بَاب فِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ ، قال : ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ ابْنُ السَّرْحِ : ابْنُ أَبِي كَرِيمَةَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ مِنْ أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ ، قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ أَوْ سَادِسَ سِتَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارِ رَجُلٍ ، فَمَرَّ بِلَالٌ فَنَادَاهُ بِالصَّلَاةِ ، فَخَرَجْنَا فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ عَلَى النَّارِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً ، فَلَمْ يَزَلْ يَعْلُكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ( مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ ) وَهَذَا مِنِ ابْنِ السَّرْحِ تَوْثِيقٌ لِابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ . قُلْتُ : وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ جَرْحٌ . ( ثُمَامَةَ ) بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ( الْمُرَادِيُّ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، مَنْسُوبٌ إِلَى مُرَادٍ وَهُوَ أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ .
( مِصْرَ ) بَدَلٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ ، ( الجَزْءٍ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّاء الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ، ( لَقَدْ رَأَيْتُنِي ) الرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَيَاءُ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ ، وَسَابِعٌ الْمَفْعُولُ الثَّانِي ، وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي . ( فَنَادَاهُ ) ؛ أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِعْلَامِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ ، لَكِنْ لَا عَلَى الطَّرِيقِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا التَّثْوِيبُ ، بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ الْإِعْلَامِ وَالْإِيذَانِ . ( وَبُرْمَتُهُ ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، هِيَ الْقِدْرُ ، وَجَمْعُهَا الْبِرَامُ بِكَسْرِ الْبَاءِ ؛ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ .
( أَطَابَتْ بُرْمَتُكُ ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَالطَّيِّبُ خِلَافُ الْخَبِيثِ ، يُقَالُ : طَابَ الشَّيْءُ يَطِيبُ طِيبَةً وَتَطْيَابًا . وَنِسْبَةُ الطِّيبَةِ إِلَى الْبُرْمَةِ مَجَازٌ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ طِيبَةِ الْبُرْمَةِ تَطْيَابُ مَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ ؛ أَيْ نَضُجَ مَا فِي الْبُرْمَةِ وَصَارَ لَائِقًا لِلْأَكْلِ . ( بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ) ؛ أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِهِمَا ، أَوْ فَدَيْتُكَ بِهِمَا .
( فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً ) ؛ أَيْ أَخَذَ مِنَ الْبُرْمَةِ قِطْعَةً مِنَ الذِي هُوَ فِيهَا وَهُوَ اللَّحْمُ ( يَعْلِكُهَا ) ؛ أَيْ يَمْضُغُهَا ( أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ) ؛ أَيْ دَخَلَ فِيهَا ( وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) ؛ أَيْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِلَى مَضْغِهِ لِتِلْكَ الْقِطْعَةِ ثُمَّ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ ( وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ) قَالَهُ الرَّاوِي وَقْتَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ ، أَيْ أَنَا مُتَيَقِّنٌ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ بَعْدَ الْأَكْلِ لِلصَّلَاةِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ ، وَعَلَى أَنَّ أَكْلَ مَا غَيَّرَتْهُ النَّارُ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ .