بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الظُّهْرِ
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، نا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، ( ح ) وَثنا ابْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ الْحَجَّاجِ ، وَهَذَا لَفْظُهُ عَنْ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى ، وَأَبِي سَلَمَةَ : ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يُصَلِّي بِنَا ، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا ، وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنْ الظُّهْرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ ، وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَذْكُرْ مُسَدَّدٌ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً .
( وَهَذَا لَفْظُهُ ) أَيْ لَفْظُ ابْنِ الْمُثَنَّى ( عَنْ يَحْيَى ) أَيْ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ ( قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى : وَأَبِي سَلَمَةَ ) أَيْ قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ . وَأَمَّا مُسَدَّدٌ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ فَقَطْ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا سَلَمَةَ ( ثُمَّ اتَّفَقَا ) أَيْ مُسَدَّدٌ وَابْنُ الْمُثَنَّى ( فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ) بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ الْأُولَى ( وَسُورَتَيْنِ ) أَيْ : فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سُورَةٌ ( وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا ) وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الظُّهْرَ فَنَسْمَعُ الْآيَةَ بَعْدَ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ لُقْمَانَ وَالذَّارِيَاتِ قَالَ الْحَافِظُ : وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ فِي السِّرِّيَّةِ وَأَنَّهُ لَا سُجُودَ سَهْوٍ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، سَوَاءٌ قُلْنَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَمْدًا لْبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ لِلِاسْتِغْرَاقِ فِي التَّدَبُّرِ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى زَعم أَنَّ الْإِسْرَارَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ . وَقَوْلُهُ أَحْيَانًا يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُ ، انْتَهَى .
قُلْتُ : الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسِرُّ فِي السِّرِّيَّةِ وَيُسْمِعُ بَعْضَ الْآيَاتِ أَحْيَانًا فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْجَهْرِ مُطْلَقًا فِي السِّرِّيَّةِ بَعِيدٌ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( وَكَانَ يُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى مِنَ الظُّهْرِ ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : كَأنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأُولَى يَكُونُ أَكْثَرَ فَنَاسَبَ التَّخْفِيفُ فِي الثَّانِيَةِ حَذَرًا مِنَ الْمَلَلِ انْتَهَى .
وَيَأْتِي فِي الْبَابِ حِكْمَةٌ أُخْرَى لِتَطْوِيلِ الْأُولَى . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَعْدٍ الْآتِي حَيْثُ قَالَ : أَمَدَّ فِي الْأُولَيَيْنِ - أَنَّ الْمُرَادَ تَطْوِيلُهُمَا عَلَى الْأُخْرَيَيْنِ لَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهمَا فِي الطُّولِ . وَقَالَ مَنِ اسْتَحَبَّ اسْتِوَاءَهُمَا إِنَّمَا طَالَتِ الْأُولَى بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَهُمَا سَوَاءٌ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً الْحَدِيثَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ أَنَّ الَّذِينَ حَزَرُوا ذَلِكَ كَانُوا ثَلَاثِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ الْأُولَى إِنَّمَا طَالَتْ عَلَى الثَّانِيَةِ بِالزِّيَادَةِ فِي التَّرْتِيلِ فِيهَا مَعَ اسْتِوَاءِ الْمَقْرُوءِ فِيهِمَا . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا .
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ( وَكَذَلِكَ فِي الصُّبْحِ ) أَيْ يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَيُطَوِّلُ الْأُولَى وَيُقَصِّرُ الثَّانِيَةَ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .