حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي الِاسْتِنْثَارِ

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ فِي آخَرِينَ قَالُوا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ : كُنْتُ وَافِدَ بَنِي الْمُنْتَفِقِ أَوْ فِي وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نُصَادِفْهُ فِي مَنْزِلِهِ وَصَادَفْنَا عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ : فَأَمَرَتْ لَنَا بِخَزِيرَةٍ فَصُنِعَتْ لَنَا ، قَالَ : وَأُتِينَا بِقِنَاعٍ وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ ، وَالْقِنَاعُ الطَّبَقُ فِيهِ تَمْرٌ ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَلْ أَصَبْتُمْ شَيْئًا أَوْ أُمِرَ لَكُمْ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : قُلْنَا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَبَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُلُوسٌ إِذْا دَفَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ إِلَى الْمُرَاحِ وَمَعَهُ سَخْلَةٌ تَيْعَرُ فَقَالَ : مَا وَلَّدْتَ يَا فُلَانُ ؟ قَالَ : بَهْمَةً . قَالَ : فَاذْبَحْ لَنَا مَكَانَهَا شَاةً ثُمَّ قَالَ : لَا تَحْسِبَنَّ وَلَمْ يَقُلْ : لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّا مِنْ أَجْلِكَ ذَبَحْنَاهَا ، لَنَا غَنَمٌ مِائَةٌ لَا نُرِيدُ أَنْ تَزِيدَ ، فَإِذَا وَلَّدَ الرَّاعِي بَهْمَةً ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ فِي لِسَانِهَا شَيْئًا ، يَعْنِي الْبَذَاءَ ، قَالَ : فَطَلِّقْهَا إِذًا قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ لَهَا صُحْبَةً وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ . قَالَ : فَمُرْهَا يَقُولُ : عِظْهَا فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلْ ، وَلَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ .

قَالَ : أَسْبِغْ الْوُضُوءَ ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا . ( فِي آخَرِينَ ) : أَيْ في جَمَاعَةٍ آخَرِينَ ، وَكَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ مِنْهُمْ ( وَافِدَ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : وَفَدَ فُلَانٌ عَلَى الْأَمِيرِ أَيْ وَرَدَ رَسُولًا فَهُوَ وَافِدٌ ، وَالْجَمْعُ وَفْدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ ، وَجَمْعُ الْوَافِدِ أَوْفَادٌ وَوُفُودٌ ، وَالِاسْمُ الْوِفَادَةُ ، وَأَوْفَدْتُهُ أَنَا إِلَى الْأَمِيرِ أَيْ أَرْسَلْتُهُ ، انْتَهَى . وَفِي مَجْمَعِ بِحَارِ الْأَنْوَارِ : الْوَفْدُ قَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ وَيَرِدُونَ الْبِلَادَ ، الْوَاحِدُ وَافِدٌ وَكَذَا مَنْ يَقْصِدُ الْأُمَرَاءَ بِالزِّيَارَةِ ( الْمُنْتَفِقِ ) : بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ : جَدِّ صَبْرَةَ ( أَوْ فِي وَفْدِ ) : هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْأَوَّلُ يَدُلُّ عَلَى انْفِرَادِهِ أَوْ كَوْنِهِ زَعِيمَ الْوَفْدِ وَرَئِيسَهُمْ .

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَسْلَمَ ؛ لِأَنَّ بَنِي الْمُنْتَفِقِ وَغَيْرَهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا بَلْ أَرْسَلُوا وُفُودَهُمْ ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ فِيهِ ( قَالَ ) : أَيْ لَقِيطٌ ( فَلَمْ نُصَادِفْهُ ) : قَالَ فِي الصِّحَاحِ : صَادَفْتُ فُلَانًا وَجَدْتُهُ ، أَيْ لَمْ نَجِدْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ ) : أَيْ لَقِيطٌ ( فَأَمَرَتْ لَنَا ) : أَيْ عَائِشَةُ ( بِخَزِيرَةٍ ) : بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ الزَّايُ بَعْدَهَا التَّحْتَانِيَّةُ ثُمَّ الرَّاءُ ، عَلَى وَزْنِ كَبِيرَةٍ : هُوَ لَحْمٌ يُقَطَّعُ صِغَارًا وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ فَإِذَا نَضِجَ ذُرَّ عَلَيْهِ الدَّقِيقُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَحْمٌ فَهِيَ عَصِيدَةٌ ، وَقِيلَ هِيَ : حِسَاءٌ مِنْ دَقِيقٍ وَدَسَمٍ ، وَقِيلَ : إِذَا كَانَ مِنْ دَقِيقٍ فَهُوَ حَرِيرَةٌ ، وَإِذَا كَانَ مِنْ نُخَالَةٍ فَهُوَ خَزِيرَةٌ . كَذَا فِي النِّهَايَةِ . وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ( فَصُنِعَتْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الْخَزِيرَةُ ( وَأُتِينَا ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ( بِقِنَاعٍ ) : بِكَسْرِ الْقَافِ وَخِفَّةِ النُّونِ ، وَهُوَ الطَّبَقُ الَّذِي يُؤْكَلُ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ لَهُ : الْقِنْعُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ ، وَقِيلَ : الْقِنَاعُ جَمْعُهُ ( وَلَمْ يَقُلْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ ) : وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : لَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ الْقِنَاعَ ، مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ أَيْ لَمْ يَتَلَفَّظْ قُتَيْبَةُ بِلَفْظِ الْقِنَاعِ تَلَفُّظًا صَحِيحًا بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا اللَّفْظُ ( وَالْقِنَاعُ الطَّبَقُ ) : هَذَا كَلَامٌ مُدْرَجٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ ، فَسَّرَ الْقِنَاعَ بِقَوْلِهِ الطَّبَقَ ( أَصَبْتُمْ شَيْئًا ) : مِنَ الطَّعَامِ ( أَوْ أُمِرَ لَكُمْ ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا شَكٌّ مِنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ ( فَبَيْنَا نَحْنُ ) : كَلِمَةُ بَيْنَ بِمَعْنَى الْوَسْطِ بِسُكُونِ السِّينِ وَهِيَ مِنَ الظُّرُوفِ اللَّازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ وَلَا يُضَافُ إِلَّا إِلَى الِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَوْ مَا قَامَ مَقَامَهُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَقَدْ يَقَعُ ظَرْفَ زَمَانٍ ، وَقَدْ يَقَعُ ظَرْفَ مَكَانٍ بِحَسَبِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، وَقَدْ يُحْذَفُ الْمُضَافُ إِلَيْهِ وَيُعَوَّضُ عَنْهُ مَا أَوِ الْأَلِفُ ، فَيُقَالُ : بَيْنَمَا نَحْنُ كَذَا وَبَيْنَا نَحْنُ كَذَا ، وَقَدْ لَا يُعَوَّضُ فَيُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ بَيْنَ بَيْنَ أَيْ بَيْنَ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ .

( جُلُوسٌ ) : جَمْعُ جَالِسٍ ، وَالْمَعْنَى بَيْنَ أَوْقَاتٍ ، نَحْنُ جَالِسُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا إِذَا دَفَعَ الرَّاعِي غَنَمَهُ . الْحَدِيثَ ( إِذَا دَفَعَ ) : أَيْ سَاقَ ( الرَّاعِي غَنَمَهُ ) : وَكَانَتِ الْغَنَمُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَى الْمُرَاحِ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْمُرَاحُ بِالضَّمِّ حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ بِاللَّيْلِ ( وَمَعَهُ ) : أَيْ مَعَ الرَّاعِي أَوْ مَعَ الْغَنَمِ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الْغَنَمُ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَوْضُوعٌ لِلْجِنْسِ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَعَلَى الْإِنَاثِ وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا ، وَإِذَا صَغَّرْتَهَا أَلْحَقْتَهَا الْهَاءَ فَقُلْتَ غُنَيْمَةٌ ( سَخْلَةٌ ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ : وَلَدُ الشَّاةِ مِنَ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ حِينَ يُولَدُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى .

كَذَا فِي الْمُحْكَمِ ، وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِأَوْلَادِ الْمَعْزِ ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ، قَالَهُ السُّيُوطِيُّ ( تَيْعَرُ ) : فِي الْقَامُوسِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَتَضْرِبُ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ كَتَمْنَعُ ، وَمَصْدَرُهُ يُعَارٌ بِضَمِّ الْيَاءِ كَغُرَابٍ ، وَهُوَ صَوْتُ الْغَنَمِ أَوِ الْمَعْزِ أَوِ الشَّدِيدِ مِنْ أَصْوَاتِ الشَّاءِ ، وَمَاضِيهِ يَعَرَتْ أَيْ صَاحَتْ ، وَفِي النِّهَايَةِ يُعَارٌ أَكْثَرُ مَا يُقَالُ لِصَوْتِ الْمَعْزِ ، فَمَعْنَى تَيْعِرُ أَيْ تُصَوِّتُ ( فَقَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا وَلَّدْتَ ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَفَتْحِ التَّاءِ ، يُقَالُ : وَلَّدْتَ الشَّاةَ تَوْلِيدًا إِذَا حَضَرْتَ وِلَادَتَهَا فَعَالَجْتَهَا حَتَّى تَبَيَّنَ الْوَلَدُ مِنْهَا ، وَالْمُوَلِّدَةُ الْقَابِلَةُ ، وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ : مَا وَلَدَتْ يَعْنُونَ الشَّاةَ ، وَالْمَحْفُوظُ التَّشْدِيدُ بِخِطَابِ الرَّاعِي . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ : هُوَ بِتَشْدِيدِ وَفَتْحِ تَاءٍ خِطَابًا لِلرَّاعِي ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يُخَفِّفُونَ اللَّامَ وَيُسَكِّنُونَ التَّاءَ ، وَالشَّاةُ فَاعِلُهُ وَهُوَ غَلَطٌ . انْتَهَى .

لَكِنْ قَالَ فِي التَّوَسُّطِ بِخِفَّةِ لَامٍ وَسُكُونِ تَاءٍ لَا بِالتَّشْدِيدِ إِذِ الْمُوَلَّدَةُ بِالْفَتْحِ أُمُّهَا لَا هِيَ . انْتَهَى . ( يَا فُلَانُ قَالَ ) : الرَّاعِي الْمَدْعُوُّ بِلَفْظِ فُلَانٍ ( بَهْمَةً ) بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَهِيَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ ، أَيْ وَلَدَتِ الشَّاةُ بَهمَةً .

قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَهْمَةَ اسْمٌ لِلْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيَعْلَمَ أَذَكَرًا وَلَّدَ أَمْ أُنْثَى وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ يَعْلَمُ إِنَّمَا تَوَلَّدَ أَحَدُهُمَا . انْتَهَى . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَأَلَهُ لِيَعْلَمَ هَلِ الْمَوْلُودُ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ لِيَذْبَحَ بِقَدْرِهِ مِنَ الشِّيَاهِ الْكِبَارِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ .

( قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَكَانَهَا ) : أَيِ السَّخْلَةُ ( ثُمَّ قَالَ ) : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَحْسِبَنَّ ) : بِكَسْرِ السِّينِ ، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّوَسُّطِ ، قَالَ لَقِيطٌ : وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تَحْسَبَنَّ ) : بِفَتْحِ السِّينِ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ : مُرَادُ الرَّاوِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَطَقَ هَاهُنَا مَكْسُورَةَ السِّينِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا بِفَتْحِهَا ، فَلَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنِّي رَوَيْتُهَا بِالْمَعْنَى عَلَى اللُّغَةِ الْأُخْرَى أَوْ شَكَكْتُ فِيهَا أَوْ غَلِطْتُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، بَلْ أَنَا مُتَيَقِّنٌ بِنُطْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَسْرِ وَعَدَمِ نُطْقِهِ بِالْفَتْحِ ، وَمَعَ هَذَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَطَقَ بِالْمَفْتُوحَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ بَلْ قَدْ نَطَقَ بِذَلِكَ ، فَقَدْ قُرِئَ بِوَجْهَيْنِ ، انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ . قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَنْطِقُ بِالْفَتْحِ فَاسْتَغْرَبَ الْكَسْرَ وَضَبَطَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْطِقُ بِالْكَسْرِ وَرَأَى النَّاسَ يَنْطِقُونَ بِالْفَتْحِ ، فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَسْرُ ( ذَبَحْنَاهَا ) : أَيِ الشَّاةَ ، أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّا لَمْ نَتَكَلَّفْ لَكُمْ بِالذَّبْحِ لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنه ، وَلِيَتبرَأَ عن التَّعَجُّبِ وَالِاعْتِدَادِ عَلَى الضَّيْفِ ( أَنْ تَزِيدَ ) : عَلَى الْمِائَةِ فَتَكْثُرَ ، لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَافٍ لِإِنْجَاحِ حَاجَتِي ( ذَبَحْنَا مَكَانَهَا شَاةً ) : وَقَدِ اسْتَمَرُّوا بِي عَلَى هَذَا ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ أَمَرْنَاهَا بِالذَّبْحِ ، فَلَا تَظُنُّوا بِي أَنِّي أَتَكَلَّفُ لَكُمْ ، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذَّبْحِ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا : لَا تَتَكَلَّفُوا لَنَا ، فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : لَا تَحْسِبَنَّ ، هَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْوَاقِعَةِ ( قَالَ ) : لَقِيطٌ ( يَعْنِي الْبَذَاءَ ) : هُوَ بِالْمَدِّ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ : الْفُحْشُ فِي الْقَوْلِ ، يُقَالُ : بَذَوْتُ عَلَى الْقَوْمِ ، وَأَبْذَيْتُ عَلَى الْقَوْمِ وَفُلَانٌ بَذِيُّ اللِّسَانِ وَالْمَرْأَةُ بَذِيَّةٌ وَقَدْ بَذُوَ الرَّجُلُ يَبْذُوا بَذَاءً .

كَذَا فِي الصِّحَاحِ . ( قَالَ ) : أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فَطَلِّقْهَا إِذًا ) : أَيْ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ لِسَانٍ وَفُحْشٍ فَطَلِّقْهَا ( صُحْبَةً ) : مَعِي ( وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : يُطْلَقُ الْوَلَدُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَعَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ( فَمُرْهَا ) : أَيِ الْمَرْأَةَ أَنْ تُطِيعَكَ وَلَا تَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ ( يَقُولُ ) : الرَّاوِي : أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ ( عِظْهَا ) : أَمْرٌ مِنَ الْمَوْعِظَةِ وَهِيَ بِالطَّرِيقِ الْحَسَنَةِ أَسْرَعُ لِلتَّأْثِيرِ ، فأمره لَهَا بِالْمَوْعِظَةِ لِتَلْييِنِ قَلْبِهَا فَتَسْمَعَ كَلَامَ زَوْجِهَا سَمَاعَ قَبُولٍ ( فَإِنْ يَكُ ) : قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَوْلُهُمْ : لَمْ يَكُ أَصْلُهُ يَكُونُ ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهَا لَمْ جَزَمَتْهَا فَالْتَقَى سَاكِنَانِ فَحُذِفَتِ الْوَاوُ ، فَيَبْقَى لَمْ يَكُنْ ، فَلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا حَذَفُوا النُّونَ تَخْفِيفًا فَإِذَا تَحَرَّكَتْ أَثْبَتُوهَا ، فَقَالُوا : لَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ . وَأَجَازَ يُونُسُ حَذْفَهَا مَعَ الْحَرَكَةِ ( فِيهَا ) : أَيْ فِي الْمَرْأَةِ ( فَسَتَفْعَلُ ) : مَا تَأْمُرُهَا بِهِ .

قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حِبَّانَ فَتَسْتَقْبِلُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ صَحِيحُ الْمَعْنَى ، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ انْتَهَى . ( ظَعِينَتَكَ ) : بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ : أَصْلُهَا رَاحِلَةٌ تُرَحَّلُ ، وَيَظْعَنُ عَلَيْهَا أَيْ يُسَارُ ، وَقِيلَ لِلْمَرْأَةِ ظَعِينَةٌ لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُ مَا ظَعَنَ ، أَوْ تُحْمَلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ إِذَا ظَعَنَتْ ، وَقِيلَ : هِيَ الْمَرْأَةُ فِي الْهَوْدَجِ ثُمَّ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ وَحْدَهَا وَلِلْهَوْدَجِ وَحْدَهُ . كَذَا فِي الْمَجْمَعِ .

قَالَ السُّيُوطِيُّ : هِيَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْهَوْدَجِ كُنِيَ بِهَا عَنِ الْكَرِيمَةِ ، وَقِيلَ : هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا تَظْعَنُ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا مِنَ الظَّعْنِ وَهُوَ الذَّهَابُ ( كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ : تَصْغِيرُ الْأَمَةِ ضِدُّ الْحُرَّةِ ، أَيْ جُوَيْرِيَّتُكَ ، وَالْمَعْنَى : لَا تَضْرِبِ الْمَرْأَةَ مِثْلَ ضَرْبِكَ الْأَمَةَ ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ لَطِيفٌ إِلَى الْأَمْرِ بِالضَّرْبِ بَعْدَ عَدَمِ قَبُولِ الْوَعْظِ ، لَكِنْ يَكُونُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ . قَالَهُ السُّيُوطِيُّ . ( أَسْبِغِ الْوُضُوءَ ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، أَيْ أَبْلِغْ مَوَاضِعَهُ ، وَأَوْفِ كُلَّ عُضْوٍ حَقَّهُ وَتَمِّمْهُ وَلَا تَتْرُكْ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ ( وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ ) : التَّخْلِيلُ : تَفْرِيقُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ إِدْخَالِ شَيْءٍ فِي خِلَالِ شَيْءٍ وَهُوَ وَسَطُهُ .

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَالتَّخْلِيلُ : اتِّخَاذُ الْخِلِّ وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ وَالْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ : تَخَلَّلْتُ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ( وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا ) : فَلَا تُبَالِغْ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ الْمُبَالَغَةُ لِلصَّائِمِ خَشْيَةَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَى حَلْقِهِ مَا يُفْطِرُهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَإِنَّمَا أَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَعْضِ سُنَنِ الْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ كَانَ عَارِفًا بِأَصْلِ الْوُضُوءِ .

وَقَالَ فِي التَّوَسُّطِ : اقْتَصَرَ فِي الْجَوَابِ عِلْمًا مِنْهُ أَنَّ السَّائِلَ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ ظَاهِرِ الْوُضُوءِ بَلْ عَمَّا خَفِيَ مِنْ بَاطِنِ الْأَنْفِ وَالْأَصَابِعِ ، فَإِنَّ الْخِطَابَ بِأَسْبِغْ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ نَحْوَ مَنْ عَلِمَ صِفَتَهُ ، انْتَهَى . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي الصَّوْمِ مُخْتَصَرًا ، وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي الطَّهَارَةِ وَالْوَلِيمَةِ مُخْتَصَرًا ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الطَّهَارَةِ مُخْتَصَرًا .

انْتَهَى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث