بَاب الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ ، قال : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، قال : حَدَّثَنَا زَيْدٌ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ لَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتُحِبُّونَ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ؟ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ ، فَاغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ الْيُمْنَى فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَجَمَعَ بِهَا يَدَيْهِ ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ أَخَذَ أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ الْمَاءِ ، ثُمَّ نَفَضَ يَدَهُ ، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً أُخْرَى مِنْ الْمَاءِ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَفِيهَا النَّعْلُ ، ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ يَدٍ فَوْقَ الْقَدَمِ ، وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ ، ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ( فَاغْتَرَفَ غَرْفَةً ) : بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَبِالضَّمِّ بِمَعْنَى الْمَغْرُوفِ ، وَهِيَ مِلْءُ الْكَفِّ ( فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ) : فِيهِ دَلِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ( ثُمَّ أَخَذَ ) : غَرْفَةً ( أُخْرَى فَجَمَعَ بِهَا ) : أَيْ بِالْغَرْفَةِ ( يَدَيْهِ ) : أَيْ جَعَلَ الْمَاءَ الَّذِي فِي يَدِهِ فِي يَدَيْهِ جَمِيعًا لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ فِي الْغَسْلِ ؛ لِأَنَّ الْيَدَ قَدْ لَا تَسْتَوْعِبُ الْغَسْلَ ( ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ) : وَفِيهِ دَلِيلُ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعًا ( فَرَشَّ ) : أَيْ سَكَبَ الْمَاءَ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى أَنْ صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمَّى الْغَسْلِ ( عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى ) : وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ حَتَّى غَسَلَهَا وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِالرَّشِّ ( وَفِيهَا ) : أَيِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى ( النَّعْلُ ) : قَالَ فِي التَّوَسُّطِ : هُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ غَسْلِ أَسْفَلِهَا ( ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ ) : قَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِالْمَسْحِ تَسْيِيلُ الْمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْعُضْوَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى النَّعْلَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو فِيهِ أَنَّ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا . فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ وَهُمَا فِي نَعْلَيْهِ ، وَهَذَا مَوْضِعُ اسْتِدْلَالِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلتَّرْجَمَةِ . وَفِي التَّوَسُّطِ : مَسَحَهَا ، أَيْ دَلَّكَهَا ( يَدٍ ) : بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ وَبِالرَّفْعِ ( وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ ) : قَالَ الْحَافِظُ : أَمَّا قَوْلُهُ : تَحْتَ النَّعْلِ ، فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّجَوُّزِ عَنِ الْقَدَمِ ، وَإِلَّا فَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ ، وَرَاوِيهَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا يُحْتَجُّ بِمَا تفَردَ بِهِ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَ .
وَفِي التَّوَسُّطِ أَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ . وَلَعَلَّهُ كَرَّرَ الْمَسْحَ حَتَّى صَارَ غَسْلًا ( ثُمَّ صَنَعَ بِالْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ) : أَيْ رَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَفِيهَا النَّعْلُ ثُمَّ مَسَحَهَا بِيَدَيْهِ فَوْقَ الْقَدَمِ وَيَدٍ تَحْتَ النَّعْلِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْمَرَّتَيْنِ فَلَا يُعْلَمُ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بِالْبَابِ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُفَرَّقًا بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا . وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ : ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ يَعْنِي الْيُسْرَى . وَفِي لَفْظِ النَّسَائِيِّ : ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَذَلِكَ يُوَضِّحُ مَا أُبْهِمَ فِي لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ .
وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَلَى طَرَفٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْوُضُوءُ مَرَّةً مَرَّةً خِلَافَ مَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو دَاوُدَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، انْتَهَى .