بَاب وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، نا شُعْبَةُ ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : أَبُو الْحَسَنِ هُوَ مُهَاجِرٌ قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرَ فَقَالَ : أَبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ : أَبْرِدْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ . ( أَبُو الْحَسَنِ هُوَ مُهَاجِرٌ ) مُهَاجِرٌ : اسْمٌ وَلَيْسَ بِوَصْفٍ ( فَقَالَ : أَبْرِدْ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَى الْإِبْرَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، انْكِسَارُ شِدَّةِ الظَّهِيرَةِ .
انْتَهَى . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : فَإِنْ قِيلَ الْإِبْرَادُ لِلصَّلَاةِ ، فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُؤَذِّنُ بِهِ لِلْأَذَانِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ هَلْ هُوَ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلصَّلَاةِ ، وَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، وَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لِلصَّلَاةِ . وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ عَادَتَهُمْ جَرَتْ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَخَلَّفُونَ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الْجَمَاعَةِ ، فَالْإِبْرَادُ بِالْأَذَانِ لِغَرَضِ الْإِبْرَادِ بِالْعِبَادَةِ ( أَوْ ثَلَاثًا ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هَذِهِ الْغَايَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ .
فَقَالَ : أَبْرِدْ ، أَيْ كَانَ يَقُولُ لَهُ فِي الزَّمَانِ الَّذِي قَبْلَ الرُّؤْيَةِ أَبْرِدْ أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَبْرِدَ ، أَيْ قَالَ لَهُ أَبْرِدْ إِلَى أَنْ تَرَى أَوْ مُتَعَلِّقَةٌ بمقدر أَيْ قَالَ لَهُ أَبْرِدْ فَأَبْرَدَ إِلَى أَنْ رَأَيْنَا ، وَالْفَيْءُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ هُوَ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنَ الظِّلِّ . وَالتُّلُولُ جَمْعُ تَلٍّ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ ، كُلُّ مَا اجْتَمَعَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ رَمْلٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَهِيَ فِي الْغَالِبِ مُنْبَطِحَةٌ غَيْرُ شَاخِصَةٍ ، فَلَا يَظْهَرُ لَهَا ظِلٌّ إِلَّا إِذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ وَقْتِ الظُّهْرِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي غَايَةِ الْإِبْرَادِ ، فَقِيلَ حَتَّى يَصِيرَ الظِّلُّ ذِرَاعًا بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ ، وَقِيلَ رُبُعُ قَامَةٍ ، وَقِيلَ ثُلُثُهَا ، وَقِيلَ نِصْفُهَا ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَنَزَّلَهَا الْمَازِرِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَمْتَدَّ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ) هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَفِي آخِرِهِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَيْحُ جَهَنَّمَ مَعْنَاهُ سُطُوعُ حَرِّهَا وَانْتِشَارُهُ ، وَأَصْلُهُ فِي كَلَامِهِمُ السَّعَةُ وَالِانْتِشَارُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْغَارَةِ فيحي فَيَاح ، وَمَكَانٌ أَفَيْحُ أَيْ وَاسِعٌ ، وَأَرْضٌ فَيْحَاءُ أَيْ وَاسِعَةٌ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ يُحْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدِهِمَا : أَنَّ شِدَّةَ حَرِّ الصَّيْفِ مِنْ وَهَجِ حَرِّ جَهَنَّمَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لِجَهَنَّمَ فِي نَفَسَيْنِ ، نَفَسٌ فِي الصَّيْفِ وَنَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ فَهُوَ مِنْهَا . وَالْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ وَالتَّقْرِيبِ ، أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ أَيْ كَأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فَاحْذَرُوهَا وَاجْتَنِبُوا ضَرَرَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي .