بَاب اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ
بَابُ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، ثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ سُفْيَانَ ، ثنا يَحْيَى ، يَعْنِي ابْنَ حَسَّانَ ، ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى ، ثنا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَمُرَةَ ، ثَنِي خُبَيْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمُرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ سَمُرَةَ قال : إنَّهُ كَتَبَ إِلَى بْنِيهِ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْمَسَاجِدِ أَنْ نَصْنَعَهَا فِي دِورِنَا ، وَنُصْلِحَ صَنْعَتَهَا وَنُطَهِّرَهَا . بَابُ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ ( بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ ) قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : يُرِيدُ بِهَا الْمَحَالَّ الَّتِي فِيهَا الدُّورُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَحَلَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا قَبِيلَةٌ دَارًا ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : مَا بَقِيَتْ دَارٌ إِلَّا بُنِيَ فِيهَا مَسْجِدٌ .
قَالَ سُفْيَانُ : بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ يَعْنِي الْقَبَائِلَ - أَيْ مِنَ الْعَرَبِ - يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، وَهُمْ بَنُو أَبٍ وَاحِدٍ يُبْنَى لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مَسْجِدٌ . هَذَا ظَاهِرُ مَعْنَى تَفْسِيرِ سُفْيَانَ الدُّورَ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْأَصْلُ فِي إِطْلَاقِ الدُّورِ عَلَى الْمَوَاضِعِ ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْقَبَائِلِ مَجَازًا ؛ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ . وَقَالَ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاةِ : الدُّورُ جَمْعُ دَارٍ ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ وَالْمَحَلَّةِ وَالْمُرَادُ الْمَحَلَّاتُ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَحَلَّةَ الَّتِي اجْتَمَعَتْ فِيهَا قَبِيلَةٌ دَارًا أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى اتِّخَاذِ بَيْتٍ فِي الدَّارِ لِلصَّلَاةِ كَالْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ أَهْلُ الْبَيْتِ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْلُولُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ .
وَحِكْمَةُ أَمْرِهِ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةٍ بِبِنَاءِ مَسْجِدٍ فِيهَا أَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَشُقُّ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّةٍ الذَّهَابُ لِلْأُخْرَى ، فَيُحْرَمُونَ أَجْرَ الْمَسْجِدِ وَفَضْلَ إِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ فَأُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَتَيَسَّرٍ لِأَهْلِ كُلِّ مَحَلَّةِ الْعِبَادَةِ فِي مَسْجِدِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمْ . ( وَأَنْ تُنَظَّفَ ) مَعْنَاهُ تُطَهَّرُ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالْمُرَادُ تَنْظِيفُهَا مِنَ الْوَسَخِ وَالدَّنَسِ وَبِإِزَالَةِ النَّتْنِ وَالْعَذِرَاتِ وَالتُّرَابِ ( وَتُطَيَّبَ ) بِالرَّشِّ أَوِ الْعِطْرِ . قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : بِطِيبِ الرِّجَالِ وَهُوَ مَا خَفِيَ لَوْنُهُ وَظَهَرَ رِيحُهُ ، فَإِنَّ اللَّوْنَ رُبَّمَا شَغَلَ بَصَرَ الْمُصَلِّي .
وَالْأَوْلَى فِي تَطْيِيبِ الْمَسْجِدِ مَوَاضِعِ الْمُصَلِّينَ وَمَوَاضِعُ سُجُودِهِمْ أَوْلَى ، وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ التَّطْيِيبُ عَلَى التَّجْمِيرِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْبَخُورِ ، انْتَهَى . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِلْوُجُوبِ ، قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا وَقَالَ : هَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ .