بَاب مَنْ قَالَ يُتِمُّ عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ
حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ ، وَهُوَ جَالِسٌ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ . ( إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا ( فَلَبَسَ عَلَيْهِ ) بِتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا ؛ أَيْ خَلَطَ عَلَيْهِ أَمْرَ صَلَاتِهِ وَشَوَّشَ خَاطِرَهُ .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ : لَبَسْتُ الْأَمْرَ بِالْفَتْحِ أُلْبِسَهُ إِذَا خَلَطْتَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ وَرُبَّمَا شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا : هُوَ بِالتَّخْفِيفِ ؛ أَيْ خَلَطَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَهُوَ شَبَّهَهَا عَلَيْهِ وَشَكَّكَهُ فِيهَا . ( حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ) ؛ أَيْ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ غَيْرَهُمَا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ ( فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ ) ؛ أَيِ التَّرَدُّدَ وَعَدَمَ الْعِلْمِ ( سَجْدَتَيْنِ ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ سَهَا بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ . ( وَكَذَا ) ؛ أَيْ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَانْتَهَى حَدِيثُهُ عَلَى قَوْلِهِ ( وَهُوَ جَالِسٌ ) مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ جُمْلَةِ ( قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ) . ( رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ ) أَيْضًا ، فَهَؤُلَاءِ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَاللَّيْثُ ، لَمْ يَقُولُوا : قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَمَا سَيَأْتِي .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا مَحْمُولٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَابْنِ وَهْبٍ وَجَمَاعَةٍ عَلَى الْمُسْتَنْكَحِ الَّذِي لَا يَكَادُ يَنْفَكُّ عَنْهُ وَيَكْثُرُ عَلَيْهِ السَّهْوُ وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ لَكِنَّ الشَّيْطَانَ يُوَسْوِسُ لَهُ فَيَجْزِيهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ دُونَ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَنُوبَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي بِهِ . وَأَمَّا مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ صَلَاتَهُ فَيَبْنِي عَلَى يَقِينِهِ ، فَإِنِ اعْتَرَاهُ ذَلِكَ أَيْضًا فِيمَا يَبْنِي لَهَى عَنْهُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا غَيْرُ حَدِيثِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبِنَاءِ عَلَى الْيَقِينِ الْمُتَقَدِّمِ رَوَى أَيْضًا حَدِيثَ : إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَزَادَ أَمْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ .
وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِمَا ، بَلْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضِعٌ كَمَا ذَكَرْنَا ، انْتَهَى ؛ كَذَا فِي شَرْحِ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى الْمُوَطَّأِ .