بَاب سُؤْرِ الْهِرَّةِ
بَابُ سُورِة الْهِرَّةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَشَرِبَتْ مِنْهُ ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ ، قَالَتْ كَبْشَةُ : فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ : أَتَعْجَبِينَ يَا بْنَت أَخِي ؟ فَقُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، إِنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ بَابُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ ( الْهِرُّ ) : الذَّكَرُ وَجَمْعُهُ هِرَرَةٌ مِثْلُ قِرْدٍ وَقِرَدَةٍ ، وَالْأُنْثَى : هِرَّةٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ . قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ .
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْهِرُّ يَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ يُدْخِلُونَ الْهَاءَ فِي الْمُؤَنَّثِ ، وَتَصْغِيرُهَا هُرَيْرَةُ . كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . ( عَنْ حُمَيْدَةَ ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا يَحْيَى اللَّيْثِيِّ فَقَالَ : إِنَّهَا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ( بِنْتِ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ ) : الْأَنْصَارِيَّةِ الزُّرَقِيَّةِ أُمِّ يَحْيَى عَنْ خَالَتِهَا كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبٍ وَعَنْهَا زَوْجُهَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ آنِفًا وَابْنُهَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ وَثَّقَهَا ابْنُ حِبَّانَ .
وَقَالَ الْحَافِظُ : هِيَ مَقْبُولَةٌ . قَالَ فِي النَّيلِ : الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ مَنْدَهْ بِأَنَّ حُمَيْدَةَ الرَّاوِيَةَ عَنْ كَبْشَةَ مَجْهُولَةٌ ، وَكَذَلِكَ كَبْشَةُ قَالَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ ، وَتَعَقَّبَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ لِحُمَيْدَةَ حَدِيثًا آخَرَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلَهَا حَدِيثٌ ثَالِثٌ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهَا مَعَ إِسْحَاقَ ابْنُهُ يَحْيَى وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ ، فَارْتَفَعَتِ الْجَهَالَةُ ( كَبْشَةَ ) : بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ( بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ ) : الْأَنْصَارِيَّةِ زَوْجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ( وَكَانَتْ ) : كَبْشَةُ ( تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ ) : أَيْ فِي نِكَاحِهِ ( دَخَلَ ) : فِي بَيْتِ كَبْشَةَ ( فَسَكَبْتُ ) : بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ ، وَالسَّكْبُ : الصَّبُّ أَيْ صَبَبْتُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ ( وَضُوءًا ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ صَبَّتْ لَهُ مَاءَ الْوُضُوءِ فِي قَدَحٍ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهُ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي كَانَ فِي الْإِنَاءِ ( فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ ) : أَيْ أَمَالَ أَبُو قَتَادَةَ لِلْهِرَّةِ الْإِنَاءَ حَتَّى يَسْهُلَ عَلَيْهَا الشُّرْبُ ( فَرَآنِي ) : أَبُو قَتَادَةَ وَالْحَالُ أَنِّي ( أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) : أَيْ إِلَى شُرْبِ الْهِرَّةِ لِلْمَاءِ نَظَرَ الْمُنْكِرِ أَوِ الْمُتَعَجِّبِ ( يَا ابْنَةَ أَخِي ) : الْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَمِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَدْعُوا بِيَا ابْنَ أَخِي وَيَا ابْنَ عَمِّي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَخًا أَوْ عَمًّا لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ ( فَقَالَ ) : أَبُو قَتَادَةَ لَا تَعْجَبِي ( بِنَجَسٍ ) : يَعْنِي نَجَاسَةً مُؤَثِّرَةً فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ ، وَلَوْ قِيلَ بِكَسْرِ الْجِيمِ لَقِيلَ : بِنَجِسَةٍ لِأَنَّهَا صِفَةٌ الِهِرَّةٍ ، وَقَالَ بَعْضُهُمُ : النَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ : النَّجَاسَةُ ، وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَاتِ نَجَسٍ . كَذَا فِي بَعْضِ شُرُوحِ التِّرْمِذِيِّ .
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ، ثُمَّ النَّوَوِيُّ ، ثُمَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، ثُمَّ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : مَفْتُوحُ الْجِيمِ مِنَ النَّجَاسَةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ انْتَهَى ( إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ ) هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِلَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ عِلَّةَ الْحُكْمِ بِعَدَمِ نَجَاسَةِ الْهِرَّةِ هِيَ الضَّرْوَةُ النَّاشِئَةُ مِنْ كَثْرَةِ دَوَرَانِهَا فِي الْبُيُوتِ ، وَدُخُولِهَا فِيهِ بِحَيْثُ يَصْعُبُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَطُوفُ عَلَيْكُمْ فِي مَنَازِلِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ فَتَمْسَحُونَهَا بِأَبْدَانِكُمْ وَثِيَابِكُمْ ، وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَأَمَرْتُكُمْ بِالْمُجَانَبَةِ عَنْهَا . وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الرِّفْقِ بِهَا وَاحْتِسَابِ الْأَجْرِ فِي مُوَاسَاتِهَا ، وَالطَّائِفُ : الْخَادِمُ الَّذِي يَخْدُمُكَ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ وَجَمْعُهُ الطَّوَّافُونَ .
قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِالْمَمَالِيكِ مِنْ خَدَمِ الْبَيْتِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ عَلَى بَيْتِهِ لِلْخِدْمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، يُرِيدُ أَنَّ الْأَجْرَ فِي مُوَاسَاتِهَا كَالْأَجْرِ فِي مُوَاسَاةِ مَنْ يَطُوفُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُدَ ، وَقَالَ : وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ سِوَاهُ ( وَالطَّوَّافَاتِ ) : وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَوِ الطَّوَّافَاتِ . قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : جَاءَ هَذَا الْجَمْعُ فِي الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى صِيغَةِ جَمْعِ مَنْ يَعْقِلُ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ الذُّكُورِ الطَّوَّافِينَ أَوِ الْإِنَاثِ الطَّوَّافَاتِ ، وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّهُ شَبَّهَ ذُكُورَ الْهِرِّ بِالطَّوَّافِينَ وَإِنَاثَهَا بِالطَّوَّافَاتِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ جَوَّدَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ أَحَدٌ أَتَمَّ مِنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ : جَوَّدَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَرِوَايَتُهُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ .
انْتَهَى .