بَاب التَّأْمِينِ وَرَاءَ الْإِمَامِ
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا : آمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . ( فَقُولُوا : آمِينَ ) هُوَ بِالْمَدِّ وَالتَّخْفِيفِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَعَنْ جَمِيعِ الْقُرَّاءِ ، وَحَكَى أَبُو نَصْرٍ عَنْ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ الْإِمَالَةَ ، وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ أُخَرُ شَاذَّةٌ ، الْقَصْرُ حَكَاهُ ثَعْلَبٌ ، وَأَنْشَدَ لَهُ شَاهِدًا ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ ، وَطَعَنَ فِي الشَّاهِدِ بِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ ثَعْلَبٍ إِنَّمَا أَجَازَهُ فِي الشِّعْرِ خَاصَّةً ، وَالثَّانِيَةُ : التَّشْدِيدُ مَعَ الْمَدِّ ، وَالثَّالِثَةُ : التَّشْدِيدُ مَعَ الْقَصْرِ ، وَخَطَّأَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، وَآمِينَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ ، وَيُفْتَحُ فِي الْوَصْلِ ؛ لِأَنَّهَا مِثْلُ كَيْفَ ، وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ ممَا يَرْجِعُ جَمِيعُهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَقِيلَ : إِنَّهُ اسْمٌ لِلَّهِ ، حَكَاهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ عَنِ الْوَاحِدِيِّ .
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ : مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا قَالَ : وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا : آمِينَ - أَيْ : مَعَ الْإِمَامِ - حَتَّى يَقَعَ تَأْمِينُكُمْ وَتَأْمِينُهُ مَعًا ، فَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا ؛ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَهُ عَنْ وَقْتِ تَأْمِينِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : إِذَا رَحَلَ الْأَمِيرُ فَارْحَلُوا ، يَعْنِي : إِذَا أَخَذَ الْأَمِيرُ لِلرَّحِيلِ فَتَهَيُّئُوا لِلِارْتِحَالِ ؛ لِتَكُونَ رِحْلَتُكُمْ مَعَ رِحْلَتِهِ ، وَبَيَانُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ : آمِينَ ، وَالْمَلَائِكَةُ تَقُولُ : آمِينَ ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تأمين الْمَلَائِكَةَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَأُحِبُّ أَنْ يُجْمَعَ التَّأْمِينَانِ فِي وَقْتِ رَجَاءِ الْمَغْفِرَةِ ، انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّأْمِينِ لِلْمَأْمُومِ وَالْجَهْرِ به ، وَقَدْ تَرْجَمَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ بَابَ جَهْرِ الْمَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ : قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ للتَرْجَمَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرَ بِقَوْلِ : آمِينَ ، وَالْقَوْلُ إِذَا وَقَعَ بِهِ الْخِطَابُ مُطْلَقًا حُمِلَ عَلَى الْجَهْرِ ، وَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الْإِسْرَارُ أَوْ حَدِيثُ النَّفْسِ قُيِّدَ بِذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : تُؤْخَذُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْهُ مِنْ جِهَاتٍ ، مِنْهَا : أَنَّهُ قَالَ : إِذَا قَالَ الْإِمَامُ فَقُولُوا ، فقَابِلَ الْقَوْلِ بِالْقَوْلِ ، وَالْإِمَامُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ جَهْرًا ، فَكَانَ الظَّاهِرُ الِاتِّفَاقُ فِي الصِّفَةِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ قَالَ : فَقُولُوا ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِجَهْرٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ ، وَقَدْ عُمِلَ بِهِ فِي الْجَهْرِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ ، يَعْنِي : فِي مَسْأَلَةِ الْإِمَامِ ، وَالْمُطْلَقُ إِذَا عُمِلَ بِهِ فِي صُورَةٍ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً فِي غَيْرِهَا بِاتِّفَاقٍ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَأْمُومَ مَأْمُورٌ بِالِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ فَلَزِمَ جَهْرَهُ بِجَهْرِهِ ، انْتَهَى .
قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا الْأَخِيرُ سَبَقَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَجْهَرَ الْمَأْمُومُ بِالْقِرَاءَةِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ جَهَرَ بِهَا ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ بِأَنَّ الْجَهْرَ بِالْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ ، فَبَقِيَ التَّأْمِينُ دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ ، وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَطَاءٍ : أَنَّ مَنْ خَلْفَ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَانُوا يُؤَمِّنُونَ جَهْرًا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَطَاءٍ ، قَالَ : أَدْرَكْتُ مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، إِذَا قَالَ الْإِمَامُ : وَلا الضَّالِّينَ سَمِعْتُ لَهُمْ رَجَّةً بِآمِينَ . انْتَهَى .
( فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : وَاخْتُلِفَ فِي هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ ، فَقِيلَ : هُمُ الْحَفَظَةُ ، وَقِيلَ : غَيْرُهُمْ ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ ) : وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَهُ الْحَاضِرُونَ مِنَ الْحَفَظَةِ قَالَهُ مَنْ فَوْقَهُمْ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُوَافَقَةِ الْمُوَافَقَةُ فِي وَقْتِ التَّأْمِينِ فَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِهِمْ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) ظَاهِرُهُ غُفْرَانُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الصَّغَائِرِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ .