حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عون المعبود شرح سنن أبي داود

بَاب فِي الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ

حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، قال : نا ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنْ خَالَتِهِ مَيْمُونَةَ قَالَتْ : وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا يَغْتَسِلُ به مِنْ الْجَنَابَةِ ، فَأَكْفَأَ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَغَسَلَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى فَرْجِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِشِمَالِهِ ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ فَغَسَلَهَا ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَجَسَدِهِ ، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ، فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ عَنْ جَسَدِهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا ، وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَالَ مُسَدَّدٌ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ : كَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِلْعَادَةِ . فَقَالَ : هَكَذَا هُوَ ، وَلَكِنْ وَجَدْتُهُ فِي كِتَابِي هَكَذَا .

( غُسْلًا ) : بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُغْتَسَلُ بِهِ كَالْأَكْلِ لِمَا يُؤْكَلُ وَكَذَلِكَ الْغُسُولُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَالْمُغْتَسَلُ يُقَالُ لِمَاءِ الْغُسْلِ . قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَالْغُسْلُ بِالضَّمِّ اسْمٌ أَيْضًا مِنْ غَسَلْتُهُ غُسْلًا وَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ ، وَالْغِسْلُ بِالْكَسْرِ مَا يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَسِدْرٍ وَنَحْوِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ ( فَأَكْفَأَ ) : أَيْ أَمَالَ ( مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ) : الشَّكُّ مِنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ كَمَا أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قَالَ سُلَيْمَانُ لَا أَدْرِي أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا ( ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ مِنَ الْحَائِطِ أَوِ الْأَرْضِ ( ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ) : قَالَ الْحَافِظُ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، وَتَمَسَّكَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِهِمَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا إِذَا كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . قُلْتُ : قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ هَلْ هُمَا وَاجِبَتَانِ أَوْ سُنَّتَانِ .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، فَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ : إِذَا تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ حَتَّى صَلَّى أَعَادَ ، وَرَأَوْا ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَالْجَنَابَةِ سَوَاءً ، وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ . وَقَالَ أَحْمَدُ : الِاسْتِنْشَاقُ أَوْكَدُ مِنَ الْمَضْمَضَةِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُعِيدُ فِي الْجَنَابَةِ وَلَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ على من تَرْكِهِمَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ . انْتَهَى .

قُلْتُ : إِنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَشُكُّ شَاكٌّ فِي وُجُوبِهِمَا ، لِأَنَّ أَدِلَّةَ الْوُجُوبِ قَدْ تَكَاثَرَتْ . قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَبْسَةَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ حَدِّثْنِي عَنِ الْوُضُوءِ فَأَعْلَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ فِي تَعْلِيمِهِ لَهُ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ ، فَمَنْ تَرَكَهُمَا لَا يَكُونُ مُتَوَضِّئًا ، وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَهُمَا قَطُّ وَلَوْ بِمَرَّةٍ ، بَلْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَبْلُغُ دَرَجَةَ التَّوَاتُرِ مُوَاظَبَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا ، فَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِمَا يَدُلُّ بِدَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى وُجُوبِهِمَا . وَأَمَّا وُجُوبُهُمَا فِي الْغُسْلِ فَهُوَ أَيْضًا ثَابِتٌ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورٌ وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ إِلَى عَشْرِ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ ، أَوْ قَالَ : بَشَرَتَكَ .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ أَبُو حَاتِمٍ . فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمِسَّهُ بَشَرَتَكَ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ ، وَمَوْضِعُ الْمَضْمَضَةِ هُوَ الْفَمُ وَاللِّسَانُ وَمَوْضِعُ الِاسْتِنْشَاقِ كِلَاهُمَا مِنْ ظَاهِرِ الْجِلْدِ فَيَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا وَبَيَّنَتْهُ الرِّوَايَاتُ الْأُخْرَى أَنَّهُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( ثُمَّ تَنَحَّى ) : أَيْ تَبَاعَدَ وَتَحَوَّلَ عَنْ مَكَانِهِ ( نَاحِيَةً ) : أُخْرَى ( فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ ) : وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِتَأْخِيرِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ إِلَى آخِرِ الْغُسْلِ .

وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ : النَّوْعُ الْأَوَّلُ : مَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ أَصْلًا ، بَلِ اقْتَصَرَ الرَّاوِي عَلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ . كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ . النَّوْعُ الثَّانِي : مَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلِ الرِّجْلَيْنِ قَبْلَ إِكْمَالِ الْغُسْلِ ، بَلْ أَخَّرَهُ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْهُ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ .

أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ . النَّوْعُ الثَّالِثُ : مَا فِيهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ ، وَمَرَّةً بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْغُسْلِ ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ ، فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ : تُحْمَلُ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا : وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ أَيْ أَكْثَرَهُ ، وَهُوَ مَا سِوَى الرِّجْلَيْنِ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ : ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، أَيْ أَعَادَ غَسْلَهُمَا لِاسْتِيعَابِ الْغُسْلِ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَسَلَهُمَا فِي الْوُضُوءِ .

قَالَ : وَحَدِيثُ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؛ إِمَّا بِحَمْلِ رِوَايَةِ عَائِشَةَ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِمَّا بِحَمْلِهِ عَلَى حَالَةٍ أُخْرَى ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ اخْتَلَفَ نَظَرُ الْعُلَمَاءِ ؛ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْلِ ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ كَانَ الْمَكَانُ غَيْرَ نَظِيفٍ ، فَالْمُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُمَا وَإِلَّا فَالتَّقْدِيمُ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَمُخْتَارُهُمَا : أَنَّهُ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ . قَالَ : لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ كَذَلِكَ . انْتَهَى .

كَذَا قَالَ . وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ ، بَلْ هِيَ إِمَّا مُحْتَمِلَةٌ ، كَرِوَايَةِ : تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، أَوْ ظَاهِرَةٌ فِي تَأْخِيرِهِمَا ، كَحَدِيثِ مَيْمُونَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَرَاوِيهَا مُقَدَّمٌ فِي الْحِفْظِ وَالْفِقْهِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ . وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، مُتَعَقَّبٌ ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ ، وَلَفْظُهُ : كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ .

فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ يَتَنَحَّى فَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِيَحْصُلَ الِافْتِتَاحُ وَالِاخْتِتَامُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ .

قُلْتُ : قَالَ الشَّارِحُ : غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ إِتْمَامِ الْغُسْلِ فِي الْوُضُوءِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ ، أَو اقْتِصَارُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، كُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ ، وَالَّذِي نَخْتَارُهُ هُوَ غَسْلُهُمَا مَرَّتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَنَاوَلْتُهُ الْمِنْدِيلَ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ : مَا يُحْمَلُ فِي الْيَدِ ، لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَمَسْحِ الدَّرَنِ وَتَنْشِيفِ الْعَرَقِ ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخِدْمَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا ، أَيْ : لِيُنَشِّفَ بِهِ مَاءَ الْجَسَدِ . ( فَلَمْ يَأْخُذْهُ ) : الْمِنْدِيلَ .

وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّنْشِيفِ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ؛ فَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ حَالٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْأَخْذِ لِأَمْرٍ آخَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِكراهة التَّنْشِيفَ ، بَلْ لِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْخِرْقَةِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ مُسْتَعْجِلًا ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عَلِيٌّ وَلَا ابْنُ مَسْعُودٍ . أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، وَفِيهِ سَعِيدُ بْنُ مَيْسَرَةَ الْبَصْرِيُّ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ ، وَإِنْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَرَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلنَّهْيِ .

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، فَقَلَبَ جُبَّةَ صُوفٍ كَانَتْ عَلَيْهِ ، فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . فَهَذَا الْحَدِيثُ يَصْلُحُ أَنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ فِي جَوَازِ التَّنْشِيفِ بِانْضِمَامِ رِوَايَاتٍ أُخْرَى جَاءَتْ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَسٌ وَعُثْمَانُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ . قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ .

( وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ ) : أَيْ يُحَرِّكُ وَيَدْفَعُ الْمَاءَ ( عَنْ جَسَدِهِ ) : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمُتَقَاطِرِ مِنْ أَعْضَاءِ الْمُتَطَهِّرِ ، خِلَافًا لِمَنْ غَلَا مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ؛ فَقَالَ بِنَجَاسَتِهِ ، وَقَالَ بَعْضٌ : النَّفْضِ هَاهُنَا مَحْمُولٌ عَلَى تَحْرِيكِ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ مَرْدُودٌ . وَمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ نَفْضِ الْأَيْدِي فَهُوَ ضَعِيفٌ ، ( فَذَكَرْتُ ذَلِكَ ) : أَيْ حُكْمَ التَّنْشِيفِ وَوَجْهَ رَدِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لِإِبْرَاهِيمَ ) : إِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ النَّخَعِيُّ ، وَالْقَائِلُ لَهُ هُوَ سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ .

( فَقَالَ ) : إِبْرَاهِيمُ ( يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ ) : أَيْ يَكْرَهُونَ التَّنْشِيفَ بِالْمَاءِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ عَادَةً لَا لِمَنْ يَفْعَلُهُ أَحْيَانًا . وفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : لَا بَأْسَ بِالْمِنْدِيلِ وَإِنَّمَا رَدَّهُ مَخَافَةَ أَنْ يَصِيرَ عَادَةً ، ( يَكْرَهُونَهُ ) : أَيِ التَّنْشِيفَ ، ( لِلْعَادَةِ ) : فَقَطْ ، وَلَيْسَ كَرَاهَةً فِي أَصْلِ الْفِعْلِ ، ( فَقَالَ ) : عَبْدُ اللَّهِ ( هَكَذَا هُوَ ) : أَيْ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ الَّذِي فِيهِ نَاوَلَتْهُ الْمِنْدِيلَ ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ هَكَذَا فِي حِفْظِي ، وليس في حفظي وَجْهُ رَدِّهِ ، وَلَا مُذَاكَرَةَ لِلْأَعْمَشِ مَعَ شَيْخِهِ إِبْرَاهِيمَ ، ( لَكِنْ وَجَدْتُهُ ) : أَيْ تَوْجِيهَ إِبْرَاهِيمَ وَمُذَاكَرَةَ الْأَعْمَشِ مَعَهُ ، ( فِي كِتَابِي هَكَذَا ) : وَيُحْتَمَلُ عَكْسُ ذَلِكَ ، أَيْ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ ، هَكَذَا فِي حِفْظِي مَعَ مُذَاكَرَةِ الْأَعْمَشِ مَعَ شَيْخِهِ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِنَّا نَحْفَظُهَا ، لَكِنْ وَجَدْتُ حَدِيثَ مَيْمُونَةَ فِي كِتَابِي هَكَذَا بِغَيْرِ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِمُذَاكَرَتِهِمَا . وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ مَتَّعَنَا اللَّهُ بِطُولِ بَقَائِهِ وَقْتَ الدَّرْسِ .

قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : قَالَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ : إِذَا وَجَدَ الْحَافِظُ الْحَدِيثَ فِي كِتَابِهِ خِلَافَ مَا يَحْفَظُهُ ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَهُ مِنْ كِتَابِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَى كِتَابِهِ ، وَإِنْ حَفِظَهُ مِنْ فَمِ الْمُحَدِّثِ ، أَوْ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمُحَدِّثِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِي حِفْظِهِ فَلْيَعْتَمِدْ عَلَى حِفْظِهِ ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ ، فَيَقُولُ : فِي حِفْظِي كَذَا ، وَفِي كِتَابِي كَذَا ، وَكَذَا فَعَلَ شُعْبَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث