بَاب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ
بَابُ مَا يَقُولُ : بَعْدَ التَّشَهُّدِ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، نا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ .
باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ( إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخَرِ ) فِيهِ تَعْيِينُ مَحَلِّ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الْمَرْوِيُّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الْحَدِيثُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَرُدُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ وُجُوبِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، وَمَا وَرَدَ مِنَ الْإذْنِ لِلْمُصَلِّي بِالدُّعَاءِ بِمَا شَاءَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ لِقَوْلِهِ إِذَا فَرَغَ ( فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ ) اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْأَمْرِ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ . وَفِي السُّبُلِ : وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِعَاذَةِ مِمَّا ذَكَرَ ، وَهُوَ مُذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ وَابْنُ حَزْمٍ مِنْهُمْ ، وَيَجِبُ عِنْدَهُ أَيْضًا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَمَلًا مِنْهُ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ، وَأَمَرَ طَاوُسٌ ابْنَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ يَسْتَعِذْ فِيهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ وَبُطْلَانِ الصَّلَاةِ مِنْ تَرْكِهَا ، وَالْجُمْهُورُ جَعَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ . انْتَهَى .
( مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ) قُدِّمَ ؛ فإنَّهُ أَشَدُّ وَأَبْقَى بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِّ ( وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ لِذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ مُتَوَاتِرَةٌ ( وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا يَعْرِضُ لَلْإَنِسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنَ الِافْتِتانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ . وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ . وَقِيلَ أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ وَبِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ السُّؤَالَ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحَيْرَةِ .
كَذَا فِي الْفَتْحِ . ( وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ) قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ : مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى ، وَنَقَلَ الْعَزِيزِيُّ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ الْمَسِيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ وَيُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ ، وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ .
قَالَ الْحَافِظُ : وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ . قَالَ فِي الْقَامُوسِ : وَالْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ - لِبَرَكَتِهِ كَذَا فِي النَّيْلِ . وَفِي السُّبُلِ : وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ لَهُ الْمَسِيحُ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، وَقِيلَ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ .
وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ أَنَّهُ جَمَعَ فِي وَجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ خَمْسِينَ قَوْلًا . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ .