بَاب الْإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
بَابُ الْإِقْعَاءِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ : قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ فَقَالَ : هِيَ السُّنَّةُ ، قَالَ : قُلْنَا : إِنَّا لَنَرَاهُ جُفَاءً بِالرَّجُلِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
باب الإقعاء بين السجدتين ( فِي الْإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ ) مَعْنَى الْإِقْعَاءِ هَاهُنَا : أَنْ يَجْعَلَ إلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَلَهُ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ : أَنْ يُلْصِقَ إلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ ، لَكِنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا هُوَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : عَلَى الْقَدَمَيْنِ فِي السُّجُودِ ( إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْجِيمِ أَيْ بِالْإِنْسَانِ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ جَمِيعِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ . قَالَ وَضَبَطَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَمَنْ ضَمَّ الْجِيمَ فَقَدْ غَلِطَ ، وَرَدَّ الْجُمْهُورُ عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالُوا : الصَّوَابُ الضَّمُّ وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ إِضَافَةُ الْجَفَاءِ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ( فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِقْعَاءَ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثَانِ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ النَّهْيُ عَنْهُ .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيٍّ ، وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَمُرَةَ وَأَنَسٍ ، وَأَسَانِيدُهَا كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ الْإِقْعَاءِ وَفِي تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَالصَّوَابُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ أَنَّ الْإِقْعَاءَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُلْصِقَ إلْيَتَيْهِ بِالْأَرْضِ وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ ، هَكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَصَاحِبُهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمَكْرُوهُ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّهْيُ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَحْمِلَ إلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَحَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَآخَرُونَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - .
قَالَ الْقَاضِي : وَقَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ قَالَ وَكَذَا جَاءَ مُفَسَّرًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُمِسَّ عَقِبَيْكَ إلْيَتَيْكَ . فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ نَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ، وَلَهُ نَصٌّ آخَرُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ أَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ الِافْتِرَاشُ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ قَوْلَانِ وَأَمَّا جِلْسَةُ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَجِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ فَسُنَّتُهُمَا الِافْتِرَاشُ وَجِلْسَةُ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ السُّنَّةُ فِيهِ التَّوَرُّكُ .
هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - . كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ .