بَاب فِي بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَهُوَ أَتَمُّ قَالَا : ثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثنا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، قال : نا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ . أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وعمده قَالَ مُجَاهِدٌ : عُمُدُهُ مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا ، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ وقَالَ مُجَاهِدٌ : عُمُدَهُ خَشَبًا وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً ، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ قَالَ مُجَاهِدٌ : وَسَقَّفَهُ السَّاجَ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْقَصَّةُ الْجِصُّ . ( كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ؛ أَيْ فِي زَمَانِهِ وَأَيَّامِهِ ( مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَيُقَالُ : اللَّبِنَةُ ؛ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَهِيَ مَا يُعْمَلُ مِنَ الطِّينِ ؛ يَعْنِي الطُّوبَ وَالْآجُرَّ النِّيءَ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ .
( الْجَرِيدِ ) ؛ أَيْ جَرِيدِ النَّخْلِ ، وَهُوَ الَّذِي يُجَرَّدُ عَنْهُ الْخُوصُ أَيِ الْوَرَقِ ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ شاخ درخت خرما برك دور كرده . ( وَعَمَدُهُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ ( قَالَ مُجَاهِدٌ : عُمُدُهُ ) ؛ أَيْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ ، وَكِلَاهُمَا جَمْعُ الْكَثْرَةِ لِعَمُودِ الْبَيْتِ ، وَجَمْعُ الْقِلَّةِ أَعْمِدَةٌ ، وَالْعَمُودُ مَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ ستون . ( مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ ) قَالَ الْحَافِظُ : هِيَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالشِّينِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّهُمَا ، انْتَهَى .
فَقَوْلُهُ : ( عُمُدُهُ ) مُبْتَدَأٌ ، وَ( مِنْ خَشَبِ النَّخْلِ ) خَبَرُهُ . ( فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا ) يَعْنِي لَمْ يُغَيِّرْ فِيهِ شَيْئًا بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ( وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ ) يَعْنِي زَادَ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَلَمْ يُغَيِّرْ فِي بِنَائِهِ ، بَلْ بَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ يَعْنِي بِآلَاتِهِ الَّتِي بَنَاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِمَّا صِفَةٌ لِلْبِنَاءِ أَوْ حَالٌ ، ( وَأَعَادَ عُمُدَهُ ) قَالَ الْعَيْنِيُّ : وَإِنَّمَا غَيَّرَ عُمُدَهُ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ .
قَالَ السُّهَيْلِيُّ : نَخَرَتْ عُمُدُهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَجَدَّدَهَا ( وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ ) ؛ أَيْ مِنَ الْوَجْهَيْنِ التَّوْسِيعِ وَتَغْيِيرِ الْآلَاتِ ( بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ ) ؛ أَيْ بَدَّلَ اللَّبِنَ ( وَالْقَصَّةِ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ الْجِصُّ بِلُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تُشْبِهُ الْجِصَّ وَلَيْسَتْ بِهِ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . وَقَالَ الْعَيْنِيُّ : الْجَصُّ لُغَةٌ فَارِسِيَّةٌ مَعَرَّبَةٌ ، وَأَصْلُهَا كج ، وَفِيهِ لُغَتَانِ : فَتْحُ الْجِيمِ وَكَسْرُهَا .
( وَسَقْفُهُ بِالسَّاجِ ) هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ بِلَفْظِ الِاسْمِ عَطْفًا عَلَى عُمُدِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَالسَّاجُ نَوْعٌ مِنَ الْخَشَبِ مَعْرُوفٌ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْهِنْدِ . ( وَسَقَّفَهُ السَّاجَ ) هُوَ بِلَفْظِ الْمَاضِي مِنَ التَّسْقِيفِ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ عَطْفًا عَلَى جُعْلَ . قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِي بُنْيَانِ الْمَسْجِدِ الْقَصْدُ وَتَرْكُ الْغُلُوِّ فِي تَحْسِينِهِ ، فَقَدْ كَانَ عُمَرُ مَعَ كَثْرَةِ الْفُتُوحِ فِي أَيَّامِهِ وَسَعَةِ الْمَالِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَسْجِدَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِهِ لِأَنَّ جَرِيدَ النَّخْلِ كَانَ قَدْ نَخَرَ فِي أَيَّامِهِ ، ثُمَّ كَانَ عُثْمَانُ وَالْمَالُ فِي زَمَانِهِ أَكْثَرُ فَحَسَّنَهُ بِمَا لَا يَقْتَضِي الزَّخْرَفَةَ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ .
وَأَوَّلُ مَنْ زُخْرُفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ ، وَسَكَتَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْفِتْنَةِ .