بَاب افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ( ح ) وَثنا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى وَهَذَا حَدِيثُ أَحْمَدَ قَالَ : أَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ، يَعْنِي : ابْنَ جَعْفَرٍ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : فَلِمَ ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبَعًا ، وَلَا أَقْدَمِنَا لَهُ صُحْبَةً ، قَالَ : بَلَى . قَالُوا فَأعْرِضْ . قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ كَبِّرُ حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا ، ثُمَّ يَقْرَأُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يَصُبُّ رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ، وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا ، وَيَفْتَخ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ ، ثم يَسْجُدُ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ حَتَّى إِذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ، قَالُوا : صَدَقْتَ هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
( فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ فِي مَحْضَرِ عَشَرَةٍ يَعْنِي بَيْنَ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَحَضْرَتِهِمْ ، ( أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِيهِ مَدْحُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ لِمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ ؛ لِيَكُونَ كَلَامُهُ أَوْقَعَ وَأَثْبَتَ عِنْدَ السَّامِعِ ، كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ مَدْحُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَافْتِخَارُهُ فِي الْجِهَادِ لِيُوقِعَ الرَّهْبَةَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ ( مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبَعَةً ) أَيِ اقْتِدَاءً لِآثَارِهِ وَسُنَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالُوا فَاعْرِضْ ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ إِذَا كُنْتَ أَعْلَمُ فَاعْرِضْ . فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ : عَرَضْتُ عَلَيْهِ أَمْرَ كَذَا أَوْ عَرَضْتُ لَهُ الشَّيْءَ أَظْهَرْتُهُ وَأَبْرَزْتُهُ إِلَيْهِ اعْرِضْ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ ، أَيْ بَيِّنْ عِلْمَكَ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا تَدَّعِيهِ لِنُوَافِقُكَ إِنْ حَفِظْنَاهُ وَإِلَّا اسْتَفَدْنَاهُ ، ( حَتَّى يَقَرَّ ) أَيْ يَسْتَقِرَّ ( وَيَضَعَ رَاحَتَيْهِ ) أَيْ كَفَّيْهِ ( ثُمَّ يَعْتَدِلَ ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ بِأَنْ يُسَوِّيَ رَأْسَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى يَصِيرَا كَالصَّفْحَةِ ، وَتَفْسِيرُهُ قَوْلَهُ ( فَلَا يَصُبُّ رَأْسَهُ ) مِنَ الصَّبِّ أَيْ لَا يُمِيلُهُ إِلَى أَسْفَلَ ، وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيُّ : لَا يَنْصِبُ حَيْثُ قَالَ قَوْلَهُ : لَا يَنْصِبُ رَأْسَهُ هَكَذَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَنَصْبُ الرَّأْسِ مَعْرُوفٌ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، سَمِعَهُ مِنْ عَبَّاسٍ هُوَ ابْنُ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ فِيهِ : لَا يُصَبِّي رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُهُ ، يُقَالُ صَبَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ يُصَبِّيهُ إِذَا خَفَضَهُ جِدًّا ، وَقَدْ فَسَّرْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ : وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُصَبِّي رَأْسَهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا يُقْنِعُهُ أَيْ لَا يَخْفِضُهُ كَثِيرًا ، وَلَا يُمِيلُهُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ صَبَا إِلَيْهِ يَصْبُو إِذَا مَالَ ، وَصَبَّى رَأْسَهُ تَصْبِيَةً شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ ، وَقِيلَ هُوَ مَهْمُوزٌ مِنْ صَبَأَ إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ ، وَيُرْوَى لَا يَصْبُ انْتَهَى .
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي النِّهَايَةِ وَشَدَّدَهُ لِلتَّكْثِيرِ . قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلتَّعْدِيَةِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الصَّوَابُ يُصَوِّبُ .
قُلْتُ إِذَا صَحَّ صَبَّى لُغَةٌ وَرِوَايَةٌ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَالصَّوَابُ . انْتَهَى ( وَلَا يُقْنِعُ ) مِنْ أَقْنَعَ رَأْسَهُ إِذَا رَفَعَ أَيْ لَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مِنْ ظَهْرِهِ ( ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ ) أَيْ إِلَى الْقَامَةِ بِالِاعْتِدَالِ ( مُعْتَدِلًا ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَرْفَعُ ( ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ ) أَيْ يَنْزِلُ ، وَالْهُوِيُّ السُّقُوطُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ ( فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ) أَيْ يُبَاعِدُ ( وَيَثْنِي ) بِفَتْحِ الْيَاءِ الْأُولَى أَيْ يَعْطِفُ ( وَيَفْتَخُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ المفتوحة ، أَيْ يَثْنِيهَا وَيُلِينُهَا فَيُوَجِّهُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ . وَفِي النِّهَايَةِ : أَيْ يُلِينُهَا فَيَنْصِبُهَا وَيُغْمِضُ مَوْضِعَ الْمَفَاصِلِ وَيَثْنِيهَا إِلَى بَاطِنِ الرِّجْلِ ( ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ .
وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا تَشَهُّدَ فِيهَا ، وَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ مَبْسُوطًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَعَدَ قَعْدَةً بَعْدَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِيَامِ ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا يَقْعُدْهَا ، وَرَوَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَضُونَ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ ( أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ) أَيْ أَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ مَقْعَدَتِهِ إِلَى الْأَيْمَنِ ( وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقّهِ الْأَيْسَرِ ) أَيْ مُفْضِيًا بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ غَيْرَ قَاعِدٍ عَلَى رِجْلَيْهِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّي أَرْبَعًا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهُ الْيُسْرَى ، وَيَقْعُدُ فِي الرَّابِعَةِ مُتَوَرِّكًا وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى وَرِكِهِ وَيُفْضِي بِهِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَلَا يَقْعُدُ عَلَى رِجْلِهِ كَمَا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ .
وَكَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى الْقُعُودِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ سَوَاءٌ ، بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ وَرِكُهُ عَلَى وَرِكِهِ ، وَلَا يَقْعُدُ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى ، وَكَذَلِكَ يَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ . وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَرَى الْقُعُودَ عَلَى قَدَمِهِ فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ( قَالُوا ) أَيِ الْعَشَرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا .