بَاب تَمَامِ التَّكْبِيرِ
بَابُ تَمَامِ التَّكْبِيرِ أَيْ إِتْمَامُ عَدَدِ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ . فَفِي كُلِّ صَلَاةٍ ثُنَائِيَّةٍ إِحْدَى عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً : وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ ، وَخَمْسٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَفِي الثُّلَاثِيَّةِ سَبْعَ عَشْرَةَ : وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ ، وَتَكْبِيرَةُ الْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَخَمْسٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ، وَفِي الرَّبَاعِيَةِ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ ، فَفِي الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَةً . وَاعْلَمْ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الْإِحْرَامِ وَاجِبَةٌ وَمَا عَدَاهَا سُنَّةٌ لَوْ تَرَكَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ، لَكِنْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ وَمُوَافَقَةُ السُّنَّةِ ، هَذَا مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّ جَمِيعَ التَّكْبِيرَاتِ وَاجِبَةٌ .
( إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ كَبَّرَ ) وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ ( وَإِذَا نَهَضَ ) أَيْ قَامَ ( وَقَالَ : لَقَدْ صَلَّى هَذَا قَبْلُ ، أَوْ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا هَذَا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ( قَبْلُ صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ مِثْلَ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ قَالَ لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فَقَالَ : ذَكَّرَنَا هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ الْحَافِظُ : قَوْلُهُ : ذَكَّرَنَا ، بِتَشْدِيدِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي ذَكَرَهُ كَانَ قَدْ تُرِكَ .
وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّحَاوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : ذَكَّرَنَا عَلِيٌّ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا نَسِينَاهَا وَإِمَّا تَرَكْنَاهَا عَمْدًا وَلِأَحْمَدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ : قُلْنَا - يَعْنِي لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - : يَا أَبَا نُجَيْدٍ ، هُوَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ مُصَغَّرٌ : مَنْ أَوَّلُ مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ ؟ قَالَ : عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ حِينَ كَبِرَ وَضَعُفَ صَوْتُهُ ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ إِرَادَةَ تَرْكِ الْجَهْرِ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ مُعَاوِيَةُ . وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَهُ زِيَادٌ .
وَهَذَا لَا يُنَافِي الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ زِيَادًا تَرَكَهُ بِتَرْكِ مُعَاوِيَةَ ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ تَرَكَهُ بِتَرْكِ عُثْمَانَ ، وَقَدْ حَمَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْإِخْفَاءِ ، وَيُرَشِّحُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْآتِي فِي بَابِ يُكَبِّرُ وَهُوَ يَنْهَضُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ ، لَكِنْ حَكَى الطَّحَاوِيُّ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَتْرُكُونَ التَّكْبِيرَ فِي الْخَفْضِ دُونَ الرَّفْعِ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ كَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَفْعَلُ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ سِوَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ . وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ .
وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ لِلْإِيذَانِ بِحَرَكَةِ الْإِمَامِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُنْفَرِدُ ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ لِكُلِّ مُصَلٍّ انْتَهَى . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ .