بَاب فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ الْمَعْنَى قَالَا : ثنا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي صَخْرَةَ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : ضِفْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ ، وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَجُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ ، قَالَ : فَجَاءَ بِلَالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ ، قَالَ : فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ وَقَالَ : مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ ؟ وَقَامَ يُصَلِّي زَادَ الْأَنْبَارِيُّ : وَكَانَ شَارِبِي وَفَاء ، فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكٍ ، أَوْ قَالَ : أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ . ( ضِفْتُ ) بِكَسْرِ الضَّادِ ؛ أَيْ : نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : ضِفْتُ الرَّجُلَ ضِيَافَةً إِذَا نَزَلْتُ عَلَيْهِ ضَيْفًا .
( بِجَنْبٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : جَنْبُ الشَّاةِ شِقُّهَا ، وَجَنْبُ الْإِنْسَانِ شِقُّهُ . وَفِي النِّهَايَةِ : الْجَنْبُ الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ يَكُونُ مُعْظَمَهُ أَوْ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْهُ . ( فَشُوِيَ ) بِضَمِّ الشِّينِ وَكَسْرِ الْوَاوِ الْمُخَفَّفَةِ ، يُقَالُ : شَوَيْتُ اللَّحْمَ أَشْوِيهِ شَيًّا فَانْشَوَى - مِثْلَ كَسَرْتُهُ فَانْكَسَرَ - فَهُوَ مَشْوِيٌّ .
( الشَّفْرَةَ ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هِيَ السِّكِّينُ الْعَظِيمَةُ . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : هِيَ السِّكِّينُ الْعَرِيضَةُ . ( يَحُزُّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّاء الْمُعْجَمَةِ الْمُشَدَّدَةِ فِي الصِّحَاحِ ، حَزَّهُ وَاحْتَزَّهُ أَيْ قَطَعَهُ ، وَالتَّحَزُّزُ التَّقَطُّعُ ، وَالْحُزَّةُ قِطْعَةٌ مِنَ اللَّحْمِ قطعت طُولًا .
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَطْعِ اللَّحْمِ بِالسِّكِّينِ ، وَفِي النَّهْيِ عَنْهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، فَإِنْ ثَبَتَ خُصَّ بِعَدَمِ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَأَهْلِ التَّرَفِ . ( فَآذَنَهُ ) ؛ أَيْ أَعْلَمَهُ وَأَخْبَرَهُ . فِي النِّهَايَةِ : الْأَذَانُ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ ، آذَنَ إِيذَانًا وَأَذَّنَ تَأْذِينًا ، وَالْمُشَدَّدُ مَخْصُوصٌ بِإِعْلَامِ وَقْتِ الصَّلَاةِ .
( وَقَالَ ) النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا لَهُ ) لِبِلَالٍ قَدْ عَجَّلَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ إِلَى أَنْ أَفْرُغَ مِنْ أَكْلِ طَعَامِي ( تَرِبَتْ يَدَاهُ ) ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : تَرِبَ الشَّيْءُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - أَصَابَهُ التُّرَابُ ، وَمِنْهُ : تَرِبَ الرَّجُلُ افْتَقَرَ كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ ، يُقَالُ : تَرِبَتْ يَدَاكَ ، وَهُوَ عَلَى الدُّعَاءِ ؛ أَيْ : لَا أَصَبْتَ خَيْرًا ، انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ : تَرِبَتْ يَدَاهُ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ عِنْدَ اللَّوْمِ ، وَمَعْنَاهَا الدُّعَاءُ عَلَيْهِ بِالْفَقْرِ وَالْعَدَمِ ، وَقَدْ يُطْلِقُونَهَا فِي كَلَامِهِمْ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ وُقُوعَ الْأَمْرِ ، كَمَا قَالُوا : عَقْرَى حَلْقَى ؛ فَإِنَّ هَذَا الْبَابَ لَمَّا كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ وَدَامَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَجَارِي اسْتِعْمَالِهِمْ صَارَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى اللَّغْوِ ، وَذَلِكَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي لَا اعْتِبَارَ بِهِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ . ( وَقَامَ يُصَلِّي ) اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِتَقْدِيمِ الْعَشَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ .
قُلْتُ : هَذَا الِاسْتِدْلَالُ صَحِيحٌ وَحَسَنٌ جِدًّا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَيْسَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ : إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلصَّائِمِ الَّذِي أَصَابَهُ الْجُوعُ وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى الطَّعَامِ ، وَهَذَا فِيمَنْ حَضَرَهُ الطَّعَامُ وَهُوَ مُتَمَاسِكٌ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُزْعِجُهُ الْجُوعُ وَلَا يُعَجِّلُهُ عَنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيفَاءِ حَقِّهَا ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . قُلْتُ : وَإِنْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَهُوَ بَعِيدٌ .
( وَفَى ) عَلَى وَزْنِ رَمَى ، كَذَا فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ ؛ أَيْ : كَثُرَ وَطَالَ ، يُقَالُ : وَفَى الشَّيْءُ وَفْيًا أَيْ تَمَّ وَكَثُرَ . وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ : وَفَاءً ، وَكَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ ؛ أَيْ : طَوِيلًا تَامًّا كَثِيرًا . ( فَقَصَّهُ لِي عَلَى سِوَاكٍ ) ؛ أَيْ : قَصَّ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّعْرِ فَوْقَ السِّوَاكِ .
قَالَ السُّيُوطِيُّ : وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : فَوَضَعَ السِّوَاكَ تَحْتَ الشَّارِبِ وَقَصَّ عَلَيْهِ . ( أَوْ قَالَ ) هَذَا تَرَدُّدٌ مِنَ الرَّاوِي . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .