إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَإِنْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ سَلِمَ مَالِي فِي نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ . فَأَمَّا إِذَا قَالَ : عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ هَذَا بِنَذْرٍ ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَهُوَ غَالِبُ مَذْهَبِهِ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ : النَّذْرُ وَعْدٌ بِشَرْطٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : النَّذْرُ لَازِمٌ وَإِنْ لَمْ يُعَلَّقْ بِشَرْطٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ ) أَيْ : بِسَبَبِ النَّذْرِ ( مِنَ الْبَخِيلِ ) لِأَنَّ غَيْرَ الْبَخِيلِ يُعْطِي بِاخْتِيَارِهِ بِلَا وَاسِطَةِ النَّذْرِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : يَعْنِي أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَسْمَحُ بِالصَّدَقَةِ وَالصَّوْمِ إِلَّا إِذَا نَذَرَ شَيْئًا لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ ، فَكَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي طَمِعَ فِيهِ أَوْ خَافَهُ لَمْ يَسْمَحْ بِإِخْرَاجِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ فَهُوَ بَخِيلٌ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . انْتَهَى . قَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ : حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ الْحَارِثِيِّ الْكُوفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقَدَرِ وَفِي النَّذْرِ ، وَمُسْلِمٌ فِي النُّذُورِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِيهِ ، وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْكَفَّارَاتِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي النُّذُورِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، وَعَنْ مُسَدَّدٍ ، عَنْ أَبي عَوَانَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ . وَحَدِيثُ مُسَدَّدٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . فَجَرِيرٌ ، وَأَبُو عَوَانَةَ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مَنْصُورٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ : مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَابْنُ السَّرْحِ ، قَالَا : نا ابْنُ وَهْبٍ ، قال : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قَالَ : فَقُلْتُ : إِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الَّذِي بِخَيْبَرَ . بَابُ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ وَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ؟ وَاسْتُشْكِلَ إِيرَادُ حَدِيثِ كَعْبٍ فِي النُّذُورِ لِأَنَّ كَعْبًا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمَعْنَاهُ . وَالِانْخِلَاعُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُورِ النَّذْرِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَكِّدُ أَمْرَ تَوْبَتِهِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى التَّرْجَمَةِ : أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا تَابَ مِنْ ذَنْبٍ أَوْ إِذَا نَذَرَ هَلْ يَنْفُذُ ذَلِكَ إِذَا نَجَّزَهُ أَوْ عَلَّقَهُ ؟ وَقِصَّةُ كَعْبٍ هَذِهِ عَلَى التَّنْجِيزِ ، لَكِنْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تَنْجِيزٌ وَإِنَّمَا اسْتَشَارَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُشِيرَ عَلَيْهِ بِإِمْسَاكِ الْبَعْضِ . فَالْأَوْلَى لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ يُعَلِّقَهُ أَنْ يُمْسِكَ بَعْضَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذْ . قَالَهُ الْحَافِظُ . ( وَكَانَ ) عَبْدُ اللَّهِ ( قَائِدَ كَعْبٍ ) أَبِيهِ ( مِنْ ) بَيْنِ ( بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ ) وَكَانَ بَنُوهُ أَرْبَعَةً : عَبْدُ اللَّهِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَمُحَمَّدٌ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ ( إِنَّ مِنْ ) شُكْرِ ( تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ ) أَيْ : أَنْ أَعْرَى ( مِنْ مَالِي ) كَمَا يَعْرَى الْإِنْسَانُ إِذَا خَلَعَ ثَوْبَهُ ( صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ) إِلَى بِمَعْنَى اللَّامِ ؛ أَيْ : صَدَقَةً خَالِصَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَوْ تَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ ؛ أَيْ : صَدَقَةً وَاصِلَةً إِلَى اللَّهِ أَيْ إِلَى ثَوَابِهِ وَجَزَائِهِ ، وَإِلَى رَسُولِهِ أَيْ : إِلَى رِضَاهُ وَحُكْمِهِ وَتَصَرُّفِهِ ( أَمْسِكْ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ( فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ) وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، فَقِيلَ : يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ إِذَا نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، وَقِيلَ : يَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَالِهِ ، وَقِيلَ : إِنْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَالْقِيَاسُ إِخْرَاجُهُ كُلُّهُ . قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقِيلَ : إِنْ كَانَ نَذْرَ تَبَرُّرٍ كَإِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي لَزِمَهُ كُلُّهُ ، وَإِنْ كَانَ لِجَاجًا وَغَضَبًا فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَفِيَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَوْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ، وَسَيَجِيءُ كَلَامُ الزَّرْقَانِيِّ فِيهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، ثنا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تِيبَ عَلَيْهِ : إِنِّي أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِي ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى خَيْرٌ لَكَ . ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ) قَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قال : نا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قال : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ قَالَ : قَالَ ابْنُ إسحاق : حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ فِي قِصَّتِهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي إِلَى اللَّهِ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَدَقَةً . قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَنِصْفُهُ . قَالَ : لَا . قُلْتُ : فَثُلُثُهُ . قَالَ : نَعَمْ . قُلْتُ : فَإِنِّي سَأُمْسِكُ سَهْمِي مِنْ خَيْبَرَ ( فِي قِصَّتِهِ ) أَيْ : قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ( قَالَ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا ) أَيْ : لَا تَفْعَلْ هَكَذَا ( فَنِصْفَهُ ) أَيْ : فَأَتَصَدَّقُ نِصْفِهِ ، وَفِي فَتْحِ الْبَارِي وَنَيْلِ الْأَوْطَارِ : وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ عَلَى عَشَرَةِ مَذَاهِبَ ، الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثُّلُثُ فَقَطْ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَهُ مَالِكٌ . وَنُوزِعَ فِي أَنَّ كَعْبًا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ وَلَا بِمَعْنَاهُ ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَجَّزَ النَّذْرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَهُ فَاسْتَأْذَنَ . وَالِانْخِلَاعُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِي صُدُورِ النَّذْرِ مِنْهُ ، وَعِنْدَ الْكَثِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الْوَفَاءِ مِمَّنِ الْتَزَمَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ . وَقِيلَ : إِنْ كَانَ مَلِيًّا لَزِمَهُ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَهَذَا قَوْلُ اللَّيْثِ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَزَادَ : وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا يُخْرِجُ قَدْرَ زَكَاةِ مَالِهِ ، وَالْأَخِيرُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ دَلَّ حَدِيثُ كَعْبٍ أَنَّهُ يُشْرَعُ لِمَنْ أَرَادَ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَنْ يُمْسِكَ بَعْضَهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَجَّزَهُ لَمْ يَنْفُذْ . وَقِيلَ : إِنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، فَمَنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَى ذَلِكَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ لَمْ يُمْنَعْ ، وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَإِيثَارُ الْأَنْصَارِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا ، وَعَلَيْهِ يَتَنَزَّلُ : لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَفِي لَفْظٍ : أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : هَهُنَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَيَكُونُ حَدِيثُهُ حُجَّةً .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ، َثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كَانَ أَبُو لُبَابَةَ ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ، وَالْقِصَّةُ لِأَبِي لُبَابَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ بَعْضِ بَنِي السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، وَرَوَاهُ الزُّبَيْدِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ مِثْلَهُ . ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ ) الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو لُبَابَةَ : إِنِّي أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً . قَالَ : يَجْزِئ عَنْكَ الثُّلُثُ ، أَخْرَجَهُ فِي النُّذُورِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِهِ . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَبُو لُبَابَةَ . فَذَكَرَهُ ، وَالْقِصَّةُ لِأَبِي لُبَابَةَ قَالَ : رَوَاهُ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ بَعْضِ بَنِي السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فَقَالَ : عَنْ حُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أبي لُبَابَةَ مِثْلَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى بِحُرُوفِهِ . وَحَدِيثُ أَبِي لُبَابَةَ أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ . ( عَنْ حُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ مِثْلَهُ ) وَحَدِيثُ حُسَيْنٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ لَمَّا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنَكَ ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَجْزِئ عَنْكَ الثُّلُثُ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ فِي الْفَتْحِ وَسَكَتَ عَنْهُ .
حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ : إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً قَالَ : يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ . ( حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) الْقَوَارِيرِيُّ . وَالْحَدِيثُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ : حَدِيثُ الْقَوَارِيرِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ . انْتَهَى . ( أَنْ أَهْجُرَ ) وَعِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ جَامِعِ الْأيمَانِ أَنَّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْجُرُ دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ وَأُجَاوِرُكُ أَيْ فِي مَسْجِدِكِ أَوْ أَسْكُنُ بِبَيْتٍ بِجِوَارِكَ ( صَدَقَةً ) وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ : وَأَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَيْ يَصْرِفُهَا فِي وُجُوهِ الْبِرِّ ( يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ ) وَلَفْظُ الْمُوَطَّأِ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاذِرَ لَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ . قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَقُولُ : مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ يَحْنَثُ ، قَالَ : يَجْعَلُ ثُلُثَ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ لِلَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ أَبِي لُبَابَةَ . انْتَهَى كَلَامُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ . قَالَ الزَّرْقَانِيُّ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَالزُّهْرِيُّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ : عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَلَيْهِ إِخْرَاجُ مَالِهِ كُلِّهِ وَلَا يَتْرُكُ إِلَّا مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَيُقَوِّمُهُ ، فَإِذَا أَفَادَ قِيمَتَهُ أَخْرَجَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَظُنُّهُ جَعَلَهُ كَالْمُفْلِسِ يُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَيُتْرَكُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَفِيدَ فَيُؤَدِّيَ إِلَيْهِمُ . انْتَهَى . وَأَطَالَ الزَّرْقَانِيُّ الْكَلَامَ فِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أول كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ بَابُ التَّغْلِيظِ فِي اليمين الْفَاجِرَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، قال : أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ أَوَّلُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْأَيْمَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ ، وَأَصْلُ الْيمين فِي اللُّغَةِ الْيَدُ ، وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَحَالَفُوا أَخَذَ كُلٌّ بِيَمِينِ صَاحِبِهِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْيَدَ الْيمنى مِنْ شَأْنِهَا حِفْظُ الشَّيْءِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ بِذَلِكَ لِحِفْظِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَسُمِّيَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ يَمِينًا لِتَلَبُّسِهِ بِهَا ، وَيُجْمَعُ الْيَمِينُ أَيْضًا عَلَى أَيْمُنَ كَرَغِيفٍ وَأَرْغُفٍ ، وَعُرِّفَتْ شَرْعًا بِأَنَّهَا تَوْكِيدُ الشَّيْءِ بِذِكْرِ اسْمٍ أَوْ صِفَةِ اللَّهِ ، وَهَذَا أَخْصَرُ التَّعَارِيفِ وَأَقْرَبُهَا . وَالنُّذُورُ جَمْعُ نَذْرٍ وَأَصْلُهُ الْإِنْذَارُ بِمَعْنَى التَّخْوِيفِ ، وَعَرَّفَهُ الرَّاغِبُ : بِأَنَّهُ إِيجَابُ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِحُدُوثِ أَمْرٍ انْتَهَى . بَابُ التَّغْلِيظِ فِي الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ أَيِ الْكَاذِبَةِ . ( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ) : أَيْ مَحْلُوفُ يَمِينٍ فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ يَمِينٍ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَادُ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ الِاسْتِعَارَةِ قَالَهُ فِي الْفَتْحِ ( مَصْبُورَةٍ ) : أَيْ أُلْزِمَ بِهَا وَحُبِسَ عَلَيْهَا وَكَانَتْ لَازِمَةً لِصَاحِبِهَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ وَقِيلَ لَهَا : مَصْبُورَةٌ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمَصْبُورُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَبَرَ مِنْ أَجْلِهَا أَيْ حُبِسَ فَوُصِفَتْ بِالصَّبْرِ وَأُضِيفَتْ إِلَيْهِ مَجَازًا . قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْيَمِينُ الْمَصْبُورَةُ هِيَ اللَّازِمَةُ لِصَاحِبِهَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ فَيُصْبَرُ لِأَجْلِهَا أَيْ يُحْبَسُ وَهِيَ يَمِينُ الصَّبْرِ ، وَأَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُمْ : قُتِلَ فُلَانٌ صَبْرًا أَيْ حَبْسًا عَلَى الْقَتْلِ وَقَهْرًا عَلَيْهَا ( فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ ) : أَيْ بِسَبَبِهِ أَيْ بِسَبَبِ هَذَا الْحَلِفِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَوْ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ ، فَالْبَاءُ لِلِاسْتِعْلَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ وَالثَّانِي : أَوْلَى لِأَنَّهُ يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ أَيْ لَفْظُ بِوَجْهِهِ عَلَى الْأَوَّلِ تَأْكِيدًا : لِمَا عُلِمَ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْحَلِفَ سَبَبٌ لِهَذَا التَّبَوُّءِ لِأَنَّهُ إِذَا حُكِمَ عَلَى الْمُشْتَقِّ بِشَيْءٍ كَانَ مَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً لَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي : يَكُونُ تَأْسِيسًا وَهُوَ أَوْلَى مِنَ التَّأْكِيدِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ دُكَيْنٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ ، وَافَقَهُمَا فِي الْمَتْنِ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ : عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَكَانَ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ فقَالَ : وَزْنُ الْمَدِينَةِ ، وَمِكْيَالُ مَكَّةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَاخْتُلِفَ فِي الْمَتْنِ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا . باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم إلخ ( ابْنُ دُكَيْنٍ ) مُصَغَّرٌ ، هُوَ فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، ثِقَةٌ حَافِظٌ ( نَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ( عَنْ حَنْظَلَةَ ) بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيِّ ( الْوَزْنُ ) أَيِ الْمُعْتَبَرُ ( وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ تِجَارَاتٍ ، فَعَهْدُهُمْ بِالْمَوَازِينِ وَعِلْمُهُمْ بِالْأَوْزَانِ أَكْثَرُ . كَذَا قَالَهُ الْقَاضِي ، ( وَالْمِكْيَالُ ) الْمُعْتَبَرُ ( مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ زِرَاعَاتٍ ، فَهُمْ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ الْمَكَايِيلِ . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : الْحَدِيثُ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا ، حَتَّى لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الدَّرَاهِمِ ، حَتَّى تَبْلُغَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ مَكَّةَ ، وَالصَّاعُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، كُلُّ صَاعٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . وَقَالَ السِّنْدِيُّ فِي حَاشِيَةِ النَّسَائِيِّ : قَوْلُهُ الْمِكْيَالُ عَلَى مِكْيَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيِ الصَّاعُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْكَفَّارَاتِ ، وَيَجِبُ إِخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِهِ صَاعُ الْمَدِينَةِ وَكَانَتِ الصِّيعَانُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْبِلَادِ ، وَالْمُرَادُ بِالْوَزْنِ وَزْنُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَقَطْ ، أَيِ الْوَزْنُ الْمُعْتَبَرُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي الْعَشَرَةُ مِنْهَا بِسَبْعَةِ مَثَاقِيلَ ، وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةَ الْأَوْزَانِ فِي الْبِلَادِ ، وَكَانَتْ دَرَاهِمُ أَهْلِ مَكَّةَ هِيَ الدَّرَاهِمُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ ، فَأَرْشَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ لِهَذَا الْكَلَامِ ، كَمَا أَرْشَدَ إِلَى بَيَانِ الصَّاعِ الْمُعْتَبَرِ فِي بَابِ الْكَفَّارَاتِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ . انْتَهَى . وَفِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ : وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُرْجَعُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْكَيْلِ إِلَى مِكْيَالِ الْمَدِينَةِ ، وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْوَزْنِ إِلَى مِيزَانِ مَكَّةَ . أَمَّا مِقْدَارُ مِيزَانِ مَكَّةَ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : بَحَثْتُ غَايَةَ الْبَحْثِ عَنْ كُلِّ مَنْ وَثِقْتُ بِتَمْيِيزِهِ ، فَوَجَدْتُ كُلًّا يَقُولُ : إِنَّ دِينَارَ الذَّهَبِ بِمَكَّةَ وَزْنُهُ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً ، وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ بِالْحَبِّ مِنَ الشَّعِيرِ ، وَالدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الْمِثْقَالِ ، فَوَزْنُ الدِّرْهَمِ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ حَبَّةً وَسِتَّةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ ، وَعُشْرُ عُشْرِ حَبَّةٍ ، فَالرِّطْلُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا بِالدِّرْهَمِ الْمَذْكُورِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَكَانَ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةٍ وَزْنُ الْمَدِينَةِ ، وَمِكْيَالُ مَكَّةَ . انْتَهَى . قُلْتُ : حَدِيثُ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَكَتَ عَنْهُ الْمُؤَلِّفُ وَالْمُنْذِرِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبَزَّارُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ . ( وَكَذَا رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مَنْسُوبٌ إِلَى فِرْيَابَ مَدِينَةٌ بِبِلَادِ التُّرْكِ كَذَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، ثِقَةٌ فَاضِلٌ عَابِدٌ مِنْ أَجِلَّةِ أَصْحَابِ الثَّوْرِيِّ ، ( وَأَبُو أَحْمَدَ ) الزُّبَيْرِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ ( وَافَقَهُمَا ) أَيْ وَافَقَ فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ فِي هَذَا الْمَتْنِ الْفِرْيَابِيَّ ، وَأَبَا أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ ، ( وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) وَالْمَعْنَى أَيْ رَوَاهُ فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، بِلَفْظِ الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، وَأَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ اتَّفَقُوا فِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ . أَمَّا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَمَّا فَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَالْفِرْيَابِيُّ ، فَجَعَلَاهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ ابْنِ عُمَرَ . قُلْتُ : وَكَذَا جَعَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ . قَالَ الْمُحَدِّثُونَ : طَرِيقُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ هِيَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ سَالِمٍ بَدَلَ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : أَخْطَأَ أَبُو أَحْمَدَ فِيهِ ، ( وَرَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ) الدِّمَشْقِيُّ ثِقَةٌ ، لَكِنَّهُ كَثِيرُ التَّدْلِيسِ ، ( فَقَالَ : وَزْنُ الْمَدِينَةِ وَمِكْيَالُ مَكَّةَ ) وَهَذَا الْمَتْنُ مُخَالِفٌ لِمَتْنِ سُفْيَانَ ، وَرَجَّحَ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَةَ سُفْيَانَ فِي هَذَا ، ( وَاخْتُلِفَ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فِي الْمَتْنِ ) الْمَرْوِيِّ ( فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ) مُرْسَلًا ( عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا ) الْبَابِ ، أَيِ اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ عَلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ فِي مَتْنِهِ ، فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، كَمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ ، عَنْ حَنْظَلَةَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ ، كَمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْنَى قَرِيبٌ ، قَالَا : نا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ أَبِي صَفْوَانَ بْنِ عُمَيْرَةَ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ يَزِنُ بِأَجْرٍ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ قَيْسٌ ، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي رِزْمَةَ قال : سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : قَالَ رَجُلٌ لِشُعْبَةَ : خَالَفَكَ سُفْيَانَ فقَالَ : دَمَغْتَنِي ، وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ : كُلُّ مَنْ خَالَفَ سُفْيَانَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا وَكِيعٌ ، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : كَانَ سُفْيَانُ أَحْفَظَ مِنِّي . ( الْمَعْنَى قَرِيبٌ ) أَيْ رِوَايَتُهُمَا مُتَقَارِبَتَانِ فِي الْمَعْنَى ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) أَيِ السَّابِقِ ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ : أَخْبَرْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَفْوَانَ قَالَ : بِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَاوِيلَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، فَأَرْجَحَ لِي ( وَلَمْ يَذْكُرْ يَزِنُ بِأَجْرٍ ) ، أَيْ : لَمْ يَذْكُرْ شُعْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ هَذَا اللَّفْظَ . ( وَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ ) أَيِ الْقَوْلُ الْأَصَحُّ وَالْأَوْثَقُ هُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بَعْدَمَا ذَكَرَ حَدِيثَ سُفْيَانَ : وَكَذَا رَوَاهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، وَخَالَفَهُمَا شُعْبَةُ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ سِمَاكٍ ، سَمِعْتُ أَبَا صَفْوَانَ مَالِكُ بْنُ عُمَيْرَةَ الْحَدِيثُ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، سَمِعْتُ أَبَا صَفْوَانَ يَقُولُ : سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : أَبُو صَفْوَانَ كُنْيَتُهُ سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، هُمَا وَاحِدٌ صَحَابِيٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ . وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ النَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ : سَمِعْتُ مَالِكًا أَبَا صَفْوَانَ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : حَدِيثُ سُفْيَانَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، يَعْنِي الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ الَّذِي فِيهِ سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالْقَوْلُ قَوْلُ سُفْيَانَ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ : أَبُو صَفْوَانَ مَالِكُ بْنُ عُمَيْرَةَ ، وَيُقَالُ : سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ بَاعَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْجَحَ لَهُ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيِّ : أَبُو صَفْوَانَ مَالِكُ بْنُ عُمَيْرَةَ ، وَيُقَالُ : سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ، وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمَا رَجُلٌ وَاحِدٌ ، كُنْيَتُهُ أَبُو صَفْوَانَ ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ . ( دَمَغْتَنِي ) دَمَغَهُ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ ، أَيْ : شَجَّهُ حَتَّى بَلَغَتِ الشَّجَّةُ الدِّمَاغَ . كَذَا فِي الْقَامُوسِ .
بَابٌ : فِي الرُّجْحَانِ فِي الْوَزْنِ ، وَالْوَزْنِ بِالْأَجْرِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، نا سُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ : جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَفَةُ الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ ، فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي ، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ فَبِعْنَاهُ ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالْأَجْرِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زِنْ ، وَأَرْجِحْ . باب في الرجحان في الوزن والوزن بالأجر ( وَمَخْرَفَةُ ) بِالْفَاءِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : مَخْرَمَةٌ بِالْمِيمِ ، مَكَانَ الْفَاءِ . قَالَ الْقَارِي : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَرَاءٌ ثُمَّ فَاءٌ ، وَيُقَالُ : بِالْمِيمِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، كَذَا فِي الِاسْتِيعَابِ . انْتَهَى . ( بَزًّا ) بِتَشْدِيدِ الزَّايِ ، أَيْ : ثِيَابًا ( مِنْ هَجَرَ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ . وَفِي الْمُغْرِبِ : الْبَزُّ ، ضَرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ ، ( فَأَتَيْنَا بِهِ ) ، أَيْ : بِذَلِكَ الْبَزِّ الْمَجْلُوبِ ( مَكَّةَ ) أَيْ إِلَيْهَا ( يَمْشِي ) حَالٌ أَيْ جَاءَنَا مَاشِيًا ( وَثَمَّ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، أَيْ : هُنَاكَ ( يَزِنُ ) ، أَيِ : الثَّمَنَ ( بِالْأَجْرِ ) أَيِ الْأُجْرَةِ ( فَقَالَ لَهُ ) أَيْ لِلرَّجُلِ ( زِنْ ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ ثمنه ( وَأَرْجِحْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ، وَفِي الْقَامُوسِ : رَجَحَ الْمِيزَانُ يَرَجَحُ مُثَلَّثَةً رُجُوحًا وَرُجْحَانًا مالَ ، وَأَرْجَحَ لَهُ وَرَجَحَ أَعْطَاهُ رَاجِحًا . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ ، وَفِي مَعْنَاهُمَا أُجْرَةُ الْقَسَّامِ وَالْحَاسِبِ ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَنْهَى عَنْ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ ، وَكَرِهَهَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فَكَانَ فِي مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِهِ كَالدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ وَزْنَ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَإِذَا كَانَ الْوَزْنُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ الْإِيفَاءَ يَلْزَمُهُ ، فَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْوَزَّانِ عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقِيَاسُهُ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْبَائِعِ . انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى السَّرَاوِيلَ ، وَلَمْ يَلْبَسْهَا . وَفِي الْهَدْيِ لِابْنِ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيِّ : أَنَّهُ لَبِسَهَا ، فَقِيلَ : إِنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ ، لَكِنْ فِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى وَالْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : دَخَلْتُ يَوْمًا السُّوقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَلَسَ إِلَى الْبَزَّازِينَ ، فَاشْتَرَى سَرَاوِيلَ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّكَ لَتَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ ، فَقَالَ : أَجَلُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، فَإِنِّي أُمِرْتُ بِالسَّتْرِ ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَسْتَرَ مِنْهُ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَمَخْرَفَةٌ هَذَا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَفَاءٌ ، وَتَاءُ تَأْنِيثٍ .
بَابٌ : فِي كَرَاهِيَةِ الْيَمِينِ فِي الْبَيْعِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، نا ابْنُ وَهْبٍ . ( ح ) وَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ الْمُسَيَّبِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ وقَالَ ابْنُ السَّرْحِ : لِلْكَسْبِ : وَقَالَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . باب في كراهية اليمين في البيع ( الْحَلِفُ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ( مَنْفَقَةٌ ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَالِثِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ ، وَكَذَا مَمْحَقَةٌ ( لِلسِّلْعَةِ ) : بِالْكَسْرِ ، أَيْ : مَظِنَّةٌ وَسَبَبٌ لِنَفَاقِهَا ، أَيْ رَوَاجُهَا فِي ظَنِّ الْحَالِفِ ( مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ) : أَيْ مَظِنَّةٌ لِلْمَحْقِ ، وَهُوَ النَّقْصُ وَالْمَحْوُ وَالْإِبْطَالُ . وَقَالَ الْقَارِي : أَيْ سَبَبُ ذَهَابِ بَرَكَةِ الْمَكْسُوبِ ، إِمَّا بِتَلَفٍ يَلْحَقُهُ فِي مَالِهِ ، أَوْ بِإِنْفَاقِهِ فِي غَيْرِ مَا يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَيْهِ فِي الْعَاجِلِ ، أَوْ ثَوَابِهِ فِي الْآجِلِ ، أَوْ بَقِيَ عِنْدَهُ وَحُرِمَ نَفْعَهُ أَوْ وَرِثَهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ . انْتَهَى . ( وَقَالَ ابْنُ السَّرْحِ لِلْكَسْبِ ) : أَيْ مَكَانٌ لِلسِّلْعَةِ ( وَقَالَ ) : أَيِ ابْنُ السَّرْحِ فِي حَدِيثِهِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَصَرَّحَ بِاسْمِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي الْمَطْلِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزّيادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ 10 - بَابٌ فِي الْمَطْلِ أَيِ التَّسْوِيفِ وَالتَّأْخِيرِ . ( مَطْلُ الْغَنِيِّ ) أَيْ تَأْخِيرُهُ أَدَاءَ الدَّيْنِ مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ ( ظُلْمٌ ) فَإِنَّ الْمَطْلَ مَنْعُ أَدَاءِ مَا اسْتَحَقَّ أَدَاؤُهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ مِنَ الْمُتَمَكِّنِ ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى الْإِمْكَانِ ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، ( فَإِذَا أُتْبِعَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ الْقَطْعِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : جُعِلَ تَابِعًا لِلْغَيْرِ بِطَلَبِ الْحَقِّ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إِذَا أُحِيلَ ( أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَيَاءٍ سَاكِنَةٍ فَهَمْزٍ ، أَيْ : غَنِيٍّ . فِي النِّهَايَةِ : الْمَلِيءُ بِالْهَمْزَةِ الثِّقَةُ الْغَنِيُّ ، وَقَدْ أُولِعَ النَّاسُ فِيهِ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ( فَلْيَتْبَعْ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : فليحتل ، أَيْ : فَلْيَقْبَلِ الْحَوَالَةَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ ، وَقِيلَ : لِلْإِبَاحَةِ ، وَقِيلَ : لِلْوُجُوبِ . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِي قَوْلِهِ : مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ . دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا لَا يَجِدُ مَا يَقْضِيهِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ ، وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ . وَقَوْلُهُ : أُتْبِعَ يُرِيدُ إِذَا أُحِيلَ ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ : اتُّبِعَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ ، وَهُوَ غَلَطٌ وَصَوَابُهُ : أُتْبِعَ ، سَاكِنَةَ التَّاءِ عَلَى وَزْنِ أُفْعِلَ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي وَضْعِ الرِّبَا حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، نا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ يَقُولُ : أَلَا إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، لَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ مِنْ دَمِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُ مِنْهَا دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ قَالَ : اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ باب في وضع الربا ( مَوْضُوعٌ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الرَّدُّ وَالْإِبْطَالُ ( لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) : الْأَوَّلُ مَعْرُوفٌ ، وَالثَّانِي مَجْهُولٌ ( دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَخْ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمْ يُقْتَلْ ، وَقَدْ عَاشَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى زَمَنِ عُمَرَ ، وَإِنَّمَا قُتِلَ ابْنٌ لَهُ صَغِيرٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَهْدَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَمَهُ ، فِيمَا أَهْدَرَ ، وَنُسِبَ الدَّمُ إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ . انْتَهَى . وَفِي الْحَدِيثِ : أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّهُ يَلْقَاهُ بِالرَّدِّ وَالتَّنْكِيرِ ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرْبَى فِي كُفْرِهِ ثُمَّ لَمْ يَقْبِضِ الْمَالَ حَتَّى أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ رَأْسَ مَالِهِ وَيَضَعُ الرِّبَا ، فَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِمْ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَلْقَاهُ بِالْعَفْوِ ، فَلَا يُعْتَرَضُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّوِيلِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ بِنَحْوِهِ .
بَابٌ : فِي حُسْنِ الْقَضَاءِ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكْرًا ، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنْ الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ فَقُلْتُ : لَمْ أَجِدْ فِي الْإِبِلِ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعْطِهِ إِيَّاهُ ؛ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً باب في حسن القضاء ( اسْتَسْلَفَ ) أَيِ اسْتَقْرَضَ ( بَكْرًا ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ ، وَسُكُونِ كَافٍ مِنَ الْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الْغُلَامِ مِنَ الْإِنْسَانِ ( فَجَاءَتْهُ ) أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ ) ، أَيْ قِطْعَةُ إِبِلٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، ( إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا ) يُقَالُ : جَمَلٌ خِيَارٌ وَنَاقَةٌ خِيَارَةٌ ، أَيْ : مُخْتَارَةٌ ( رَبَاعِيًّا ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَالْيَاءِ ، وَهُوَ مِنَ الْإِبِلِ مَا أَتَى عَلَيْهِ سِتُّ سِنِينَ ، وَدَخَلَ فِي السَّابِعَةِ حِينَ طَلَعَتْ رَبَاعِيَّتُهُ ( أَعْطِهِ ) أَيِ الْجَمَلَ الْخِيَارَ ( إِيَّاهُ ) أَيِ الرَّجُلَ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَقْرَضَ شَيْئًا فَرَدَّ أَحْسَنَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِهِ كَانَ مُحْسِنًا ، وَيَحِلُّ ذَلِكَ لِلْمُقْرِضِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَجُوزُ لِلْمُقْرِضِ أَخْذُ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ زَادَ فِي الصِّفَةِ أَوْ فِي الْعَدَدِ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْعَدَدِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا . وَحُجَّةُ أَصْحَابِنَا عُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَدَّ الْأَجْوَدِ فِي الْقَرْضِ أَوِ الدَّيْنِ مِنَ السُّنَّةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْقَرْضِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَحْيَى ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي ( كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَيْنٌ إِلَخْ ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي آكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا زُهَيْرٌ ، نا سِمَاكٌ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ، وَشَاهِدَهُ ، وَكَاتِبَهُ باب في آكل الربا وموكله ( آكِلَ الرِّبَا ) : أَيْ آخِذُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالْأَكْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ الِانْتِفَاعِ ، ( وَموكِلَهُ ) : بِهَمْزٍ ، وَيُبْدَلُ أَيْ مُعْطِيَهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ ( وَشَاهِدَهُ وَكَاتِبَهُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ تَصْرِيحٌ بِتَحْرِيمِ كِتَابَةِ الْمُتَرَابِيَيْنِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا ، وَبِتَحْرِيمِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبَاطِلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِتَمَامِهِ ، وَمِنْ حَدِيثِ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فِي آكِلِ الرِّبَا وَمُوكِّلِهِ فَقَطْ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَعَنْ ثَمَنِ الدَّمِ ، وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ ، وَأَكْلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ رَفَعَهُ قَالَ عُثْمَانُ : وَنَا وَكِيعٌ عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ قَالَ : اشْتَرَى مِنْ عِيرٍ بِيعًا ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ فَأُرْبِحَ فِيهِ ، فَبَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ عَلَى أَرَامِلِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَقَالَ : لَا أَشْتَرِي بَعْدَهَا شَيْئًا إِلَّا وَعِنْدِي ثَمَنُهُ . ( اشْتَرَى ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مِنْ عِيرٍ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ قَافِلَةٍ ( بَيْعًا ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَبِيعًا ( فَأُرْبِحَ فِيهِ ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، أَيْ : أُعْطِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّفْعَ وَالرِّبْحَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنَ الْعِيرِ ( فَبَاعَهُ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ الْمَالَ بِالرِّبْحِ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ . وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، ثَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَتْ عِيرٌ الْمَدِينَةَ فَاشْتَرَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَبِحَ أَوَاقِيَّ ، فَقَسَّمَهَا فِي أَرَامِلِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَقَالَ : لَا أَشْتَرِي شَيْئًا لَيْسَ عِنْدِي ثَمَنُهُ ( عَلَى أَرَامِلِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ : رَجُلٌ أَرْمَلٌ وَامْرَأَةٌ أَرْمَلَةٌ مُحْتَاجَةٌ أَوْ مِسْكِينَةٌ جَمْعُ أَرَامِلَ وَأَرَامِلَةٍ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلًا وَمَنْ وَجْهٍ مُتَّصِلًا ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي التَّشْدِيدِ فِي الدَّيْنِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ سَمْعَانَ ، عَنْ سَمُرَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَ : هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَ : هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَنِ ؟ أَمَا إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ إِلَّا خَيْرًا ، إِنَّ صَاحِبَكُمْ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَدَّى عَنْهُ حَتَّى مَا بَقِيَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِشَيْءٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمْعَانُ بْنُ مُشَنِّجٍ باب في التشديد في الدين ( هَاهُنَا أَحَدٌ ) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ : أَهَاهَهُنَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَحَدٌ ؟ ثَلَاثًا ( إِنِّي لَمْ أُنَوِّهْ بِكُمْ ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ نَوَّهْتُهُ تَنْوِيهًا إِذَا رَفَعْتُهُ ، وَالْمَعْنَى لَا أَرْفَعُ لَكُمْ وَلَا أَذْكُرُ لَكُمْ إِلَّا خَيْرًا . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : نَوَّهه وبِهِ دَعَاهُ ، وَرَفَعَهُ . انْتَهَى . ( مَأْسُورٌ ) أَيْ مَحْبُوسٌ وَمَمْنُوعٌ عَنْ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ ) أَيِ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ، وَهَذِهِ مَقُولَةُ سَمُرَةَ ، ( أَدَّى ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، ( عَنْهُ ) أَيْ عَنِ الْمَأْسُورِ بِدَيْنِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رَوَى عَنِ الشَّعْبِيُّ مُرْسَلًا ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ ، وَقَالَ : لَا يُعْلَمُ لِسَمْعَانَ سَمَاعٌ عَنْ سَمُرَةَ . وَلَا لِلشَّعْبِيِّ مِنْ سَمْعَانَ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمْعَانُ بْنُ مُشَنَّجٍ ) بِمُعْجَمَةٍ وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ ثُمَّ جِيمٌ عَلَى وَزْنِ مُعَظَّمٍ . قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ : وَرَوَى عَنْهُ عَامِرُ الشَّعْبِيُّ ، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُهُ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَلَا نَعْلَمُ لِسَمْعَانَ سَمَاعًا مِنْ سَمُرَةَ ، وَلَا لِلشَّعْبِيِّ مِنْ سَمْعَانَ . وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو نَصْرِ بْنُ مَاكُولَا ، وَقَالَ : لَيْسَ لَهُ غَيْرُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَقُولُ : عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً ( إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ ) قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : أَيْ مِنْ أَعْظَمِهَا فَحَذَفَ مِنْ وَهِيَ مُرَادَةٌ ، كَمَا يُقَالُ : أَعْقَلُ النَّاسِ ، وَيُرَادُ أَنَّهُ مِنْ أَعْقَلِهِمْ ( أَنْ يَلْقَاهُ ) خَبَرُ إِنَّ . قَالَ الْمُنَاوِيُّ : أَيْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُتَلَبِّسًا بِهَا مُصِرًّا عَلَيْهَا ، وَهُوَ إِمَّا ظَرْفٌ أَوْ حَالٌ . انْتَهَى . أَيْ فِي حَالِ لُقِيِّهِ بِهَا ، ( بِهَا ) أَيْ بِأَعْظَمِ الذُّنُوبِ ( عَبْدٌ ) فَاعِلُ يَلْقَى ( بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا ) بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ ( أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ ) بَدَلٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ ، فَإِنَّ لِقَاءَ الْعَبْدِ رَبَّهُ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَلِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ : إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ عِنْدَ اللَّهِ مَوْتُ الرَّجُلِ ( وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ) اسْتَقَامَ ، وَ رَجُلٌ مُظْهَرٌ ، أُقِيمَ مَقَامَ ضَمِيرِ الْعَبْدِ . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : فَإِنْ قُلْتَ : قَدْ سَبَقَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فِي قَوْلِهِ : يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنُ ، وَهَاهُنَا جَعَلَهُ دُونَ الْكَبَائِرِ ، فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ ؟ قُلْتُ : قَدْ وَجَّهْنَاهُ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ تَحْذِيرًا وَتَوَقِّيًا عَنِ الدَّيْنِ ، وَهَذَا مُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ . انْتَهَى ( لَا يَدْعُ لَهُ قَضَاءً ) صِفَةٌ لِدَيْنٍ ، أَيْ : لَا يَتْرُكُ لِذَلِكَ الدَّيْنِ مَالًا يَقْضِي بِهِ . قَالَ الْمُظْهِرُ : فِعْلُ الْكَبَائِرِ عِصْيَانُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَخْذُ الدَّيْنِ لَيْسَ بِعِصْيَانٍ بَلِ الِاقْتِرَاضُ وَالْتِزَامُ الدَّيْنِ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا شَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ مَا يَقْضِي دَيْنَهُ كَيْلَا تَضِيعَ حُقُوقُ النَّاسِ انْتَهَى . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ الْعُزَيْزِيُّ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا قَصَّرَ فِي الْوَفَاءِ أَوِ اسْتَدَانَ لِمَعْصِيَةٍ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ فَقَالَ : أَعَلَيْهِ دَيْنٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ دِينَارَانِ قَالَ : صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ : هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ . ( لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ) قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرُهُ : وَامْتِنَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَدْيُونِ الَّذِي لَمْ يَدَعْ وَفَاءً ، إِمَّا لِلتَّحْذِيرِ عَنِ الدَّيْنِ وَالزَّجْرِ عَنِ الْمُمَاطَلَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي الْأَدَاءِ أَوْ كَرَاهَةَ أَنْ يُوقَفَ دُعَاؤُهُ بِسَبَبِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ وَمَظَالِمِهِمُ . انْتَهَى . ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ إِلَخْ ) فِي كُلِّ شَيْءٍ لِأَنِّي الْخَلِيفَةُ الْأَكْبَرُ الْمُمِدُّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ ، فَحُكْمِي عَلَيْهِمْ أَنْفَذُ مِنْ حُكْمِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَذَا قَالَهُ لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَةُ : ( فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ ) مِمَّا يَفِيءُ اللَّهُ بِهِ مِنْ غَنِيمَةٍ وَصَدَقَةٍ ، وَذَا نَاسَخٌ لِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْخَبَرِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَزَادَ قَالَ : فَإِذَا اخْتَلَفَ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ . ( إِذَا كَانَ ) أَيْ لِلْبَيْعِ ( يَدًا بِيَدٍ ) أَيْ حَالًا مَقْبُوضًا فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ افْتِرَاقِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ .
بَابٌ : فِي الصَّرْفِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الذَّهَبُ بِالفضة رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ 12 - بَابٌ فِي الصَّرْفِ هُوَ الْبَيْعُ إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عِوَضَيْهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ ، سُمِّيَ بِهِ لِلْحَاجَةِ إِلَى النَّقْلِ فِي بَدَلَيْهِ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ ، وَالصَّرْفُ هُوَ النَّقْلُ وَالرَّدُّ لُغَةً . كَذَا فِي الْهِدَايَةِ . ( الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ ) أَيْ وَلَوْ مُتَسَاوِيَيْنِ ، هَكَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَفِي بَعْضِهَا : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ ، وَفِي بَعْضِهَا : الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ ( رِبًا إِلَّا هَاءً وَهَاءً ) أَيْ مَقْبُوضَيْنِ وَمَأْخُوذَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ ، بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا : خُذْ هَذَا فَيَقُولُ الْآخَرُ مِثْلَهُ . وَ هَاءً بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى خُذْ ، وَالْمَدُّ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ ، وَالْهَمْزَةُ مَفْتُوحَةٌ ، وَيُقَالُ بِالْكَسْرِ ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ : هَا وَهَا مَقْصُورَيْنِ ، وَالصَّوَابُ مَدُّهُمَا وَنَصْبُ الْأَلِفِ مِنْهُمَا ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِذَا نَاوَلَهُ الشَّيْءَ : هَاكَ أَيْ خُذْ ، فَأَسْقَطُوا الْكَافَ مِنْهُ ، وَعَوَّضُوهُ الْمَدَّةَ بَدَلًا مِنَ الْكَافِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ ، نا هَمَّامٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ ، فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ ، وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ بِإِسْنَادِهِ ( تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا ) التِّبْرُ الذَّهَبُ الْخَالِصُ وَالْفِضَّةُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَا دَنَانِيرَ وَدَرَاهِمَ ، فَإِذَا ضُرِبَا كَانَا عَيْنًا . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالْمَعْنَى كِلَاهُمَا سَوَاءٌ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مِثْقَالِ ذَهَبٍ عَيْنًا بِمِثْقَالٍ ، وَشَيْءٍ مِنْ تِبْرٍ غَيْرِ مَضْرُوبٍ ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْمَضْرُوبِ مِنَ الْفِضَّةِ وَغَيْرِ الْمَضْرُوبِ مِنْهَا . انْتَهَى مُحَصَّلًا . ( مُدْيٌ بِمُدْيٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ : مِكْيَالٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا . كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . وقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَالْمُدْيُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِبِلَادِ الشَّامِ ، وَبِلَادِ مِصْرَ بِهِ يَتَعَامَلُونَ ، وَأَحْسَبُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَكُّوكًا ، وَالْمَكُّوكُ صَاعٌ وَنِصْفٌ . انْتَهَى ، وَالْمَعْنَى مِكْيَالٌ بِمِكْيَالٍ ، ( فَمَنْ زَادَ ) أَيْ أَعْطَى الزِّيَادَةَ ( أَوِ ازْدَادَ ) أَيْ طَلَبَ الزِّيَادَةَ ، ( فَقَدْ أَرْبَى ) أَيْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي الرِّبَا الْمُحَرَّمِ . قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : أَيْ أَتَى الرِّبَا وَتَعَاطَاهُ . وَمَعْنَى اللَّفْظِ : أَخَذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ مِنْ رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا زَادَ ( وَالْفِضَّةُ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا نَسِيئَةً فَلَا ) نَسِيئَةٌ بِوَزْنِ كَرِيمَةٍ ، وَبِالْإِدْغَامِ نَحْوُ مَرِيَّةٍ وَبِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ النُّونِ نَحْوُ جِلْسَةٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ بَيَانُ أَنَّ التَّقَابُضَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ فِي كُلِّ مَا يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَطْعُومِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ ، وَالشَّعِيرِ أَكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ ، وَأَمَّا النَّسِيئَةُ فَلَا ، فَنَصَّ عَلَيْهِ كَمَا تَرَى . وَجَوَّزَ أَهْلُ الْعِرَاقِ بَيْعَ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ ، وَصَارُوا إِلَى أَنَّ الْقَبْضَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الصَّرْفِ دُونَ مَا سِوَاهُ ، وَقَدِ اجْتَمَعَتْ بَيْنَهُمَا النَّسِيئَةُ ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ مِمَّا فِيهِ الرِّبَا لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ نِسْئًا وَلَا نَقْدًا ، وَأَنَّ الْجِنْسَيْنِ لَا يَجُوزُ فِيهِمَا التَّفَاضُلُ نِسْئًا ، وَيَجُوزُ نَقْدًا . انْتَهَى ، ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ إِلَخْ ) يَعْنِي أَنَّ سَعِيدًا وَهِشَامًا رَوَيَا هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ مُسْلِمٍ بِلَا وَاسِطَةِ أَبِي الْخَلِيلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ ، وَفِي أَلْفَاظِهِ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ .
أول كِتَابُ الْبُيُوعِ بَابٌ : فِي التِّجَارَةِ يُخَالِطُهَا الْحَلْفُ وَاللَّغْوُ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ : كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ ، فَمَرَّ بِنَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ . حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى الْبِسْطَامِيُّ وَحَامِدُ بْنُ يَحْيَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ قَالُوا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ وَعَاصِمٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ بِمَعْنَاهُ قَالَ : يَحْضُرُهُ الْكَذِبُ وَالْحَلْفُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ : اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ . أَوَّلُ كِتَابِ الْبُيُوعِ الْبَيْعُ لُغَةً : مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ ، وَكَذَا فِي الشَّرْعِ ، لَكِنْ زِيدَ فِيهِ قَيَّدُ التَّرَاضِي ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُ دَلَالَةً عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ . وَالْحِكْمَةُ فِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ أَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ غَالِبًا ، وَصَاحِبُهُ قَدْ لَا يَبْذُلُهُ ، فَفِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ وَسِيلَةٌ إِلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ . باب في التجارة إلخ ( عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ ) : بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَزَايٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ، غِفَارِيٌّ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ ، ( نُسَمَّى ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( السَّمَاسِرَةَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ ، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْأُولَى ، وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ، جَمْعُ سِمْسَارٍ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : السِّمْسَارُ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ الْحَافِظُ لَهُ ، وَهُوَ اسْمُ للذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُتَوَسِّطًا لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ ، وَالسَّمْسَرَةُ ، الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ . انْتَهَى . ( فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ ) : أَيْ مِنِ اسْمِنَا الْأَوَّلِ . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : السِّمْسَارُ أَعْجَمِيٌّ ، وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِيهِمْ عَجَمًا ، فَتَلَقَّوْا هَذَا الِاسْمَ عَنْهُمْ ، فَغَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ . انْتَهَى . ( إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ ) : أَيْ غَالِبًا ، وَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُورَدُ ، لَا عَنْ رَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ ، فَيَجْرِي مَجْرَى اللَّغْوِ ، وَهُوَ صَوْتُ الْعَصَافِيرِ . ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . قَالَ الْقَارِي : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ، وَمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ . انْتَهَى . ( وَالْحَلِفُ ) : أَيْ إِكْثَارُهُ ، أَوِ الْكَاذِبُ مِنْهُ ، ( فَشُوبُوهُ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، أَيِ : اخْلِطُوا مَا ذُكِرَ مِنَ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ ، قَالَهُ الْقَارِي . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى الْبَيْعِ ( بِالصَّدَقَةِ ) : فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِمَّنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ كَانَ يَجِبُ فِيهَا صَدَقَةً كَمَا يَجِبُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ لَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ : فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ ، أَوْ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ . وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ ؛ لِأَنَّهُ إنما أَمَرَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرِ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فِي تَضَاعِيفِ الْأَيَّامِ مِنَ الْأَوْقَاتِ ، لِيَكُونَ كَفَّارَةً عَنِ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ ، فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الَّتِي هِيَ رُبُعُ الْعُشْرِ الْوَاجِبُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَقَدْ وَقَعَ الْبَيَانُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ ، وَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا الصَّدَقَةَ عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَعُدُّونَهَا لِلْبَيْعِ ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، ثُمَّ هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَالَ : وَلَا نَعْرِفُ لِقَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا . وَأَخْرَجَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ ابْنَ أَبِي غَرْزَةَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ رَوَى عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ ، إِلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ . فَمِنْهُمْ مَنْ يجعلهما حَدِيثَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعَادِنِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي : ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي : ابْنَ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَقَالَ : وَاللَّهِ ما أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ ، قال : فَتَحَمَّلَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ بِقَدْرِ مَا وَعَدَهُ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ ؟ قَالَ : مِنْ مَعْدِنٍ ، قَالَ : لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا ، َلَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ ، فَقَضَاهَا عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَابٌ فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعَادِنِ جَمْعُ مَعْدِنٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : المعدن كَمَجْلِسٍ ، مَنْبَتُ الْجَوَاهِرِ مِنْ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ . انْتَهَى . ( أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ ) : أَيْ ضَامِنٍ ، ( فَتَحَمَّلَ ) : أَيْ تَكَفَّلَ ، ( فَأَتَاهُ ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْغَرِيمِ ، وَالْمَنْصُوبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( قَالَ : لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا ، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا رَدُّهُ الذَّهَبَ الَّذِي اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَعْدِنِ ، وَقَوْلُهُ : لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَخْ . فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِسَبَبٍ عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ خَاصَّةً ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الذَّهَبَ الْمُسْتَخْرَجَ لَا يُبَاحُ تَمَوُّلُهُ وَتَمَلُّكُهُ ، فَإِنَّ عَامَّةَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنَ الْمَعَادِنِ ، وَقَدْ أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ ، وَكَانُوا يُؤَدُّونَ عَنْهَا الْحَقَّ ، وَهُوَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ إِلَى الْيَوْمِ ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَعَادِنِ يَبِيعُونَ تُرَابَهَا مِمَّنْ يُعَالِجُهُ ، فَيَحْصُلُ مَا فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ، وَهُوَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى هَلْ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَوْ لَا ، وَقَدْ كَرِهَ بَيْعَ تُرَابِ الْمَعَادِنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، مِنْهُمْ : عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ : وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ؛ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ أَيْ لَيْسَ فِيهَا رَوَاجٌ ، وَلَا لِحَاجَتِنَا فِيهَا نَجَاحٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي كَانَ تَحَمَّلَهُ عَنْهُ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةٌ ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ تِبْرٌ غَيْرُ مَضْرُوبٍ ، وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَضْرِبُهُ دَنَانِيرَ ، وَإِنَّمَا كَانَ تُحْمَلُ إِلَيْهِمُ الدَّنَانِيرُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ ، فَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ السِّكَّةَ فِي الْإِسْلَامِ وَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، فَهِيَ تُدْعَى الْمَرْوَانِيَّةَ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَيَدْخُلُهُ مِنَ الْغَرَرِ عِنْدَ اسْتِخْرَاجِهِمْ إِيَّاهُ مِنَ الْمَعْدِنِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ استخرجوه بِالْعُشْرِ أَوِ الْخُمُسِ أَوِ الثُّلُثِ فَمَا يُصِيبُونَهُ ، وَهُوَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى هَلْ يُصِيبُ الْعَامِلُ فِيهِ شَيْئًا أَمْ لَا ، فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ عَلَى رَدِّ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى هَلْ يَظْفَرُ بِهِمَا أَمْ لَا . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْحَمَالَةِ وَالضَّمَانِ ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ مُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ ، وَمَنْعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أنا عِيسَى ، عن زَكَرِيَّا ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يقولَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِهَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ َدِينَهُ وعِرْضَهُ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ . ( وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ أَنَّهَا تَشْتَبِهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ، وَلَيْسَ أَنَّهَا فِي ذَوَاتِ أَنْفُسِهَا مُشْتَبِهَةٌ لَا بَيَانَ لَهَا فِي جُمْلَةِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا يَجِبُ لَهُ فِيهِ حُكْمٌ إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ فِيهِ لَهُ بَيَانًا ، وَنَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ، وَلَكِنَّ الْبَيَانَ ضَرْبَانِ ، بَيَانٌ جَلِيٌّ يَعْرِفُهُ عَامَّةُ النَّاسِ ، وَخَفِيٌّ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا الْخَاصُّ مِنَ الْعُلَمَاءِ . قَالَ : ودلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ ، وَقَدْ عُقِلَ بِبَيَانِ ، فَحْوَاهُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَعْرِفُونَهَا ، وَإِنْ كَانُوا قَلِيلَ الْعَدَدِ . وَإِذَا صَارَ مَعْلُومًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ ، فَلَيْسَ بِمُشْبِهٍ فِي نَفْسِهِ . انْتَهَى . مُخْتَصَرًا ( فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ ) : أَيِ اجْتَنَبَ عَنِ الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ قَبْلَ ظُهُورِ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهَا ، ( اسْتَبْرَأَ دِينَهُ وَعِرْضَهُ ) : يَعْنِي : بَالَغَ فِي بَرَاءَةِ دِينِهِ ، مِنْ أَنْ يَخْتَلَّ بِالْمَحَارِمِ ، وَعِرْضِهِ مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ بِتَرْكِ الْوَرَعِ ، وَالسِّينُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ اسْتَعَفَّ أَبْلَغُ مِنْ عَفَّ كَأَنَّهُ طَالِبَ زِيَادَةَ الْعِفَّةِ ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ ( وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ) : يَعْنِي يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ حَوْلَ حَرِيمِهِ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا هُشَيْمٌ ، نا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ أَبِي خَيْرَةَ يَقُولُ : نا الْحَسَنُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، نا خَالِدٌ ، عَنْ دَاوُدَ يَعْنِي : ابْنَ أَبِي هِنْدٍ وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي خَيْرَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا ، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ . قَالَ ابْنُ عِيسَى : أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ . ( إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا ) : قَالَ الْقَارِي بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَاضِي ، وَالْمُسْتَثْنَى صِفَةٌ لِأَحَدٍ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَحْذُوفٌ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْهُمْ لَهُ وَصْفٌ إِلَّا وُصِفَ كَوْنُهُ آكِلَ الرِّبَا . فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ انْتِشَارِهِ فِي النَّاسِ بِحَيْثُ إِنَّهُ يَأْكُلُهُ كُلُّ أَحَدٍ ( مِنْ بُخَارِهِ ) : أَيْ يَصِلُ إِلَيْهِ أَثَرُهُ بِأَنْ يَكُونَ شَاهِدًا فِي عَقْدِ الرِّبَا ، أَوْ كَاتِبًا أَوْ آكِلًا مِنْ ضِيَافَةِ آكِلِهِ أَوْ هَدِيَّتِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّ أَحَدًا سَلِمَ مِنْ حَقِيقَتِهِ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ آثَارِهِ ، وَإِنْ قَلَّتْ جِدًّا . قَالَهُ الْقَارِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، أنا ابْنُ إِدْرِيسَ ، أنا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ : أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ ، أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ . فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِي امْرَأَةٍ ، فَجَاءَ فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَوَضَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ فَأَكَلُوا فَنَظَرَ آبَاؤُنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فَمِهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا . فَأَرْسَلَتْ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى الْبَقِيعِ يَشْتَرِي لِي شَاةً ، فَلَمْ أَجِدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدْ اشْتَرَى شَاةً أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا بِثَمَنِهَا ، فَلَمْ يُوجَدْ فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطْعِمِيهِ الْأُسَارَى ( فِي جِنَازَةٍ ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا ، ( يُوصِي الْحَافِرَ ) : أَيِ الَّذِي يَحْفِرُ الْقَبْرَ ( أَوْسِعْ ) : أَمْرُ مُخَاطَبٍ لِلْحَافِرِ ( مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ مِنْ جَانِبِهِمَا ، ( فَلَمَّا رَجَعَ ) : أَيْ عَنِ الْمَقْبَرَةِ ، ( اسْتَقْبَلَهُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( دَاعِي امْرَأَةٍ ) : كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ ، وَفِي الْمِشْكَاةِ : دَاعِي امْرَأَتِهِ ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ ، قَالَ الْقَارِي : أَيْ زَوْجَةِ الْمُتَوَفَّى ، ( فَوَضَعَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَدَهُ ) : أَيْ فِي الطَّعَامِ ( يَلُوكُ لُقْمَةً ) : أَيْ يَمْضُغُهَا ، وَاللَّوْكُ : إِدَارَةُ الشَّيْءِ فِي الْفَمِ ( إِلَى الْبَقِيعِ ) : بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنُّونِ ، وَلَفْظُ الْمِشْكَاةِ : إِلَى النَّقِيعِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يُبَاعُ فِيهِ الْغَنَمُ . قَالَ الْقَارِي : النَّقِيعُ بِالنُّونِ ، وَالتَّفْسِيرُ مُدْرَجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ . وَفِي الْمُقَدِّمَةِ : النَّقِيعُ ، مَوْضِعٌ بِشَرْقِ الْمَدِينَةِ . وَقَالَ فِي التَّهْذِيبِ : هُوَ فِي صَدْرِ وَادِي الْعَقِيقِ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مِيلًا مِنْ الْمَدِينَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَخْطَأَ مَنْ قَالَ بِالْمُوَحَّدَةِ . انْتَهَى . ( أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِهَا ) : أَيْ بِالشَّاةِ الْمُشْتَرَاةِ لِنَفْسِهِ ( بِثَمَنِهَا ) : أَيِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ ، ( فَلَمْ يُوجَدْ ) : أَيِ الْجَارُ ( فَأَرْسَلَتْ ) : أَيِ الْمَرْأَةُ ( إِلَيَّ بِهَا ) : أَيْ بِالشَّاةِ ، فَظَهَرَ أَنَّ شِرَائِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ إِذْنَ زَوْجَتِهِ وَرِضَاهَا غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَهُوَ يُقَارِبُ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى إِجَازَةِ صَاحِبِهِ ، وَعَلَى كُلٍّ فَالشُّبْهَةُ قَوِيَّةٌ وَالْمُبَاشَرَةُ غَيْرُ مَرَضِيَّةٍ ، ( أَطْعِمِيهِ ) : أَيْ هَذَا الطَّعَامَ ( الْأَسَارَى ) : جَمْعُ أَسِيرٍ ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ فَقِيرٌ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : وَهُمْ كُفَّارٌ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ الشَّاةِ لِيَسْتَحِلُّوا مِنْهُ ، وَكَانَ الطَّعَامُ فِي صَدَدِ الْفَسَادِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِطْعَامِ هَؤُلَاءِ ، فَأَمَرَ بِإِطْعَامِهِمُ . انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي اجْتِنَابِ الشُّبُهَاتِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، نا أَبُو شِهَابٍ ، عن ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ، يقول : وَلَا أَسْمَعُ أَحَدًا بَعْدَهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتشاَبِهَاتٌ ، أَحْيَانًا يَقُولُ : مُشْتَبِهَةٌ وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا : إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى ، وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ محارمه ، وَإِنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَهُ ، وَإِنَّهُ مَنْ يُخَالِطُ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ . باب في اجتناب الشبهات ( إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ) : أَيْ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ ، ( وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ) : أَيْ لَا يَخْفَى حُرْمَتُهُ ، وَفِيهِ تَقْسِيمٌ لِلْأَحْكَامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ، وَهُوَ تَقْسِيمٌ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِمَّا أَنْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَى طَلَبِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى تَرْكِهِ ، أَوْ يَنُصُّ عَلَى تَرْكِهِ مَعَ الْوَعِيدِ عَلَى فِعْلِهِ ، أَوْ لَا يَنُصُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا : فَالْأَوَّلُ الْحَلَالُ الْبَيِّنُ ، وَالثَّانِي الْحَرَامُ الْبَيِّنُ ، وَالثَّالِثُ الْمُشْتَبَهُ ؛ لِخَفَائِهِ ، فَلَا يُدْرَى أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ يَنْبَغِي اجْتِنَابُهُ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّبِعَةِ ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عَلَى التَّرْكِ لِهَذَا الْقَصْدِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ حَظْرًا وَإِبَاحَةً . وَهَذَا التَّقْسِيمُ قَدْ وَافَقَ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُبَاحَ وَالْمَكْرُوهَ مِنَ الْمُشَبَّهَاتِ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ؛ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى حِلُّهُ ، كَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ وَالزَّيْتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَطْعُومَاتِ ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ وَالنَّظَرُ وَالْمَشْيُ ، مِنَ التَّصَرُّفَاتِ فِيهَا حَلَالٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لَا شَكَّ فِي حِلِّهِ ، وَأَمَّا الْحَرَامُ الْبَيِّنُ فَكَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْبَوْلِ ، وَكَذَلِكَ الزِّنَا وَالْكَذِبُ وَالْغِيبَةُ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ( وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابِهَاتٍ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُشْتَبِهَاتٌ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ ، وَفِي بَعْضِهَا مُشَبَّهَاتٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا الْمُشَبَّهَاتُ ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاضِحَةِ الْحِلِّ وَلَا الْحُرْمَةِ ، فَلِهَذَا لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا يَعْلَمُونَ حُكْمَهَا ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَيَعْرِفُونَ حُكْمَهَا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوِ اسْتِصْحَابٍ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَطَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ الْكَلَامَ ( أَحْيَانًا ) : ظَرْفٌ مُقَدَّمٌ لِيَقُولَ ؛ أَيْ يَقُولُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، ( مُشْتَبِهَةٌ ) : أَيْ مَكَانَ مُتَشَابِهَاتٌ ، ( وَسَأَضْرِبُ لَكُمْ فِي ذَلِكَ مَثَلًا ) : أَيْ سَأُبَيِّنُ لِإِيضَاحِ حُكْمَ تِلْكَ الْأُمُورِ مِثَالًا ، ( إِنَّ اللَّهَ حَمَى حِمًى ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ مَا يَحْمِيهُ الْإِمَامُ لِمَوَاشِيهِ وَيَمْنَعُ الْغَيْرَ ( يُوشِكُ ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَقْرُبُ ( أَنْ يُخَالِطَهُ ) : أَيْ يَقَعَ فِي الْحِمَى ، شَبَّهَ الْمُكَلَّفَ بِالرَّاعِي ، وَالنَّفْسَ البهيمية بِالْأَنْعَامِ ، وَالْمُشَبَّهَاتَ بِما حَوْلَ الْحِمَى وَالْمَعَاصِي بِالْحِمَى ، وَتَنَاوَلُهُ الْمُشَبَّهَاتِ بِالرَّتْعِ حَوْلَ الْحِمَى ، فَهُوَ تَشْبِيهٌ بِالْمَحْسُوسِ الَّذِي لَا يَخْفَى حَالُهُ . وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ حُصُولُ الْعِقَابِ بِعَدَمِ الِاحْتِرَازِ فِي ذَلِكَ ، كَمَا أَنَّ الرَّاعِي إِذَا جَرَّهُ رَعْيُهُ حَوْلَ الْحِمَى إِلَى وُقُوعِهِ اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ لِذَلِكَ ، فَكَذَا مَنْ أَكْثَرَ مِنَ الشُّبُهَاتِ ، وَتَعَرَّضَ لِمُقَدِّمَاتِهَا وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، فَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ . ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( الرِّيبَةُ ) : أَيِ الْأَمْرُ الْمُشْتَبَهِ وَالْمَشْكُوكُ ، ( أَنْ يَجْسُرَ ) : بِالْجِيمِ مِنَ الْجَسَارَةِ ، أَيْ : عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْحَرَامِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : يَخْسُرَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ الْجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ ، قال : حَدَّثَنِي حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ ، نُبَايِعُ الْيَهُودَ الْوقِيَّةَ مِنْ الذَّهَبِ بِالدِّينَارِ ، قَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ : بِالدِّينَارَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ ( عَنِ الْجُلَاحِ ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ( الْوَقِيَّةَ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : الْأُوقِيَّةَ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْوَقِيَّةُ هِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ الْأُوقِيَّةُ بِالْهَمْزَةِ فِي أَوَّلِهِ ، ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) : أَيْ قُتَيْبَةُ وَغَيْرُهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الْأُوقِيَّةَ مِنْ ذَهَبٍ وَخَرَزٍ وَغَيْرِهِ بِدِينَارٍ أَوْ بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، وَإِلَّا فَالْأُوقِيَّةُ وَزْنُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدًا لَا يَبْتَاعُ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ بِدِينَارٍ أَوْ بِدِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، وَهَذَا سَبَبُ مُبَايَعَةِ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، ظَنُّوا جَوَازَهُ لِاخْتِلَاطِ الذَّهَبِ لِغَيْرِهِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَرَامٌ ، حَتَّى يُمَيَّزَ وَيُبَاعَ الذَّهَبُ بِوَزْنِهِ ذَهَبًا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
بَابٌ : فِي حِلْيَةِ السَّيْفِ تُبَاعُ بِالدَّرَاهِمِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالُوا : نا ابْنُ الْمُبَارَكِ . ( ح ) وَنَا ابْنُ الْعَلَاءِ ، أََنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ حَنَشٍ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ خَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ مَنِيعٍ : فِيهَا خَرَزٌ مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ ، أَوْ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَقَالَ : إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا قَالَ : فَرَدَّهُ حَتَّى مُيِّزَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ابْنُ عِيسَى : أَرَدْتُ التِّجَارَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَانَ فِي كِتَابِهِ الْحِجَارَةُ ُ . باب في حلية السيف تباع بالدراهم ( بِقِلَادَةٍ ) بِكَسْرِ الْقَافِ : مَا يُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَنَحْوِهِ ( وَخَرَزٍ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ جَمْعُ خَرَزَةٍ بِفَتْحَتَيْنِ وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ مهرة ( مُعَلَّقَةٌ ) ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مُغْلَقَةٌ ، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، ( ابْتَاعَهَا ) : أَيِ اشْتَرَاهَا ، ( حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ) أَيْ بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْخَرَزِ ، ( إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ ) يَعْنِي الْخَرَزَةَ ، أَيِ : الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُوَ الْخَرَزُ ، وَلَيْسَتِ الْخَرَزُ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا ، وَالذَّهَبُ إِنَّمَا هُوَ بِالتَّبَعِ ، ( قَالَ ابْنُ عِيسَى : أَرَدْتُ التِّجَارَةَ ) ، أَيْ : قَالَ : لَفْظَ التِّجَارَةِ مَكَانَ لَفْظِ الْحِجَارَةِ ، ( وَكَانَ فِي كِتَابِهِ الْحِجَارَةُ ، أَيْ : فِي كِتَابِ ابْنِ عِيسَى ، وَوَقْعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَغَيَّرَهُ فَقَالَ : التِّجَارَةَ ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا اللَّفْظُ فِي عَامَّةِ النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ . قَالَ الْخَطَابِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ : نَهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مَعَ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ غَيْرُ الذَّهَبِ ، وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ هَذَا الْبَيْعَ فَاسِدٌ ، شُرَيْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَسَوَاءٌ عِنْدَهُمْ كَانَ الذَّهَبُ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ أَكَثَرَ مِنَ الذَّهَبِ الذي هُوَ مَعَ السِّلْعَةِ أَوْ أَقَلَّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ جَازَ ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ حَدَّ الْكَثْرَةَ بِالثُّلُثَيْنِ ، وَالْقِلَّةَ بِالثُّلُثِ . قُلْتُ : قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : مَنِ اشْتَرَى مُصْحَفًا أَوْ سَيْفًا أَوْ خَاتَمًا ، وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ ؛ فَإِنَّ مَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الذَّهَبُ بِدَنَانِيرَ ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ الثُّلُثُ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، إِذَا كَانَ ذلك يَدًا بِيَدٍ ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ ، وَمَا اشْتَرَى مِنْ ذَلِكَ بِالْوَرِقِ نظر إِلَى قِيمَتِهِ ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الثُّلُثَيْنِ وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْوَرِقِ الثُّلُثُ ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ . انْتَهَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى الْقِيَاسِ ; لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ سَوَاءً ، وَيَجْعَلُ مَا فَضُلَ عَنِ الثَّمَنِ بِإِزَاءِ السِّلْعَةِ ، غَيْرَ أَنَّ السُّنَةَ قَدْ مَنَعَتْ هَذَا الْقِيَاسَ أَنْ يَجْرِيَ ; أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ أَوِ التِّجَارَةَ ، فَقَالَ : لَا ، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا ، فَنَفَى صِحَّةَ هَذَا الْبَيْعِ مَعَ قَصْدِهِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ بَعْضُهُ بِإِزَاءِ الذَّهَبِ الَّذِي هُوَ الْخَرَزُ مُصَارَفَةً ، وَبَعْضُهُ بِإِزَاءِ الْحِجَارَةِ الَّتِي هِيَ الْخَرَزُ بَيْعًا وَتِجَارَةً ، حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا ، فَيَكُونُ حِصَّةُ الْمُصَارَفَةِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ حِصَّةِ الْمُتَاجَرَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فَاسِدٌ . انْتَهَى مُخْتَصَرًا . وَذَهَبَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ مَا يُتَّخَذُ مِنَ الْفِضَّةِ لِلتَّحَلِّي مُتَفَاضِلًا ، وَجَعْلَ الزَّائِدَ مُقَابِلًا لِلصَّنْعَةِ ، وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي أَدِلَّتِهِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ السَّيِّدُ نُعْمَانُ خَيْرُ الدِّينِ الشَّهِيرُ بِابْنِ الْأُلُوسِيِّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ جَلَاءُ الْعَيْنَيْنِ فِي مُحَاكَمَةِ الْأَحْمَدَيْنِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ أَبِي شُجَاعٍ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ : اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ ، فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفَصَّلَ ( سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ ) : بِالْجَرِّ عَطْفُ بَيَانٍ ( فَفَصَّلْتُهَا ) : أَيْ مَيَّزْتُ ذَهَبَهَا وَخَرَزَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ ( لَا تُبَاعُ ) : أَيِ الْقِلَادَةُ نَفَيٌ بِمَعْنَى نَهَيٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نا حَجَّاجٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أُخْبِرْتُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ قَبْلَ أَنْ يُؤكَلَ مِنْهُ ، ثُمَّ يُخَيِّرُ اليَهُودَ يَأْخُذُونَهُ بِذَلِكَ الْخَرْصِ ، أم يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ الْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ ( قَالَ أُخْبِرْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَيَخْرُصُ النَّخْلَ ) : بِضَمِّ الرَّاءِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا ( ثُمَّ يُخَيِّرُ الْيَهُودَ إِلَخْ ) : أَيْ يُخَيِّرُ ابْنُ رَوَاحَةَ يَهُودَ خَيْبَرَ ( إِلَيْهِمْ ) : أَيْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ . وَفِي الْمُوَطَّأِ : ثُمَّ يَقُولُ إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي . قَالَ : فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ : أَيْ إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ كُلُّهُ وَتَضْمَنُونَ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَلَنَا كُلُّهُ ، وَأَضْمَنُ مِقْدَارَ نَصِيبِكُمْ فَأَخَذُوا الثَّمَرَةَ كُلَّهَا ( لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِي الْأَفْعَالِ الثَّلَاثَةِ ( وَتُفَرَّقُ ) : الثِّمَارُ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ . وَمُرَادُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْثَ لِلْخَرْصِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا كَانَ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسُوا شُرَكَاءَ مُعَيَّنِينَ فَلَوْ تَرَكَ الْيَهُودَ وَأَكْلَهَا رُطَبًا وَالتَّصَرُّفَ فِيهَا أَضَرَّ ذَلِكَ سَهْمَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : سَأَلْتُ عِيسَى عَنْ فِعْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ : أَيَجُوزُ لِلْمُتَسَاقِيَيْنِ أَوِ الشَّرِيكَيْنِ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَا يَصْلُحُ قَسْمُهُ إِلَّا كَيْلًا إِلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ حَاجَتُهُمَا إِلَيْهِ فَيَقْتَسِمَانِهِ بِالْخَرْصِ ، فَتَأَوَّلَ خَرْصَ ابْنَ رَوَاحَةَ لِلْقِسْمَةِ خَاصَّةً . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَصَهَا بِتَمْيِيزِ حَقِّ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ مَصْرِفَهَا غَيْرُ مَصْرِفِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُعْطِيهَا الْإِمَامُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ فَيَسْلَمُ مِمَّا خَافَهُ عِيسَى وَأَنْكَرَهُ . وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ : إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي ، حَمَلَهُ عِيسَى عَلَى أَنَّهُ أسلم إِلَيْهِمْ جَمِيعَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْخَرْصِ ؛ لِيَضْمَنُوا حِصَّةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْنَاهُ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ بِالْخَرْصِ فِي غَيْرِ الْعَرِيَّةِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ خَرْصُ الزَّكَاةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الثَّمَرَةَ عَلَى أَنْ تُؤَدُّوا زَكَاتَهَا عَلَى مَا خَرَصْتُهُ وَإِلَّا فَأَنَا أَشْتَرِيهَا مِنَ الْفَيْءِ بِمَا يُشْتَرَى بِهِ ، فَيَخْرُجُ بِهَذَا الْخَرْصُ وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِسِعْرِ الثَّمَرِ . وَإِنْ حُمِلَ عَلَى خَرْصِ الْقِسْمَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ فَمَعْنَاهُ إِنْ شِئْتُمْ هَذَا النَّصِيبَ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِي ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَرَةَ مَا دَامَتْ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ لَيْسَ بِوَقْتِ قِسْمَةِ ثَمَرِ الْمُسَاقَاةِ ؛ لِأَنَّ عَلَى الْعَامِلِ جَذَّهَا وَالْقِيَامَ عَلَيْهَا حَتَّى يَجْرِي فِيهَا الْكَيْلُ أَوِ الْوَزْنُ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الْخَرْصَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقِسْمَةِ إِلَّا بِمَعْنَى اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْخَرْصُ فِي الْمُسَاقَاةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقِيَيْنِ شَرِيكَانِ لَا يَقْتَسِمَانِ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ بَيْعُ الثِّمَارِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَإِلَّا دَخَلَتْهُ الْمُزَابَنَةُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا بَعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَخْرُصُ عَلَى الْيَهُودِ لِإِحْصَاءِ الزَّكَاةِ ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَيْسُوا شُرَكَاءَ مُعَيَّنِينَ ، فَلَوْ تَرَكَ الْيَهُودَ وَأَكْلِهَا رُطَبًا ، وَالتَصَرَّفَ فِيهَا أَضَرَّ ذَلِكَ سَهْمَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّمَا أَمَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَرْصِ لِكَيْ تُحْصَى الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْتُ : حَدِيثُ عَائِشَةَ فِيهِ وَاسِطَةٌ بَيْنَ ابْنِ جُرَيْجٍ وَالزُّهْرِيِّ وَلَمْ يُعْرَفْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ ، انْتَهَى . وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِدُونِ الْوَاسِطَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ مُدَلِّسٌ ، فَلَعَلَّهُ تَرَكَهَا تَدْلِيسًا . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ فَقَالَ : رَوَاهُ صَالِحٌ عَنْ أَبِي الْأَخْضَرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَرْسَلَهُ مَعْمَرٌ وَمَالِكٌ وَعَقِيلٌ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَبَا هُرَيْرَةَ ، انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَالْمُؤَلِّفُ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ . وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَتَاب قَالَ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ ، فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا ، وَمَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ عَتَّابًا مَاتَ قَبْلَ مَوْلِدِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ . قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِي النَّيْلِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَعِيدٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَتَّابٍ ، وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ : لَمْ يُدْرِكْهُ ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ : انْقِطَاعُهُ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ مَوْلِدَ سَعِيدٍ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ، وَمَاتَ عَتَّابٌ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ ابْنُ السَّكَنِ : لَمْ يَرْوِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ هَذَا ، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ ، فَقَالَ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : الصَّحِيحُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عِتَابًا ، مُرْسَلٌ ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . انْتَهَى . لَكِنْ قَالَ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ : وَدَعْوَى الْإِرْسَالِ بِمَعْنَى الِانْقِطَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ : إِنَّ عَتَّابًا مَاتَ يَوْمَ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ عَلَى مَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ وُلِدَ سَعِيدٌ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى الْأَصَحِّ ، فَسَمَاعُهُ مِنْ عَتَّابٍ مُمْكِنٌ فَلَا انْقِطَاعَ . وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ فَصَدُوقٌ ، احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ . انْتَهَى . وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ ، فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ . قَالَ الْحَاكِمُ : وَلَهُ شَاهِدٌ بِإِسْنَادٍ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ بِهِ . وَمِنْ شَوَاهِدِهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : خَفِّفُوا فِي الْخَرْصِ . الْحَدِيثُ وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ الصَّلْتِ بْنِ زبيد بْنِ الصَّلْتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْخَرْصِ فَقَالَ : أَثْبِتْ لَنَا النِّصْفَ وَأَبْقِ لَهُمُ النِّصْفَ ؛ فَإِنَّهُمْ يَسْرِقُونَ وَلَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخَرْصِ فِي الْعِنَبِ وَالنَّخْلِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْفَوَاكِهِ مِمَّا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالْخَرْصِ ، وَكَذَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخَرْصِ فِي الزَّرْعِ ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : إِذَا خَرَصْتُمْ ، وَلِقَوْلِهِ : أَثْبِتْ لَنَا النِّصْفَ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَا : أنا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قالا : أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : خَرَصَهَا ابْنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا خَيَّرَهُمْ ابْنُ رَوَاحَةَ أَخَذُوا الثَّمَرَ ، وَعَلَيْهِمْ عِشْرُونَ أَلْفَ وَسْقٍ ( أَرْبَعِينَ أَلْفَ وَسْقٍ ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ السِّينِ هُوَ سِتُّونَ صَاعًا . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : لما أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانُوا ، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ، فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ ( لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ ) : أَيْ رَدَّ ، وَالْفَيْءُ مَا حَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا جِهَادٍ ، وَأَصْلُهُ الرُّجُوعُ ( فَأَقَرَّهُمْ ) : أَيْ أَهْلَ خَيْبَرَ : أَيْ أَثْبَتَهُمْ ( وَجَعَلَهَا ) : أَيْ خَيْبَرَ ( بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ) : أَيْ عَلَى التَّنَاصُفِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ، ( فَخَرَصَهَا عَلَيْهِمْ ) : قَالَ الزَّرْقَانِيُّ : أَيْ لِيَتَمَيَّزَ حَقِّ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ الْمُصَرِّفِينَ ، أَوْ لِلْقِسْمَةِ لِاخْتِلَافِ الْحَاجَةِ كَمَا مَرَّ . وَفِيهِ جَوَازُ التَّخْرِيصِ لِذَلِكَ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُ ، وَلَمْ يُجِزْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِحَالٍ . وَفِيهِ جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ ، مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَالْأُجْرَةُ هُنَا فِيهَا غَرَرٌ ؛ إِذْ لَا يُدْرَى هَلْ تَسْلَمُ الثَّمَرَةُ أَمْ لَا ، وَعَلَى سَلَامَتِهَا لَا يُدْرَى كَيْفَ تَكُونُ ، وَمَا مِقْدَارُهَا . وَأُجِيبَ بِأَنَّ حَدِيثَ الْجَوَازِ خَاصٌّ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْغَرَرِ عَامٌّ ، وَالْخَاصُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ ، وَقَالَ : إِنَّ الْخَبَرَ إِذَا وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ رُدَّ إِلَيْهَا ، وَحَدِيثُ الْجَوَازِ عَلَى خِلَافِ ثَلَاثِ قَوَاعِدَ ؛ بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَالْإِجَارَةِ بِمَجْهُولٍ ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَالْكُلُّ حَرَامٌ إِجْمَاعًا . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا يَجِبُ رَدُّهُ إِلَى الْقَوَاعِدِ إِذَا لَمْ يُعْمَلْ بِهِ ، أَمَّا إِذَا عُمِلَ بِهِ قَطَعْنَا بِإِرَادَةِ مَعْنَاهُ فَيُعْتَقَدُ ، وَلَا يَلْزَمُ الشَّارِعَ إِذَا شَرَعَ حُكْمًا أَنْ يَشْرَعَهُ مِثْلَ غَيْرِهِ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَشْرَعَ مَا لَهُ نَظِيرٌ وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ لِلضَّرُورَةِ ؛ إِذْ لَا يَقْدِرُ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى الْقِيَامِ بِشَجَرِهِ وَلَا زَرْعِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ : السُّنَّةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَنَّهَا تَكُونُ فِي أَصْلِ كُلِّ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ رُمَّانٍ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُصُولِ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ نِصْفَ الثَّمَرِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ ، وَالْمُسَاقَاةُ أَيْضًا تَجُوزُ فِي الزَّرْعِ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَقَلَّ ، فَعَجَزَ صَاحِبُهُ عَنْ سَقْيِهِ وَعَمَلِهِ وَعِلَاجِهِ فَالْمُسَاقَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا جَائِزٌ . انْتَهَى كَلَامُ مَالِكٍ . وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ إِلَّا فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ ؛ لِأَنَّ ثَمَرَهُمَا بَائِنٌ مِنْ شَجَرِهِ يُحِيطُ النَّظَرُ بِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا لَيْسَ بِبَيِّنٍ ؛ لِأَنَّ الْكُمَّثْرَى وَالتِّينَ وَالرُّمَّانَ وَالْأُتْرُجَّ وَشِبْهَ ذَلِكَ يُحِيطُ النَّظَرُ بِهَا ، وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ لَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إِنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يُخْرَصُ ، وَالْخَرْصُ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَأَخْرَجَتْهُ عَنِ الْمُزَابَنَةِ كَمَا أَخْرَجَتِ الْعَرَايَا عَنْهَا النَّخْلَ وَالْعِنَبَ خَاصَّةً . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
بَابٌ : فِي الْخَرْصِ بَابٌ فِي الْخَرْصِ : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ ، وَبِصَادٍ مُهْمَلَةٍ هُوَ حَزْرُ مَا عَلَى النَّخْلَةِ مِنَ الرُّطَبِ تَمْرًا .
بَابٌ : فِي الْمُسَاقَات بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ : هِيَ أَنْ يَدْفَعَ صَاحِبُ النَّخْلِ نَخْلَهُ إِلَى الرَّجُلِ ؛ لِيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهَا وَصَلَاحُ ثَمَرِهَا ، وَيَكُونُ لَهُ الشَّطْرُ مِنْ ثَمَرِهَا ، وَلِلْعَامِلِ الشَّطْرُ فَيَكُونُ مِنْ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ رِقَابُ الشَّجَرِ ، وَمِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ الْعَمَلُ كَالْمُزَارَعَةِ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ ( بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ ) : أَيْ بِنِصْفِهِ ، وَفِيهِ بَيَانُ الْجُزْءِ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ فَلَا يَجُوزُ عَلَى مَجْهُولٍ ، كَقَوْلِهِ : عَلَى أَنَّ لَكَ بَعْضَ الثَّمَرِ ( مِنْ ثَمَرٍ ) : بِالْمُثَلَّثَةِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُسَاقَاةِ ( أَوْ زَرْعٍ ) : إِشَارَةٌ إِلَى الْمُزَارَعَةِ . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجَمِيعُ فُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَخَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ صَاحِبَاهُ فَقَالَا بِقَوْلِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ اللَّيْثِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي : ابْنَ غَنَجٍ - عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا ، عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَأَنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَطْرَ ثَمَرَتِهَا ( يَعْنِي ابْنَ غَنَجٍ ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ بَعْدَهَا جِيمٌ مَقْبُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ . قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ، ( وَأَرْضَهَا ) : أَيْ أَرْضَ خَيْبَرٍ ( عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا ) : أَيْ يَسْعَوْا فِيهَا بِمَا فِيهِ عِمَارَةُ أَرْضِهَا وَإِصْلَاحُهَا وَيَسْتَعْمِلُوا آلَاتِ الْعَمَلِ كُلِّهَا مِنَ الْفَأْسِ وَالْمِنْجَلِ وَغَيْرِهِمَا ( شَطْرُ ثَمَرَتِهَا ) : أَيْ نِصْفُهَا ، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الثَّمَرِة مَا يَعُمُّ الزَّرْعَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ ، نا كَثِيرٌ - يَعْنِي : ابْنَ هِشَامٍ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، نا مَيْمُونٌ ، عَنْ مِقْسَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ زَيْدٍ قَالَ : فَحَزَرَ النَّخْلَ وَقَالَ : فَأَنَا أَلِي جُذَاذَ النَّخْلِ ، وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ . ( فَأَنَا أَلِي ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ( جِذَاذَ النَّخْلِ ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَبِذَالَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ : أَيْ قَطْعَ ثَمَرِهَا وَصِرَامَهُ . قُلْتُ : وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ هِيَ عُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُخَابَرَةَ ؛ لِتَقْرِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ ، وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى أَنْ أَجْلَاهُمْ عُمَرُ ، وَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَجَمِيعِ الشَّجَرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ مِنَ الثَّمَرَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ : لَا يَجُوزُ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّهَا إِجَارَةٌ بِثَمَرَةٍ مَعْدُومَةٍ أَوْ مَجْهُولَةٍ . وَأَجَابَ مَنْ جَوَّزَهُ بِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى عَمَلٍ فِي الْمَالِ بِبَعْضِ نَمَائِهِ فَهُوَ كَالْمُضَارَبَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَعْمَلُ فِي الْمَالِ بِجُزْءٍ مِنْ نَمَائِهِ وَهُوَ مَعْدُومٌ وَمَجْهُولٌ ، وَقَدْ صَحَّ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مَعَ أَنَّ الْمَنَافِعَ مَعْدُومَةٌ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا ، وَأَيْضًا فَالْقِيَاسُ فِي إِبْطَالِ نَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ مَرْدُودٌ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَجَازَهُ فِي جَمِيعِ الثَّمَرِ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ نَخْلٍ وَشَجَرٍ ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَتِهِ : عَلَى أَنَّ لَهُمُ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَنَخْلٍ وَشَجَرٍ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لِجَوَازِ الْمُسَاقَاةَ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ لَا مَجْهُولٍ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الْبَذْرِ مِنَ الْعَامِلِ أَوِ الْمَالِكِ ؛ لِعَدَمِ تَقْيِيدِهِ فِي الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دَفْعِ النَّخْلِ مُسَاقَاةً وَالْأَرْضِ مُزَارَعَةً مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سِنِينَ مَعْلُومَةٍ ، فَيَكُونُ لِلْمَالِكِ أَنْ يُخْرِجَ الْعَامِلَ مَتَى شَاءَ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي .
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ ، نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ ، وَاشْتَرَطَ أَنَّ لَهُ الْأَرْضَ وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ . قَالَ أَهْلُ خَيْبَرَ : نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ مِنْكُمْ ، فَأَعْطِنَاهَا عَلَى أَنَّ لَكُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ ، وَلَنَا نِصْفٌ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ النَّخْلُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ، فَحَزَرَ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ : الْخَرْصَ فَقَالَ : فِي ذِهْ كَذَا وَكَذَا ، قَالُوا : أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ ، قَالَ : فَأَنَا أَلِي حَزْرَ النَّخْلِ ، وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي قُلْتُ ، قَالُوا : هَذَا الْحَقُّ ، وَبِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ قَدْ رَضِينَا أَنْ نَأْخُذَهُ بِالَّذِي قُلْتَ ( نَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ( أَنَّ لَهُ ) : أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَكُلُّ صَفْرَاءَ ) : أَيِ الذَّهَبِ ( وَبَيْضَاءَ ) : أَيِ الْفِضَّةِ ( يُصْرَمُ النَّخْلُ ) : أَيْ يُقْطَعُ ثَمَرُهَا وَيُجَدُ ، وَالصِّرَامُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ وَاجْتِنَاؤُهَا ( عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ ( فَحَزَرَ عَلَيْهِمُ النَّخْلَ ) : بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ ، وَالْحَزْرُ هُوَ الْخَرْصُ ، وَالتَّقْدِيرُ ( فَقَالَ ) : أَيِ ابْنُ رَوَاحَةَ ( فِي ذِهِ ) : أَيْ فِي هَذِهِ النَّخَلَاتِ ( أَلِي ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنَ الْوِلَايَةِ ( قَالُوا ) : أَيْ أَهْلُ خَيْبَرَ ( هَذَا الْحَقُّ وَبِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ ) : أَيْ بِهَذَا الْحَقِّ وَالْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ فَوْقَ الرُّؤوسِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَالْأَرْضُ اسْتَقَرَّتْ عَلَى الْمَاءِ تَحْتَ الْأَقْدَامِ . وَفِيهِ الدَّلِيلُ عَلَى الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْحُكْمُ مَا بَعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ رَوَاحَةَ وَحْدَهُ . وَفِي الْمُوَطَّأِ : فَجَمَعُوا حُلِيًّا مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِمْ فَقَالُوا : هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقِسْمَةِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ . أَمَّا الَّذِي عَرَضْتُمْ مِنَ الرِّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ وَإِنَّا لَا نَأْكُلُهَا ، قَالُوا : بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ ، ثنا زَيْدُ بْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، قَالَ : فَحَزَرَ ، وَقَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ : وَكُلَّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ ، يَعْنِي : الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لَهُ . ( قَالَ فَحَزَرَ ) : أَيْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ النَّخْلِ ؛ ( يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) : أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ صَفْرَاءُ وَبَيْضَاءُ : الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ( لَهُ ) : أَيْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ ثَابِتِ ابْنِ الْحَجَّاجِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُخَابَرَةِ . قُلْتُ : وَمَا الْمُخَابَرَةُ ؟ قَالَ : أَنْ تَأْخُذَ الْأَرْضَ بِنِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ ( قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُخَابَرَةِ إِلَخْ ) : قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى : وَمَا وَرَدَ مِنَ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُزَارَعَةِ يُحْمَلُ عَلَى مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ كَمَا بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ : أَيِ الَّتِي ذَكَرَهَا ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى اجْتِنَابِهَا نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا ، فَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارَ قَالَ : قُلْتُ لِطَاوُسٍ : لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ، فَقَالَ : إِنَّ أَعْلَمَهُمْ ؛ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ، وَقَالَ : لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نا ابْنُ رَجَاءٍ يَعْنِي : الْمَكِّيَ قَالَ ابْنُ خُثَيْمٍ : حَدَّثَنِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَذَرْ الْمُخَابَرَةَ ، فَلْيُؤْذَنْ بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ( قَالَ ) : أَيِ ابْنُ رَجَاءَ ( ابْنُ خُثَيْمٍ حَدَّثَنِي ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ( مَنْ لَمْ يَذَرِ الْمُخَابَرَةَ ) : أَيْ لَمْ يَتْرُكْهَا وَهِيَ الْعَمَلُ عَلَى أَرْضٍ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا ( فَلْيُؤْذَنْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ : أَيْ لِيُخْبِرُوا - بِالْفَارِسِيَّةِ آكاه كرده شود - وَالْحَدِيثُ فِيهِ تَهْدِيدٌ وَتَغْلِيظٌ ، وَوَجْهُ النَّهْيِ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ مُمْكِنَةٌ بِالْإِجَارَةِ ، فَلَا حَاجَةَ لِلْعَمَلِ عَلَيْهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا . قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ السَّيَّارِيُّ أبو حفص ، نا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُزَابَنَةِ ، وَعن الْمُحَاقَلَةِ ، وَعَنْ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ ( السَّيَّارِيُّ ) : بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا مَنْسُوبٌ إِلَى سَيَّارٍ هُوَ مِنْ أَجْدَادِهِ ( وَعَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ ) : أَيْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومًا ، كَأَنْ يَقُولَ : بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَشْجَارَ إِلَّا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا إسماعيل . ( ح ) ونا مُسَدَّدٌ : أَنَّ حَمَّادًا وَعَبْدَ الْوَارِثِ حَدَّثَاهُمْ كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : عَنْ حَمَّادٍ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ ، وَالْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُخَابَرَةِ ، وَالْمُعَاوَمَةِ ، قَالَ : عَنْ حَمَّادٍ ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا : وَالْمُعَاوَمَةِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : بَيْعُ السِّنِينَ ، ثُمَّ اتَّفَقُوا ، وَعَنْ الثُّنْيَا ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا ( نَا إِسْمَاعِيلُ ) : هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ( أَنَّ حَمَّادًا ) : هُوَ ابْنُ زَيْدٍ ( حَدَّثَاهُمْ ) : ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَرْجِعُ إِلَى حَمَّادٍ وَعَبْدِ الْوَارِثِ ، وَضَمِيرُ الْجَمْعِ إِلَى مُسَدَّدٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْهُمَا ، كَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ الْعَنْبَرِيِّ فَإِنَّهُمَا رَوَيَاهُ أَيْضًا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ كَمُسَدَّدٍ ، وَرِوَايَتُهُمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ( كُلُّهُمْ ) : أَيْ إِسْمَاعِيلُ وَحَمَّادُ وَعَبْدُ الْوَارِثِ ( عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( قَالَ ) : أَيْ مُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ ( عَنْ حَمَّادِ ) : بْنِ زَيْدٍ ( وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ) : فَقَرَنَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ بِأَبِي الزُّبَيْرِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَوَارِيرِيِّ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ : نَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ . وَسَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( ثُمَّ اتَّفَقُوا ) : أَيْ قَالَ كُلُّهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ( عَنْ الْمُحَاقَلَةِ ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ : المُحَاقَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا قِيلَ : هِيَ اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ، هَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الزَّرَّاعُونَ الْمُحَارَثَةَ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى نَصِيبٍ مَعْلُومٍ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِمَا ، وَقِيلَ : هِيَ بَيْعُ الطَّعَامِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْبُرِّ ، وَقِيلَ : بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْمَكِيلِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ إِذَا كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَيَدًا بِيَدٍ ، وَهَذَا مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى أَيُّهُمَا أَكْثَرُ . انْتَهَى . وَتَقَدَّمَ أَيْضًا مَعْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ( وَالْمُعَاوَمَةُ ) : هِيَ بَيْعُ السِّنِينَ ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ فِي بَابِ بَيْعِ السِّنِينَ ( قَالَ ) : أَيْ مُسَدَّدٌ ( عَنْ حَمَّادِ ) : بْنِ زَيْدٍ ( قَالَ أَحَدُهُمَا ) : أَيْ أَبُو الزُّبَيْرِ أَوْ سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لَفْظَ الْمُعَاوَمَةِ ، وَقَالَ الْآخَرُ : لَفْظَ بَيْعِ السِّنِينَ ( ثُمَّ اتَّفَقُوا ) : كُلُّهُمْ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ ؛ أَيْ وَنَهَى عَنِ الثُّنْيَا ، وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ مُسَدَّدٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ فِي بَابِ بيع السِّنِينَ ، ( وَعَنِ الثُّنْيَا ) : أَيِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَجْهُولِ ، كَأَنْ يَقُولَ : بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ إِلَّا بَعْضَهَا ، وَهَذِهِ الْأَشْجَارَ وَالْأَغْنَامَ وَالثِّيَابَ وَنَحْوَهَا إِلَّا بَعْضَهَا ، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولٌ ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومًا فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ . قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا ) : تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْعَرَايَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي الْمُخَابَرَةِ بَابٌ فِي الْمُخَابَرَةِ : قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُخَابَرَةُ وَالْمُزَارَعَةُ مُتَقَارِبَتَانِ ، وَهُمَا الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الزَّرْعِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ ، لَكِنْ فِي الْمُزَارَعَةِ يَكُونُ الْبَذْرُ مِنْ مَالِكِ الْأَرْضِ ، وَفِي الْمُخَابَرَةِ يَكُونُ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ ، هَكَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ هُمَا بِمَعْنًى انْتَهَى .
بَابٌ : فِي اقْتِضَاءِ الذَّهَبِ مِنْ الْوَرِقِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل وَمُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ الْمَعْنَى وَاحِدٌ قَالَا : نا حَمَّادٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ رُوَيْدَكَ أَسْأَلُكَ إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ ، وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ، وَأُعْطِي هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ 14 - بَابٌ فِي اقْتِضَاءِ الذَّهَبِ مِنَ الْوَرِقِ أَيِ الْفِضَّةِ ، أَيْ أَخْذُ الذَّهَبِ بَدَلَ الْفِضَّةِ ، يُقَالُ : اقْتَضَيْتُ مِنْهُ حَقِّي أَيْ أَخَذْتُ . ( بِالْبَقِيعِ ) : بِالْمُوَحَّدَةِ ، قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : يُرَادُ بِهِ بَقِيعُ الْغَرْقَدِ ، وَقِيلَ بِالنُّونِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ الْمَدِينَةِ ، ( فَأَبِيعُ ) : أَيِ الْإِبِلَ تَارَةً ، ( وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ ) : أَيْ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ ، ( وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ ) : أَيْ تَارَةً أُخْرَى ( آخُذُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ ) : أَيِ الدَّرَاهِمَ مِنَ الدَّنَانِيرِ ( لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا ) : أَيْ أَنْ تَأْخُذَ بَدَلَ الدَّنَانِيرِ الدَّرَاهِمَ ، وَبِالْعَكْسِ بِشَرْطِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ وَالتَّقْيِيدُ بِسِعْرِ الْيَوْمِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ ، قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ ) : أَيْ غَيْرُ مَقْبُوضٍ ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَاشْتُرِطَ أَنْ لَا يَتَفَرَّقَا ، وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ ؛ لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ صَرْفٌ وَعَقْدُ الصَّرْفِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالتَّقَابُضِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اقْتِضَاءِ الدَّرَاهِمِ مِنَ الدَّنَانِيرِ ؛ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى جَوَازِهِ ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْد الرَّحْمَنِ وَابْنُ شُبْرُمَةَ . وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَكْرَهُ ذَلِكَ إِلَّا بِسِعْرِ يَوْمِهِ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ غَيْرُهُ السِّعْرَ ، وَلَمْ يُبَالُوا كَانَ ذَلِكَ بِأَغْلَى أَوْ أَرْخَصَ مِنْ سِعْرِ الْيَوْمِ ، وَالصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَوْلُهُ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلُهُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالْحَدِيثُ يَنْفَرِدُ بِرَفْعِهِ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَقَالَ شُعْبَةُ : رَفَعَهُ لَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ ، وَأَنَا أُفَرِّقُهُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ ، أنا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ لَمْ يَذْكُرْ بِسِعْرِ يَوْمِهَا . ( لَمْ يَذْكُرْ ) : أَيْ إِسْرَائِيلُ ( بِسِعْرِ يَوْمِهَا ) : أَيْ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا اللَّفْظَ .
بَابٌ : فِي زَرْعِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ ، وَلَهُ نَفَقَتُهُ بَاب فِي زَرْعِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا ( مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ إِلَخْ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ أَرْضًا وَزَرَعَهَا كَانَ الزَّرْعُ لِلْمَالِكِ لِلْأَرْضِ ، وَلِلْغَاصِبِ مَا غَرِمَهُ فِي الزَّرْعِ ، يُسَلِّمُهُ لَهُ مَالِكُ الْأَرْضِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ : وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ زَرَعَ بَذْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ ، وَاسْتَرْجَعَهَا صَاحِبُهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا مَالِكُهَا وَيَأْخُذَهَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ ، أَوْ يَسْتَرْجِعَهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ ، فَإِنْ أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ فَإِنَّ الزَّرْعَ لِغَاصِبِ الْأَرْضِ لَا نَعْلَمُ فِيهَا خِلَافًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ إِلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ ، وَضَمَانُ نَقْصِ الْأَرْضِ وَتَسْوِيَةُ حَفْرِهَا . وَإِنْ أَخَذَ الْأَرْضَ صَاحِبُهَا مِنَ الْغَاصِبِ وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ ، وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ : إِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَمْلِكُ إِجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ عِنْدَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ فَأَعْجَبَهُ الْحَدِيثُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ . قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : وَلَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ : لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ مُطْلَقًا فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ ، وَهَذَا على فَرْضٌ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْبَذْرِ ، فَيَكُونُ الرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ إِذَا اسْتَرْجَعَ أَرْضَهُ وَالزَّرْعُ فِيهَا ، وَأَمَّا إِذَا اسْتَرْجَعَهَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَيْضًا لِرَبِّ الْأَرْضِ ، وَلَكِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ كَانَ مُخَصِّصًا لِهَذِهِ الصُّورَةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ مِثْلُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : إِنَّ حَدِيثَ لَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ ، وَرَدَ في الْغَرْسِ الَّذِي لَهُ عِرْقٌ مُسْتَطِيلٌ فِي الْأَرْضِ ، وَحَدِيثُ رَافِعٍ وَرَدَ فِي الزَّرْعِ ، فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ ، انْتَهَى . وَلَكِنْ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْجَمْعِ أَرْجَحٌ ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْلَى مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . ( وَلَهُ نَفَقَتُهُ ) : أَيْ لِلْغَاصِبِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ وَقِيمَةِ الْبَذْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ قِيمَةُ الزَّرْعِ ، فَتُقَدَّرُ قِيمَتَهُ وَيُسَلِّمُهَا الْمَالِكُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ بَعْدَ مَا ضَعَّفَ الْحَدِيثَ : وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَوْ صَحَّ وَثَبَتَ عَلَى الْعُقُوبَةِ وَالْحِرْمَانِ لِلْغَاصِبِ ، وَالزَّرْعُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ وَتَكُونُ مِنْهُ ، وَعَلَى الزَّارِعِ كِرَاءُ الْأَرْضِ غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يَقُولُ : إِذَا كَانَ الزَّرْعُ قَائِمًا فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ ، فَأَمَّا إِذَا حَصَدَ فَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الْأُجْرَةُ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَقَالَ : عَنْ رَافِعٍ أَلْوَانٌ ، وَلَكِنْ أَبَا إِسْحَاقَ زَادَ فِيهِ : زَرَعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ . وَلَيْسَ غَيْرُهُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَرْفَ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ ؛ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَقَالَ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَالَ : لَا أَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ ، وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّالِ أَنَّهُ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيُضَعِّفُهُ وَيَقُولُ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ غَيْرُ شَرِيكٍ ، وَلَا رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَعَطَاءٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ شَيْئًا ، وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا ، وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِذَلِكَ شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَشَرِيكٌ يَهِمُ كَثِيرًا أَوْ أَحْيَانًا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا : وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَقَالَ : عَنْ رَافِعٍ أَلْوَانٌ ، وَلَكِنَّ أَبَا إِسْحَاقَ زَادَ فِيهِ : زَرَعَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَيْسَ غَيْرُهُ يَذْكُرُ هَذَا الْحَرْفَ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ ، نا طَارِقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ ، وَقَالَ : إِنَّمَا يَزْرَعُ ثَلَاثَةٌ : رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ فَهُوَ يَزْرَعُهَا ، وَرَجُلٌ مُنِحَ أَرْضًا فَهُوَ يَزْرَعُ مَا مُنِحَ ، وَرَجُلٌ اسْتَكْرَى أَرْضًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ( عَنِ الْمُحَاقَلَةِ ) : هِيَ اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ بِالْحِنْطَةِ ، كَذَا فُسِّرَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمُزَارَعَةُ عَلَى نَصِيبٍ مَعْلُومٍ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِهِمَا ، وَقِيلَ : بَيْعُ الطَّعَامِ فِي سُنْبُلِهِ بِالْبُرِّ ، وَقِيلَ : بَيْعُ الزَّرْعِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ . قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ ( وَالْمُزَابَنَةُ ) : هِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ( وَرَجُلٌ مَنَحَ أَرْضًا ) : أَيْ أُعْطِيَ عَارِيَةً ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ 32 - بَابٌ فِي التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ : أَيْ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُزَارَعَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ طُرُقًا لِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَسَبِيلُهَا كُلُّهَا أَنْ يَرُدَّ الْمُجْمَلُ مِنْهَا إِلَى الْمُفَسَّرِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا عِلَلَهَا ، انْتَهَى .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي اللَّيْثِ ، قال : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قال : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرِي أَرْضَهُ حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ : يَا ابْنَ خَدِيجٍ مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ ؟ فقَالَ رَافِعٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : سَمِعْتُ عَمَّيَّ وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ فَتَرَكَ كِرَاءَ الْأَرْضِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ أَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَمَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ رَافِعٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عِنَانٍ الْحَنَفِيِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ رَافِعٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَلِكَ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَتَى رَافِعًا ، فَقَالَ : سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَكَذَا رواه عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو النَّجَاشِيِّ : عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ ( كَانَ يُكْرِي ) : بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِكْرَاءِ ( سَمِعْتُ عَمِّيَّ ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَالْيَاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ تَثْنِيَةَ الْعَمِّ مُضَافًا إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ ( أَنَّ الْأَرْضَ تُكْرَى ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ ) : أَيْ حَكَمَ بِمَا هُوَ نَاسِخٌ لِمَا كَانَ يَعْلَمُهُ مِنْ جَوَازِ الْكِرَاءِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ . وَعَمَّاهُ هُمَا : ظُهَيْرٌ وَمُظْهِرٌ ابْنَا رَافِعٍ ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رُوَاةَ نَافِعٍ ؛ يَعْنِي مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ رَوَوْهُ عَنْ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ رَافِعٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ عَنْ رَافِعٍ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذِهِ الطُّرُقُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كُلُّهَا أَسَانِيدُهَا جَيِّدَةٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ ( رَوَاهُ أَيُّوبُ ) : وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي عمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهْيٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَنَا مَعَهُ ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ ، فَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا بَعْدُ قَالَ : زَعَمَ ابْنُ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا ( وَعُبَيْدُ اللَّهِ ) : بْنُ عُمَرَ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ ؛ أَنَّ رَجُلًا أَخْبَرَ ابْنَ عُمَرَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَأْثِرُ فِي كِرَاءِ الْأَرْضِ حَدِيثًا ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ أَنَا وَالرَّجُلُ الَّذِي أَخْبَرَهُ حَتَّى أَتَى رَافِعًا ، فَأَخْبَرَهُ رَافِعُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ؛ فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَ الْأَرْضِ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا ، ( وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ ) : وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي الْمَزَارِعَ ، فَحُدِّثَ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَأْثِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ نَافِعٌ : فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى الْبَلَاطِ وَأَنَا مَعَهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : نَعَمْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ ، فَتَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ كِرَاءَهَا ( وَمَالِكٌ ) : الْإِمَامُ كُلُّهُمْ ( عَنْ نَافِعٍ ) : مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ( عَنْ رَافِعِ ) : بْنِ خَدِيجٍ ( عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَ رَافِعٍ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْ غَيْرِ ذِكْرِ بَيَانِ السَّمَاعِ لِرَافِعِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ( عَنْ حَفْصِ بْنِ عِنَانَ ) : بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ الْيَمَامِيِّ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَفِيهِ الْمُذَاكَرَةُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ : أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، فَقَالَ رَافِعٌ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا تُكْرُوا الْأَرْضَ بِشَيْءٍ . وَالْحَدِيثُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعة رَافِعٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( وَكَذَلِكَ ) : أَيْ بِذِكْرِ السَّمَاعِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ ) : وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مُخْتَصَرًا ( وَكَذَا ) : أَيْ بِذِكْرِ السَّمَاعِ ( عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ) : وَحَدِيثُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مُخْتَصَرًا ( عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ ) : وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرِو الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ رَافِعٍ أَنَّ ظُهَيْرَ بْنَ رَافِعٍ وَهُوَ عَمُّهُ قَالَ : أَتَانِي ظُهَيْرٌ قَالَ : لَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا ، فَقُلْتُ : وَمَا ذَاكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَقٌّ ، قَالَ : سَأَلَنِي كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ ؟ فَقُلْتُ : نُؤَاجِرُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَلَى الرَّبِيعِ أَوِ الْأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ ، قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا ازْرَعُوهَا أَوْ أَزْرِعُوهَا أَوْ أَمْسِكُوهَا . وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَوَى حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، فَذَكَرَ فِيهِ وَاسِطَةَ عَمَّيْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَأَمَّا نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا أَبُو النَّجَاشِيِّ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، فَمِنْهُمْ مِنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ رَافِعٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ رَافِعٍ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو النَّجَاشِيِّ إِلَخْ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ : أَيِ اسْمُ أَبِي النَّجَاشِيِّ عَطَاءُ بْنُ صُهَيْبٍ .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، نا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ ، نا سَعِيدٌ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُ فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَنَا نَافِعًا ، وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْفَعُ لَنَا وَأَنْفَعُ قَالَ : قُلْنَا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا ، أَوْ ولْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ ، وَلَا يُكَارِيهَا بِثُلُثٍ وَلَا بِرُبُعٍ وَلَا بِطَعَامٍ مُسَمًّى ( كُنَّا نُخَابِرُ ) : أَيْ نُزَارِعُ ، أَوْ نَقُولُ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَنَعْتَقِدُ صِحَّتَهَا . قَالَهُ الْقَارِي ( فَذَكَرَ ) : أَيْ رَافِعُ ( أَتَاهُ ) : أَيْ رَافِعًا ( فَقَالَ ) : أَيْ بَعْضُ عُمُومَتِهِ ( وَطَوَاعِيَةُ اللَّهِ ) : أَيْ طَاعَتُهُ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَنْفَعُ ( وَأَنْفَعُ ) : كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ ( وَمَا ذَاكَ ) : أَيِ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ لَكُمْ نَافِعًا ( فَلْيَزْرَعْهَا ) : مِنْ زَرَعَ يَزْرَعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ : أَيْ لِيَزْرَعْهَا بِنَفْسِهِ ( أَوْ لِيُزْرِعْهَا ) : مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ : أَيْ لِيُعْطِهَا لِغَيْرِهِ يَزْرَعُهَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ ( وَلَا يُكَارِيهَا ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَا يُكَارِهَا بِالنَّهْيِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ أَنِّي سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ بِمَعْنَى إِسْنَادِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَحَدِيثِهِ . حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعٌ ، نا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : جَاءَنَا أَبُو رَافِعٍ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرٍ كَانَ يَرْفُقُ بِنَا ، وَطَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ أَرْفَقُ بِنَا ، نَهَانَا أَنْ يَزْرَعَ أَحَدُنَا إِلَّا أَرْضًا يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا ، أَوْ مَنِيحَةً يَمْنَحُهَا رَجُلٌ ( أَوْ مَنِيحَةً يَمْنَحُهَا رَجُلٌ ) : أَيْ عَطِيَّةً يُعْطِيهَا رَجُلٌ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أنا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ قَالَ : جَاءَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ كَانَ لَكُمْ نَافِعًا ، وَطَاعَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْفَعُ لَكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَاكُمْ عَنْ الْحَقْلِ ، وَقَالَ : مَنْ اسْتَغْنَى عَنْ أَرْضِهِ فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ ، أَوْ لِيَدَعْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَهَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَمُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهَلٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، قَالَ شُعْبَةُ : أُسَيْدٌ ابْنُ أَخِي رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ( أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ ) : بِالتَّصْغِيرِ فِيهِمَا ( عَنِ الْحَقْلِ ) : أَيِ الزَّرْعِ ؛ يَعْنِي كِرَاءَ الْمَزَارِعِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ ) : أَيْ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ يَضْرِبُ ، وَالِاسْمُ الْمِنْحَةُ بِالْكَسْرِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ : أَيْ يَجْعَلُهَا مَنِيحَةً أَيْ عَارِيَةً ( أَوْ لِيَدَعْ ) : أَيْ لِيَتْرُكْ فَارِغَةً إِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا بِنَفْسِهِ ( هَكَذَا ) : أَيْ كَمَا رَوَى سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ( رَوَاهُ شُعْبَةُ وَمُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهِلٍ عَنْ مَنْصُورٍ ) : عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أُسَيْدٍ عَنْ رَافِعٍ ، فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ جَعَلُوهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَكَذَا رَوَاهُ جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلَ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، وَكَذَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَرِوَايَةُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَأَمَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَرِيرٍ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَافِعِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدَاتِ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ ، وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ . وَإِلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( قَالَ شُعْبَةُ ) : أَيْ فِي بَعْضِ رِوَايَتِهِ ( أُسَيْدُ ابْنُ أَخِي رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ) : وَلَمْ يَذْكُرْ شُعْبَةُ فِي بَعْضِ رِوَايَتِهِ هَذَا اللَّفْظَ ؛ بَلْ قَالَ أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ كَمَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا يَحْيَى ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ قَالَ : بَعَثَنِي عَمِّي أَنَا وَغُلَامًا لَهُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قُلْنَا لَهُ : شَيْءٌ بَلَغَنَا عَنْكَ فِي الْمُزَارَعَةِ ؟ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا حَتَّى بَلَغَهُ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ حَدِيثٌ فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ رَافِعٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ فَرَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظُهَيْرٍ ، فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ زَرْعَ ظُهَيْرٍ! قَالُوا : لَيْسَ لِظُهَيْرٍ قَالَ : أَلَيْسَ أَرْضُ ظُهَيْرٍ ؟ قَالُوا : بَلَى ، وَلَكِنَّهُ زَرْعُ فُلَانٍ . قَالَ : فَخُذُوا زَرْعَكُمْ ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ النَّفَقَةَ قَالَ رَافِعٌ : فَأَخَذْنَا زَرْعَنَا ، وَرَدَدْنَا إِلَيْهِ النَّفَقَةَ ، قَالَ سَعِيدٌ : أَفْقِرْ أَخَاكَ ، أَوْ أَكْرِهِ بِالدَّرَاهِمِ . ( نَا أَبُو جَعْفَرٍ الْخَطْمِيُّ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ ، اسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ يَزِيدَ ( أَنَا وَغُلَامًا ) : أَنَا ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ اسْتُعِيرَ لِلْمَنْصُوبِ ( شَيْءٌ ) : مُبْتَدَأٌ ، خَبَرُهُ بَلَغَنَا ( بِهَا ) : أَيْ بِالْمُزَارَعَةِ ( وَرُدُّوا عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْفُلَانِ ( أَفْقِرْ أَخَاكَ ) : أَيْ أَعِرْهُ أَرْضَكَ لِلزِّرَاعَةِ ، وَأَصْلُ الْإِفْقَارِ فِي إِعَارَةِ الظَّهْرِ ، يُقَالُ : أَفْقَرْتُ الرَّجُلَ بَعِيرِي إِذَا أَعَرْتُهُ ظَهْرًا لِلرُّكُوبِ . قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ( أَوْ أَكْرِهْ ) : أَمْرٌ لِلْمُخَاطَبِ مِنَ الْإِكْرَاءِ ، وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِأَخَاكَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ يَعْقُوبَ الطَّالْقَانِيِّ ، قُلْتُ لَهُ : حَدَّثَكُمْ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سَعِيدٍ أَبِي شُجَاعٍ ، قال : حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : إِنِّي لَيَتِيمٌ فِي حِجْرِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَحَجَجْتُ مَعَهُ ، فَجَاءَهُ أَخِي عِمْرَانُ بْنُ سَهْلٍ فَقَالَ : أَكْرَيْنَا أَرْضَنَا فُلَانَةَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَالَ : دَعْهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ كِرى الْأَرْضِ ( قَالَ حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ سَهْلٍ ) : قَالَ فِي الْأَطْرَافِ : وَالصَّوَابُ عِيسَى بْنُ سَهْلٍ ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ( مَعَهُ ) : أَيْ مَعَ رَافِعٍ ( عِمْرَانُ بْنُ سَهْلٍ ) : بَدَلٌ مِنْ أَخِي ( عَنْ كَرْيِ الْأَرْضِ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ سَهْلِ بْنِ رَافِعٍ وَهُوَ الصَّوَابُ .
حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، نا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ ، نا بُكَيْرٌ ، يَعْنِي : ابْنَ عَامِرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ ، قال : حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ أَنَّهُ زَرَعَ أَرْضًا ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْقِيهَا ، فَسَأَلَهُ : لِمَنْ الزَّرْعُ ؟ وَلِمَنْ الْأَرْضُ ؟ فَقَالَ : زَرْعِي بِبَذْرِي ، وَعَمَلِي لِي الشَّطْرُ وَلِبَنِي فُلَانٍ الشَّطْرُ فَقَالَ : أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّ الْأَرْضَ عَلَى أَهْلِهَا وَخُذْ نَفَقَتَكَ ( فَقَالَ أَرْبَيْتُمَا ) : أَيْ أَتَيْتُمَا بِالرِّبَا : أَيْ بِالْعَقْدِ الْغَيْرِ الْجَائِزِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ الزَّرْعَ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ مُلْحَقٌ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ . ثُمَّ قِيلَ : إِنَّ حَدِيثَ رَافِعٍ مُضْطَرِبٌ فَيَجِبُ تَرْكُهُ ، وَالرُّجُوعُ إِلَى حَدِيثِ خَيْبَرَ ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ شَطْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَخَذُوا بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا ، أَوْ إِلَّا تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ ، كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْقَارِي : وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا ، انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَتَأَوَّلُوا : أَيِ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ أَحَادِيثَ النَّهْيِ تَأْوِيلَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : حَمْلُهَا عَلَى إِجَارَتِهَا بِمَا عَلَى الْمَاذْيَانَاتِ ، أَوْ بِزَرْعِ قِطْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ، أَوْ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَمَا فَسَّرَهُ الرُّوَاةُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، وَالثَّانِي : حَمْلُهَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَالْإِرْشَادُ إِلَى إِعَارَتِهَا ، وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا ، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ؛ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الثَّانِي الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ بُكَيْرُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ .
بَابٌ : فِي الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ الْحَسَنِ ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً 15 - بَابٌ فِي الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً بِوَزْنِ كَرِيمَةٍ ، مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ ( نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً ) : أَيْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ، أَوْ أَحَدِهِمَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَرْجِيحًا لِلْمُحَرِّمِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ مِنَ الْمُبِيحِ ، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهِ يَحْمِلُ النَّسِيئَةَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَجْهُهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا نَهَى عَمَّا كَانَ مِنْهُ نَسِيئَةً فِي الطَّرَفَيْنِ ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالَّذِي يَلِيهِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ صَحِيحٌ ، هَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْأَئِمَّةِ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً . فَهُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ مُخْتَلَفٌ فِي اتِّصَالِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَحُكِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ صَحِيفَةٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ : حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الثِّقَاتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا أَوْ عِكْرِمَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ ، قَالَ : وَحَدِيثُ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا هُوَ زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلٌ ، وَطُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ وَاهِيَةٌ ، لَيْسَتْ بِالْقَوِيَّةِ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ : كُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَى السَّوَاقِي مِنْ الزَّرْعِ ، وَمَا سَعِدَ بِالْمَاءِ مِنْهَا ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُكْرِيَهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ( بِمَا عَلَى السَّوَاقِي مِنَ الزَّرْعِ ) : فِي الْقَامُوسِ : السَّاقِيَةُ : النَّهَرُ الصَّغِيرُ أَيْ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى أَطْرَافِ النَّهَرِ ، ( وَمَا سَعِدَ ) : أَيْ جَرَى ( بِالْمَاءِ مِنْهَا ) : أَيْ مِنَ السَّوَاقِي ، يُرِيدُ أَنَّا نَجْعَلُ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنَ الزَّرْعِ بِلَا طَلَبٍ لِصَاحِبِ الزَّرْعِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : أَيْ مَا جَاءَنَا مِنَ الْمَاءِ سَيْحًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى دَالِيَةٍ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مَا جَاءَنَا مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : السَّعِيدُ : النَّهَرُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذَا ، وَجَمْعُهُ سُعُدٌ ، انْتَهَى . وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ الْمَزَارِعِ يُكْرُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَزَارِعَهُمْ بِمَا يَكُونُ عَلَى السَّاقِي مِنَ الزَّرْعِ ، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَصَمُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكْرُوا بِذَلِكَ ، وَقَالَ : اكْرُوا بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ ، أنا عِيسَى ، نا الْأَوْزَاعِيُّ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا لَيْثٌ ، كِلَاهُمَا عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاللَّفْظُ لِلْأَوْزَاعِيِّ قال : حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ : سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ؟ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهَا ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ ، وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَأَشْيَاءَ مِنْ الزَّرْعِ فَيَهْلَكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا ، وَيَسْلَمُ هَذَا وَيَهْلَكُ هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءٌ إِلَّا هَذَا ، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عَنْهُ ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَضْمُونٌ مَعْلُومٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ أَتَمُّ وَقَالَ قُتَيْبَةُ : عَنْ حَنْظَلَةَ ، عَنْ رَافِعٍ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ حَنْظَلَةَ نَحْوَهُ . ( بِمَا عَلَى الْمَاذِيانَاتِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَتْحَ الذَّالِ فِي غَيْرِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهِيَ مَسَائِلُ الْمِيَاهِ . وَقِيلَ : مَا يَنْبُتُ عَلَى حَافَّتَيْ مَسِيلِ الْمَاءِ ، وَقِيلَ : مَا يَنْبُتُ حَوْلَ السَّوَاقِي وَهِيَ لَفْظَةٌ مُعَرَّبَةٌ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ الْأَنْهَارُ ، وَهِيَ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ ، صَارَتْ دَخِيلًا فِي كَلَامِهِمُ ، انْتَهَى ( وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ ) : أَقْبَالُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ قُبُلٍ بِالضَّمِّ : أَيْ رُؤوسُ الْجَدَاوِلِ وَأَوَائِلُهَا ، وَالْجَدَاوِلُ جَمْعُ الْجَدْوَلِ ، وَهُوَ النَّهَرُ الصَّغِيرُ كَالسَّاقِيَةِ ، وَالْقُبُلُ أَيْضًا رَأْسُ الْجَبَلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ أَعْلَمَكَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُنْهَيَ عَنْهُ هُوَ الْمَجْهُولُ مِنْهُ دُونَ الْمَعْلُومِ ، وَأَنَّهُ كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِيهَا شُرُوطًا فَاسِدَةً ، وَأَنْ يَسْتَثْنُوا مِنَ الزَّرْعِ مَا عَلَى السَّوَاقِي وَالْجَدَاوِلِ ، وَيَكُونُ خَاصًّا لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارَعَةُ شَرِكَةٌ ، وَحِصَّةُ الشَّرِيكِ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَجْهُولَةٌ ، وَقَدْ يَسْلَمُ مَا عَلَى السَّوَاقِي ، وَيَهْلَكُ سَائِرُ الزَّرْعِ فَيَبْقَى الْمُزَارِعُ لَا شَيْءَ لَهُ ، وَهَذَا غَرَرٌ وَخَطَرٌ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيٌّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ عُلَيَّةَ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا بِشْرٌ الْمَعْنَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إسحاق ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ ، قَالَ مُسَدَّدٌ : مِنْ الْأَنْصَارِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا قَدْ اقْتَتَلَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ زَادَ مُسَدَّدٌ : فَسَمِعَ قَوْلَهُ : لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ . ( إِنَّمَا أَتَاهُ ) : أَيِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( قَالَ مُسَدَّدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ) : أَيْ زَادَ مُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ هَذَا اللَّفْظَ بَعْدَ قَوْلِهِ : رَجُلَانِ ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) : أَيْ أَبُو بَكْرٍ وَمُسَدَّدٌ ( فَلَا تُكْرُوا ) : مِنَ الْإِكْرَاءِ ( فَسَمِعَ ) : أَيْ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ( قَوْلَهُ ) : أَيْ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَهُوَ لَا تُكْرُوا إِلَخْ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ سَمِعَ قَوْلَهُ : لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ . وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَى الشَّرْطِ السَّابِقِ ، وَهُوَ صُورَةُ النِّزَاعِ وَالْجِدَالِ ، وَتَعْمِيمُ رَافِعٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَلَعَلَّ هَذَا الْخَبَرَ لَمَّا بَلَغَ رَافِعًا رَجَعَ عَنِ التَّعْمِيمِ كَمَا رُوِيَ عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ رَافِعٍ فَقَالَ : لَمْ نُنْهَ أَنْ نُكْرِيَ الْأَرْضَ بِالْوَرِقِ ، كَذَا فِي إِنْجَاحِ الْحَاجَةِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ؟ فَقَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ ، فَقَلْتُ : أَبَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ؟ فَقَالَ : أَمَّا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ إِلَخْ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ : مَا كُنَّا نَرَى بِالْمُزَارَعَةِ بَأْسًا حَتَّى سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْهَا ، فَذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ فَقَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ، وَلَكِنْ قَالَ : ليَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَرْضَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا ( فَذَكَرْتُهُ ) : أَيْ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ( فَقَالَ ) : أَيْ طَاوُسٌ ( لَمْ يَنْهَ عَنْهَا ) : أَيْ عَنِ الْمُزَارَعَةِ ( لِيَمْنَحَ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالنُّونِ : أَيْ لِيَجْعَلَهَا مَنِيحَةً أَيْ عَارِيَةً ( خَرَاجًا مَعْلُومًا ) : أَيْ أُجْرَةً مَعْلُومَةً ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : خَبَرُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ خَبَرٌ مُجْمَلٌ ، تُفَسِّرُهُ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ نَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى ، وَقَدْ عَقَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَعْنَى مِنَ الْخَبَرِ ، وَأَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُزَارَعَةِ بِشَطْرِ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يتِمّانَحو أَرْضهم ، وَأَنَّ يُرْفِقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . وَقَدْ ذَكَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ النَّوْعَ الَّذِي حَرُمَ مِنْهَا ، وَالْعِلَّةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا نَهَى عَنْهَا ، وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ . قُلْتُ : أَرَادَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ رِوَايَةَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْآتِيَةَ فِي الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرحمن ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ ذَكَرَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْعِلَّةَ ، وَالسَّبَبَ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ ، وَبَيْنَ الصِّفَةَ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا النَّهْيُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي هَذَا الْبَابِ . قُلْتُ : أَرَادَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الرِّوَايَةَ التَّالِيَةَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ رَافِعٍ ، وَقَالَ : هُوَ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ يُرِيدُ اضْطِرَابَ هَذَا الْحَدِيثِ وَاخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ، فَمَرَّةً يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَرَّةً يَقُولُ : حَدَّثَنِي عُمُومَتِي عَنْهُ ، وَجَوَّزَ أَحْمَدُ الْمُزَارَعَةَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى الْيَهُودَ أَرْضَ خَيْبَرَ مُزَارَعَةً وَنَخْلَهَا مُسَاقَاةً ، وَأَجَازَهَا ابْنُ أَبِي لَيْلَى ، وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَأَبْطَلَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا صَارَ هَؤُلَاءِ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ، وَلَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلَّتِهِ كَمَا وَقَفَ عَلَيْهَا أَحْمَدُ ، فَالْمُزَارَعَةُ عَلَى النِّصْفِ وَالثُّلُثِ وَالرُّبْعِ ، وَعَلَى مَا تَرَاضَا بِهِ الشَّرِيكَانِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَتِ الْحِصَصُ مَعْلُومَةٌ ، وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ مَعْدُومَةٌ ، وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي بُلْدَانِ الْإِسْلَامِ ، وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقِهَا وَغَرْبِهَا . وَقَدْ أَنْعَمَ بَيَانَ هَذَا الْبَابِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَجَوَّدَهُ ، وَصَنَّفَ فِي الْمُزَارَعَةِ مَسْأَلَةً ذَكَرَ فِيهَا عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَرَدَتْ فِيهَا . انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي الْمُزَارَعَةِ 31 - بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ : هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنَ الزَّرْعِ كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَعْلُومَةِ ، وَالْبَذْرُ يَكُونُ مِنْ مَالِكِ الْأَرْضِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ .
بَابٌ : فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حَرِيشٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا ، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ باب في الرخصة في ذلك ( أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا ) : أَيْ يُهَيِّئَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ مِنْ مَرْكُوبٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِهِمَا ( فَنَفِدَتِ الْإِبِلُ ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ ، وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، أَيْ : فَنِيَتْ أَوْ نَقَصَتْ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ جَمَلًا ، وَبَقِيَ بَعْضُ الرِّجَالِ بِلَا مَرْكُوبٍ ( فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ ) : أَيْ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ إِبِلٌ ( فِي قِلَاصِ الصَّدَقَةِ ) : جَمْعُ قَلُوصٍ ، وَهُوَ الْفَتَى مِنَ الْإِبِلِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى مَكَانٍ فِي ( إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ ) : أَيْ مُؤَجَّلًا إِلَى أَوَانِ حُصُولِ قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَسْتَقْرِضُ عَدَدًا مِنَ الْإِبِلِ حَتَّى يَتِمَّ ذَلِكَ الْجَيْشُ لِيَرُدَّ بَدَلَهَا مِنْ إِبِلِ الزَّكَاةِ قَالَهُ الْقَارِي . قَالَ فِي النَّيْلِ : ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً مُتَفَاضِلًا مُطْلَقًا ، وَشَرَطَ مَالِكٌ أَنْ يَخْتَلِفَ الْجِنْسُ ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا مَعَ النَّسِيئَةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ ، وَتَمَسَّكَ الْأَوَّلُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ، وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْآثَارِ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُرَادُ بِهِ النَّسِيئَةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ، وَهِيَ مِنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْجَمِيعِ . وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْآثَارِ ، وَقَالُوا : إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَمْرٍو مَنْسُوخٌ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ تَقَرُّرِ تَأَخُّرِ النَّاسِخِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ . وَقَدْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِمَا سَلَفَ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَلَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى صِحَّةِ إِطْلَاقِ النَّسِيئَةِ عَلَى بَيْعِ الْمَعْدُومِ بِالْمَعْدُومِ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ أَوِ الشَّرْعِ فَذَاكَ ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ أَرْجَحُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو ، ثُمَّ ذَكَرَ وُجُوهَ التَّرْجِيحِ ، فَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ فَعَلَيْكَ بِالنَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ أَيْضًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَيْضًا مَقَالًا ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ حَدِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولًا عَلَى أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا نَسِيئَةً .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ مُعَاذٍ ، نا يَحْيَى ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إسحاق ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ ، قَالَ : فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) : هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمَّارُ وَسَعْدٌ إِلَخَ ) : اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جِوَازِ شَرِكَةِ الْأَبَدَانِ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَ الْعَامِلَانِ فِيمَا يَعْمَلَانِهِ ، فَيُوَكِّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَ وَيَعْمَلَ عَنْهُ فِي قَدْرٍ مَعْلُومٍ مِمَّا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ ، وَيُعَيِّنَانِ الصَّنْعَةَ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى صِحَّتِهَا مَالِكٌ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الصَّنْعَةِ . وَإِلَى صِحَّتِهَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزٌ بِبَدَنِهِ وَمَنَافِعِهِ فَيَخْتَصُّ بِفَوَائِدِهِ ، وَهَذَا كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي مَاشِيَتِهِمَا وَهِيَ مُتَمَيِّزَةٌ ؛ لِيَكُونَ الدَّرُّ وَالنَّسْلُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ . وَأَجَابَتِ الشَّافِعِيَّةُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ غَنَائِمَ بَدْرٍ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَدْفَعُهَا لِمَنْ يَشَاءُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْوَكَالَةَ فِي الْمُبَاحَاتِ لَا تَصِحُّ . كَذَا فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ . وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ .
بَابٌ : فِي الشَّرِكَةِ عَلَى غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ 30 - بَابٌ فِي الشَّرِكَةِ عَلَى غَيْرِ رَأْسِ مَالٍ : أَيِ الشَّرِكَةِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ الْمَالِ ؛ بل عَلَى الْأُجْرَةِ وَالْعَمَلِ ، فَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ بَعْدَ الْعَمَلِ وَالْأُجْرَةِ فَهُوَ يَشْتَرِكُ بَيْنَهُمْ .
بَابٌ : فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْهَمْدَانِيُّ ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ : أَنَّ اللَّيْثَ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ باب في ذلك إذا كان يدا بيد ( اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ مُتَفَاضِلًا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ
بَابٌ : فِي الرَّجُلِ يَتَّجِرُ فِي مَالِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، نا أَبُو أُسَامَةَ ، نا عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ ، أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ فَرْقِ الْأَرُزِّ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ قَالُوا : وَمَنْ صَاحِبُ الْأَرُزِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ الْغَارِ حِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمْ الْجَبَلُ . فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : اذْكُرُوا أَحْسَنَ عَمَلِكُمْ قَالَ : وَقَالَ الثَّالِثُ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ عَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَذَهَبَ ، فَثَمَّرْتُهُ لَهُ حَتَّى جَمَعْتُ لَهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا فَلَقِيَنِي فَقَالَ : أَعْطِنِي حَقِّي فَقُلْتُ : اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا فَذَهَبَ فَاسْتَاقَهَا باب في الرجل يتجر في مال الرجل إلخ ( مِثْلَ صَاحِبِ فَرَقِ الْأَرُزِّ ) : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، وَقَدْ تُسَكَّنُ الرَّاءُ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : مِكْيَالٌ بِالْمَدِينَةِ يَسْعُ ثَلَاثَةَ آصُعٍ ، أَوْ يَسْعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، وَالْأَرُزُّ فِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ : فَتْحُ الْأَلِفِ وَضَمُّهَا مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ ، وَتُضَمُّ الْأَلِفِ مَعَ سُكُونِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِهَا ، وَالرِّوَايَةُ هُنَا بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَضَمِّ الرَّاءِ ، وَتَشْدِيدِ الزَّايِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْأَرُزُّ حَبٌّ مَعْرُوفٌ ، وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ : أَرُزٌّ برنج ( فَذَكَرَ حَدِيثَ الْغَارِ ) : لَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو دَاوُدَ بِطُولِهِ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا ، وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّوْبَةِ ( فَثَمَّرْتُهُ ) : مِنَ التَّثْمِيرِ : أَيْ كَثَّرَتُ الْأَرُزَّ وَزِدْتُهُ بِالزِّرَاعَةِ ( لَهُ ) : أَيْ لِلْأَجِيرِ ( وَرِعَاءَهَا ) : جَمْعُ رَاعٍ ، وَاسْتَدَلَّ أَبُو دَاوُدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ تِجَارَةِ الرَّجُلِ فِي مَالِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : بَابُ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَمَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ : قَوْلُهُ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ إِلَخْ ، فَإِنَّ فِيهِ تَصَرُّفُ الرَّجُلِ فِي مَالِ الْأَجِيرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَشِرَائِهِ ، وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ هُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَيَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ إِنْ أَجَازَهُ نَفِدَ وَإِلَّا لَغَا ، وَالْقَوْلُ الْجَدِيدُ بُطْلَانُهُ . وَقَدْ أُجِيبَ عَمَّا وَقَعَ هُنَا بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّجُلَ الْأَجِيرَ لَمْ يَمْلِكِ الْفَرَقَ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ بِفَرَقٍ مُعَيَّنٍ ، وَإِنَّمَا اسْتَأْجَرَهُ بِفَرَقٍ فِي الذِّمَّةِ ، فَلَمَّا عَرَضَ عَلَيْهِ قَبْضَهُ امْتَنَعَ لِرَدَاءَتِهِ ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِهِ ؛ بَلْ بَقِيَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ ، فَالنِّتَاجُ الَّذِي حَصَلَ عَلَى مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ تَبَرَّعَ بِهِ لِلْأَجِيرِ بِتَرَاضِيهِمَا . وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ فَأَعْطَاهُ حَقَّهُ وَزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ ، وَلَوْ كَانَ الْفَرَقُ تَعَيَّنَ لِلْأَجِيرِ لَكَانَ تَصَرُّفُ الْمُسْتَأْجِرِ فِيهِ تَعَدِّيًا . انْتَهَى كَلَامُ الْقَسْطَلَّانِيُّ مُخْتَصَرًا ، وَهَذَا الْجَوَابُ مَدْفُوعٌ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى وَلَيْسَ هَذَا الْمُخْتَصَرُ مَحِلٌّ لِبَيَانِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ بِنَحْوِهِ أَتَمُّ مِنْهُ .
بَابٌ : فِي الثَمْرِ بِالتَّمْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ قَالَ : الْبَيْضَاءُ ، قال : فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ إسماعيل بْنُ أُمَيَّةَ نَحْوَ مَالِكٍ باب في الثمر بالتمر ( عَنِ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْبَيْضَاءُ نَوْعٌ مِنَ الْبُرِّ أَبْيَضُ اللَّوْنِ ، وَفِيهِ رَخَاوَةٌ يَكُونُ بِبِلَادِ مِصْرَ . وَالسُّلْتُ : نَوْعٌ غَيْرُ الْبُرِّ وَهُوَ أَدَقُّ حَبًّا مِنْهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْبَيْضَاءُ هُوَ الرَّطِيبُ مِنَ السُّلْتِ . وَالْأَوَّلُ أَعْرَفُ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَلْيَقُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَعَلَيْهِ يَتَبَيَّنُ مَوْضِعُ النَّسِيئَةِ مِنَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ . وَإِذَا كَانَ الرَّطِيبُ مِنْهَا جِنْسًا وَالْيَابِسُ جِنْسًا آخَرَ لَمْ يَصِحِّ النَّسِيئَةُ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : السُّلْتُ ضَرْبٌ مِنَ الشَّعِيرِ أَبْيَضٌ لَا قِشْرَ لَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْحِنْطَةِ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَاءَ هِيَ الْحِنْطَةُ . انْتَهَى . ( يُسْأَلُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ) : قَالَ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ : لَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الِاسْتِفْهَامِ اسْتِعْلَامُ الْقَضِيَّةِ ، فَإِنَّهَا جَلِيَّةٌ مُسْتَغْنِيَةٌ عَنِ الِاسْتِكْشَافِ ، بَلِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ تَحَقُّقُ الْمُمَاثَلَةِ حَالَ الْيُبُوسَةِ ، فَلَا يَكْفِي تَمَاثُلُ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ عَلَى رُطُوبَتِهِ ، وَلَا عَلَى فَرْضِ الْيُبُوسَةِ ؛ لِأَنَّهُ تَخْمِينٌ وَخَرْصٌ لَا تَعَيُّنَ فِيهِ ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْعَ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ إِذَا تُسَاوَيَا كَيْلًا ، وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْبَيْعِ نَسِيئَةً لِمَا رُوِيَ عَنْ هَذَا الرَّاوِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قُلْتُ : هَذَا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ عَنْ هَذَا الرَّاوِي هُوَ الْحَدِيثُ الْآتِي فِي الْبَابِ ، وَلَفْظُ نَسِيئَةً فِيهِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ كَمَا يَظْهَرُ لَكَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ( فَنَهَاهُ ) : أَيِ السَّائِلُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : يَسْأَلُ ( عَنْ ذَلِكَ ) : أَيْ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْنَادِهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَالَ : زَيْدُ أَبُو عَيَّاشٍ : رَاوِيهِ ضَعِيفٌ ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْتَجَّ بِهِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ ، وَأَبُو عَيَّاشٍ مَوْلًى لِبَنِي زُهْرَةَ مَعْرُوفٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مالك فِي الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ رَجُلٍ مَتْرُوكَ الْحَدِيثِ بِوَجْهٍ ، وَهَذَا مِنْ شَأْنِ مَالِكٍ وَعَادَتِهُ مَعْلُومٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : زَيْدُ أَبُو عَيَّاشٍ مَجْهُولٌ ، وَكَيْفَ يَكُونُ مَجْهُولًا وَقَدْ رَوَى عَنْهُ اثْنَانِ ثِقَتَانِ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَعِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، وَهُمَا مِمَّنِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَدْ عَرِفَهُ أَئِمَّةُ هَذَا الشَّأْنِ ؛ هَذَا الْإِمَامُ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ فِي مُوَطَّئِهِ مَعَ شِدَّةِ تَحَرِّيهِ فِي الرِّجَالِ وَنَقْدِهِ وَتَتَبُّعِهِ لِأَحْوَالِهِمْ ، وَالتِّرْمِذِيُّ قَدْ أَخْرَجَ حَدِيثَهُ وَصَحَّحَهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ أَيْضًا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي كِتَابِ الْكُنَى ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ فِي كِتَابِ الْكُنَى ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ الْكُنَى ، وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا ضَعَّفَهُ ، وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ، نا مُعَاوِيَةُ يَعْنِي : ابْنَ سَلَّامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، أنا عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومٍ ، عَنْ سَعْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ : خَالَفَهُ مَالِكٌ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ وَأُسَامَةُ بْنُ يَزِيدَ ، رَوَوْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ، وَلَمْ يَقُولُوا فِيهِ : نَسِيئَةً ، وَإِجْمَاعُ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَاهُ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِمْ لِلْحَدِيثِ ، وَفِيهِمْ إِمَامٌ حَافِظٌ ، وَهُوَ مَالِكُ ابْنُ أَنَسٍ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : وَرَوَاهُ عمران بْنُ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ نَحْوَ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، نا أَبُو الْمُنْذِرِ ، نا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ هُوَ أَخُو حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، نا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِيتِ ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ بِهَذَا الْخَبَرِ ، وَلَفْظُهُ مُخْتَلِفٌ . ( نَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْخِرِّيتِ ) : بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الْعَبْدِيُّ ، أنا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنِي أَبُو حُصَيْنٍ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً ، فَاشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ ، وَجَاءَ بِدِينَارٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَصَدَّقَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي تِجَارَتِهِ ( فَتَصَدَّقَ بِهِ ) : أَيْ بِالدِّينَارِ . جَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا أَصْلًا فَقَالُوا : مَنْ وَصَلَ إِلَيْهِ مَالٌ مِنْ شُبْهَةٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ لَهُ مُسْتَحِقًّا فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ . وَوَجْهُ الشَّبَهِ هَاهُنَا أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لِعُرْوَةَ وَلَا لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فِي بَيْعِ الْأُضْحِيَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ لِلْقُرْبَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْأُضْحِيَةِ ، فَكَرِهَ أَكْلَ ثَمَنِهَا . قَالَهُ فِي النَّيْلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُمْ يُجِيزُونَ بَيْعَ مَالِ زَيْدٍ مِنْ عَمْرٍو بِغَيْرِ إِذْنٍ مِنْهُ أَوْ تَوْكِيلٍ بِهِ ، وَيَتَوَقَّفُ الْبَيْعُ عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ ، فَإِذَا أَجَازَهُ صَحَّ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُجِيزُوا الشِّرَاءَ لَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ، وَأَجَازَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ مَعًا . وَكَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجِيزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ وَلَا يُدْرَى هَلْ يُجِيزُهُ أَمْ لَا ، وَكَذَلِكَ لَا يُجِيزُ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ عَلَى رِضَى الْمَنْكُوحَةِ أَوْ إِجَازَةِ الْوَلِيِّ ، غَيْرَ أَنَّ الْخَبَرَيْنِ مَعًا غَيْرُ مُتَّصِلَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ خَبَرُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَجُلًا مَجْهُولًا لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ، وَفِي خَبَرِ عُرْوَةَ أَنَّ الْحَيَّ حَدَّثُوهُ ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ مِنَ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُجِزِ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ وَكَالَتَهُ وَكَالَةُ تَفْوِيضٍ وَإِطْلَاقٍ ، وَإِذَا كَانَتِ الْوَكَالَةُ مُطْلَقَةً فَقَدْ حَصَلَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ عَنْ إِذْنٍ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَقَالَ : وَلَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمْ يَسْمَعْ عِنْدِي مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَحَكَى الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَدِيثَ الْبَارِقِيِّ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : وَإِنَّمَا ضَعَّفَ حَدِيثَ الْبَارِقِيِّ ؛ لِأَنَّ شَبِيبَ بْنَ غَرْقَدَةَ رَوَاهُ عَنِ الْحَيِّ وَهُمْ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ ، وَحَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ إِنَّمَا رَوَاهُ شَيْخٌ غَيْرُ مُسَمًى ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الْحَيُّ الَّذِينَ أَخْبَرُوا شَبِيبَ بْنَ غَرْقَدَةَ عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ لَا نَعْرِفُهُمْ ، وَالشَّيْخُ الَّذِي أَخْبَرَ أَبَا حُصَيْنٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لَا نَعْرِفُهُ ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَرْطِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْخَبَرَيْنِ مَعًا غَيْرُ مُتَّصِلَيْنِ ؛ لِأَنَّ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ خَبَرُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَجُلًا مَجْهُولًا لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ ، وَفِي خَبَرِ عُرْوَةَ أَنَّ الْحَيَّ حَدَّثُوهُ ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ مِنَ الرِّوَايَةِ لَمْ تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . فَأَمَّا تَخْرِيجُهُ لَهُ فِي صَدْرِ حَدِيثِ : الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيِّ عَلَى التَّمَامِ ، فَحَدَّثَ بِهِ كَمَا سَمِعَهُ ، وَذَكَرَ فِيهِ إِنْكَارَ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ بِسَمَاعِهِ مِنْ عُرْوَةَ حَدِيثَ شِرَاءِ الشَّاةِ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ الْحَيِّ عَنْ عُرْوَةَ ، وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْ عُرْوَةَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ ، وَيُشْبِهُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي الشِّرَاءِ لَوْ كَانَ عَلَى شَرْطِهِ لَأَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَكِتَابِ الْوَكَالَةِ ، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلَى أَحْكَامٍ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الْأَبْوَابِ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثَ الْخَيْلِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنْسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ حَدِيثُ الْخَيْلِ فَقَطْ ؛ إِذْ هُوَ عَلَى شَرْطِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ عُرْوَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى ذِكْرِ الْخَيْلِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الشَّاةِ . وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَ شِرَاءِ الشَّاةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي لَبِيدٍ لِمَازَةَ بْنِ زَبَّارٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ حَسَنٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
بَابٌ : فِي الْمُضَارِبِ يُخَالِفُ 28 - بَابٌ فِي الْمُضَارِبِ يُخَالِفُ الْمُضَارَبَةُ : هِيَ قَطْعُ الرَّجُلِ مِنْ أَمْوَالِهِ دَافِعًا إِلَى الْغَيْرِ ؛ لِيُعَامِلَ فِيهِ وَيَقْسِمَ الرِّبْحَ . قَالَهُ الطِّيبِيُّ : وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ السَّفَرُ ، لَمَّا كَانَ الرِّبْحُ يَحْصُلُ فِي الْغَالِبِ بِالسَّفَرِ . أَوْ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْمَالِ وَهُوَ التَّصَرُّفُ . وَالْعَامِلُ مُضَارِبٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَتُسَمَّى الْمُضَارَبَةَ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ قِرَاضًا بِكَسْرِ الْقَافِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ ، قال : حَدَّثَنِي الْحَيُّ ، عَنْ عُرْوَةَ يَعْنِي : ابْنَ الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ قَالَ : أَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ أُضْحِيَّةً أَوْ شَاةً فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ ، فكَانَ لَوْ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ ( عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ ( حَدَّثَنِي الْحَيُّ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ الْقَبِيلَةُ ، وَهُمْ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ وَسَيَجِيءُ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَحْيَى وَهُوَ غَلَطٌ ( يَعْنِي ابْنُ الْجَعْدِ ) : بِفَتْحِ جِيمٍ وَسُكُونِ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ ، وَقِيلَ : ابْنُ أَبِي الْجَعْدِ ( الْبَارِقِيِّ ) : نِسْبَةٌ إِلَى بَارِقٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ : بَطْنٌ مِنْ الْأَزْدِ ، وَهُوَ بَارِقُ بْنُ عَدِيِّ ابْنِ حَارِثَةَ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ بَارِقٌ ؛ لِأَنَّهُ نَزَلَ عِنْدَ جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ بَارِقٌ ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ( أَعْطَاهُ ) : أَيْ عُرْوَةُ ( دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ إِذَا قَالَ لَهُ الْمَالِكُ : اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً ، وَوَصَفَهَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمُوَكِّلِ قَدْ حَصَلَ وَزَادَ الْوَكِيلُ خَيْرًا ، وَمِثْلُ هَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ شَاةً بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهَا بِدِرْهَمَيْنِ ، أَوْ بِأَنْ يَشْتَرِيَهَا بِدِرْهَمٍ فَاشْتَرَاهَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ، ( أَوْ شَاةً ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ : عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ : إِنَّ الْبَيْعَ الْمَوْقُوفَ ، وَالشِّرَاءَ الْمَوْقُوفَ بَاطِلَانِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيُمْكِنُ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ بِقَرِينَةِ فَهِمِهِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنَّهُ يَكُونُ الْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ صَحِيحًا دُونَ الشِّرَاءِ ، وَالْوَجْهُ : أَنَّ الْإِخْرَاجَ عَنْ مِلْكِ الْمَالِكِ مُفْتَقِرٌ إِلَى إِذْنِهِ بِخِلَافِ الْإِدْخَالِ . وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِدْخَالَ لِلْمَبِيعِ فِي الْمِلْكِ يَسْتَلْزِمُ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْمِلْكِ لِلثَّمَنِ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْعَكْسُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ قَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ ( فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى ) : أَيْ عُرْوَةُ ( تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ ) : هَذَا مُبَالَغَةٌ فِي رِبْحِهِ أَوْ حَقِيقَةٌ ، فَإِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ التُّرَابِ يُبَاعُ ، وَالْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُضَارَبَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ، وَبَوَّبَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِّيَةَ فِي الْمُنْتَقَى بِقَوْلِهِ : بَابُ مَنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ ، فَاشْتَرَى بِالثَّمَنِ أَكْثَرَ مِنْهُ ، وَتَصَرَّفَ فِي الزِّيَادَةِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُضَارِبِ إِذَا خَالَفَ رَبَّ الْمَالِ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : الرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَالِ ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَنَافِعٍ : أَنَّهُ ضَامِنٌ ، وَالرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي مَنِ اسْتَوْدَعَ مَالًا فَاتَّجَرَ فِيهِ بِغَيْرِ إذن صَاحِبِهِ أَنَّ الرِّبْحَ لِرَبِّ الْمَالِ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ ضَامِنٌ لِرَأْسِ الْمَالِ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : إِنْ خَالَفَ وَرَبِحَ فَالرِّبْحُ لَهُ فِي الْقَضَاءِ وَهُوَ يَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الْوَرَعِ وَالْفُتْيَا ، وَلَا يَصْلُحُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا خَالَفَ الْمُضَارِبُ نَظَرَ فَإِنِ اشْتَرَى السِّلْعَةَ الَّتِي لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا بِعَيْنِ الْمَالِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَإِنِ اشْتَرَاهَا بِغَيْرِ الْعَيْنِ فَالسِّلْعَةُ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهِ ، انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ ، سَمِعْتُ الْحَيَّ يُحَدِّثُونَ عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هُوَ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ شَبِيبَ بْنَ غَرْقَدَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنَ الْحَيِّ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : هُوَ مُرْسَلٌ . قَالَ الْحَافِظُ : الصَّوَابُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ فِي إسِنَادِهِ مُبْهَمٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
بَابٌ : فِي الشَّرِكَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصِّيصِيُّ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ : أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِم 27 - بَابٌ فِي الشَّرِكَةِ بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفَتْحِ فِيهَا أَرْبَعَ لُغَاتٍ : فَتْحُ الشِّينِ وَكَسْرُ الرَّاءِ ، وَكَسْرُ الشِّينِ وَسُكُونُ الرَّاءِ ، وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ ، وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ وَهِيَ لُغَةُ الِاخْتِلَاطِ ، وَشَرْعًا : ثُبُوتُ الْحَقِّ فِي شَيْءٍ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ عَلَى جِهَةِ الشُّيُوعِ ، وَقَدْ تَحْدُثُ الشَّرِكَةُ قَهْرًا كَالْإِرْثِ ، أَوْ بِاخْتِيَارٍ كَالشِّرَاءِ . ( عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ إِلَخْ ) : قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ : هَذَا الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ الْقَطَّانِ بِالْجَهْلِ بِحَالِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ وَالِدِ أَبِي حَيَّانَ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ حَالٌ ، وَلَا يُعْرَفُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَذَكَرَهُ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ . قُلْتُ : اسْمُ أَبِي حَيَّانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ . قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : ثِقَةٌ عَابِدٌ وَأَبُوهُ سَعِيدُ بْنُ حَيَّانَ التَّيْمِيُّ ، وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ ، ( أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ ) : أَيْ مَعَهُمَا بِالْحِفْظِ وَالْبَرَكَةِ أَحْفَظُ أَمْوَالَهُمَا وَأُعْطِيهِمَا الرِّزْقَ وَالْخَيْرَ فِي مُعَامَلَتِهِمَا ( خَرَجَتُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ بَيْنِهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ : أَيْ زَالَتِ الْبَرَكَةُ بِإِخْرَاجِ الْحِفْظِ عَنْهُمَا . وَزَادَ رَزِينٌ : وَجَاءَ الشَّيْطَانُ : أَيْ وَدَخَلَ بَيْنَهُمَا وَصَارَ ثَالِثَهُمَا . قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : الشَّرِكَةُ عِبَارَةٌ عَنِ اخْتِلَاطِ أَمْوَالِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ ، وَشَرِكَةُ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُمَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ ، كَأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْبَرَكَةَ وَالْفَضْلَ وَالرِّبْحَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْمَخْلُوطِ ، فَسَمَّى ذَاتَهُ تَعَالَى ثَالِثًا لَهُمَا ، وَجَعَلَ خِيَانَةَ الشَّيْطَانِ وَمَحْقَهُ الْبَرَكَةَ بِمَنْزِلَةِ الْمَخْلُوطِ وَجَعَلَهُ ثَالِثًا لَهُمَا ، وَقَوْلُهُ : خَرَجَتُ مِنْ بَيْنِهِمَا تَرْشِيحُ الِاسْتِعَارَةِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الشَّرِكَةِ ؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مُنْصَبَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ ، يَسْعَى فِي غِبْطَةِ صَاحِبِهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الْمُزَابَنَةِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَعَنْ بَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا 19 - بَابٌ فِي الْمُزَابَنَةِ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْبَابُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَالْمُزَابَنَةُ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّبْنِ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهُوَ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ . وَقِيلَ لِلْبَيْعِ الْمَخْصُوصِ : مُزَابَنَةٌ ، كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ ، أَوْ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا إِذَا وَقَفَ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْغَبْنِ أَرَادَ دَفْعَ الْبَيْعِ لِفَسْخِهِ ، وَأَرَادَ الْآخَرُ دَفْعَهُ عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ نَافِعٍ : الْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا ، وَبَيْعُ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا ، وَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . ( نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ ، الْمُرَادُ بِهِ ثَمَرُ النَّخْلِ ( بِالتَّمْرِ ) : بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ ( كَيْلًا ) : بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ ، وَلَيْسَ قَيْدًا . وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ هُوَ الرِّبَا لِعَدَمِ التَّسَاوِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . بِنَحْوِهِ .
بَابٌ : فِي بَيْعِ الْمُضْطَرِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا هُشَيْمٌ ، أنا صَالِحُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : كَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ ، قال : نا شَيْخٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ قَالَ : خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوْ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : قَالَ ابْنُ عِيسَى : هَكَذَا حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ ، وَبَيْعِ الْغَرَرِ ، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ 26 - بَابٌ فِي بَيْعِ الْمُضْطَرِّ مُفْتَعَلٌ مِنَ الضُّرِّ ، وَأَصْلُهُ مُضَتَرَرٌ فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ وَقُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً لِأَجْلِ الضَّادِ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمُضْطَرِّ الْمُكْرَهُ . ( أَنَا صَالِحُ بْنُ عَامِرٍ ) : قَالَ فِي التَّقْرِيبِ : صَالِحُ بْنُ عَامِرٍ ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، صَوَابُهُ صَالِحُ أَبُو عَامِرٍ ، وَهُوَ الْخَزَّازُ بَيَّنَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ، ووَهِمَ الْمِزِّيُّ فَقَالَ : صَوَابُهُ صَالِحٌ عَنْ عَامِرٍ ؛ أَيِ ابْنِ حَيٍّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، انْتَهَى . ( أَوْ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ ) : شَكٌّ مِنْ هُشَيْمٍ أَوْ صَالِحٍ ( قَالَ ابْنُ عِيسَى ) : هُوَ مُحَمَّدٌ ( هَكَذَا ) : أَيْ بِالشَّكِّ ( قَالَ ) : أَيْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( زَمَانٌ عَضُوضٌ ) : قَالَ فِي الْقَامُوسِ : عَضَضْتُهُ وَعَلَيْهِ كَسَمِعَ ، وَمَنَعَ عَضًّا وَعَضِيضًا أَمْسَكْتُهُ بِأَسْنَانِي أَوْ بِلِسَانِي ، وَبِصَاحِبِي عَضِيضًا لَزِمْتُهُ ، أَوِ الْعَضِيضُ الْعَضُّ الشَّدِيدُ وَالْقَرِينُ ، وَعَضُّ الزَّمَانِ وَالْحَرْبِ شِدَّتُهُمَا ، أَوْ هُمَا بِالظَّاءِ ، وَعَضُّ الْأَسْنَانِ بِالضَّادِ ( يَعَضُّ الْمُوسِرُ ) : أَيْ صَاحِبُ يَسَارٍ ( عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ ) : أَيْ بُخْلًا ( وَلَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ ) : بَلْ أُمِرَ بِالْجُودِ : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ أَيْ أَنْ يَتَفَضَّلَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ( وَيُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ ) : عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : يَعَضُّ الْمُوسِرُ ( وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ ) : قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هَذَا يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ ؛ أَحَدُهُمَا : أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْعَقْدِ مِنْ طَرِيقِ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا بَيْعٌ فَاسِدٌ لَا يَنْعَقِدُ ، وَالثَّانِي : أَنْ يُضْطَرَّ إِلَى الْبَيْعِ لِدَيْنٍ رَكِبَهُ ، أَوْ مُؤْنَةٍ تُرْهِقُهُ فَيَبِيعَ مَا فِي يَدَيْهِ بِالْوَكْسِ لِلضَّرُورَةِ ، وَهَذَا سَبِيلُهُ فِي حَقِّ الدَّيْنِ وَالْمُرُوءَةُ أَنْ لَا يُبَايِعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَكِنْ يُعَارُ وَيُقْرَضُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ ، أَوْ يَشْتَرِي إِلَى الْمَيْسَرَةِ أَوْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا ، فَإِنْ عَقَدَ الْبَيْعَ مَعَ الضَّرُورَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ صَحَّ مَعَ كَرَاهَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ له . وَمَعْنَى الْبَيْعِ هَاهُنَا الشِّرَاءُ ، أَوِ الْمُبَايَعَةُ ، أَوْ قَبُولُ الْبَيْعِ ( وَبَيْعُ الْغَرَرِ ) : تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ( قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَأَدْرَكَ الشَّيْءَ بَلَغَ وَقْتَهُ ، وَالْمُرَادُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إسِنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثمْرِ بِالتَّمْرِ ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا ، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا ( عَنْ بُشَيْرٍ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ( عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ : ( نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ ) : بِالْمُثَلَّثَةِ أَيِ الرُّطَبِ ( بِالتَّمْرِ ) : أَيِ الْيَابِسِ ( أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بِأَنْ يُقَدَّرَ مَا فِيهَا إِذَا صَارَ تَمْرًا بِتَمْرٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِلَفْظِ : رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا ، وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا كَيْلًا ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَلِكَ بِقَدْرِهِ مِنَ الرُّطَبِ لِانْتِفَاءِ حَاجَةِ الرُّخْصَةِ إِلَيْهِ ، وَلَا بَيْعُهُ عَلَى الْأَرْضِ بِقَدْرِهِ مِنَ الْيَابِسِ ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِي بَيْعِ الْعَرَايَا أَكْلُهُ طَرِيًّا عَلَى التَّدْرِيجِ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي ذَلِكَ . وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ : كَيْلًا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ بِقَدْرِهِ يَابِسًا خَرْصًا ، وَهُوَ كَذَلِكَ ؛ لِئَلَّا يَعْظُمَ الْغَرَرُ فِي الْبَيْعِ ( يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا ) : أَيِ الْمُشْتَرُونَ الَّذِينَ صَارُوا مُلَّاكَ الثَّمَرَةِ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي بَيْعِ الْعَرَايَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ 20 - بَابٌ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا جَمْعُ عَرِيَّةٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الْعَرِيَّةُ أَنْ يَخْرُصَ الْخَارِصُ نَخَلَاتٍ ، فَيَقُولُ : هَذَا الرُّطَبُ الَّذِي عَلَيْهَا إِذَا يَبِسَ يَحْصُلُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ مَثَلًا ، فَيَبِيعُهُ لِغَيْرِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْسُقِ تَمْرٍ وَيَتَقَابضَانِ فِي الْمَجْلِسِ ، فَيُسَلِّمُ الْمُشْتَرِي التَّمْرَ ، وَيُسَلِّمُ الْبَائِعُ النَّخْلَ ، وَهَذَا جَائِزٌ فِي مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَلَا يَجُوزُ فِي مَا زَادَ عَلَيْهِ ، وَفِي جَوَازِهِ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ؛ أَصَحُّهُمَا : لَا يَجُوزُ ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ مِنَ الثِّمَارِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْفُقَرَاءِ ، وَقَوْلٌ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ . انْتَهَى . ( رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ وَالرُّطَبِ ) : وَفِي رِوَايَةِ للبُخَارِيِّ : بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ وكَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : مُقْتَضَاهُ جَوَازُ بَيْعِ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِالرُّطَبِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، فَتَكُونُ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ فَيَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِأَنَّهَا مِنْ شَكِّ الرَّاوِي أَيُّهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ التَّمْرُ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى غَيْرِهِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُ أَنَّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ ، لَا لِلشَّكِّ ، وَلَفْظُهُ : بِالرُّطَبِ وَبِالتَّمْرِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ أَيْضًا تُؤَيِّدُ أَنَّ أَوْ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلشَّكِّ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْعَرَايَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ : رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا . وَالرُّخْصَةُ إِنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ الْحَظْرِ ، وَقَدْ قَالَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْقَوْلِ بِهِ أَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَذَهَبُوا إِلَى جُمْلَةِ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي تَحْرِيمِ الْمُزَابَنَةِ ، وَفَسَّرُوا الْعَرِيَّةَ تَفْسِيرًا لَا يَلِيقُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . فِي سُنَنِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلَفْظُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ ، أَوْ بِالتَّمْرِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَلَفْظُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِالرُّطَبِ ، وَبِالتَّمْرِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ : وَأَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ وَهَذَا لَفْظُهُ قَالَا : نا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ أَمَّا الْبَيْعَتَانِ : فَالْمُلَامَسَةُ وَالْمُنَابَذَةُ ، وَأَمَّا اللِّبْسَتَانِ : فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ ، أَوْ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ ( نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَعْلَةَ بِالْفَتْحِ لِلْمَرَّةِ ، وَبِالْكَسْرِ لِلْحَالَةِ وَالْهَيْئَةِ . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : ( وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ ) : بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْهَيْئَةِ لَا بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَرَّةِ ، ( فَالْمُلَامَسَةُ ) : مُفَاعَلَةٌ مِنَ اللَّمْسِ ( وَالْمُنَابَذَةُ ) : مُفَاعَلَةٌ مِنَ النَّبْذِ ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ ، ( فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ ) : بِفَتْحِ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ مِيمٍ مَمْدُودَةٍ ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ ، ( وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ إِلَخْ ) : وَهِيَ اللُّبْسَةُ الثَّانِيَةُ ( أَوْ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الثَّوْبِ ( شَيْءٌ ) : أَيْ مِمَّا يَسْتُرُهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ : أَيْ قَالَ : كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ ، أَوْ قَالَ : لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ . وَلَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ أَوْ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ ، نا يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا . حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا يَحْيَى ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ ، : قَالَ : وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ بَطْنَهَا ، ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نُتِجَتْ . ( عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ ) : الْحَبَلُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ ، وَغَلَّطَ عِيَاضُ مَنْ سَكَّنَ الْبَاءَ ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَبِلَتْ تَحْبَلُ ، وَالْحَبَلَةُ بِفَتْحِهِمَا أَيْضًا جَمْعُ حَابِلٍ مِثْلُ ظُلْمَةٍ وَظَالِمٍ ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَصْدَرٌ سَمَّى بِهِ الْحَيَوَانَ ، كَذَا فِي النَّيْلِ ، وَيَأْتِي تَفْسِيرُ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ فِي الْبَابِ مِنَ الْمُؤَلِّفِ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ . ( قَالَ : وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ ) : قَالَ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ لِمَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ وَحَبَلُ الْحَبَلَةِ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ، ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نَتَجَتْ ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . ( أَنْ تُنْتَجَ ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَالِثِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا كَذَلِكَ نَحْوُ جُنَّ ( النَّاقَةُ ) : بِالرَّفْعِ بِإِسْنَادِ تُنْتَجُ إِلَيْهَا ( بَطْنَهَا ) : أَيْ مَا فِي بَطْنِهَا ، وَالْمَعْنَى تَلِدُ وَلَدَهَا ( ثُمَّ تَحْمِلُ الَّتِي نَتَجَتْ ) : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بَعْدَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ : وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَصِفَتُهُ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا : أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ بِعْتُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ هَذِهِ النَّاقَةُ ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِيهِ مَجْهُولٌ ، وَقِيلَ : هُوَ بَيْعُ وَلَدِ وَلَدِ النَّاقَةِ فِي الْحَالِ ؛ بِأَنْ يَقُولَ : إِذَا نَتَجَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ ثُمَّ نَتَجَتِ الَّتِي فِي بَطْنِهَا فَقَدْ بِعْتُكَ وَلَدَهَا ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ وَلَا مَعْلُومٍ وَلَا مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ ، وَهَذَا الثَّانِي تَفْسِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهُوَ أَقْرَبُ لَفْظًا ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرُ الرَّاوِي وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ وَهُوَ أَعْرَفُ وَلَيْسَ مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالنَّهْيُ وَارِدٌ عَلَيْهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ تَفْسِيرَ الرَّاوِي مُقَدَّمٌ إِذَا لَمْ يُخَالِفِ الظَّاهِرَ ، وَمُحَصَّلُ الْخِلَافِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ : هَلِ الْمُرَادُ الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ أَوْ بَيْعُ الْجَنِينِ ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلِ الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ وِلَادَةُ الْأُمِّ أَوْ وِلَادَةُ وَلَدِهَا ؟ وَعَلَى الثَّانِي هَلِ الْمُرَادُ بَيْعُ الْجَنِينِ الْأَوَّلِ أَوْ بَيْعُ جَنِينِ الْجَنِينِ ؟ فَصَارَتْ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ زَادَ ، فَاشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ يَشْتَمِلَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَضَعُ طَرَفَيْ الثَّوْبِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ، وَيُبْرِزُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ، وَالْمُنَابَذَةُ : أَنْ يَقُولَ : إِذَا نَبَذْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ ، وَالْمُلَامَسَةُ : أَنْ يَمَسَّهُ بِيَدِهِ وَلَا يَنْشُرُهُ وَلَا يُقَلِّبُهُ ، فَإِذَا مَسَّهُ وَجَبَ الْبَيْعُ . ( وَيُبْرِزُ ) : مِنَ الْإِبْرَازِ : أَيْ يُظْهِرُ ( شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ) : أَيْ جَانِبَهُ الْأَيْمَنَ ، وَالْمَعْنَى يُظْهِرُ جَانِبَهُ الْأَيْمَنَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الثَّوْبِ ( إِذَا نَبَذْتَ ) : أَيْ أَلْقَيْتَ ( وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَمَسَّهُ ) : أَيْ يَمَسَّ الْمُسْتَامُ الثَّوْبَ ، وَكَذَا وَقَعَ تَفْسِيرُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةُ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ . وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْمُلَامَسَةُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ : أَبِيعُكَ ثَوْبِي بِثَوْبِكَ ، وَلَا يَنْظُرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ الْآخَرِ ، وَلَكِنْ يَلْمِسُهُ لَمْسًا . وَالْمُنَابَذَةُ أَنْ يَقُولَ : أَنْبِذُ مَا مَعِي وَتَنْبِذُ مَا مَعَكَ ؛ لِيَشْتَرِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ ، وَلَا يَدْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمْ مَعَ الْآخَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَمَّا الْمُلَامَسَةُ فَأَنْ يَلْمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَ صَاحِبِهِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ ، وَالْمُنَابَذَةُ : أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَوْبَهُ إِلَى الْآخَرِ لَمْ يَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى ثَوْبِ صَاحِبِهِ قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَقْعَدُ بِلَفْظِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ؛ لِأَنَّهَا مُفَاعَلَةٌ فَتَسْتَدْعِي وُجُودَ الْفِعْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ . قَالَ : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْسِيرِ الْمُلَامَسَةِ عَلَى ثَلَاثِ صُوَرٍ ، وَهِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ ؛ أَصَحُّهَا : أَنْ يَأْتِيَ بِثَوْبٍ مَطْوِيٍّ أَوْ فِي ظُلْمَةٍ فَيَلْمِسُهُ الْمُسْتَامُ ، فَيَقُولُ لَهُ صَاحِبُ الثَّوْبِ : بِعْتُكَهُ بِكَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَقُومَ لَمْسُكَ مَقَامَ نَظَرِكَ ، وَلَا خِيَارَ لَكَ إِذَا رَأَيْتَهُ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلتَّفْسِيرِ الَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ . الثَّانِي : أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ اللَّمْسِ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَةٍ زَائِدَةٍ . الثَّالِثُ : أَنْ يَجْعَلَ اللَّمْسَ شَرْطًا فِي قَطْعِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ . وَالْبَيْعُ عَلَى التَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا بَاطِلٌ . ثُمَّ قَالَ : وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُنَابَذَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ ، وَهِيَ أَوْجُهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ ؛ أَصَحُّهَا : أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ النَّبْذِ بَيْعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُلَامَسَةِ ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا بِغَيْرِ صِيغَةٍ . والثالث : أَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ قَاطِعًا لِلْخِيَارِ ، هَكَذَا فِي الْفَتْحِ . وَالْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ وَإِبْطَالُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ .
بَابٌ : فِي بَيْعِ الْغَرَرِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا : نا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن أبي زياد ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ زَادَ عُثْمَانُ : وَالْحَصَاةِ 25 - بَابٌ فِي بَيْعِ الْغَرَرِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ وَبِرَاءَيْنِ : أَيْ مَا لَا يُعْلَمُ عَاقِبَتُهُ مِنَ الْخَطَرِ الَّذِي لَا يُدْرَى أَيَكُونُ أَمْ لَا كَبَيْعِ الْآبِقِ ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ ، وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ ، وَالْغَائِبِ الْمَجْهُولِ ، وَمُجْمَلُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَجْهُولًا أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ مِمَّا انْطَوَى بِعَيْنِهِ ، مِنْ غَرِّ الثَّوْبِ : أَيْ طَيِّهِ ، أَوْ مِنَ الْغِرَّةِ بِالْكَسْرِ : أَيِ الْغَفْلَةِ ، أَوْ مِنَ الْغُرُورِ قَالَهُ الْقَارِي . ( نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَصْلُ الْغَرَرِ هُوَ مَا طُوِيَ عَنْكَ وَخَفِيَ عَلَيْكَ بَاطِنُهُ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : طَوَيْتَ الثَّوْبَ عَلَى غِرَّةٍ : أَيْ كَسْرِهِ الْأَوَّلِ ، وَكُلُّ بَيْعٍ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ مَجْهُولًا غَيْرَ مَعْلُومٍ ، أَوْ مَعْجُوزًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَهُوَ غَرَرٌ ، وَإِنَّمَا نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ تَحْصِينًا لِلْأَمْوَالِ أَنْ تَضِيعَ ، وَقَطْعًا لِلْخُصُومَةِ بَيْنَ النَّاسِ . وَأَبْوَابُ الْغَرَرِ كَثِيرَةٌ ( وَالْحَصَاةُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ ثَلَاثُ تَأْوِيلَاتٍ ، أَحَدُهَا : أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْحَصَاةُ الَّتِي أَرْمِيهَا ، أَوْ بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ مِنْ هُنَا إِلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْحَصَاةُ . وَالثَّانِي : أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ عَلَى أَنَّكَ بِالْخِيَارِ إِلَى أَنْ أَرْمِيَ بِهَذِهِ الْحَصَاةِ . وَالثَّالِثُ : أَنْ يَجْعَلَا نَفْسَ الرَّمْيِ بِالْحَصَاةِ بَيْعًا ، فَيَقُولُ : إِذَا رَمَيْتَ هَذَا الثَّوْبَ بِالْحَصَاةِ فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْكَ بِكَذَا ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُعَاوَمَةِ ، وَقَالَ أَحَدُهُمَا : بَيْعُ السِّنِينَ ( وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ ( نَهَى عَنِ الْمُعَاوَمَةِ ) : هِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْعَامِ ، كَالْمُسَانَهَةِ مِنَ السَّنَةِ ، وَالْمُشَاهَرَةِ مِنَ الشَّهْرِ : أَيْ بَيْعِ السِّنِينَ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : هِيَ بيع ثَمَرُ النَّخْلِ أَوِ الشَّجَرِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَصَاعِدًا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ثِمَارُهُ ، وَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُخْلَقْ فَهُوَ كَبَيْعِ الْوَلَدِ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقْ ( وَقَالَ أَحَدُهُمَا ) : أَيْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي بَيْعِ السِّنِينَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ قَالَا : نا سُفْيَانُ ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَوَضَعَ الْجَوَائِحَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثُّلُثِ شَيْءٌ ، وَهُوَ رَأْيُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَابٌ فِي بَيْعِ السِّنِينَ بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُ السَّنَةِ بِفَتْحِهَا ، وَالْمُرَادُ : بَيْعُ مَا تَحْمِلُهُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ مَثَلًا سَنَةً فَأَكْثَرَ ، وَيُقَالُ لَهُ : بَيْعُ الْمُعَاوَمَةِ . ( نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مَا تُثْمِرُهُ النَّخْلَةُ أَوِ النَّخَلَاتُ بِأَعْيَانِهَا سِنِينَ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَهَذَا غَرَرٌ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ شَيْءٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ وَلَا مَخْلُوقٍ حَالَ الْعَقْدِ ، وَلَا يُدْرَى هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ أَمْ لَا ، وَهَلْ يُثْمِرُ النَّخْلُ أَمْ لَا ، وَهَذَا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ ، وَأَمَّا فِي بُيُوعِ الصِّفَاتِ فَهُوَ جَائِزٌ ، مِثْلُ أَنْ يُسَلِّفَ فِي شَيْءٍ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أَرْبَعٍ أَوْ أَكْثَرٍ مَا دَامَتِ الْمُدَّةُ مَعْلُومَةٌ ، كَيْلٍ مَعْلُومٍ ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ بَعِيدٍ أَوْ قَرِيبٍ ؛ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُسَلَّفُ فِيهِ غَالِبًا وُجُودُهُ عِنْدَ وَقْتِ مَحِلِّ السَّلَفِ انْتَهَى . ( وَوَضَعَ الْجَوَائِحَ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ جَائِحَةٍ وَهِيَ الْآفَةُ الْمُسْتَأْصِلَةُ تُصِيبُ الثِّمَارَ وَنَحْوَهَا بَعْدَ الزَّهْوِ فَتُهْلِكُهَا بِأَنْ يَتْرُكَ الْبَائِعُ ثَمَنَ مَا تَلِفَ قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بِإِسْنَادِهِ فَقَالَ : وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ ، وَالْجَوَائِحُ : هِيَ الْآفَاتُ الَّتِي تُصِيبُ الثِّمَارَ فَتُهْلِكُهَا وَأَمْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَالْإِلْزَامِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ : وَضْعُ الْجَائِحَةِ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ إِذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ فَأَصَابَتْهُ الْآفَةُ فَهَلَكَتْ . وَقَالَ مَالِكٌ : تُوضَعُ فِي الثُّلُثِ فَصَاعِدًا وَلَا تُوضَعُ فِي مَا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الثُّلُثِ ، قَالَ أَصْحَابُهُ : وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْجَائِحَةَ إِذَا كَانَتْ دُونَ الثُّلُثِ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ . وَاسْتَدَلَّ مَنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى مَعْنَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ بِأَنَّهُ أَمْرٌ حَدَثَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ مِلْكِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا لَصَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهَا ، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ . فَإِذَا صَحَّ بَيْعُهَا ثَبَتَ أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِهِ ، وَقَدْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَلَوْ كَانَتِ الْجَائِحَةُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا النَّهْيِ فَائِدَةٌ ، انْتَهَى . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَصِحَّ إِلَخْ ) : لَمْ تُوجَدْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ - مَالِكٌ وَغَيْرُهُ - مِنْ أَنَّ الْجَائِحَةَ إِذَا كَانَتْ دُونَ الثُّلُثِ كَانَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ لَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ الْفَصْلَيْنِ مُفَرَّقَيْنِ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهِ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ : ثَمَرِ السِّنِينَ .
بَابٌ : فِي مِقْدَارِ الْعَرِيَّةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، نا مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَقَالَ لَنَا الْقَعْنَبِيُّ : فِيمَا قَرَأَ عَلَى مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، قال أبو داود : وَاسْمُهُ قُزْمَانُ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ شَكَّ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ جَابِرٍ إِلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ 21 - بَابٌ فِي مِقْدَارِ الْعَرِيَّةِ أَيْ مِقْدَارِهَا الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْعَرِيَّةُ . ( وَقَالَ لَنَا الْقَعْنَبِيُّ ) : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ( وَاسْمُهُ ) : أَيِ اسْمُ أَبِي سُفْيَانَ ( قُزْمَانُ ) : بِضَمِّ الْقَافِ ، وَسُكُونِ الزَّايِ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ( رَخَّصَ ) : مِنَ التَّرْخِيصِ ( فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ) : جَمْعُ وَسْقٍ ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا ، وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ عَلَى صِحَّتِهِ فِيمَا دُونَ الْخَمْسَةِ ، وَامْتِنَاعُهُ فِيمَا فَوْقَهَا ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِيهَا ، وَالْأَقْرَبُ تَحْرِيمُهُ فِيهَا ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ أَذِنَ لِأَصْحَابِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِخَرْصِهَا يَقُولُ : الْوَسْقُ وَالْوَسْقَيْنِ وَالثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَتَرْجَمَ لَهُ ابْنُ حِبَّانَ الِاحْتِيَاطُ عَلَى أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ . كَذَا فِي السُّبُلِ . ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ جَابِرٍ إِلَى أَرْبَعَةِ أَوْسُقٍ ) : لَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَتَقَدَّمَ لَفْظُهُ قَرِيبًا . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الرُّخْصَةُ فِي الْخَمْسَةِ الْأَوْسَاقِ مَشْكُوكٌ فِيهَا ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُزَابَنَةِ ثَابِتٌ ، فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُبَاحَ مِنْهَا إِلَّا الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ إِبَاحَتُهُ ، وَقَدْ شَكَّ الرَّاوِي ، وَقَدْ رَوَاهُ جَابِرٌ ، فَانْتَهَى بِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَوْسَاقٍ ، فَهُوَ مُبَاحٌ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَحْظُورٌ ، وَهَذَا الْقَوْلُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ أَلْزَمَهُ الْمُزَنِيُّ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِ ، وَمَعْنَاهُ ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا ابْنُ إسماعيل الطَّالَقَانِيُّ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدّنَانيرِ ، أَوْ بِالدِّراهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا ( وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدَّنَانِيرِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ إِلَّا الْعَرَايَا ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يُبَاعَ الرُّطَبُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِتَمْرٍ ؛ بَلْ يُبَاعُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَغَيْرِهِمَا ، وَالْمُمْتَنَعُ إِنَّمَا هُوَ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ إِلَّا الْعَرَايَا فَيَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ فِيهَا بِالتَّمْرِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ فِي بَابِهِ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا .
بَابٌ : فِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ باب في بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ( نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ) : أَيْ يَظْهَرَ حُمْرَتُهَا وَصُفْرَتُهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَا صَلَاحُهُ ؟ قَالَ : تَذْهَبُ عَاهَتُهُ ، كَذَا فِي النَّيْلِ . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ صَيْرُورَتُهُ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا غَالِبًا ، وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ بَعْدَ بُدُوِّهُ ، وَلَوْ بِغَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ بِأَنْ يُطْلِقَ أَوْ يَشْتَرِطَ إِبْقَاءَهُ أَوْ قَطْعَهُ ، وَالْمَعْنَى الْفَارِقُ بَيْنَهُمَا أَمْنُ الْعَاهَةِ بَعْدَهُ غَالِبًا ، وَقَبْلَهُ تُسْرِعُ إِلَيْهِ لِضَعْفِهِ ( نَهَى الْبَائِعَ ) : أَيْ لِئَلَّا يَأْكُلَ مَالَ أَخِيهِ بِالْبَاطِلِ ( وَالْمُشْتَرِي ) : أَيْ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ . وَإِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ ظُهُورِ الصَّلَاحِ وَبَعْدَهُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ . وَصَحَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْبَيْعَ حَالَةَ الْإِطْلَاقِ قَبْلَ بدو الصلاح وبعده ، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده كذا صرح به أهل مَذْهَبِهِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي شَجَرَةٍ وَلَوْ فِي حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ يَسْتَتْبِعُ الْكُلَّ إِذَا اتَّحَدَ الْبُسْتَانُ وَالْعَقْدُ وَالْجِنْسُ ، فَيَتْبَعُ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مَا بَدَا صَلَاحُهُ إِذَا اتَّحَدَ فِيهِمَا الثَّلَاثَةُ وَاكْتُفِيَ بِبُدُوِّ صَلَاحِ بَعْضِهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَيْنَا ، فَجَعَلَ الثِّمَارَ لَا تَطِيبُ دَفْعَةً وَاحِدَةً إِطَالَةً لِزَمَنِ التَّفَكُّهِ ، فَلَوِ اعْتَبَرْنَا فِي الْبَيْعِ طِيبَ الْجَمِيعِ ، لَأَدَّى إِلَى أَنْ لَا يُبَاعَ شَيْءٌ قَبْلَ كَمَالِ صَلَاحِهِ أَوْ تُبَاعُ الْحَبَّةُ بَعْدَ الْحَبَّةِ ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَرَجٌ لَا يَخْفَى . وَيَجُوزُ الْبَيْعُ قَبْلَ الصَّلَاحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ إِذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ ، كَالْحِصْرِمِ إِجْمَاعًا - ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ ، وَعَنْ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ ( نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ ) : أَيْ مَا عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَرِ ( حَتَّى تَزْهُوَ ) : بِالتَّأْنِيثِ ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ يُؤَنَّثُ وَيُذَكَّرُ . قَالَ تَعَالَى نَخْلٍ خَاوِيَةٍ و نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ : حَتَّى تَزْهُوَ هَكَذَا يُرْوَى ، وَالصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ : حَتَّى تُزْهَى ، وَالْإِزْهَاءُ فِي الثَّمَرِ أَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ ، وَذَلِكَ أَمَارَةُ الصَّلَاحِ فِيهَا ، وَدَلِيلُ خَلَاصِهَا مِنَ الْآفَةِ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ تُزْهَى ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ تَزْهُو ، وَالصَّوَابُ الرِّوَايَتَانِ عَلَى اللُّغَتَيْنِ ، زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو إِذَا ظَهَرَتْ ثَمَرَتُهُ ، وَأَزْهَى يُزْهَى إِذَا احْمَرَّ أَوِ اصْفَرَّ . ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قُلْتُ : وَالصَّوَابُ مَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ ، فَفِي الْقَامُوسِ : زَهَا النَّخْلُ طَالَ كَأَزْهَى وَالْبُسْرُ تَلَوَّنَ كَأَزْهَى وَزَهَّى ، وَذَكَرَ النَّخْلَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ عِنْدَهُمْ ، وَأُطْلِقَ فِي غَيْرِهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ النَّخْلِ وَغَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ ، ( وَعَنِ السُّنْبُلِ ) : بِضَمِّ السِّينِ ، وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمَّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ : سَنَابِلُ الزَّرْعِ ( حَتَّى يَبْيَضَّ ) : بِتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ : يَشْتَدُّ حَبُّهُ ، وَذَلِكَ بُدُوُّ صَلَاحِهِ ( وَيَأْمَنُ الْعَاهَةَ ) : هِيَ الْآفَةُ تُصِيبُهُ فَيَفْسُدُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ النَّمَرِيُّ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ، عَنْ مَوْلًى لِقُرَيْشٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ ، وَعَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تُحْرَزَ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِغَيْرِ حِزَامٍ ( عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ) : بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَفَتْحِ الْمِيمِ مُصَغَّرًا الْهَمْدَانِيِّ الزِّيَادِيِّ الْحِمْصِيِّ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ ، ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقْسَمَ ) : قَالَ الْقَاضِي : الْمُقْتَضِي لِلنَّهْيِ عَدَمُ الْمِلْكِ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمِلْكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَعِنْدَ مَنْ يَرَى الْمِلْكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْمُقْتَضِي لَهُ الْجَهْلُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَصِفَتِهُ إِذَا كَانَ فِي الْمَغْنَمِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ انْتَهَى . ( حَتَّى تُحْرَزَ ) : بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ عَلَى الزَّايِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، أَيْ : حَتَّى تَكُونَ مَحْفُوظَةً وَمَصُونَةً ( مِنْ كُلِّ عَارِضٍ ) : أَيْ آفَةٍ . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ ( بِغَيْرِ حِزَامٍ ) : أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُدَّ عَلَيْهِ ثَوْبُهُ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ ، أَيْ : إِذَا خِيفَ عَلَيْهِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ بِلَا حِزَامٍ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَلَّمَا يَتَسَرْوَلُونَ وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ إِزَارٌ وَكَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا وَلَمْ يَتَلَبَّبْ أَوْ لَمْ يَشُدَّ وَسَطَهُ رُبَّمَا انْكَشَفَت عَوْرَتُهُ ، وَمِنْهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَحْتَزِمَ ، أَيْ : يَتَلَبَّبَ وَيَشُدَّ وَسَطَهُ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ محمد بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ ، قال : نا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ : سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشْقِحَ قِيلَ : وَمَا تُشْقِحُ ؟ قَالَ : تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا ( نَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَمَدِّ النُّونِ مَوْلَى أَبِي ذُبَابٍ ، أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيِّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ ( حَتَّى تُشْقِحَ ) : يُقَالُ : أَشَقَحَ وَشَقَّحَ بِالتَّشْدِيدِ . كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : مِنَ الرُّبَاعِيِّ يُقَالُ : أَشْقَحَ ثَمَرُ النَّخْلِ يُشْقِحُ إِشْقَاحًا ، إِذَا احْمَرَّ أَوِ اصْفَرَّ ، وَالِاسْمُ : الشُّقْحَةُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : التَّشْقِيحُ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَالْقَافِ ، وَبِالْمُهْمَلَةِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ إِلَى الصُّفْرَةِ أَوِ الْحُمْرَةِ ، فَجَعَلَهُ فِي الْفَتْحِ ، مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ ، وَالْكِرْمَانِيُّ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ ، ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( قَالَ : تَحْمَارَّ وَتَصْفَارَّ إِلَخْ ) : مِنْ بَابِ الِافْعِيلَالِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ الَّذِي زِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَالتَّضْعِيفُ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا حَمَّرَ وَصَفَّرَ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : احْمَرَّ الشَّيْءُ وَاحْمَارَّ بِمَعْنًى . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : احْمَرَّ احْمِرَارًا صَارَ أَحْمَرَ كَاحْمَارَّ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ مِينَاءَ ، كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، عَنْ بَهْزِ بْنِ أَسَدٍ ، عَنْ سليم بْنِ حَيَّانٍ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ مِينَاءَ ، عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ بِذَلِكَ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدٍ : مَا تُشْقِحُ ؟ قَالَ : تَحْمَارَّ وَتَصْفَارَّ ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ السَّائِلَ سَعِيدٌ ، وَالْمُفَسِّرُ جَابِرٌ ، وَلَفْظُهُ قُلْتُ لِجَابِرٍ : مَا تُشْقِحُ الْحَدِيثُ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا عَنْبَسَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا الزِّنَادِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ؟ وَمَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ ، وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ ، قَالَ الْمُبْتَاعُ : قَدْ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ ، وَأَصَابَهُ قُشَامٌ ، وَأَصَابَهُ مُرَاضٌ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا ، فَلَمَّا كَثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا : فَإِمَّا لَا ، فَلَا تَبتَاَعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُه لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ ( وَمَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى بَيْعِ الثَّمَرِ ( كَانَ النَّاسُ ) : أَيْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ ) : بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ : أَيْ قَطَعُوا الثِّمَارَ . قَالَ فِي الصِّحَاحِ : جَدَّ النَّخْلَ يَجُدُّهُ : أَيْ صَرَمَهُ ، وَأَجَدَّ النَّخْلَ حَانَ لَهُ أَنْ يُجَدَّ ، وَهَذَا زَمَنُ الْجِدَادِ ، وَالْجَدَادِ مِثْلَ الصِّرَمِ وَالصَّرَامِ . وَقَالَ فِي بَابِ الْمِيمِ : صَرَمْتَ الشَّيْءَ صَرْمًا إِذَا قَطَعْتَهُ ، وَصَرَمَ النَّخْلَ : أَيْ جَدَّهُ ، وَأَصْرَمَ النَّخْلُ حَانَ أَنْ يُصْرَمَ انْتَهَى . ( وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ ) : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ : أَيْ طَلَبَهُمْ ( قَالَ الْمُبْتَاعُ ) : أَيِ الْمُشْتَرِي ( قَدْ أَصَابَ الثَّمَرَ ) : بِالْمُثَلَّثَةِ ( الدُّمَانُ ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ النُّونُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الدَّالِ . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : وَكَانَ الضَّمُّ أَشْبَهَ ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْأَدْوَاءِ وَالْعَاهَاتِ فَهُوَ بِالضَّمِّ كَالسُّعَالِ وَالزُّكَامِ . وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّهُ فَسَادُ الطَّلْعِ وَتَعَفُّنِهِ وَسَوَادِهِ . وَقَالَ الْقَزَّازُ : فَسَادُ النَّخْلِ قَبْلَ إِدْرَاكِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ فِي الطَّلْعِ يَخْرُجُ قَلْبُ النَّخْلَةِ أَسْوَدَ مَعْفُونًا ، ( وَأَصَابَهُ قُشَامٌ ) : بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيِ انْتَفَضَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مَا عَلَيْهِ بُسْرًا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَفِي الْقَامُوسِ : قُشَامٌ كَغُرَابٍ أَنْ يَنْتَفِضَ النَّخْلُ قَبْلَ اسْتِوَاءِ بُسْرِهِ ، ( وَأَصَابَهُ مُرَاضٌ ) : قَالَ فِي الْمَجْمَعِ : هُوَ بِالضَّمِّ دَاءٌ يَقَعُ فِي الثَّمَرَةِ فَتَهْلَكُ ، وَأَمْرَضَ إِذَا وَقَعَ فِي مَالِهِ الْعَاهَةُ ( عَاهَاتٌ ) : أَيْ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ آفَاتٌ تُصِيبُ الثَّمَرَ ، ( يَحْتَجُّونَ بِهَا ) : قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ كَالْكِرْمَانِيِّ : جَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمُبْتَاعِ الَّذِي هُوَ مُفَسِّرُهُ ، وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : فِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ الْمُبْتَاعِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْخُصُومَاتِ بِقَرِينَةِ يَبْتَاعُونَ ( كَالْمَشُورَةِ ) : بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ ، وَبِسُكُونِ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ وَاوٍ لُغَتَانِ قَالَهُ فِي الْمَجْمَعِ . وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْمَشُورَةُ مُفْعِلَةٌ لَا مَفْعُولَةٌ . قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَشُورَةِ أَنْ لَا يَشْتَرُوا شَيْئًا حَتَّى يَتَكَامَلَ صَلَاحُ جَمِيعِ هَذِهِ الثَّمَرَةِ ؛ لِئَلَّا تَقَعَ الْمُنَازَعَةُ انْتَهَى . ( فَإِمَّا لَا ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَأَصْلُهُ فَإِنْ لَا تَتْرُكُوا هَذِهِ الْمُبَايَعَةَ ، فَزِيدَتْ مَا لِلتَّوْكِيدِ وَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِي الْمِيمِ وَحُذِفَ الْفِعْلُ . وَقَالَ الْجَوَالِيقِيُّ : الْعَوَامُ يَفْتَحُونَ الْأَلِفَ وَالصَّوَابُ كَسْرُهَا ، وَأَصْلُهُ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ الْأَمْرُ فَافْعَلْ هَذَا ، وَمَا زَائِدَةٌ . وَعَنْ سِيبَوَيْهِ : افْعَلْ هَذَا إِنْ كُنْتَ لَا تَفْعَلْ غَيْرَهُ ، لَكِنَّهُمْ حَذَفُوا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : دَخَلَتْ مَا صِلَةً كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَاكْتَفَى بِلَا مِنَ الْفِعْلِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ ، وَمَنْ لَا ؛ يَعْنِي وَمَنْ لَا يُسَلِّمْ عَلَيْكَ فَلَا تُسَلِّمْ عَلَيْهِ ، فَاكْتَفَى بِلَا مِنَ الْفِعْلِ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا أَبُو الْوَلِيدِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ ( حَتَّى يَسْوَدَّ ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ ، أَيْ : يَبْدُوَ صَلَاحُهُ ، وَزَادَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : فَإِنَّهُ إِذَا اسْوَدَّ يَنْجُو مِنَ الْعَاهَةِ وَالْآفَةِ ، ( حَتَّى يَشْتَدَّ ) : اشْتِدَادُ الْحَبِّ قُوَّتُهُ وَصَلَابَتُهُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ .
بَابُ في تَفْسِيرِ الْعَرَايَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : الْعَرِيَّةُ الرَّجُلُ يُعْرِي النَّخْلَةَ ، أَوْ الرَّجُلُ يَسْتَثْنِي مِنْ مَالِهِ النَّخْلَةَ ، َوالِاثْنَتَيْنِ يَأْكُلُهَا فَيَبِيعُهَا بِتَمْرٍ 22 - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ الْعَرَايَا جَمْعُ عَرِيَّةٍ كَقَضِيَّةٍ وَقَضَايَا . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَهِيَ فِي الْأَصْلِ عَطِيَّةُ ثَمَرِ النَّخْلِ دُونَ الرَّقَبَةِ ، كَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَدْبِ تَتَطَوَّعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا ثَمَرَ لَهُ ، كَمَا يَتَطَوَّعُ صَاحِبُ الشَّاةِ أَوِ الْإِبِلِ بِالْمَنِيحَةِ وَهِيَ عَطِيَّةُ اللَّبَنِ دُونَ الرَّقَبَةِ ، وَيُقَالُ : عَرِيَتِ النَّخْلَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الرَّاءِ تَعْرَى إِذَا أُفْرِدَتْ عَنْ حُكْمِ أَخَوَاتِهَا بِأَنْ أَعْطَاهَا الْمَالِكُ فَقِيرًا . ( الرَّجُلُ يُعْرِي ) : بِضَمِّ الْيَاءِ مِنَ الْإِعْرَاءِ ، أَيْ : يَهَبُ ( أَوِ الرَّجُلُ يَسْتَثْنِي مِنْ مَالِهِ ) : أَيْ بُسْتَانِهِ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، عَنْ عَبْدَةَ ، عَنْ ابْنِ إسحاق قَالَ : الْعَرَايَا أَنْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ النَّخَلَاتِ ، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا فَيَبِيعُهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا ( فَيَشُقُّ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى الْوَاهِبِ ( أَنْ يَقُومَ ) : أَيِ الْمَوْهُوبُ لَهُ ( بِمِثْلِ خَرْصِهَا ) : أَيْ قَدْرِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الثمر . وَتَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ . وَقَالَ مَالِكٌ : الْعَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ ، أَيْ يَهَبَهَا لَهُ ، أَوْ يَهَبُ لَهُ ثَمَرَهَا ، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ ، وَيُرَخِّصَ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَشْتَرِيَ رُطَبَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ يَابِسٍ ، هَكَذَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مَالِكٍ ، وَوَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْعَرِيَّةَ النَّخْلَةُ لِلرَّجُلِ فِي حَائِطِ غَيْرِهِ ، فَيَكْرَهُ صَاحِبُ النَّخْلِ الْكَثِيرِ دُخُولَ الْآخَرِ عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ : أَنَا أُعْطِيكَ بِخَرْصِ نَخْلَتِكَ تَمْرًا ، فَيُرَخِّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَشَرْطُ الْعَرِيَّةِ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ التَّضَرُّرِ مِنِ الْمَالِكِ بِدُخُولِ غَيْرِهِ إِلَى حَائِطِهِ ، أَوْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْآخَرِ لِقِيَامِ صَاحِبِ النَّخْلِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَحَكَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّ الْعَرَايَا أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخْلَةِ بِخَرْصِهِ مِنَ التمر بِشَرْطِ التَّقَابُضِ فِي الْحَالِ ، جَلَاءُ الْعَيْنَيْنِ فِي مُحَاكَمَةِ الْأَحْمَدَيْنِ وَاشْتَرَطَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ التَّمْرُ مُؤَجَّلًا . كَذَا فِي النَّيْلِ ، وَفِي اللُّمَعَاتِ . وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ أَنْ يَهَبَ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ تَرَدُّدُ الْمَوْهُوبِ لَهُ إِلَى بُسْتَانِهِ وَكَرِهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ بَدَلَهَا تَمْرًا ، وَهُوَ صُورَةُ بَيْعٍ . انْتَهَى . وَبَسَطَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي تَفْسِيرِ الْعَرَايَا الْكَلَامَ . فَعَلَيْكَ بِفَتْحِ الْبَارِي فَإِنَّ فَتْحَ الْبَارِي مَنٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعُلَمَاءِ .
بَابٌ : فِي عَسْبِ الْفَحْلِ 6 - بَابٌ فِي عَسْبِ الْفَحْلِ : بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ السِّينِ وَفِي آخِرِهِ مُوَحَّدَةٌ . وَالْفَحْلُ الذَّكَرُ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ فَرَسًا كَانَ أَوْ جَمَلًا أَوْ تَيْسًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَعَسْبَهُ مَائهُ وَضِرَابِهُ أَيْضًا ، عَسَبَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ يَعْسِبُهَا عَسْبًا . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : عَسْبُ الْفَحْلِ مَاؤُهُ فَرَسًا كَانَ أَوْ بَعِيرًا أَوْ غَيْرَهُمَا وَعَسْبُهُ أَيْضًا ضِرَابُهُ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا إسماعيل ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ ( عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ ) : أَيْ عَنْ كِرَاءِ ضِرَابِهِ وَأُجْرَةِ مَائِهِ ، نَهَى عَنْهُ لِلْغَرَرِ ؛ لِأَنَّ الْفَحْلَ قَدْ يَضْرِبُ وَقَدْ لَا يَضْرِبُ وَقَدْ لَا يُلَقِّحُ الْأُنْثَى ، وَبِهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى تَحْرِيمِهِ . وَأَمَّا الْإِعَارَةُ فَمَنْدُوبٌ ، ثُمَّ لَوْ أَكْرَمَهُ الْمُسْتَعِيرُ بِشَيْءٍ جَازَ قَبُولُ كَرَامَتِهِ . قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَلَمْ يَنْهَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّهْيَ عَنِ الْكِرَاءِ الَّذِي يُؤْخَذُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ إِعَارَةَ الْفَحْلِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَمِنْ حَقِّهَا إِطْرَاقُ فَحْلِهَا ، وَوَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ عَسْبِ الْفَحْلِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ ، وَقِيلَ : يُقَالُ لِكِرَاءِ الْفَحْلِ : عَسْبٌ ، وَعَسَبَ الْفَحْلَ يَعْسِبُهُ : أَيْ أَكْرَاهُ وَعَسَبْتُ الرَّجُلَ إِذَا أَعْطَيْتُهُ كِرَاءَ ضِرَابِ فَحْلِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِلْجَهَالَةِ الَّتِي فِيهِ ، وَلَا بُدَّ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ تَعْيِينِ الْعَمَلِ وَمَعْرِفَةِ مِقْدَارِهِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعٌ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ، عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْقُرْآنَ وَالْكِتَابَ ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا ، فَقُلْتُ : لَيْسَتْ بِمَالٍ ، وَأَرْمِي عليها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَسْأَلَنَّهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ ، وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تعالى ؟ قَالَ : إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَكَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا : نا بَقِيَّةُ ، حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ عَمْرٌو ، وَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ ، وَالْأَوَّلُ أَتَمُّ . فَقُلْتُ : مَا تَرَى فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا . ( الرُّؤَاسِيُّ ) : بِضَمِّ الرَّاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ خَفِيفَةٌ ( عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ ) : بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْخَفِيفَةِ الْكِنْدِيِّ الشَّامِيِّ قَاضِي طَبَرِيَّةَ ثِقَةٌ ، فَاضِلٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، ( وَالْكِتَابُ ) : أَيِ الْكِتَابَةُ كَذَا قِيلَ ( قَوْسًا ) : أَيْ أَعْطَانِيهَا هَدِيَّةً وَقَدْ عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقَوْسَ فِي قَصِيدَتِهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْ تَأْنِيثِهِ ( لَيْسَتْ بِمَالٍ ) : أَيْ لَمْ يُعْهَدْ فِي الْعُرْفِ عَدُّ الْقَوْسِ مِنَ الْأُجْرَةِ فَأَخْذُهَا لَا يَضُرُّ كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ( وَلَيْسَتْ بِمَالٍ ) : أَيْ عَظِيمٍ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْجُمْلَةُ حَالٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْسًا ؛ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ صِرْفَةٌ ، فَيَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ أَهْدَى أَوْ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْقَوْسَ لَمْ يُعْهَدْ فِي التَّعَارُفِ أَنْ تُعَدَّ مِنْ الْأُجْرَةِ أَوْ لَيْسَتْ بِمَالٍ أَقْتَنِيهِ لِلْبَيْعِ بَلْ هِيَ عِدَّةٌ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ ( أَنْ تُطَوَّقَ ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : اخْتَلَفَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَتَأْوِيلِهِ ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ظَاهِرِهِ فَرَأَوْا أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ غَيْرُ مُبَاحٍ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَقَالَ طَائِفَةٌ : لَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيِّ ، وَأَبَاحَ ذَلِكَ آخَرُونَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي خَطَبَ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يَجِدْ لَهَا مَهْرًا : زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ عُبَادَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ تَبَرَّعَ بِهِ ، وَنَوَى الِاحْتِسَابَ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ وَقْتَ التَّعْلِيمِ إِلَى طَلَبِ عِوَضٍ وَنَفْعٍ ، فَحَذَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْطَالَ أَجْرِهِ وَتَوَعَّدَهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ سَبِيلُ عُبَادَةَ فِي هَذَا سَبِيلَ مَنْ رَدَّ ضَالَّةً لِرَجُلٍ ، أَوِ اسْتَخْرَجَ لَهُ مَتَاعًا قَدْ غَرِقَ فِي بَحْرٍ تَبَرُّعًا وَحِسْبَةً ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ عِوَضًا ، وَلَوْ أَنَّهُ طَلَبَ لِذَلِكَ أُجْرَةً قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ حِسْبَةً كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا . وَأَهْلُ الصُّفَّةِ قَوْمٌ فُقَرَاءَ كَانُوا يَعِيشُونَ بِصَدَقَةِ النَّاسِ ، فَأَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ مَكْرُوهٌ ، وَدَفْعُهُ إِلَيْهِمْ مُسْتَحَبٌّ . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَهُ حَالَاتٌ ، فَإِذَا كَانَ فِي الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِهِ حَلَّ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا كَانَ فِي حَالٍ أَوْ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْأُجْرَةُ ، وَعَلَى هَذَا يُؤولُ اخْتِلَافُ الْأَخْبَارِ فِيهِ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ : قَالَ السُّيُوطِيُّ : أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْمٌ وَتَأَوَّلَهُ آخَرُونَ ، وَقَالُوا : هُوَ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ : زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابَ اللَّهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : رِجَالُ إِسْنَادِ عُبَادَةَ كُلُّهُمْ مَعْرُوفُونَ إِلَّا الْأَسْوَدَ بْنَ ثَعْلَبَةَ فَإِنَّا لَا نَحْفَظُ عَنْهُ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى عُبَادَةَ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنْهُ . انْتَهَى . قُلْتُ : الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ تَقْدِيمُ الْمُحَرِّمِ ، وَلَعَلَّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ التَّسَاوِي ، لَكِنْ كَلَامُ أَبِي دَاوُدَ يُشِيرُ إِلَى دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ بِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي الطِّبِّ ، وَحَدِيثَ عُبَادَةَ فِي التَّعْلِيمِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ جَائِزًا فِي الطِّبِّ دُونَ التَّعْلِيمِ ، وَقِيلَ : هَذَا تَهْدِيدٌ عَلَى فَوْتِ الْعَزِيمَةِ وَالْإِخْلَاصِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِبَيَانِ الرُّخْصَةِ . انْتَهَى مَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَخَذَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ قَوْسًا قَلَّدَهُ اللَّهُ مَكَانَهَا قَوْسًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ أَخَذَ عَلَى الْقُرْآنِ أَجْرًا فَذَاكَ حَظُّهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، قَالَ الْمُنَاوِيُّ : فِي إِسْنَادِهِ كَذَّابٌ . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَفِي سَنَدِهِ أَيْضًا ضَعْفٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي إِسْنَادِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو هَاشِمٍ الْمَوْصِلِيُّ وَقَدْ وَثَّقَهُ وَكِيعٌ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ ، وَكُلُّ حَدِيثٍ رَفَعَهُ فَهُوَ مُنْكَرٌ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ : لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . ( جَمْرَةُ ) : فِي الْقَامُوسِ : الْجَمْرَةُ النَّارُ الْمُتَّقِدَةُ ، والجَمْعُ جَمْرٍ ( تَقَلَّدْتُهَا ) : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُولِ ، كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ .
كتاب الإجارة بَابٌ فِي كَسْبِ الْمُعَلِّمِ كِتَابُ الْإِجَارَةِ : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهِيَ لُغَةً اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ ، وَشَرْعًا : عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ مَعْلُومَةٍ قَابِلَةٍ لِلْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . باب في كسب المعلم
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ اللُّؤْلُؤِيُّ ، نا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيِّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَرْنٍ . ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، نا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ ، نا أَبُو خِدَاشٍ ، وَهَذَا لَفْظُ عَلِيٍّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا أَسْمَعُهُ يَقُولُ : الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَاءِ والْكَلَأ ، وَالنَّارِ ( نَا حَرِيزٌ ) : بِفَتْحِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ رَاءٍ آخِرُهُ زَايٌ ( عَنْ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ ) : بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ ( الشَّرْعَبِيِّ ) : بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : الشَّرْعَبِيُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَةٌ إِلَى شَرْعَبٍ قَبِيلَةٌ مِنْ حِمْيَرٍ انْتَهَى . ( عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَرْنٍ ) : الْقَرْنُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَطْنٌ مِنْ مَذْحِجٍ وَمَنْ الْأَزْدِ وَبِفَتْحَتَيْنِ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْيَمَانِ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ الشَّرْعَبِيِّ عَنْ شَيْخٍ مِنْ شَرْعَبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ( نَا أَبُو خِدَاشٍ ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كُنْيَةُ حِبَّانَ بْنِ زَيْدٍ ( ثَلَاثًا ) : أَيْ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ ( فِي الْمَاءِ ) : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ وَالْمُرَادُ الْمِيَاهُ الَّتِي لَمْ تَحْدُثْ بِاسْتِنْبَاطِ أَحَدٍ وَسَعْيِهِ كَمَاءِ الْقِنَى وَالْآبَارِ وَلَمْ يُحْرَزْ فِي إِنَاءٍ أَوْ بِرْكَةٍ أَوْ جَدْوَلٍ مَأْخُوذٍ مِنَ النَّهَرِ ( وَالْكَلَأِ ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورَةٌ وَهُوَ النَّبَاتُ رَطْبُهُ وَيَابِسُهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الْكَلَأُ الَّذِي يَنْبُتُ فِي مَوَاتِ الْأَرْضِ يَرْعَاهُ النَّاسُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ دُونَ أَحَدٍ أَوْ يَحْجُرَهُ عَنْ غَيْرِهِ . وَأَمَّا الْكَلَأُ إِذَا كَانَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِمَالِكٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مَالٌ لَهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ انْتَهَى . ( وَالنَّارِ ) : يُرَادُ مِنَ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِصْبَاحِ مِنْهَا وَالِاسْتِضَاءَةِ بِضَوْئِهَا ، لَكِنْ لِلْمُسْتَوْقِدِ أَنْ يَمْنَعَ أَخْذَ جِذْوَةٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ يُنْقِصُهَا وَيُؤَدِّي إِلَى إِطْفَائِهَا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالنَّارِ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُورِي النَّارَ لَا يُمْنَعُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ فِي مَوَاتٍ . قَالَ الْعَلَّامة الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ : اعْلَمْ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَنْتَهِضُ بِمَجْمُوعِهَا فَتَدُلُّ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مُطْلَقًا ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّ بِهِ عُمُومَهَا لَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا مُطْلَقًا ، كَالْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا أَعَمَّ إِنَّمَا تَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا بَعْدَ ثُبُوتِ الْمَلِك وَثُبُوتُهُ فِي الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مَحَلُّ النِّزَاعِ انْتَهَى . وَقَالَ السِّنْدِيُّ : قَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِهِ فَقَالُوا : إِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ لَا يمْلَكُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهَا مُطْلَقًا ، وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلَأِ هُوَ الْكَلَأُ الْمُبَاحُ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ ، وَبِالْمَاءِ مَاءُ السَّمَاءِ وَالْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ ، وَبِالنَّارِ الشَّجَرُ الَّذِي يَحْتَطِبُهُ النَّاسُ مِنَ الْمُبَاحِ فَيُوقِدُونَهُ ، فَالْمَاءُ إِذَا أَحْرَزَهُ الْإِنْسَانُ فِي إِنَائِهِ وَمِلْكِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَكَذَا غَيْرُهُ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي مَنْعِ الْمَاءِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ باب في منع الماء ( لَا يُمْنَعُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَاللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَقْصُورَةٌ وَهُوَ النَّبَاتُ رَطِبُهُ وَيَابِسُهُ . وَالْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ حَوْلَ الْبِئْرِ كَلَأٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ غَيْرُهُ وَلَا يُمْكِنُ أَصْحَابُ الْمَوَاشِي رَعْيَهُ إِلَّا إِذَا مُكِّنُوا مِنْ سَقْيِ بَهَائِمِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرُوا بِالْعَطَشِ بَعْدَ الرَّعْيِ فَيَسْتَلْزِمُ مَنْعُهُمْ مِنَ الْمَاءِ مَنْعُهُمْ مِنَ الرَّعْيِ ، وَإِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ ، وَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ الْبَذْلُ بمَّنْ لَهُ مَاشِيَةٌ وَيَلْحَقُ بِهِ الرُّعَاةُ إِذَا احْتَاجُوا إِلَى الشُّرْبِ ، لِأَنَّهُ إِذَا مَنَعَهُمْ مِنَ الشُّرْبِ امْتَنَعُوا مِنَ الرَّعْيِ هُنَاكَ . كَذَا فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا وَكِيعٌ ، نا الْأَعْمَشُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : رَجُلٌ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ فَضْلَ مَاءٍ عِنْدَهُ ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ - يَعْنِي كَاذِبًا - وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا ، فَإِنْ أَعْطَاهُ وَفَى لَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ ( لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ) : أَيْ كَلَامَ الرِّضَا دُونَ كَلَامِ الْمُلَازَمَةِ . قَالَهُ الْقَارِي . ( فَضْلُ مَاءٍ ) أَيْ زَائِدًا عَنْ حَاجَتِهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ فَمَنَعَهُ ( بَعْدَ الْعَصْرِ ) : إِنَّمَا خُصَّ بِهِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ تَقَعُ فِيهِ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ وَقْتُ الرُّجُوعِ إِلَى أَهْلِهِ بِغَيْرِ رِبْحٍ فَحَلَفَ كَاذِبًا بِالرِّبْحِ وَقِيلَ : ذَكَرَهُ لِشَرَفِ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ أَغْلَظَ وَأَشْنَعَ ، وَلِذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَقْعُدُ لِلْحُكُومَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ . قَالَهُ الْقَارِي . وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ : لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مِثْلَهُ كَانَ يَقَعُ فِي آخِرِ النَّهَارِ حَيْثُ يُرِيدُونَ الْفَرَاغَ مِنْ مُعَامَلَتِهِمْ . نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ الْعَصْرِ لِكَوْنِهِ وَقْتُ ارْتِفَاعِ الْأَعْمَالِ ( يَعْنِي كَاذِبًا ) : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ( بَايَعَ إِمَامًا ) : أَيْ عَاقَدَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ وَلَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ( فَإِنْ أَعْطَاهُ إِلَخْ ) : الْفَاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ : وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، وَقَالَ فِي السِّلْعَةِ : بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ الْآخَرُ وأَخَذَهَا . ( وَلَا يُزَكِّيهِمْ ) : أَيْ لَا يُطَهِّرُهُمْ ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) : أَيْ مُؤْلِمٌ ( بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا ) : أَيْ بِالسِّلْعَةِ . وَضُبِطَ أَعْطَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( كَذَا وَكَذَا ) : أَيْ مِنَ الثَّمَنِ ( وَأَخَذَهَا ) : أَيِ اشْتَرَى السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ الَّذِي حَلَفَ أَنَّهُ أُعْطِيَهُ اعْتِمَادًا عَلَى حَلِفِهِ .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا كَهْمَسٌ ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ مَنْظُورٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا : بُهَيْسَةُ عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ : اسْتَأْذَنَ أَبِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَمِيصِهِ ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُ وَيَلْتَزِمُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : الْمَاءُ . قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : الْمِلْحُ . قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ ؟ قَالَ : أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ ( نَا كَهْمَسٌ ) : بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ( عَنْ سَيَّارٍ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ( يُقَالُ لَهَا بُهَيْسَةُ ) : بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرَةٌ الْفَزَارِيَّةُ لَا تُعْرَفُ ، مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَيُقَالُ إِنَّ لَهَا صُحْبَةٌ ، كَذَا فِي التَّقْرِيبِ ( قَالَ الْمِلْحُ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الْمِلْحُ إِذَا كَانَ فِي مَعْدِنِهِ فِي أَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ غَيْرَ مَمْلُوكٍ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهِ ، وَأَمَّا إِذَا صَارَ فِي حَيِّزِ مَالِكِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ وَلَهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
بَابٌ : فِي الصَّائِغِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إسحاق ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ قَالَ : قَطَعْتُ مِنْ أُذُنِ غُلَامٍ ، أَوْ قُطِعَ مِنْ أُذُنِي ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ حَاجًّا ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ فَرَفَعَنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ هَذَا قَدْ بَلَغَ الْقِصَاصَ ، ادْعُوا لِي حَجَّامًا لِيَقْتَصَّ مِنْهُ ، فَلَمَّا دُعِيَ الْحَجَّامُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنِّي وَهَبْتُ لِخَالَتِي غُلَامًا ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يُبَارَكَ لَهَا فِيهِ ، فَقُلْتُ لَهَا : لَا تُسَلِّمِيهِ حَجَّامًا ، وَلَا صَائِغًا ، وَلَا قَصَّابًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ ابْنِ إسحاق قَالَ : ابْنُ مَاجِدَةَ رَجُلٌ مَنْ بَنِي سَهْمٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ ، نا عَبْدُ الْأَعْلَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسحاق ، قال : حَدَّثَني الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُرَقِيُّ ، عَنْ ابْنِ مَاجِدَةَ ، رجل من بني سهم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قال سمعت النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول بمعناه . حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى ، نا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، نا ابْنُ إسحاق ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أبي مَاجِدَةَ السَّهْمِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . باب في الصائغ ( عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَهُوَ السَّهْمِيُّ . انْتَهَى . وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ : أَبُو مَاجِدَةَ السَّهْمِيُّ ، أَوِ ابْنُ مَاجِدَةَ قِيلَ : اسْمُهُ عَلِيٌّ ، مَجْهُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلَةً ( أَوْ قُطَعِ مِنْ أُذُنِي ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( فَاجْتَمَعْنَا إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ( فَرَفَعْنَا ) : قِيلَ فَتْحُ الْعَيْنِ أَظْهَرُ مِنْ سُكُونِهِ ، كَذَا فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي ( قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ ) : ذَكَرَ الْحَدِيثَ عَلَى تَقْرِيبِ ذِكْرِ الْحَجَّامِ لَا لِلِامْتِنَاعِ عَنِ الْقِصَاصِ . ( إِنِّي وَهَبْتُ لِخَالَتِي ) : ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ اسْمَهَا : فَاخِتَةَ بِنْتَ عَمْرٍو ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَهَبْتُ لِخَالَتِي فَاخِتَةَ بِنْتِ عَمْرِو الزُّهْرِيَّةِ خَالَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَوْرَدَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ . كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ ( لَا تُسَلِّمِيهِ حَجَّامًا إِلَخْ ) : أَيْ لَا تَعْطِيهِ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ إِحْدَى هَذِهِ الصَّنَائِعَ ؛ إِذِ الْحَجَّامُ وَالْقَصَّابُ يُبَاشِرَانِ نَجَاسَةً يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا ، وَالصَّائِغُ يَدْخُلُ صَنْعَتُهُ غِشٌّ وَرُبَّمَا يَصْنَعُ آنِيَةَ الذَّهَبِ أَوْ حُلِيًّا لِلرِّجَالِ ، وَلِكَثْرَةِ الْوَعْدِ وَالْكَذِبِ فِي إِنْجَازِ مَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : فِي طُرُقِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ . وَأَبُو مَاجِدَةَ السَّهْمِيُّ لَمْ أَجِدْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَلَى هَذَا ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَى عَبْدُ الْأَعْلَى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ ابْنُ مَاجِدَةَ إِلَخْ ) : هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَمْ تُوجَدْ ، فِي بَعْضِ النُّسَخِ ، وَفِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ، وَفِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤيِّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ ابْنِ مَاجِدَةَ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ مَاجِدَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كُنْيَةَ عَلِيِّ بْنِ مَاجِدَةَ أَبَا مَاجِدَةَ ، فَتَكُونُ الرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَيْنِ . انْتَهَى .
بَابٌ : فِي بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ ، نا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ باب في بيع فضل الماء ( عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدٍ ) : هُوَ أَبُو عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ . قَالَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ : لَهُ صُحْبَةٌ رَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَحْمَدُ حَدِيثًا فِي بَيْعِ الْمَاءِ . قَالَ الْبَغَوِيُّ وَابْنُ السَّكَنِ : لَمْ يَرْوِ غَيْرُهُ . كَذَا فِي الْإِصَابَةِ . وَفِي الْخُلَاصَةِ : رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُطْعِمٍ وَهُوَ أَبُو الْمِنْهَالِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : لَهُ صُحْبَةٌ سَمِعْتُ أَبِي وَأَبَا زُرْعَةَ يَقُولَانِ ذَلِكَ انْتَهَى . ( نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَاءِ الْكَائِنِ فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلشُّرْبِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِحَاجَةِ الْمَاشِيَةِ أَوِ الزَّرْعِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي فَلَاةٍ أَوْ فِي غَيْرِهَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ النَّهْيُ عَنْ نَفْس بَيْعِ الْمَاءِ الْفَاضِلِ الَّذِي يُشْرَبُ فَإِنَّهُ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ . قَالَهُ فِي النَّيْلِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
بَابٌ : فِي الْعَبْدِ يُبَاعُ وَلَهُ مَالٌ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ، وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ بَاب فِي الْعَبْدِ يُبَاعُ وَلَهُ مَالٌ ( مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ دَلَالَةٌ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْقَدِيمُ : إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ مَالًا مَلَكَهُ ، لَكِنَّهُ إِذَا بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشْتَرِي لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ شَيْئًا أَصْلًا وَتَأَوَّلَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ الْمَالُ إِلَى الْعَبْدِ لِلِاخْتِصَاصِ وَالِانْتِفَاعِ لَا لِلْمِلْكِ ، كَمَا يُقَالُ : جَلَّ الدَّابَّةَ وَسَرَّجَ الْفَرَسَ ، وَإِلَّا فَإِذَا بَاعَ سَيِّدٌ الْعَبْدَ فَذَلِكَ الْمَالُ لِلْبَائِعِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ فَيَصِحُّ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ بَاعَ شَيْئَيْنِ الْعَبْدَ وَالْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ جَائِزٌ . قَالَا : وَيُشْتَرَطُ الِاحْتِرَازُ مِنَ الرِّبَا انْتَهَى . ( إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ ) : أَيِ الْمُشْتَرِي ( وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا إِلَخْ ) : مِنَ التَّأْبِيرِ وَهُوَ التَّشْقِيقُ وَالتَّلْقِيحُ ، وَمَعْنَاهُ شَقُّ طَلْعِ النَّخْلَةِ الْأُنْثَى لِيُذَرَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ طَلْعِ النَّخْلَةِ الذَّكَرِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَاعَ نَخْلًا وَعَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ تَدْخُلِ الثَّمَرَةُ فِي الْبَيْعِ بَلْ تَسْتَمِرُّ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ وَتَكُونُ لِلْمُشْتَرِي ، وَبِذَلِكَ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَخَالَفَهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَا : تَكُونُ لِلْبَائِعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَبَعْدَهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : تَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مُطْلَقًا ، وَكِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَقَعْ شَرْطٌ مِنَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْتَرَى الثَّمَرَةَ وَلَا مِنَ الْبَائِعِ بِأَنَّهُ اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ الثَّمَرَةَ ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِلشَّارِطِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُؤَبَّرَةً أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فالمال لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ( حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ إِلَخْ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ .
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِصَّةِ الْعَبْدِ ، وَعَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِصَّةِ النَّخْلِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَاخْتَلَفَ الزُّهْرِيُّ وَنَافِعٌ فِي أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ هَذَا أَحَدُهَا . ( عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِصَّةِ الْعَبْدِ ) : فِي بَعْضِ النُّسَخِ : عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بِقِصَّةِ الْعَبْدِ ، وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْمُنْذِرِيِّ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِقِصَّةِ الْعَبْدِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مَوْقُوفًا ( وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِصَّةِ النَّخْلِ ) : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ ( قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَاخْتَلَفَ الزُّهْرِيُّ وَنَافِعٌ إِلَخْ ) : هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَاخْتُلِفَ عَلَى نَافِعٍ وَسَالِمٍ فِي رَفْعِ مَا عَدَا النَّخْلِ ، فَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا فِي قِصَّةِ النَّخْلِ وَالْعَبْدِ مَعًا ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْحُفَّاظُ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَخَالَفَهُمْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ ، فَزَادَ فِيهِ : ابْنَ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا لِجَمِيعِ الْأَحَادِيثِ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَرَوَى مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَأَيُّوبُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قِصَّةَ النَّخْلِ ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ قِصَّةَ الْعَبْدِ مَوْقُوفَةً . كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِالْإِسْنَادَيْنِ مَعًا ، وَجَزَمَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ نَافِعٍ الْمُفَصَّلَةِ عَلَى رِوَايَةِ سَالِمٍ . وَمَالَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى تَرْجِيحِ رِوَايَةِ سَالِمٍ . وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ رَفْعُ الْقِصَّتَيْنِ . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْهُ وَهُوَ وَهَمٌ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : مَا هُوَ إِلَّا عَنْ عُمَرَ شَأْنَ الْعَبْدِ ، وَهَذَا لَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ صَحَّحَ الطَّرِيقَيْنِ وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ انْتَهَى .
بَابٌ : فِي كَسْبِ الْأَطِبَّاءِ 2 - بَابٌ فِي كَسْبِ الْأَطِبَّاءِ : جَمْعُ طَبِيبٍ .
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرَبنَ عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ . ( عَنْ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ ) : الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ أَكْبَرُ إِخْوَتِهِ ، ثِقَةٌ ( بِهَذَا الْحَدِيثِ ) : أَيِ الْمُتَقَدِّمِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، ثنا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا ، فَنَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ، قَالَ : فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَشَفَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا بِكُمْ ، لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ يَنْفَعُ صَاحِبَكُمْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَشَفَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ يَشْفِي صَاحِبَنَا ، يَعْنِي رُقْيَةً ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : إِنِّي لَأَرْقِي ، وَلَكِنْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَأَبَيْتُمْ أَنْ تُضَيِّفُونَا ، مَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا ، فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيعًا مِنْ الشَّاءِ فَأَتَاهُ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ بِأُمِّ الْكِتَابِ ، وَيَتْفِلُ حَتَّى بَرِئَ ، كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، قال : فَأَوْفَاهُمْ جُعْلَهُ الَّذِي صَالَحُوهُ عَلَيْهِ فَقَالُوا : اقْتَسِمُوا ، فَقَالَ الَّذِي رَقَى : لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَسْتَأْمِرَهُ ، فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ؟ أَحْسَنْتُمْ ، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ . ( أَنَّ رَهْطًا ) : فِي الْقَامُوسِ : الرَّهْطُ قَوْمُ الرَّجُلِ وَقَبِيلَتُهُ ، وَمِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ سَبْعَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ أَوْ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَمَا فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا وَاحِدٌ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ( فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا ) : أَيْ فِي سَرِيَّةٍ عَلَيْهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ كَمَا عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ( فَنَزَلُوا ) : أَيْ لَيْلًا كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ ( بِحَيٍّ ) : أَيْ قَبِيلَةٍ ( فَاسْتَضَافُوهُمْ ) : أَيْ طَلَبُوا مِنْهُمُ الضِّيَافَةَ ( فَأَبَوْا ) : أَيِ امْتَنَعُوا ( أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ) : بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ ، وَيُرْوَى يُضِيفُوهُمْ بِكَسْرِ الضَّادِ وَالتَّخْفِيفِ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( فَلُدِغَ ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ : أَيْ لُسِعَ ( سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ ) : أَيْ بِعَقْرَبٍ كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ ، وَلَمْ يُسَمِّ سَيِّدَ الْحَيِّ ( فَشَفَوْا لَهُ ) : بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ : أَيْ طَلَبُوا لَهُ الشِّفَاءَ ؛ أَيْ عَالَجُوهُ بِمَا يَشْفِيهِ ، قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ عَالَجُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهِ ، وَالْعَرَبُ تَضَعُ الشِّفَاءَ مَوْضِعَ الْعِلَاجِ . انْتَهَى ( رُقْيَةً ) : الرُّقْيَةُ كَلَامٌ يُسْتَشْفَى بِهِ مِنْ كُلِّ عَارِضٍ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَالرُّقْيَةُ بِالضَّمِّ الْعُوذَةُ ، وَالْجَمْعُ رُقًى ، وَرَقَاهُ رَقْيًا ورُقْيًا وَرُقْيَةً : نَفَثَ فِي عُوذَتِهِ ( فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ) : هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الرَّاوِي كَمَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ ( إِنِّي لَأَرْقِي ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْقَافِ . ( جُعْلًا ) : بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ هُوَ مَا يُعْطَى عَلَى الْعَمَلِ ( قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ ) : قَالَ ابْنُ التِّينِ : الْقَطِيعُ هُوَ الطَّائِفَةُ مِنَ الْغَنَمِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقَطِيعَ هُوَ الشَّيْءُ الْمُنْقَطِعُ مِنْ غَنَمٍ كَانَ أَوْ غَيْرِهَا . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِنَّا نُعْطِيكُمْ ثَلَاثِينَ شَاةً ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِعَدَدِ الرَّهْطِ الْمَذْكُورِ سَابِقًا ، فَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِكُلِّ رَجُلٍ شَاةً ( فَقَرَأَ عَلَيْهِ ) : أَيْ عَلَى اللَّدِيغِ ( بِأُمِّ الْكِتَابِ ) : أَيِ الْفَاتِحَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَفِي أُخْرَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَالزِّيَادَةُ أَرْجَحُ ( وَيَتْفُلُ ) : بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا : أَيْ يَنْفُخُ نَفْخًا مَعَهُ أَدْنَى بُزَاقٍ . قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : مَحِلُّ التَّفْلِ فِي الرُّقْيَةِ يَكُونُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ ؛ لِتَحْصُلَ بَرَكَةُ الْقِرَاءَةِ فِي الْجَوَارِحِ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْهَا الرِّيقُ . انْتَهَى . وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ تَفَلَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي ( كَأَنَّمَا أُنْشِطَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ ( مِنْ عِقَالٍ ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا قَافٌ : حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ ذِرَاعُ الْبَهِيمَةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ حُلَّ مِنْ وَثَاقٍ ، وَيُقَالُ : نَشَّطْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَدَدْتَهُ ، وَأَنْشَطْتَهُ إِذَا فَكَكْتَهُ ، وَالْأُنْشُوطَةُ الْحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشَّيْءُ ( فَأَوْفَاهُمْ ) : الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِسَيِّدِ ذَلِكَ الْحَيِّ ، وَالْمَنْصُوبُ لِلرَّهْطِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَفَّى فُلَانًا حَقَّهُ أَعْطَاهُ وَافِيًا ، كَوَفَاهُ وَأَوْفَاهُ ( لَا تَفْعَلُوا ) : أَيْ مَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْقِسْمَةِ . ( أَحْسَنْتُمْ ) : أَيْ فِي الرُّقْيَةِ أَوْ فِي تَوَقُّفِكُمْ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي الْجُعْلِ حَتَّى اسْتَأْذَنْتُمُونِي ، أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ، ( وَاضْرِبُوا ) : أَيِ اجْعَلُوا ( لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ ) : أَيْ نَصِيبٍ ، وَالْأَمْرُ بِالْقِسْمَةِ مِنْ بَابِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَإِلَّا فَالْجَمِيعُ لِلرَّاقِي ، وَإِنَّمَا قَالَ : اضْرِبُوا لِي ؛ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَمُبَالَغَةً فِي أَنَّهُ حَلَالٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا تَصْرِيحٌ لِجَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَالذِّكْرِ ، وَأَنَّهَا حَلَالٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا ، وَكَذَا الْأُجْرَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَآخَرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَمَنَعَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، وَأَجَازَهَا فِي الرُّقْيَةِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِهِ .
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ، نا أَبِي ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : إِنَّكَ جِئْتَ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ فَارْقِ لَنَا هَذَا الرَّجُلَ ، فَأَتَوْهُ بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ فَرَقَاهُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، وَكُلَّمَا خَتَمَهَا جَمَعَ بُزَاقَهُ ، ثُمَّ تَفَلَ فَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَأَعْطَوْهُ شَيْئًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ لَهُ ، فَقَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلْ ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةٍ بَاطِلٍ ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةٍ حَقٍّ ( عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ ) : بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ خَارِجَةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أَبِي ، وَهُوَ غَلَطٌ ( مِنْ عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ ) : أَيِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( بِخَيْرٍ ) : أَيْ بِالْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ ( بِرَجُلٍ مَعْتُوهٍ ) : أَيْ مَجْنُونٍ . وَفِي الْمُغْرِبِ هُوَ نَاقِصُ الْعَقْلِ ، وَقِيلَ : الْمَدْهُوشُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ ، ذَكَرَهُ الْقَارِي . وَفِي الْمَجْمَعِ : الْمَعْتُوهُ هُوَ الْمَجْنُونُ الْمُصَابُ بِعَقْلِهِ ، وَقَدْ عَتَهَ فَهُوَ مَعْتُوهٌ ( غَدْوَةً وَعَشِيَّةً ) : أَيْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ ، أَوْ نَهَارًا وَلَيْلًا ( وَكُلَّمَا خَتَمَهَا ) : أَيْ أُمَّ الْقُرْآنِ ( جَمَعَ بُزَاقَهُ ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ مَاءُ الْفَمِ ( كُلْ ) : أَمْرٌ مِنَ الْأَكْلِ ( فَلَعَمْرِي ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ : أَيْ لَحَيَاتِي ، وَاللَّامُ فِيهِ لَامُ الِابْتِدَاءِ ، وَفِي قَوْلِهِ : ( لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ ) : جَوَابُ الْقَسَمِ : أَيْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ ، كَذِكْرِ الْكَوَاكِبِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهَا وَبِالْجِنِّ ( لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ) : أَيْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِهِ . وَإِنَّمَا حَلَفَ بِعُمْرِهِ لَمَّا أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ حَيْثُ قَالَ : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قَالَ الطِّيبِيُّ : لَعَلَّهُ كَانَ مَأْذُونًا بِهَذَا الْإِقْسَامِ وَأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ قِيلَ : أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِحَيَاتِهِ ، وَمَا أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ قَطُّ ؛ كَرَامَةً لَهُ . وَ مَنْ فِي لَمَنْ أَكَلَ شَرْطِيَّةٌ ، وَاللَّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ ، وَالثَّانِيَةُ جَوَابٌ لِلْقَسَمِ سَادٌّ مَسَدَّ الْجَزَاءِ : أَيْ لَعَمْرِي لَإِنْ كَانَ نَاسٌ يَأْكُلُونَ بِرُقْيَةِ بَاطِلٍ لَأَنْتَ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِالْمَاضِي فِي قَوْلِهِ : أَكَلْتَ . بَعْدَ قَوْلِهِ : كُلْ ؛ دَلَالَةً عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ وَأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ وَأُجْرَتُهُ صَحِيحَةٌ ، كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . وَعَمُّ خَارِجَةَ هُوَ عَلَاقَةُ بْنُ صُحَارٍ التَّيمِيُّ السَّلِيطِي ، لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِيلَ : اسْمُهُ الْعَلَاءُ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : عُلَاثَةَ ، وَيُقَالُ : سَحَّارُ بِالتَّخْفِيفِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ بُكَيْرٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ ( أُصِيبَ ) : أَيْ بِآفَةٍ ( فِي ثِمَارٍ ) : مُتَعَلِّقٌ بِأُصِيبَ ( ابْتَاعَهَا ) : وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَحِقَهُ خُسْرَانٌ بِسَبَبِ إِصَابَةِ آفَةٍ فِي ثِمَارٍ اشْتَرَاهَا وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهَا ( فَكَثُرَ دَيْنُهُ ) : بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ فَطَالَبَهُ الْبَائِعُ بِثَمَنِ تِلْكَ الثَّمَرَةِ ، وَكَذَا طَالَبَهُ بَقِيَّةُ غُرَمَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّيهِ ( فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ) : أَيْ مَا تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ ( وَفَاءَ دَيْنِهِ ) : أَيْ لِكَثْرَةِ دَيْنِهِ ( خُذُوا ) : خِطَابٌ لِغُرَمَائِهِ ( وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ ) : أَيْ مَا وَجَدْتُمْ ، وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا أَخْذَ مَا وَجَدْتُمْ وَالْإِمْهَالَ بِمُطَالَبَةِ الْبَاقِي إِلَى الْمَيْسَرَةِ . قَالَهُ الْقَارِي . قَالَ النَّوَوِيُّ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الثَّمَرَةِ إِذَا بِيعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَسَلَّمَهَا الْبَائِعُ إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْلَ أَوَانِ الْجَذَاذِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ هَلْ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ أَوِ الْمُشْتَرِي ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ : هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَطَائِفَةٌ : هِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ وَيَجِبُ وَضْعُ الْجَائِحَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ كَانَ دُونَ الثُّلُثِ لَمْ يَجِبْ وَضْعُهَا ، وَإِنْ كَانَتِ الثُّلُثَ فَأَكْثَرَ وَجَبَ وَضْعُهَا وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِوَضْعِهَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي . وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنْ لَا يَجِبُ وَضْعُهَا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ هَذَا ، قَالُوا : أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّدَقَةِ عَلَى الرَّجُلِ وَدَفَعَهُ إِلَى غُرَمَائِهِ ، فَلَوْ كَانَتْ تُوضَعُ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذَلِكَ . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تَلِفَتْ بَعْدَ أَوَانِ الْجَذَاذِ وَتَفْرِيطِ الْمُشْتَرِي فِي تَرْكِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الشَّجَرِ ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي . قَالُوا : وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ وَلَوْ كَانَتِ الْجَوَائِحُ لَا تُوضَعُ لَكَانَ لَهُمْ طَلَبُ بَقِيَّةِ الدَّيْنِ . وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ لَكُمُ الْآنَ إِلَّا هَذَا وَلَا تَحِلُّ لَكُمْ مُطَالَبَتُهُ مَا دَامَ مُعْسِرًا بَلْ يُنْظَرُ إِلَى مَيْسَرَةٍ انْتَهَى مُلَخَّصًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
بَابٌ : فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ 24 - بَابٌ فِي وَضْعِ الْجَائِحَةِ : هِيَ الْآفَةُ الَّتِي تُصِيبُ الثِّمَارَ فَتُهْلِكُهَا .
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَا : أنا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أخبرني ابْنُ جُرَيْجٍ . ( ح ) وَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، نا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَعْنَى أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ أَخْبَرَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا ، فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ ؟ ( إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا ) : بِالْمُثَنَّاةِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ( فَلَا يَحِلُّ لَكَ إِلَخْ ) : قَالَ الْقَارِي : الْحَقُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ مَعَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَى الْحَدِيثِ : لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا قَبْلَ الزَّهْوِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَّفِقًا عَلَيْهِ انْتَهَى . قُلْتُ : وَيُشِيرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهَى ، قَالُوا : وَمَا تَزْهَى ؟ قَالَ : تَحْمَرَّ . وَقَالَ : إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ . وَأَجَابَ عَنْهُ فِي النَّيْلِ بِأَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ قَبْلَ الصَّلَاحِ لَا يُنَافِي الْوَضْعَ مَعَ الْبَيْعِ بَعْدَهُ وَلَا يَصْلُحُ مِثْلُهُ لِتَخْصِيصِ مَا دَلَّ عَلَى وَضْعِ الْجَوَائِحِ وَلَا لِتَقْيِيدِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَعِلْمُهُ أَتَمُّ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ . ( ح ) وََنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ قَالَا : ثنا عِيسَى ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : أَخْبَرَنَا عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَالسِّنَّوْرِ ( قَالَا ثَنَا عِيسَى ) : أَيْ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى وَالرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ وَعَلِيَّ بْنَ بَحْرٍ كُلُّهُمْ يَرْوُونَ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، لَكِنْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا بِالْإِخْبَارِ وَالتَّحْدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ ) . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : النَّهْيُ عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ مِنْ أَجْلِ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ ، إِمَّا لِأَنَّهُ كَالْوَحْشي الَّذِي لَا يُمْلَكُ قِيَادُهُ وَلَا يَكَادُ يَصِحُّ التَّسْلِيمُ فِيهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَنْتَابُ النَّاسَ فِي دُورِهِمْ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ فِيهَا فَلَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُمْ ، وَلَيْسَ كَالدَّوَابِّ الَّتِي تُرْبَطُ عَلَى الْأَوَارِي وَلَا كَالطَّيْرِ الَّذِي يُحْبَسُ فِي الْأَقْفَاصِ ، وَقَدْ يَتَوَحَّشُ بَعْدَ الْأَنُوسَةِ وَيَتَأَبَّدُ حَتَّى لَا يُقْرَبَ وَلَا يَقْدَرُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ صَارَ الْمُشْتَرِي لَهُ إِلَى أَنْ يَحْبِسَهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ شَدَّهُ فِي خَيْطٍ أَوْ سِلْسِلَةٍ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ . وَالْمَعْنَى الْآخَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِهِ لِئَلَّا يَتَمَانَعَ النَّاسُ فِيهِ وَلِيَتَعَاوَرُوا مَا يَكُونُ مِنْهُ فِي دُورِهِمْ فَيَرْتَفِقُوا بِهِ مَا أَقَامَ عِنْدَهُمْ ، وَلَا يَتَنَازَعُوهُ إِذَا انْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ تَنَازُعَ الْمُلَّاكِ فِي النَّفِيسِ مِنَ الْإِغْلَاقِ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَحْشِيِّ مِنْهُ دُونَ الْإِنْسِيِّ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : فِي إِسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَعَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ قَالَ : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ دُونَ الْبُخَارِيِّ إِذْ هُوَ لَا يَحْتَجُّ بِرِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَلَعَلَّ مُسْلِمًا إِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ وَكِيعَ بْنَ الْجَرَّاحِ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْأَعْمَشُ : أَرَى أَبَا سُفْيَانَ ذَكَرَهُ ، فَالْأَعْمَشُ كَانَ يَشُكُّ فِي وَصْلِ الْحَدِيثِ فَصَارَتْ رِوَايَةُ أَبِي سُفْيَانَ بِذَلِكَ ضَعِيفَةً انْتَهَى .
بَابٌ : فِي ثَمَنِ السِّنَّوْرِ بَابٌ فِي ثَمَنِ السِّنَّوْرِ : بِالسِّينِ الْمَكْسُورَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ ، وَهُوَ الْهِرُّ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كريه .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، نا عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ الصَّنْعَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرَّةِ ( نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْهِرَّةِ ) : فِيهِ وَفِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْهِرَّةِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمُجَاهِدٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمِ ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِ بَيْعِهِ وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَسَيَظْهَرُ لَكَ مِنْ كَلَامِ الْمُنْذِرِيِّ أَنَّ الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ ضَعِيفًا . وَقِيلَ : إِنَّهُ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَأَنْ بَيْعَهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلَا مِنَ الْمُرُوءَاتِ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إِخْرَاجٌ لِلنَّهْيِ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ بِلَا مُقْتَضٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : غَرِيبٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : هَذَا مُنْكَرٌ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَفِي إِسْنَادِهِ عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ عَنِ الْمَشَاهِيرِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ الِاحْتِجَاجِ بِهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ بَيْعِ السِّنَّوْرِ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلٍ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْجَزَرِيُّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ : سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ ، قَالَ : زَجَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : إِنَّمَا نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَحْشِيِّ مِنْهُ دُونَ الْإِنْسِيِّ . وَقِيلَ : لَعَلَّهُ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِإِعَارَتِهِ فَيَرْتَفِقُوا بِهِ مَا أَقَامَ عِنْدَهُمْ وَلَا يَتَنَازَعُوهُ إِذَا انْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ . وَكَرِهَ بَيْعَ السِّنَّوْرِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ . وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيِّ فِي السُّنَنِ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ الْهِرِّ وَأَكْلِ ثَمَنِهِ . انْتَهَى .
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي : ابْنَ عَمْرٍو الرَّقِّيَّ - عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ مُتَلَقٍّ مشتري فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ إِذَا وَرَدَتْ السُّوقَ قَالَ أَبو دَاوُدَ قَالَ سُفْيَانُ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ عِنْدِي خَيْرًا مِنْهُ بِعَشَرَةٍ . ( نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبَ ) : بِفَتْحِ اللَّامِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ الْمَجْلُوبِ يُقَالُ : جَلَبَ الشَّيْءَ جَاءَ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ لِلتِّجَارَةِ ( مُشْتَرٍ ) : لَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هَذَا اللَّفْظُ ( فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ ) : هَذَا يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا لَمْ يَنْعَقِدْ . وَقَدْ قَالَ بِالْفَسَادِ الْمُرَادِفِ لِلْبُطْلَانِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ ؛ ذَهَبَتِ الْحَنَابِلَةُ إِلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
بَابٌ : فِي التَّلَقِّي حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا الْأَسْوَاقَ . باب في التلقي ( لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ ) : بِأَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ : افْسَخْ لِأَبِيعَكَ خَيْرًا مِنْهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ أَوْ مِثْلَهُ بِأَنْقَصَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ ، وَكَذَا الشِّرَاءُ عَلَى شِرَائِهِ ، بِأَن يَقُولُ لِلْبَائِعِ : افْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْكَ بِأَزْيَدَ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ ( وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ ) : بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ جَمْعُ السِّلْعَةِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهِيَ الْمَتَاعُ وَمَا يُتَّجَرُ بِهِ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَتَاعُ الْمَجْلُوبُ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الرُّكْبَانُ إِلَى الْبَلْدَةِ لِيَبِيعُوا فِيهَا ( حَتَّى يُهْبَطَ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُنْزَلَ ( بِهَا ) : أَيِ السِّلَعِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يُسْقِطَهَا عَنْ ظَهْرِ الدَّوَابِّ فِي السُّوقِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَمَّا النَّهْيُ عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ قَبْلَ وُرُودِهَا السُّوقَ ، فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كَرَاهِيَةُ الْغَبْنِ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عَادَةِ أُولَئِكَ أَنْ يَتَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمُوا الْبَلَدَ وَيَعْرِفُوا سِعْرَ السُّوقِ فَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّ السِّعْرَ سَاقِطٌ وَالسُّوقُ كَاسِدَةٌ وَالرَّغْبَةُ قَلِيلَةٌ حَتَّى يَخْدَعُوهُمْ عَمَّا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَيَبْتَاعُوه مِنْهُمْ بِالْوَكْسِ مِنَ الثَّمَنِ ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَجَعَلَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارَ إِذَا قَدِمَ السُّوقَ فَوَجَدَ الْأَمْرَ بِخِلَافِ مَا قَالُوهُ انْتَهَى . قَالَ فِي النَّيْلِ : وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا : لَا يَجُوزُ تَلَقِّي الرُّكْبَانَ ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فَقَطْ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَجَازَ التَّلَقِّي ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ بِأَنَّ الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّلَقِّي فِي حَالَتَيْنِ : أَنْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ ، وَأَنْ يُلَبِّسَ السِّعْرَ عَلَى الْوَارِدِينَ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا .
حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ ، ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي : ابْنَ عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا ( عَنْ قَيْسِ بْنِ حَبْتَرٍ ) : بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَمُثَنَّاةٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ ، ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ ( وَإِنْ جَاءَ ) : أَيْ أَحَدٌ ( فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى التُّرَابِ هَاهُنَا الْحِرْمَانُ وَالْخَيْبَةُ كَمَا يُقَالُ : لَيْسَ فِي كَفِّهِ إِلَّا التُّرَابُ ، وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ يُرِيدُ الْخَيْبَةَ إِذْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَذْهَبُ إِلَى اسْتِعْمَالِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَرَى أَنْ يُوضَعَ التُّرَابُ بِكَفِّهِ . قَالَ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا قِيمَةَ لِلْكَلْبِ إِذَا تَلِفَ وَلَا يَجِبُ فِيهِ عِوَضٌ . وَقَالَ مَالِكٌ : فِيهِ الْقِيمَةُ وَلَا ثَمَنَ لَهُ . قَالَ : الثَّمَنُ ثَمَنَانِ ، ثَمَنُ التَّرَاضِي عِنْدَ الْبُيُوعِ ، وَثَمَنُ التَّعْدِيلِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ ، وَقَدْ أَسْقَطَهُمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : فَامْلَأْ كَفَّهُ تُرَابًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا عِوَضَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، نا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي مَعْرُوفُ بْنُ سُوَيْدٍ الْجُذَامِيُّ : أَنَّ عُلَيَّ بْنَ رَبَاحٍ اللَّخْمِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ ، وَلَا حُلْوَانُ الْكَاهِنِ ، وَلَا مَهْرُ الْبَغِيِّ ( لَا يَحِلُّ ثَمَنُ الْكَلْبِ إِلَخْ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَإِذَا لَمْ يَحِلَّ ثَمَنُ الْكَلْبِ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ ، لِأَنَّ الْبَيْعَ أَنَّمَا هُوَ عَقْدٌ عَلَى ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ . فَإِذَا فَسَدَ أَحَدُ الشِّقَّيْنِ فَسَدَ الشِّقُّ الْآخَرُ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَوْنُ ابْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ( نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : نَهْيُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ بَيْعِهِ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا صَحَّ كَانَ دَفْعُ الثَّمَنِ وَاجِبًا مَأْمُورًا بِهِ لَا مَنْهِيًّا عَنْهُ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ .
بَابٌ : فِي أَثْمَانِ الْكِلَابِ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ باب في أثمان الكلاب ( نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْكَلْبِ ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَوْ مِمَّا لَا يَجُوزُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ : يَجُوزُ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ . قَالَ فِي الْفَتْحِ : وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ . وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُهَزِّمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيَكُونُ الْمُحَرَّمُ بَيْعُ مَا عَدَا كَلْبِ الصَّيْدِ إِنْ صَلَحَ هَذَا الْمُقَيَّدُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ قَالَهُ فِي النَّيْلِ ( وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ ) : تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي بَابِ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، نا أَبُو بَدْرٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ خَيْثَمَةَ ، عَنْ سَعْدٍ يَعْنِي : الطَّائِيَّ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ ، فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ ( مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفُهُ ) : بِصِيغَةِ النَّهْيِ ، وَقِيلَ بِالنَّفْيِ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ إِلَى شَيْءٍ ( إِلَى غَيْرِهِ ) : أَيْ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ . قَالَ السِّنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَيْ بِأَنْ يُبَدِّلَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ بِغَيْرِهِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ إِلَى مَنْ فِي قَوْلِهِ : مَنْ أَسْلَفَ يَعْنِي لَا يَبِيعُهُ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ إِلَى شَيْءٍ أَيْ لَا يُبَدَّلُ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِشَيْءٍ آخَرَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِذَا أَسْلَفَهُ دِينَارًا فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ إِلَى شَهْرٍ فَحَلَّ الْأَجَلُ فَأَعْوَزَهُ الْبُرُّ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ عَرَضًا بِالدِّينَارِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَيْهِ قَوْلًا بِعُمُومِ الْخَبَرِ وَظَاهِرِهِ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ عَرَضًا بِالدِّينَارِ إِذَا تَقَايَلَا وَقَبَضَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِئَلَّا يَكُونَ دَيْنًا بِدَيْنٍ ، فَأَمَّا قَبْلَ الْإِقَالَةِ فَلَا يَجُوزُ ، وَهُوَ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ صَرْفِ السَّلَفِ إِلَى غَيْرِهِ عِنْدَهُ . انْتَهَى . قَالَ الْعَلْقَمِيُّ : وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَبْدَلَ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ إِلَّا مَا سَلَّفَ فِيهِ أَوْ رَأْسَ مَالِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا . وَعُلِمَ مِنْ مَنْعِ الِاسْتِبْدَالِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا التَّوْلِيَةُ فِيهِ وَلَا الشَّرِكَةُ وَلَا الْمُصَالَحَةُ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَلَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا لِبِنْتِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ امْرَأَةً فَتَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ أَوْ خَالَعَهَا لَمْ يَصِحَّ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَعَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ .
بَابُ السَّلَفِ يُحَوَّلُ 23 - بَابٌ : السَّلَفُ يُحَوَّلُ : مِنَ التَّحْوِيلِ أَيْ يُصْرَفُ .
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، نا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَنَاجَشُوا ( لَا تَنَاجَشُوا ) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : النَّجْشُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ السِّلَعَ تُبَاعُ فَيَزِيدُ فِي ثَمَنِهَا وَهُوَ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ تَرْغِيبَ السُّوَّامِ فِيهَا لِيَزِيدُوا فِي الثَّمَنِ ، وَفِيهِ غَرَرٌ لِلرَّاغِبِ فِيهَا وَتَرْكٌ لِنُصْيحَتِهِ الَّتِي هُوَ مَأْمُورٌ بِهَا انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالْإِثْمُ مُخْتَصٌّ بِالنَّاجِشِ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ فَإِنْ وَاطَأَهُ عَلَى ذَلِكَ أَثِمَا جَمِيعًا ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَائِعِ مُوَاطَأَةٌ ، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ قَصَّرَ فِي الِاغْتِرَارِ ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ وَجَعَلَ النَّهْيَ عَنْهُ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا .
بَابٌ : فِي النَّهْيِ عَنْ النَّجْشِ 10 - بَابٌ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ : بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ ابْنِ مُحَيِّصَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ ، فَنَهَاهُ عَنْهَا ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى أَمَرَهُ أَنْ أَعْلِفْهُ نَاضِحَكَ وَرَقِيقَكَ ( عَنِ ابْنِ مُحَيْصَةَ ) : بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، أَوْ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ ( فِي إِجَارَةِ الْحَجَّامِ ) : أَيْ فِي أُجْرَتِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ ، أَيْ فِي أَخْذِهَا أَوْ أَكْلِهَا ( فَنَهَاهُ عَنْهَا ) : قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِلِارْتِفَاعِ عَنْ دَنِيءِ الِاكْتِسَابِ ، وَلِلْحَثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَالِي الْأُمُورِ ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُطْعِمَ عَبْدَهُ مَا لَا يَحِلُّ ( فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ وَيَسْتَأْذِنُهُ ) : أَيْ فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فِي أَكْلِهَا ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ كَانَتْ لَهُمْ أَرِقَّاءُ كَثِيرُونَ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ خَرَاجِهِمْ ، وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ مِنْ أَطْيَبِ الْمَكَاسِبِ ، فَلَمَّا سَمِعَ مُحَيْصَةُ نَهْيَهُ عن ذَلِكَ ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَى أَكْلِ أُجْرَةِ الْحِجَامَةِ تَكَرَّرَ فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ ذَلِكَ . كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ . ( اعْلِفْهُ ) : أَيْ أَطْعِمْهُ ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ : الْعَلْفُ كَالضَّرْبِ : الشُّرْبُ الْكَثِيرُ ، وَإِطْعَامُ الدَّابَّةِ كَالْإِعْلَافِ ( نَاضِحَكَ ) : هُوَ الْجَمَلُ الَّذِي يُسْقَى بِهِ الْمَاءُ ( وَرَقِيقَكَ ) : أَيْ عَبْدَكَ ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ لَيْسَ لَهُمَا شَرَفٌ يُنَافِيهِ دَنَاءَةُ هَذَا الْكَسْبِ بِخِلَافِ الْحُرِّ . وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أُجْرَةَ الْحَجَّامِ حَلَالٌ لِلْعَبْدِ دُونَ الْحُرِّ . وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ، فَكَرِهُوا لِلْحُرِّ الِاحْتِرَافَ بِالْحِجَامَةِ ، وَقَالُوا : يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا ، وَيَجُوزُ لَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَى الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ مِنْهَا ، وَأَبَاحُوهَا لِلْعَبْدِ مُطْلَقًا ، وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ مُحَيْصَةَ هَذَا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ : حَرَامُ بْنُ مُحَيْصَةَ عَنْ أَبِيهِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ ، وَيُقَالُ : أَبُو سَعِيدٍ حَرَامُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُحَيْصَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ الْمَدَنِيُّ ، وَيُقَالُ : حَرَامُ بْنُ مُحَيْصَةَ يُنْسَبُ إِلَى الْجَدِّ ، وَيُقَالُ : حَرَامُ بْنُ سَاعِدَةَ وَهُوَ بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ .
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ ( حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَاسْمُهُ نَافِعٌ ( وَأَمَرَ أَهْلَهُ ) : أَيْ سَادَاتَهُ ، وَكَانَ مَمْلُوكًا لِجَمَاعَةٍ وَهُمْ بَنُو بَيَاضَةَ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ( عَنْهُ ) : أَيْ عَنْ أَبِي طَيْبَةَ ( مِنْ خَرَاجِهِ ) : بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَا يُقَرِّرُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ، وَكَانَ خَرَاجُهُ ثَلَاثَةَ آصُعٍ ، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا . كَذَا فِي الْمَجْمَعِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَزِيدُ يعني : ابْنُ زُرَيْعٍ ، نا خَالِدٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ ، وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ . ( وَلَوْ عَلِمَهُ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْرَ الْحَجَّامِ ( خَبِيثًا ) : أَيْ حَرَامًا ( لَمْ يُعْطِهِ ) : أَيِ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي إِبَاحَتِهِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
بَابٌ : فِي كَسْبِ الْحَجَّامِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسماعيل ، نا أَبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي : ابْنَ قَارِظٍ - عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ باب في كسب الحجام ( كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ ) : أَيْ حَرَامٌ ( وَمَهْرُ الْبَغِيِّ ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ ، وَهُوَ فَعُولٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْفَاعِلَةِ : مِنْ بَغَتِ الْمَرْأَةُ بِغَاءً بِالْكَسْرِ إِذَا زَنَتْ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ : هُوَ مَا تَأْخُذُهُ الزَّانِيَةُ عَلَى الزِّنَا ، وَسَمَّاهُ مَهْرًا لِكَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَأَمَّا ثَمَنُ الْكَلْبِ فَفِي حُرْمَتِهِ اخْتِلَافٌ ، وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي بَابِهِ . وَأَمَّا كَسْبُ الْحَجَّامِ فَفِيهِ أَيْضًا اخْتِلَافٌ ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فِي النَّيْلِ : إِنَّهُ حَرَامٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ حَلَالٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِيَيْنِ فِي الْبَابِ ، وَقَالُوا : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْخَبِيثِ فِي قَوْلِهِ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا ؛ لِدَنَاءَتِهِ وَخِسَّتِهِ لَا الْمُحَرَّمُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ فَسَمَّى رَاذِلَ الْمَالِ خَبِيثًا . وَمِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى النَّسْخَ وَأَنَّهُ كَانَ حَرَامًا ثُمَّ أُبِيحَ ، وَهُوَ صَحِيحٌ إِذَا عَرَفَ التَّارِيخَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ - مَا مُحَصَّلُهُ - : إِنَّ مَعْنَى الْخَبِيثِ فِي قَوْلِهِ : كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ الدَّنِيُّ . وَأَمَّا في قَوْلُهُ : ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ وَ مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ فَمَعْنَاهُ الْمُحَرَّمُ ، وَقَدْ يَجْمَعُ الْكَلَامُ بَيْنَ الْقَرَائِنِ فِي اللَّفْظِ ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعَانِي ، وَذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ فِيهَا ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْفَصْلِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَبَعْضُهُ عَلَى النَّدْبِ ، وَبَعْضُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَبَعْضُهُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِ الْأُصُولِ وَبِاعْتِبَارِ مَعَانِيهَا . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ وَوَكِيعٌ ، عَنْ طُعْمَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجَعْفَرِيِّ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ بَيَانٍ التَّغْلِبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيُشَقِّصْ الْخَنَازِيرَ ( فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ فَلْيَسْتَحِلَّ أَكْلَهَا وَالتَّشْقِيصُ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنْ يَذْبَحَهَا بِالْمِشْقَصِ وَهُوَ نَصْلٌ عَرِيضٌ ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَجْعَلَهَا أَشْقَاصًا بَعْدَ ذَبْحِهَا كَمَا يَفْصِلُ أَجْزَاءَ الشَّاةِ إِذَا أَرَادُوا إِصْلَاحَهَا لِلْأَكْلِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ تَوْكِيدُ التَّحْرِيمِ وَالتَّغْلِيظُ فِيهِ ، يَقُولُ : مَنْ اسْتَحَلَّ بَيْعَ الْخَمْرِ فَلْيَسْتَحِلَّ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُمَا فِي الْحُرْمَةِ وَالْإِثْمِ سَوَاءٌ ، أَيْ إِذَا كُنْتَ لَا تَسْتَحِلُّ أَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَلَا تَسْتَحِلَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ ، فَإِنَّكَ تُهْلَكُ وَتُحْرَقُ بِالنَّارِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَهَذَا لَفْظُ أَمْرٍ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ ، تَقْدِيرُهُ : مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ فَلْيَكُنْ لِلْخَنَازِيرِ قَصَّابًا انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ الْأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا ، وَقَالَ : حُرِّمَتْ التِّجَارَةُ فِي الْخَمْرِ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ : الْآيَاتُ الْأَوَاخِرُ فِي الرِّبَا . ( لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ الْأَوَاخِرُ إِلَخْ ) : قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : تَحْرِيمُ الْخَمْرِ هُوَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ الرِّبَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ، فَإِنَّ آيَةَ الرِّبَا آخِرُ مَا نَزَلَ أَوْ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّهْيُ عَنِ التِّجَارَةِ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَحْرِيمِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِتَحْرِيمِ التِّجَارَةِ حِينَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ الرِّبَا تَوْكِيدًا وَمُبَالَغَةً ، وَلَعَلَّهُ حَضَرَ الْمَجْلِسَ مَنْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ التِّجَارَةِ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ أَنَّ بِشْرَ بْنَ الْمُفَضَّلِ وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَاهُمْ الْمَعْنَى عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ بَرَكَةَ . قَالَ مُسَدَّدٌ فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ قَالَ : فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ ، فَقَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ثَلَاثًا إِنَّ اللَّهَ تعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا ، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ تعالى إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ، وَلَمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانِ : رَأَيْتُ ، وَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ( حَدَّثَاهُمْ ) : أَيْ مُسَدَّدٌ أَوْ غَيْرُهُ ( الْمَعْنَى ) : أَيْ مَعْنَى حَدِيثِيهِمَا وَاحِدٌ وَفِي أَلْفَاظِهِمَا اخْتِلَافٌ ( عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ) : هُوَ خَالِدُ بْنُ مِهْرَانَ الْبَصْرِيُّ الْحَذَّاءُ ( عَنْ بَرَكَةَ ) : بِفَتَحَاتٍ ( فِي حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) : بِإِضَافَةِ حَدِيثٍ إِلَى خَالِدٍ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي حَدِيثِهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الضَّمِيرِ ، وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ . وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا هُوَ الطَّحَّانُ ( عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ ) : كُنْيَةُ بَرَكَةَ فَزَادَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي حَدِيثِهِ لَفْظَ أَبِي الْوَلِيدِ بَعْدَ لَفْظِ بَرَكَةَ ، وَأَمَّا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ فَلَمْ يَزِدْ فِي حَدِيثِهِ هَذَا اللَّفْظَ ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) : أَيْ بِشْرٌ وَخَالِدٌ ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ إِلَخْ ) : قَالَ فِي الْمُنْتَقَى : وَهُوَ حُجَّةٌ فِي تَحْرِيمِ بَيْعِ الدُّهْنِ النَّجَسِ ( وَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ ) : أَيْ مَكَانَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ . وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ .
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ، وَالْمَيْتَةَ ، وَالْخِنْزِيرَ ، وَالْأَصْنَامَ فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ ؟ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ : لَا هُوَ حَرَامٌ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، إِنَّ اللَّهَ تعالى لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، نا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، لَمْ يَقُلْ : هُوَ حَرَامٌ . ( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ ) : وَالْعِلَّةُ فِيهِ السُّكْرُ فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلِّ مُسْكِرٍ ( وَالْأَصْنَامِ ) : جَمْعُ صَنَمٍ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُوَ الْوَثَنُ ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي النِّهَايَةِ ، فَقَالَ الْوَثَنُ : كُلُّ مَا لَهُ جُثَّةٌ مَعْمُولَةٌ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ أَوْ مِنَ الْخَشَبِ أَوْ مِنَ الْحِجَارَةِ كَصُورَةِ الْآدَمِيِّ تُعْمَلُ وَتُنْصَبُ فَتُعْبَدُ ، وَالصَّنَمُ : الصُّورَةُ بِلَا جُثَّةٍ . قَالَ : وَقَدْ يُطْلَقُ الْوَثَنُ عَلَى غَيْرِ الصُّورَةِ ( أَرَأَيْتَ ) : أَيْ أَخْبِرْنِي ( فَإِنَّهُ ) : أَيِ الشَّأْنُ ( يُطْلَى ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِهَا ) : أَيْ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ ( السُّفُنُ ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ السَّفِينَةِ ( وَيُدْهَنُ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ) : أَيْ يَجْعَلُونَهَا فِي سُرُجِهِمْ وَمَصَابِيحِهِمْ يَسْتَضِيئُونَ بِهَا أَيْ فَهَلَ يَحِلُّ بَيْعُهَا لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ ( فَقَالَ : لَا هُوَ حَرَامٌ ) : أَيِ الْبَيْعُ هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ : وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى حَرَامٍ عَلَى الِانْتِفَاعِ فَقَالَ : يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ فَلَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ أَصْلًا عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ وَاخْتَلَفُوا فِي مَا يَتَنَجَّسُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَّةٌ سَاغَ لَهُ إِطْعَامُهَا لِكِلَابِ الصَّيْدِ فَكَذَلِكَ يَسُوغُ دَهْنُ السَّفِينَةِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَلَا فَرْقَ كَذَا فِي الْفَتْحِ ( عِنْدَ ذَلِكَ ) : أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِ : حَرَامٌ . قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ الْقَارِي : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَرَأَيْتَ إِلَخْ ( قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ) : أَيْ أَهْلَكَهُمْ وَلَعَنَهُمْ ، وَيُحْتَمَلُ إِخْبَارًا وَدُعَاءً هُوَ مِنْ بَابِ عَاقَبْتُ اللِّصَّ ( لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا ) : أَيْ شُحُومَ الْمَيْتَةِ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ . وَقَالَ الْقَارِي : الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا قَالَ : وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ اسْمُ جِنْسٍ يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ( أَجْمَلُوهُ ) : بِالْجِيمِ أَيْ أَذَابُوهُ ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الشُّحُومِ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ . ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَيْ أَذَابُوهَا حَتَّى تَصِيرَ وَدِكًا فَيَزُولُ عَنْهَا اسْمُ الشَّحْمِ تَقُولُ : جَمَلْتُ الشَّحْمَ وَأَجْمَلْتُهُ إِذَا أَذَبْتُهُ . قَالَ : وَفِي هَذَا بَيَانُ بُطْلَانِ كُلِّ حِيلَةٍ يُحْتَالُ بِهَا لِلتَّوَصُّلِ إِلَى مُحَرَّمٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ هَيْئَتِهِ وَتَبْدِيلِ اسْمِهِ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-36
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة