بَاب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ
بَابٌ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، نَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، نَا أَبِي قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ ، فَأَشْفَقْتُ أنْ أغْتَسَلْ فأَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا عَمْرُو ، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا قَالَ أَبُو دَاوُدَ : عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ مِصْرِيٌّ مَوْلَى خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ، وَلَيْسَ هُوَ ابْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ . بَابُ إِذَا خَافَ الْجُنُبُ الْبَرْدَ أَيَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِغَيْرِ اغْتِسَالٍ أَمْ لَا . ( قَالَ : احْتَلَمْتُ ) : قَالَ السُّيُوطِيُّ : يُرَدُّ بِهَذَا عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ : إِذَا احْتَلَمَ الْمُرِيدُ أَدَّبَهُ الشَّيْخُ ، فَلَا أَحَدَ أَتْقَى وَأَصْلَحَ وَلَا أَوْرَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا لِسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا ، وَمَا عُصِمَ مِنَ الِاحْتِلَامِ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ( فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ ) : فِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ : السُّلَاسِلُ جَمْعُ سِلْسِلَةٍ : مَاءٌ بِأَرْضِ جُذَامٍ سُمِّيَتْ بِهِ غَزْوَةُ ذَاتِ السُّلَاسِلِ .
قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَهِيَ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَة ِ ( فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ ) : وَهُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ ( فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ شِدَّةِ الْبَرْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ : الْأَوَّلُ : التَّبَسُّمُ وَالِاسْتِبْشَارُ ، وَالثَّانِي : عَدَمُ الْإِنْكَارِ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ ، وَالتَّبَسُّمُ وَالِاسْتِبْشَارُ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ السُّكُوتِ عَلَى الْجَوَازِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ عَدَمَ إِمْكَانِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَعَدَمِ عَيْنِ الْمَاءِ وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخَافُ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مَاءٌ ، فَأَبْقَاهُ لِيَشْرَبَهُ وَلِيَتَيَمَّمَ بِهِ خَوْفَ التَّلَفِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ : لَا يَتَيَمَّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ مَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ أَوْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ مِثْلَ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا وَيَسْتُرَهُ وَكُلَّمَا غَسَلَ عُضْوًا سَتَرَهُ وَدَفَّاء مِنَ الْبَرْدِ - لَزِمَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ يَتَيَمَّمُ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ : يَغْتَسِلُ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَجْعَلَا لَهُ عُذْرًا ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَيَمَّمُوا ، أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ . انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : حَسَنٌ .