بَاب صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى وَمُسَدَّدٌ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ ، وَهُوَ أَوَّلُ الْقَفَا وَقَالَ مُسَدَّدٌ : مَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ قال : أبو داود قَالَ مُسَدَّدٌ : فَحَدَّثْتُ بِهِ يَحْيَى فَأَنْكَرَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ : إِنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُهُ وَيَقُولُ إِيشْ هَذَا طَلْحَةُ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . ( عَنْ لَيْثٍ ) : هُوَ ابْنُ سُلَيْمٍ الْقُرَشِيُّ الْكُوفِيُّ ، رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ ، وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ .
قَالَ أَحْمَدُ : مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : لَيْثٌ أَعْلَمُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْمَنَاسِكِ . كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ : قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَقْلِبُ الْأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ ، وَيَأْتِي عَنِ الثِّقَاتِ بِمَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِمْ ، تَرَكَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ضَعْفِهِ ( عَنْ أَبِيهِ ) : أَيْ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ : مُصَرِّفُ بْنُ عَمْرٍو وَالِدُ طَلْحَةَ مَجْهُولٌ ، ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَمِثْلُهُ فِي التَّقْرِيبِ ( الْقَذَالَ ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ كَسَحَابٍ : هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ ، وَجَمْعُهُ قُذُلٌ كَكُتُبٍ وَأَقْذِلَةٌ كَأَغْلِمَةٍ . وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ وَمَا يَلِيهِ مِنْ مُقَدَّمِ الْعُنُقِ ، وَلَفْظُ ابْنِ سَعْدٍ : وَجَرَّ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ ( وَهُوَ ) : أَيِ الْقَذَالُ ( أَوَّلُ الْقَفَا ) : وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ . وَالْقَفَا بِفَتْحِ الْقَافِ مَقْصُورٌ هُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ .
كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ . وَفِي الْمُحْكَمِ : وَرَاءَ الْعُنُقِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ : مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ حَتَّى بَلَغَ الْقَذَالَ مِنْ مُقَدَّمِ عُنُقِهِ .
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ الْقَذَالَ هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ ، وَأَوَّلُ الْقَفَا هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْقَفَا بِغَيْرِ إِضَافَةِ لَفْظِ أَوَّلُ هُوَ مُؤَخَّرُ الْعُنُقِ ، فَابْتِدَاءُ الْعُنُقِ هُوَ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ . فَالْمَعْنَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ( وَقَالَ مُسَدَّدٌ ) : فِي رِوَايَتِهِ ( مَسَحَ رَأْسَهُ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِهِ حَتَّى أَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ أُذُنَيْهِ ) : وَجَانِبُ الْأُذُنِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ الْمُعَبَّرُ بِظَاهِرِ الْأُذُنِ هُوَ تَحْتُهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَانِبِ الْأُذُنِ الَّذِي يَلِي الْوَجْهَ الْمُعَبَّرُ بِبَاطِنِ الْأُذُنِ . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ مَسَحَ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ حَتَّى مَرَّتْ يَدَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الْأُذُنَيْنِ ، وَمَا انْفَصَلَتَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِلَّا بَعْدَ مُرُورِهِمَا عَلَى ظَاهِرِهِمَا .
قُلْتُ : وَالْحَدِيثُ مَعَ ضَعْفِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الرَّقَبَةِ لِأَنَّ فِيهِ مَسْحَ الرَّأْسِ مِنْ مُقَدَّمِهِ إِلَى مُؤَخَّرِ الرَّأْسِ أَوْ إِلَى مُؤَخَّرِ الْعُنُقِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ ، وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ ، إِنَّمَا الْكَلَامُ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ الْمُعْتَادِ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَمْسَحُونَ الرَّقَبَةَ بِظُهُورِ الْأَصَابِعِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ ، لَا مِنَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَلَا مِنَ الْحَسَنِ ، بَلْ مَا رُوِيَ فِي مَسْحِ الرَّقَبَةِ كُلُّهَا ضِعَافٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا . وَمَا نَقَلَ الشَّيْخُ ابْنُ الْهُمَامِ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا وَظَاهِرِ أُذُنَيْهِ ثَلَاثًا وَظَاهِرِ رَقَبَتِهِ ، الْحَدِيثَ وَنَسَبَهُ إِلَى التِّرْمِذِيِّ - فَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي التِّرْمِذِيِّ ( فَحَدَّثْتُ بِهِ ) : أَيْ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ( يَحْيَى ) : بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ ( فَأَنْكَرَهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ مِنْ جِهَةِ جَهَالَةِ مُصَرِّفٍ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ لِجَدِّ طَلْحَةَ صُحْبَةٌ ، وَلِذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ : هُذا إِسْنَادٌ لَا أَعْرِفُهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ تَابِعِيٌّ احْتَجَّ بِهِ السِّتَّةُ ، وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ لَا يُعْرَفَانِ .
قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ، لَكِنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي رِوَايَةِ الدَّوْرِيِّ ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَابْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبَا دَاوُدَ أَثْبَتُوا صُحْبَةً لِعَمْرِو بْنِ كَعْبٍ جَدِّ طَلْحَةَ ( زَعَمُوا ) : أَيْ قَالُوا أَيْ قَالَ النَّاسُ ( أَنَّهُ ) : أَيْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ( كَانَ يُنْكِرُهُ ) : أَيِ الْحَدِيثَ . وَالْعِبَارَةُ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، أَيْ يَقُولُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : زَعَمَ النَّاسُ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ ( وَيَقُولُ ) : سُفْيَانُ ( أَيْشِ هَذَا ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، مَعْنَاهُ أَيُّ شَيْءٍ هَذَا ، وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ إِنْكَارِيٌّ أَيْ لَا شَيْءَ هَذَا الْحَدِيثُ . وَفِي الْمِصْبَاحِ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ خُفِّفَتِ الْيَاءُ وَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا وَجُعِلَا كَلِمَةً وَاحِدَةً ، فَقَالُوا أَيْشِ .
قَالَهُ الْفَارَابِيُّ . انْتَهَى كَلَامُهُ ( طَلْحَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ) : هَذَا تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ ، أَيْ لَا شَيْءَ هَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا يَرْوِي طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِعَمْرٍو صُحْبَةٌ .