بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، ثنا حَمَّادٌ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّينَا فِي الصُّفُوفِ ، كَمَا يُقَوَّمُ الْقِدْحُ ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَخَذْنَا ذَلِكَ عَنْهُ وَفَقِهْنَا ، أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ بِوَجْهِهِ إِذَا رَجُلٌ مُنْتَبِذٌ بِصَدْرِهِ ، فَقَالَ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ . ( كَمَا يُقَوِّمُ الْقِدْحَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ هُوَ خَشَبُ السَّهْمِ حِينَ يُنْحَتُ وَيُبْرَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْقِدْحُ خَشَبُ السَّهْمِ إِذَا بُرِيَ وَأُصْلِحَ قَبْلَ أَنْ يُرَكَّبَ فِيه النَّصْلَ والرِّيشُ .
انْتَهَى . مَعْنَاهُ يُبَالِغُ فِي تَسْوِيَتِهَا حَتَّى تَصِيرَ كَأَنَّمَا يُقَوَّمُ بِهَا السِّهَامُ لِشِدَّةِ اسْتِوَائِهَا وَاعْتِدَالِهَا ( وَفَقِهْنَا ) . أَيْ فَهِمْنَا التَّسْوِيَةَ ( إِذَا رَجُلٌ مُنْتَبِذٌ بِصَدْرِهِ ) أَيْ مُنْفَرِدٌ بِتَقَدُّمِ صَدْرِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرَهُ مِنَ الصَّفِّ أَيْ ظَاهِرًا خَارِجًا مِنْ صُدُورِ أَهْلِ الصَّفِّ ( لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ ) بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ .
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هَذِهِ اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ ، وَالْقَسَمُ هَاهُنَا مُقَدَّرٌ وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ أَوْ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي الصَّفِّ ( أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ) اخْتُلِفَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ فَقِيلَ هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَالْمُرَادُ تَشْوِيهِ الْوَجْهِ بِتَحْوِيلِ خَلْقِهِ عَنْ وَضْعِهِ بِجَعْلِهِ مَوْضِعَ الْقَفَا ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَعِيدِ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ، وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَدِيثُ أُمَامَةَ ( لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ أَوْ لَنَطْمِسَ الْوُجُوهَ ) : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ : قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْفَصْلَ الْأَخِيرَ مِنْهُ .