بَاب تَخْفِيفِ الْأُخْرَيَيْنِ
بَابُ تَخْفِيفِ الْأُخْرَيَيْنِ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، نا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَبِي عَوْنٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ : قَدْ شَكَاكَ النَّاسُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ : أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ . بَابُ تَخْفِيفِ الْأُخْرَيَيْنِ بِتَحْتَانِيَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ الْأُخْرَى ، أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ وَحُكْمُ ثَالِثَةِ الْمَغْرِبِ حُكْمُ الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ . ( عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ) هُوَ الصَّحَابِيُّ وَلِأَبِيهِ سَمُرَةَ بْنِ جُنَادَةَ صُحْبَةٌ أَيْضًا ( لِسَعْدٍ ) هُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ خَالُ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ الرَّاوِي عَنْهُ ( شَكَاكَ النَّاسُ ) هُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ : شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عُمَرَ إِذْ جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَشْكُونَ إِلَيْهِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى قَالُوا : إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ الصَّلَاةَ ، انْتَهَى .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَمَّرَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى قِتَالِ الْفُرْسِ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَفَتَحَ اللَّهُ الْعِرَاقَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ اخْتَطَّ الْكُوفَةَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا أَمِيرًا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فِي قَوْلِ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ . وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ سَنَةَ عِشْرِينَ فَوَقَعَ لَهُ مَعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَا ذُكِرَ ( فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي الصَّلَاةِ ) قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ : رَفَعَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَشَفَهَا عُمَرُ فَوَجَدَهَا بَاطِلَةً . اهـ .
وَيُقَوِّيهِ قَوْلُ عُمَرَ فِي وَصِيَّتِهِ : فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ . ( قَالَ ) أَيْ سَعْدٌ ( أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الْأُولَيَيْنِ ) أَيْ أُطَوِّلُ فِيهِمَا . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : فَأُرْكِدُ فِي الْأُولَيَيْنِ .
قَالَ الْحَافِظُ : قَالَ الْقَزَّازُ : أُرْكِدُ أَيْ أُقِيمُ طَوِيلًا أَيْ أَطْوِّلُ فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّطْوِيلُ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَكِنِ الْمَعْهُودُ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْقِرَاءَةِ ، انْتَهَى . ( وَأَحْذِفُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ .
وَالْمُرَادُ بِالْحَذْفِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَخْفِيفُهُمَا وَتَقْصِيرُهُمَا عَنِ الْأُولَيَيْنِ لَا حَذْفُ أَصْلِ الْقِرَاءَةِ والْإِخْلَالُ بِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ أَحْذِفُ الْمَدَّ ( وَلَا آلُو ) بِالْمَدِّ فِي أَوَّلِهِ وَضَمِّ اللَّامِ أَيْ لَا أُقَصِّرُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ فِي إِفْسَادِكُمْ ( مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بَيَانٌ لِمَا ( ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ ) أَيْ هَذَا الَّذِي تَقُولُ هُوَ الَّذِي كُنَّا نَظُنُّهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ مَدْحُ الرَّجُلِ الْجَلِيلِ فِي وَجْهِهِ إِذَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ فِتْنَةً بِإِعْجَابٍ وَنَحْوِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْفِتْنَةَ ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ فِي الْأَمْرَيْنِ وَجَمَعَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَهُمَا بِمَا ذَكَرْتُهُ ، انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ .