بَاب كَنْسِ الْمَسْجِدِ
بَابٌ كَنْسِ الْمَسْجِدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْخَزَّازُ ، ثنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا . بَابُ كَنْسِ الْمَسْجِدِ ( عُرِضَتْ عَلِيَّ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ ( أُجُورَ أُمَّتِي ) ؛ أَيْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ ( حَتَّى الْقَذَاةُ ) بِالرَّفْعِ أَوِ الْجَرِّ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْقَذَاةُ هِيَ مَا يَقَعُ فِي الْعَيْنِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ تِبْنٍ أَوْ وَسَخٍ ، وَلَا بُدَّ فِي الْكَلَامِ مِنْ تَقْدِيرِ مُضَافٍ ؛ أَيْ أُجُورَ أَعْمَالِ أُمَّتِي وَأَجْرُ الْقَذَاةِ أَيْ أَجْرُ إِخْرَاجِ الْقَذَاةِ ، إِمَّا بِالْجَرِّ وَحَتَّى بِمَعْنَى إِلَى ، وَالتَّقْدِيرُ : إِلَى إِخْرَاجِ الْقَذَاةِ ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ ( يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ ) جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِلْبَيَانِ .
وَإِمَّا بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى أُجُورٍ ، فَالْقَذَاةُ مُبْتَدَأٌ وَيُخْرِجُهَا خَبَرُهُ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِي . ( أَعْظَمُ مِنْ سُورَةٍ ) مِنْ ذَنْبِ نِسْيَانِ سُورَةٍ كَائِنَةٍ ( مِنَ الْقُرْآنِ ) فَإِنْ قُلْتَ : هَذَا مُنَافٍ لِمَا مَرَّ فِي بَابِ الْكَبَائِرِ ، قُلْتُ : إِنْ سَلِمَ أَنَّ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مُتَرَادِفَانِ فَالْوَعِيدُ عَلَى النِّسْيَانِ لِأَجْلِ أَنَّ مَدَارَ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْقُرْآنِ ، فَنِسْيَانُهُ كَالسَّعْيِ فِي الْإِخْلَالِ بِهَا . فَإِنْ قُلْتَ : النِّسْيَانُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ ! قُلْتُ : الْمُرَادُ تَرْكُهَا عَمْدًا إِلَى أَنْ يُفْضِيَ إِلَى النِّسْيَانِ .
وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَعْظَمُ مِنَ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَنِ اسْتِخْفَافٍ وَقِلَّةِ تَعْظِيمٍ ، كَذَا فِي الْأَزْهَارِ شَرْحِ الْمَصَابِيحِ . ( أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا ) ؛ أَيْ تَعَلَّمَهَا ، وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ . ( ثُمَّ نَسِيَهَا ) قَالَ الطِّيبِيُّ : شَطْرُ الْحَدِيثِ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى يَعْنِي عَلَى قَوْلٍ فِي الْآيَةِ ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهَا فِي الْمُشْرِكِ ، وَالنِّسْيَانُ بِمَعْنَى تَرْكِ الْإِيمَانِ .
وَإِنَّمَا قَالَ أُوتِيَهَا دُونَ حَفِظَهَا إِشْعَارًا بِأَنَّهَا كَانَتْ نِعْمَةً جَسِيمَةً أَوْلَاهَا اللَّهُ لِيَشْكُرَهَا ، فَلَمَّا نَسِيَهَا فَقَدْ كَفَرَ تِلْكَ النِّعْمَةَ ، فَبِالنَّظَرِ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى كَانَ أَعْظَمَ جُرْمًا وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِنَ الْكَبَائِرِ ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ الْقَارِي . وَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ : فِيهِ تَرْغِيبٌ فِي تَنْظِيفِ الْمَسَاجِدِ مِمَّا يَحْصُلُ فِيهَا مِنَ الْقُمَامَاتِ الْقَلِيلَةِ أَنَّهَا تُكْتَبُ فِي أُجُورِهِمْ وَتُعْرَضُ عَلَى نَبِيِّهِمْ ، وَإِذَا كُتِبَ هَذَا الْقَلِيلُ وَعُرِضَ فَيُكْتَبُ الْكَبِيرُ وَيُعْرَضُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
قَالَ : وَذَاكَرْتُ بِهِ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي الْبُخَارِيَّ - فَلَمْ يَعْرِفْهُ ، وَاسْتَغْرَبَهُ . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَا أَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمَاعًا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَوْلَهُ : خطبه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ - وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - يَقُولُ : لَا نَعْرِفُ لِلْمُطَّلِبِ سَمَاعًا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَأَنْكَرَ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمُطَّلِبُ سَمِعَ مِنْ أنَسٍ ، وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيُّ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ . بَابُ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ عَنْ الرِّجَالِ