بَاب الْمُؤَذِّنِ يَسْتَدِيرُ فِي أَذَانِهِ
بَابٌ الْمُؤَذِّنِ يَسْتَدِيرُ فِي أَذَانِهِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا قَيْسٌ ، يَعْنِي ابْنَ الرَّبِيعِ ( ح ) وَثنا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيُّ ، ثنا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ جَمِيعًا عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ ، فَكُنْتُ أَتَتَبَّعُ فَمَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا . قَالَ : ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ بُرُودٌ يَمَانِيَةٌ قِطْرِيٌّ . وَقَالَ مُوسَى : قَالَ : رَأَيْتُ بِلَالًا خَرَجَ إِلَى الْأَبْطَحِ فَأَذَّنَ ، فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ ، ثُمَّ دَخَلَ فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ .
وَسَاقَ حَدِيثَهُ . بَابُ الْمُؤَذِّنِ يَسْتَدِيرُ فِي أَذَانِهِ ( قَالَ ) : أَيْ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ، وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ بِضَمِّ السِّينِ وَالْمَدِّ . قَالَهُ الْعَيْنِيُّ ( وَهُوَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( فِي قُبَّةٍ ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ : الْقُبَّةُ مِنَ الْبُنْيَانِ مَعْرُوفٌ ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْبَيْتِ الْمُدَوَّرِ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ التُّرْكُمَانِ وَالْجَمْعُ قِبَابٌ ( مِنْ أَدَمٍ ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ أَدِيمٍ أَيْ جِلْدٍ ، ( فَكُنْتُ أَتَتَبَّعُ فَمَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ) فَمَهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَهَاهُنَا وَهَاهُنَا ظَرْفَا مَكَانٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا جِهَتَا الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَا أَنْظُرُ إِلَى فَمِ بِلَالٍ مُتَتَبِّعًا ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَيَدُورُ وَيَتْبَعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا الْحَدِيثَ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَالْحَاصِلُ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَتَتَبَّعُ بِفِيهِ النَّاحِيَتَيْنِ ، وَكَانَ أَبُو جُحَيْفَةَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَتَبَّعٌ بِاعْتِبَارٍ . انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ : فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا يَمِينًا وَشِمَالًا يَقُولُ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ الْحَدِيثُ ، قُلْتُ : قَوْلُهُ : كُنْتُ أَتَتَبَّعُ فَمَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا هُوَ مَحَلُّ التَّرْجَمَةِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ بِالْبَابِ ، وَهُوَ اسْتِدَارَةُ الْمُؤَذِّنِ فِي الْأَذَانِ كَمَا عَرَفْتُ مِنْ قَوْلِ الْحَافِظِ ( قَالَ ) أَبُو جُحَيْفَةَ : ( وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ) هِيَ بِضَمِّ الْحَاءِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْحُلَّةُ وَاحِدَةُ الْحُلَلِ وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا تُسَمَّى حُلَّةٌ ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ( حَمْرَاءُ ) ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ بُرْدَانِ يَمَانِيَانِ مَنْسُوجَانِ بِخُطُوطٍ حُمْرٍ مَعَ الْأَسْوَدِ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءُ بَحْتًا قَالَ : وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ . انْتَهَى . وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ قَدْ وَصَفَهَا بِأَنَّهَا حَمْرَاءُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ .
وَالْجَوَابُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الْحَمْرَاءُ الْبَحْتُ وَالْمَصِيرُ إِلَى الْمَجَازِ أَعْنِي كَوْنَ بَعْضِهَا أَحْمَرَ دُونَ بَعْضٍ ، لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ الْوَصْفُ عَلَيْهِ إِلَّا لِمُوجِبٍ ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ ذَلِكَ مَعْنَى الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ لُغَةً فَلَيْسَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِيهَا ، فَالْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى ، وَالْوَاجِبُ حَمْلُ مَقَالَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ ؛ لِأَنَّهَا لِسَانُهُ وَلِسَانُ قَوْمِهِ . وَفِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ سَبْعَةَ مَذَاهِبٍ : الْأَوَّلُ : الْجَوَازُ مُطْلَقًا ، جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْبَرَاءُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي قِلَابَةَ طَائِفَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ . الثَّانِي : الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَلَمْ يَنْسُبْهُ الْحَافِظُ إِلَى قَائِلٍ مُعَيَّنٍ ، إِنَّمَا ذَكَرَ أَخْبَارًا وَآثَارًا يُعْرَفُ بِهَا مَنْ قَالَ بِذَلِكَ .
الثَّالِثُ : يُكْرَهُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْمُشْبَعِ بِالْحُمْرَةِ دُونَ مَا كَانَ صَبْغُهُ خَفِيفًا ، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ . الرَّابِعُ : يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ مُطْلَقًا لِقَصْدِ الزِّينَةِ وَالشُّهْرَةِ ، وَيَجُوزُ فِي الْبُيُوتِ وَالْمِهْنَةِ ، جَاءَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . الْخَامِسُ : يَجُوزُ لُبْسُ مَا كَانَ صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ ، وَيُمْنَعُ مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ ، جَنَحَ إِلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ .
السَّادِسُ : اخْتِصَاصُ النَّهْيِ بِمَا يُصْبَغُ بِالْعُصْفُرِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى أَحَدٍ . السَّابِعُ : تَخْصِيصُ الْمَنْعِ بِالثَّوْبِ الَّذِي يُصْبَغُ كُلُّهُ ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَوْنٌ آخَرُ غَيْرُ أَحْمَرَ فَلَا . انْتَهَى مُخْتَصَرًا .
( يَمَانِيَّةٌ قِطْرِيٌّ ) بِكَسْرِ قَافٍ وَسُكُونِ طَاءٍ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةِ قَطَرٍ بِفَتْحَتَيْنِ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ ، وَالْكَسْرُ وَالتَّخْفِيفُ لِلنِّسْبَةِ ، فَلَعَلَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ كَثَوْبٍ قِطْرِيٍّ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَكُونُ يَمَانِيًّا وَقِطْرِيًّا ، وَبِهِ يَتَّضِحُ وَجْهُ التَّذْكِيرِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . قَالَهُ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ . قَالَ الْعَيْنِيُّ : قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ بُرُودٌ يَمَانِيَّةٌ قِطْرِيٌّ ، فَقَوْلُهُ بُرُودٌ جَمْعُ بُرْدٍ مَرْفُوعٌ ؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْحُلَّةِ ، وَقَوْلُهُ يَمَانِيَّةٌ صِفَةٌ لِلْبُرُودِ ؛ أَيْ مَنْسُوبَةٌ إِلَى الْيَمَنِ ، وَقَوْلُهُ قِطْرِيٌّ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الطَّاءِ ، وَالْأَصْلُ قَطَرِيٌّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ ؛ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ إِلَى قَطَرٍ بَلَدٌ بَيْنَ عُمَانَ وَسِيفِ الْبَحْرِ ، فَفِي النِّسْبَةِ خَفَّفُوهَا وَكَسَرُوا الْقَافَ وَسَكَّنُوا الطَّاءَ ، وَيُقَالُ : الْقِطْرِيُّ ضَرْبٌ مِنَ الْبُرُودِ فِيهَا حُمْرَةٌ ، وَيُقَالُ : ثِيَابٌ حُمْرٌ لَهَا أَعْلَامٌ فِيهَا بَعْضُ الْخُشُونَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُقَلْ : قِطْرِيَّةٌ مَعَ أَنَّ التَّطَابُقَ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ شَرْطٌ ؛ لِأَنَّهُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ صَارَ كَالِاسْمِ لِذَلِكَ النَّوْعِ مِنَ الْحُلَلِ ، وَوَصَفَ الْحُلَّةَ بِثَلَاثِ صِفَاتٍ : الْأُولَى صِفَةُ الذَّاتِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ حَمْرَاءُ ، وَالثَّانِيَةُ : صِفَةُ الْجِنْسِ وَهِيَ قَوْلُهُ بُرُودٌ ، بَيَّنَ بِهِ أَنَّ جِنْسَ هَذِهِ الْحُلَّةِ الْحَمْرَاءِ مِنَ الْبُرُودِ الْيَمَانِيَّةِ ، وَالثَّالِثَةُ : صِفَةُ النَّوْعِ وَهِيَ قَوْلُهُ قِطْرِيٌّ ؛ لِأَنَّ الْبُرُودَ الْيَمَانِيَّةَ أَنْوَاعٌ ، نَوْعٌ مِنْهَا قِطْرِيٌّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ قِطْرِيٌّ انْتَهَى .
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي أَعْرَاض الْبَحْرَيْنِ : قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا قَطَرٌ وَأَحْسَبُ الثِّيَابَ الْقِطْرِيَّةَ نُسِبَتْ إِلَيْهَا ، فَكَسَرُوا الْقَافَ لِلنِّسْبَةِ وَخَفَّفُوا . ( وَقَالَ مُوسَى ) بْنُ إِسْمَاعِيلَ شَيْخُ الْمُؤَلِّفِ ( قَالَ ) ؛ أَيْ أَبُو جُحَيْفَةَ ( إِلَى الْأَبْطَحِ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : هُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ خَارِجُ مَكَّةَ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ : الْأَبْطَحُ بِفَتْحِ هَمْزَةِ مَحَلٍّ أَعْلَى مِنَ الْمُعَلَّى إِلَى جِهَةِ مِنًى وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ ، فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَا وَالْبَطِيحَةُ وَالْبَطْحَاءُ مِثْلُهُ صَارَ عَلَمًا لِلْمَسِيلِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّيْلُ مِنْ وَادِي مِنًى ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسَمَّى مُحَصَّبًا أَيْضًا ( لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا ) ؛ أَيْ عَطَفَ بِلَالٌ عُنُقَهُ .
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : وَهَذَا فِيهِ تَقْيِيدٌ لِلِالْتِفَاتِ فِي الْأَذَانِ ، وَأَنَّ مَحَلَّهُ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ انْحِرَافُ الْمُؤَذِّنِ عِنْدَ قَوْلِهِ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ بِفَمِهِ لَا بِبَدَنِهِ كُلِّهِ . قَالَ : وَإِنَّها يُمْكِنُ الِانْحِرَافُ بِالْفَمِ بِانْحِرَافِ الْوَجْهِ ( وَلَمْ يَسْتَدِرْ ) بِلَالٌ فِي الْأَذَانِ . فِيهِ تَصْرِيحٌ بِعَدَمِ الِاسْتِدَارَةِ فِي الْأَذَانِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الِاسْتِدَارَةِ فَفِي بَعْضُهَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِيرُ ، وَفِي بَعْضِهَا وَلَمْ يَسْتَدِرْ ، لَكِنْ تُرْوَى الِاسْتِدَارَةُ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجٍ وَإِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ وَمُحَمَّدٍ الْعَرْزَمِيِّ عَنْ عَوْنٍ ، وَهُمْ ضُعَفَاءُ وَقَدْ خَالَفَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَمْثَلُ وَهُوَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، فَرَوَاهُ عَنْ عَوْنٍ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : وَلَمْ يَسْتَدِرْ كَمَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَنْ أَثْبُتَ الِاسْتِدَارَةَ عَنَى اسْتِدَارَةَ الرَّأْسِ ، وَمَنْ نَفَاهُ عَنَى اسْتِدَارَةَ الْجَسَدِ كُلِّهِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : ( ثُمَّ دَخَلَ ) بِلَالٌ فِي مَنْزِلِهِ ( فَأَخْرَجَ الْعَنَزَةَ ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : الْعَنَزَةُ بِفَتْحِ النُّونِ عَصًا أَقْصَرُ مِنَ الرُّمْحِ لَهَا سِنَانٌ ، وَقِيلَ : هِيَ الْحَرْبَةُ الْقَصِيرَةُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْعَنَزلةُ عَصًا عَلَيْهَا زُجٌّ بِزَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ سِنَانٌ ، وَفِي الطَّبَقَاتِ لِابْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ( وَسَاقَ ) ؛ أَيْ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ( حَدِيثَهُ ) ؛ أَيْ بَاقِي حَدِيثِهِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ الْحَدِيثُ .
وَأَوْرَدَ الْمُؤَلِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادَيْنِ الْأَوَّلُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، وَالثَّانِي : مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيِّ فَسَاقَ أَوَّلًا لَفْظَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِلَفْظِ مُسَدَّدٍ ، وَأَمَّا وَضْعُ الْإِصْبَعَيْنِ فِي الْأُذُنَيْنِ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ مُؤَمَّلٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ أَصَحِّهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْهَوْزَنِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ : قُلْتُ لِبِلَالٍ : كَيْفَ كَانَتْ نَفَقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ قَالَ بِلَالٌ : فَجَعَلْتُ إِصْبِعَيَّ فِي أُذُنَيَّ فَأَذَّنْتُ ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي أَذَانِ بِلَالٍ وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ ، وَلِابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ الْقَرَظِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي ذَلِكَ فَائِدَتَانِ ؛ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَرْفَعَ لِصَوْتِهِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخُ . ثَانِيهِمَا : أَنَّهُ عَلَامَةٌ لِلْمُؤَذِّنِ لِيَعْرِفَ مَنْ رَآهُ عَلَى بُعْدٍ ، أَوْ كَانَ بِهِ صَمَمٌ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يُدْخِلَ الْمُؤَذِّنُ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ فِي الْأَذَانِ . قَالَ : وَاسْتَحَبَّ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْإِقَامَةِ أَيْضًا . انْتَهَى .
وَلَمْ يَرِدْ تَعْيِينُ الْأُصْبُعِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ وَضْعِهَا ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا الْمُسَبِّحَةُ . انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُلَخَّصًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .